Article 31

ابن خلدون مفسراَ: المنهج النقدي والتكامل المعرفي في »المقدمة«

د. غسان المعلم1

1 دكتوراة في التفسير وعلوم القرآن الكريم، كلية الدعوة الجامعية، بيروت – لبنان. بريد الكتروني: Ghassanm22@gmail.com

اوركيد: https://orcid.org/0009-0002-2320-8763

Ibn Khaldun as an Exegete: Critical Method and Epistemic Integration in the Muqaddimah

Dr. Ghassan Al-Mu’allim¹

¹ Ph.D. in Qur’anic Exegesis and Qur’anic Sciences, University College of Islamic Da’wah, Beirut, Lebanon.
Email: Ghassanm22@gmail.com. ORCID: https://orcid.org/0009-0002-2320-8763

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj78/31

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/78/31

المجلد (7) العدد (8). الصفحات: 569 - 583

تاريخ الاستقبال: 2026-07-10 | تاريخ القبول: 2026-07-20 | تاريخ النشر: 2026-08-01

Download PDF

Cite / الاستشهاد

المستخلص: قلّما يُذكر عبد الرحمن بن خلدون (ت 808هـ) إلا مقروناً بريادته في علم العمران، مع أن جانباً آخر من فكره لا يقلّ عمقاً عن ذلك، وهو اشتغاله بالتفسير وعلوم القرآن. يتتبع هذا البحث ما أورده ابن خلدون في «مقدمته» من فصول عن تاريخ التفسير وأصنافه ومناهج أهله، ويحاول أن يبيّن أن هذا الاشتغال لم يكن عرضاً تاريخياً عابراً، بل كان قراءة ناقدة صدرت عن صاحب منهج متكامل، ربط بين مقاصد القرآن الكلية وقوانين الاجتماع البشري. يعرض البحث تصنيف ابن خلدون للتفسير إلى نقلي ولغوي، وموقفه من الإسرائيليات ومعياره في تمحيص الأخبار المنقولة بعرضها على طبائع العمران قبل النظر في عدالة رواتها، وموقفه من أهل الباطن وتقويمه لتفسير الزمخشري «الكشاف» بشروطه الثلاثة، وربطه بين مقصد العمران ومقاصد القرآن، وما وُجّه إليه من نقد في تناوله بعض قضايا الغيب كالوحي وتمثّل الملَك. ويخلص البحث إلى أن منهج ابن خلدون في التفسير، على ما فيه من مواضع نظر، لا يزال أساساً صالحاً لتجديد النظر في علاقة التفسير بعلوم الاجتماع والعمران.

الكلمات المفتاحية: ابن خلدون؛ المقدمة؛ التفسير النقلي؛ التفسير اللغوي؛ الإسرائيليات؛ طبائع العمران؛ الزمخشري؛ التفسير الإشاري؛ مقصد العمران؛ الغيبيات.

Abstract: Abd al-Rahman Ibn Khaldun (d. 808 AH) is rarely mentioned without reference to his pioneering contributions to the science of human civilization (‘ilm al-‘umran). Yet another dimension of his thought is no less profound: his engagement with Qur’anic exegesis and the Qur’anic sciences. This study examines the chapters in Ibn Khaldun’s Muqaddimah devoted to the history, categories, and methodologies of Qur’anic exegesis. It argues that his treatment of these subjects was not merely a passing historical account, but rather a critical inquiry grounded in an integrated methodology that connected the overarching objectives of the Qur’an with the laws governing human society. The study discusses Ibn Khaldun’s classification of Qur’anic exegesis into transmitted and linguistic forms; his position on Isra’iliyyat narratives; and his criterion for scrutinizing transmitted reports by assessing them against the established patterns of human civilization before examining the reliability of their transmitters. It also addresses his position on esoteric interpreters, his evaluation of al-Zamakhshari’s Al-Kashshaf according to three conditions, his connection between the objectives of human civilization and those of the Qur’an, and the criticism directed at his treatment of certain metaphysical matters, such as revelation and the angel’s appearance in human form. The study concludes that, notwithstanding certain aspects open to scholarly reconsideration, Ibn Khaldun’s exegetical methodology remains a viable foundation for renewing scholarly inquiry into the relationship between Qur’anic exegesis and the social sciences and the study of human civilization.

Keywords: Ibn Khaldun; Al-Muqaddimah; Transmitted Exegesis; Linguistic Exegesis; Isra’iliyyat; Patterns of Human Civilization; Al-Zamakhshari; Allusive Exegesis; the Objective of Human Civilization; Metaphysical Matters.

مقدمة

أهمية البحث

لم يكن عبد الرحمن بن خلدون رحمه الله مؤسساً لعلم العمران البشري ومؤرخاً فحسب، بل كان فقيهاً ضليعاً في علوم القرآن وكما قال عنه علماء عصره واللاحقون: “متقدّم في فنون عقلية ونقلية، متعدّد المزايا، سديد البحث، كثير الحفظ، صحيح التّصوّر”؛ درس العلوم الشرعية في مرحلة تكوينه الأولى على علماء تونس والمغرب قبل أن ينصرف إلى تأليف كتابه في التاريخ ويبدع في مقدمته ويؤسس لعلم الاجتماع.

وقد وظف خلفيته العلمية في «مقدمته»، وخصّ بالكتابة بفصلين من الباب السادس، التفسير والقراءات، و علوم الحديث، وضمّنهما استقراءً تاريخياً لنشأة علم التفسير وتطوره، ونقداً لمناهج أهله([1]).

وتبرز أهمية دراسة جانب التفسير وعلومه من فكره في كونه يكشف الأساس المعرفي الذي قامت عليه نظريته في العمران؛ فالرجل لم يفصل بين نظره في الاجتماع ونظره في القرآن، وجعل من «مقصد العمران» مفتاحاً لفهم غايات الشريعة، وجعل من فهمه للاجتماع البشري أداة لتفسير السنن التي يشير إليها القرآن في قَصص الأمم السابقة؛ وجعل من استبطانه لعلوم الشريعة والتفسير وعلومه بالأخص مصوباً وحاكماً على اجتهاداته في تفسير سنن الاجتماع البشري، ولهذا صح وصفه بأنه كان «علامة فارقة في تاريخ الفكر الإسلامي»، إذ لم يتعامل مع التفسير سرداً للآثار المنقولة، بل أحدث فيه نقلة معرفية استندت إلى خلفيته القرآنية الموسوعية، وبنى بها منهجاً يربط بين مقاصد الوحي وقوانين الاجتماع البشري([2]).

فإذا أضيف إلى ما سبق أن كتابة ابن خلدون في التفسير ظلت حتى اليوم أقل حظاً من الدرس مقارنة بنظريته في العمران، ظهرت الحاجة إلى بحثٍ يفرد هذا الجانب بالنظر، ويبيّن كيف صدر عن رجل واحد صاحب منهج واحد في قراءة النصوص والوقائع معاً لم يخرج فيها عن منهج العلماء المعتبرين ومدارس التفسير السنيّة.

إشكالية البحث وأسئلته

تنطلق إشكالية هذا البحث من سؤال محوري: كيف نظر ابن خلدون إلى علم التفسير تصنيفاً وتاريخاً، وكيف وظّف هذا النظر في بناء مشروعه الفكري الأشمل؟ وهل نستطيع أن نقول إن ابن خلدون سار على طراز بقة علماء التفسير المشهورين خصوصاً أصحاب مدرسة النقل والعقل؟

ويتفرع عن السؤالين جملة من الأسئلة الفرعية: ما ملامح منهجه النقدي في التعامل مع المرويات التفسيرية، لا سيما الإسرائيليات والتأويل الباطني؟ وما المعيار الذي وضعه لتمحيص الأخبار المنقولة؟ وما الشروط التي اشترطها لمطالعة كتب التفسير اللغوي؟ وكيف وظّف نظريته في العمران أداة تفسيرية لمقاصد القرآن؟ وما مواضع النظر التي أُخذت عليه في هذا الباب؟

منهج البحث والدراسات السابقة

يعتمد البحث المنهج الاستقرائي التحليلي، فيستقرئ نصوص «المقدمة» ذات الصلة، ثم يحلّلها ويستنبط القواعد ويقارنها بما كتبه الدارسون المحدثون عن علاقة ابن خلدون بالتفسير وعلوم القرآن، مع عرض الانتقادات الموجَّهة إليه عرضاً موضوعياً غير متحيّز.

وقد سبقت هذا البحث دراسات مقتضبة تناولت جوانب منه متفرقة: منها ما عُني بمكانة ابن خلدون في التأريخ([3])، ومنها ما عُني بالتكامل المعرفي بين مقاصد القرآن ومقاصد الشريعة في تفسيره أطوار العمران([4])، ومنها ما تتبع الروح النقدية عنده في التعامل مع المرويات([5])، ومنها ما تناول موقفه من الإسرائيليات ضمن الدراسات العامة لهذا الموضوع([6])، ومنها ما عُني بمعالم منهجه في التفسير عموماً وبيان سعة أدواته المعرفية بين الفقه والتصوف والتفسير([7])، ومنها ما تناول قراءته التاريخية للنص بوجه عام([8])، بل إن هذا الجانب من فكره لفت أنظار الدراسات الغربية المعاصرة المعنية بالتفسير أيضاً([9])، وما هذا البحث إلا محاولة لجمع هذه الجوانب المتفرقة في إطار واحد، يُبرز التكامل المنهجي بين نظر ابن خلدون في التفسير ونظره في العمران مستفيداً من خبرة الباحث في رسالته للدكتوراة أيضاً حيث أصلت لاجتهادت ابن خلدون في النهوض الحضاري وفق القرآن الكريم وفصلت هناك ما سنجمله هنا ونكثفه إن شاء الله تعالى.

المبحث الأول: ابن خلدون وعلوم القرآن، الخلفية والمكانة

تلقّى ابن خلدون علومه الأولى في تونس على يد جماعة من كبار علمائها، فحفظ القرآن وقرأ القراءات وتلقّى التفسير والحديث والفقه على مذهب مالك، قبل أن ينتقل إلى العلوم العقلية والتاريخ([10])، وقد ظهر أثر هذا التكوين واضحاً في «المقدمة»؛ فابن خلدون لم يكتفِ بذكر علوم القرآن ضمن مسرده لعلوم العمران، بل قدَّم لها بتأصيل لمفهوم القرآن وإعجازه ومنزلته، ثم عرَض لتاريخ القراءات السبع وتدوينها، مبيّناً دور رجالها كأبي عمرو الداني وأبي القاسم الشاطبي، قبل أن ينتقل إلى تاريخ التفسير نفسه([11]). وفي هذا الترتيب ما يكشف أن ابن خلدون كان يتعامل مع علوم القرآن بوصفها تراكماً حضارياً له تاريخ ورجال ومدارس، وهي النظرة نفسها التي حكمت تناوله سائر العلوم في «المقدمة»، مما يؤكد أن خلفيته القرآنية لم تكن معزولة عن مشروعه الحضاري، بل كانت نواة له.

ولم يكن ابن خلدون مؤرخاً أو واضعاً لعلم العمران فحسب، بل كان:«عالماً أديباً وفقيهاً متصوفاً»([12])؛ وقد خصّص في «المقدمة» فصولاً مستقلة لعلوم القرآن والحديث والفقه وأصوله، إضافة إلى فصل في علم التصوف عرَض فيه لنشأته ومصطلحات أهله ومراتب السالكين، بل أفرد للتصوف مصنَّفاً مستقلاً هو «شفاء السائل لتهذيب المسائل». وقد وصفته دراسة صحفية معاصرة بأنه صاحب «قراءة تاريخية للنص»([13])، وهو وصف يصدق على تعامله مع التفسير كما يصدق على تعامله مع التاريخ، فكلاهما عنده يبدأ باستقراء السياق قبل الحكم على المضمون. هذا التعدد المعرفي بين الفقه والتفسير والتصوف والعمران هو ما يفسر عمق نظره حين تناول علاقة النص الشرعي بالمعرفة الإنسانية على اختلاف مشاربها، فنظرته إلى التفسير لم تكن نظرة المؤرخ العابر، بل نظرة العالم المتمرّس بأدوات هذا العلم، وهو سيتضح بجلاء عن المقارنة بينه وبين المفسرين في المباحث الآتية.

المبحث الثاني: مفهوم التفسير عند ابن خلدون ورؤيته السننية الاعتبارية

لم يكن ابن خلدون مفسراً بالمعنى التقليدي المقتصر على شرح الألفاظ وبيان المعاني، بل كان صاحب قراءة سننية اعتبارية جعلت من القرآن مصدراً أساسياً لفهم الظواهر الاجتماعية، وأداة لتتبع السنن التي تتحكم في قيام الأمم وسقوطها([14])، ويرى أن مقصد «العمران» أو «الاستخلاف» هو المقصد المحوري الذي تدور حوله أغلب أحكام القرآن ومقاصده([15])، وهو تصور سيتكئ عليه لاحقاً في بناء نظريته الشاملة في العمران البشري، حتى يصبح التفسير عنده أداة لفكّ شفرات السنن الإلهية في الكون والمجتمع، لا مجرد وسيلة لفهم الألفاظ والتراكيب([16])، وهذا التصور السنني هو ما يمنح استعراضه لتاريخ التفسير وأصنافه ومناهج أهله – وهو موضوع المباحث التالية – دلالته الكاملة؛ فابن خلدون لا يستعرض هذا التاريخ لذاته، بل ليؤسس عليه رؤيته في وظيفة التفسير ومقصده الأعلى.

المبحث الثالث: تصنيف علم التفسير وتحوّله من المشافهة إلى التدوين

ينطلق ابن خلدون من تقرير أن القرآن «نزل بلغة العرب وعلى أساليب بلاغتهم، فكانوا كلهم يفهمونه ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه»، هذا الفهم كان فهماً إجمالياً قد لا يستوعب دقائق المعاني كالمجمل والمشكل وناسخ الآيات من منسوخها عند كل الصحابة، وهذا ما استلزم نقل ذلك عن الصحابة الذين شهدوا التنزيل، ثم عن التابعين الذين أخذوا عنهم([17])، ومن هذا المنطلق يقسم التفسير إلى صنفين:

الصنف الأول: التفسير النقلي المسند، وهو الذي يقوم على «معرفة النسخ من القرآن، وأسباب النزول ومقاصد الآي، وكل ذلك لا يُعلم إلا بالنقل عن الصحابة والتابعين»([18])، ووصفه ابن خلدون بأنه «المقصود بالذات»؛ لأنه يختص ببيان مسائل لا يستقل العقل أو اللغة باستنباطها، وإنما تُعرف بالسماع والتوقيف عمّن عاين نزول الوحي وملابساته([19])، ويرى أن هذا الصنف هو الأصل الذي عليه مدار التفسير، وأن رواياته تناقلها الصحابة والتابعون شفاهاً حتى دُوِّنت، فانتهى هذا الفن إلى أئمة مثل الطبري والواقدي والثعالبي ممن كتبوا التفسير على أساس المرويات المسندة([20]).

والصنف الثاني: التفسير اللغوي، وهو الذي يعتمد على علوم اللسان العربي من نحو وبيان وأدب، ويرجع فيه المفسر إلى شعر العرب لبيان المفردات والتراكيب، وأبرز مصنَّفاته «الكشاف» للزمخشري([21]). وقد اعتبره ابن خلدون تابعاً ومساعداً للصنف الأول لا مستقلاً عنه، «وقلَّما ينفرد» عن المعنى الذي يقرّه التفسير النقلي؛ ذلك أن هذا الصنف اللغوي لم ينشأ علماً ومنهجاً مستقلاً إلا بعد أن صارت علوم اللسان صناعات مدونة وممنهجة، فهو علم طارئ غايته استعادة الفهم السليقي الأول الذي كان عليه العرب زمن التنزيل، لا التأسيس لمعنًى مستقل عنه([22])، وخلاصة هذا التمييز أن التفسير النقلي عند ابن خلدون هو الأصل والقاعدة التي يقوم عليها فهم الدين، بينما التفسير اللغوي أداة كاشفة ومساعدة تعمل في فلك النقل لتوضيح أساليبه ومقاصده اللسانية، أو هو – كما وصف ابن خلدون علوم اللسان عموماً – «علم آلة» ضروري لأهل الشريعة، لكنه يظل في مرتبة الوسيلة لا الغاية([23]).

لم يكتفِ ابن خلدون بهذا التصنيف الثنائي، بل بيّن كيف تحوّلت المعارف التفسيرية من مادة شفهية إلى علوم ممنهجة، وعدّ هذا التحول ضرورة حضارية اقتضاها تطور الاجتماع البشري نفسه، ففي الصدر الأول كان الصحابة يفهمون القرآن بسليقتهم العربية المباشرة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبيّن لهم المجمل ويميّز الناسخ من المنسوخ، فلم تكن هناك حاجة حينئذ إلى تفسير لغوي بوصفه علماً مستقلاً([24])، غير أن اتساع رقعة الدولة الإسلامية واختلاط العرب بالعجم أضعفا الملَكة اللسانية عند المتأخرين، فدعت الحاجة إلى تدوين هذه المعارف صوناً لها من الضياع، فتحوّلت من مادة شفهية محفوظة في الصدور إلى علوم وصناعات مدوَّنة في الكتب([25])، وهذا التفسير الاجتماعي لنشأة علم التفسير اللغوي يتسق مع رؤية ابن خلدون العامة في «المقدمة»، إذ يخضع تاريخ العلوم – كما أخضع تاريخ الدول والعمران – لقانون النشأة والتطور والذبول تبعاً لأحوال الاجتماع البشري.

المبحث الرابع: المنهج النقدي للمنقولات، الإسرائيليات ومعيار طبائع العمران

يمثّل موقف ابن خلدون من الإسرائيليات أوضح تجلٍّ لمنهجه النقدي؛ فقد لاحظ أن كتب التفسير النقلي امتلأت بأخبار «بدء الخليقة وما يرجع إلى الأمم الغابرة كالملاحم والحوادث الكونية وأشباه ذلك»، وأن هذه الأخبار «بعيدة عن الأحكام الشرعية التي يُطلب تحصيل العلم بها»، فكان الأمر فيها سهلاً على الرواة، ولم يحاولوا تحقيقها([26]).

ويعزو أصل هذه الظاهرة إلى طبيعة العرب الأوائل، فهم «كانوا أهل بداوة» لا عناية لهم بالكتابة والقراءة ولا علم عندهم بالكتاب، وكان الشغف بمعرفة أسرار الوجود وبدء الخليقة داعياً إلى سؤال من أسلم من أهل الكتاب كأمثال كعب الأحبار ووهب بن منبه، لسدّ فضولهم المعرفي، فامتلأت التفاسير بهذه المنقولات من غير أن يبذل الرواة اللاحقون جهداً كافياً في تمحيصها([27]).

لم يقف ابن خلدون عند تعليل الظاهرة تاريخياً، بل صاغ منها قاعدة نقدية عامة رآها أسبق من مسلك الجرح والتعديل نفسه، هي معيار «طبائع العمران»: فتمحيص أي خبر منقول، ومنه القصص التفسيري، ينبغي أن يمرّ أولاً بعرضه على طبائع الاجتماع البشري وقوانين العمران؛ فإن كان الخبر مستحيلاً في العقل والعادة، فلا فائدة حينئذ من البحث في عدالة ناقله وضبطه، لأن استحالة المتن تُغني الناظر عن الخوض في السند من أصله([28])، وبهذا قدّم ابن خلدون – قبل أن ينشغل نقاد الإسرائيليات المتأخرون بهذا الأمر تفصيلاً – مسلكاً يجمع بين النقد الداخلي للمتن والنقد الخارجي للسند، ويقدّم أولهما على ثانيهما، وهو ترتيب دقيق قلّ أن يُصرَّح به بهذا الوضوح عند غيره من علماء عصره.

ولا يقف ثناء ابن خلدون عند مجرد رصد الظاهرة ونقدها؛ فهو يثني على من سلك من المفسرين مسلك التمحيص والتلخيص، وفي مقدمتهم ابن عطية في «المحرر الوجيز»، والقرطبي في «الجامع لأحكام القرآن»، إذ لخّصا ما في تلك التفاسير، وتحرّيا الأصحّ فيما ينقلانه، وأهملا ما وراء ذلك من الفضول والمطوَّلات([29]).

وقد بيّن الدارسون المحدثون للإسرائيليات، ومنهم محمد أبو شهبة في كتابه «الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير»، خطورة هذه المرويات على تصور القرآن في أذهان العامة، ودَعَوا إلى تنقية كتب التفسير منها([30])، وإن كان هذا الاتجاه النقدي نفسه لم يسلم من ملاحظات منهجية، أبرزها أن بعض النقاد عمَّموا الحكم بالبطلان على كل ما وُصف بأنه إسرائيلي من غير تمييز بين مقام الرواية ومقام توظيف المعنى عند المفسر([31])، ويبقى ابن خلدون، على هذا، سبّاقاً إلى التنبيه على أصل المشكلة، وإلى صياغة معيار لتمحيصها يسبق زمنياً كثيراً مما كُتب حولها في العصر الحديث، رحمهم الله جميعاً.

المبحث الخامس: الموقف من التفسير الباطني والعقدي، أهل الباطن والزمخشري نموذجاً

لم يقتصر تحفظ ابن خلدون على المرويات المدخولة في التفسير النقلي، بل امتد إلى نمط آخر من الانحراف التفسيري نبَّه عليه في موضع آخر من «المقدمة»، وهو ما يتصل بأهل الباطن من المتصوفة والمتفلسفة الذين يفسّرون المتشابه من آي القرآن وبعض ما ورد في الشريعة من الأحكام بحملها على معانٍ باطنة تخالف ظاهرها، فرأى أن كثيراً مما يذهبون إليه في هذا الباب يُفضي إلى «أقوال منكرة ومذاهب مبتدعة» لا سند لها من الأثر([32])، ولم يصدر هذا الموقف الحازم عن رجل معادٍ للتصوف بإطلاق؛ فابن خلدون نفسه كان ذا عناية بالتصوف السني المعتدل، وله فيه مصنَّفه المستقل «شفاء السائل لتهذيب المسائل»([33])، وإنما كان تحفظه منصبّاً على توظيف التأويل الباطني غير المنضبط في تفسير كلام الله، فهو لا يقبل من التفسير – على حدّ تعبيره – إلا ما اعتمد النقل عن الصحابة والتابعين([34])، وبذلك فرّق بين تصوف يُمارَس سلوكاً وتربية روحية، وبين تفسير للقرآن لا ينضبط إلا بميزان الأثر والرواية.

ويلتقي هذا التفريق في جوهره مع موقفه من الزمخشري وكتابه «الكشاف عن حقائق التنزيل»، الذي وصفه بأنه «من أحسن ما اشتمل عليه هذا الفن من التفاسير»([35])، معترفاً بتفرد صاحبه في استخراج وجوه البلاغة والإعجاز من النظم القرآني، حتى غدا كتابه مرجعاً لا يستغني عنه دارسو التفسير اللغوي والبياني، غير أنه يقرن هذا الثناء بتحفظ عقدي صريح، فيصف مؤلفه بأنه «من أئمة الاعتزال»، وأن كتابه «مشحون بالحِجاج على مذاهبهم الفاسدة»([36]). فمعيار ابن خلدون الحاسم في قبول أي تفسير أو ردّه – سواء في حالة أهل الباطن أو حالة الزمخشري – هو مدى التزامه بضابط النقل الصحيح، أياً كان مصدر الانحراف عنه: اعتزالاً كلامياً، أو تأويلاً باطنياً صوفياً، أو فلسفة.

لم يكتفِ بالتحذير العام من غوائل «الكشاف»، بل صاغ لمطالعته شروطاً محددة تكشف وعياً منهجياً دقيقاً بخطورة اجتماع البراعة اللغوية والانحراف العقدي في كتاب واحد:

فأول هذه الشروط أن يكون الناظر فيه «واقفاً على المذاهب السنية»، بحيث يمتلك قاعدة عقدية متينة تُمكّنه من التمييز بين الفائدة اللغوية والانحراف العقدي، إذ قد يوظف المفسر اللغوي براعته في اللسان لتثبيت أصول مذهبه([37]).

والثاني أن يكون هذا الناظر «مُحسِناً للحِجاج» عن عقيدة أهل السنة، أي مدافعاً بارعاً عنها لا مجرد عارف بها نظرياً، فيكون هذا التمكن مأمناً له من الوقوع في «غوائل» التأويلات المعتزلية المندسّة في ثنايا البلاغة([38]).

أما الشرط الثالث فالنضج العلمي والرسوخ في العلم([39]).

وخلاصة هذا الاشتراط أن كتب التفسير اللغوي عند ابن خلدون «علوم آلة» ضرورية لإدراك إعجاز القرآن، فإذا توافرت شروط مطالعتها الآمنة، فلا حرج من النظر فيها لغرابة فنونها في اللسان، مع بقاء الحذر من مكامنها العقدية.

وقد وجد هذا التحفظ صداه فيما تلا «الكشاف» من حواشٍ وردود، أبرزها حاشية شرف الدين الطيبي التي أثنى عليها ابن خلدون؛ لأنها كشفت عوار الاعتزال في الكتاب من غير إغفال محاسنه البيانية([40])، وكتاب «الانتصاف» لابن المنير الإسكندري الذي تتبّع مواضع الاعتزال في الكشاف من منظور أهل السنة([41])، ولعل هذا الموقف النقدي المزدوج هو ما دفع ابن خلدون إلى الإشادة ضمناً بمسار تفسير البيضاوي «أنوار التنزيل وأسرار التأويل»، الذي أفاد من المادة اللغوية والبلاغية في «الكشاف» وفي «التفسير الكبير» للرازي معاً، وتجنّب في الوقت نفسه الانحرافات الاعتزالية التي شابت مصدره الأول([42])؛ فكان تفسير البيضاوي، في نظر كثير من الدارسين، تحقيقاً للغرض اللغوي الذي ينشده «الكشاف» مع السلامة العقدية التي افتقدها، وهو المسار الذي سلكه كثير من المحقِّقين بعد ابن خلدون في التعامل مع تراث الزمخشري.

المبحث السادس: مقصد العمران أداة لفهم مقاصد القرآن الكريم

يتجاوز إسهام ابن خلدون في هذا الباب حدود التأريخ لعلم التفسير إلى ربط منهجي بين مقاصد القرآن الكلية وعلمه في العمران البشري، وهو ما يمكن وصفه بالتكامل المعرفي بين علمين: أحدهما كلي وهو مقاصد القرآن، والآخر جزئي متفرع عنه وهو مقاصد الشريعة([43]). ويقوم هذا الربط على تقريره أن «الاجتماع الإنساني ضروري»، وأن العمران هو الإطار الذي لا تقوم الحياة البشرية إلا فيه([44])؛ ومن ثم فالأحكام الشرعية الجزئية – كتحريم القتل والظلم والزنا وحفظ الأنساب والأموال – تهدف في كلياتها إلى حفظ هذا العمران من الفساد والاختلال، بحيث يكون «الاستخلاف» وحفظ العمران المقصد الأعلى الذي تنتظم تحته سائر الأحكام الجزئية([45]).

وعلى هذا فإن فهم أحداث التاريخ التي يقصّها القرآن، وما تضمنته من سنن إلهية في هلاك الأمم واستخلافها، يستلزم فهم «الأمر الوجودي»، أي القوانين الاجتماعية الحاكمة للعمران، إذ يرى ابن خلدون أن النص الشرعي «نادراً ما يخالف مقتضى الواقع الاجتماعي السليم»، بل يأتي غالباً مؤيداً له وكاشفاً عن سننه([46]). وبهذا يضع قاعدة تفسيرية مهمة: أن تفسير الآيات التي تتحدث عن أحوال الأمم والدول والعصبيات لا يستقيم بمعزل عن فهم قوانين الاجتماع البشري، وهي القاعدة التي جعلت من «المقدمة» أداة تُستأنَف بها قراءة القَصص القرآني في ضوء سنن العمران لا في ضوء الوقائع التاريخية المجردة فحسب.

وقد ربط ابن خلدون – قبل أن يشيع مصطلح «مقاصد الشريعة» بصورته المتأخرة عند الشاطبي ومن جاء بعده – بين المقصد الكلي للوحي وبين تفسير جزئيات الأحكام والقَصص، منطلقاً من نظرة عمرانية شاملة، وهذا ما يفسر عناية الدراسات المعاصرة بإبراز هذا التكامل بين مقاصد القرآن ومقاصد الشريعة في تفسيره أطوار العمران([47])، وما يجعل هذا الربط نقلة نوعية في تاريخ التفسير المقاصدي.

المبحث السابع: الانتقادات الموجَّهة لمنهجه في الغيبيات

على الرغم من هذه الريادة المنهجية، لم يسلم ابن خلدون من انتقادات علمية دقيقة تتعلق بتفسيره بعض قضايا الغيب المتصلة بكيفية الوحي وحقيقة الملائكة؛ فقد عرض في «المقدمة السادسة» من الباب الأول نظرية متكاملة في مراتب إدراك الغيب، قسَّم فيها النفوس البشرية بحسب استعدادها للسمو إلى العالم الملائكي إلى ثلاثة أصناف: صنف عاجز عن هذا السمو وهو حال أهل العلم، وصنف يتوجه بالفكر نحو العالم الروحاني وهو حال الأولياء، وصنف ينسلخ بالفعل من طبيعته البشرية إلى الطبيعة الملائكية في لمحة من اللمحات، وهو حال الأنبياء عند الوحي([48]).

وعلى هذا الأساس فسَّر حالتي الوحي الواردتين في الحديث النبوي: حالة «صلصلة الجرس» وحالة تمثُّل المَلَك رجلاً، فجعل الأولى أشدهما على النبي؛ لكونها «مبدأ الخروج من القوة إلى الفعل» في انسلاخ النفس عن بشريتها لتلقي الوحي، وجعل الثانية أخف وأتم، وهي رتبة الأنبياء المرسَلين، حيث يتمثل الملك في صورة رجل «في لمح البصر أو هو أقرب»([49])، وذهب بعض الباحثين إلى أن هذا التأويل يُقحم النظر العقلي الفلسفي – المتأثر بنظرية الفيض والاتصال عند الفلاسفة – في قضايا غيبية لا تُدرك إلا بالنص كما ورد، وأن فيه ميلاً إلى تأويل «صلصلة الجرس» رمزاً لحال النفس النبوية لا صوتاً حقيقياً مسموعاً، وإلى اعتبار تمثّل الملك في صورة بشر ضرباً من التمثيل المعنوي لا وقوعاً حسياً حقيقياً؛ وهو ما عدّه هؤلاء الباحثون خروجاً عن ظاهر النصوص الصريحة في القرآن والسنة التي تقرر حرفية الخطاب الإلهي للأنبياء وحقيقة تمثّل الملائكة في صور بشرية محسوسة([50]).

وأياً كان وجه الحكم على هذا التأويل، فإن مرجعه عند ابن خلدون محاولة تفسير ظاهرة الوحي والنبوة تفسيراً يتسق مع نظريته العامة في مراتب الإدراك الإنساني وتدرّج الموجودات من عالم المادة إلى عالم الملائكة، وهي نظرية اقتبس كثيراً من مفرداتها من تراث الفلاسفة والحكماء الذي كان قد عرض له نقداً في مواضع أخرى من «المقدمة»، مما يكشف توتراً منهجياً عنده بين نقده العام للفلسفة وتوظيفه أدواتها في تفسير قضايا النبوة والوحي.

المبحث الثامن: مقارنة تفسيره لبعض الآيات مع مدرستي التفسير العقلية والنقلية:

لعل إجراء مقارنة في فهم وتفسير آيتين محددتين بينه وبين ابن جرير الطبري والرازي رحمهم الله جميعاً يوضح منهجه في فهم الآيات القرآنية وتفسيرها، ويجيب على سؤال البحث هل سار ابن خلدون على طراز بقة علماء التفسير المشهورين خصوصاً أصحاب مدرسة النقل والعقل؟

الآية الأولى: تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي ‌جَعَلَكُمْ ‌خَلَائِفَ ‌الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: 165]

ابن خلدون

ابن جرير الطبري

الرازي

وإذ قد بيّنّا حقيقة هذا المنصب_[الخليفة]_ وأنّه نيابة عن صاحب الشّريعة في حفظ الدّين وسياسة الدّنيا به تسمّى خلافة وإمامة والقائم به خليفة وإماما، فأمّا تسميته إماما فتشبيها بإمام الصّلاة في اتّباعه والاقتداء به ولهذا يقال الإمامة الكبرى، وأمّا تسميته خليفة فلكونه يخلف النّبيّ في أمّته فيقال خليفة بإطلاق وخليفة رسول الله، واختلف في تسميته خليفة الله فأجازه بعضهم اقتباساً من الخلافة العامّة الّتي للآدميّين في قوله تعالى «إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً 2: 30» وقوله «جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ 6: 165» ومنع الجمهور منه.

وَاللَّهُ {الَّذِي جَعَلَكُمْ}أَيُّهَا النَّاسُ {خَلَائِفَ الْأَرْضِ} بِأَنْ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْقُرُونِ وَالْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، وَاسْتَخْلَفَكُمْ فَجَعَلَكُمْ خَلَائِفَ مِنْهُمْ فِي الْأَرْضِ، تَخْلُفُونَهُمْ فِيهَا، وَتَعْمُرُونَهَا بَعْدَهُمْ. وَالْخَلَائِفُ: جَمْعُ خَلِيفَةٍ، كَمَا الْوَصَائِفُ جَمْعُ وَصِيفَةٍ، وَهِيَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: خَلَفَ فُلَانٌ فُلَانًا فِي دَارِهِ يَخْلُفُهُ فَهُوَ خَلِيفَةٌ فِيهَا»

«اعْلَمْ أَنَّ فِي قَوْلِهِ: ‌جَعَلَكُمْ ‌خَلائِفَ ‌الْأَرْضِ وجوها: أحدها: جعلكم خَلَائِفَ الْأَرْضِ لِأَنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ فَخَلَفَتْ أُمَّتُهُ سَائِرَ الْأُمَمِ. وَثَانِيهَا: جَعَلَهُمْ يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُمْ خُلَفَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ يَمْلِكُونَهَا وَيَتَصَرَّفُونَ فِيهَا»

تاريخ ابن خلدون:(1/ 239).

تفسير الطبري ط هجر: (10/ 50).

تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (14/ 192)

الآية الثانية: تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً ‌أَمَرْنا ‌مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً﴾ [الإسراء: 16]

يقول ابن خلدون: “وذلك أنّ النّاس بشر متماثلون وإنّما تفاضلوا وتميّزوا بالخلق واكتساب الفضائل واجتناب الرّذائل. فمن استحكمت فيه صبغة الرّذيلة بأيّ وجه كان، وفسد خلق الخير فيه، لم ينفعه زكاء نسبه ولا طيب منبته. ولهذا تجد كثيرا من أعقاب البيوت وذوي الأحساب والأصالة وأهل الدّول منطرحين في الغمار منتحلين للحرف الدّنيئة في معاشهم بما فسد من أخلاقهم وما تلوّنوا به من صبغة الشّرّ والسّفسفة وإذا كثر ذلك في المدينة أو الأمّة تأذّن الله بخرابها وانقراضها وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً ‌أَمَرْنا ‌مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ﴾[الإسراء: 16]. ووجهه حينئذ إنّ مكاسبهم حينئذ لا تفي بحاجاتهم لكثرة العوائد ومطالبة النّفس بها فلا تستقيم أحوالهم. وإذا فسدت أحوال الأشخاص واحدا واحدا اختلّ نظام المدينة وخربت”([51])

وقال في موضع آخر مبيناً كيف يهلك الله المترفين ويأذن بزوال الملك: ” إذا تأذّن الله بانقراض الملك من أمّة حملهم على ارتكاب المذمومات وانتحال الرّذائل وسلوك طرقها فتفقد الفضائل السّياسيّة منهم جملة ولا تزال في انتقاص إلى أن يخرج الملك من أيديهم ويتبدّل به سواهم ليكون نعياً عليهم في سلب ما كان الله قد أتاهم من الملك وجعل في أيديهم من الخير ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً﴾ [الإسراء: 16]” ([52])

وفي جامع البيان جاء تفسير الآية على النحو الآتي: ” أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا بِالطَّاعَةِ، فَفَسَقُوا فِيهَا بِمَعْصِيَتِهِمُ اللَّهَ، وَخِلَافِهِمْ أَمْرَهُ، كَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ كَثِيرٌ مِمَّنْ قَرَأَهُ كَذَلِكَ…وَذُكِرَ.. أَنَّهُ قرأ (آمَرْنَا) بِمَدِّ الْأَلِفِ مِنْ أَمَرْنَا، بِمَعْنَى: أَكْثَرْنَا فَسَقَتَهَا. .. وعَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ: { أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا } يَقُولُ: أَكْثَرْنَا مُتْرَفِيهَا: أَيْ جَبَابِرَتَهَا، فَفَسَقُوا فِيهَا وَعَمِلُوا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ {فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16] وَكَانَ يَقُولُ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ صَلَاحًا بَعَثَ عَلَيْهِمْ مُصْلِحًا. وَإِذَا أَرَادَ بِهِمْ فَسَادًا بَعَثَ عَلَيْهِمْ مُفْسِدًا، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَهَا أَكْثَرَ مُتْرَفِيهَا» ([53]).

وقال الرازي صاحب تفسير مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير:

“فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: أَمَرْنا مُتْرَفِيها: أَيْ أَكْثَرْنَا فُسَّاقَهَا. .. الْعَرَبُ تَقُولُ أَمِرَ الْقَوْمُ إِذَا كَثُرُوا وَأَمَّرَهُمُ اللَّهُ إِذَا كَثَّرَهُمْ، وَآمَرَهُمْ أَيْضًا بِالْمَدِّ.. أَيْ كَثَّرَهُمْ”([54]).

من ملاحظة المثالين السابقين نجد أن ابن خلدون انعكس فهمه لواقعه استناداً لفهمه لدينه وكتاب ربه ومستشهداً بالآيات والأحاديث وأقوال علماء الإسلام، ونجده لا يخرج في فهمه للآيات عن مدارس التفسير المعتبرة، وإذا أضفنا إلى ما سبق ذكره في المباحث السابقة نستطيع القول إن اجتهاداته في المقدمة نوع من التفسير لكتاب الله تعالى يتوافق مع مدارس التفسير الإسلامية المعتبرة.

خاتمة

جمع ابن خلدون في تعامله مع علم التفسير بين احترام النقل الأمين وإعمال النظر العقلي الناقد، فلم يكن ناقلاً لتاريخ هذا العلم، بل كان أحد صانعي وعيه النقدي، وهو كما قال عنه علماء عصره واللاحقون: “متقدّم في فنون عقلية ونقلية، متعدّد المزايا، سديد البحث، كثير الحفظ، صحيح التّصوّر”؛ ولذا لا يبعد أن يكون مفسراً على منهج المفسرين المعروفين وإن لم يشتهر عنه ذلك لعدم تأليفه في التفسير بشكل منفرد، لكن رأينا كيف صدرت آراؤه المتفرقة في التفسير والتصنيف والنقد والمقاصد عن رؤية واحدة، مستبطنا فهم آيات الله تعالى في كتابه الكريم، ومحاولاً تفسير قوانين الاجتماع البشري ومستشهداً بالآيات أحياناً.

وعلى هذا الأساس تحاول الخاتمة أن تجمل ما توصل إليه البحث في نتائج محددة، ثم تقترح بعض السبل التي يمكن أن يُستأنف بها هذا البحث مستقبلاً.

النتائج

1. لم يكن اشتغال ابن خلدون بالتفسير عرضاً هامشياً في مشروعه الفكري، بل صدر عن خلفية علمية موسوعية جمعت بين الفقه والتفسير والتصوف، وشكّلت الأساس الذي قامت عليه نظريته في العمران.

2. أسّس ابن خلدون نظرته إلى التفسير على قراءة سننية اعتبارية، جعلت من القرآن مصدراً لفهم قوانين الاجتماع البشري لا مجرد نص يُشرح لفظه.

3. صنّف ابن خلدون التفسير تصنيفاً منهجياً دقيقاً إلى نقلي ولغوي، وفسّر تحوّله من مادة شفهية إلى علوم مدوَّنة تفسيراً حضارياً ينسجم مع رؤيته العامة في نشأة العلوم وتطورها.

4. نقد ابن خلدون ظاهرة الإسرائيليات نقداً عقلانياً متزناً، وأرجعها إلى سياقها التاريخي والاجتماعي، ووضع معيار «طبائع العمران» أداة لتمحيص المتون تسبق النظر في الأسانيد، وهو سبق منهجي يستحق التنويه.

5. حذّر من التأويل الباطني غير المنضبط عند غلاة المتصوفة والمتفلسفة، مع تفريقه بين هذا التحذير وبين تصوفه الشخصي المعتدل.

6. قوّم كتاب «الكشاف» للزمخشري تقويماً مزدوجاً جمع بين الاعتراف بقيمته اللغوية والتحذير من غوائله العقدية، واشترط لمطالعته شروطاً ثلاثة تكشف نضجاً منهجياً بيّناً.

7. أحدث نقلة نوعية بربط مقاصد القرآن الكلية بنظريته في العمران البشري، بما يمكن عدّه تأسيساً مبكراً لمنهج مقاصدي في قراءة القَصص القرآني والسنن الإلهية في التاريخ.

8. لم يسلم منهجه في تناول بعض قضايا الغيب، وبخاصة كيفية الوحي وتمثل الملائكة، من إقحام النظر الفلسفي على ما لا يُدرك إلا بالنص، وهو موضع نقد وجيه استند إلى دلالة النصوص الصريحة.

9. إن اجتهاداته في المقدمة نوع من التفسير لكتاب الله تعالى يتوافق مع مدارس التفسير الإسلامية المعتبرة.

التوصيات

1. إفراد دراسة مستقلة تقارن بين معيار «طبائع العمران» عند ابن خلدون ومناهج نقد المتن عند المحدثين المتقدمين، لبيان مواضع الالتقاء والافتراق بين المسلكين.

2. دراسة موقف ابن خلدون من قضايا الغيب دراسة مستقلة تحرر رأيه في ضوء أصول الاعتقاد، وتميّز بين ما يصح حمله على الاجتهاد المقبول وما ينبغي التنبيه عليه.

3. موازنة منهج ابن خلدون في ربط مقاصد القرآن بالعمران بمناهج المقاصديين المتأخرين، من الشاطبي إلى الدارسين المعاصرين، لبيان أثره فيهم أو استقلاله عنهم.

4. توسيع البحث ليشمل موازنة منهج ابن خلدون في نقد الإسرائيليات بمناهج الدراسات الغربية المعاصرة للتفسير، لبيان أوجه السبق والتلاقي بينها.

قائمة المصادر والمراجع

أولاً: المصادر

القرآن الكريم.

The Holy Qur’an.

ابن عطية، عبد الحق بن غالب الأندلسي. (1422هـ/2001م). المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد، ط1). بيروت: دار الكتب العلمية.

Ibn ‘Atiyyah, ‘Abd al-Haqq ibn Ghalib al-Andalusi. (1422 AH/2001). The Concise and Accurate Commentary on the Noble Qur’an (‘Abd al-Salam ‘Abd al-Shafi Muhammad, Ed., 1st ed.). Beirut: Dar Al-Kutub Al-‘Ilmiyyah.

ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد. (1370هـ/1951م). التعريف بابن خلدون ورحلته غربًا وشرقًا (تحقيق محمد بن تاويت الطنجي). القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر.

Ibn Khaldun, ‘Abd al-Rahman ibn Muhammad. (1370 AH/1951). Ibn Khaldun’s Autobiography and His Journey to the West and the East (Muhammad ibn Tawit al-Tanji, Ed.). Cairo: Committee for Authorship, Translation, and Publication.

ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد. (1425هـ/2004م). مقدمة ابن خلدون (تحقيق عبد الله محمد الدرويش، ط2). دمشق: دار يعرب.

Ibn Khaldun, ‘Abd al-Rahman ibn Muhammad. (1425 AH/2004). The Muqaddimah of Ibn Khaldun (‘Abd Allah Muhammad al-Darwish, Ed., 2nd ed.). Damascus: Dar Ya‘rub.

ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد. (د.ت.). شفاء السائل لتهذيب المسائل (تحقيق محمد بن تاويت الطنجي). بيروت: دار الآفاق الجديدة.

Ibn Khaldun, ‘Abd al-Rahman ibn Muhammad. (n.d.). Healing the Inquirer through the Refinement of Questions (Muhammad ibn Tawit al-Tanji, Ed.). Beirut: Dar Al-Afaq Al-Jadidah.

البيضاوي، ناصر الدين عبد الله بن عمر. (1418هـ/1997م). أنوار التنزيل وأسرار التأويل (تحقيق محمد عبد الرحمن المرعشلي، ط1). بيروت: دار إحياء التراث العربي.

Al-Baydawi, Nasir al-Din ‘Abd Allah ibn ‘Umar. (1418 AH/1997). The Lights of Revelation and the Secrets of Interpretation (Muhammad ‘Abd al-Rahman al-Mar‘ashli, Ed., 1st ed.). Beirut: Dar Ihya’ Al-Turath Al-‘Arabi.

الرازي، فخر الدين محمد بن عمر. (1420هـ/1999م). مفاتيح الغيب، المعروف بالتفسير الكبير (ط3). بيروت: دار إحياء التراث العربي.

Al-Razi, Fakhr al-Din Muhammad ibn ‘Umar. (1420 AH/1999). Keys to the Unseen, Commonly Known as the Great Commentary (3rd ed.). Beirut: Dar Ihya’ Al-Turath Al-‘Arabi.

الزمخشري، محمود بن عمر. (1407هـ/1987م). الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل (ط3). بيروت: دار الكتاب العربي.

Al-Zamakhshari, Mahmud ibn ‘Umar. (1407 AH/1987). Al-Kashshaf: Unveiling the Realities of the Mysteries of Revelation and the Finest Interpretations (3rd ed.). Beirut: Dar Al-Kitab Al-‘Arabi.

الطبري، محمد بن جرير. (1420هـ/2000م). جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تحقيق أحمد محمد شاكر، ط1). بيروت: مؤسسة الرسالة.

Al-Tabari, Muhammad ibn Jarir. (1420 AH/2000). The Comprehensive Exposition of the Interpretation of the Verses of the Qur’an (Ahmad Muhammad Shakir, Ed., 1st ed.). Beirut: Al-Risalah Foundation.

القرطبي، محمد بن أحمد الأنصاري. (1384هـ/1964م). الجامع لأحكام القرآن (تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، ط2). القاهرة: دار الكتب المصرية.

Al-Qurtubi, Muhammad ibn Ahmad al-Ansari. (1384 AH/1964). The Comprehensive Commentary on the Legal Rulings of the Qur’an (Ahmad al-Barduni & Ibrahim Atfayish, Eds., 2nd ed.). Cairo: Dar Al-Kutub Al-Misriyyah.

ثانياً: المراجع الحديثة

أبو شهبة، محمد بن محمد بن سويلم. (1408هـ/1987م). الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير (ط4). القاهرة: مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف.

Abu Shahbah, Muhammad ibn Muhammad ibn Suwaylim. (1408 AH/1987). Isra’iliyyat Narratives and Fabricated Reports in Books of Qur’anic Exegesis (4th ed.). Cairo: Islamic Research Academy, Al-Azhar.

الذهبي، محمد حسين. (د.ت.). الإسرائيليات في التفسير والحديث. القاهرة: مكتبة وهبة.

Al-Dhahabi, Muhammad Husayn. (n.d.). Isra’iliyyat Narratives in Qur’anic Exegesis and Hadith. Cairo: Wahbah Bookshop.

الذهبي، محمد حسين. (د.ت.). التفسير والمفسرون (ط7). القاهرة: مكتبة وهبة.

Al-Dhahabi, Muhammad Husayn. (n.d.). Qur’anic Exegesis and the Exegetes (7th ed.). Cairo: Wahbah Bookshop.

منصور، أحمد صبحي. (1998م). مقدمة ابن خلدون: دراسة تحليلية تاريخية أصولية. القاهرة: مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية ودار الأمين للنشر. أعيد نشره إلكترونيًا في موقع أهل القرآن: https://www.ahl-alquran.com

Mansour, Ahmed Subhy. (1998). Ibn Khaldun’s Muqaddimah: A Historical and Methodological Analytical Study. Cairo: Ibn Khaldun Center for Development Studies and Dar Al-Amin. Republished electronically on Ahl Al-Qur’an: https://www.ahl-alquran.com

ثالثاً: الدوريات والمقالات العلمية والإلكترونية

أبا الخيل، يوسف عبد العزيز. (2012، 10 نوفمبر). ابن خلدون: القراءة التاريخية للنص معقولة ومطلوبة. جريدة الرياض، العدد (16210). https://alriyadh.com/783112

Aba Al-Khayl, Yusuf ‘Abd al-‘Aziz. (2012, November 10). Ibn Khaldun: The Historical Reading of the Text Is Reasonable and Necessary. Al-Riyadh Newspaper, Issue 16210. https://alriyadh.com/783112

الأنيس، عبد الحكيم. (2014، 29 سبتمبر). تطوير دراسة التفسير في ضوء مقالات ابن خلدون. شبكة الألوكة. https://www.alukah.net/sharia/1002/76632/

Al-Anis, ‘Abd al-Hakim. (2014, September 29). Developing the Study of Qur’anic Exegesis in Light of Ibn Khaldun’s Writings. Alukah Network. https://www.alukah.net/sharia/1002/76632/

بسناسي، محمد. (2018). الروح النقدية عند ابن خلدون. مجلة دراسات إنسانية واجتماعية، جامعة وهران 2، (8)، 349–373. https://doi.org/10.46315/1714-000-008-019

Basnasi, Mohammed. (2018). The Critical Spirit in Ibn Khaldun’s Thought. Journal of Human and Social Studies, University of Oran 2, (8), 349–373. https://doi.org/10.46315/1714-000-008-019

تركي، فضيلة. (2020). التكامل المعرفي بين مقاصد القرآن ومقاصد الشريعة في تفسير أطوار العمران من خلال مقدمة ابن خلدون. مجلة الإحياء، 20(24)، 149–170. https://doi.org/10.35553/1699-020-024-006

Terki, Fadhila. (2020). Cognitive Integration between the Objectives of the Qur’an and the Objectives of Islamic Law in Interpreting the Stages of Civilization through Ibn Khaldun’s Muqaddimah. Al-Ihya Journal, 20(24), 149–170. https://doi.org/10.35553/1699-020-024-006

حماني، محمد. (2015، 17 ديسمبر). معالم من علم التفسير عند العلامة ابن خلدون (ت 808هـ). جريدة المحجة، العدد (448)، 325–327. https://almahajjafes.net/2015/12/معالم-من-علم-التّفسير-عند-العلامة-ابن-خ/

Hammani, Muhammad. (2015, December 17). Features of Qur’anic Exegesis in the Thought of the Scholar Ibn Khaldun (d. 808 AH). Al-Mahajja Newspaper, Issue 448, 325–327. https://almahajjafes.net/2015/12/معالم-من-علم-التّفسير-عند-العلامة-ابن-خ/

السيد، محمود حمد. (د.ت.). الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير للدكتور محمد أبو شهبة: عرض وتقويم. مركز تفسير للدراسات القرآنية. https://tafsir.net/articles/11386

Al-Sayyid, Mahmud Hamad. (n.d.). Isra’iliyyat Narratives and Fabricated Reports in Books of Qur’anic Exegesis by Dr. Muhammad Abu Shahbah: A Review and Evaluation. Tafsir Center for Qur’anic Studies. https://tafsir.net/articles/11386

قسم الترجمات بموقع تفسير. (2023–2024). التفسير في الدراسات الغربية المعاصرة (الأجزاء 1–3). الرياض: مركز تفسير للدراسات القرآنية. https://tafsir.net/collection/701

Translation Department at Tafsir Website. (2023–2024). Qur’anic Exegesis in Contemporary Western Studies (Parts 1–3). Riyadh: Tafsir Center for Qur’anic Studies. https://tafsir.net/collection/701

عويس، عبد الحليم. (2013، 20 يونيو). ابن خلدون رائد التفسير العلمي للتاريخ. شبكة الألوكة. https://www.alukah.net/culture/0/56282/

‘Uways, ‘Abd al-Halim. (2013, June 20). Ibn Khaldun: A Pioneer of the Scientific Interpretation of History. Alukah Network. https://www.alukah.net/culture/0/56282/

الهوامش:

  1. ()ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، مقدمة ابن خلدون، تحقيق: عبد الله محمد الدرويش، ط2 (دمشق: دار يعرب، 1425هـ/2004م)، الباب السادس، الفصلان الخامس والسادس.

  2. ()«التكامل المعرفي بين مقاصد القرآن ومقاصد الشريعة في تفسير أطوار العمران من خلال مقدمة ابن خلدون»، مجلة الإحياء، المجلد 20، العدد 2 (2020م)، ص152؛ منشور أيضاً على منصة ASJP الجزائرية للمجلات العلمية، على الرابط: asjp.cerist.dz/en/article/115286.

  3. ()«ابن خلدون رائد التفسير العلمي للتاريخ»، شبكة الألوكة، على الرابط: alukah.net/culture/0/56282.

  4. ()«التكامل المعرفي بين مقاصد القرآن ومقاصد الشريعة في تفسير أطوار العمران من خلال مقدمة ابن خلدون»، مجلة الإحياء، المجلد 20، العدد 2 (2020م)، ص149-166.

  5. ()«الروح النقدية عند ابن خلدون»، مجلة دراسات إنسانية واجتماعية، العدد 8 (2018م)، ص349-371.

  6. ()أبو شهبة، محمد بن محمد بن سويلم، الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير (القاهرة: مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، ط4، 1408هـ/1987م).

  7. ()حماني، محمد، «معالم من علم التفسير عند العلامة ابن خلدون (ت: 808هـ)»، جريدة المحجة (2015م)، ص325-327.

  8. ()«ابن خلدون: القراءة التاريخية للنص»، جريدة الرياض، العدد 16210 (2012م).

  9. ()«التفسير في الدراسات الغربية المعاصرة»، مركز تفسير للدراسات القرآنية، ص55، 422، 427.

  10. ()انظر ترجمته لنفسه في: ابن خلدون، التعريف بابن خلدون ورحلته غرباً وشرقاً، تحقيق: محمد بن تاويت الطنجي (القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1370هـ/1951م).

  11. ()ابن خلدون، المقدمة، الباب السادس، الفصل الخامس.

  12. ()حماني، «معالم من علم التفسير عند العلامة ابن خلدون»، مرجع سابق، ص325.

  13. ()«ابن خلدون: القراءة التاريخية للنص»، مرجع سابق.

  14. ()«الروح النقدية عند ابن خلدون»، مرجع سابق، ص355-357؛ وانظر أيضاً: ابن خلدون، المقدمة، الباب الأول.

  15. ()ابن خلدون، المقدمة، الباب الأول، المقدمة الأولى.

  16. ()«التكامل المعرفي بين مقاصد القرآن ومقاصد الشريعة…»، مرجع سابق، ص158-162.

  17. ()ابن خلدون، المقدمة، الباب السادس، الفصل الخامس.

  18. ()المصدر نفسه.

  19. ()المصدر نفسه.

  20. ()ابن خلدون، المقدمة، الباب السادس، الفصل الخامس

  21. ()المصدر نفسه.

  22. ()المصدر نفسه.

  23. ()المصدر نفسه.

  24. ()المصدر نفسه.

  25. ()المصدر نفسه.

  26. ()المصدر نفسه.

  27. ()المصدر نفسه؛ وانظر أيضاً: الذهبي، محمد حسين، الإسرائيليات في التفسير والحديث (القاهرة: مكتبة وهبة، د.ت)، ص95.

  28. ()«الروح النقدية عند ابن خلدون»، مرجع سابق، ص363-366.

  29. ()ابن خلدون، المقدمة، الباب السادس، الفصل الخامس.

  30. ()أبو شهبة، الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير، المقدمة.

  31. ()السيد، محمود حمد، «الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير للدكتور محمد أبو شهبة: عرض وتقويم»، مركز تفسير للدراسات القرآنية، على الرابط: tafsir.net/articles/11386.

  32. ()حماني، «معالم من علم التفسير عند العلامة ابن خلدون»، مرجع سابق، ص327؛ وينظر أصل كلام ابن خلدون في: المقدمة، الباب السادس، فصل التصوف.

  33. ()ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، شفاء السائل لتهذيب المسائل، تحقيق: محمد بن تاويت الطنجي (بيروت: دار الآفاق الجديدة)؛ وانظر: حماني، مرجع سابق.

  34. ()حماني، «معالم من علم التفسير عند العلامة ابن خلدون»، مرجع سابق.

  35. ()ابن خلدون، المقدمة، الباب السادس، الفصل الخامس.

  36. ()ابن خلدون، المقدمة، الباب السادس، الفصل الخامس.

  37. ()المصدر نفسه؛ وانظر أيضاً: «الروح النقدية عند ابن خلدون»، مرجع سابق، ص368-369.

  38. ()ابن خلدون، المقدمة، الباب السادس، الفصل الخامس؛ «الروح النقدية عند ابن خلدون»، مرجع سابق، ص369-370.

  39. ()وقد ذهب بعض الدارسين المحدثين، تطويراً لمقالة ابن خلدون، إلى أن مثل هذه الكتب لا ينبغي أن تُدرَّس إلا في مراحل الدراسات العليا، حين يكون الطالب قد قوي علمه وفهمه ورسخت قدمه في العلم، فيقدر على غربلة محتواها واقتناص فوائدها اللسانية من غير أن تؤثر فيه شبهاتها العقدية«الروح النقدية عند ابن خلدون»، مرجع سابق، ص370-371.

  40. ()انظر: الطيبي، الحسن بن محمد، فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب المعروف بحاشية الطيبي على الكشاف.

  41. ()ابن المنير الإسكندري، أحمد بن محمد، الانتصاف من الكشاف.

  42. ()البيضاوي، ناصر الدين عبد الله بن عمر، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، تحقيق: محمد عبد الرحمن المرعشلي (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1418هـ).

  43. ()«التكامل المعرفي بين مقاصد القرآن ومقاصد الشريعة…»، مرجع سابق، ص149-152.

  44. ()ابن خلدون، المقدمة، الباب الأول، المقدمة الأولى.

  45. ()المصدر نفسه، الباب الأول.

  46. ()المصدر نفسه.

  47. ()«التكامل المعرفي بين مقاصد القرآن ومقاصد الشريعة…»، مرجع سابق، ص162-166. وللباحث د. غسان المعلم بحث علمي بعنوان: مقاصد القرآن الكريم عند ابن خلدون: التكامل المعرفي وتحليل ظواهر العمران والسياسة والاقتصاد تحدث عن هذا الجانب بشيء من التفصيل.

  48. ()ابن خلدون، المقدمة، الباب الأول، المقدمة السادسة.

  49. ()المصدر نفسه.

  50. ()انظر مناقشة هذه الانتقادات في عرض تحليلي لهذا الفصل من «المقدمة» في: منصور، أحمد صبحي، «عرض مقدمة ابن خلدون: الباب الأول: الغيب والنبوة والوحي والكهانة»، موقع أهل القرآن، على الرابط: ahl-alquran.com/arabic/show_article.php?main_id=13702.

  51. () تاريخ ابن خلدون 1/ 467.

  52. () تاريخ ابن خلدون 1/ 180

  53. ()تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر 14/ 527.

  54. ()تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير: 20/ 313.