Article 41

الكتابة التاريخية للزمن الراهن: بين بنية السرد وحدود التركيب

يونس احممض1، شكير عكي2

1 أستاذ التعليم الثانوي وطالب باحث بسلك الدكتوراه، كلية علوم التربية، جامعة محمد الخامس، الرباط، المغرب.

2 أستاذ التعليم العالي، مركز تكوين المفتشين الرباط، المغرب.

Historical Writing of the Present Time: Between Narrative Structure and the Limits of Synthesis

Younes Ahmamd¹, Chakir Akki²

1 Secondary School Teacher and PhD Researcher, Faculty of Education Sciences, Mohammed V University, Rabat, Morocco.

2 Professor of Higher Education, Inspector Training Center, Rabat, Morocco.

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj77/41

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/77/41

المجلد (7) العدد (7). الصفحات: 730 - 735

تاريخ الاستقبال: 2026-06-15 | تاريخ القبول: 2026-06-20 | تاريخ النشر: 2026-07-01

Download PDF

Cite / الاستشهاد

المستخلص: تتناول هذه الدراسة إشكالية الكتابة التاريخية للزمن الراهن من خلال مساءلة العلاقة بين بنية السرد وحدود التركيب في حقل معرفي يتسم بقربه الزمني من الحدث وتشابكه مع الذاكرة والشهادة والسياسة والصحافة والأدب. وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن تاريخ الزمن الراهن، رغم قدرته على توسيع أفق المعرفة التاريخية وإعادة الاعتبار للحدث والفاعل والشاهد، يظل محكومًا بإكراهات منهجية ومعرفية تحدّ من إمكانية بناء تركيب تاريخي شامل وموضوعي. وقد ركزت الورقة على توضيح الالتباسات المفاهيمية المرتبطة بالزمن الراهن، وحدوده الزمنية، وطبيعة الوثيقة التاريخية فيه، ولا سيما الشهادة الشفوية والمذكرات، بوصفها مصادر تجمع بين الذاكرة الفردية والتمثيل التاريخي. كما ناقشت الدراسة التحول من الرهان على البنى السردية إلى محاولة بناء بنى تركيبية قادرة على تفسير الحدث الراهن دون الوقوع في تأليه الشهادة أو الانجراف نحو السرد الأدبي أو التحليل السياسي المباشر. وتخلص الدراسة إلى أن الكتابة التاريخية للزمن الراهن لا يمكن أن تستقيم إلا عبر منهج نقدي مقارن يستنطق الذاكرة، ويفحص الروايات، ويوازن بين الخبر الصحفي والمادة الأرشيفية والشهادة الحية، بما يتيح الوصول إلى تركيب تأويلي أقرب إلى الموضوعية، وإن ظل غير مكتمل بحكم راهنية الحدث وقصر المسافة الزمنية. وبذلك تؤكد الدراسة أن المؤرخ، في تعامله مع الزمن الراهن، مطالب بأن يكون محققًا ومقارنًا ومؤولًا، لا مجرد سارد للأحداث أو جامع للشهادات.

الكلمات المفتاحية: الزمن الراهن؛ الكتابة التاريخية؛ السرد التاريخي؛ التركيب التاريخي؛ الشهادة؛ الذاكرة؛ المؤرخ.

Abstract: This study examines the problem of historical writing of the present time by questioning the relationship between narrative structure and the limits of synthesis within a field of knowledge marked by its temporal proximity to events and its entanglement with memory, testimony, politics, journalism, and literature. The study proceeds from the assumption that the history of the present time, despite its ability to broaden the horizons of historical knowledge and restore significance to the event, the actor, and the witness, remains governed by methodological and epistemological constraints that limit the possibility of constructing a comprehensive and objective historical synthesis. The paper focuses on clarifying the conceptual ambiguities associated with the present time, its temporal boundaries, and the nature of the historical document within it, particularly oral testimony and memoirs, as sources that combine individual memory with historical representation. It also discusses the shift from relying on narrative structures toward the attempt to build synthetic structures capable of interpreting present events without falling into the glorification of testimony or drifting toward literary narration or direct political analysis. The study concludes that historical writing of the present time can only be soundly established through a critical and comparative method that interrogates memory, examines narratives, and balances journalistic accounts, archival material, and living testimony. Such an approach makes it possible to reach an interpretive synthesis that is closer to objectivity, while remaining incomplete due to the contemporaneity of events and the short temporal distance from them. Thus, the study affirms that the historian, when dealing with the present time, is required to act as an investigator, comparator, and interpreter, rather than merely a narrator of events or collector of testimonies.

Keywords: Present Time; Historical Writing; Historical Narrative; Historical Synthesis; Testimony; Memory; Historian.

مقدمة

استطاع التاريخ الراهن أن ينتزع «حق المواطنة”([1]) ضمن الأركيولوجية التاريخية أو تاريخ التاريخ، وهو ما جعل المعرفة التاريخية تخرج من ضيق الإنحباس الابستيمي إلى رحابة التاريخ الثقافي والعودة للتاريخ السياسي، وفي الوقت نفسه ظل منظرو هذا التاريخ عاجزين عن تجاوز تحدي الموضوعية وما يقابله من إشكالات على مستوى التركيب وطبيعة السرد، فلئن كان التاريخ انعتق من “معبود الوثيقة” فقد تورط في نية الفاعل التاريخي “تأليه الشهادة([2])” ومن المعلوم أن كل الآلهة مآلها التحطيم أو التجاوز. من هذا المنطق، تصبح الكتابة التاريخية للزمن الراهن تعاني قصورا منهجيا تنبأ بصعوبة التوليف ومشكل الثقة في الشهادة والمروي الشفهي، أما المشكل الثاني مقترن بالسدود الزمنية للتاريخ الحاضر، مما يجعل الكتابة التاريخية قريبة من التفسير بعيدة عن التأويل، أما المشكل الثالث فيرتبط بطبيعة السرود خاصة وأن تاريخ اليوم هو تاريخ التلاقح الثقافي والتعدد النظري. ونظرا لهذه الحيثيات يكون التركيب التاريخي مجرد تركيب يسد الهفوات والمبتور من المعرفة الصحفية والسياسية لا تركيب شامل حسب “Henri(B)” أو تركيب تأويلي حسب “الفلسفة الريكورية” خاصة وأن فضول المؤرخ لا يشبعه الا الأرشيف، وهنا أقتبس مقولة ” فوستل دوكلانج ” قبل بلوغ مرحلة التركيب يجب على المؤرخ أن يتردد طويلا، أن يراجع الوثائق مرات كثيرة، لأن سنوات من التحليل تسبق ساعة من التركيب([3]). إذن هل هناك من سبيل لبلوغ تركيب تاريخي في حقل الزمن الراهن؟ وما الفرص التي يتيحها السرد لمؤرخي الحاضر؟

أهداف البحث:

يهدف هذا البحث إلى بيان الخصوصية المفاهيمية والمنهجية للزمن الراهن بوصفه مجالًا حديثًا داخل الكتابة التاريخية، والكشف عن طبيعة التداخل بين التاريخ والذاكرة والشهادة والسياسة والصحافة والأدب في دراسة الأحداث القريبة. كما يسعى البحث إلى تحليل الصعوبات التي تواجه المؤرخ في بناء تركيب تاريخي موضوعي في ظل قصر المسافة الزمنية وحساسية الوثائق والشهادات، وإبراز حدود السرد التاريخي وإمكاناته في فهم الزمن الراهن. ويهدف كذلك إلى توضيح أهمية المنهج النقدي المقارن في التعامل مع الشهادات والمرويات والمواد الصحفية والأرشيفية، وصولًا إلى تركيب تأويلي يراعي خصوصية الحدث الراهن ويحافظ في الوقت نفسه على الصرامة العلمية للكتابة التاريخية.

منهجية البحث:

يعتمد البحث على المنهج التحليلي النقدي، من خلال تفكيك المفاهيم المرتبطة بالزمن الراهن، مثل الذاكرة، الشهادة، السرد، التركيب، والحدث القريب، وتحليل الإشكالات التي تطرحها داخل الكتابة التاريخية. كما يستند إلى المنهج المقارن لمقابلة الشهادة الحية بالمادة الأرشيفية والخبر الصحفي والسرد الأدبي، بغية الكشف عن حدود كل مصدر وإمكاناته في بناء المعرفة التاريخية. ويستفيد البحث أيضًا من المقاربة التأويلية في فهم العلاقة بين الحدث والزمن والذاكرة، وفي قراءة البنى السردية التي يعتمدها المؤرخ عند معالجة أحداث لم تكتمل مسافتها التاريخية بعد. وبذلك تجمع منهجية البحث بين النقد والتحليل والمقارنة والتأويل، بما يسمح بمقاربة موضوع الزمن الراهن مقاربة تراعي خصوصية الحاضر دون التفريط في مقتضيات الصنعة التاريخية.

1- الزمن الراهن: تقاطعات مفاهيمية ومعرفية

تداهم الذاكرة الزمن الراهن وتنعكس بقوة على مفهومه المهيكل الراهنية، خاصة وأنه يحصر زمنه في الحاضر ¨présent  ويكبل أرشيفه في رفوف المؤسسات الرسمية، غير أنه يبقى مفهوم ملتبس إذا ما استحضرنا الصرامة المنهجية للتاريخ، والمنطق الإبستمولوجي للمعرفة التاريخية والكتابة الأصيلة للتاريخ التي تأخذ بعين الاعتبار الزمن كموضوع للتاريخ والانسان كفاعل في الماضي، فيكون إذا الزمن الراهن أكثر ضبابية من حيث التأصيل المفاهيمي. خاصة وأن زمنه بالأساس هو زمن سياسي وأنثروبولوجي، لكن التاريخ من منطلق كونه مادة حية تجدد مقارباتها بشكل مستمر عجل في احتضان هذا الحقل المعرفي الأكثر جاذبية للقارئ والأكثر إثارة للجدل للدولة والجماعة من أجل فتح آفاق جديدة للمعرفة التاريخية، هذه الأخيرة وجدت نفسها أمام معضلة منهجية وهي سرعة حركية الحدث وتوليد المفاهيم المتعددة الدلالة بين التقصي الصحفي والتحليل السياسي والسرد الأدبي والرقمنة بأشكالها. وهذا التداخل المنهجي يجعل من مواضيع الزمن الراهن مادة للتفسير والتأويل بالنسبة للسياسي وتجربة حياتية بالنسبة للأديب ومادة خبرية للصحفي، فينتقل الفاعل التاريخي إلى فاعل اجتماعي أو بطل أو شاهد، هكذا يصعب جدا وضع تعريف للزمن الراهن إلا أن نقول: بنية زمنية قصيرة المدى، تتجاوز الأرشيف إلى كتابة تاريخ مجهري دقيق وبمقاييس متنوعة تفتح آفاقا للتفكير التاريخي أو بالأحرى وعي تاريخي/اجتماعي.

من جهة أخرى يمكن أن نصف الزمن الراهن بالعودة الأصيلة لصنعة المؤرخ وإزالة الشك عن وظيفة التاريخ، فضلا عن المكانة الكبيرة التي يحظى بها الماضي القريب والذاكرة والشهادة، رغم صعوبة الحصول على الأرشيف لقصر المسافة الزمنية أو حتى الإشكالات السياسية التي يطرحها هذا التاريخ للدولة والفاعل السياسي، على العموم تبقى هذه المطارحات والتقاطعات داخل الزمن الراهن بين التاريخ والعلوم الأخرى المجاورة ضرورية في ظل تناهج يتجاوز التخصص وإن كان يشوش على خصوصية التاريخ.

2- الحدود الزمنية للتاريخ الراهن:

تتفق الإسطغرافيا التاريخية جميعها على جعل الحاضر خصوصية الزمن الراهن و تختلف في وضع حدود زمنية معقولة إلى حد ما، ومبررة، لكون الزمن نفسه يعتبر مقولة بالغة التعقيد سواء في بعدها الفينومولوجي أو في مقاربته الإبستمولوجية، على أي، شكل “المنعطف النقديّ”([4]) فرصة تجديد موضوع الحدث السياسي أو العودة للحدث في حدود زمنية قصيرة المدة، ولأجل تأطيرها اضطلعت المؤسسات بتدشين الزمن الراهن منذ فترة السبعينات والثمانينات على أن ألمانيا كانت سباقة في تأسيس معهد التاريخ المعاصر في مينونخ سنة 1952، ثم تكرس مفهوم الزمن الحاضر في أروبا، حيث استعمل التاريخ الحاضر في فرنسا 1978 ضمن معهد تاريخ الزمن الحاضر بمساهمة من المؤرخ P.Nora وهكذا تم تفتيت فكرة تقادم الحدث زمنيا من أجل مراجعته ،فانقضاء الخمسين عاما أو العشرين عاما ليس شرطا كافيا لتحقيق الموضوعية ،خاصة وأن أحداثا مثل فتح الأندلس على يد طارق بن زياد لا تزال تعرف سجالات تاريخية رغم تقادمها.

إن البنية الزمنية القصيرة تعتبر قاصرة عن بلوغ استنتاجات تاريخية لكنها قد تكون بنية تفسيرية لكتابة تاريخية وفق تركيب شمولي، فالكتابة التاريخية للزمن الراهن بانية وهادمة حسب السيرورة الاستغرافية، فهي تبني الأحداث القريبة اعتمادا على شهادات الحاضر وفق تركيب غير مبتور، لكنه في الوقت ذاته إعادة تفسير أحداث أخرى ذات بنية زمنية متوسطة أو طويلة ( الحركة الوطنية نموذجا)، هكذا قد يصح إضفاء طابع الامتداد بمقاييس زمنية تعاقبية وتزامنبة على مواضيع الزمن الراهن لتكون أكثر استقلالية عن الخبر الصحفي أو المضمون السياسي.

على العموم، تجاوزا لاعتبار المسافة الزمنية، يراهن هذا التاريخ على الذاكرة التي تعتبر اليوم مطلبا جماعيا للدولة والأفراد والمجتمعات، ويراهن أيضا على حرفة وحنكة المؤرخ في بناء علاقة حوارية بين الحاضر في اتجاه الماضي([5])، وعليه تكون الرؤية الجديدة للتاريخ تلبية لحاجيات المجتمع أولا، ثم جعل مجال التاريخ مؤسساتيا ثانيا.

3- الزمن الراهن من بنى سردية نحو بنى تركيبية:

ولد الإنسان مؤرخا، غير أن كيفية التدوين اختلفت حسب التكوين، أي تكوين عقليته، فقد حاول الإنسان مند القدم أن يصور أحداثه اليومية في نقوش ورسومات صخرية، ثم انتقل لكتابات وصفية إلى حدود القرون الوسطى، ومع بزوغ “شمس العقل”([6]) في القرن الثامن عشر، بدأت الكتابة التاريخية تنزع نحو تاريخ وتركيب فلسفي، ثم ما فتئ يأخذ التاريخ منحى المنهج ” التاريخ المنهجي” غير أن هذا الرصد الأنطروبولوجي للتاريخ، لعب فيه السرد أسّ التركيب والتوليف، وإن اختلفت أنماط هذه السرود بتطور المناهج فقد ظلت أساسا للفهم والتفسير، لكن محطة التاريخ الوضعاني الذي سطر قواعد منهجية صارمة رفعت شعار ” لا تاريخ دون أرشيف” جعلت من السرد آلية للوصف لا وسيلة للفهم مع التأكيد على قيمة النقد ، ومنذ البديل الإبستمولوجي للوضعانية إلى التاريخانية([7])، بدأ السرد يعود بنفس أقوى وبمختلف أنماطه ورؤاه.

راهن الزمن الحاضر على توسيع مفهوم الشهادة([8]) ( الوثيقة) كما تبنته المدرسة التاريخانية التأويلية، وأخذ مسافة من التاريخ الجديد ومفهوم التناهج ليعود الحدث التاريخي للواجهة من جديد ليس كما تبنته المدرسة الوضعانية ولكن إلى الحد الذي يكون فيه التاريخ منطلقا لتفسير الماضي والتصالح مع الذاكرة، وهذا يكون بانبثاق مفاهيم جديدة قد تكون أحيانا مستقاة من حقل السياسة ( العدالة الإنتقالية نموذجا)، لكن البناء والكتابة التاريخية بدأت تنزاح نحو السرد الأدبي خاصة بعد الإيمان باستحالة العلمية، وفي ظل الالتفاف على الشهادة الشفوية، فبات التاريخ قصة إلى حد ما حقيقية كما يقول (بول فاين)([9]).وبالتالي لا تركيب في التاريخ بل فقط سرود مبتورة، وكما أن هذا حال التاريخ فهو ينسجم أيضا مع الذاكرة باعتبارها انطباعية فتكون الحبكة المنسوجة من ذاكرة الشاهد حبكة هي بالضرورة مشهوة. وعلى نفس المنوال يجادل “بول ريكور” في جعل السرد هو السبيل الوحيد للتفكير التاريخي عبر إمكانية نسج الزمن مع الحدث في قالب حبكة، ولئن كان ريكور ميز بين السرد التاريخي والسرد القصصي، فلا ريب أن التاريخ لا يخرج عن دائرة السرد، رغم فتح الباب على مصراعيه للتأويلية وجعل المادة التاريخية غاية الفلسفة ومنطلق الرواية والتجربة الإنسانية التي تبقى معقدة مهما حاول المؤرخ تجسيدها، إذن فالزمن الراهن وتداخلاته المنهجية مع الأدب تبقى مقبولة حسب “الفلسفة الريكورية”. فهو في الأخير لا ينفي السرد بل يؤكده من خلال خلق جسور بين الابستمولوجية التاريخية والأدب والفينومولوجيا والتأويلية، فكانت النتيجية كتابة تاريخية تجمع بين السرد والتاريخ من خلال الحبكة في عملية المحاكاة([10]).وإن كان (Henri.B) يرى أن: هناك مؤرخون يظهرون عدم الثقة واللامبالاة تجاه السرد كما هو الحال تجاه فلسفة التاريخ. البعض، يحافظون على موقف ما قبل العلوم مقتنعون بأنهم يدرسون ما هو علمي.  ويصر آخرون على ممارسة التاريخ دون التشكيك في أهدافه ووسائله([11]).

تبقى التوليفة السابقة صعبة في ظل راهنية الحدث، لذا كان “إيفان جابلونكه” أكثر جرأة في ابتداع كتابة جديدة للتاريخ وهو تركيب تاريخي وفق منهجية البرهنة العلمية للتاريخ( السؤال، الفرضية، المقارنة، الإثبات)([12]) وهي منهجية قد تكون ملائمة لطبيعة الحدث السياسي للزمن الراهن، نظرا لاحتكامها على منهجية المقارنة، بين أحداث أو شهادات حية، وتستنطق الذاكرة، مع اعتراف هذه المنهجية بالسرد الأدبي وهو المخلص من فلسفة فاين بول” التركيب المبتور”، على اعتبار الأدب لا ينفي التاريخ بل يدعمه ويقويه، ووفق هذه المقاربة يمكننا بناء تركيب تاريخي للزمن الراهن يحترم خصوصية التاريخ، يستنطق الذاكرة، ينتقد الرواية، والمحصلة تاريخ علمي بكتابة أدبية( المؤرخ الأديب)([13]).

هناك علاقة معقدة بين الأدب والرواية بين التضامن والمنافسة، فيكون السرد إطارا مشتركا قد يهدد مهنة المؤرخ وخصوصيته وهو ما ذهب إليه ” هايدن وايت” الذي اعتبر أن السرد لا يعدو أن يكون ناقلا لإديولوجية معينة، وفي نفس الوقت فهو يجعل من السرد أبعد ما يكون من أن يكون مشكلة بل هو حل لمشكل الثقافة، باختصار يدعو “وايت ” لكتابة تاريخية بمقاربة تعتمد على السرد لكن بفتح آفاق جديدة للتفكير ومزيد من البنى السردية([14]).

في ظل هذا التدافع والمنافحة عن السرد والتركيب في الزمن الراهن، نظرا لإشكالات ترتبط بخصوصية كل تخصص وصعوبة التوليف بينها يكون المؤرخ هو الوحيد الذي يضمن الحد الأدنى للكتابة التاريخية العلمية للراهن([15]). وحيث إن مساءلة الزمن الراهن هي تعبير عن إرادة المجتمع يكون التركيب ضروريا بعيدا عن أي تأويل للشهادة، وأي إبداع أدبي أو سبق صحفي، فالحبكة التي يهتدي لها المؤرخ يكون هو صانعها وأحيانا مشاركا فيها نظرا لدنو الحدث وقربه، وقبل كل شيء، يجب أن نتساءل أخيرا عن مرحلة التحليل بالأحرى يجب أن ننتبه لخطورة التركيب في ظل معالجة حدث الأمس القريب، بمعنى أن يركن المؤرخ للتحليل لا التوضيح، وأن يستحضر القولة الشهيرة” سنوات من التحليل قبل ساعة من التركيب“([16]). ونظرا لمدى دقة هذه القولة يكون التركيب داخل الزمن الراهن تأويليا، غير شامل وليس بالعلمي بل أقرب للموضوعية، بمعنى أن يصبح المؤرخ محققا ومقارنا بين مخلفات الخبر الصحفي، والعمل الأدبي. ينطلق من التساؤلات العميقة ويطرح أحكاما هي في بعض الأحيان أخلاقية.

خلاصة:

في المحصلة، العودة للحدث، الفاعل السياسي، الذاكرة، الشاهد، الأرشيف، هي مفاهيم تصب جميعها في الوعاء الفكري للتاريخ الراهن، ثنائية السرد والتركيب هي مفاهيم متناقضة لأنها تجتمع من أجل ربط اللاحق بالسابق داخل حقل تاريخي يشوبه القصور المنهجي ، وهو يجعل من المقارنة والتقابل هما السبيل المنهجي الوحيد للموضوعية داخل هذا الحقل، في ظل التلاقح والتدافع بين الأدب والتاريخ والصحافة والسياسة، فلا يستقيم الزمن الراهن دون سؤال الحاضر، ولا إجابة عن هذا السؤال دون إعمال المقارنة بعيدا عن “تأليه الشهادة” التي تمجد صاحبها وتبرؤه، في الأخير نصل لتركيب تأويلي في قالب البرهنة العلمية، واستنطاق كل حيثيات الحدث، هو تركيب ليس بالسرد، بل تركيب تأويلي، وفق إنشاء مقالي.

لائحة المراجع:

  1. حبيدة، محمد. المدارس التاريخية: برلين، السوربون، استراسبورغ، من المنهج إلى التناهج. الرباط: دار الأمان، ط1، 2018.

(Hbaida, Mohammed. Historical Schools: Berlin, the Sorbonne, Strasbourg, from Method to Interdisciplinarity. Rabat: Dar Al-Aman, 1st ed., 2018.)

  1. ليسير، فتحي. تاريخ الزمن الراهن: عندما يطرق المؤرخ باب الحاضر. صفاقس، تونس: دار محمد علي للنشر، ط1، 2012.

(Lassir, Fathi. The History of the Present Time: When the Historian Knocks on the Door of the Present. Sfax, Tunisia: Dar Mohamed Ali Publishing, 1st ed., 2012.)

  1. ريكور، بول. الزمان والسرد، الجزء الثالث: الزمان المروي. ترجمة: سعيد الغانمي وفلاح رحيم، مراجعة: جورج زيناتي. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، ط1، 2006.

(Ricoeur, Paul. Time and Narrative, Vol. 3: Narrated Time. Translated by Saeed Al-Ghanimi and Falah Rahim; revised by George Zainati. Beirut: Dar Al-Kitab Al-Jadeed Al-Muttahida, 1st ed., 2006.)

  1. وايت، هايدن. محتوى الشكل: الخطاب السردي والتمثيل التاريخي. ترجمة: نايف الياسين، مراجعة: فتحي المسكيني. المنامة: هيئة البحرين للثقافة والآثار، 2017.

(White, Hayden. The Content of the Form: Narrative Discourse and Historical Representation. Translated by Nayef Al-Yasin; revised by Fathi Al-Miskini. Manama: Bahrain Authority for Culture and Antiquities, 2017.)

  1. مستعد، محمد. «التاريخ والأدب». رباط الكتب، 6 فبراير 2023.

(Mostaad, Mohammed. “History and Literature.” Ribat Al-Koutoub, February 6, 2023.)

  1. أوريد، حسن. ربيع قرطبة. الدار البيضاء/بيروت: المركز الثقافي العربي، 2017.

(Aourid, Hassan. The Spring of Cordoba. Casablanca/Beirut: Arab Cultural Center, 2017.)

  1. Veyne, Paul. Comment on écrit l’histoire: Essai d’épistémologie. Paris: Éditions du Seuil, 1971.
  2. Berr, Henri. L’histoire traditionnelle et la synthèse historique. Paris: Félix Alcan, 1921.
  3. Delacroix, Christian, François Dosse, and Patrick Garcia. Les courants historiques en France, XIXe–XXe siècles. Paris: Armand Colin, 1999.
  4. Garcia, Patrick. “Histoire du temps présent.” In Christian Delacroix, François Dosse, Patrick Garcia, and Nicolas Offenstadt, eds., Historiographies: concepts et débats, vol. 1. Paris: Gallimard, 2010.

الهوامش:

  1. () يدل التركيب اللغوي لحق المواطنة أي الاعتراف بانتماء التاريخ الراهن ضمن المعرفة التاريخية بعد الترافع عنه أكاديميا.
  2. () الشهادة في حقل الزمن الراهن توجه لها سهام الشك كون الشاهد يميل إلى تمجيد نفسه حينما يحكي محطات نضاله من خلال مذكراته.
  3. () حبيدة محمد المدارس التاريخية من المنهج الى التناهج، الرباط، ط 1، دار الأمان،2018، ص 160.
  4. () محمد حبيدة ( سبق ذكره) ويدل على الانتقادات التي وجهت لأنصار التاريخ الجديد الذين همشوا التاريخ السياسي والحدث.
  5. () P. Garcia. Histoire du temps présent. collaborateurs avec Delacroix.1998. p. 301
  6. () القرن 18 ويسمى أيضا قرن العقل.
  7. () يعتبر عبد الله العروي من رواد هذا الفكر، الذي جاء كرد فعل عن المرسة الوثائقية والوضعانية.
  8. () كل ما يدل على الحدث فهو شهادة حسب المدرسة التاريخانية.
  9. () Veyne. P, Comment on écrit l’histoire, Essai d’épistémologie, Paris,1971, P 21
  10. () بول، يكور، الزمان والسرد ترجمة فلاح رحيم دار الكتاب الجديد، الجزء الثالث، ط الأولى،2006 ص 150
  11. () Henri (B), l’histoire Traditionnel et La Synthèse Historique, Paris.Alcan1921.P 7
  12. () مستعد، محمد، التاريخ والأدب، مجلة رباط الكتب،6 فبراير 2023
  13. () تمثل أعمال جابلونكه إيفان نموذجا لهذا النوع من الكتابات، وقد يكون العكس حين يصبح الأديب مؤرخا كما هو الحال في رواية ربيع قرطبة التي صدرت سنة 2917 ل حسن أوريد. 
  14. () هايدن وايت، محتوى الشكل، الخطاب السردي والتمثيل التاريخي ترجمة نايف الياسين وفتحي المسكيني، مكتبة أحمد، المنامة،2017، ص 28,
  15. () ليسير، فتحي، تاريخ الزمن الراهن عندما يطرق المؤرخ باب الحاضر، صفاقس، دار محمد علي للنشر، تونس،2012
  16. () حبيدة، محمد، سبق ذكره، ص 102