تطوّر أساليب الخطاب القرآني لأهل الكتاب: من المحاجة المكية إلى المواجهة المدنية
ابتسام أحمد نعمان قدسي1، د. نجم الدين عيسى2
1 باحثة دكتوراه، قسم العلوم الإسلامية الأساسية، معهد الدراسات العليا، جامعة يالوفا، تركيا.
البريد الإلكتروني: ebt.qudsi@gmail.com
2 أستاذ مساعد، جامعة يالوفا، كلية العلوم الإسلامية، قسم اللغة العربية وبلاغتها، يالوفا، تركيا.
البريد الإلكتروني: najmissa@h
The Evolution of Qur’anic Discourse Styles Addressed to the People of the Book: From Meccan Argumentation to Medinan Confrontation
Ibtisam Ahmed Numan Qudsi¹, Dr. Najm Al-Din Issa²
1 PhD Researcher, Department of Basic Islamic Sciences, Institute of Graduate Studies, Yalova University, Turkey.
Email: ebt.qudsi@gmail.com
2 Assistant Professor, Yalova University, Faculty of Islamic Sciences, Department of Arabic Language and Rhetoric, Yalova, Turkey.
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj76/44
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/76/44
المجلد (7) العدد (6). الصفحات: 745 - 765
تاريخ الاستقبال: 2026-05-20 | تاريخ القبول: 2026-05-25 | تاريخ النشر: 2026-06-01
المستخلص: تهدف هذه الدراسة إلى تتبّع تطوّر أساليب الخطاب القرآني الموجَّه إلى أهل الكتاب بين العهدين المكي والمدني، وبيان أثر السياق التاريخي وترتيب النزول في اختلاف طبيعة الخطاب ومقاصده. وقد اعتمدت الدراسة على المنهج الاستقرائي التحليلي، مع الإفادة من المنهج التاريخي السياقي، وذلك من خلال استقراء الآيات المتصلة بأهل الكتاب، وتحليل دلالاتها الأسلوبية والموضوعية في ضوء أقوال عدد من المفسرين، وربطها بظروف الدعوة الإسلامية قبل الهجرة وبعدها. وتبيّن الدراسة أن الخطاب القرآني في المرحلة المكية اتسم غالبًا بالرفق، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وتوظيف القصص القرآني للعظة والتثبيت، والاستشهاد بعلماء أهل الكتاب المنصفين لإثبات وحدة مصدر الرسالات وصدق النبوة المحمدية. أما في المرحلة المدنية، فقد شهد الخطاب تحولًا واضحًا نحو الجدل الحجاجي، والتوبيخ والتقريع، والوعد والوعيد، ثم المكاشفة والمواجهة، نتيجة تغيّر الواقع السياسي والاجتماعي بعد تأسيس الدولة الإسلامية وظهور مواقف العناد، وكتمان الحق، ونقض العهود، والتآمر على الجماعة المسلمة. وتخلص الدراسة إلى أن هذا التحول لم يكن تناقضًا في الموقف القرآني من أهل الكتاب، بل كان انتقالًا منهجيًا متدرجًا اقتضته طبيعة المرحلة وتبدّل مواقف المخاطَبين، مع بقاء الثوابت العقدية الكبرى حاضرة، وفي مقدمتها وحدة التوحيد، وعدالة الخطاب القرآني، وإنصاف المؤمنين والمنصفين من أهل الكتاب دون تعميم أو إلغاء للفروق بينهم.
الكلمات المفتاحية: الخطاب القرآني؛ أهل الكتاب؛ المكي والمدني؛ ترتيب النزول؛ السياق التاريخي؛ الجدل القرآني؛ الدعوة بالحكمة.
Abstract: This study aims to trace the evolution of the styles of Qur’anic discourse addressed to the People of the Book during the Meccan and Medinan periods, and to examine the impact of historical context and the chronological order of revelation on the changing nature and objectives of this discourse. The study adopts an inductive-analytical method, supported by a historical-contextual approach, through examining Qur’anic verses related to the People of the Book, analyzing their stylistic and thematic implications in light of selected exegetical views, and linking them to the circumstances of the Islamic call before and after the Hijrah. The study shows that Qur’anic discourse in the Meccan period was generally characterized by gentleness, calling with wisdom and good exhortation, employing Qur’anic narratives for moral instruction and spiritual strengthening, and citing fair-minded scholars among the People of the Book to affirm the unity of divine revelation and the truthfulness of the Prophet Muhammad’s mission. In the Medinan period, however, the discourse witnessed a clear shift toward argumentative debate, rebuke and reproach, promise and warning, and finally disclosure and confrontation. This shift resulted from the changing political and social reality after the establishment of the Islamic state and the emergence of attitudes marked by obstinacy, concealment of truth, violation of covenants, and conspiracy against the Muslim community. The study concludes that this transformation did not represent a contradiction in the Qur’anic position toward the People of the Book; rather, it was a gradual methodological transition required by the nature of each phase and by the changing attitudes of the addressees. At the same time, the major creedal constants remained firmly present, foremost among them the unity of monotheism, the justice of Qur’anic discourse, and its continued fairness toward the believers and objective individuals among the People of the Book, without generalization or disregard for distinctions among them.
Keywords: Qur’anic discourse; People of the Book; Meccan and Medinan periods; chronological order of revelation; historical context; Qur’anic argumentation; calling with wisdom.
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد المصطفى الأمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد:
يُمثل الخطاب القرآني ظاهرة حيوية معجزة اتسمت بمراعاة سياقات التنزيل الإلهي، ومواكبة تطور حركة الدعوة الإسلامية في مرحلتيها: المكية والمدنية، ولم يكن هذا الخطاب مجرد نصوص تشريعية أو وعظية جامدة، بل كان خطاباً تفاعلياً حياً يلتفت إلى مقتضيات الواقع وتغير موازين القوى وطبيعة المخاطبين، ومن أبرز تجليات هذا التطور والتلون السياقي طريقة تناوُل القرآن الكريم لطوائف أهل الكتاب؛ إذ انتقل التوجيه الرباني من مساحات التبشير والاستشهاد والثناء والرفق في العهد المكي، إلى مساحات الحجاج والتوبيخ والتحذير ثم الحسم والمواجهة في العهد المدني، مما يكشف عن حكمة إلهية بالغة في إدارة البيئة الدعوية وصيانة هوية الأمة الناشئة.
أهمية البحث
يكتسب هذا البحث قيمته العلمية والعملية من خلال النطاقات الآتية:
- تأصيل البُعد السياقي والتاريخي للنص القرآني: عبر تتبع أثر “ترتيب النزول” في فهم اتجاهات الخطاب، وكيفية توجيه الآيات بناءً على طبيعة الاحتكاك الاجتماعي والسياسي.
- إبراز مرونة السياسة الدعوية في الإسلام: توضيح كيف يتدرج الخطاب الإلهي من اللين والدعوة بالحكمة إلى المواجهة والحسم لحماية كيان المجتمع، مما يمد الدعاة والمصلحين بمنهجية حكيمة في واقعنا المعاصر.
- تفكيك الشبهات والمقولات الاستشراقية: الرد على الدعاوى التي تدعي وجود “تناقض” في مواقف القرآن من أهل الكتاب، وإثبات أن التحول كان تطوراً طبيعياً مبنياً على تغير سلوك ومواقف أهل الكتاب أنفسهم، وليس تقلباً في أصل الرسالة.
إشكالية البحث
تتمحور إشكالية هذا البحث حول تتبع حركية الخطاب القرآني ومسار تطوره تجاه أهل الكتاب بين المكي والمدني، وتتفرع من هذه الإشكالية الأسئلة الآتية:
- ما الملامح والأساليب البنائية السائدة في الخطاب المكي عند تناوله لأهل الكتاب؟ وكيف وظّف القرآن القصص والاستشهاد بالحق الذي لديهم؟
- ما الدوافع السياقية والواقعية التي أدت إلى تحول وتطور لغة الخطاب في العهد المدني؟
- كيف تمظهرت أساليب الحجاج والتوبيخ السلوكي والمواجهة السياسية والعسكرية في السور المدنية دون الإخلال بأصل وحدة العقيدة والإنصاف القرآني للمؤمنين منهم؟
منهج البحث
اعتمد البحث على المنهج الاستقرائي التحليلي، بجانب المنهج التاريخي السياقي، حيث قامت الباحثة باستقراء الآيات القرآنية المتعلقة بأهل الكتاب في العهدين المكي والمدني، وتحليل أقوال المفسرين المحققين (كالطبري، والزمخشري، وابن كثير، وابن عاشور، والقاسمي، ودروزة)، مع ربط هذه النصوص بأسباب النزول والمعطيات التاريخية التي أفرزتها الهجرة النبوية وتأسيس الدولة الإسلامية في المدينة المنورة.
خطة البحث
تكاملت مادة هذا البحث عبر هيكلية علمية مقسمة إلى مطلبين رئيسين، يندرج تحت كل منهما عِدة مقاصد تحليلية وفق الخطة الآتية:
المطلب الأول: تطور خطاب القرآن لأهل الكتاب في العهد المكي، وفيه عدة مقاصد.
المطلب الثاني: تطور خطاب القرآن لأهل الكتاب في العهد المدني، وفيه عدة مقاصد.
الخاتمة: وتتضمن جردًا لأهم النتائج التي خلص إليها البحث، ومجموعة من التوصيات العلمية المقترحة.
المطلب الأول: تطور خطاب القرآن لأهل الكتاب في العهد المكي
يتسم الخطاب القرآني الموجه لأهل الكتاب في المرحلة المكية بقلة المساحة التفسيرية والعددية مقارنة بالزخم الذي حظي به في العهد المدني؛ ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى طبيعة البيئة المكية التي غاب عنها الاحتكاك المباشر والواسع مع الجاليات الكتابية بخلاف ما آلت إليه الأوضاع بعد الهجرة إلى المدينة المنورة. ورغم هذه المحدودية الكمية، إلا أن السور المكية لم تخلُ من إشارات لافتة وتوجيهات مسوقة إليهم، سواء عبر قنوات الخطاب المباشر أو التلميح غير المباشر. ومن الناحية الأسلوبية، هيمن الطابع الدعوي الهادئ وغير النقدي على آيات هذا العهد؛ حيث ركز السرد التنزيل في بواكر النزول على توظيف أخبارهم في مساقات التذكير والاعتبار، نائياً بالخطاب عن مربعات الصِدام والمواجهة الحادة. وقد جرى المسلك المكي على تناول أهل الكتاب — من اليهود والنصارى — بصورة إجمالية تقاربهم بأسلوب توددي، موظفاً وجودهم المعرفي كشاهد صدقٍ وإثباتٍ على حقيقة البعثة المحمدية وسلامة المصدر الإلهي للوحي.[1]
وبناءً على هذه الرؤية المنهجية التي تزاوج بين الترتيب الزمني للتنزل والخلفية التاريخية للبيئة المحيطة، يسعى هذا المبحث إلى تتبع المسارات والأساليب البلاغية التي شكلت الخطاب القرآني المكي تجاه أهل الكتاب، مستهلاً ذلك بتحليل الظاهرة القصصية الواردة في هذا الصدد.
المقصد الأول: الظاهرة القصصية وأبعادها الدعوية في الخطاب المكي
يُمثل القصص القرآني أحد الركائز الأسلوبية والبيانية الكبرى التي اتكأ عليها الخطاب القرآني في مرحلته المكية؛ إذ تشكل الآيات القصصية المساحة الأوسع في النزول المكي، محكومةً بسياقِ تذكيري وعظي بالدرجة الأولى. وقد أولى التنزيل المكي عناية بالغة باستدعاء أخبار الأنبياء وسِيَر الأمم السابقة، لا لمجرد السرد التاريخي، وإنما لاستخلاص العِبر والدلالات، وتجلي السنن الإلهية المضطردة التي لا تتبدل في نصرة عباده المحسنين ودحر الظالمين المكذبين.
ومن الأبعاد الإعجازية البارزة لكثافة إيراد قصص أهل الكتاب في العهد المكي، هو تثبيت مصدرية الوحي الإلهي وقطع دابر الامتراء فيه؛ فلو تأخر التنزل بهذه الأخبار التفصيلية إلى العهد المدني – حيث الاحتكاك المباشر مع طوائف أهل الكتاب – لادعى مشركو مكة أن النبي ﷺ تلقى هذه العلوم والأنبياء تلقيناً منهم، نظراً لإحاطتهم بقصص الأنبياء غابري الزمان وأخبار الأمم الخالية، فجاء السرد المكي المبكر حجةً بالغة تبرهن على صِدق النبوة وعالمية الرسالة.
وتتجلى طبعة الخطاب المكي بوضوح في سورة الأعراف، التي استعرضت مسيرة موسى é مع بني إسرائيل برؤية تفصيلية متماسكة وسياق موضوعي مترابط، يلحظ فيه المتأمل أن الآيات التي رصدت انحرافات بني إسرائيل ومخالفتهم لنبيهم لم تُسق مساق التقريع الحاد أو المواجهة الصدامية، ومصداق ذلك ما نقله البغوي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﲕ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﲤ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﳆ﴾ [الأعراف: 138-140]، إذ وجّه الآية مبيناً: “أنه لم يكن ذلك شكًا من بني إسرائيل في وحدانية الله تعالى، وإنما معناه اجعل لنا شيئًا نعظمه، ونتقرب بتعظيمه إلى الله تعالى، وظنوا أن ذلك لا يضر بالديانة، وكان ذلك لشدة جهلهم”.[2]
ويكشف هذا التوجيه التفسيري عن المسلك اللطيف الذي اعتمده الوعظ المكي في وصف أحوال أهل الكتاب مع أنبيائهم؛ فبدلاً من صب اللعنات والتقريع، سُلّط الضوء على شدة جهلهم وقصور وعيهم المعرفي، رغماً عن عظيم منن الله ونعمه المتواترة عليهم بالنجاة وتوالي إرسال الرسل لهدايتهم.
وتأسيساً على ذلك، نأت الآيات المكية عن رصد حِجاج أهل الكتاب أو تمرد عتاتهم، بل توخت من الظاهرة القصصية مقاصد سيكولوجية وتربوية عليا؛ تمثلت في تثبيت فؤاد النبي ﷺ وتسلية نفسه الشريفة، وصياغة موعظة بليغة للمؤمنين الأوائل ترسخ في نفوسهم قيم الصبر والثبات أمام أذى قريش وتكذيبها، مع استشراف السنن الربانية في صيرورة العاقبة لأهل الحق.
وقد تكررت هذه المنظومة القصصية المتعلقة بأهل الكتاب في سور مكية شتى كـ (مريم، والشعراء، والقصص، والإسراء)، متناغمةً في سياقاتها لخدمة الغايات الكلية للدعوة في فجرها الأول؛ المتمثلة في تقرير أصول العقيدة، وربط الرسالة المحمدية بالشرائع السابقة، مع التأكيد الحاسم على وحدة المصدر الإلهي للرسالات السماوية كافة.
المقصد الثاني: الاستشهاد بأهل الكتاب والثناء عليهم
لم يقف الخطاب القرآني المكي في مقارَبته لأهل الكتاب عند حدود الموعظة التاريخية المستندة إلى مساق القصص والاعتبار فحسب، بل تعداه إلى توظيف رصيدهم المعرفي وبقايا الإرث الوحيي المستقر لديهم؛ ليكون بمثابة شاهدِ صدقٍ يُحتج به على مشركي مكة. وقد تظافرت عِدة نصوص مكية لتسجيل لونٍ من الإنصاف والثناء على من استمسك بالعلم والإنصاف من علماء أهل الكتاب ومؤمنيهم، مؤكدةً على بقاء طائفة منهم عادلة وقادرة على تمييز الحق، ومن تلك الشواهد قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﱢ﴾ [الشعراء: 197،[3] وفي توجيه هذه الآية بيّن ابن عاشور في تفسيره “أن العلم كان يومئذٍ يتمثل في معرفة التشريع وأخبار الأنبياء والأمم الماضية، ومعرفة أحوال العالمين العلوي والسفلي، إلى جانب الوصايا الأدبية والمواعظ الأخلاقية، ولذلك كان اليهود يتفوقون على العرب في هذا الجانب، فكانت العرب تسترشد بهم في كثير من الشؤون لما عُرف عنهم من سعة العلم بأخبار الأمم وعلوم الكتب السابقة”.[4] وهو ما أكده السعدي في السياق ذاته بقوله: “إن يعلمه علماء بني إسرائيل الذين قد انتهى إليهم العلم، وصاروا أعلم الناس، وهم أهل الصنف، فإن كل شيء يحصل به اشتباه يرجع فيه إلى أهل الخبرة والدراية، فيكون قولهم حجة على غيرهم”.[5] وتنهض الآية دليلاً استدلالياً يُثني فيه التنزيل على علماء أهل الكتاب المنصفين الذين عاد المسلمون إلى معرفتهم وعلمهم؛ ليكون قولهم حجة دامغة على منكري النبوة، مما يُثبت وجود فئة راسخة علمياً بالله وبأصول الوحي كانت تمثل مرجعية معرفية في المحيط البيئي للعهد المكي؛ وهو العصر الأول لبزوغ الدعوة النبوية المباركة.
ثانياً: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ﱵ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ﱽ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﲙ﴾ [القصص: 52-54].
وقد تعرّض الزمخشري لتوجيه هذا النص موضحاً أن هذه الآية “نزلت في مؤمني أهل الكتاب، والضمير في (من قبله) للقرآن، [وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين]، إيمانهم به متقادم، لأن آباءهم قرأوا في الكتب الأولى ذكره وأبناءهم من بعدهم من قبل نزوله ووجود مسلمين كائنين على دين الإسلام، لأن الإسلام صفة كل موحد مصدق للوحي، [أولئك يؤتون أجرهم مرتين …] ويقول الزمخشري يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا، صبرهم على الإيمان بالتوراة، والإيمان بالقرآن”.[6]
ثالثاً: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﱒ﴾ [يونس: 94].
وحول هذا الموضع روى الطبري عن الضحاك قوله في معنى: [فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك] بأنهم أهل التقوى وأهل الإيمان من أهل الكتاب، ممن أدرك الرسول §.[7] ووافقه السعدي في هذا المنحى التفسيري قائلاً: “اسأل أهل الكتاب المنصفين والعلماء الراسخين فإنهم سيقرون لك بصدق ما أخبرت به، وموافقته لما معهم”.[8] وهو مساق تشريعي يحمل في طياته تقديراً صريحاً وثناءً خاصاً لمن حافظ من أهل الكتاب على أمانة العلم وأدرك ركب النبوة بالإنصاف والإذعان.
رابعاً: قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﱌ﴾ [سبأ: 6].
حيث ذهب فريق من المفسرين إلى أن المقصود بـ (الذين أوتوا العلم) هنا هم علماء اليهود والنصارى، ليكون النص بمثابة إخبار عما استقر في ضمائر طائفة منهم من معرفة يقينية بصدق الوحي، نظير قوله ´ في العهد المدني لاحقاً: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﳄ﴾ [المائدة: 83]، وجاء هذا النص المكي متضمناً لوناً من التحدي للمشركين المعاندين، وفي الوقت ذاته تسلية وتثبيتاً لقلب المصطفى ﷺ والمؤمنين معه؛ إذ لم يكن الخطاب حينها في سياق الاحتجاج على سلوكهم العملي أو مجادلتهم، قبل أن يدعوهم النبي ﷺ مباشرة ويحتج عليهم ببشائر رسلهم، فارتكس أكثرهم في العناد تبعاً لعامة جهلتهم.[9]
وفي تعليقه المنهجي على دلالة هذا النص، أشار دروزة في “التفسير الحديث” إلى أن: “بعض المفسرين رأوا أن آية ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ آية مدنية، وقالوا إنها نزلت في عبد الله بن سلام أو غيره من مسلمي يهود المدينة الذين شهدوا بصدق القرآن ونبوة محمد §، القوة، وتلك سنة الله تعالى في الكون: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﲌ﴾ [الرعد: 13/11].
خامساً: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﲋ﴾ [الأنعام: 6/20].
تتجلى في هذه الآية ذروة الإنصاف والمدح القرآني لتلك الفئة؛ إذ أثبتت الآية تملُّكهم لمعرفةٍ يقينية قطعية لا يتطرق إليها الشك بصدق النبوة والرسالة المحمدية، مشبهةً إياها بمعرفتهم اللصيقة اللبث بأبنائهم، مما يُبرهن على وضوح معالم البشارة في كتبهم قبل التحريف والاندثار. وفي تأويلها يقول أبو جعفر الطبري: “يقول تعالى ذكره: الذين [آتيناهم الكتاب]، التوراة والإنجيل، يعرفون أنما هو إله واحد، وأن محمدًا نبيُّ مبعوث [كما يعرفون أبناءهم]”.[10]
يتأكد من خلال استقراء الأبنية النصية السابقة أن أسلوب الخطاب المكي ظل محتفظاً بمسافة دعوية ودودة وآمنة مع أهل الكتاب؛ حيث تنوعت الآيات بين مساحات الثناء على أمانتهم المعرفية وعلمهم، وبين الاستشهاد برصيدهم الوحيي لتثبيت المؤمنين وتسلية النبي ﷺ أمام تكذيب قريش، بعيداً عن مناخات الصدام الفكري أو الجدال المباشر الحاد؛ نظراً لأن القوم كانوا في هذه المرحلة المبكرة يستشرفون ملامح البعثة ويرقبون اتجاهاتها بحذر وإنصاف أولي.
المقصد الثالث: التأكيد على وحدة العقيدة والمنبع الإلهي
يكشف التتبع الاستقرائي للآيات المكية عن نسق فكري مستقر ومستمر في خطاب القرآن الكريم لأهل الكتاب، يرتكز في جوهره على تأكيد وحدة العقيدة وأصالة المنبع المشترك بين جميع الرسالات السماوية. وقد حافظ الخطاب القرآني في هذه المرحلة على مسار حجاجي وتوجيهي موحد؛ اعتمد فيه على الاستشهاد بأهل الكتاب وما يستبطنونه في كتبهم من العلم الحق، مع الثناء المستحق على علمائهم الراسخين والمنصفين الذين أذعنوا للحق وشهدوا بصدق التنزيل الإلهي فور انبثاق نوره؛ تسليةً لقلب النبي ﷺ، وتثبيتاً لأفئدة المؤمنين. وفي السطور التالية، نقف على جملة من الشواهد التي توضح أسلوب القرآن المكي في تقرير قضية التوحيد واتحاد المنهج الرسالي:
أولاً: إجماع الأنبياء على التوحيد الخالص
قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ﲩ﴾ [الزخرف: 45].
وقد أفاض المفسرون في بيان الدلالة العقدية لهذه الآية؛ حيث يذكر ابن القيم حولها أن: “المراد بسؤالهم سؤال أممهم عما جاءوهم به، هل فيه أن الله شرع لهم أن يُعبد من دونه إله غيره؟ قال الفراء: المراد سؤال أهل التوراة والإنجيل فيخبرونه عن كتبهم وأنبياءهم. وقال ابن قتيبة: التقدير واسأل من أرسلنا إليهم رسلنا من قبلك وهم أهل كتاب، … فشهادة أهل الكتاب بهذا حجة عليهم وهي من أعلام صحة رسالته § إذ كان قد جاء على ما جاء به إخوانه الذين تقدموه من رسل الله سبحانه، ولم يكن بدعا من الرسل ولا جاء بضد ما جاءوا به، بل أخبر بمثل ما أخبروا به من غير شاهد ولا اقتران في الزمان …”.[11] وفي السياق ذاته، يؤكد القاسمي في تفسيره هذا المنحى الاستشهادي بقوله: “والمراد به الاستشهاد بإجماع الأنبياء على التوحيد، والدلالة على أنه ليس ببدع ابتدعه، فيكذب ويعادى له والذي أمر بمسألتهم الرسول ﷺ هم مؤمنو أهل كتاب التوراة والإنجيل، يجعل سؤالهم بمنزلة أنبيائهم، لأنهم إنما يخبرونه عن كتب الرسل، فإذا سألهم كأنه سأل الأنبياء”.[12]
ثانياً: بقاء شواهد النبوة والإنصاف المعرفي
قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﲀ﴾ [الأحقاف: 10]. تنهض هذه الآية كبرهانٍ جلي على رسوخ الحق في كتبهم السابقة وشهادة علمائهم عليه؛ إذ يذكر القرطبي في تفسيره لقوله: “قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ” يَعْنِي الْقُرْآنَ. “وَكَفَرْتُمْ بِهِ” قال الشَّعْبِيُّ: الْمُرَادُ مُحَمَّدٌ §. “وَبِشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ” قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، شَهِدَ عَلَى الْيَهُودِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ § مَذْكُورٌ فِي التَّوْرَاةِ، وَأَنَّهُ نَبِيٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ”.[13]
وهي دلالة واضحة على ثبات معالم النبوة والإنصاف المعرفي لدى الموفقين منهم؛ إذ يؤكد السعدي: “أن الموفقين من أهل الكتاب هم الذين تطابق الحق الذي معهم مع أنباء الأنبياء واتباعهم جميعًا”. [14]
ثالثاً: رجوع الجاهل إلى أهل العلم وثبات أصل الرسالة
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﲒ﴾ [النحل: 43].
وجاء التوجيه الرباني هنا لإثبات بشرية الرسل ووحدة طريق التبليغ عبر العصور، وقد أشار الطبري إليها بقوله: “(فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) قال: سمعنا أنه من أسلم من أهل التوراة والإنجيل”،[15] فيما يقرر ابن كثير في صددها: “أي: اسألوا أهل العلم من الأمم كاليهود والنصارى، وبها قال أكثر المفسرين”.[16]
وبذلك يتأكد أن أصل العقيدة والسنن الإلهية في تبليغها تظل ثابتة لا تتبدل باختلاف الأزمنة والأمم.
رابعاً: فرح أهل الكتاب المنصفين بموافقة الوحي
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ [العد: 36].
وقد رصد المفسرون مواقف الفرح والابتهاج التي أبداها من صلح من أهل الكتاب لمطابقة القرآن لما لديهم؛ حيث يذكر الطبري في تفسيره: «عن قتادة، قوله: (والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك)، أولئك أصحابُ محمدٍ §، فرحوا بكتاب الله وبرسوله وصدَّقُوا به».[17]
وفي إطار تعليل هذا الفرح والابتهاج بموافقة التنزيل، يعلق القاسمي قائلاً: “عني بهم الذين آمنوا بالنبي ﷺ من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام، فإنهم يفرحون بما أنزل من القرآن لما يرون فيه من الشواهد على حقيقته التي لا يمترى فيها ومن المعارف والمزايا الباهرة التي لا تُحصى”؛[18] وما ذلك إلا لكونهم فقهوا حقيقة ما بين أيديهم من كتب، فجاء الوحي القرآني مطابقاً لها ومصدقاً لمضامينها المعرفية والعقدية.
تأسيساً على ما تقدم، تضافرت الآيات المكية وتتابعت سياقاتها لتقرير حقيقة كبرى، وهي موافقة الكتب السماوية بعضها لبعض، ولترسيخ عقيدة راسخة في نفوس المؤمنين الأوائل بأن منبع الدين واحد، وأن مشكاة الرسالات متحدة لا تتغير عراها بتغير الأزمان والمكامن الجغرافية.
المقصد الرابع: الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة
تتجلّى ملامح المسلك الدعوي في الخطاب القرآني المكي تجاه أهل الكتاب في اعتماده المبدئي على ركيزتي الحكمة والموعظة الحسنة؛ إذ اتسمت النبرة البيانية في هذه المرحلة باللين، والحرص على إرساء قواعد الحوار الهادئ الرصين. وقد استهدف هذا الأسلوب الاستدلالي إيضاح جوهر الشريعة المحمدية وبيان توافقها الأصولي مع الثوابت المعرفية والدينية التي يمتلكها أهل الكتاب، نائياً بالدعوة عن لغة الصدام والتبكيت.
ومن شواهد هذا المنحى التوجيهي، قوله ´ في أواخر ما تنزل بمكة من سورة النحل: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﳂ﴾ [النحل: 125].
وعند استنطاق المأثور التفسيري لهذه الآية، نجد أن الزمخشري يحدد المقاصد الدلالية للمصطلحات الإلهية بقوله: “[بالحكمة] بالمقالة المحكمة الصحيحة، وهي الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة، [والموعظة الحسنة] وهي التي لا يخفى عليهم أنك تناصحهم بها وتقصد ما ينفعهم فيها”.[19]
والتفاتاً إلى البُعد السياقي للآية، يظهر لنا ملمح فكري دقيق؛ إذ جاءت الآية السابقة لها مستنكرةً بشدة مسلك “أصحاب السبت” وما وقعوا فيه من خلاف وانحراف سلوكي وتعبدي، ورغم هذا الاستنكار السياقي لأفعالهم، إلا أن الآية اللاحقة عقبت مباشرة برسم المنهج الدعوي القويم؛ لتبين أن كشف الانحراف لا يعني هجر مسالك الرفق واللين، بل يؤكد على ضرورة استيعاب المخالف بالتي هي أحسن.
وفي هذا المآل التفسيري يؤيد الإمام البغوي هذا المنزع المنهجي مبيناً طبيعة المحاجة والمجادلة الحكيمة، حيث يقول: “المَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ هِيَ الدُّعَاءُ إِلَى اللَّهِ بِالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ. وهُوَ القَوْلُ اللَّيِّنُ الرَّقِيقُ مِنْ غَيْرِ غِلْظَةٍ وَلَا تَعْنِيفٍ، ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وَخَاصِمْهُمْ وَنَاظِرْهُمْ بِالْخُصُومَةِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، أَيْ: أَعْرِضْ عَنْ أَذَاهُمْ، وَلَا تُقَصِّرْ فِي تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَالدُّعَاءِ إِلَى الحَقِّ، نَسَخَتْهَا آيَةُ القِتَالِ”.[20]
ويتأكد هذا المنهج الحواري بوضوح أكثر في موضع آخر من التنزيل المكي؛ حيث يقول الله جل وعلا في سورة العنكبوت: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﲲ﴾ [العنكبوت: 46].
وتُصنف هذه الآية كإحدى القواعد التأسيسية الكبرى المحَدِّدة لآداب الحوار القرآني مع طوائف أهل الكتاب؛ وفي مساق بيان محتواها الدلالي، يذكر الإمام الطبري في تفسيره: “ولا تجادلوا أيها المؤمنون بالله ورسوله اليهود والنصارى إلا بالجميل من القول، وهو الدعاء إلى الله بآياته والتنبيه على حُججه”.[21] وفي ذات السياق، يؤكد الحافظ ابن كثير على الثمرة التربوية والدعوية المترتبة على هذا المسلك اللين بقوله: “ولمن أراد الاستبصار بالدين فيجادل بالتي هي أحسن ليكون أكثر فائدة وأنفع له”.[22]
وكما علق عليها ابن كثير بقوله: ولمن أراد الاستبصار بالدين فيجادل بالتي هي أحسن ليكون أكثر فائدة وأنفع له.
بناءً على ما تم استعراضه تحليلياً من النماذج والشواهد في الآيات المكية السابقة، يخلص البحث إلى أن محددات الخطاب القرآني المكي في مقاربتها لأهل الكتاب قد تأسست على أربعة أركان محورية: (توظيف القصص التاريخي للعظة، والاستشهاد بوجودهم العلمي لتثبيت النبوة، والتأكيد المتتابع على وحدة الأصل العقدي، واعتماد الرفق واللين أداة للمحاجة). وقد خلا هذا الخطاب تماماً من مظاهر الصدام المسلح أو الجدل التعنيفي الحاد؛ نظراً لأن طبيعة البيئة التاريخية المعاصرة للتنزل المكي كانت بيئة يترقب فيها من صلح من أهل الكتاب مواصفات النبي الخاتم، ويستبشرون ببعثته ﷺ، مما جعل لغة الرفق والحكمة هي الأنسب سياقاً ومقاماً.
المطلب الثاني: تطور خطاب القرآن لأهل الكتاب في العهد المدني
إذا كان الخطاب القرآني في عهده المكي قد تمحور حول المشترك العقدي، متوسلاً بمسالك اللين والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة في مقاربته لأهل الكتاب؛ فإن هذا المسار الأسلوبي قد شهد تحولاً دلالياً وبنيوياً بارزاً بوقوع الهجرة النبوية ودخول الدعوة عهدها المدني. هذا التطور الملحوظ أملته طبيعة المتغيرات السياقية، وبروز موازين قوى ومعطيات واقعية جديدة حكمت العلاقة بين المجتمع المسلم الناشئ والكتل الكتابية في المدينة.
وبناءً عليه انتقل النص الشريف من أطر التعريف العام والدعوة الاستشهادية، إلى فضاءات التفصيل المنهجي؛ فصار الخطاب أكثر صراحة ومكاشفة في تفنيد الشبهات، ومحاجة الخصوم، وتعرية الانحرافات العقدية والسلوكية، وصولاً إلى فرْض المواجهة والحسم حين يقتضي المقام التشريعي أو السياسي ذلك. ومع هذا التحول الأسلوبي المتفاعل مع حركة الواقع، ظل الخطاب التنزيل متمسكاً ببيان أصول العقيدة وثوابتها المركزية التي لا تنال منها عوارض الزمان ولا متغيرات المكان.
المقصد الأول: الأسلوب الجدلي الحجاجي
تأسيسًا على ما تميز به العهد المدني من انفتاح سياقي على محاورة المخالفين، ومواكبةٍ للمستجدات العقدية والتشريعية التي رافقت بناء الدولة والمجتمع الإسلامي؛ احتل الأسلوب الجدلي الحجاجي مكانة مركزية بوصفه أداة محورية في مسار الخطاب القرآني الموجه لأهل الكتاب. وقد ارتكز هذا النمط التعبيري على تشييد البراهين القاطعة، وتعريّة التناقضات المنهجية لخصوم الدعوة، في سياقٍ مزدوج الوظيفة؛ إذ ينهض من جهة بتفنيد الشبهات الساعية لزعزعة العقيدة، ويعمل من جهة أخرى على تعميق الوعي العَقدي والتحصين الفكري للجماعة المسلمة.
ومع دقة المسلك الحجاجي في دحض مواقف المخاصمة والعناد، تجلت الموضوعية والعدالة القرآنية في استثناء القلة المنصفة التي آمنت بالوحي وثبتت على جادة الحق؛ فلم تكن هذه الفئة غرضاً للتقريع أو الخصومة، بل حظيت بالثناء والتزكية، وهو ما يبرهن على دقة المنهج القرآني ونأيه عن مربعات الأحكام العامة غير المنضبطة.
ومن الشواهد الدالة على طبيعة المقترحات التعجيزية والمحاججة الجدلية التي واجهت الدعوة، قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﳍ﴾ [البقرة: 118].
وفي توجيه دلالة هذا النص، أورد الإمام الطبري في تفسيره عن مجاهد أن المقصود بقوله: ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ هم النصارى، بينما ذهب غيره من المفسرين إلى أن المعنيّ بها هم يهود العهد النبوي المعاصرين للتنزيل في المدينة المنورة.[23]
وفي السياق ذاته، يَعضد العلامة السَّعدي هذا المنحى التفسيري بقوله: “قال الجهلة من أهل الكتاب وغيرهم: هلا يكلمنا الله، كما كلم الرسل، ﴿أو تأتينا آية﴾ يعنون آيات الاقتراح التي يقترحونها بعقولهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة التي تجرأوا بها على الله”.[24]
وتكشف القراءة التحليلية لهذه الآية عن عمق اللجاج والعناد المستحكم في نفوسهم؛ إذ لم يكن تطلبهم للآيات والملامسة المباشرة للخطاب الإلهي نابعاً من رغبة حقيقية في تلمس الهدى أو البحث عن اليقين، وإنما سيق مساق التعجيز والمماراة الفاسدة لتسويغ بقائهم على الكفر والمخالفة.
ويتدرج الخطاب القرآني في تعقب سياقات المحاجة الفكرية عبر آيات متتابعة من سورة آل عمران، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﲅ﴾ [آل عمران: 65]، وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﱒ﴾ [آل عمران: 70]، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ﲙ﴾ [آل عمران: 98]، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﲥ﴾ [آل عمران: 99].
تُبرز هذه المنظومة المتواترة من آيات سورة آل عمران تحولاً جذرياً في أسلوب الخطاب القرآني المدني تجاه أهل الكتاب؛ إذ واجه القران تبدّل أحوالهم وتصاعد حدة مكرهم ووقوفهم السافر في وجه الدعوة بأسلوب يجمع بين إقامة الحجة العقلية والتقريع بأسلوب الاستفهام الاستنكاري المتكرر ﴿لِمَ﴾. لقد كانت هذه الآيات بمثابة مرصد رباني يكشف زيف ادعاءاتهم ويبين حدود التهافت الفكري لديهم للرسول ﷺ وللجماعة المؤمنة. وفي هذا الصدد، يشير الطبري وابن كثير عند تعليقهما على هذه السلسلة الحجاجية، إلى أن نسق الآيات يحمل نبرة تعنيفية حاسمة توبخ كفار أهل الكتاب على إصرارهم على الجحود رغم قيام البينات وعلمهم اليقيني بصدق النبوة، ونزوعهم المستمر إلى صد الراغبين في الهدى عن سبيل الله بكل ما أوتوا من طاقة وجهد.[25]
المقصد الثاني: التوبيخ والتقريع
شهد الخطاب القرآني في عهده المدني تلوناً ملحوظاً وتنوعاً في مسالك مخاطبة أهل الكتاب؛ تلبيةً لمتغيرات الواقع الفكري والسياسي الذي فرضته طبيعة المرحلة بعد تأسيس المجتمع المسلم. فإلى جانب أسلوب الجدل والمحاججة القائم على مقارعة الحجة بالبرهان ومناقشة الأصول المعتقدة والاستشهاد بما بقي في كتبهم من دلائل النبوة، برز أسلوب “التوبيخ والتقريع” كأداة بيانية وتشريعية مركزية في السور المدنية؛ بهدف هتك أستار العناد، وتعريّة مسالك التحريف وكتمان الحقائق العلمية بعد تبيّن البينات.
ولم يكن مسلك التأنيب والتقريع في النسيج القرآني مجرد إنكارٍ طارئ أو انفعالٍ عابر، بل جاء محكوماً بسياقٍ عقدي وتربوي صارم، يبتغي فضح التناقض الجذري بين ما هو مسطور في كتبهم من مواثيق، وبين سلوكياتهم العملية ومواقفهم المناوئة للرسالة المحمدية. ولأجل هذا المقصد الشرعي، تضافرت النصوص المدنية التي تحمل لهجة لائمة عاتبة؛ بسبب نقضهم للعهود المغلظة، وتحريفهم للكلم عن مواضعه، وخلطهم الحق بالباطل، وادعائهم الاستئثار بالهداية والولاية دون النَّاس مع مخالفتهم الصريحة لجوهر شريعتهم.
إن هذا الأسلوب يكشف بجلاء عن سمات الخطاب المدني المتسم بالقوة والوضوح في مجابهة الانحرافات الفكرية والسلوكية؛ إذ اتُّخذ التقريع وسيلةً تعبيرية لإظهار فساد المواقف وكشف حقيقتها النفسية، مع عدم الإخلال بمسيرة إقامة الحجة واستبيان الحق. ومن ثمَّ، شكّل التوبيخ والتقريع ركيزةً أساسية من ركائز الخطاب القرآني الموجه لأهل الكتاب في المرحلة المدنية، بما يكتنزه من أبعاد عقدية وأسرار بلاغية تعكس دقة النظم القرآني وتعدد مناهجه في الدعوة والبيان.
أولاً: التقريع على اللجاج السلوكي ونقض المواثيق العقدية
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﳋ﴾ [البقرة: 61].
تُمثل هذه الآية الكريمة نموذجاً حياً لأسلوب التوبيخ والتقريع؛ إذ تستحضر النوازل التاريخية لبني إسرائيل لتصوير جبلّتهم المستقرة على قلة الصبر والجحود بالنعم، وهي ذات الأخلاق التي شابههم فيها معاصروهم من أهل الكتاب في العهد النبوي، فاستحقوا بذلك العقاب الإلهي؛ حيث قال الله تعالى: [ضُربت عليهم الذلة والمسكنة].
وفي هذا السياق علق دروزة على هذه الآية بقوله: “ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة وذلك ليس خاصاً بهم بل لمختلف أجيال بني إسرائيل من لدن موسى وما بعده نتيجة للمواقف اللجاجية والحجاجية والانحرافات الدينية والأخلاقية التي كانوا وظلوا يرتكبونها بما في ذلك تكذيب الأنبياء وقتلهم، وعصيان أوامر الله وعدوانهم حيث يكون في ذلك عقاب رباني ملازم لهم على مدى الدهر يشاهده بنو الإنسان جيلاً بعد جيل منذ آلاف السنين”.[26]
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﲊ﴾ [آل عمران: 187].
تنتمي هذه الآية إلى خواتيم سورة آل عمران، وهي من السور المدنية التي واكبت بواكر الاحتكاك مع الجاليات الكتابية في المدينة المنورة. ويتبدى وجه التوبيخ فيها من خلال فضح خيانة الميثاق الغليظ ونبذه قصداً بعد العلم به؛ فجاء التقريع كاشفاً لجريمة معنوية شنيعة وهي “كتمان الوحي ونقض العهد”.
وقد أشار ابن جرير الطبري في تفسيره بقوله: “يعني بذلك تعالى ذكره: واذكر أيضاً من أمر هؤلاء اليهود وغيرهم من أهل الكتاب منهم، يا محمد، إذ أخذ الله ميثاقهم، ليبينن للناس أمرك الذي أخذ ميثاقهم على بيانه للناس في كتابهم الذي في أيديهم، وهو التوراة والإنجيل، وأنك لله رسول مرسل بالحق، ولا يكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم، وتركوا أمر الله وضيعوه”.[27]
فقد كان هذا الصنيع ديدن فئات عريضة من أهل الكتاب في البيئة المدنية؛ لذا تعقّبهم النص القرآني بالتأنيب الفاضح لشرائهم الرخيص عبر قوله تبارت أسماؤه: [فبئس ما يشترون]؛ ليتسق التعقيب البلاغي مع شناعة الفعل وتقوم الحجة عليهم.
ثانياً: توبيخ الانحراف العقدي والشرك القولي
قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﱟ﴾ [التوبة: 30]، وفي معنى الآية أشار القاسمي لتفسيرها بقوله: “[قاتلهم الله] أي لعنهم أو قتلهم تعجباً من شناعة قولهم [أنى يؤفكون] كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل”.[28]
كما ذكر ابن عاشور في هذا الصدد: “ويقول اليهود منهم عزيز ابن الله، ويقول النصارى منهم: المسيح ابن الله، تشنيعاً على قائليهما من أهل الكتاب بأنهم بلغوا في الكفر غايته حتى ساووا المشركين”.[29]
تتجلى في هذا الموضع لهجة تقريعية بالغة الشدة؛ إذ يجبههم القرآن بفضاعة انحرافهم العقدي المتمثل في دعوى البنوة لله سبحانه، وهو من أعظم مظاهر الشرك. ولم يقف النص عند مجرد حكاية قولهم، بل أتبعه بتقريع صريح في قوله: [ذلك قولهم بأفواههم] تعريضاً بخلو الكلمة من أي رصيد علمي أو واقعي، ثم ترقى في التوبيخ بربط مقالتهم بمقالات الوثنيين الأوائل: [يضاهئون قول الذين كفروا من قبل]؛ إشارةً إلى تهافت أصولهم الفكرية وتوارثهم للانحراف عبر التاريخ، حتى بلغ التقريع ذروته البيانية بالاستنكار التنديدي في قوله سبحانه: [قاتلهم الله أنى يؤفكون].
وقد توالت بعد هذا النص آيات تخاطبهم بذات الأسلوب التوبيخي؛ تنديداً باتخاذهم الأحبار والرهبان أرباباً تشريعياً من دون الله، ومحاولتهم الفاشلة لإطفاء أنوار الحق بمجرد دعاوى جوفاء لا مستند لها.
حيث نزل في سورة التوبة قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﱯ﴾ [التوبة: 31]، وقد علق عليها الطبري بأنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً فهم لم يعبدوهم ولكن إذا حرموا عليهم شيئاً حرموه، فتلك كانت ربوبيتهم.[30]
ثالثاً: كشف الانحرافات الأخلاقية والسلوكية وفضح نوايا النفس
ولم تنحصر مساحات التوبيخ والتقريع في الأبعاد العقدية الصرفة، بل تمددت لتشمل فضح عوراتهم الأخلاقية وسلوكياتهم الالتوائية، والتي كانت المحرك الأساسي لمواقفهم العدائية من الدعوة الإسلامية والأنبياء؛ حيث تزخر السور المدنية بآيات ترسم صورة كاشفة لطبيعتهم النفسية، رابطةً بين يهود الحجاز المعاصرين للتنزيل وبين سلفهم التاريخي، للدلالة على أن هذه الصفات غدت جِبلّة متوارثة لا تنفك عنهم عبر الأزمان والأماكن.[31]
وقد أدان القرآن جملة من صفاتهم؛ كالكذب الممنهج، وتحريف الحقائق، ونقض العهود، وأكل أموال الناس بالباطل، والحسد المستعر، وجاء ذلك كله في سياق تقريعي يهدف إلى التحذير من ممارساتهم الملتوية.
ففي قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﲡ﴾ [البقرة: 109].
يكتسي الخطاب هنا طابع المكاشفة الفاضحة لطوايا نفوسهم وسوء نواياهم تجاه الجماعة المسلمة؛ إذ عرّى النص دافع الحسد الكامن وراء تمنياتهم بارتداد المسلمين عن دينهم غيظاً وضغينة.
وقد أشار ابن كثير في هذا الشأن بقوله: “يحذر تعالى عباده المؤمنين عن سلوك طرائق الكفار من أهل الكتاب، ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين، مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم”.[32]
وفي ذات السياق السلوكي، سجلت سورة آل عمران عليهم خلق استحلال الأمانات وأكل الحقوق المالية للأمم الأخرى تحت مبررات عنصرية واهية؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﳅ﴾ [آل عمران: 75].[33]
وفي توبيخ دعاوى التزكية الذاتية والغرور الديني، نزل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﱔ انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا ﱟ﴾ [النساء: 49-50].
وقد روى ابن كثير عن الحسن وقتادة في سبب نزولها: “نزلت هذه الآية، وهي قوله [ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم] في اليهود والنصارى، حين قالوا [نحن أبناء الله وأحباؤه]، وقال الله تعالى: [بل الله يزكي من يشاء] أي المرجع في ذلك إلى الله ¸ لأنه عالم بحقائق الأمور وغوامضها”.[34]
وتصل ذروة التمثيل التقريعي في تصوير الانفصام بين حمل العلم والعمل به في سورة الجمعة؛ حيث قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﱬ﴾ [الجمعة: 5].
وقد علق الزمخشري على هذا المشهد البلاغي بقوله: “شبه اليهود- في أنهم حملة التوراة وقرّاؤها وحفاظ ما فيها، ثم إنهم غير عاملين بها ولا منتفعين بآياتها، وذلك أنّ فيها نعت رسول الله § والبشارة به ولم يؤمنوا به- بالحمار حمل أسفاراً، أي كتباً كباراً من كتب العلم، فهو يمشي بها ولا يدري منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب”.[35]
ولقد نزلت الآيات من الخامسة إلى الثامنة من سورة الجمعة تفنيداً لمماراتهم في النبوة المحمدية، وإنكارهم العقلي والقلبي لفيض الفضل الإلهي لغير بني إسرائيل، مسجلةً عليهم شدة غيظهم من بعثة النبي العربي ﷺ، وافترائهم المقيت بأنهم وحدهم صفوة الله المقربون دون سائر العباد.[36]
يتضح من جماع الشواهد السابقة أن توظيف أسلوب “التوبيخ والتقريع” في الخطاب القرآني المدني تجاه أهل الكتاب لم يكن مقصوداً لذاته كأداة للإنكار المجرد، وإنما أُعمل كاستراتيجية بيانية وتشريعية؛ لتفكيك ركائز الباطل، وتقويم الانحرافات العقدية، وكشف المستور من السلوكيات النفسية والأخلاقية المحركة للصراع، وتحذير الجماعة المسلمة الناشئة من التخلق بصفاتهم التي تتنافى مع مقتضيات الإيمان الحقيقي والاهتداء بالوحي.
المقصد الثالث: أسلوب الوعد والوعيد
يُمثل أسلوب الوعد والوعيد أحد أبرز الملامح والأساليب التي اتسم بها الخطاب القرآني المدني في مقاربة مواقف أهل الكتاب؛ إذ نُقل الخطاب عبر هذا الأسلوب الفاعل من عتبة التوجيه والدعوة العامة إلى عتبة المكاشفة الجزائية التي تُحدد بدقة مآلات العناد والتحريف وكتمان الحق. وقد تجلت نصوص هذا العهد بنبرة حاسمة وقوة بيانية واضحة، لم تقتصر على إقامة الحجج النظرية، بل تجاوزتها إلى التهديد بالعقوبات الدنيوية والأخروية المترتبة على منابذة الدعوة الإسلامية بعد قيام البينات وظهور النبوة.
ولقد أورد التنزل المدني وعيداً شديداً طال الذين أصروا على تزييف الميثاق الإلهي، فجاءت الألفاظ محملة بدلالات اللعن، والخزي، والذلة، والعذاب الأليم، جزاءً وفاقاً لما اقترفوه من نقض العهود، وتصحيف الكلم، وصدِّ الخلق عن سبيل الله، واستبدال الذي هو أدنى بالبشارات المكتوبة لديهم في الكتب السابقة عن النبي ﷺ. وبذلك يتبلور هذا الأسلوب كأداة ردع بلاغية وتشريعية تُؤكد السنن الإلهية المضطردة في معاملة المعاندين، وهو ما تنطق به الشواهد الآتية:
الشاهد الأول: قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ﱰ﴾ [البقرة: 79].
وفي تأويل هذه الآية، يقول الإمام أبو جعفر الطبري: “فمعنى الآية: ويل وعذاب، وهو شرب صديد أهل جهنم في أسفل الجحيم، لليهود الذين يكتبون الباطل بأيديهم ثم يقولون: هذا من عند الله”.[37]
تكشف الآية الكريمة، في هذا السياق، عن وجه من وجوه الوعيد الصارم الذي فضخ أساليب التزييف الفكري والتلفيق المعرفي، ودسِّ الأباطيل في ثنايا العلم المنـزل، حيث رتب النص القرآني مآل الجحيم على ذلك الكسب الخبيث الذي ركنوا إليه رغبةً في حطام الدنيا وثمنها البخس.
الشاهد الثاني: قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﲩ﴾ [المائدة: 13].
تُسجل هذه الآية إدانة قرآنية صريحة لجملة من السلوكيات المنحرفة التي طبعت مواقف كفار أهل الكتاب، والمتمثلة في التجرؤ على العهود الربانية وتحريف التنزيل تلبيةً لشهوات الأنفس وأهوائها دون أدنى وازع من خشية أو مبالاة. ولذلك جاء الوعيد هنا معجلاً بعقوبات وجودية ونفسية بليغة؛ كالطرد من مظانِّ الرحمة والهداية، وران القسوة الذي غلف أفئدتهم فلم تعد تعي هدىً ولا تقوى.
وفي هذا المعنى، يُقرر الإمام ابن عاشور في تفسيره أن “اللعن هو الإبعاد، والمراد هنا الإبعاد من رحمة الله تعالى ومن هديه إذ استوجبوا غضب الله لأجل نقض الميثاق… يعدلون بالكلم النبوية عن مواضعها فيسيرون بها في غير مسالكها، وهو تبديل معاني كتبهم السماوية. وهذا التحريف يكون غالباً بسوء التأويل اتباعاً للهوى، ويكون بكتمان أحكام كثيرة مجاراة لأهواء العامة، قيل: ويكون بتبديل ألفاظ كتبهم”.[38]
وتتواتر الآيات في التنزيل المدني لتكشف امتدادات هذا الانحراف الخلقي والسلوكي، كخلق الارتكاس في المأثم والعدوان، واستحلال السُّحت، والسعي الدؤوب لإلحاق الضرر بالبيئة النبوية ومحاربة الصلاح الذي جاء به الإسلام.
الشاهد الثالث: قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﱸ﴾ [المائدة: 64].
ويشرح الإمام الزمخشري هذا المقطع التفسيري بقوله: “[يد الله مغلولة]، ورضي بقَوْله الآخرون فأُشركوا فيه. [وليزيدن] أي يزدادون عند نزول القرآن لحسدهم تمادياً في الجحود وكفراً بآيات الله. [وألقينا بينهم العداوة] فكلمتهم أبداً مختلفة، وقلوبهم شتى، لا يقع اتفاق بينهم ولا تعاضد. [كلما أوقدوا ناراً] كلما أرادوا محاربة أحد غُلِبوا وقُهِروا، ولم يقم لهم نصر من الله على أحد قط”.[39]
تنضح هذه الآية الكريمة بلهجة بالغة الشدة في التنديد والوعيد، حيث واجه القرآن جراءتهم العقدية بوعيدٍ مباشر يضرب تماسكهم الداخلي وقدرتهم العسكرية؛ فرتب على كفرهم حتمية الشتات، وإيقاع البغضاء بين طوائفهم، وإحباط مساعيهم الحربية، جاعلاً مآل تآمرهم الهزيمة والانكسار التاريخي المستمر.
تُظهر البنية الأسلوبية المتقدمة هيمنة واضحة للأبعاد الجزائية في حوار القرآن مع أهل الكتاب في العهد المدني؛ إذ لم تعد الانحرافات تُعرض كخطايا مجردة، بل رُبطت بنتائج مصيرية تُجسد مقتضى العدل الإلهي في التعامل مع مَن علم الحق ثم ناصبه العداء.
كما تجلت في هذا اللون من الخطاب القوة البيانية الباهرة للقرآن الكريم، حيث تلازم الوعيد بالعقوبة مع تعرية النوايا المبطنة والممارسات المستترة، مما ولّد حالة من التحذير الدائم والوعي الوقائي لدى المجتمع المسلم الناشئ ضد مسالك أهل الكتاب ومكرهم.
وهذا الانتقال المنهجي من مرحلة بيان المآلات والعواقب عبر الوعيد، يُمهد منطقياً للتحول نحو مرحلة سياقية أكثر صراحة ومباشرة في الخطاب القرآني المدني، وهي مرحلة «المكاشفة والمواجهة»، حيث يتجاوز النص دائرة النُّذر الجزائية ليقع الصدام العملي وتُكشف المواقف الباطنة في أشد صورها صرامة.
المقصد الرابع: المكاشفة والمواجهة
تُمثّل بيئة “المكاشفة والمواجهة” في الفضاء المدني طوراً متقدماً وحاسماً في مسار العلاقات الرابطة بين المجتمع المسلم الطالع وطوائف أهل الكتاب؛ إذ تشكلت ملامح هذا الطور الدلالي إثر تعقّد الظروف السياسية والاجتماعية، والتحول من فضاء المحاجة الفكرية والدعوة العامة إلى فضاء التأسيس التنظيمي المَعني بصيانة أمن الدولة الناشئة وحماية ثغورها الداخلية والخارجية.
ويُمكن قراءة هذا التحول في ضوء المنهج التدرجي للخطاب القرآني؛ فبعد أن افتتح مساره في مكة بالحوار واللين، ثنّى في المدينة بأطوار الجدل، والتوبيخ، والوعيد، وصولاً إلى مرحلة الصرامة التنظيمية والسيادية في التعامل مع القوى التي نقضت مواثيقها أو اختارت الصدام المسلح مع المسلمين. ومن هذا المنطلق، لم تكن “المكاشفة” في النص المدني ترفاً بيانياً أو غاية مستقرة في ذاتها، بل جاءت تمهيداً مبدئياً ومسوغاً موضوعياً لإجراءات عملية تدرجت من تعرية النوايا الباطنة إلى الحسم العسكري والسياسي ضد الفئات التي انتقلت من الحيز الخِلافي العقدي إلى مربع العداء الميداني.
وتجدر الإشارة إلى أن إرهاصات المكاشفة في الخطاب المدني بدأت مبكرة منذ مطالع سورة البقرة عند استعراض البنية النفسية للمنافقين؛ فقد نقل الطبري وابن كثير عن مجاهد قوله: “أربع آيات من أول سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين”.[40]
وفي سياق تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﱧ﴾ [البقرة: 8]، ذهب عدد من المحققين كـالطبري، والزمخشري، وابن كثير إلى أن الآيات تلتفت هنا إلى فئة المنافقين الذين كان من بينهم طائفة من أهل الكتاب (ولا سيما اليهود) ممّن أظهروا الانقياد وأبطنوا المكر في المجتمع المدني، وانخرطوا في المشهد المعارض للدعوة، مما يجعل هذه الآيات رصداً مبكراً يعري الضمائر ويمهد للتدرج نحو المواجهة الصريحة في السور اللاحقة.[41]
أولاً: تعرية الدوافع العقدية والنفسية
ويتبدى هذا المنزع المكاشف بوضوح في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﱢ﴾ [البقرة: 120].
إذ تنقل هذه الآية الخطاب إلى مستوى متطور من تعرية المواقف النفسية؛ حيث حسمت حقيقة المطلب العقدي الكامن لدى المخالفين، مبينة أن مساحات الترضي عندهم مشروطة بالتبعية التامة لملتهم، وهو ما يمثل انتقالاً من الجدل الظاهري إلى كشف المحركات الباطنة للخطاب.
وقد وجّه الطبري هذا المعنى في تأويله قائلاً: “وليست اليهود، يا محمد، ولا النصارى براضية عنك أبدا، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق، فإن الذي تدعوهم إليه من ذلك لهو السبيل للوصول إلى الدين القيم، ولا سبيل لك إلى أن ترضيهم، لأنهم ضد بعضهم البعض، ولن تتحد الديانات في شخص واحد حتى يرضوا جميعًا عنه”.[42]
وفي ذات السياق الذي يكشف الأغراض النفسية، يتنزل قوله سبحانه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﲡ﴾ [البقرة: 109].
فالآية تصنف محاولات زعزعة عقيدة المؤمنين بأنها لم تكن ناتجة عن حوار فكري مجرد، وإنما انطلقت من رواسب “الحسد” النفسي المناهض لانتقال النبوة والفضل إلى الأمة المسلمة. هذا الكشف القرآني للدوافع الدفينة أسهم بصورة فاعلة في تحصين الوعي الجمعي للمجتمع المسلم وتنبيهه لطبيعة التحديات السلوكية في بيئته الجديدة. وفي توجيه بقايا علم أهل الكتاب بالحق، يذكر الزمخشري في تفسيره مفارقة عجيبة تتعلق ببعض منصفيهم، مبيناً أن هذا الشاهد من بني إسرائيل هو عبد الله بن سلام؛ إذ لما قَدِم رسول الله المدينة نظر إلى وجهه فعلم أنه ليس بوجه كذاب، وتأمله فتحقق أنه هو النبي المنتظر؛[43] وبذلك ينتقل الخطاب القرآني من مجرد رصد الخِلاف الظاهري إلى تعرية الخلفيات الفكرية والنفسية الحاكمة للمواقف.
ثم يأتي التمييز القرآني الحاسم بين مواقف الطوائف الكتابية ومدى تباينها في القرب والبعد من الجماعة المسلمة، كما في قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﲦ﴾ [المائدة: 82].
وهذا النص يمثل ذروة المكاشفة لطبيعة الخارطة الاجتماعية والسياسية في المدينة؛ حيث حدد مستويات الخصومة بوضوح، متجاوزاً أطر النقاش العقدي الشكلي إلى توصيف السلوك العملي على الأرض، واصفاً حدة العداء التي ناصبتها بعض الطوائف للجماعة المسلمة في تلك الحقبة الحرجة.
ثانياً: فضح الحيل الخفية والتآمر السياسي
ولم تقتصر المكاشفة على فضح الطوايا النفسية، بل امتدت لتكشف الأساليب الملتوية والخطط الخفية الساعية لإحداث البلبلة الفكرية، وهو ما يظهر جلياً في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﱹ﴾ [آل عمران: 72].
وتكشف هذه الآية عن نمط من الحرب النفسية القائمة على التشكيك المنظم وزرع بذور الريبة في نفوس ضعفاء الإيمان؛ حيث تآمرت طائفة منهم على إظهار الدخول في الإسلام مطلع النهار ومشاركتهم الصلاة، ثم الارتداد عنه آخره، ترويجاً لفرية صامتة مفادها أنهم -وهم أهل العلم والكتب السابقة- لم يرتدوا إلا بعد أن تكشف لهم بطلان هذا الدين، مراهنين على عودة المسلمين عن دينهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.[44]
وقد لخص الإمام الرازي الفوائد الجليلة لإخبار الله تعالى عن هذه المؤامرة في ثلاثة وجوه رئيسة:
الأول: أن هذه الحيلة كانت سراً مكتوماً بينهم لم يطلعوا عليه أحداً، فكان إخبار النبي ﷺ بها معجزة غيبية ظاهرة.
الثاني: أن إطلاع المؤمنين على هذه الخديعة مسبقاً أبطل أثرها النفسي في قلوبهم، ولو تركت دون كشف لربما أثرت فيمن في إيمانه ضعف.
الثالث: أن فضح القوم وتعريتهم شكّل رادعاً قوياً لهم منعهم من العودة لمثل هذا الأسلوب.[45]
ويتسع أفق المكاشفة التنزيلية ليرصد التحالف الخفي والتنسيق المشترك بين المعارضة الداخلية (المنافقين) والعداء الخارجي، كاشفاً أن حركة النفاق لولا هذا الإمداد الفكري والسياسي من أهل الكتاب لما قويت شوكتها في إحداث الأذى البالغ والتآمر الحربي الذي كاد أن يعصف بالوجود الإسلامي إبان غزوة الأحزاب،[46] وهو ما وثقه قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ﱧ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ﲔ﴾ [محمد: 25-26].
وقد وجّه الزمخشري دلالة هذا التنسيق بعبارة رشيقة قائلاً: “الذين قالوا القائلون: المنافقين، والذين كرهوا ما نزل الله هم: اليهود، وقيل عكسه”.[47]
ويكشف هذا النص عن تفاهمات باطنة يلتزم فيها المنافقون بمظاهرة كارهي التنزيل (اليهود) عبر القعود عن الجهاد وخذلان الصف المسلم، وهي الجبهة المركبة التي فضحها القرآن حماية للمؤمنين في سياقات سور شتى كالأحزاب، ومحمد، والمجادلة، والحشر.
ثالثاً: الانتقال إلى مرحلة الحسم والمواجهة العملية
إزاء هذا التمحيص والمكاشفة، كان لا بد للخطاب أن ينتقل إلى طور الإجراء العملي والحسم السيادي؛ ويبرز ذلك بداية في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﲒ﴾ [التوبة: 123].
وقد عُدّت الآيات في سياقها المدني المتأخر مؤشراً على مرحلة الحسم؛ إذ يربط الزمخشري دلالتها بالسياق التطبيقي لمواجهة النبي ﷺ لطوائف اليهود في المدينة وما حولها، حيث ذكرها عند الحديث عن محاربة قريظة والنضير وفدك.[48]
وفي غزوة الأحزاب، يسجل التنزيل لحظة التحول الشامل نحو العقاب الميداني نتيجة الخيانة العظمى ونقض العهود، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ﲔ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ﲪ﴾ [الأحزاب: 26-27].
وقد اتفق ابن كثير والطبري على أن النص يتنزل في بني قريظة الذين مالؤوا المشركين؛ إذ جاء في تأويلهما لقوله: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾ أي عاونوا الأحزاب وساعدوهم على حرب رسول الله ﷺ من [أهل الكتاب]، وهم بنو قريظة من اليهود الذين استوطن آباؤهم الحجاز قديماً ترقباً للنبي الأمي المكتوب عندهم، [فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به]، فاستحقوا العقوبة والجزاء الميداني.[49]
ثم يتوج هذا المسار السيادي بآية السيف الجزائية في سورة التوبة: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﳎ﴾ [التوبة: 29].
حيث يقرر الطبري في تأويلها: “يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسوله §: (قاتلوا)، أيها المؤمنون، القومَ (الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر)، يقول: ولا يصدّقون بجنة ولا نار (ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق)، يقول: ولا يطيعون الله طاعة الحقِّ، يعني: أنهم لا يطيعون طاعةَ أهل الإسلام (من الذين أوتوا الكتاب)، وهم اليهود والنصارَى”.[50]
وتأتي هذه الآية لفرض أدوات التعامل السيادي في مرحلة مدنية متأخرة، رابطةً بين الانحراف العقدي والمواجهة السياسية والعسكرية الشاملة لتأمين استقرار كيان الأمة المسلمة.
ويأتي الختام التشريعي والتاريخي لهذا الصراع في سورة الحشر ليصور مشهد الإجلاء والمصير العملي، في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﱌ﴾ [الحشر: 2].
وقد أوضح الطبري أن الآية تعني: “الله الذي أخرج الذين جحدوا نبوّة محمد ﷺ من أهل الكتاب، وهم يهود بني النضير”.[51] ويكمل ابن كثير السياق مبيناً أنهم كان بينهم وبين النبي ﷺ عهد وذمة ألا يقاتلوه ولا يقاتلهم، فنقضوا العهد فحلَّ بهم بأس الله الذي لا يُرد، فأجلاهم وأخرجهم من حصونهم الحصينة.
وتقف سورة الحشر شاهداً نهائياً على أن آيات المواجهة المدنية لم تكن منفصلة عن واقعها السياسي والاجتماعي، بل كانت صياغة إلهية حكيمة لحماية حياض الأمة وتطهير بيئتها من بؤر الخيانة والتخريب.
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبعد انقضاء جولات البحث في تتبع تطور الخطاب القرآني لأهل الكتاب بين العهدين المكي والمدني، خلصت الدراسة إلى جملة من النتائج والتوصيات الهامة:
- تلازم النص والسياق: أثبت البحث أن التطور في نبرة وأسلوب الخطاب القرآني تجاه أهل الكتاب لم يكن تحولاً في ثوابت العقيدة، بل كان استجابة مباشرة لتغير مواقف الطوائف الكتابية وسلوكياتهم على الأرض؛ فاللين المكي واكب طائفة مستبشرة مسترشدة، والحسم المدني واكب طائفة مارست المكر والتشكيك والتحالف الحربي ضد المسلمين.
- ثبات الهيكل العقدي: رغم تغير الأساليب البلاغية والدعوية من اللين إلى التقريع والمواجهة، إلا أن القرآن الكريم حافظ على رؤية عقدية واحدة تؤكد وحدة الدين الإلهي، وتدعو إلى التوحيد الخالص، وتستشهد بالأصول المشتركة للرسالات السماوية.
- العدل والإنصاف القرآني المستمر: أظهرت الدراسة أن القرآن الكريم لم يقع في فخ التعميم؛ فحتى في ذروة المواجهة المدنية والتوبيخ الشديد لانحرافات اليهود والنصارى، ظل النص القرآني حريصاً على استثناء “الأمة المقتصدة” والمؤمنين الراسخين في العلم، موجهاً لتثبيتهم والثناء عليهم.
- تنوع الأدوات البيانية: تدرج الخطاب عبر منظومة بلاغية وتشريعية متكاملة بدأت بالقصص والوعظ، ثم الجدل البرهاني، ثم التوبيخ وكشف العوار السلوكي والأخلاقي، وصولاً إلى المكاشفة النفسية وفضح التآمر مع المنافقين، وانتهاءً بفرض المواجهة السياسية والعسكرية عبر آيات القتال والإجلاء.
توصي الباحثة بضرورة توسيع نطاق الدراسات القرآنية التي تربط بين “علم التفسير” و”علوم الاتصال وتحليل الخطاب الحديث”، لفهم حركية النص الإلهي وإعجازه الفكري.
كما توصب بتوجيه الباحثين في حقل الدعوة والسياسة الشرعية للاستفادة من التدرج القرآني (المكي والمدني) في بناء استراتيجيات التعامل المعاصر مع المخالفين، توازناً بين الرفق والحوار في مساحات السِّلْم، والحسم والقوة في مساحات الدفاع عن حياض الأمة وهويتها.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فهرس المصادر والمراجع
ابن عاشور، محمد الطاهر. (1984م). التحرير والتنوير. تونس: الدار التونسية للنشر.
Ibn Ashur, Muhammad al-Tahir. (1984). Al-Tahrir wa al-Tanwir [Liberation and Enlightenment]. Tunis: Tunisian Publishing House.
ابن قيم الجوزية، شمس الدين محمد بن أبي بكر. (1418هـ/1997م). أحكام أهل الذمة. تحقيق: يوسف بن أحمد البكري وشاكر بن توفيق العاروري. الدمام: رمادي للنشر، ط1.
Ibn Qayyim al-Jawziyyah, Shams al-Din Muhammad ibn Abi Bakr. (1997). Ahkam Ahl al-Dhimmah [Rulings Concerning the People of the Covenant]. Edited by Yusuf ibn Ahmad al-Bakri and Shakir ibn Tawfiq al-Aruri. Dammam: Ramadi Publishing, 1st ed.
ابن كثير، إسماعيل بن عمر. (1419هـ). تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير). بيروت: دار الكتب العلمية.
Ibn Kathir, Ismail ibn Umar. (1419 AH). Tafsir al-Qur’an al-‘Azim (Tafsir Ibn Kathir) [Exegesis of the Great Qur’an]. Beirut: Dar al-Kutub al-‘Ilmiyyah.
ابن كثير، إسماعيل بن عمر. (1420هـ). تفسير القرآن العظيم. تحقيق: سامي بن محمد السلامة. الرياض: دار طيبة، ط2.
Ibn Kathir, Ismail ibn Umar. (1420 AH). Tafsir al-Qur’an al-‘Azim [Exegesis of the Great Qur’an]. Edited by Sami ibn Muhammad al-Salamah. Riyadh: Dar Taybah, 2nd ed.
البغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود. (1417هـ). معالم التنزيل (تفسير البغوي). تحقيق: محمد عبد الله النمر وآخرون. الرياض: دار طيبة، ط4.
Al-Baghawi, Abu Muhammad al-Husayn ibn Mas‘ud. (1417 AH). Ma‘alim al-Tanzil (Tafsir al-Baghawi) [Landmarks of Revelation]. Edited by Muhammad Abdullah al-Nimr et al. Riyadh: Dar Taybah, 4th ed.
دروزة، محمد عزت. (1383هـ). التفسير الحديث. القاهرة: دار إحياء الكتب العربية.
Darwazah, Muhammad Izzat. (1383 AH). Al-Tafsir al-Hadith [The Modern Exegesis]. Cairo: Dar Ihya’ al-Kutub al-‘Arabiyyah.
دروزة، محمد عزت. (1367هـ/1949م). القرآن واليهود: أحوالهم وأخلاقهم ومواقفهم ومصيرهم. د.م: حقوق الطبع محفوظة للمؤلف، ط1.
Darwazah, Muhammad Izzat. (1949). Al-Qur’an wa al-Yahud: Ahwaluhum wa Akhlaquhum wa Mawaqifuhum wa Masiruhum [The Qur’an and the Jews: Their Conditions, Morals, Positions, and Fate]. N.p.: Copyright reserved by the author, 1st ed.
الرازي، فخر الدين محمد بن عمر. (1420هـ). مفاتيح الغيب (التفسير الكبير). بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط3.
Al-Razi, Fakhr al-Din Muhammad ibn Umar. (1420 AH). Mafatih al-Ghayb (Al-Tafsir al-Kabir) [Keys to the Unseen / The Great Exegesis]. Beirut: Dar Ihya’ al-Turath al-‘Arabi, 3rd ed.
الزمخشري، جار الله محمود بن عمر. (د.ت). الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل. بيروت: دار الكتاب العربي.
Al-Zamakhshari, Jar Allah Mahmud ibn Umar. (n.d.). Al-Kashshaf ‘an Haqa’iq Ghawamid al-Tanzil [The Revealer of the Realities of the Mysteries of Revelation]. Beirut: Dar al-Kitab al-‘Arabi.
السعدي، عبد الرحمن بن ناصر. (1420هـ). تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان. تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق. بيروت: مؤسسة الرسالة، ط1.
Al-Sa‘di, Abd al-Rahman ibn Nasir. (1420 AH). Taysir al-Karim al-Rahman fi Tafsir Kalam al-Mannan [Facilitation from the Most Gracious in Interpreting the Words of the Beneficent]. Edited by Abd al-Rahman ibn Mu‘alla al-Luwayhiq. Beirut: Al-Risalah Foundation, 1st ed.
الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير. (د.ت). جامع البيان عن تأويل آي القرآن. تحقيق: محمود محمد شاكر. د.م: دار التربية والتراث.
Al-Tabari, Abu Ja‘far Muhammad ibn Jarir. (n.d.). Jami‘ al-Bayan ‘an Ta’wil Ay al-Qur’an [The Comprehensive Exposition of the Interpretation of the Verses of the Qur’an]. Edited by Mahmud Muhammad Shakir. N.p.: Dar al-Tarbiyah wa al-Turath.
القاسمي، محمد جمال الدين. (1418هـ). محاسن التأويل. بيروت: دار الكتب العلمية، ط1.
Al-Qasimi, Muhammad Jamal al-Din. (1418 AH). Mahasin al-Ta’wil [The Merits of Interpretation]. Beirut: Dar al-Kutub al-‘Ilmiyyah, 1st ed.
القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد. (د.ت). الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي). القاهرة: دار الكتب المصرية.
Al-Qurtubi, Abu Abdullah Muhammad ibn Ahmad. (n.d.). Al-Jami‘ li Ahkam al-Qur’an (Tafsir al-Qurtubi) [The Compendium of Qur’anic Legal Rulings]. Cairo: Dar al-Kutub al-Misriyyah.
الهوامش:
- دروزة، محمد عزت، التفسير الحديث، (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، 1383هـ)، 1/305. ↑
- القاسمي، محمد جمال الدين، محاسن التأويل، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1418هـ)، 5/175. ↑
- وفي تفسير الطبري: حدثنا القاسم عن ابن جريج: [أو لم يكن لهم آية] قال: محمد، [أن يعلمه] قال: يعرفه علماء بني إسرائيل، قال ابن جريج: قال مجاهد: علماء بني إسرائيل: عبد الله بن سلام وغيرهم من علمائهم. الطبري، أبو جعفر، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق: محمود محمد شاكر، (د.م: دار التربية والتراث، د.ط، د.ت)، 18/398. ↑
- ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير، (تونس: الدار التونسية للنشر، 1984م)، 1/448. ↑
- السعدي، عبد الرحمن بن ناصر، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط1، 1420هـ)، ص 597. ↑
- الزمخشري، جار الله، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، (بيروت: دار الكتاب العربي، د.ت)، 3/421. ↑
- الطبري، جامع البيان، 15/201. ↑
- السعدي، تيسير الكريم الرحمن، ص 373 – 374. ↑
- ابن عاشور، التحرير والتنوير، 22/145. ↑
- ينظر: الطبري، جامع البيان، 11/294. ↑
- ابن قيم الجوزية، شمس الدين، أحكام أهل الذمة، تحقيق: يوسف بن أحمد البكري وشاكر بن توفيق العاروري، (الدمام: رمادي للنشر، ط1، 1418هـ – 1997م)، 1/97-98. ↑
- القاسمي، محاسن التأويل، 8/392. ↑
- القرطبي، أبو عبد الله، الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي)، (القاهرة: دار الكتب المصرية، د.ت)، 16/188. ↑
- السعدي، تيسير الكريم الرحمن، ص 779. ↑
- الطبري، جامع البيان، 17/208. ↑
- ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1419هـ)، 5/334؛ والقاسمي، محاسن التأويل، 7/178. ↑
- الطبري، جامع البيان، 16/473. ↑
- القاسمي، محاسن التأويل، 6/289. ↑
- الزمخشري، الكشاف، 2/644. ↑
- البغوي، أبو محمد، معالم التنزيل (تفسير البغوي)، تحقيق: محمد عبد الله النمر وآخرون، (الرياض: دار طيبة، ط4، 1417هـ)، 5/52. ↑
- الطبري، جامع البيان، 20/46. ↑
- ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تحقيق: سامي بن محمد السلامة، (الرياض: دار طيبة، ط2، 1420هـ)، 6/283. ↑
- الطبري، جامع البيان، 2/551. ↑
- السعدي، تيسير الكريم الرحمن، ص 53. ↑
- ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 2/85. ↑
- دروزة، التفسير الحديث، 6/172. ↑
- الطبري، جامع البيان، 7/458. ↑
- القاسمي، محاسن التأويل، 5/393. ↑
- ابن عاشور، التحرير والتنوير، 10/167. ↑
- الطبري، جامع البيان، 14/209. ↑
- دروزة، محمد عزت، القرآن واليهود: أحوالهم وأخلاقهم ومواقفهم ومصيرهم، (د.م: حقوق الطبع محفوظة للمؤلف، ط1، 1367هـ – 1949م)، ص 3. ↑
- ابن كثير، تفسير القرآن العظيم (ت: السلامة)، 1/382. ↑
- دروزة، القرآن واليهود، ص 40. ↑
- ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 2/232. ↑
- الزمخشري، الكشاف، 4/530. ↑
- دروزة، القرآن واليهود، ص 48. ↑
- الطبري، جامع البيان، 2/269. ↑
- ابن عاشور، التحرير والتنوير، 6/143. ↑
- الزمخشري، الكشاف، 1/657. ↑
- الطبري، جامع البيان، 1/240؛ وابن كثير، تفسير القرآن العظيم (ت: السلامة)، 1/171؛ والزمخشري، الكشاف، 1/54. ↑
- ينظر المراجع السابقة. ↑
- الطبري، جامع البيان، 2/562. ↑
- ينظر: الزمخشري، الكشاف، 4/299. ↑
- ينظر: الطبري، جامع البيان، 6/508؛ وابن كثير، تفسير القرآن العظيم (ت: السلامة)، 2/59. ↑
- الرازي، فخر الدين، مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط3، 1420هـ)، 8/358. ↑
- دروزة، القرآن واليهود، ص 56. ↑
- الزمخشري، الكشاف، 4/326. ↑
- الزمخشري، الكشاف، 2/323. ↑
- الطبري، جامع البيان، 20/243؛ وابن كثير، تفسير القرآن العظيم (ت: السلامة)، 6/398. ↑
- الطبري، جامع البيان، 14/198؛ وابن كثير، تفسير القرآن العظيم (ت: السلامة)، 4/130. ↑
- الطبري، جامع البيان، 23/259. ↑