دور المدارس الدينية في أفغانستان في حفظ الهوية الدينية والثقافية: دراسة تاريخية تحليلية
صديق الله کريمي1، محمد حسین روحاني2، خان محمد خدرخېل3
1 أستاذ بجامعة ننجرهار، کلية الشريعة، قسم الدراسات الإسلامية، أفغانستان.
2 أستاذ مساعد، جامعة ننجرهار، کلية الشريعة، قسم الدراسات الإسلامية، أفغانستان.
3 أستاذ مشارك، جامعة ننجرهار، کلية الشريعة، قسم الدراسات الإسلامية، أفغانستان.
The Role of Religious Madrasas in Afghanistan in Preserving Religious and Cultural Identity: A Historical and Analytical Study
Sediqullah Karimi1, Mohammad Hussain Rohani2, Khan Mohammad Khadarkhil3
1 Professor, Department of Islamic Studies, Faculty of Sharia, Nangarhar University, Afghanistan.
2 Assistant Professor, Department of Islamic Studies, Faculty of Sharia, Nangarhar University, Afghanistan.
3 Associate Professor, Department of Islamic Studies, Faculty of Sharia, Nangarhar University, Afghanistan.
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj710/5
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/710/5
المجلد (7) العدد (10). الصفحات: 66 - 97
تاريخ الاستقبال: 2026-09-05 | تاريخ القبول: 2026-09-15 | تاريخ النشر: 2026-10-01
المستخلص: تتناول هذه الدراسة الدور الذي اضطلعت به المدارس الدينية في أفغانستان في حفظ الهوية الدينية والثقافية عبر المراحل التاريخية المختلفة. وتنبع أهمية الموضوع من كون أفغانستان بلدًا ذا حضارة إسلامية عريقة، وتراث علمي واسع، وتنوع قومي ولغوي واجتماعي، وقد مثّلت المدارس الدينية فيه مؤسسات أساسية لتعليم القرآن الكريم، والحديث النبوي، والفقه، والعقيدة، واللغة العربية، والأخلاق الإسلامية، ونقلها إلى الأجيال المتعاقبة. كما لم تقتصر وظيفتها على التعليم، بل أسهمت في إعداد العلماء والأئمة والخطباء والمدرسين، وتعزيز الوعي الديني، وحفظ بعض القيم والعادات الاجتماعية المشروعة. وتهدف الدراسة إلى بيان التطور التاريخي للمدارس الدينية في أفغانستان، وتحليل دورها في حفظ الهوية الدينية والثقافية، والكشف عن أبرز التحديات المتعلقة بالمناهج، والإدارة، والشبكات التعليمية العابرة للحدود، والعلاقة بين التعليم الديني ومتطلبات المجتمع المعاصر. واعتمدت الدراسة المنهج المكتبي والتاريخي والوصفي والتحليلي، من خلال الرجوع إلى المصادر الشرعية، والدراسات التاريخية، والبحوث الحديثة المتعلقة بالتعليم الديني في أفغانستان. وتوصلت الدراسة إلى أن المدارس الدينية كانت ولا تزال من أهم المؤسسات الحافظة للهوية الدينية في المجتمع الأفغاني، غير أن تعزيز دورها في المرحلة المعاصرة يقتضي تطوير المناهج، وتأهيل المدرسين، وتحسين الإدارة، وتحقيق توازن مناسب بين أصالة العلوم الشرعية والمهارات والمعارف التي يحتاج إليها المجتمع الحديث.
الكلمات المفتاحية: أفغانستان، التعليم الديني، المدارس الدينية، الهوية الثقافية، الهوية الدينية، التراث الإسلامي.
Abstract: This study examines the role of religious schools in Afghanistan in preserving religious and cultural identity across different historical periods. The significance of the topic lies in the fact that Afghanistan possesses a rich Islamic civilization, a broad scholarly heritage, and considerable ethnic, linguistic, and social diversity. Religious schools have served as major institutions for teaching and transmitting the Qur’an, Prophetic traditions, Islamic jurisprudence, creed, Arabic language, and Islamic ethics to successive generations. Their role has not been limited to instruction; they have also contributed to preparing scholars, imams, preachers, and teachers, strengthening religious awareness, and preserving certain legitimate social values and customs. The study aims to explain the historical development of religious schools in Afghanistan, analyze their role in preserving religious and cultural identity, and identify the major challenges related to curricula, administration, transnational educational networks, and the relationship between religious education and the needs of contemporary society. The study employs library-based, historical, descriptive, and analytical methods by drawing on Islamic primary sources, historical studies, and contemporary research on religious education in Afghanistan. The study concludes that religious schools have been, and continue to be, among the most important institutions for preserving religious identity in Afghan society. However, strengthening their role in the contemporary period requires curriculum development, teacher training, improved administration, and a balanced integration of traditional Islamic sciences with the knowledge and skills required by modern society.
Keywords: Afghanistan, Cultural Identity, Islamic Heritage, Religious Education, Religious Identity, Religious Schools.
المقدمة
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ: تمثل الهوية الدينية والثقافية أحد أهم المقومات التي تحفظ للمجتمعات تماسكها واستمرارها؛ إذ تستمد الجماعات من عقائدها وقيمها ولغاتها وتراثها العلمي وذاكرتها التاريخية عناصرَ الانتماء والخصوصية. وكلما كانت مؤسسات التعليم والتربية قادرة على نقل هذه العناصر إلى الأجيال الجديدة، كان المجتمع أقدر على مواجهة التحولات الفكرية والاجتماعية والثقافية، من غير أن يفقد صلته بأصوله ومرجعياته.
وتُعَدُّ أفغانستان بلدًا ذا حضارة إسلامية، وميراث علمي، وتنوع قومي ولغوي، وعادات دينية واجتماعية متجذرة. وقد أدّت المدارس الدينية في هذا المجتمع دورًا مهمًا في تعليم القرآن الكريم، والحديث النبوي، والفقه، والعقيدة، واللغة العربية، والأخلاق الإسلامية، ونقل القيم الدينية إلى الناس. ولم تكن المدرسة الدينية مكانًا للتعليم فقط، بل كانت كذلك مركزًا لإعداد العلماء، ونشر الوعي الديني، والإرشاد الاجتماعي، وحفظ الأعراف الإسلامية المشروعة، وتقوية الصلة الفكرية والثقافية بين أفراد المجتمع.
ومرت المدارس الدينية الأفغانية خلال تاريخها بمراحل متعددة تأثرت بالتحولات السياسية، والحروب، والهجرة، والاتصال بالمراكز التعليمية خارج البلاد، وتغير المناهج، والعلاقة بين الدولة والمجتمع. ولذلك فإن تقويم دورها لا ينبغي أن يقتصر على النظر إليها بوصفها مؤسسات تعليمية فحسب، بل ينبغي أن يتناول دورها في حفظ الهوية الدينية والثقافية، ونقلها، وإعادة بنائها في ظل التحديات المعاصرة.
مشكلة البحث
أولًا: المشكلة العلمية: أُنجزت دراسات متعددة حول تاريخ المدارس الدينية في أفغانستان، ومناهجها، وأدوارها الاجتماعية، وعلاقاتها بالشبكات التعليمية العابرة للحدود، وبرامج إصلاحها. فقد ركزت بعض الدراسات على التطور التاريخي للمدارس، واهتمت أخرى بمناهجها وإصلاحاتها، كما بحثت دراسات أخرى في بنيتها الإدارية وعلاقتها بالمؤسسات التعليمية خارج أفغانستان. غير أن تحليل هذه الجوانب مجتمعة من زاوية حفظ الهوية الدينية والثقافية ما يزال يحتاج إلى دراسة أكثر شمولًا وترابطًا.
ثانيًا: المشكلة العملية: تواجه المدارس الدينية في أفغانستان، في المرحلة المعاصرة، تحديات متعددة تتعلق بتنوع المناهج، وجودة التدريس، والعلاقة بين المؤسسات الرسمية والخاصة، والحاجة إلى استيعاب بعض متطلبات التعليم الحديث، مع المحافظة على القيم الدينية والثقافية. ومن هنا تتمثل مشكلة البحث في السؤال الآتي: ما الدور الذي أدته المدارس الدينية في أفغانستان في حفظ الهوية الدينية والثقافية عبر المراحل التاريخية، وكيف يمكن تعزيز هذا الدور في العصر الحاضر بصورة علمية ومتوازنة؟
أهمية البحث
أولًا: الأهمية العلمية: تنبع الأهمية العلمية لهذه الدراسة من ربطها بين التطور التاريخي للمدارس الدينية في أفغانستان وبين قضية الهوية الدينية والثقافية. كما تجمع الدراسة الأدوار التعليمية، والأخلاقية، والاجتماعية، والثقافية للمدارس في إطار تحليلي واحد، بدل تناول كل جانب منها بصورة منفصلة.
ثانيًا: الأهمية العملية: تتمثل الأهمية العملية في تقديم رؤية علمية تسهم في تطوير مناهج المدارس الدينية، وتحسين إدارتها، وتعزيز إعداد العلماء والمدرسين، وتقوية التربية الفكرية والأخلاقية للشباب، وحفظ القيم الثقافية المشروعة. كما تسعى الدراسة إلى تقديم صورة متوازنة عن المدارس الدينية، بعيدة عن المبالغة في الثناء المطلق أو النقد المطلق.
أهداف البحث
الهدف الرئيسي: بيان الدور التاريخي والتحليلي للمدارس الدينية في أفغانستان في حفظ الهوية الدينية والثقافية.
الأهداف الفرعية
-
توضيح مفهوم المدرسة الدينية والهوية الدينية والهوية الثقافية.
-
بيان المراحل التاريخية الرئيسة للمدارس الدينية في أفغانستان.
-
دراسة دور المدارس في نقل القرآن الكريم والسنة والفقه والعقيدة والأخلاق الإسلامية.
-
تقويم دور المدارس الدينية في إعداد العلماء والأئمة والمدرسين والمرشدين الدينيين.
-
بيان إسهام المدارس في حفظ العادات الدينية والثقافية المشروعة، واللغات، والقيم الاجتماعية.
-
تحديد أبرز التحديات المتعلقة بالمناهج، والإدارة، والشبكات التعليمية العابرة للحدود، والإصلاحات المعاصرة.
-
تقديم مقترحات عملية لتعزيز حفظ الهوية الدينية ورفع جودة التعليم الديني.
أسئلة البحث
السؤال الرئيسي: ما الدور الذي أدته المدارس الدينية في أفغانستان في حفظ الهوية الدينية والثقافية في المراحل التاريخية والمعاصرة؟
الأسئلة الفرعية
-
ما مفهوم المدرسة الدينية والهوية الدينية والهوية الثقافية، وما طبيعة العلاقة بينها؟
-
ما أبرز المراحل التاريخية التي مرت بها المدارس الدينية في أفغانستان؟
-
ما إسهام المدارس في نقل العلوم الإسلامية والعقيدة والقيم الأخلاقية والوعي الديني؟
-
ما أثر المدارس الدينية في حفظ العادات الثقافية المشروعة والقيم الاجتماعية؟
-
ما أبرز التحديات المتعلقة بالمناهج، والإدارة، والعلاقات التعليمية العابرة للحدود؟
-
كيف يمكن للمدارس الدينية أن تحقق توازنًا بين أصالة التعليم الإسلامي، والقيم الثقافية الوطنية، والحاجات العلمية المعاصرة؟
الدراسات السابقة
تناولت دراسة سامي الله عادل وزملائه التطور التاريخي للمدارس الدينية في أفغانستان منذ المراحل السابقة حتى فترة ما بعد سنة 2001م، مع بيان علاقتها بالتحولات الاجتماعية. وتفيد هذه الدراسة في تحديد الإطار التاريخي، وتوضيح تنوع الأدوار التعليمية للمدارس الدينية (Adel et al., 2026, pp. 89–104).
وبحث مصباح الله عبد الباقي تطور المدارس الدينية في أفغانستان، وأثر تغير الحكومات والظروف السياسية في انتشارها ووظائفها، كما تناول بعض تحديات المرحلة المعاصرة. ويعد هذا العمل من المراجع المهمة لتنظيم المراحل التاريخية للمدارس الدينية (Abdulbaqi, 2008, pp. 130–159).
ودرست كاجا بورشغريفينك تنوع التعليم الديني الأفغاني، وعلاقات المدارس بالمؤسسات التعليمية خارج الحدود، والشبكات العلمية العابرة للبلدان. وتفيد هذه الدراسة في تحليل المصادر الفكرية، والتنوع المنهجي، والتأثيرات الخارجية في المدارس الدينية (Borchgrevink, 2010).
كما تناول محمد عثمان طارق بنية المؤسسات الدينية الرسمية وغير الرسمية، وإدارة المدارس، والاحتياجات التنظيمية للقطاع التعليمي الديني؛ مما يجعل دراسته مفيدة في بحث العلاقة بين المدارس والمؤسسات الرسمية (Tariq, 2011).
وبحثت بيا كارلسون وأمير منصوري البنية العامة للتعليم الإسلامي في أفغانستان، وعلاقة المدرسة الدينية، والتعليم المسجدي، والتعليم النظامي الحديث. أما يحيى بايزا فقد قدم دراسة نقدية لإصلاح التعليم الديني خلال الفترة 2002–2013م. وتفيد هاتان الدراستان في بحث المناهج، والإصلاحات، والعلاقة بين التعليم الديني والتعليم الحديث.
منهج البحث
تعتمد هذه الدراسة المنهج المكتبي، والتاريخي، والوصفي، والتحليلي.
ويُستخدم المنهج التاريخي لبيان نشأة المدارس الدينية، وتطورها، وتحولاتها، ومراحلها التاريخية المختلفة. ويُستخدم المنهج الوصفي لعرض مناهج المدارس، وبنيتها الإدارية، وطرائق التدريس، ووظائفها الاجتماعية. أما المنهج التحليلي فيُستخدم لتقويم دور المدارس في حفظ الهوية الدينية والثقافية، وبيان جوانب القوة والتحديات والاحتياجات الإصلاحية.
حدود البحث
الحد الموضوعي: يقتصر البحث على دور المدارس الدينية في أفغانستان في حفظ الهوية الدينية والثقافية.
الحد الزماني: يمتد البحث من الجذور التاريخية القديمة للمدارس الدينية إلى المرحلة المعاصرة، مع عناية خاصة بالقرن العشرين، وفترة الحروب والهجرة، وإصلاحات ما بعد سنة 2001م، والواقع التعليمي المعاصر.
الحد المكاني: ينحصر البحث في أفغانستان، مع الإشارة إلى علاقات المدارس الأفغانية بالمراكز التعليمية في باكستان، وإيران، والهند، وآسيا الوسطى، بالقدر الذي يوضح أثر تلك العلاقات في التعليم الديني الأفغاني.
التمهيد: المفاهيم والإطار النظري
المطلب الأول: المدرسة الدينية؛ مفهومها، أنواعها وخصائصها
تُعَدُّ المدرسة الدينية من أهم المؤسسات التعليمية التي اضطلعت، عبر التاريخ الإسلامي، بمهمة نقل العلوم الشرعية، وتكوين العلماء، وترسيخ القيم الدينية في المجتمع. وفي السياق الأفغاني اكتسبت هذه المؤسسة أهمية خاصة؛ لأنها لم تكن مجرد مكان لتلقين العلوم، بل أدّت دورًا في حفظ القرآن الكريم، وتعليم العقيدة والفقه والحديث واللغة العربية، وتوجيه الناس في شؤونهم الدينية والاجتماعية. ومن ثمّ فإن تحديد مفهوم المدرسة الدينية، وبيان صورها، والتمييز بينها وبين المؤسسات التعليمية الأخرى، يمثل مدخلًا ضروريًا لفهم دورها في حفظ الهوية الدينية والثقافية.
أولًا: المفهوم اللغوي والاصطلاحي للمدرسة الدينية
المدرسة في اللغة مشتقة من مادة «دَرَسَ»، وهي تدل على القراءة والتعلّم وتكرار النظر في العلم. ويقال: دَرَسَ الكتابَ؛ أي قرأه وتعلّمه، والمدرسة موضع الدرس والتعليم. وقد ورد في كتب اللغة أن «المِدراس» هو البيت الذي يُدرَس فيه القرآن أو الكتب، وهو ما يدل على اقتران اللفظ منذ الاستعمال العربي القديم بمكان التعلّم والقراءة المنظمة (ابن منظور، 1414هـ، مادة: درس).
أما المدرسة الدينية في الاصطلاح، فهي مؤسسة تعليمية تُعنى أساسًا بتعليم العلوم الإسلامية واللغة العربية وما يتصل بهما، وتعمل على إعداد المتعلمين في مجالات العقيدة، والفقه، والحديث، والتفسير، والسيرة، وأصول الفقه، والأخلاق الإسلامية. ولا يقتصر مفهومها على المبنى أو المكان، بل يشمل المعلم، والمتعلم، والمنهج، ووسائل التدريس، والنظام الإداري، والوظيفة التربوية والاجتماعية التي تؤديها المؤسسة.
وفي البيئة الأفغانية لا تمثل المدرسة الدينية نموذجًا واحدًا ثابتًا؛ إذ تختلف من حيث تبعيتها الإدارية، ومستوى مناهجها، ومدى تنظيمها، وطبيعة العلوم التي تدرّس فيها. وتشير الدراسات المتعلقة بالتعليم الإسلامي في أفغانستان إلى أن التعليم الديني يتم عبر المساجد، والمدارس، والكتاتيب القرآنية، إلى جانب المدارس النظامية الحديثة، مع اختلاف واضح في البنية والمنهج والوظيفة التعليمية لكل نوع (Karlsson & Mansory, 2018, pp. 685–697).
ومن الناحية التحليلية، يمكن تعريف المدرسة الدينية في هذه الدراسة بأنها: مؤسسة تعليمية، رسمية أو أهلية أو محلية، تقدم تعليمًا دينيًا منظمًا بدرجات متفاوتة، وتهدف إلى نقل العلوم الإسلامية، وترسيخ القيم الدينية، وإعداد الأفراد القادرين على أداء بعض الوظائف العلمية والدعوية والاجتماعية في المجتمع.
ثانيًا: أنواع المؤسسات التعليمية الدينية
يمكن تقسيم المؤسسات التعليمية الدينية في أفغانستان، بحسب طبيعة تنظيمها ومكانها ووظيفتها، إلى أنواع متعددة، أهمها المدارس الرسمية، والمدارس الخاصة، والمدارس المحلية، والمدارس أو الحلقات المرتبطة بالمساجد.
1. المدارس الدينية الرسمية: ويقصد بها المؤسسات التي تكون مرتبطة من الناحية الإدارية بجهة تعليمية رسمية، أو تعمل وفق لوائح ومناهج معتمدة أو معترف بها. وغالبًا ما تتسم هذه المدارس بوجود هيكل إداري، ومراحل دراسية، ومقررات محددة، ومعلمين معيّنين، ونظام للقبول والامتحانات. وتمتاز المدرسة الرسمية بإمكانية ضبط المناهج، وتوحيد بعض المعايير التعليمية، وربط التعليم الديني بحاجات المجتمع العامة؛ غير أن فاعليتها تبقى مرتبطة بجودة المنهج، وكفاءة المدرسين، ومدى مراعاة البيئة الثقافية والاجتماعية للمتعلمين.
2. المدارس الدينية الخاصة أو الأهلية: وهي المدارس التي تنشأ بمبادرات فردية أو أسرية أو علمائية أو مجتمعية، وقد تعتمد في تمويلها على التبرعات، أو الأوقاف، أو دعم الأهالي. وتتميز هذه المدارس بمرونة أكبر في اختيار مناهجها ومدرسيها وأساليبها التعليمية، كما ترتبط في الغالب ارتباطًا مباشرًا بالمجتمع المحلي. غير أن هذا التنوع قد يؤدي إلى تفاوت بين المدارس من حيث المستوى العلمي، وتنظيم المناهج، ومدى الجمع بين العلوم الشرعية والمهارات التعليمية المعاصرة.
3. المدارس المحلية: وهي مؤسسات تعليمية تنشأ في القرى والأحياء والمناطق البعيدة، لتلبية حاجة السكان إلى التعليم الديني الأساسي أو المتوسط. وقد تكون هذه المدارس مستقلة، أو ملحقة بمسجد، أو قائمة في بيت عالم أو معلم. وتؤدي المدارس المحلية دورًا مهمًا في نشر القراءة القرآنية، وتعليم مبادئ العقيدة والعبادة والأخلاق، خصوصًا في البيئات التي تقل فيها فرص الوصول إلى المؤسسات التعليمية الكبرى. وتؤكد الدراسات الخاصة بالتعليم الديني الأفغاني أن التنوع المحلي والروابط الاجتماعية والشبكات التعليمية العابرة للحدود أثرت في أشكال المدارس ومناهجها ووظائفها (Borchgrevink, 2010, pp. 1–15).
4. المدارس أو الحلقات التعليمية المرتبطة بالمساجد: وهي من أقدم صور التعليم الديني، وتتمثل في الدروس والحلقات التي تقام داخل المساجد لتعليم القرآن الكريم، والقراءة، ومبادئ الطهارة والصلاة، والأذكار، والأخلاق، وبعض المسائل الفقهية الضرورية. وقد تكون هذه الحلقات موجهة للأطفال، أو للناشئة، أو لعامة الناس، ولا تشترط في الغالب منهجًا مطولًا أو نظامًا دراسيًا متدرجًا كالمدرسة المتخصصة. ولذلك فإن وظيفتها الأساسية هي نشر الحد الأدنى من المعرفة الدينية، وربط أفراد المجتمع بالمسجد وبالقيم الإسلامية.
ثالثًا: الفرق بين المدرسة الدينية، والمدرسة المسجدية، والمدرسة النظامية الحديثة
تختلف المدرسة الدينية عن المدرسة المسجدية من حيث مستوى التنظيم، وطبيعة المنهج، ومدى التخصص. فالمدرسة الدينية في صورتها المعروفة تقدم برنامجًا تعليميًا أكثر انتظامًا واستمرارًا، وقد تضم مراحل متعددة، ومدرسين متخصصين، ومقررات في الفقه والحديث والتفسير والعقيدة واللغة العربية وأصول العلوم الإسلامية. أما المدرسة المسجدية أو الكتّاب القرآني، فتركز غالبًا على تعليم القرآن الكريم، والقراءة، ومبادئ العبادات والأخلاق، وتكون أكثر اتصالًا بالحياة اليومية للمجتمع المحلي.
وتختلف المدرسة الدينية كذلك عن المدرسة النظامية الحديثة؛ لأن المدرسة النظامية تقوم عادة على مناهج عامة تشمل العلوم الطبيعية، والرياضيات، واللغات، والتاريخ، والجغرافيا، والمواد الاجتماعية، إلى جانب التربية الدينية. أما المدرسة الدينية فمحورها الرئيس هو العلوم الشرعية والتكوين الديني، وإن كانت بعض المدارس قد تُدخل مواد عامة أو مهارات معاصرة بدرجات مختلفة. وتؤكد الدراسات المتعلقة بأفغانستان أن حدود هذه المؤسسات ليست دائمًا حادة؛ إذ قد تجمع بعض المدارس، لا سيما في البيئات الريفية، بين التعليم الديني وبعض المواد الأساسية، كما قد يقوم المسجد بوظائف تعليمية واجتماعية تتجاوز مجرد أداء العبادة (Karlsson & Mansory, 2018, pp. 685–697؛ Tariq, 2011, pp. 9–23).
ولا ينبغي أن يُفهم هذا التمييز على أنه مفاضلة مطلقة بين هذه المؤسسات؛ لأن لكل مؤسسة وظيفة خاصة في البناء التعليمي والاجتماعي. فالمدرسة المسجدية تؤدي وظيفة التأسيس الديني الأولي، والمدرسة الدينية المتخصصة تسهم في إعداد العلماء والمدرسين والخطباء، والمدرسة النظامية الحديثة تؤدي دورًا في تأهيل الطلاب في العلوم والمعارف العامة. ومن ثمّ فإن التكامل بين هذه الأنماط، مع المحافظة على أصالة التعليم الديني وتحسين جودته، يمثل إطارًا مناسبًا لخدمة المجتمع وحفظ هويته الدينية والثقافية.
رابعًا: خصائص المدرسة الدينية ووظيفتها في حفظ الهوية
تمتاز المدرسة الدينية بجملة من الخصائص التي تجعلها مؤثرة في حفظ الهوية الدينية والثقافية. فمن أهم هذه الخصائص اعتمادها على النصوص الإسلامية الأساسية، وربطها المتعلم بالقرآن الكريم والسنة النبوية والتراث الفقهي والعلمي الإسلامي. كما تتميز بعنايتها باللغة العربية، بوصفها لغة القرآن الكريم وجزءًا من أدوات فهم النصوص الشرعية.
ومن خصائصها كذلك استمرار العلاقة بين المدرسة والمجتمع؛ إذ لا ينحصر أثرها في الطالب داخل قاعة الدرس، بل يمتد إلى الأسرة، والمسجد، والمناسبات الدينية، وحلقات الوعظ، والإرشاد الاجتماعي. ولهذا كانت المدرسة الدينية في كثير من البيئات الأفغانية مصدرًا لتكوين الأئمة والخطباء والمدرسين، ووسيلة لنقل القيم الدينية والأخلاقية من جيل إلى جيل.
غير أن هذا الدور لا يتحقق بصورة تلقائية في كل مدرسة، بل يحتاج إلى منهج متوازن، ومدرسين مؤهلين، وبيئة تربوية سليمة، وقدرة على الجمع بين أصالة العلوم الشرعية وفهم واقع المجتمع. ولذلك فإن النظر إلى المدارس الدينية بوصفها مؤسسات متباينة في مناهجها ووظائفها، لا بوصفها كتلة واحدة متجانسة، يعدّ منطلقًا منهجيًا ضروريًا في دراسة أثرها في حفظ الهوية الدينية والثقافية في أفغانستان.
المطلب الثاني: الهوية الدينية والثقافية؛ مفهومها وعناصرها
تُعَدُّ الهوية من المفاهيم المركزية في دراسة المجتمعات؛ لأنها تعبّر عن جملة الخصائص والمعاني والقيم التي تجعل الفرد أو الجماعة واعية بذاتها، متميزةً عن غيرها، ومرتبطةً بمرجعياتها التاريخية والاجتماعية. والهوية ليست عنصرًا واحدًا جامدًا، بل هي بناءٌ مركبٌ تتداخل فيه العقيدة، واللغة، والذاكرة، والقيم، والعادات، والروابط الاجتماعية. وفي المجتمع الأفغاني تبرز الهوية الدينية والثقافية بوصفها إطارًا جامعًا يربط بين التنوع اللغوي والقومي والمناطقي وبين الأصول الإسلامية والقيم الاجتماعية الموروثة.
أولًا: مفهوم الهوية الدينية وعناصرها
يُقصَد بالهوية الدينية، في هذه الدراسة، مجموعةُ العقائد والقيم والشعائر والتصورات الأخلاقية التي يستمد منها الفرد والجماعة فهمهم للحياة، ومعاييرهم في السلوك، وشعورهم بالانتماء إلى الدين الإسلامي. فهي لا تقف عند حدود الانتساب اللفظي إلى الإسلام، بل تشمل الإيمان الصحيح، وأداء العبادات، والالتزام بالأخلاق، واحترام الأحكام الشرعية، واستحضار المسؤولية أمام الله تعالى.
وتقوم الهوية الدينية الإسلامية على العقيدة؛ لأنها الأصل الذي يحدد علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالمجتمع. فالإيمان بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، يمثل الأساس الذي تتفرع عنه سائر القيم والتصورات الإسلامية. قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [سورة البقرة: 285].
ومعنى الآية أن جماعة المؤمنين تتشارك في أصول إيمانية جامعة، تجعل العقيدة أساسًا لوحدتهم الفكرية والسلوكية.
ولا تنفصل العقيدة عن العبادة؛ لأن العبادات تمثل الصورة العملية للانتماء الديني، وتُسهم في ترسيخ الصلة بالله تعالى، وتقوية الشعور بالجماعة. فالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وقراءة القرآن الكريم، ليست أعمالًا فردية محضة، بل تحمل أبعادًا تربوية واجتماعية تعزز الانضباط، والتكافل، والمساواة، والتعاون. قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [سورة البقرة: 43].
وتشير الآية إلى أن العبادة في الإسلام تتجاوز البعد الشخصي لتتصل بمعاني الجماعة والمشاركة والتكافل.
ومن عناصر الهوية الدينية كذلك الأخلاق الإسلامية؛ إذ لا تكتمل شخصية المسلم بمجرد المعرفة أو أداء الشعائر، ما لم يظهر أثر ذلك في الصدق، والأمانة، والعدل، والرحمة، وحسن المعاملة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» (أحمد بن حنبل، 2001م، ج 14، ص 512، حديث رقم: 8952).
يدل الحديث على أن البناء الأخلاقي مقصد أصيل من مقاصد الرسالة، وأن حماية الهوية الدينية لا تتحقق بحفظ المعلومات وحدها، بل بتكوين السلوك المنضبط بالقيم الإسلامية.
وتتجلى الهوية الدينية أيضًا في منظومة القيم الإسلامية، مثل: الأخوة، والعدل، والتعاون، وحفظ الحقوق، وصيانة الكرامة الإنسانية، واحترام العلم وأهله. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [سورة الحجرات: 10].
فالأخوة الإيمانية ليست مجرد رابطة وجدانية، بل هي أساسٌ للتكافل والإصلاح وحفظ التماسك الاجتماعي، ولذلك تمثل عنصرًا مهمًا في بناء الهوية الدينية للمجتمع.
ثانيًا: مفهوم الهوية الثقافية وعناصرها
الهوية الثقافية هي مجموع العناصر المعنوية والتاريخية والاجتماعية التي تميز مجتمعًا معينًا، وتمنحه خصوصيته في اللغة، والعرف، والآداب، والعادات، والذاكرة الجماعية، وأنماط التفاعل الاجتماعي. وهي لا تعني الانغلاق عن الثقافات الأخرى، ولا رفض التطور، وإنما تعني المحافظة على الخصائص الأصيلة التي تعبر عن تاريخ المجتمع وقيمه، مع القدرة على التعامل الواعي مع المتغيرات الحديثة.
ومن أهم عناصر الهوية الثقافية اللغة؛ لأنها وعاء الفكر، وأداة نقل المعارف، ووسيلة حفظ الأدب والتراث والذاكرة. وفي أفغانستان تؤدي اللغات الوطنية والمحلية، إلى جانب اللغة العربية في مجال العلوم الإسلامية، دورًا مهمًا في نقل المعارف الدينية والثقافية بين الأجيال. فاللغة العربية ترتبط بفهم القرآن الكريم والسنة النبوية والتراث الإسلامي، في حين تسهم اللغتان البشتوية والدرية وغيرهما من اللغات المحلية في إيصال التعليم الديني والقيم الأخلاقية إلى مختلف فئات المجتمع.
ومن عناصر الهوية الثقافية أيضًا العرف الصحيح والعادات الاجتماعية المشروعة. والإسلام لا يلغي خصوصيات الشعوب ولغاتها وأعرافها النافعة، بل يوجّهها ويضبطها بما يوافق أصول الشريعة. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [سورة الحجرات: 13].
فالآية تقرر تنوع الشعوب والقبائل، وتجعل الغاية من هذا التنوع التعارف والتكامل، لا التعصب والتنازع.
وقد اعتنى الفقه الإسلامي بالعرف الصحيح، وجعله معتبرًا في المواضع التي لا تخالف نصًا شرعيًا أو أصلًا قطعيًا؛ إذ نصت مجلة الأحكام العدلية على قاعدة: «العادة محكَّمة» (مجلة الأحكام العدلية، المادة: 36).
ويُفهم من هذه القاعدة أن الأعراف والعادات يمكن أن تكون معتبرة في تنظيم شؤون الناس، ما دامت مطردة أو غالبة، ولا تصادم حكمًا شرعيًا ثابتًا.
أما العادات التي تشتمل على ظلم، أو تعصب، أو انتقاص من الكرامة، أو مخالفة صريحة لأحكام الإسلام، فلا تدخل في نطاق العرف المقبول، بل تحتاج إلى تقويم وإصلاح. ومن هنا تتضح العلاقة المتوازنة بين الإسلام والثقافة المحلية: فالإسلام يحفظ العناصر النافعة من العادات، ويهذب ما يحتاج إلى تهذيب، ويرفض ما يناقض العقيدة أو الأخلاق أو الحقوق.
وتدخل الذاكرة التاريخية والتراث العلمي ضمن عناصر الهوية الثقافية؛ لأنها تحفظ للمجتمع وعيه بماضيه، وعلاقته بعلمائه ومؤسساته وتجربته الحضارية. وتشمل هذه الذاكرة ما خلفه العلماء من مصنفات، وما قامت به المساجد والمدارس من أدوار في التعليم، وما توارثه المجتمع من آداب علمية وأخلاقية وتربوية. ومن ثمّ فإن حماية الهوية الثقافية لا تعني المحافظة على المظاهر فقط، بل تشمل صيانة المعاني والقيم والمعارف التي صنعت شخصية المجتمع عبر تاريخه.
ثالثًا: العلاقة بين الإسلام والعادات الثقافية المشروعة
العلاقة بين الإسلام والعادات الثقافية ليست علاقة صراع أو إلغاء، بل علاقة تقويم وتوجيه. فالأصل في العادات والمعاملات الإباحة ما لم تشتمل على محرم أو مفسدة معتبرة، ولذلك قبل الإسلام كثيرًا من الأعراف النافعة التي كانت موجودة في المجتمعات، مع تصحيح ما خالف التوحيد والعدل والكرامة الإنسانية. ويظهر ذلك في إقرار الإسلام للتنوع اللغوي والقومي، وربطه بينه وبين التعارف والتعاون، لا التفاخر والتعصب.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [سورة الروم: 22].
وتشير الآية إلى أن اختلاف الألسنة والألوان من آيات الله تعالى، مما يدل على أن التنوع البشري والثقافي سنة كونية لا ينبغي أن تتحول إلى أساس للتمييز أو النزاع.
وعليه، فإن العرف الثقافي يكون مشروعًا إذا لم يخالف نصًا شرعيًا، ولم يؤدِّ إلى ظلم أو مفسدة، ولم يقم على العصبية أو احتقار الآخرين. أما إذا صار العرف وسيلة لتكريس التعصب القبلي أو اللغوي أو المناطقي، أو أدى إلى تضييع الحقوق، أو خالف مقاصد الشريعة، فإن واجب العلماء والمؤسسات التعليمية هو توجيهه وإصلاحه، لا حمايته باسم المحافظة على الثقافة.
رابعًا: العلاقة النظرية بين المدارس الدينية وحفظ الهوية
تتصل المدارس الدينية بحفظ الهوية الدينية والثقافية من خلال وظائفها التعليمية والتربوية والاجتماعية. فهي تقوم بتعليم العقيدة، والقرآن الكريم، والحديث، والفقه، والسيرة، والأخلاق، وتُسهم بذلك في نقل المرجعية الإسلامية من جيل إلى آخر. كما تساعد على إعداد الأئمة والخطباء والمدرسين الذين يتولون توجيه الناس في المساجد والمجالس والمؤسسات التعليمية.
ولا يقتصر أثر المدارس الدينية على حفظ المقررات الشرعية، بل يمتد إلى ترسيخ القيم التي تمثل جوهر الهوية الدينية؛ مثل احترام العلم، وحفظ اللسان، وصيانة الحقوق، والالتزام بالعدل، والتعاون، والأخوة الإسلامية. كما تقوم المدرسة، في كثير من البيئات المحلية، بدور في حفظ الصلة بين المجتمع وتراثه العلمي واللغوي، من خلال تدريس العربية والعلوم الإسلامية، وإقامة الحلقات العلمية، وإحياء المناسبات الدينية في إطار منضبط.
وتشير الدراسات الخاصة بالتعليم الديني في أفغانستان إلى أن المدارس والمؤسسات الدينية ليست بنية واحدة متجانسة؛ بل تتفاوت في مناهجها، وارتباطاتها المحلية، وعلاقتها بالمجتمع وبالشبكات التعليمية خارج البلاد. ولذلك ينبغي دراسة أثرها في حفظ الهوية دراسةً متوازنة تراعي تنوعها الداخلي، ووظائفها التربوية، والتحديات التي تواجهها في مجالات المنهج والإدارة والتأهيل العلمي (Borchgrevink, 2010؛ Karlsson & Mansory, 2018؛ Tariq, 2011).
وخلاصة ذلك أن المدرسة الدينية تمثل أحد أهم الوسائط المؤسسية لحفظ الهوية؛ لأنها تجمع بين نقل المعرفة الشرعية، والتربية الأخلاقية، وربط الأجيال باللغة العربية والتراث الإسلامي، وتوجيه العادات المحلية نحو ما يوافق مقاصد الإسلام. غير أن نجاحها في أداء هذا الدور مرهون بسلامة المنهج، وكفاءة المدرسين، والقدرة على الجمع بين الأصالة الدينية، وفهم الواقع الثقافي والاجتماعي المتغير.
المبحث الأول: التطور التاريخي للمدارس الدينية في أفغانستان
المطلب الأول: التعليم الديني والمدارس في المراحل القديمة
لا يمكن دراسة نشأة التعليم الديني في أفغانستان بمعزل عن تاريخ انتشار الإسلام في الأقاليم التي تشكل أفغانستان المعاصرة؛ لأن دخول الإسلام إليها لم يكن واقعةً واحدة متزامنة في جميع المناطق، بل جرى عبر مراحل متدرجة من الفتح، والاحتكاك الحضاري، والاستقرار السياسي، وانتشار المؤسسات الدينية والعلمية. وقد بدأ التحول الإسلامي في أجزاء واسعة من هذه الأقاليم خلال القرنين الأول والثاني الهجريين، ثم تعزز في المراحل اللاحقة من خلال اندماج السكان في الحياة الإسلامية، وانتشار العربية والفارسية الإسلامية، وتكوّن مراكز للعلم والفقه والتصوف في مدن وبلدان متعددة (Azad, 2017, pp. 41–55).
ومع انتشار الإسلام، برزت الحاجة إلى تعليم القرآن الكريم، وأحكام العبادات، وأصول العقيدة، واللغة العربية، وقواعد السلوك الإسلامي. ولذلك كانت المساجد أولى المؤسسات التي احتضنت التعليم الديني؛ إذ لم تكن وظيفتها مقتصرة على إقامة الصلوات، بل كانت مركزًا لتعليم القرآن، وإلقاء الدروس، وعقد مجالس الوعظ، وتوجيه الناس في القضايا الدينية والاجتماعية. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [سورة التوبة: 122].
وتدل الآية على أن التفقه في الدين وتعليم الناس من الواجبات الجماعية التي تحفظ للمجتمع وعيه الديني واستقامته الفكرية.
وقد أخذ التعليم الديني في مراحله الأولى صورة الحلقات العلمية في المساجد، حيث يجلس الشيخ مع طلابه لقراءة القرآن الكريم، وشرح الحديث، ودراسة الفقه، وتلقي اللغة والأدب. ثم تطور هذا النمط تدريجيًا إلى مدارس أكثر انتظامًا، تمتلك برامج علمية أوضح، وعلاقات تعليمية قائمة على التلقي والإجازة، وتسلسلًا في دراسة العلوم الشرعية. ولم يكن الانتقال من الحلقة المسجدية إلى المدرسة المنظمة انفصالًا كاملاً؛ بل بقي المسجد والمدرسة متداخلين في الوظيفة، ولا سيما في البيئات الريفية وشبه الحضرية، حيث كان التعليم الديني جزءًا من الحياة اليومية للمجتمع المحلي (Adel et al., 2026, pp. 91–92).
وتشير الدراسات التاريخية إلى أن مدنًا مثل بلخ، وغزنة، وهراة، أدّت دورًا مهمًا في ازدهار المعرفة الإسلامية في المراحل السابقة لقيام الدولة الأفغانية الحديثة. وقد ساعد موقع المنطقة بين آسيا الوسطى، وجنوب آسيا، وإيران، والعالم الإسلامي الأوسع، على انتقال العلماء والكتب والمناهج، وربط المراكز العلمية الأفغانية بشبكات علمية واسعة. ولذلك لم تكن المدارس الدينية مؤسسات محلية مغلقة، بل كانت جزءًا من حركة علمية امتدت عبر الأقاليم، وأسهمت في تداول علوم القرآن، والحديث، والفقه، والتفسير، واللغة، والآداب الإسلامية (Adel et al., 2026, pp. 91–93).
وكان الفقه الحنفي هو الغالب في كثير من مؤسسات التعليم الديني في أفغانستان، وقد أسهم ذلك في توحيد جانب مهم من المرجعية الفقهية والتعليمية في المجتمع. غير أن التعليم الديني لم يقتصر على الفقه، بل شمل العقيدة، والحديث، والتفسير، والسيرة، والأخلاق، واللغة العربية، ومبادئ المنطق والبلاغة في بعض المدارس المتقدمة. ومن ثمّ كانت المدرسة الدينية تقوم بوظيفة مركبة تجمع بين التعليم، والتربية، وحفظ التراث العلمي؛ فهي تنقل المعرفة الشرعية، وتغرس الانضباط الأخلاقي، وتحافظ على سلسلة التلقي بين العلماء والطلاب (Adel et al., 2026, p. 92).
وقد أسهمت هذه المؤسسات في إعداد العلماء، والفقهاء، والقضاة، والأئمة، والخطباء، والمدرسين، وقراء القرآن الكريم، وغيرهم من الشخصيات التي اضطلعت بمسؤولية التعليم والإرشاد والإصلاح في المجتمع. ولم تكن قيمة المدرسة في عدد الكتب التي تُدرّس فيها فحسب، بل في قدرتها على إنتاج شخصيات علمية قادرة على فهم النصوص، وتعليم الناس، وربط الأحكام الشرعية بواقع المجتمع. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (البخاري، 1422هـ، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، حديث رقم: 71؛ مسلم، د.ت، كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة، حديث رقم: 1037).
ويظهر من الحديث أن التفقه في الدين من علامات الخير، وأن إعداد أهل العلم ضرورة لحفظ المرجعية الدينية في المجتمع.
كما أدّت المدارس والمساجد دورًا في حفظ اللغة العربية بوصفها لغة القرآن الكريم والسنة النبوية والتراث الإسلامي، وفي الوقت نفسه ساعدت على نقل المعارف الدينية إلى عامة الناس بلغاتهم المحلية. وبهذا أسهمت في تكوين صلة بين الثقافة الإسلامية العامة والثقافات المحلية، فلم تكن المدرسة مجرد ناقل لمعلومات دينية، بل كانت مؤسسة تربوية واجتماعية تتفاعل مع الأعراف واللغات والعلاقات المحلية، وتعمل على توجيهها في ضوء القيم الإسلامية. وتؤكد الدراسات الحديثة أن التعليم الديني في أفغانستان نشأ تاريخيًا في تفاعل مستمر بين التقليد الإسلامي، والحاجات الاجتماعية، والبيئات الثقافية المتنوعة، لا في إطار مؤسسات جامدة أو معزولة عن المجتمع (Karlsson & Mansory, 2018, pp. 685–697؛ Adel et al., 2026, pp. 91–92).
وخلاصة ذلك أن التعليم الديني في المراحل القديمة شكّل أحد الأسس الرئيسة لتكوين المجتمع الإسلامي في أفغانستان. فقد بدأت المساجد والحلقات العلمية بتعليم الضروريات الدينية، ثم تطورت المدارس إلى مؤسسات أكثر تنظيمًا لنقل العلوم الشرعية وتخريج العلماء. وأسهم هذا المسار في حفظ القرآن الكريم والسنة النبوية والفقه الإسلامي واللغة العربية والأخلاق الدينية، كما مهّد لظهور طبقة علمية كان لها أثر واسع في توجيه المجتمع، وصيانة هويته الدينية والثقافية عبر المراحل التاريخية المختلفة.
المطلب الثاني: واقع المدارس الدينية في مطلع القرن العشرين ومنتصفه
شهدت المدارس الدينية في أفغانستان، منذ مطلع القرن العشرين إلى العقود السابقة على التحولات السياسية الكبرى في أواخر السبعينيات، مرحلةً اتسمت بتداخل الاستمرار التقليدي مع محاولات التحديث والتنظيم الرسمي. فلم يكن التعليم الديني في هذه المرحلة مؤسسةً منفصلة عن المجتمع، بل ظل مرتبطًا بالمساجد، والعلماء المحليين، والأسر، والزعامات الاجتماعية، في حين بدأت الدولة تدريجيًا في إنشاء المدارس النظامية الحديثة، ومحاولة تنظيم جانب من التعليم الديني وربطه بالبنية الإدارية للدولة.
أولًا: علاقة الدولة بالمدارس الدينية: في بدايات القرن العشرين لم تكن هناك إدارة مركزية موحدة تشرف على جميع المدارس الدينية في أفغانستان؛ إذ كانت معظم المدارس تعمل في إطار محلي، وتتلقى دعمها من الأهالي، أو الأوقاف، أو تبرعات المحسنين، أو من جهود العلماء أنفسهم. ولذلك كانت سلطة تحديد المنهج، واختيار المدرسين، وتنظيم الدراسة مرتبطة في الغالب بالعلماء المحليين، وزعماء المجتمع، والبيئات الاجتماعية التي نشأت فيها تلك المدارس. وقد أدى هذا النمط اللامركزي إلى استمرار المدارس الدينية بوصفها مؤسسات مرنة وقريبة من حاجات المجتمع، ولكنه جعلها متفاوتة من حيث التنظيم، والموارد، ومستوى المناهج العلمية (عادل وآخرون، 2026م، ص 92).
ومع ظهور التعليم الحديث في أوائل القرن العشرين، ولا سيما خلال الإصلاحات التعليمية في عهد الملك أمان الله خان في عشرينيات القرن الماضي، بدأ دور الدولة في مجال التعليم يتسع. غير أن إدخال المدارس الحديثة لم يؤدِّ إلى إلغاء المدارس الدينية التقليدية أو استبدالها؛ بل نشأ بينهما نوع من التعايش. فقد تركزت المدارس الحديثة في المدن والمراكز الإدارية، بينما ظلت المدارس الدينية أكثر حضورًا في القرى والمناطق الريفية، واستمرت في تخريج الأئمة والخطباء والمعلمين الدينيين، وفي تقديم التعليم الشرعي للسكان (عادل وآخرون، 2026م، ص 92؛ بورشغريفينك، 2010م، ص 15).
وفي مرحلة لاحقة، ولا سيما في عهد الملك محمد ظاهر شاه، اتجهت الدولة إلى قدر أكبر من الاهتمام بتنظيم التعليم الديني وإدخاله في إطار إداري أوسع. وتشير بعض الدراسات إلى أن الدولة استعانت بعلماء من المدرسة الديوبندية في شبه القارة الهندية للمساهمة في تطوير المناهج وأساليب التدريس، وأن هذا التعاون أسهم في تعزيز حضور الفقه الحنفي، والعلوم العربية، والدراسات القرآنية والحديثية داخل عدد من المدارس النظامية الدينية (عادل وآخرون، 2026م، صص 93–94).
غير أن علاقة الدولة بالمدارس لم تكن علاقة سيطرة كاملة أو تبعية مطلقة؛ لأن المؤسسات الدينية التقليدية احتفظت بقدر من استقلالها العلمي والاجتماعي. فالعلماء والمدارس الأهلية كانوا ينظرون إلى المناهج الدينية باعتبارها جزءًا من مسؤوليتهم في حفظ الدين والهوية، ولذلك كانت محاولات التدخل الرسمي في محتوى المناهج أو في شؤون الإدارة تُقابل أحيانًا بالحذر والتحفظ. ومن ثمّ اتسمت العلاقة بين الدولة والمدارس بمزيج من التعاون، والتنظيم الجزئي، والحفاظ على الاستقلال العلمي المحلي.
ثانيًا: تغير بنية المدارس الرسمية والخاصة: شهدت هذه المرحلة توسعًا تدريجيًا في عدد المدارس الدينية الرسمية، إلى جانب استمرار المدارس الخاصة والمحلية. فقد أُنشئت في مطلع عشرينيات القرن العشرين مؤسسة دار العلوم العربية في كابل، ثم ظهرت مدارس أخرى في أقاليم متعددة، مثل: نجم المدارس في جلال آباد، والمدرسة الأسدية في مزار شريف، ومدرسة الإمام أبي حنيفة في كابل، وغيرها من المؤسسات التي خضعت بدرجات متفاوتة لإشراف وزارة المعارف أو الجهات التعليمية الرسمية (عبد الباقي، 2008م، صص 130–159).
وكانت المدارس الرسمية تتميز بوجود قدر أكبر من التنظيم الإداري، وتحديد المراحل الدراسية، وتعيين المدرسين، وإدراج بعض المناهج المشتركة بين المؤسسات. كما أسهمت في إعداد فئة من العلماء والمدرسين الذين جمعوا بين الدراسة الشرعية المنظمة والخبرة التعليمية. غير أن نطاق المدارس الرسمية بقي محدودًا قياسًا إلى انتشار المدارس الأهلية والمحلية، ولا سيما في المناطق الريفية، حيث استمرت حلقات المساجد، والكتاتيب القرآنية، والمدارس الصغيرة التابعة للعلماء المحليين في أداء دورها الأساسي.
أما المدارس الخاصة، فقد حافظت على أهميتها بسبب قربها من المجتمع المحلي، ومرونتها في تلبية حاجات السكان، وانخفاض تكلفتها بالنسبة إلى الأسر الفقيرة. وكانت هذه المدارس في كثير من الأحيان تعتمد على تدريس القرآن الكريم، والتجويد، والعقيدة، والفقه الأساسي، واللغة العربية، مع اختلاف في مستوى التوسع في العلوم الأخرى. ولذلك لم يكن قطاع التعليم الديني في أفغانستان قطاعًا موحدًا، بل كان يتكون من مؤسسات رسمية، ومدارس أهلية، وحلقات مسجدية، ودور لتحفيظ القرآن الكريم، تختلف في الحجم والمناهج والموارد والوظائف التعليمية (بورشغريفينك، 2010م، صص 15–16).
ويكشف هذا التنوع أن المدرسة الدينية لم تكن نموذجًا جامدًا، بل كانت مؤسسة قابلة للتكيف مع الظروف المحلية. فالمدرسة الرسمية كانت أكثر اتصالًا ببنية الدولة، بينما ظلت المدرسة الأهلية أقرب إلى المجتمع ومرجعياته الدينية المحلية. وقد أسهم وجود هذين النمطين في استمرار التعليم الديني؛ إذ وفرت المدارس الرسمية إطارًا من التنظيم، في حين حفظت المدارس الخاصة الاتصال المباشر بين التعليم الديني وحاجات الناس اليومية.
ثالثًا: العلاقة بين التعليم الديني والتعليم الحديث وتحدياتها: برزت في النصف الأول من القرن العشرين مسألة العلاقة بين التعليم الديني والتعليم الحديث بوصفها أحد أبرز التحديات في المجال التربوي الأفغاني. فلم تكن القضية مقتصرة على اختلاف المواد الدراسية، بل اتصلت أيضًا بمسألة المرجعية الثقافية، ودور الدين في التعليم، وحدود تدخل الدولة في شؤون المؤسسات الدينية. وقد كان التعليم الحديث يُنظر إليه بوصفه وسيلة لإعداد الكوادر الإدارية والفنية، وتدريس العلوم واللغات والمعارف الجديدة، في حين ظلت المدرسة الدينية تؤدي وظيفة حفظ العلوم الشرعية، وتكوين العلماء، وصيانة القيم الدينية والاجتماعية.
وتشير الدراسات إلى أن التعليم الديني والتعليم الحديث عاشا في أفغانستان جنبًا إلى جنب منذ عشرينيات القرن الماضي، إلا أن العلاقة بينهما لم تكن خالية من التوترات؛ بسبب اختلاف الرؤى حول دور الدولة في التعليم الإسلامي، ومدى حضور المواد الدينية في المدارس النظامية، وطبيعة التحديث المقبول في المجتمع المحافظ (كارلسون ومنصوري، 2018م، صص 685–697).
ولم يكن التحدي الحقيقي في وجود التعليم الحديث ذاته، بل في كيفية تحقيق التوازن بين المحافظة على أصالة التعليم الشرعي، والاستفادة من العلوم والمعارف الجديدة التي يحتاج إليها المجتمع. فالفصل التام بين التعليم الديني والتعليم الحديث قد يؤدي إلى ازدواجية في تكوين الأجيال؛ إذ يتخرج بعض الطلاب بمعرفة شرعية دون مهارات علمية ومهنية كافية، في حين يتلقى آخرون تعليمًا حديثًا قد يكون ضعيف الصلة بالتراث الديني والثقافي للمجتمع. ومن هنا نشأت الحاجة إلى صياغة علاقة تكاملية لا صراعية بين المسارين.
ويمكن القول إن مدارس هذه المرحلة واجهت ثلاثة تحديات رئيسة: أولها تحدي التنظيم والإشراف، بسبب التفاوت بين المدارس الرسمية والخاصة؛ وثانيها تحدي المناهج، من حيث الجمع بين العلوم الشرعية والعلوم الحديثة؛ وثالثها تحدي الحفاظ على ثقة المجتمع، بحيث لا يُفهم التحديث بوصفه إلغاءً للهوية الدينية أو إضعافًا لمكانة العلماء. وقد ظل نجاح الإصلاح التعليمي مرتبطًا بقدرته على مراعاة هذه الأبعاد مجتمعة، وبالاستناد إلى الحوار بين الدولة والعلماء وأهل التربية.
وخلاصة هذا المطلب أن المدارس الدينية في مطلع القرن العشرين ومنتصفه لم تتراجع أمام ظهور التعليم الحديث، بل استمرت وتكيّفت مع التحولات الجديدة. وقد انتقلت من الاعتماد شبه الكامل على الإدارة المحلية إلى وجود نماذج رسمية أكثر تنظيمًا، مع بقاء المدارس الخاصة والمسجدية فاعلة في المجتمع. كما أظهرت هذه المرحلة أن العلاقة بين التعليم الديني والتعليم الحديث لا ينبغي أن تُفهم في صورة تعارض مطلق، بل في إطار التكامل المشروط بحفظ أصالة العلوم الشرعية، وتحسين جودة التعليم، والاستجابة للحاجات المعرفية والاجتماعية للمجتمع الأفغاني.
المطلب الثالث: الحروب والهجرة والشبكات العابرة للحدود
دخلت أفغانستان، منذ التحولات السياسية التي بدأت سنة 1357هـ ش/1978م، مرحلةً طويلة من الاضطراب والحروب المتعاقبة، وكان لذلك أثرٌ عميق في بنية التعليم عامةً والتعليم الديني خاصةً. فقد تعرضت مؤسسات تعليمية كثيرة للضعف أو التوقف أو التشتت، في حين انتقل جزء كبير من النشاط التعليمي والديني إلى البيئات المحلية، ومخيمات اللاجئين، والمناطق الحدودية، وشبكات العلماء والمدارس خارج البلاد. ولم تكن هذه التحولات مجرد تغير في مكان التعليم، بل أسهمت في إعادة تشكيل المناهج، والعلاقات العلمية، وأنماط التأثير الديني والاجتماعي.
أولًا: التحولات السياسية بعد سنة 1357هـ ش واتساع المدارس الدينية: أدت الحرب التي أعقبت التحولات السياسية في أواخر السبعينيات إلى إضعاف قدرة الدولة على الإشراف المنتظم على المؤسسات التعليمية، كما جعلت كثيرًا من المناطق تعتمد بدرجة أكبر على المساجد والمدارس الأهلية والعلماء المحليين في التعليم والإرشاد الديني. وفي هذه الظروف توسع التعليم الديني في بعض البيئات؛ لأنه كان أكثر قدرة على الاستمرار من المؤسسات الرسمية، وأقرب إلى حاجات الأسر والمجتمعات المحلية، ولا سيما في المناطق التي تضررت فيها المدارس الحكومية أو انقطعت عنها الخدمات التعليمية.
غير أن اتساع المدارس في مرحلة الحرب لا ينبغي تفسيره تفسيرًا واحدًا؛ إذ كانت المدارس الدينية مؤسسات متنوعة في الحجم، والمنهج، والارتباطات الاجتماعية، ودرجة التنظيم. فبعضها استمر في وظيفته التقليدية في تحفيظ القرآن الكريم وتعليم الفقه والعقيدة والأخلاق، وبعضها تأثر بالبيئة السياسية والصراعات القائمة، أو بالجهات الداعمة، أو بالشبكات التعليمية والفكرية المحيطة به. وتؤكد دراسة بورشغريفينك أن قطاع المدارس الدينية الأفغاني لا يمكن النظر إليه باعتباره قطاعًا متجانسًا، بل هو مجموعة من مؤسسات متباينة في تاريخها ومناهجها وعلاقاتها المحلية والعابرة للحدود (Borchgrevink, 2010, pp. 9–11).
وقد أدى تسييس بعض المؤسسات الدينية خلال الحرب إلى جعل التعليم الديني جزءًا من المجال العام والصراع السياسي لدى بعض الجهات، وهو ما ألقى بظلاله على صورة المدرسة ووظيفتها. غير أن المنهج العلمي يقتضي التمييز بين المدرسة بوصفها مؤسسة تعليمية وتربوية أصيلة، وبين توظيف بعض المؤسسات أو الأفراد للخطاب الديني في سياقات سياسية أو عسكرية. فالتعميم على جميع المدارس أو ربطها باتجاه واحد يتعارض مع واقع التنوع الذي عرفه التعليم الديني الأفغاني تاريخيًا ومعاصرًا.
ثانيًا: الهجرة والاتصال بالمراكز التعليمية خارج أفغانستان: أفضت موجات الهجرة الواسعة إلى باكستان وإيران ودول أخرى إلى توسع الروابط بين الطلاب والعلماء الأفغان وبين المراكز الدينية في الخارج. وقد كانت الصلات العلمية العابرة للحدود موجودة قبل الحرب؛ إذ قصد طلاب العلم الأفغان في مراحل سابقة مراكز معروفة مثل بخارى، وديوبند، وبيشاور، والقاهرة، وقم، والنجف. غير أن الهجرة جعلت هذه الصلات أوسع وأكثر تأثيرًا في تكوين أجيال من المدرسين والطلاب، وفي انتقال الكتب والمناهج وأساليب التدريس بين أفغانستان والدول المجاورة (Borchgrevink, 2010, pp. 37–38).
وكانت باكستان، بحكم القرب الجغرافي وكثافة الوجود الأفغاني فيها، من أهم البيئات التي تلقى فيها كثير من الطلاب الأفغان التعليم الديني، ولا سيما في المدارس التي تأثرت بالتقليد الديوبندي ومدارس جنوب آسيا. كما كانت المراكز العلمية في إيران ذات أهمية لعدد من الطلاب المنتمين إلى البيئات الشيعية. وقد أدى ذلك إلى تنوع الخبرات التعليمية والمرجعيات العلمية، لكنه جعل بعض المدارس داخل أفغانستان مرتبطة بمناهج أو شبكات أو أنماط تمويل خارجية بدرجات مختلفة.
ولا يعني وجود هذه الروابط أن المدرسة الأفغانية فقدت خصوصيتها المحلية؛ لأن كثيرًا من المدارس ظلت مرتبطة بلغات المجتمع، وعاداته، ومساجده، وحاجاته اليومية. إلا أن انتقال الطلاب والعلماء بين البلدان أسهم في إدخال كتب جديدة، وأساليب تدريس مختلفة، وتصورات متعددة حول الفقه، والعقيدة، والدعوة، ووظيفة العالم في المجتمع. ومن ثمّ أصبح فهم المدارس الدينية في أفغانستان متوقفًا على دراسة العلاقة بين البعد المحلي والامتداد الإقليمي، لا على الاقتصار على أحدهما.
ثالثًا: أثر الحرب والهجرة في المناهج والتيارات والشبكات التعليمية: أثرت الحرب والهجرة في المناهج التعليمية من جهتين: الأولى أن بعض المدارس حافظت على مناهجها التقليدية القائمة على القرآن الكريم، والحديث، والفقه، واللغة العربية، والعقيدة؛ والثانية أن بعض المدارس توسعت في موضوعات الدعوة، والهوية، والصراع السياسي، تبعًا لظروف المرحلة والبيئات التي عملت فيها. ولهذا لا يصح وصف المناهج الدينية في تلك الفترة بأنها كانت متطابقة؛ لأن الواقع يكشف عن تفاوت بين المدارس الرسمية، والأهلية، والمحلية، ومدارس اللاجئين، والمدارس المرتبطة بشبكات خارجية.
وتشير بعض الدراسات النقدية إلى أن التسييس ازداد في عدد من المدارس خلال حقبة الغزو السوفيتي وما تلاها، وأن هذا التسييس أثّر في الرسالة التعليمية لبعض المؤسسات. غير أن هذه الدراسات نفسها تفرّق بين الوظيفة التعليمية الأصلية للمدرسة، وبين استعمالها في ظروف الصراع لأهداف سياسية أو تعبويّة (Baiza, 2014, pp. 78–79).
ومن النتائج الأخرى لهذه المرحلة تشكل شبكات تعليمية أكثر اتساعًا بين العلماء والطلاب والمدارس داخل أفغانستان وخارجها. وقد وفرت هذه الشبكات فرصًا لاستمرار التعليم الديني في ظروف النزوح والحرب، كما ساعدت على تخريج أعداد من الأئمة والمدرسين والخطباء. لكنها في الوقت نفسه جعلت مسألة الإشراف على المناهج، وتأهيل المدرسين، وتحديد المعايير التعليمية، أكثر تعقيدًا؛ بسبب تنوع الجهات المؤثرة وتباين البيئات العلمية والاجتماعية.
وخلاصة هذا المطلب أن الحروب والهجرة أسهمتا في توسع المدارس الدينية وانتشارها خارج الإطار المحلي التقليدي، وفي تقوية الروابط مع مراكز التعليم في الدول المجاورة. وقد حفظت هذه المدارس جانبًا مهمًا من التعليم الديني والهوية الإسلامية في ظروف صعبة، لكنها واجهت كذلك تحديات تتصل بتأثير الصراع، وتنوع المناهج، وتداخل العوامل السياسية والتعليمية. ولذلك فإن تقييم هذه المرحلة يقتضي النظر إلى جوانب الاستمرار العلمي والتربوي، وإلى جوانب التسييس والتحديات المؤسسية، في إطار متوازن بعيد عن التعميم.
المطلب الرابع: مرحلة ما بعد 2001م والواقع المعاصر
مثلت سنة 2001م بداية مرحلة جديدة في تاريخ التعليم الديني في أفغانستان؛ إذ عادت مؤسسات الدولة إلى العمل بصورة أوسع، وبرزت محاولات لتنظيم قطاع المدارس الدينية، وتطوير المناهج، وإدخال بعض المواد العامة، وربط التعليم الديني بمسارات تعليمية معترف بها. غير أن هذه المرحلة لم تكن خالية من الصعوبات؛ لأن قطاع المدارس كان متنوعًا، وموزعًا بين مدارس رسمية وخاصة ومحلية، كما تأثر بالاختلافات الفقهية والاجتماعية، وبالظروف السياسية والأمنية المتغيرة.
أولًا: رسمية المدارس والإصلاحات المنهجية والتنظيم الإداري: بعد سنة 2001م سعت الجهات التعليمية الرسمية إلى تنظيم التعليم الديني من خلال تطوير المناهج، وتوسيع الإشراف الإداري، وإنشاء مسارات دراسية أكثر وضوحًا داخل بعض المدارس الرسمية. وكان من أهداف هذه الجهود تحسين صلة المدرسة الدينية بالنظام التعليمي العام، وتمكين الطالب من الانتقال بين المراحل التعليمية، وتزويده بمعارف أوسع إلى جانب العلوم الشرعية.
وتشير دراسة يحيى بايزا إلى أن إصلاح التعليم الديني في الفترة 2002–2013م اتخذ صورة برامج وسياسات هدفت إلى معالجة واقع المدارس، غير أن التنفيذ واجه تحديات تتصل بتعدد المؤسسات، وضعف التناسق بين السياسات والقدرات المتاحة، وعدم كفاية التأهيل المتخصص للمدرسين الدينيين (Baiza, 2014, pp. 77–95).
كما شهدت هذه المرحلة اهتمامًا أكبر بالتنوع المذهبي في التعليم الديني؛ إذ أشار بايزا إلى أن الدولة اعترفت، بعد دستور 2004م، بالفقه الجعفري، ثم بدأت وزارة المعارف سنة 2008م في إعداد مناهج وكتب مخصصة لمدارس شيعية اثني عشرية. ويعكس ذلك انتقالًا نسبيًا من دعم نمط واحد من التعليم الديني إلى الاعتراف بالتنوع المذهبي الموجود في المجتمع الأفغاني (Baiza, 2014, pp. 77–78).
غير أن التنظيم الإداري وحده لا يكفي لنجاح الإصلاح؛ لأن المدرسة الدينية تحتاج إلى منهج متوازن، ومدرسين مؤهلين، وكتب مناسبة، وبيئة تعليمية تراعي الواقع الاجتماعي والثقافي. ولهذا فإن أي إصلاح لا يستند إلى التشاور مع العلماء والمدرسين والمجتمعات المحلية، ولا يراعي الفروق بين المدارس، قد يظل محدود الأثر أو يواجه صعوبات في التطبيق.
ثانيًا: استمرار دور المدارس الخاصة والمحلية: على الرغم من توسع التعليم الرسمي في مرحلة ما بعد 2001م، ظلت المدارس الخاصة والمحلية، وحلقات المساجد، ومراكز تحفيظ القرآن الكريم، تؤدي دورًا واسعًا في المجتمع، ولا سيما في القرى والمناطق البعيدة عن المدن. ويعود ذلك إلى قرب هذه المؤسسات من الأسر، وانخفاض تكاليفها، وارتباطها المباشر بحاجات الناس الدينية، وقدرتها على تقديم تعليم أساسي في القرآن الكريم والعبادات والأخلاق.
وتؤكد الدراسات الميدانية أن المدارس الدينية في أفغانستان ظلت متفاوتة في أحجامها ومناهجها وأنماط تمويلها، وأن وجود المدارس الرسمية لم يؤدِّ إلى اختفاء المدارس الأهلية أو المحلية. وقد شملت دراسة بورشغريفينك نماذج من مدارس تتراوح أعداد طلابها بين عشرات ومئات، وتختلف في تاريخ تأسيسها ودرجة اتصالها بالمجتمع المحلي أو بالشبكات التعليمية الخارجية (Borchgrevink, 2010, pp. 10–11).
وتكمن أهمية هذه المدارس في أنها تمثل، في كثير من البيئات، قناةً رئيسة لنقل المعرفة الدينية، وإعداد الأئمة والمدرسين، وحفظ الصلة بين الجيل الجديد والقرآن الكريم واللغة العربية والتراث الإسلامي. غير أن استمرار هذا الدور يحتاج إلى تطوير وسائل التدريس، وتحسين إعداد المعلمين، وتوفير كتب مناسبة، وتشجيع الحوار العلمي بين المدارس الرسمية والخاصة، مع احترام استقلالها العلمي ووظيفتها الاجتماعية.
ثالثًا: التوازن بين حاجات المجتمع المعاصر والتعليم الديني: تتمثل القضية المركزية في المرحلة المعاصرة في كيفية الجمع بين أصالة التعليم الديني ومتطلبات المجتمع الحديث. فالمطلوب ليس تحويل المدرسة الدينية إلى نسخة من المدرسة النظامية، ولا عزلها عن العلوم والمهارات التي يحتاج إليها الطالب في حياته، بل بناء نموذج تعليمي متوازن يحفظ مكانة القرآن الكريم والحديث والفقه والعقيدة واللغة العربية، ويتيح في الوقت نفسه قدرًا مناسبًا من العلوم الأساسية، واللغات الوطنية، ومهارات التواصل، والوعي الاجتماعي، والمعارف التي تعين الطالب على فهم واقعه.
وقد خلصت دراسة بايزا إلى أن الإصلاح الناجح ينبغي أن يكون واقعيًا ومترابطًا، وأن يركز على إعداد الطلاب بكفايات تساعدهم على الاندماج الإيجابي في المجتمع، وعلى تأهيل معلمي المواد الدينية تأهيلًا متخصصًا، بدل الاكتفاء بتعديلات جزئية في المناهج (Baiza, 2014, pp. 91–95).
وفي هذا السياق، ينبغي أن تقوم العلاقة بين التعليم الديني والتعليم الحديث على التكامل لا التنازع. فالدراسات الشرعية تسهم في بناء الأخلاق، والهوية، والانضباط، والوعي بالمسؤولية، في حين تزود العلوم الحديثة الطالب بأدوات التعامل مع قضايا الصحة، والاقتصاد، والتقنية، والمجتمع، والعمل. والجمع المتوازن بين الجانبين يرفع من جودة التعليم، ويقلل من الازدواجية بين المسارات، ويعين المدرسة على الاستجابة لحاجات المجتمع دون التفريط في رسالتها الدينية.
أما الواقع المعاصر، فلا يصح اختزاله في نموذج واحد ثابت؛ لأن المدارس تختلف باختلاف المناطق، والجهات المشرفة، والمناهج، والفرص المتاحة للطلاب. ولذلك تحتاج دراسة المرحلة الراهنة إلى بحوث ميدانية حديثة تستقصي أوضاع المدارس الرسمية والخاصة، ومناهجها، وأثرها في المجتمع، مع الفصل بين الوقائع التعليمية الثابتة والتقييمات السياسية أو الإعلامية المتغيرة.
وخلاصة هذا المطلب أن مرحلة ما بعد 2001م شهدت محاولات واضحة لتنظيم التعليم الديني وإصلاحه، مع بقاء المدارس المحلية والخاصة ذات حضور مؤثر. وتبقى القضية الأساسية هي بناء توازن عملي بين حفظ الأصالة الشرعية، وتحسين جودة المنهج والتدريس، وتلبية الحاجات العلمية والاجتماعية للمتعلمين، بما يعزز دور المدرسة الدينية في حفظ الهوية الدينية والثقافية وخدمة المجتمع.
المبحث الثاني: المدارس الدينية وحفظ الهوية الدينية والثقافية
المطلب الأول: حفظ الهوية الدينية
تؤدي المدارس الدينية دورًا محوريًا في حفظ الهوية الدينية؛ لأنها المؤسسة التي تتولى نقل أصول العقيدة، وتعليم القرآن الكريم والسنة النبوية، وتدريس الفقه والأخلاق الإسلامية، وربط الأجيال بمصادرها العلمية والتراثية. ولا يقتصر هذا الدور على تزويد الطالب بمعلومات دينية متفرقة، بل يتجه إلى بناء شخصيةٍ مسلمةٍ تجمع بين صحة الاعتقاد، وحسن العبادة، والاستقامة الأخلاقية، والوعي بالمسؤولية الفردية والاجتماعية.
وتزداد أهمية هذا الدور في المجتمع الأفغاني بسبب اتساع حضور المدارس الدينية في المدن والقرى، وارتباطها بالمساجد والأسر والبيئات المحلية. وقد بينت الدراسات الحديثة أن المدارس الأفغانية كانت تاريخيًا من المؤسسات التي حفظت التعليم الإسلامي، وأسهمت في نقل المعارف الدينية والقيم الاجتماعية في فترات الاستقرار والتحولات السياسية والحروب على السواء (Adel et al., 2026, pp. 89–104؛ Karlsson & Mansory, 2018, pp. 685–697).
أولًا: تعليم القرآن الكريم والحديث والفقه والعقيدة والأخلاق: يُعَدُّ القرآن الكريم أصلَ العلوم الإسلامية ومنبعَ الهداية والتربية، ولذلك يبدأ التعليم في كثير من المدارس الدينية بتحفيظ القرآن الكريم وتعليم تلاوته وتجويده، ثم ينتقل إلى فهم معانيه وأحكامه وقيمه العامة. قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة ص: 29].
فالمقصود من تعليم القرآن لا ينبغي أن يقف عند الحفظ المجرد، بل يتصل بالتدبر، وفهم المقاصد، وربط الآيات بأخلاق المسلم وسلوكه. ومن هنا تسهم المدرسة الدينية في تثبيت المرجعية القرآنية لدى الطلاب، وفي تكوين وعي ديني يجعلهم قادرين على التمييز بين المبادئ الإسلامية الثابتة وبين العادات أو الأفكار التي لا تستند إلى دليل صحيح.
كما تحتل السنة النبوية مكانةً أساسية في بناء الهوية الدينية؛ لأنها تبيّن القرآن الكريم وتقدم النموذج العملي لتطبيقه. قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة الحشر: 7]. وتؤدي دراسة الحديث والسيرة النبوية إلى تعريف الطالب بمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم في العبادة، والأخلاق، والتعامل مع الناس، وإدارة الاختلاف، وإقامة العدل والرحمة.
أما الفقه الإسلامي، فإنه يربط الطالب بأحكام العبادة والمعاملات والأسرة والحقوق والواجبات، ويمنحه قدرةً على ممارسة حياته الدينية على أساس من العلم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (البخاري، 1422هـ، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، حديث رقم: 71؛ مسلم، د.ت، كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة، حديث رقم: 1037).
ويظهر من الحديث أن التفقه في الدين ليس مجرد تحصيل نظري، بل هو علامة على إرادة الخير بالإنسان؛ لأنه يرشده إلى العبادة الصحيحة، ويحفظه من الجهل والانحراف في الفهم والتطبيق.
وتحتل العقيدة الإسلامية موقعًا مركزيًا في مناهج المدارس الدينية؛ لأنها ترسم التصور الصحيح عن الله تعالى، والإنسان، والكون، والرسالة، والآخرة، والمسؤولية. فكلما كان تعليم العقيدة قائمًا على القرآن الكريم والسنة الصحيحة، ومصحوبًا بالحكمة والدليل، كان أقدر على بناء يقين متزن يحمي الطالب من الشكوك والشبهات والانحرافات الفكرية. ولا تنفصل العقيدة عن الأخلاق؛ إذ إن الإيمان الصحيح ينعكس في الصدق، والأمانة، والعدل، والرحمة، وصيانة حقوق الناس.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تدريس الأخلاق الإسلامية ضمن المنهج الديني، لا بوصفها مادة تكميلية، بل بوصفها ثمرة من ثمار العلم والإيمان. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ» (الترمذي، 1996م، أبواب المناقب، باب فضل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، حديث رقم: 3895). فصلاح الفرد الديني لا يقاس بكثرة المعلومات وحدها، بل بقدر ما يظهر في معاملته لأسرته ومجتمعه، وفي احترامه للناس وحفظه لحقوقهم.
ثانيًا: تنمية الشعور الإسلامي والعبادة والتقوى والمسؤولية الأخلاقية: لا تنجح المدرسة الدينية في حفظ الهوية إذا اقتصرت على تلقين المتون والمعلومات، بل ينبغي أن تجعل العلم وسيلةً لتكوين الشعور الإسلامي الحي. ويُقصَد بالشعور الإسلامي إدراك الطالب لانتمائه إلى الإسلام، واعتزازه بعقيدته، واستحضاره لمراقبة الله تعالى، وفهمه لواجباته تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه.
وتسهم العبادات في ترسيخ هذا الشعور؛ لأن الصلاة والصيام والزكاة وسائر الطاعات تربط المسلم بالله تعالى، وتربي فيه الانضباط والإخلاص ومحاسبة النفس. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [سورة العنكبوت: 45]. فالصلاة ليست أداءً شكليًا، بل وسيلة تربوية تذكّر المسلم بأحكام الله، وتدفعه إلى اجتناب الفساد والظلم والسلوك المنحرف.
كما أن التقوى تمثل أحد أهم عناصر الهوية الدينية؛ لأنها تجعل المسلم ملتزمًا بأوامر الله تعالى في السر والعلن. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران: 102]. ومن واجب المدرسة أن تربي الطالب على أن العلم الديني مسؤولية، وأن معرفته بالأحكام لا قيمة لها ما لم تقترن بالعمل، وحسن الخلق، والعدل، وأداء الأمانة.
ومن هنا فإن التربية الدينية السليمة لا تُنتج طالبًا حافظًا للنصوص فقط، بل تُنتج إنسانًا واعيًا بواجبه الأخلاقي، قادرًا على احترام الناس، وخدمة المجتمع، والبعد عن التعصب، وتحمل المسؤولية. وهذا الجانب التربوي ضروري لحفظ الهوية؛ لأن الهوية التي لا تتحول إلى سلوك عملي تبقى ضعيفة الأثر في حياة الأفراد والجماعات.
ثالثًا: إعداد العلماء والأئمة والخطباء والمدرسين: من الوظائف التاريخية الأساسية للمدارس الدينية إعداد العلماء والأئمة والخطباء والمدرسين، الذين يشكلون حلقة الوصل بين المعرفة الشرعية وعامة المجتمع. فالعالم يعلّم الناس، والإمام يرشدهم في المسجد، والخطيب يعالج القضايا العامة من خلال المنبر، والمدرس ينقل العلوم والقيم إلى الأجيال الجديدة. ولذلك فإن جودة المدرسة الدينية تنعكس بصورة مباشرة على مستوى الخطاب الديني والتوجيه الأخلاقي في المجتمع.
قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [سورة التوبة: 122].
فالآية تدل على مشروعية التخصص في العلم الشرعي، وعلى أن وظيفة العلماء لا تقف عند تحصيل المعرفة، بل تشمل تعليم الناس وإنذارهم وإرشادهم.
غير أن إعداد هذه الفئات لا يتحقق بحفظ الكتب وحده، بل يحتاج إلى تأهيل علمي وتربوي متكامل. فالإمام والخطيب والمدرس يحتاجون إلى فهم صحيح للنصوص، وإدراك للواقع، وقدرة على التواصل، وأدب في الحوار، ووعي بمقاصد الشريعة، حتى يكون خطابهم سببًا في الإصلاح لا في إثارة النزاع. ولذلك فإن تطوير إعداد المدرسين في المدارس الدينية يمثل ضرورة علمية وتربوية، لا سيما في مجتمع تتعدد فيه اللغات والعادات والبيئات الاجتماعية.
وقد أظهرت الدراسات الخاصة بالتعليم الإسلامي في أفغانستان أن المدارس الدينية أدت دورًا مستمرًا في إعداد القيادات الدينية ونقل المعرفة الإسلامية، مع تفاوت واضح بين المؤسسات في المناهج والتنظيم وكفاءة التعليم؛ وهو ما يقتضي الاهتمام بتأهيل المدرسين وتحسين الأدوات التعليمية مع المحافظة على أصالة العلوم الشرعية (Karlsson & Mansory, 2018, pp. 685–697؛ Adel et al., 2026, pp. 89–104).
رابعًا: دور المدرسة في مواجهة الانحرافات الفكرية واللادينية بالوعي العلمي: تواجه المجتمعات المعاصرة أفكارًا متنوعة وشبهات متجددة تتصل بالعقيدة، والأخلاق، والهوية، والدين، وقد تنتشر عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية دون تحقق أو تأصيل علمي. وفي هذا السياق تستطيع المدرسة الدينية أن تؤدي دورًا وقائيًا وعلاجيًا من خلال تقديم المعرفة الشرعية الصحيحة، وتعليم الطالب أصول الاستدلال، وربطه بالقرآن الكريم والسنة النبوية، وتدريبه على التفكير الهادئ والتمييز بين الدليل والشبهة.
ولا يكون التعامل مع الانحرافات الفكرية بتكثير الاتهامات، أو بإقصاء المخالف، أو بالخطاب العاطفي المجرد؛ بل بالعلم، والحجة، والحوار الحسن، وبيان الحق بأسلوب يناسب مستوى المتعلمين. قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [سورة النحل: 125].
وتقتضي هذه الآية أن تكون معالجة الشبهات الفكرية قائمة على الحكمة، والفهم، وحسن البيان، لا على الغلو أو التشدد أو الحكم على الناس بغير علم. كما أن المدرسة الدينية مطالبة بتعليم طلابها آداب الاختلاف، وخطورة التكفير بغير حق، ووجوب التثبت في الأخبار والأحكام، حتى تكون المعرفة الدينية عاملًا لحماية المجتمع من التعصب والتطرف، لا وسيلةً لزيادة الانقسام.
وقد أكدت الأدبيات الحديثة حول المدارس الأفغانية ضرورة تجنب النظرة الاختزالية التي تربط التعليم الديني في ذاته بالتطرف، لأن واقع المدارس أكثر تنوعًا وتعقيدًا، ولأن دورها التعليمي والتربوي والاجتماعي يتغير بحسب المنهج، والبيئة، ونوعية الإشراف، وكفاءة القائمين عليها (Adel et al., 2026, pp. 89–104).
وخلاصة هذا المطلب أن المدارس الدينية تمثل وسيلة مؤسسية مهمة لحفظ الهوية الدينية من خلال تعليم القرآن الكريم والسنة والفقه والعقيدة والأخلاق، وتكوين الشعور الإسلامي، وتربية الطلاب على العبادة والتقوى والمسؤولية. كما تؤدي دورًا في إعداد العلماء والأئمة والخطباء والمدرسين، وفي حماية الناشئة من الشبهات والانحرافات عبر العلم والدليل والحوار الحسن. غير أن نجاحها في تحقيق هذه المقاصد يتوقف على سلامة المنهج، وكفاءة المعلمين، وتوازن الخطاب الديني، وقدرته على الجمع بين الأصالة الشرعية وفهم الواقع المعاصر.
المطلب الثاني: حفظ الهوية الثقافية
لا تقتصر وظيفة المدارس الدينية على حفظ العقيدة والشعائر، بل تمتد إلى صيانة جانب مهم من الهوية الثقافية للمجتمع؛ لأن الثقافة في البيئات الإسلامية لا تنفصل انفصالًا تامًّا عن المرجعية الدينية، بل تتشكل في ضوء اللغة، والعرف، والذاكرة التاريخية، والآداب الاجتماعية، وأنماط التعليم والتواصل بين الأجيال. وفي أفغانستان أسهمت المدارس الدينية، بدرجات متفاوتة، في نقل الميراث العلمي الإسلامي، وفي ربط المجتمع بتراثه الديني واللغوي، وفي توجيه العادات المحلية بما ينسجم مع أصول الإسلام ومقاصده.
أولًا: نقل الميراث العلمي الإسلامي والأدب الديني والذاكرة التاريخية: يشمل الميراث العلمي الإسلامي ما تراكم عبر القرون من علوم القرآن الكريم، والحديث النبوي، والفقه، والعقيدة، واللغة العربية، والتفسير، والسيرة، وأصول الفقه، وآداب العلماء والمتعلمين. وقد ظلت المدرسة الدينية إحدى الوسائط الرئيسة التي تنقل هذا الميراث من جيل إلى آخر عن طريق القراءة، والشرح، والحفظ، والإجازة، والتلقي المباشر عن المدرسين والعلماء.
ولا يتمثل أثر المدرسة في حفظ أسماء الكتب والمتون فقط، بل في استمرار المنهج العلمي الذي يربط الطالب بالمصادر الأصلية، ويعرّفه بمناهج العلماء في الاستدلال، وأدب الخلاف، وضوابط الفتوى، ومسؤولية العلم. ولهذا فإن المدرسة الدينية تسهم في حفظ الذاكرة العلمية للأمة، وتمنع انقطاع الصلة بين الأجيال الجديدة وبين تراثها الإسلامي.
وفي السياق الأفغاني، كان التعليم الديني جزءًا من المسار التاريخي الذي حفظ حضور القرآن الكريم، والفقه الحنفي، واللغة العربية، والآداب الإسلامية في المجتمع، رغم ما مرّ به البلد من تحولات سياسية واجتماعية. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن المدارس الدينية الأفغانية أدّت دورًا مستمرًا في حفظ المعارف الإسلامية ونقلها، مع اختلاف كبير في مناهجها ودرجات تنظيمها وبيئاتها المحلية (Adel et al., 2026, pp. 89–104؛ Karlsson & Mansory, 2018, pp. 685–697).
وتتصل الذاكرة التاريخية كذلك بسير العلماء، ومراكز التعليم، والمساجد، والمدارس، والآثار العلمية التي نشأت في المدن والقرى. فالطالب الذي يتعرف إلى تاريخ العلم والعلماء في بلده لا يكتسب معلومات تاريخية فحسب، بل يتكوّن لديه شعور بالصلة بين هويته الدينية وحاضره الاجتماعي. ومن هنا تظهر أهمية تضمين تاريخ العلوم الإسلامية، وتاريخ العلماء الأفغان، وآداب طلب العلم، ضمن البرامج التعليمية المناسبة في المدارس الدينية.
ثانيًا: تقوية الأعراف المشروعة والأخلاق الاجتماعية والمسؤولية الأسرية: لا يرفض الإسلام الأعراف الاجتماعية من حيث الأصل، بل يقر ما كان منها موافقًا لأحكام الشريعة ومقاصدها، ويهذّب ما يحتاج إلى إصلاح، ويرفض ما يقوم على الظلم أو العصبية أو الإضرار بالناس. ولهذا قرر الفقهاء قاعدة: «العادة محكَّمة»، أي إن العرف الصحيح يمكن أن يُعتبر في تنظيم كثير من شؤون الحياة ما لم يخالف نصًّا شرعيًّا أو أصلًا قطعيًّا (مجلة الأحكام العدلية، المادة: 36).
وتؤدي المدرسة الدينية دورًا مهمًا في توجيه المجتمع إلى التمييز بين العرف المشروع والعادة المخالفة. فالعادات التي تقوّي صلة الرحم، وإكرام الضيف، والتكافل، ومساعدة المحتاج، واحترام الكبار، والوفاء بالعهد، ورعاية الجار، تدخل في دائرة الأخلاق التي يقرها الإسلام ويحض عليها. أما العادات التي تؤدي إلى الإسراف، أو الظلم، أو التفاخر المذموم، أو حرمان الناس من حقوقهم، أو إثارة العصبية القبلية واللغوية، فإن الواجب هو تقويمها بالحكمة والعلم.
قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة الأعراف: 199].
وتدل الآية على أن العرف الحسن من القيم التي يُؤمر بها، بشرط أن يكون معروفًا في ميزان الشرع والعقل السليم، لا مجرد ممارسة موروثة لا ضابط لها.
كما تسهم المدرسة في تعزيز المسؤولية الأسرية؛ لأن الأسرة هي البيئة الأولى التي تنتقل فيها اللغة والقيم والأخلاق والعادات بين الأجيال. وتعليم أحكام الأسرة، وحقوق الوالدين، وحقوق الزوجين، وتربية الأبناء، وصلة الأرحام، وآداب الجوار، يساعد على بناء مجتمع متماسك، ويمنح الهوية الثقافية بعدًا أخلاقيًا عمليًا. قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [سورة الإسراء: 24].
ثالثًا: دور اللغات البشتوية والدرية والعربية في التعليم الديني والعلمي: تُعَدُّ اللغة من أبرز عناصر الهوية الثقافية؛ لأنها وعاء المعرفة، وأداة التواصل، ووسيلة نقل القيم والآداب والذاكرة التاريخية. وفي البيئة الأفغانية تؤدي اللغة العربية، إلى جانب البشتوية والدرية وغيرهما من اللغات المحلية، وظيفةً مهمة في التعليم الديني والثقافي.
فاللغة العربية هي لغة القرآن الكريم والسنة النبوية وعلوم الإسلام، ولذلك تمثل أداة أساسية لفهم النصوص الشرعية والرجوع إلى مصادرها الأصلية. ومن هنا كان تعليم العربية في المدارس الدينية جزءًا من بناء الملكة العلمية للطالب، لا مجرد مادة لغوية مستقلة. غير أن التعليم الديني لا يحقق أثره الاجتماعي المطلوب ما لم تُنقل معانيه إلى الناس بلغاتهم التي يفهمونها؛ ولذلك تؤدي البشتوية والدرية دورًا كبيرًا في شرح الأحكام، وتبسيط العقيدة، وإيصال الوعظ والإرشاد، ونقل الأدب الديني إلى عموم المجتمع.
ولا ينبغي النظر إلى تعدد اللغات في أفغانستان بوصفه عائقًا أمام الوحدة الثقافية، بل يمكن أن يكون وسيلةً لتوسيع دائرة التعليم الديني والوصول إلى مختلف فئات المجتمع. فالعربية تحفظ الصلة بالمصادر الإسلامية الأصلية، بينما تحفظ اللغات الوطنية والمحلية الصلة بالناس وثقافتهم وحاجاتهم. وتشير الدراسات عن التعليم الإسلامي في أفغانستان إلى أن المؤسسات الدينية تعمل داخل بيئات لغوية واجتماعية متنوعة، وأن فهم هذه البيئات ضروري لتقدير أثرها التعليمي والثقافي (Karlsson & Mansory, 2018, pp. 685–697؛ Borchgrevink, 2010, pp. 1–15).
رابعًا: إصلاح الثقافات المحلية ومواءمتها مع القيم الإسلامية: لا يقتضي حفظ الهوية الثقافية تجميد جميع العادات المحلية أو الدفاع عنها دون نظر، كما لا يعني ذوبان المجتمع في ثقافات وافدة تضعف صلته بدينه وتاريخه. والموقف المتوازن هو تقويم العادات في ضوء الكتاب والسنة ومقاصد الشريعة؛ فما وافق العدل، والرحمة، وصيانة الكرامة، والتكافل، وحسن المعاشرة، فهو مما يُحافظ عليه ويُنمّى، وما خالف ذلك فيُعالج بالحكمة والتدرج والبيان الحسن.
وفي هذا المجال تستطيع المدارس الدينية أن تقوم بوظيفة إصلاحية من خلال توعية الطلاب والناس بخطورة العصبية، والتمييز غير المشروع، والإسراف في المناسبات، وبعض الممارسات التي تضر بالأسرة أو المجتمع. غير أن الإصلاح الثقافي لا ينجح بالازدراء أو القطيعة مع المجتمع، بل بفهم عاداته وحاجاته، ثم توجيهها بأسلوب علمي وتربوي. قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [سورة النحل: 125].
وخلاصة هذا المطلب أن المدرسة الدينية تؤدي دورًا مهمًا في حفظ الهوية الثقافية من خلال نقل الميراث العلمي الإسلامي، وتقوية اللغة العربية واللغات المحلية في مجال التعليم والتوجيه، وتعزيز الأعراف المشروعة والأخلاق الأسرية والاجتماعية، وإصلاح الممارسات التي لا تنسجم مع القيم الإسلامية. ويظل نجاحها في ذلك مرتبطًا بقدرتها على الجمع بين حفظ الأصالة وفهم الواقع الثقافي المتنوع للمجتمع الأفغاني.
المطلب الثالث: الدور الاجتماعي للمدارس الدينية
لا تنحصر المدرسة الدينية في كونها مؤسسة للتدريس، بل تتجاوز ذلك إلى أداء وظائف اجتماعية وتربوية متعددة. فهي في كثير من البيئات الأفغانية ترتبط بالمسجد، والأسرة، والمجتمع المحلي، وتشارك في رفع الوعي الديني، وتوجيه السلوك، وتقوية روابط التعاون، وإعداد فئات من العلماء والأئمة والمدرسين القادرين على خدمة الناس.
أولًا: مركز للوعي الديني والتوجيه الأخلاقي: تؤدي المدارس الدينية دورًا بارزًا في تعريف الناس بأحكام عباداتهم ومعاملاتهم، وفي نشر القيم الأخلاقية مثل الصدق، والأمانة، والرحمة، والعدل، واحترام الحقوق. ومن خلال الدروس، والحلقات، والمواعظ، والأنشطة المرتبطة بالمساجد، تصل المعرفة الدينية إلى الطلاب وأسرهم وعموم الناس.
ولا يقتصر هذا الوعي على بيان الحلال والحرام بمعزل عن الواقع، بل يشمل تربية الفرد على مراقبة الله تعالى، وحسن التعامل مع الآخرين، وأداء الأمانة، واحترام حقوق الجيران والأقارب والفقراء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» (البخاري، 1422هـ، كتاب الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، حديث رقم: 10؛ مسلم، د.ت، كتاب الإيمان، باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل، حديث رقم: 40).
ويدل الحديث على أن الوعي الديني الصحيح ينعكس في سلامة اللسان والسلوك، لا في المعرفة المجردة وحدها.
ثانيًا: المساهمة في الإصلاح والنصيحة وحل النزاعات الاجتماعية: في المجتمعات المحلية، يلجأ الناس في كثير من القضايا الأسرية والاجتماعية إلى العلماء والأئمة ووجهاء المدارس طلبًا للنصيحة أو الوساطة أو بيان الحكم الشرعي. ويمكن للمدرسة الدينية أن تسهم في الإصلاح بين الناس، وفي تخفيف النزاعات، وفي توجيه الأطراف إلى العدل والصلح وحفظ الحقوق، متى التزم القائمون عليها بالعلم والإنصاف وابتعدوا عن التعصب.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [سورة الحجرات: 10].
فالآية تجعل الإصلاح بين المؤمنين من مقتضيات الأخوة الإيمانية، وهو ما يمنح المدرسة والعالم دورًا اجتماعيًا يتجاوز التعليم النظري إلى الإسهام في استقرار الأسرة والمجتمع.
لكن هذا الدور ينبغي أن يُمارس في حدوده العلمية والشرعية؛ فالمدرسة ليست بديلًا عن القضاء أو المؤسسات الرسمية المختصة، وإنما يمكن أن تؤدي دورًا في النصح، والوساطة، والتوعية بالحقوق، والسعي إلى الصلح المشروع، مع مراعاة القوانين النافذة وحقوق الأطراف. وهذا التحديد مهم حتى لا تتحول وظيفة الإصلاح إلى تدخل غير منضبط في القضايا التي تحتاج إلى اختصاص قانوني أو قضائي.
ثالثًا: توفير فرص التعليم الديني للفقراء والفئات المحرومة: من الأدوار الاجتماعية المهمة للمدارس الدينية أنها تفتح باب التعليم أمام أبناء الأسر الفقيرة أو القاطنين في المناطق التي تضعف فيها الخدمات التعليمية. فكثير من المدارس المحلية وحلقات المساجد تقدم تعليم القرآن الكريم والمبادئ الدينية بتكاليف منخفضة أو دون مقابل، وتعتمد أحيانًا على تبرعات المجتمع وأوقافه ومساندة المحسنين.
وتساعد هذه الوظيفة على الحد من الحرمان المعرفي الديني، وتمنح الأطفال والناشئة فرصة للتعرف إلى القرآن الكريم والعبادات والأخلاق، ولا سيما في القرى والمناطق البعيدة. وتشير الأدبيات حول التعليم الإسلامي في أفغانستان إلى أن المساجد والمدارس المحلية ظلت تؤدي دورًا مهمًا في توفير التعليم الديني للمجتمعات التي لا تصل إليها المؤسسات الرسمية بصورة كافية (Karlsson & Mansory, 2018, pp. 685–697؛ Adel et al., 2026, pp. 89–104).
غير أن إتاحة التعليم لا تكفي وحدها؛ بل ينبغي أن تقترن بجودة المنهج، وأهلية المدرسين، وحسن رعاية الطلاب، وتوفير بيئة تربوية آمنة ومحترمة. فالفئات المحرومة تحتاج إلى تعليم يرفع قدراتها العلمية والأخلاقية، ولا يكتفي بحفظ محدود أو أسلوب تدريس لا يراعي حاجاتها العمرية والاجتماعية.
رابعًا: تعزيز التعاون الاجتماعي والأخوة والمسؤولية المشتركة: تُسهم المدرسة الدينية في تعزيز قيم التعاون والتكافل والأخوة الإسلامية من خلال تعليم النصوص التي تحث على مساعدة المحتاج، وصلة الرحم، ورعاية الجار، والإحسان إلى الضعفاء. قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة: 2].
وتتحول هذه القيم إلى ممارسة عملية عندما تشجع المدرسة طلابها وأهاليهم على التعاون في الأعمال الخيرية، ومساعدة الفقراء، ورعاية الأيتام، والإسهام في إصلاح البيئة الاجتماعية، واحترام المرافق العامة. كما يمكن أن تكون المدرسة مجالًا لتقريب الناس من خلفيات لغوية أو مناطقية مختلفة على أساس الانتماء الإسلامي المشترك، بعيدًا عن العصبيات الضيقة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَىٰ مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَىٰ لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» (البخاري، 1422هـ، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، حديث رقم: 6011؛ مسلم، د.ت، كتاب البر والصلة والآداب، حديث رقم: 2586).
ويؤكد الحديث أن المجتمع المسلم يقوم على الشعور المتبادل بالرحمة والمسؤولية، لا على الفردية أو اللامبالاة.
وخلاصة هذا المطلب أن المدارس الدينية تؤدي وظيفة اجتماعية واسعة؛ فهي مركز للوعي الديني والتوجيه الأخلاقي، وتشارك في النصح والإصلاح الاجتماعي ضمن حدودها المشروعة، وتوفر فرصًا للتعليم الديني للفقراء والمحرومين، وتسهم في تقوية التعاون والأخوة والمسؤولية المشتركة. غير أن فعالية هذا الدور تزداد كلما ارتبطت المدرسة بمنهج علمي متوازن، ومدرسين مؤهلين، وتعاون منظم مع الأسرة والمسجد والمؤسسات الاجتماعية والتعليمية الأخرى.
المبحث الثالث: التحديات والتقويم والسبل المستقبلية
المطلب الأول: التحديات المعاصرة
تواجه المدارس الدينية في أفغانستان جملةً من التحديات المعاصرة التي تتصل بالمناهج، والإدارة، والعلاقة بالدولة والمجتمع، والامتدادات التعليمية خارج الحدود، وطبيعة الخطاب الموجَّه إليها في بعض الدراسات والإعلام. ولا يصح النظر إلى هذه التحديات بمعزل عن الواقع التاريخي والاجتماعي للمدارس؛ لأن المدارس الدينية ليست مؤسسات متطابقة في مناهجها أو أحجامها أو مصادر تمويلها أو بيئاتها المحلية، بل هي مؤسسات متباينة تجمعها وظيفة التعليم الديني، وتختلف في أساليبها ودرجات تنظيمها وصلتها بالمجتمع.
ومن ثمّ، فإن معالجة هذه التحديات لا ينبغي أن تقوم على التعميم أو إصدار الأحكام الكلية، بل على دراسة واقع المدارس، وتمييز نقاط القوة فيها عن مواطن الضعف، ثم وضع إصلاحات علمية تراعي أصالة التعليم الشرعي وحاجات المجتمع الأفغاني المعاصر.
أولًا: تنوع المناهج وقضية الجودة التعليمية: يُعَدُّ تنوع المناهج من أبرز خصائص المدارس الدينية في أفغانستان؛ إذ تختلف المدارس الرسمية عن المدارس الخاصة والمحلية في المواد الدراسية، ومدى التدرج في المراحل، ومستوى حضور اللغة العربية، والعلوم الشرعية، والمواد العامة. فبعض المدارس تعتمد مناهج تقليدية تركز على القرآن الكريم، والفقه، والعقيدة، والحديث، واللغة العربية، في حين تضم مدارس أخرى موادَّ إضافية في اللغات الوطنية، والرياضيات، والتاريخ، والمهارات الأساسية.
وهذا التنوع ليس سلبيًا في ذاته؛ لأن اختلاف البيئات المحلية وحاجات الطلاب قد يقتضي قدرًا من المرونة. غير أن المشكلة تظهر عندما يؤدي غياب المعايير العلمية الواضحة إلى تفاوت كبير في مستوى التعليم، أو إلى الاقتصار على الحفظ دون الفهم والتحليل، أو إلى ضعف تأهيل بعض المدرسين في طرائق التدريس والتقويم. ولذلك فإن جودة المدرسة لا تقاس بكثرة الكتب أو طول المقررات فحسب، بل تقاس بسلامة المنهج، وترتيب العلوم، وكفاءة المدرس، وقدرة الطالب على فهم النصوص وتطبيقها بصورة معتدلة ومسؤولة.
وقد أشارت دراسات إصلاح التعليم الديني في أفغانستان إلى أن برامج الإصلاح في مرحلة 2002–2013م واجهت صعوبات تتصل بتنوع المؤسسات، وتفاوت الكفاءات، وضعف التنسيق بين السياسات التعليمية والقدرات الواقعية للمدارس (Baiza, 2014, pp. 77–95).
ومن هنا تبرز الحاجة إلى وضع حدٍّ أدنى من المعايير العلمية المشتركة، يشمل أصول العقيدة، والقرآن الكريم، والحديث، والفقه، والأخلاق، واللغة العربية، مع مراعاة اختلاف المذاهب والبيئات التعليمية. كما ينبغي الاهتمام بمهارات الفهم، والبحث، وآداب الاختلاف، والتفكير المنهجي؛ حتى لا يتحول التعليم الديني إلى حفظٍ مجرّدٍ بعيدٍ عن مقاصد العلم الشرعي ووظائفه التربوية.
ثانيًا: العلاقة الإدارية والقانونية بين المدارس الرسمية والخاصة: تتسم العلاقة بين المدارس الرسمية والخاصة بالتعقيد؛ لأن المدرسة الرسمية تعمل غالبًا في إطار إداري أو تعليمي محدد، في حين ترتبط المدارس الخاصة والمحلية بالمجتمع، والعلماء، والتبرعات، والأوقاف، والجهات الأهلية. وقد أسهم هذا التعدد في اتساع نطاق التعليم الديني ووصوله إلى المناطق البعيدة، لكنه جعل مسألة التنظيم، والإشراف، والاعتراف بالشهادات، ومتابعة المناهج، أكثر صعوبة.
فالمدرسة الرسمية تحتاج إلى المحافظة على صلتها بالعلوم الشرعية وخصوصيتها التربوية، وألا تتحول إلى مؤسسة شكلية تضعف فيها دراسة التراث الإسلامي. وفي المقابل، تحتاج المدرسة الخاصة إلى قدر مناسب من التنظيم الإداري، وتوثيق المناهج، وتأهيل المدرسين، وحماية حقوق الطلاب، حتى تؤدي رسالتها التعليمية في بيئة سليمة ومنضبطة.
ولا يعني التنظيم القانوني إلغاء استقلال المدارس أو تهميش دور العلماء، كما لا يعني استقلال المدرسة الخاصة عدم الحاجة إلى معايير علمية وإدارية. والأقرب إلى المصلحة هو بناء علاقة تشاركية تقوم على التشاور، والاعتراف بالتنوع، ووضع ضوابط مشتركة للجودة، مع مراعاة طبيعة المؤسسات المحلية ودورها في خدمة المجتمع. وقد بينت دراسات التعليم الديني الأفغاني أن المدارس تتباين في هياكلها وعلاقاتها بالمجتمع والدولة، مما يجعل أي إصلاح موحد لا يراعي هذا التفاوت معرضًا لمحدودية الأثر (Borchgrevink, 2010, pp. 9–16).
ثالثًا: التأثيرات الفكرية والمنهجية للشبكات العابرة للحدود: ارتبطت المدارس الدينية الأفغانية تاريخيًا بشبكات علمية خارج الحدود، ولا سيما في جنوب آسيا، وآسيا الوسطى، وإيران، وبعض المراكز العلمية في العالم الإسلامي. وقد أسهمت هذه الروابط في انتقال الكتب، والمناهج، والعلماء، والطلاب، وأساليب التدريس، كما وفرت فرصًا مهمة لاستمرار التعليم الديني في فترات الحرب والهجرة.
غير أن هذه الصلات قد تطرح تحديات تتعلق بمدى ملاءمة بعض المناهج والاتجاهات الفكرية للواقع الأفغاني، وبالتوازن بين الاستفادة من الخبرات الخارجية والمحافظة على الاستقلال العلمي والثقافي للمؤسسات المحلية. فليس كل ما ينشأ في بيئة تعليمية خارجية مناسبًا بالضرورة للتطبيق الحرفي في مجتمع آخر يختلف في تاريخه ولغاته وعاداته وظروفه الاجتماعية.
وتؤكد دراسة بورشغريفينك أن التعليم الديني الأفغاني يتأثر بتنوع واسع من الشبكات والروابط العابرة للحدود، وأن هذه الروابط لا ينبغي فهمها بوصفها عاملًا سلبيًا أو إيجابيًا على الإطلاق، بل يجب تحليلها وفق نوع المؤسسة، ومنهجها، وصلتها بالمجتمع، وطبيعة الموارد العلمية التي تتلقاها (Borchgrevink, 2010, pp. 37–38).
وعليه، فإن المطلوب هو تنمية قدرة المدارس على الانتقاء العلمي الواعي؛ بأن تستفيد من التجارب النافعة، وتتمسك بالمصادر الشرعية المعتبرة، وتراعي في الوقت نفسه خصوصية المجتمع الأفغاني، وحاجاته الثقافية واللغوية والتربوية.
رابعًا: التوظيف السياسي للمدارس وربطها بتهمة التطرف: من التحديات المهمة أن بعض المدارس الدينية تعرضت، في مراحل الصراع والحرب، لتأثيرات سياسية أو تعبويّة، كما أن عددًا من الخطابات الإعلامية والسياسية الخارجية ربط التعليم الديني في أفغانستان بالتطرف ربطًا عامًا. وهذا الربط التعميمي لا ينسجم مع واقع المدارس؛ لأن التعليم الديني في أفغانستان متنوع، وتؤدي مدارس كثيرة وظائف أساسية في تعليم القرآن الكريم، وتخريج الأئمة والمدرسين، وحفظ القيم الدينية، وتوفير التعليم في البيئات الفقيرة والبعيدة.
وقد نبهت الدراسات الحديثة إلى أن بعض الكتابات العالمية تستخدم أطرًا أمنية اختزالية تساوي بين المدرسة الدينية والتطرف، وتتجاهل عمقها التاريخي وتنوع وظائفها التعليمية والاجتماعية (Adel et al., 2026, pp. 89–104).
ومع ذلك، فإن رفض التعميم لا يعني إنكار إمكان توظيف بعض المؤسسات أو الأفراد للخطاب الديني في الصراعات السياسية. فالواجب العلمي يقتضي التفريق بين المدرسة بوصفها مؤسسة للتعليم والتربية، وبين أي استعمال سياسي أو عسكري يخرج بها عن رسالتها الأصلية. ومن هنا تبرز أهمية تعزيز استقلال القرار العلمي للمدارس، وترسيخ الاعتدال، وتعليم آداب الاختلاف، وتحريم التكفير بغير حق، واحترام دماء الناس وحقوقهم، حتى يبقى التعليم الديني عاملًا للإصلاح والاستقرار لا أداةً للصراع والانقسام.
خامسًا: الحاجة إلى التوازن بين العلوم المعاصرة والكفايات المهنية والأصالة الدينية:يواجه التعليم الديني اليوم تحدي إعداد الطالب للحياة المعاصرة من غير تفريط في أصالة العلوم الشرعية. فطالب المدرسة يحتاج إلى القرآن الكريم، والحديث، والفقه، والعقيدة، واللغة العربية، بقدر حاجته إلى مهارات القراءة والكتابة المتقدمة، واللغات الوطنية، والوعي بالتقنية، ومهارات التواصل، والمعرفة الأساسية بقضايا المجتمع والاقتصاد والصحة والبيئة.
ولا يراد بهذا دمج جميع التخصصات في المدرسة الدينية بصورة تثقل منهجها أو تضعف رسالتها، وإنما المقصود إدخال ما تحتاج إليه شخصية الطالب من كفايات تعينه على فهم الواقع، وخدمة المجتمع، والتواصل مع الناس، وممارسة دور علمي أو دعوي أو تربوي مؤثر. فالعلم الشرعي لا يتعارض مع المعرفة النافعة، بل يوجهها ويضبط استعمالها بالقيم والأخلاق.
وقد خلصت دراسات إصلاح المدارس إلى أن الإصلاح الناجح لا يقتصر على إضافة مواد جديدة إلى المنهج، بل يتطلب إعداد المدرسين، وتحسين طرائق التدريس، وربط التعليم بحاجات المجتمع، وبناء رؤية متكاملة تجمع بين الهوية الدينية والكفايات المعاصرة (Baiza, 2014, pp. 91–95).
وخلاصة هذا المطلب أن المدارس الدينية في أفغانستان تواجه تحديات متعددة، أهمها تفاوت المناهج والجودة، وتعقيد علاقتها بالإدارة الرسمية، وتأثير الشبكات التعليمية العابرة للحدود، والتوظيف السياسي لبعض المؤسسات، والحاجة إلى الجمع بين الأصالة الشرعية ومتطلبات الحياة المعاصرة. ولا تكون المعالجة العلمية لهذه التحديات بإضعاف المدرسة أو عزلها عن المجتمع، بل بتطوير مناهجها، وتأهيل مدرسيها، وتحسين تنظيمها، وترسيخ استقلالها العلمي، وتعزيز قدرتها على الجمع بين الدين، والعلم، والأخلاق، وخدمة المجتمع.
المطلب الثاني: التقويم التحليلي لدور المدارس الدينية
تُظهر الدراسة التاريخية والاجتماعية للمدارس الدينية في أفغانستان أن هذه المؤسسات لا يمكن تقويمها تقويمًا صحيحًا من خلال أحكام عامة أو صور نمطية مختزلة؛ لأنها تختلف من حيث المناهج، والبيئات المحلية، والعلاقة بالدولة، ودرجة التنظيم، والوظائف التي تؤديها. ولذلك فإن التقويم العلمي يقتضي إبراز ما أسهمت به المدارس في حفظ الهوية الدينية والثقافية، مع بيان ما يواجهه بعضُها من محدوديات تتعلق بالمنهج، وطرائق التدريس، والإدارة، وصلتها بالتحولات المعاصرة.
أولًا: جوانب القوة في حفظ الهوية الدينية: من أبرز نقاط القوة في المدارس الدينية اتصالها المباشر بالمصادر الإسلامية الأصلية؛ إذ تقوم على تعليم القرآن الكريم، والحديث النبوي، والفقه، والعقيدة، واللغة العربية، والأخلاق الإسلامية. وهذا يجعلها إحدى أهم الوسائط التي تحفظ الصلة بين الناشئة وبين المرجعية الدينية، وتمنع انقطاعهم عن علوم الإسلام وتراثه العلمي. كما أن استمرارها في القرى والمدن، وفي الظروف العادية وظروف الأزمات، منحها قدرةً على أداء وظيفة تعليمية وتربوية لا تتوافر دائمًا في المؤسسات الأخرى.
وتكمن قوتها كذلك في قربها من المجتمع المحلي؛ فالمدرسة الدينية ترتبط في كثير من البيئات بالمسجد، والأسرة، والعالم، والطالب، وتشارك في تشكيل الوعي الديني اليومي للأفراد. وهي لا تقدم العلم في صورة نظرية مجردة، بل تربطه بالعبادة، والأخلاق، والعلاقات الأسرية، وآداب التعامل، ومسؤولية المسلم تجاه مجتمعه. وهذا الارتباط الاجتماعي يفسر استمرار حضور المدارس الدينية في أفغانستان، حتى مع تطور التعليم النظامي الحديث.
ومن جوانب القوة أيضًا قدرتها على إعداد الأئمة، والخطباء، والمدرسين، وطلبة العلم الذين يتولون مهمة التعليم والإرشاد في المجتمع. فالمؤسسة الدينية لا تحفظ النصوص والكتب فحسب، بل تسهم في تكوين فئة علمية قادرة على تعليم الناس، وبيان الأحكام، والإسهام في الإصلاح الأخلاقي والاجتماعي. وقد أكدت الدراسات المتعلقة بالتعليم الإسلامي في أفغانستان أن المسجد، والمدرسة، والكتّاب القرآني ظلت مؤسسات رئيسة في نقل المعرفة الإسلامية، وتوفير التعليم الديني لمختلف شرائح المجتمع.
كما تمثل المدارس الدينية مصدرًا مهمًا للتعليم أمام أبناء الأسر الفقيرة والمناطق البعيدة؛ إذ تتيح لكثير من الطلاب فرصة تعلم القرآن الكريم، والعبادات، والمبادئ الدينية، في بيئات قد تضعف فيها الخدمات التعليمية الأخرى. وهذه الوظيفة تكتسب أهمية اجتماعية؛ لأنها تحول دون حرمان فئات واسعة من التعليم الديني، وتسهم في استمرار حضور القيم الإسلامية داخل الأسرة والمجتمع.
ثانيًا: الإسهامات الإيجابية والمحدوديات في حفظ الهوية الثقافية: أسهمت المدارس الدينية في حفظ جانب معتبر من الهوية الثقافية من خلال نقل الميراث العلمي الإسلامي، وتعليم العربية، وربط المتعلمين بكتب التراث، وآداب طلب العلم، وسير العلماء. كما ساعدت، بدرجات متفاوتة، على نقل المفاهيم الأخلاقية والاجتماعية التي تشكل جزءًا من الثقافة الإسلامية، مثل احترام الوالدين، وصلة الرحم، وإكرام الضيف، والتكافل، وحسن الجوار، وأداء الأمانة.
وتظهر مساهمتها الثقافية كذلك في استعمال اللغات الوطنية والمحلية في الوعظ والإرشاد وشرح الأحكام الشرعية، مع العناية بالعربية بوصفها لغة القرآن الكريم والسنة النبوية. فهذا الجمع بين العربية واللغات المحلية يتيح للمدرسة أن تحفظ صلتها بالمصادر الشرعية من جهة، وأن توصل معاني الدين وقيمه إلى عامة الناس من جهة أخرى. وتشير الدراسات إلى أن التعليم الإسلامي في أفغانستان يجري في المساجد والمدارس والكتاتيب، ويتفاعل مع بيئات لغوية واجتماعية متعددة، وهو ما يجعل للمدرسة وظيفة ثقافية إلى جانب وظيفتها التعليمية.
غير أن هذا الدور الثقافي يواجه بعض المحدوديات. فمنها التفاوت بين المدارس في مقدار عنايتها بالتاريخ المحلي، والتراث العلمي الأفغاني، واللغات الوطنية، والعادات المشروعة. وقد تميل بعض المناهج إلى الاقتصار على المتون التقليدية دون ربط كافٍ بين مضامينها وبين الواقع الاجتماعي والثقافي للطلاب. كما أن ضعف التأهيل التربوي لدى بعض المدرسين قد يؤدي إلى تقديم العادات المحلية في صورة أحكام دينية ثابتة، أو إلى رفض بعض الأعراف النافعة دون تمييز علمي بين العرف المشروع والعادة المخالفة للشريعة.
ومن المحدوديات أيضًا أن حفظ الهوية الثقافية لا يعني المحافظة على كل ممارسة موروثة، بل يقتضي التمييز بين ما يوافق العقيدة والأخلاق والعدل، وما يقوم على التعصب أو الظلم أو الإسراف أو انتقاص الحقوق. ولهذا ينبغي أن يكون دور المدرسة إصلاحيًا وتوجيهيًا؛ يحفظ العناصر الإيجابية في الثقافة المحلية، ويعالج عناصر الخلل بالحكمة، والدليل، والتدرج، لا بالمواجهة غير المدروسة أو الرفض المطلق.
ثالثًا: الحاجة إلى إصلاح المنهج والتدريس والإدارة: إن الحاجة إلى الإصلاح لا تعني إضعاف المدرسة الدينية أو إلغاء خصوصيتها، بل تعني تعزيز قدرتها على تحقيق رسالتها العلمية والتربوية في ظروف متغيرة. ويبدأ الإصلاح من المنهج؛ إذ ينبغي أن يكون منهجًا متدرجًا، متوازنًا، يجمع بين العلوم الشرعية الأساسية، وفهم النصوص، وآداب الاختلاف، والأخلاق، ومقاصد الشريعة، ومهارات التفكير المنهجي. كما ينبغي أن يتجنب الحشو والتكرار غير المفيد، وأن يراعي المراحل العمرية والمستوى العلمي للطلاب.
أما في مجال التدريس، فتبرز الحاجة إلى تطوير طرائق الشرح، والحوار، والتقويم، وربط الدروس بالواقع. فالطالب لا يكفي أن يحفظ المتن أو العبارة، بل يحتاج إلى أن يفهم الدليل، ويدرك المقصد، ويعرف موضع تطبيق الحكم، ويتعلم كيفية التعامل مع المسائل الجديدة بروح علمية منضبطة. ولذلك فإن تدريب المدرسين على مهارات التربية، والتواصل، وإدارة الحوار، واستخدام الوسائل التعليمية المناسبة، يعد جزءًا أساسيًا من إصلاح المدرسة.
وفي المجال الإداري، تحتاج المدارس إلى تنظيم أوضح في سجلات الطلاب، والمناهج، والتقويم، وشؤون المعلمين، والتمويل، وحماية حقوق المتعلمين. ولا يعني ذلك فرض نموذج إداري جامد على جميع المدارس، بل وضع أطر عامة للجودة والشفافية تراعي تنوع المؤسسات الرسمية والخاصة والمحلية. وقد بينت دراسات إصلاح التعليم الديني في أفغانستان أن نجاح الإصلاح يرتبط بتأهيل المعلمين، وتناسق السياسات، وربط التعديلات المنهجية بواقع المؤسسات وقدراتها الفعلية.
رابعًا: المسؤولية المشتركة بين العلماء والدولة والأسرة والمؤسسات المجتمعية: لا تستطيع المدرسة الدينية أن تؤدي رسالتها كاملة بمفردها؛ لأن حفظ الهوية الدينية والثقافية مسؤولية تشاركية. فالعلماء مسؤولون عن سلامة الخطاب، وتأصيل المناهج، وتقديم القدوة، وربط التعليم بالعلم النافع والأخلاق الحسنة. كما تقع على عاتقهم مسؤولية معالجة الخلافات العلمية بالحكمة، والتحذير من التعصب والغلو والتكفير بغير حق.
وتتحمل الدولة مسؤولية توفير بيئة تعليمية منظمة، ووضع معايير علمية وإدارية عادلة، ودعم تأهيل المعلمين، وتيسير وصول الطلاب إلى التعليم الديني الجيد. وينبغي أن تقوم العلاقة بين الجهات الرسمية والمدارس الخاصة على التشاور والثقة المتبادلة، لا على الإقصاء أو التدخل غير المدروس؛ لأن إصلاح التعليم الديني يحتاج إلى مشاركة العلماء والمجتمعات المحلية، لا إلى قرارات منفصلة عن واقع المدارس.
أما الأسرة، فهي الحاضنة الأولى للهوية؛ إذ يتلقى الطفل فيها اللغة، والعادات، وآداب التعامل، ومبادئ التدين. ولذلك فإن التعاون بين الأسرة والمدرسة ضروري لتثبيت أثر التعليم، ومتابعة سلوك الطالب، وربط المعرفة النظرية بالممارسة اليومية. كما تؤدي المؤسسات المجتمعية، من مساجد ومراكز علمية وإعلام تربوي وجمعيات خيرية، دورًا مكملًا في نشر الثقافة الإسلامية، ودعم التعليم، وتشجيع المبادرات النافعة.
وخلاصة هذا المطلب أن المدارس الدينية تمتلك نقاط قوة مهمة في حفظ الهوية الدينية والثقافية، أهمها اتصالها بالمصادر الشرعية، وقربها من المجتمع، وقدرتها على إعداد العلماء وتوفير التعليم للفئات المحتاجة. غير أن تطوير دورها يقتضي معالجة تفاوت المناهج، وتحسين التدريس والإدارة، وتعزيز التعاون بين العلماء والدولة والأسرة والمؤسسات المجتمعية.
المطلب الثالث: السبل العملية المستقبلية
إن تطوير المدارس الدينية في أفغانستان لا يتحقق بإلغاء أصالتها العلمية ولا بإبقائها بعيدة عن حاجات المجتمع، بل ببناء مسار متوازن يجمع بين حفظ العلوم الشرعية، وتحسين جودة التعليم، وتنمية مهارات الطالب، وتقوية صلته بهويته الدينية والثقافية. وفيما يأتي أبرز السبل العملية المقترحة:
أولًا: العناية بالعقيدة والأخلاق والأخوة الإسلامية وحفظ الهوية في المناهج: ينبغي أن تتضمن المناهج الدراسية موضوعات واضحة ومنظمة في العقيدة الصحيحة، والأخلاق الإسلامية، والأخوة، والعدل، والرحمة، وحفظ الحقوق، وآداب الاختلاف، والمسؤولية الاجتماعية. ولا ينبغي أن تُدرّس هذه الموضوعات في صورة مسائل نظرية منفصلة، بل ينبغي ربطها بسلوك الطالب داخل المدرسة، وفي الأسرة، وفي المسجد، وفي التعامل مع الناس.
كما يلزم إبراز مفهوم الهوية الدينية بوصفه ارتباطًا بالعقيدة والعبادة والأخلاق والعلم، لا بوصفه وسيلة للتعصب أو إقصاء الآخرين. فالتعليم الديني المتوازن يربي الطالب على الاعتزاز بدينه، مع احترام الحقوق، والالتزام بالعدل، وحسن الحوار، والبعد عن الغلو والتكفير والخصومة غير المشروعة.
ثانيًا: إدماج اللغة والتاريخ والعلوم الاجتماعية والمهارات المعاصرة: ينبغي أن تحافظ المدارس على مركزية العلوم الشرعية، مع إدخال قدر مناسب من اللغات الوطنية، واللغة العربية، والتاريخ الإسلامي والمحلي، والمهارات الأساسية في القراءة والكتابة، ومبادئ العلوم الاجتماعية، والوعي الرقمي، ومهارات التواصل. والغاية من ذلك ليست تحويل المدرسة الدينية إلى مدرسة عامة، بل إعداد طالب قادر على فهم مجتمعه، والتواصل مع الناس، والاستفادة من المعرفة الحديثة في خدمة الدين والمجتمع.
وتؤكد الأدبيات المتخصصة أن التعليم الإسلامي في أفغانستان يواجه حاجة مستمرة إلى إيجاد علاقة تكاملية بين التعليم الديني والتعليم الحديث، بحيث لا يضعف أحدهما الآخر، بل يساهم كل منهما في بناء شخصية الطالب علميًا وأخلاقيًا.
ثالثًا: تقوية الكفايات المهنية والتدريسية للمدرسين: يمثل المدرس محور العملية التعليمية؛ ولذلك فإن تأهيله العلمي والتربوي من أهم أولويات الإصلاح. وينبغي تنظيم دورات تدريبية للمدرسين في طرائق التدريس الحديثة، وإدارة الصف، وتقويم الطلاب، وتنمية مهارات الحوار، واستخدام الوسائل التعليمية، والتعامل التربوي مع الفروق الفردية بين المتعلمين.
كما ينبغي الجمع في تأهيل المدرس بين التمكن من العلوم الشرعية، والقدرة على تبسيطها، وفهم الواقع الاجتماعي والثقافي للطلاب. فالمعلم الذي يجمع بين العلم، والخلق، وحسن التواصل، يكون أقدر على غرس الهوية الدينية بصورة صحيحة، وعلى حماية الطلاب من الفهم السطحي أو المتشدد للنصوص.
رابعًا: إنشاء آلية للتنسيق العلمي والمشاورة بين المدارس الرسمية والخاصة: من الضروري إنشاء مجالس أو لجان علمية مشتركة تضم ممثلين عن المدارس الرسمية والخاصة، والعلماء، والمتخصصين في التربية، بهدف تبادل الخبرات، وتقويم المناهج، ومناقشة التحديات، ووضع معايير أساسية للجودة. وينبغي أن تقوم هذه الآلية على الاحترام المتبادل، وعدم فرض الرأي الواحد، ومراعاة الفروق المشروعة بين المدارس والبيئات.
ويمكن لهذه المجالس أن تسهم في إعداد كتب مناسبة، وتطوير الامتحانات، وتحسين الاعتراف بالشهادات، وتنظيم دورات للمعلمين، وتبادل التجارب الناجحة بين المدارس. كما يمكن أن توفر منصة للحوار حول القضايا التعليمية الجديدة، بعيدًا عن التسييس أو الاتهام المتبادل.
خامسًا: تربية الطلاب على الاعتدال والدليل والنقد العلمي: تحتاج المدارس إلى تعزيز منهج الاعتدال في فهم النصوص والقضايا المعاصرة، من خلال تعليم أصول الاستدلال، والتمييز بين القطعي والظني، وآداب الخلاف، وخطورة التعصب، ووجوب التثبت في الأخبار والأحكام. كما ينبغي تدريب الطلاب على مواجهة الشبهات والأفكار المنحرفة بالعلم، والحجة، والحوار الحسن، لا بالانفعال أو التكفير أو الرفض غير المؤصل.
قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [سورة النحل: 125].
فالآية تؤسس لمنهج يقوم على الحكمة، وحسن البيان، ومراعاة حال المخاطب، وهو منهج ضروري في معالجة الأفكار المتطرفة أو التحريفية.
سادسًا: توفير تعليم ديني مناسب وجيد للطلاب والطالبات: ينبغي توفير فرص تعليم ديني مناسبة وذات جودة للطلاب والطالبات، مع مراعاة الضوابط الشرعية، والخصوصية الاجتماعية، واحتياجات كل فئة. ويشمل ذلك توفير معلمات ومدرسات مؤهلات عند الحاجة، وبيئات تعليمية آمنة، ومناهج مناسبة، ومواد دراسية تراعي البناء العلمي والتربوي للمتعلمات.
وتشير المراجع المتخصصة إلى أن مشاركة الفتيات في التعليم، ودور الإسلام في التعليم النظامي، ومسألة الإشراف على التعليم الديني، كانت من القضايا الرئيسة في النقاشات المتعلقة بالتعليم الإسلامي في أفغانستان. ومن ثم فإن تحسين التعليم الديني للفتيات والفتيان يمثل جزءًا من حفظ الهوية، وبناء الأسرة، وتنمية الوعي الأخلاقي والعلمي داخل المجتمع.
وخلاصة هذا المطلب أن السبل العملية لتطوير المدارس الدينية تتمثل في تحسين المناهج، وتعزيز العقيدة والأخلاق والأخوة، وإدماج المهارات واللغات والمعارف المناسبة، وتأهيل المدرسين، وتفعيل التنسيق بين المدارس الرسمية والخاصة، وترسيخ الاعتدال والدليل، وتوفير تعليم ديني جيد للطلاب والطالبات. وبهذه الخطوات تستطيع المدرسة الدينية أن تحافظ على رسالتها الأصيلة، وأن تستجيب في الوقت نفسه لحاجات المجتمع الأفغاني المعاصر.
نتائج الدراسة
-
تبيّن أن التعليم الديني في أفغانستان مرّ بمراحل تاريخية متتابعة؛ بدأت بالمساجد والكتاتيب والحلقات العلمية، ثم تطورت إلى مدارس أكثر تنظيمًا، واتسع دورها خلال مراحل التحول السياسي والحروب والهجرة، قبل أن تدخل في مرحلة جديدة من التنظيم والإصلاح بعد سنة 2001م.
-
أثبتت الدراسة أن المدارس الدينية كانت من أهم المؤسسات التي حفظت الهوية الدينية في المجتمع الأفغاني؛ من خلال تعليم القرآن الكريم، والسنة النبوية، والفقه، والعقيدة، واللغة العربية، والأخلاق الإسلامية، وإعداد الأئمة والخطباء والمدرسين وطلبة العلم.
-
أظهرت الدراسة أن دور المدرسة الدينية لا يقتصر على التعليم الشرعي، بل يشمل التربية على العبادة، والتقوى، والانضباط الأخلاقي، وحفظ الحقوق، وتحمل المسؤولية الفردية والاجتماعية.
-
تبيّن أن المدارس الدينية أسهمت في حفظ جانب من الهوية الثقافية؛ من خلال نقل الميراث العلمي الإسلامي، وتعليم العربية، وربط الطلاب بتاريخ العلماء والمؤسسات العلمية، واستعمال اللغات الوطنية والمحلية في الوعظ والإرشاد وشرح الأحكام الشرعية.
-
كشفت الدراسة أن المدارس الدينية أدّت وظيفة اجتماعية واسعة؛ إذ كانت مركزًا للوعي الديني والتوجيه الأخلاقي، وساهمت في النصح والإصلاح بين الناس، ووفرت فرص التعليم الديني لأبناء الأسر الفقيرة والمناطق البعيدة، وعززت قيم التعاون والأخوة والتكافل.
-
تبيّن أن المدارس الدينية في أفغانستان ليست مؤسسات متطابقة، بل تختلف من حيث المناهج، ودرجة التنظيم، والارتباط بالإدارة الرسمية، والبيئة المحلية، وشبكات التعليم خارج الحدود؛ ولذلك لا يصح إصدار أحكام عامة عليها دون مراعاة هذا التنوع.
-
أظهرت الدراسة أن الهجرة والاتصال بالمراكز العلمية خارج أفغانستان أسهما في استمرار التعليم الديني ونقل الكتب والخبرات والمناهج، غير أن هذه الروابط أوجدت أيضًا تحديات تتعلق بملاءمة بعض المناهج والاتجاهات للواقع الأفغاني وخصوصيته الثقافية والاجتماعية.
-
ثبت أن من أهم التحديات المعاصرة تفاوت المناهج وجودة التعليم، وضعف التأهيل التربوي لبعض المدرسين، وتعقيد العلاقة الإدارية والقانونية بين المدارس الرسمية والخاصة، والحاجة إلى حماية المدرسة من التوظيف السياسي أو التعميم الإعلامي الذي يربطها بالتطرف.
-
خلصت الدراسة إلى أن الحفاظ على أصالة العلوم الشرعية لا يتعارض مع إدخال قدر مناسب من اللغات الوطنية، والتاريخ، والمهارات المعاصرة، والوعي الاجتماعي؛ بل إن التوازن بين هذه الجوانب يعزز قدرة المدرسة على خدمة الدين والمجتمع معًا.
-
تبيّن أن تطوير المدارس الدينية لا يكون بإلغائها أو عزلها عن الواقع، بل بإصلاح المناهج، وتأهيل المدرسين، وتحسين الإدارة، وتعزيز التنسيق بين العلماء والدولة والأسر والمؤسسات المجتمعية.
التوصيات
-
إعداد إطار علمي مشترك للمناهج الأساسية في المدارس الدينية، يركز على القرآن الكريم، والعقيدة الصحيحة، والحديث، والفقه، والأخلاق، واللغة العربية، وآداب الاختلاف، مع مراعاة الخصوصيات المذهبية والبيئات التعليمية المختلفة.
-
إدماج قدر مناسب من اللغات الوطنية، وتاريخ أفغانستان، والتاريخ الإسلامي، والمهارات الأساسية، والوعي الرقمي، والمعارف الاجتماعية؛ بما يرفع كفاية الطالب من غير إخلال بأصالة التعليم الشرعي.
-
تنظيم برامج منتظمة لتأهيل المدرسين والمدرسات في طرائق التدريس، وإدارة الصف، والتقويم، والحوار، وتبسيط العلوم الشرعية، وربطها بقضايا المجتمع المعاصر.
-
إنشاء مجالس علمية وتربوية مشتركة بين المدارس الرسمية والخاصة، تضم العلماء والمتخصصين في التربية، لتقويم المناهج، وتبادل الخبرات، ووضع معايير واقعية للجودة والاعتراف بالمخرجات التعليمية.
-
تعزيز دور المدارس في ترسيخ الاعتدال، والدليل، والحكمة، واحترام الحقوق، وخطورة التعصب والغلو والتكفير بغير حق، وتعليم الطلاب كيفية التعامل العلمي مع الشبهات والأفكار المنحرفة.
-
وضع أطر إدارية وقانونية واضحة تحمي استقلال المدرسة العلمي، وتنظم شؤونها التعليمية والمالية، وتحفظ حقوق الطلاب والمعلمين، من غير إقصاء للمدارس الأهلية أو إضعاف لدورها الاجتماعي.
-
تشجيع المدارس على العناية بالميراث العلمي الأفغاني، وسير العلماء، واللغات الوطنية، والأعراف المشروعة، مع تقويم الممارسات المخالفة للشريعة بالحكمة والتدرج وحسن البيان.
-
توفير فرص تعليم ديني مناسب وذي جودة للطلاب والطالبات، مع مراعاة الضوابط الشرعية والخصوصية الاجتماعية، وتأهيل الكوادر التعليمية، وتوفير بيئات تربوية آمنة ومحترمة.
-
تشجيع الدراسات الميدانية الحديثة حول واقع المدارس الدينية في الولايات الأفغانية المختلفة؛ لقياس جودة المناهج، وكفايات المدرسين، واحتياجات الطلاب، وأثر المدارس في حفظ الهوية الدينية والثقافية.
المصادر والمراجع
أولًا: المصادر الأصلية
-
القرآن الكريم.
The Holy Qur’an.
-
البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي. (1422هـ). الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه. تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر. بيروت، لبنان: دار طوق النجاة، الطبعة الأولى.
Al-Bukhari, Muhammad ibn Isma‘il ibn Ibrahim al-Ju‘fi. (1422 AH). The Authentic, Abridged Collection of Reports on the Affairs, Traditions, and Life of the Messenger of Allah. Edited by Muhammad Zuhayr ibn Nasir al-Nasir. Beirut, Lebanon: Dar Tawq al-Najah, 1st ed.
-
الترمذي، محمد بن عيسى بن سَوْرة. (1996م). الجامع الكبير: سنن الترمذي. تحقيق وتعليق: بشار عواد معروف. بيروت، لبنان: دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى.
Al-Tirmidhi, Muhammad ibn ‘Isa ibn Sawrah. (1996). Al-Jami‘ al-Kabir: Sunan al-Tirmidhi. Edited and annotated by Bashshar ‘Awwad Ma‘ruf. Beirut, Lebanon: Dar al-Gharb al-Islami, 1st ed.
-
ابن حنبل، أحمد بن محمد الشيباني. (2001م). مسند الإمام أحمد بن حنبل. تحقيق: شعيب الأرناؤوط، عادل مرشد، وآخرون. بيروت، لبنان: مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى.
Ibn Hanbal, Ahmad ibn Muhammad al-Shaybani. (2001). The Musnad of Imam Ahmad ibn Hanbal. Edited by Shu‘ayb al-Arna’ut, ‘Adil Murshid, et al. Beirut, Lebanon: Mu’assasat al-Risalah, 1st ed.
-
ابن منظور، محمد بن مكرم الإفريقي المصري. (1414هـ). لسان العرب. بيروت، لبنان: دار صادر، الطبعة الثالثة.
Ibn Manzur, Muhammad ibn Mukarram al-Ifriqi al-Misri. (1414 AH). Lisan al-‘Arab [The Language of the Arabs]. Beirut, Lebanon: Dar Sader, 3rd ed.
-
مجلة الأحكام العدلية. (د.ت.). تحقيق: نجيب هواويني. كراتشي، باكستان: نور محمد، كارخانه تجارة الكتب.
Majallat al-Ahkam al-‘Adliyyah [The Ottoman Civil Code]. (n.d.). Edited by Najib Hawawini. Karachi, Pakistan: Nur Muhammad, Karkhana Tijarat al-Kutub.
-
مسلم، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري. (1374هـ/1955م). المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي. القاهرة، مصر: مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه.
Muslim, Muslim ibn al-Hajjaj al-Qushayri al-Naysaburi. (1374 AH/1955). The Authentic, Abridged Collection of Narrations Transmitted by Trustworthy Narrators from the Messenger of Allah. Edited by Muhammad Fu’ad ‘Abd al-Baqi. Cairo, Egypt: ‘Isa al-Babi al-Halabi Press and Partners.
ثانيًا: المراجع العربية والأجنبية
-
Abdulbaqi, Misbahullah .(2008). “Madrassah in Afghanistan: Evolution and Its Future.” Policy Perspectives, 5 (2), 130–159.
-
Adel, Samiullah; Anoraga, Bhirawa; Salim, Mahmud; Rahimi, Mahmood; Kayen, Hazrat Shah .(2026). “Reframing Madrasas in Afghanistan: A Historical Analysis of Islamic Education and Societal Change.” Jurnal Pendidikan Islam, 12 (1), 89–104.
-
Baiza, Yahia .(2014). “Madrasa Education Reform in Afghanistan, 2002–13: A Critique.” In: Charlene Tan (ed.). Reforms in Islamic Education: International Perspectives. London, United Kingdom: Bloomsbury Academic, pp. 77–96.
-
Borchgrevink, Kaja .(2010). Beyond Borders: Diversity and Transnational Links in Afghan Religious Education. Oslo, Norway: Peace Research Institute Oslo.
-
Borchgrevink, Kaja; Harpviken, Kristian Berg .(2010). Teaching Religion, Taming Rebellion? Religious Education Reform in Afghanistan. Oslo, Norway: Peace Research Institute Oslo.
-
Choudhury, Nafay .(2017). “The Localised Madrasas of Afghanistan: Their Political and Governance Entanglements.” Religion, State & Society, 45 (2), 120–140.
-
Karlsson, Pia; Mansory, Amir .(2008). Islamic and Modern Education in Afghanistan: Conflictual or Complementary? Stockholm, Sweden: Institute of International Education, Stockholm University.
-
Karlsson, Pia; Mansory, Amir .(2018). “Islamic Education in Afghanistan.” In: Holger Daun; Reza Arjmand (eds.). Handbook of Islamic Education. Cham, Switzerland: Springer, pp. 685–697.
-
Tariq, Mohammed Osman .(2011). Religious Institution Building in Afghanistan: An Exploration. Oslo, Norway: Peace Research Institute Oslo.