Article 37

التحول الرقمي في تدبير المنظومة التعليمية: نحو نموذج حكامة تربوية حديثة

يوسف ايت عيسى1، إسماعيل ساسيوي2، عبد النور صديق3

1 باحث في الجغرافيا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس الرباط، المغرب. بريد الكتروني: aitaissa.youssef3@gmail.com

2 باحث في ديداكتيك الجغرافيا، المدرسة العليا للأساتذة الرباط، المغرب. بريد الكتروني: ismailsassioui@gmail.com

3 أستاذ التعليم العالي بالمدرسة العليا للأساتذة، تخصص جغرافيا، المغرب. بريد الكتروني: sadikabdennour@gmail.com

Digital Transformation in the Management of the Educational System: Towards a Modern Educational Governance Model

Youssef Ait Aissa¹, Ismail Sassioui², Abdelnnor Saddik³

"1. Researcher in Geography, Faculty of Letters and Human Sciences, Mohammed V University, Rabat, Morocco.
Email: aitaissa.youssef3@gmail.com

2 . Researcher in Geography Didactics, Higher School of Education, Rabat, Morocco.
Email: ismailsassioui@gmail.com

3 . Professor of Higher Education at the Higher School of Education, specializing in Geography, Morocco.
Email: sadikabdennour@gmail.com"

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj77/37

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/77/37

المجلد (7) العدد (7). الصفحات: 672 - 681

تاريخ الاستقبال: 2026-06-15 | تاريخ القبول: 2026-06-20 | تاريخ النشر: 2026-07-01

Download PDF

Cite / الاستشهاد

المستخلص: تسعى هذه الدراسة إلى تحليل دور التحول الرقمي في تطوير تدبير المنظومة التعليمية المغربية وتعزيز الحكامة التربوية الحديثة، من خلال الوقوف عند إمكانات الرقمنة في تجويد الأداء الإداري والتربوي، وتحسين دقة المعطيات، وترشيد الزمن والموارد، وتقوية التواصل بين المؤسسة التعليمية ومحيطها. وقد انطلقت الدراسة من إشكالية مركزية مفادها مدى قدرة التحول الرقمي على أن يشكل رافعة فعلية لتطوير الحكامة التربوية وتجويد الأداء المؤسساتي، في ظل استمرار مجموعة من المعيقات البنيوية والبشرية والتقنية التي تحد من الاستثمار الأمثل للمنظومات الرقمية. واعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، مع الاستناد إلى معطيات ميدانية مرتبطة باستعمال منظومة “مسار” بوصفها نموذجا للتحول الرقمي في الإدارة التربوية المغربية. وقد أظهرت النتائج أن الرقمنة أسهمت في إحداث نقلة نوعية في الأداء الإداري، حيث ساعدت على تقليص الهدر الزمني وتحسين الخدمات المباشرة، كما عززت دقة المعطيات وموثوقيتها، خاصة في ما يتعلق بتدبير النتائج والمسار الدراسي للمتعلمين. غير أن الدراسة كشفت، في المقابل، عن محدودية توظيف البيانات الرقمية في التخطيط التربوي، واستمرار هيمنة المنطق الورقي على عدد من الممارسات الإدارية، إلى جانب ضعف البنية التحتية الرقمية، ومحدودية التكوين المستمر، واتساع الفجوة الرقمية بين المجالين الحضري والقروي، خصوصا في ولوج الأسر إلى الخدمات الرقمية. وتخلص الدراسة إلى أن التحول الرقمي لا ينبغي اختزاله في توفير الوسائل التقنية، بل يجب النظر إليه باعتباره مشروعا تنظيميا وثقافيا متكاملا يتطلب تأهيل الموارد البشرية، وتحديث البنية التحتية، وإقرار المرجعية الرقمية في التدبير، وتوجيه الرقمنة نحو دعم الحكامة البيداغوجية، بما يسهم في بناء إدارة تربوية ذكية وفعالة وشفافة قادرة على مواكبة متطلبات الإصلاح التربوي.

الكلمات المفتاحية: التحول الرقمي؛ الحكامة التربوية؛ المنظومة التعليمية؛ الإدارة الذكية؛ منظومة مسار؛ التخطيط التربوي.

Abstract: This study seeks to analyze the role of digital transformation in developing the management of the Moroccan educational system and enhancing modern educational governance by examining the potential of digitalization to improve administrative and educational performance, increase data accuracy, rationalize time and resources, and strengthen communication between the educational institution and its surrounding environment. The study is based on a central research problem concerning the extent to which digital transformation can serve as an effective lever for developing educational governance and improving institutional performance, in light of the persistence of several structural, human, and technical obstacles that limit the optimal use of digital systems. The study adopted the descriptive analytical approach, relying on field data related to the use of the “MASSAR” system as a model of digital transformation in Moroccan educational administration. The findings revealed that digitalization has contributed to a qualitative shift in administrative performance, helping to reduce time wastage and improve direct services. It has also enhanced the accuracy and reliability of data, particularly in managing students’ results and academic pathways. However, the study also revealed the limited use of digital data in educational planning, the continued dominance of paper-based practices in several administrative procedures, weak digital infrastructure, insufficient continuous training, and the widening digital divide between urban and rural areas, especially regarding families’ access to digital services. The study concludes that digital transformation should not be reduced to the mere provision of technical tools; rather, it should be viewed as an integrated organizational and cultural project that requires the development of human resources, the modernization of infrastructure, the adoption of digital reference frameworks in management, and the orientation of digitalization toward supporting pedagogical governance, thereby contributing to the establishment of a smart, effective, and transparent educational administration capable of keeping pace with the requirements of educational reform.

Keywords: Digital Transformation; Educational Governance; Educational System; Smart Administration; MASSAR System; Educational Planning.

مقدمة:

لم يعد التحول الرقمي مجرد خيار تقني تكميلي، بل أضحى ضرورة حتمية أعادت صياغة نماذج التدبير التربوي عالميا. فظهرت الإدارة الرقمية والإدارة الذكية، هذه الأخيرة ترتكز على تدفق المعلومات وفعالية الأداء. وفي إطار سعي المغرب للانخراط في مجتمع المعرفة، شكلت رقمنة الإدارة التربوية ورشا إصلاحيا أعطيت له الأولوية، حيث تتقاطع فيه غايات التحديث مع متطلبات الحكامة الجيدة.

ويجد هذا التوجه مشروعيته القانونية والسياسية في المرجعيات الإصلاحية الوطنية، وعلى رأسها الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، وكذا مقتضيات القانون الإطار 51.17، لاسيما في المادة 33 التي نصت صراحة على تنمية تكنولوجيا الإعلام والاتصال في مجال التعليم، معتبرة إياها رافعة أساسية للارتقاء بجودة التعلمات وتجويد الأداء التدبيري للمؤسسات التعليمية.

الإشكالية:

رغم الترسانة القانونية والمبادرات التقنية والرقمية (برامج جيني، منظومة مسار…)، إلا أن هناك مفارقة واضحة في مسار رقمنة الوسط التربوي، فبينما تشير النصوص التنظيمية إلى ضرورة التحديث، تظل الممارسة العملية مقيدة بتحديات الواقع البنيوي والتقني. فالإشكال لا ينحصر في توفير الوسائط التقنية والتكنولوجية فحسب، بل يمتد ليشمل مدى قدرة هذه الأدوات على إحداث نقلة نوعية في بنية التنظيم المؤسساتي وسلوكيات الفاعلين التربويين، لتنتقل من الاستهلاك التقني إلى الإبداع البيداغوجي.

بناء على ذلك، تتوخى هذه الدراسة الجواب على السؤال الإشكالي التالي:

إلى أي حد يمكن للتحول الرقمي أن يشكل رافعة فعلية لتطوير الحكامة التربوية وتجويد الأداء المؤسساتي في المنظومة التعليمية المغربية؟

ويتفرع هذا التساؤل إلى الأسئلة الفرعية الآتية:

  • ما هي طبيعة العلاقة بين استخدام التكنولوجيا الرقمية ونجاعة التدبير الإداري والتربوي؟
  • ما هي المعيقات (البنيوية، البشرية، أو التقنية) التي تحول دون الاستثمار الأمثل للرقمنة في المؤسسات التعليمية؟

الفرضيات:

  • هناك علاقة إيجابية بين مستوى التمكن من الوسائط الرقمية وبين كفاية التدبير الإداري والتربوي، حيث يساهم التحول الرقمي في تقليص الهدر الزمني وتدقيق البيانات المتعلقة بمسار التعلم.
  • تعزى محدودية استثمار الرقمنة في المؤسسات التعليمية إلى عوامل مركبة، يتصدرها نقص التكوين المستمر للفاعلين التربويين (المعيق البشري) وضعف البنية التحتية (المعيق التقني)، أكثر من كونها رفضا مبدئيا للتغيير.

المنهجية المعتمدة

لتحقيق أهداف الدراسة والتحقق من صحة الفرضيات، اعتمدنا المنهج الوصفي التحليلي، الذي يسمح برصد واقع الرقمنة في المنظومة التعليمية وتفكيك بنيتها.

1- مدخل إلى الحكامة التربوية الحديثة

1-1 من الحكامة إلى الحكامة التربوية

يعتبر مفهوم الحكامة من المفاهيم المتداولة بكثرة في الفكر المعاصر، حيث انتقل هذا المفهوم من الحقل الاقتصادي إلى الحقل السياسي والإداري، ليصبح مؤشرا على جودة التدبير والتدخل العمومي.

كلمة حكامة في اللغة العربية مشتقة من الجذر (ح ك م)، بمعنى العلم والفقه والقضاء بالعدل كما تفيد المنع والإصلاح وإحكام الشيء (ابن منظور، ص ص 951 – 953). واصطلاحا، الحكامة نمط جديد في تدبير الشؤون العامة والخاصة يتجاوز الهياكل التقليدية.

عرفها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على أنها ممارسة السلطة الاقتصادية والسياسية والإدارية لإدارة شؤون الدولة على جميع المستويات، وهي تشمل الآليات والعمليات والمؤسسات التي من خلالها يعبر المواطنون عن مصالحهم ويمارسون حقوقهم (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، 1997).

أما البنك الدولي، فقد اعتبر الحكامة الجيدة شرطا للتنمية، وحصرها في طريقة إدارة الموارد الاقتصادية والاجتماعية للبلاد (البنك الدولي، 1992).

من خلال ما سبق، نستخلص أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تعريفه للحكامة ركز على المشاركة وحقوق المواطنين. في ما ذهب البنك الدولي إلى اعتبارها تحيل على كفاءة إدارة الموارد وتحقيق النمو الاقتصادي. ولا بد من الإشارة إلى أن البنك الدولي هو من أدخل مصطلح الحكامة الجيدة لأول مرة بشكل رسمي في تقريره عن افريقيا جنوب الصحراء سنة 1989 قبل أن يبلور التعريف بشكل أوضح في سنة 1992.

على المستوى الوطني، خصص دستور 2011 الباب الثاني عشر تحت عنوان صريح: الحكامة الجيدة (المواد من 154 إلى 171). هذا الانتقال من مجرد مفهوم إداري إلى عنوان باب دستوري يعكس رغبة الدولة في جعل الحكامة معيارا أساسيا لشرعية ممارسة السلطة. وبهذا التنصيص الصريح أصبحت الحكامة إطارا قانونيا يهدف إلى تخليق الحياة العامة وضمان فعالية المؤسسات.

هكذا، يمكن اعتبار الحكامة التربوية امتدادا طبيعيا للحكامة بشكل عام والحكامة الجيدة بشكل خاص. في هذا الإطار، يمكن تعريف الحكامة التربوية على أنها منظومة متكاملة من القواعد، والمعايير، والإجراءات التي تهدف إلى قيادة المنظومة التربوية وتدبير مواردها (البشرية، المالية، والتربوية) بفعالية. وهي تقوم على إشراك كافة المتدخلين (الإدارة، المدرسون، الآباء، الشركاء الاجتماعيون) في اتخاذ القرار التربوي وتحمل المسؤولية.

وتتأسس الحكامة التربوية الوطنية على مجموعة من المرجعيات، من أبرزها:

  • الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الذي أرسى القواعد الأولى للحكامة من خلال “اللامركزية واللاتمركز” وتدبير الشأن التربوي محليا؛
  • الرؤية الاستراتيجية 2015-2030: فقد أفردت الرافعة الخامسة عشرة لموضوع “استهداف حكامة ناجعة لمنظومة التربية والتكوين”، من خلال إرساء نظام للحكامة الترابية للمنظومة التربوية، ومقومات الشراكة بين مختلف الفاعلين والمتدخلين، إلى جانب إرساء نظام معلوماتي مؤسساتي لقيادة المنظومة التربوية وتقييمها وضمان جودتها؛
  • القانون الإطار 51.17 الذي جعل من الحكامة آلية لضمان الإنصاف وتكافؤ الفرص والجودة.

فالحكامة التربوية تنتقل بالمنظومة التعليمية من منطق الوصاية إلى منطق الشراكة والتعاقد. وهي لا تقتصر فقط على الجوانب الإدارية والمالية، بل تمتد لتشمل الحكامة البيداغوجية التي تروم تجويد الفعل التعليمي داخل الفصول الدراسية من خلال تبني طرق تدريسية حديثة. مما يجعل من التحول الرقمي ضرورة حتمية لتحقيق الحكامة التربوية.

1-2 التحول الرقمي والحكامة التربوية

1-2-1 التحول الرقمي

يشير التحول الرقمي إلى عملية دمج التقنيات الرقمية في جميع مجالات العمل، مما يؤدي إلى تغييرات كبيرة في كيفية عمل المؤسسات. هو ليس مجرد استخدام الحاسوب أو البرامج، بل هو تغيير ثقافي وتنظيمي.

في هذا الإطار ذهب جيرالد فيال، إذ يعرف التحول الرقمي على أنه: “عملية تهدف إلى إحداث تغييرات جذرية في خصائص الكيان من خلال مجموعة من تقنيات المعلومات، والحوسبة، والاتصال، والرقمنة، وذلك بهدف تجويد أو تغيير طرق تقديم القيمة (Vial, G. 2019, p 118) “.

كذلك عرف ليبرت وزملائه التحول الرقمي بأنه “عبارة عن حركية تنظيمية تهدف إلى دمج التقنيات الرقمية المتقدمة في كافة مفاصل المؤسسة، مما يؤدي إلى تغييرات كبيرة في استراتيجياتها، وهياكلها التنظيمية، وثقافتها، بهدف التكيف مع المتغيرات الرقمية المتسارعة وتحسين الأداء العام(Libert, B., Beck, M., & Wind, Y, 2016, p 42)”.

عموما، يمكن القول إن التحول الرقمي هو تغير يمس الهياكل الوظيفية والتقنية، حيث يتم الانتقال من النظم التقليدية إلى بيئة رقمية متكاملة تهدف إلى رفع كفاءة تدبير الموارد وتجويد المخرجات.

1-2-2 التحول الرقمي والحكامة التربوية

التحول الرقمي والحكامة التربوية يمثلان وجهين لعملة واحدة في مسار تحديث المنظومات التعليمية، حيث لم تعد الرقمنة مجرد وسيلة تعليمية بل أصبحت بيئة عمل متكاملة تحسن جودة القرار التربوي والكفاءة الإدارية.

في هذا الجانب، يسعى التحول الرقمي إلى دمج التكنولوجيا في كافة مفاصل المنظومة التربوية، فمن الناحية البيداغوجية، يساهم في الانتقال بالعملية التعليمية من أسلوب الإلقاء التقليدي إلى آفاق التعلم التفاعلي والذاتي الذي يضع المتعلم في قلب العملية التعليمية التعلمية. أما على المستوى الإداري، فتتجلى أهميته في رقمنة العمليات الأساسية كالتسجيل والتنقيط وتدبير الغياب، مما يضمن دقة البيانات وسرعة الإنجاز، وصولا إلى الجانب التواصلي الذي يوفر قنوات تفاعل مباشرة ولحظية تربط بين الإدارة والمدرسين والتلاميذ وأولياء أمورهم، مما يزيد من تماسك المجتمع المدرسي.

1-2-2 كيف يخدم التحول الرقمي الحكامة التربوية؟

يشكل التحول الرقمي أداة فعالة لتنزيل مبادئ الحكامة التربوية وتجسيدها على أرض الواقع، فهو يضمن دقة البيانات ومصداقيتها بفضل الأنظمة الرقمية التي توفر قواعد بيانات ضخمة تتيح للمدبرين بناء استراتيجياتهم على معطيات واقعية بعيدا عن التقديرات العشوائية. كما يساهم بشكل فعال في ترشيد الموارد والوقت عبر تقليص البيروقراطية الورقية، مما يحرر الأطقم الإدارية والتربوية للتركيز على تجويد التعلمات بدلا من الانشغال بالمهام الروتينية. إلى جانب ذلك، يعزز التحول الرقمي مبدأ تكافؤ الفرص من خلال إتاحة وصول متساو للموارد والمنصات التعليمية لجميع التلاميذ مهما اختلف موقعهم الجغرافي، وصولا إلى تمكين التتبع والتقويم المستمر الذي يسهل رصد مسارات المتعلمين، وتحليل نتائجهم بصفة دورية، مما يسمح بتدخلات استباقية لمعالجة التعثر الدراسي في إبانه.

2- عرض ومناقشة نتائج الدراسة: واقع التحول الرقمي (مسار نموذجا)

يشكل نظام المعلومات (مسار MASSAR) العمود الفقري لهذا التحول في السياق المغربي، حيث انتقل التدبير من السجلات الورقية إلى قاعدة بيانات مركزية. وقد ساهم ذلك في دمقرطة الوصول إلى المعلومة التربوية، حيث أصبح بإمكان الإدارة تتبع الغياب، النقط، والمسار الدراسي للتلاميذ بضغطة زر. كما وفرت المنظومات الرقمية آليات للتحقق الآلي من المعطيات، مما حد من الأخطاء البشرية في النتائج الإشهادية والحركات الانتقالية للمدرسين، وهذا يصب مباشرة في فرضية ارتباط التكنولوجيا بدقة التدبير.

وبغية الوقوف على واقع التحول الرقمي في منظومتنا التربوية من خلال نموذج مسار، قمنا بإعداد استمارة إلكترونية تهم أبعاد الحكامة التالية: الفاعلية، التخطيط التربوي، التواصل والمعيقات.

2-1 فاعلية المنظومة الإدارية والتقنية:

يقيس هذا المحور مدى قدرة نظام مسار على تعويض العمليات التقليدية وضمان الاستقرار والمردودية.

البحث الميداني أبريل 2026

تظهر معطيات المبيانات (1، 2 و3) تباينا واضحا في مسار التحول الرقمي بالمؤسسات التعليمية، فبينما نجحت منظومة مسار في إحداث نقلة نوعية في الأداء الإداري بلغت 78% من حيث تقليص الهدر الزمني وتجويد الخدمات المباشرة كإصدار النتائج، إلا أن هذا الإنجاز يصطدم بضعف الإمكانات التقنية بحيث لا تتجاوز جودة وسائلها 35%. هذا الضعف انعكس سلبا على استقرار النظام الذي سجل نسبة متدنية (حوالي 42 %)، مما يفسر حالة التذمر لدى الفاعلين خاصة الأساتذة والمشرفين على عملية مسك فروض المراقبة المستمرة، نتيجة التعثرات التقنية في فترات الذروة، وهو ما يؤكد أن الاستمرار في حصد الثمار الإدارية للرقمنة يظل رهينا بتجويد التجهيزات المعلوماتية ورفع درجة الموثوقية التكنولوجية لتفادي أي ارتداد عن المكتسبات المحققة.

2-2 التخطيط التربوي

في هذا المحور سنقيس مدى تحول المعلومة إلى قرار تربوي.

مبيان 4: دقة المعطيات وموثوقيتها

البحث الميداني أبريل 2026

أكد 82 % من المستجوبين أن نظام مسار حد بشكل كبير من الأخطاء المادية في المعدلات والنتائج، مما رفع من منسوب النزاهة الرقمية.

مبيان 5: استخدام المعطيات في التخطيط التربوي

البحث الميداني أبريل 2026

نلاحظ من خلال معطيات المبيان (5) أن غالبية المستجوبين (85 %) يحصرون تعاملهم مع النظام المعلوماتي مسار في دائرة الأرشفة والتوثيق، وهي وظيفة إجرائية لا تستغل القوة التحليلية للبيانات. في حين أن فئة قليلة (15 % فقط من المستجوبين) هي التي انتقلت من مجرد تخزين المعلومة إلى استنطاقها واستخدامها في التخطيط.

هذه الأرقام تعكس أن الرقمنة في الوسط الإداري لا تزال تعاني من المقاومة السلبية أو ضعف التكوين. حيث يتم تبني الأداة (مسار) مع الاحتفاظ بالمنطق القديم في التدبير (الورقة والملف). وهذا ما يكشف عن مفارقة عجيبة: نحن نمتلك بيانات دقيقة جدا، لكننا لا نستخدمها في التخطيط.

2-3 التواصل / العلاقة مع المحيط

سنركز في هذا المحور على مدى إشراك الأسرة في تتبع المسار الدراسي لأبنائها.

مبيان 6: نسبة ولوج الأسر لمنظومة (Moutamadris):

البحث الميداني أبريل 2026

يتضح من خلال معطيات المبيان (6) أن هناك فارقا كبيرا بين الوسطين الحضري والقروي في إمكانية ولوج الأسر لمنظومة (Moutamadris)، حيث تصل هذه النسبة إلى 60 % في الوسط الحضري، بينما لا تتجاوز 22 % في الوسط القروي، مما يشير إلى عدم تكافؤ الفرص في هذا الجانب.

2-4 الأستاذ ومسار: فرصة أو عبء

مبيان 7: وجهة نظر الأستاذ في ما يتعلق بمنظومة مسار

البحث الميداني أبريل 2026

يرى 55 % من الأساتذة أن الرقمنة زادت من عبئهم المهني (الازدواجية بين مسك النقط وتعبئة الأوراق). والعامل الرئيسي وراء هذا الشعور هو عدم التخلي النهائي عن النظام الورقي. الأستاذ يجد نفسه ملزما بـالتوثيق الورقي، من تعبئة المذكرات اليومية ودفاتر النصوص يدويا لأغراض تفتيشية أو إدارية، وإعادة إدخال نفس المعطيات في منظومة مسار. هذا التكرار يؤدي إلى اقتطاع وقت كبير من زمن التخطيط أو الوقت الخاص للأستاذ. في جانب آخر، يعكس استمرار المطالبة بالورق، عدم ثقة الإدارة في النظام الرقمي كمرجع وحيد، أو عدم ملاءمة القوانين المنظمة للواقع الرقمي الجديد.

2-5 المعيقات

عند سؤال العينة عن السبب الرئيسي لتعثر الحكامة الرقمية، كانت الإجابات كالتالي:

مبيان 8: معيقات استثمار منظومة مسار

البحث الميداني أبريل 2026

يمكن أن نستخلص من معطيات المبيان (8) أن الحكامة الرقمية ليست مجرد شراء حواسيب أو برمجة تطبيقات، بل هي مشروع متكامل يبدأ بالاستثمار في العنصر البشري أولا (التكوين)، ثم توفير البيئة المساعدة (الإنترنت)، وصولا إلى تغيير القناعات والتمثلات (محاربة مقاومة التغيير). وفشل أي ضلع من هذه الأضلاع يؤدي إلى تعثر الحكامة، حيث يبقى العنصر البشري (45%) هو المفتاح الأساسي للنجاح أو الفشل في هذا الانتقال.

خاتمة:

إن التحول الرقمي في تدبير المنظومات التعليمية بالمغرب ليس مجرد استيراد للأدوات التقنية، بل هو إصلاح بنيوي يتطلب ثورة في العقليات الإدارية. إن الانتقال إلى الحكامة الرقمية هو الضامن الوحيد لتحويل المؤسسة التعليمية إلى منظمة متعلمة، ذكية، وشفافة، قادرة على الاستجابة لمتطلبات القرن الحادي والعشرين. وبغية تحقيق ذلك تقترح الدراسة التوجهات والتوصيات التالية:

  • مأسسة التكوين المستمر: الانتقال من التكوينات التقنية السطحية إلى تكوينات معمقة تشمل الاستخدام التحليلي للبيانات وليس فقط مهارات الإدخال (التوثيق).
  • تغيير التمثلات والثقافة التنظيمية: تنظيم ورشات عمل تهدف إلى الحد من المقاومة السلبية للتغيير الرقمي عبر إبراز القيمة المضافة للرقمنة في تجويد الأداء المهني.
  • تجديد العتاد المعلوماتي: ضرورة تحديث الحواسيب وتوفير صبيب إنترنت عال ومستقر بالمؤسسات التعليمية لضمان استقرار النظام وتفادي التذمر الناتج عن التعثرات التقنية.
  • إقرار المرجع الوحيد الرقمي: التخلي التدريجي والنهائي عن السجلات الورقية (دفاتر النصوص، مذكرات يومية…) وتعويضها بالصيغ الرقمية المعترف بها قانونيا في عمليات التفتيش والإدارة.
  • تشجيع الحكامة البيداغوجية الرقمية: توظيف الرقمنة في تطوير طرق التدريس التفاعلية وعدم حصرها في الجوانب الإدارية فقط.
  • تبسيط ولوج الأسر: تطوير تطبيقات هاتفية سهلة الاستخدام لمنظومة متمدرس لرفع نسبة تواصل الآباء مع الإدارة وتتبع مسار أبنائهم بصفة لحظية.

لائحة المراجع والمصادر:

ابن منظور، محمد بن مكرم بن علي، أبو الفضل جمال الدين. (1980). لسان العرب، تحقيق: عبد الله علي الكبير، محمد أحمد حسب الله، وهاشم محمد الشاذلي. القاهرة: دار المعارف.

Ibn Manzur, Muhammad ibn Makram ibn Ali, Abu al-Fadl Jamal al-Din. (1980). Lisan al-Arab, edited by Abdullah Ali Al-Kabeer, Muhammad Ahmad Hasab Allah, and Hashim Muhammad Al-Shadhili. Cairo: Dar Al-Maaref.

أوزي، أحمد. (2020). التعليم عن بعد والتحول الرقمي في التربية. الدار البيضاء: منشورات مجلة علوم التربية، مطبعة النجاح الجديدة.

Ouzi, Ahmed. (2020). Distance Education and Digital Transformation in Education. Casablanca: Publications of the Journal of Educational Sciences, Al-Najah Al-Jadida Press.

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. (1997). الحكامة من أجل التنمية البشرية المستدامة: وثيقة سياسات لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. نيويورك: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

United Nations Development Programme. (1997). Governance for Sustainable Human Development: A UNDP Policy Document. New York: United Nations Development Programme.

البنك الدولي. (1992). الحوكمة والتنمية. واشنطن، العاصمة: البنك الدولي.

World Bank. (1992). Governance and Development. Washington, DC: World Bank.

المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. (2015). الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030: من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء. الرباط: المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.

Higher Council for Education, Training and Scientific Research. (2015). Strategic Vision for Reform 2015–2030: For a School of Equity, Quality and Promotion. Rabat: Higher Council for Education, Training and Scientific Research.

المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. (2019). حكامة منظومة التربية والتكوين بالمغرب. الرباط: المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.

Higher Council for Education, Training and Scientific Research. (2019). Governance of the Education and Training System in Morocco. Rabat: Higher Council for Education, Training and Scientific Research.

المملكة المغربية. (2019). ظهير شريف رقم 1.19.113 صادر في 7 ذي الحجة 1440 الموافق 9 أغسطس 2019 بتنفيذ القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي. الجريدة الرسمية، العدد 6805، 17 ذو الحجة 1440 / 19 أغسطس 2019.

Kingdom of Morocco. (2019). Dahir No. 1.19.113 Issued on 7 Dhu al-Hijjah 1440, Corresponding to August 9, 2019, Promulgating Framework Law No. 51.17 Relating to the System of Education, Training and Scientific Research. Official Gazette, No. 6805, August 19, 2019.

Libert, B., Beck, M., & Wind, Y, 2016, The Network Imperative: How to Survive and Grow in the Age of Digital Business Models, Harvard Business Review Press.

UNESCO (2023). Global Education Monitoring Report: Technology in education: A tool on whose terms?. Paris, UNESCO Publishing.

Vial, G. (2019). Understanding digital transformation: A review and a research agenda. The Journal of Strategic Information Systems, Volume 28, Issue 2