تحليل أثر النمو في النفقات والإيرادات العامة على التوازن المالي في الموازنة الاتحادية العراقية 2017–2022 (دراسة تحليلية)
Analysis of the Impact of Growth in Public Expenditures and Revenues on the Financial Balance in the Iraqi Federal Budget (2017–2022): An Analytical Study
قاسم محمد عبدالله1، أ. د. مصطفى نجم البشاري1، د. زهيــــر احمـــد علــــي1
1 كلية الدراسات العليا، جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، السودان
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj611/42
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/611/42
المجلد (6) العدد (11). الصفحات: 672 - 686
تاريخ الاستقبال: 2025-10-07 | تاريخ القبول: 2025-10-15 | تاريخ النشر: 2025-11-01
المستخلص: تهدف هذه الدراسة إلى تحليل أثر النمو في النفقات والإيرادات العامة على التوازن المالي في الموازنة الاتحادية العراقية خلال الفترة (2017–2022)، مع التركيز على كيفية انعكاس هذه المتغيرات على تحقيق التنمية الاقتصادية في البلاد. وقد تم اعتماد المنهج الوصفي التحليلي لتحليل البيانات التاريخية الخاصة بالنفقات العامة، والإيرادات الحكومية، والناتج المحلي الإجمالي، وذلك من مصادر رسمية كوزارة المالية ووزارة التخطيط. اعتمدت الدراسة على أدوات إحصائية باستخدام برنامج E Views لتحليل الخصائص الإحصائية للمتغيرات، وقياس العلاقات بينها من خلال اختبارات الارتباط والتداخل الذاتي (Cross Correlation). كما تم تطبيق نموذج العتبة (Threshold Regression Model) للكشف عن نقاط التحول التي تؤثر في طبيعة العلاقة بين المتغيرات المدروسة. أظهرت نتائج التحليل وجود تقلبات كبيرة في معدلات نمو النفقات والإيرادات والناتج المحلي الإجمالي، مما يعكس هشاشة الوضع الاقتصادي والتأثر الكبير بعائدات النفط غير المستقرة. وأكدت الدراسة وجود علاقة سببية أحادية الاتجاه من النفقات العامة إلى الناتج المحلي، ما يدعم النظرية الكينزية في دور الإنفاق الحكومي في تحفيز النمو الاقتصادي. كما كشفت النتائج عن علاقة سببية من الإيرادات العامة إلى الناتج المحلي، وإن كان أثرها مقيدًا بسبب الاعتماد المفرط على الإيرادات النفطية. وأخيرًا، أظهرت الدراسة وجود علاقات غير خطية بين النفقات والإيرادات من جهة، والنمو الاقتصادي من جهة أخرى، حيث يتغير أثر هذه المتغيرات عند مستويات معينة من النمو، وهو ما تم تفسيره من خلال نموذج العتبة.
الكلمات المفتاحية: الإيرادات العامة، النفقات العامة، التوازن المالي، الموازنة الاتحادية، الناتج المحلي الإجمالي، العراق.
Abstract: This study aims to analyze the impact of growth in public expenditures and revenues on the financial balance in the Iraqi federal budget during the period (2017–2022), focusing on how these variables reflect on achieving economic development in the country. The study adopted the descriptive-analytical approach to analyze historical data related to public expenditures, government revenues, and gross domestic product (GDP), using official sources such as the Ministry of Finance and the Ministry of Planning. Statistical tools were employed through the EViews software to analyze the statistical characteristics of the variables and to measure the relationships among them using correlation and cross-correlation tests. Furthermore, the Threshold Regression Model was applied to identify the turning points that affect the nature of the relationship between the studied variables. The analysis results revealed significant fluctuations in the growth rates of expenditures, revenues, and GDP, reflecting the fragility of the economic situation and the heavy dependence on unstable oil revenues. The study confirmed the existence of a unidirectional causal relationship from public expenditures to GDP, supporting the Keynesian theory regarding the role of government spending in stimulating economic growth. It also revealed a causal relationship from public revenues to GDP, although its effect remains limited due to the excessive reliance on oil revenues. Finally, the study demonstrated the existence of nonlinear relationships between expenditures and revenues on one hand and economic growth on the other, where the impact of these variables changes at certain growth levels—an outcome explained through the Threshold Model.
Keywords: Public revenues, public expenditures, financial balance, federal budget, gross domestic product (GDP), Iraq.
المقدمة:
شهدت الموازنة العامة العراقية خلال الفترة من 2017 إلى 2022 تحولات جوهرية نتيجة للتغيرات الاقتصادية والسياسية المتسارعة، وأبرزها تقلبات أسعار النفط، الاحتجاجات الداخلية، وجائحة كورونا. وقد انعكست هذه المتغيرات بشكل مباشر على هيكل النفقات والإيرادات العامة، مما أثر على التوازن المالي للموازنة الاتحادية. يمثل التوازن المالي هدفاً محورياً في السياسة المالية، ويُقصد به قدرة الدولة على تحقيق توازن بين الإنفاق العام والإيرادات العامة دون اللجوء إلى تمويل العجز من مصادر غير مستدامة. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل أثر النمو في النفقات والإيرادات العامة على مستوى التوازن المالي في الموازنة العراقية خلال هذه الفترة، مع الأخذ بعين الاعتبار السياق الاقتصادي العام، والتحديات المرتبطة بضعف التنويع الاقتصادي، والاعتماد المفرط على الإيرادات النفطية.
مشكلة البحث (Research Problem)
تعاني الموازنة الاتحادية العراقية من اختلالات مزمنة في التوازن المالي، تتجلى في نمو النفقات بمعدلات تفوق أحيانًا نمو الإيرادات، مما يؤدي إلى عجز مالي متكرر. ويعود هذا العجز إلى عدة عوامل من أبرزها:
- الاعتماد على الإيرادات النفطية التي تتسم بالتذبذب.
- ضعف تنمية الإيرادات غير النفطية.
- التركيز على الإنفاق الجاري مقابل ضعف الإنفاق الاستثماري.
- غياب إصلاحات هيكلية فعالة في السياسة المالية.
تُثار هنا عدة تساؤلات:
أسئلة البحث (Research Questions)
- ما أثر نمو النفقات العامة على التوازن المالي في الموازنة الاتحادية العراقية خلال الفترة 2017–2022؟
- ما أثر نمو الإيرادات العامة على التوازن المالي في ذات الفترة؟
- هل توجد عتبات معينة في معدلات النمو تؤثر على طبيعة العلاقة بين النفقات والإيرادات والتوازن المالي؟
- ما هي العوامل التي تحدد فعالية السياسات المالية في تحقيق توازن مستدام في الموازنة العراقية؟
- ما التوصيات التي يمكن تقديمها لتعزيز التوازن المالي وتقليل العجز في الموازنة؟
أهداف البحث (Research Objectives)
- تحليل العلاقة بين معدلات النمو في النفقات العامة والتوازن المالي.
- دراسة تأثير نمو الإيرادات العامة، وخاصة الإيرادات غير النفطية، على تحسين التوازن المالي.
- الكشف عن وجود عتبات حرجة (Thresholds) في النمو تؤثر على هذه العلاقة باستخدام نموذج العتبة.
- تقييم السياسات المالية خلال الفترة وتحليل كفاءتها في ضبط العجز المالي.
- تقديم توصيات عملية لصانعي القرار المالي لتعزيز كفاءة الإنفاق وتنويع مصادر الإيرادات.
أهمية البحث
الأهمية العلمية:
- يُساهم البحث في فهم العلاقة الديناميكية بين النمو في الإيرادات والنفقات والتوازن المالي.
- يسد فجوة بحثية تتعلق بتحليل مالي تطبيقي في السياق العراقي.
- يُوفر إطارًا نظريًا يمكن البناء عليه في دراسات مماثلة تخص بلدان نفطية.
الأهمية العملية:
- يُساعد صُنّاع القرار في إعادة هيكلة السياسة المالية لتحقيق توازن مالي أكثر استدامة.
- يُسلط الضوء على أهمية تنويع الإيرادات وتقليل الاعتماد على النفط.
- يُمكن أن يُستخدم في تحسين التخطيط المالي طويل الأمد ومواجهة الصدمات الاقتصادية.
متغيرات البحث (Research Variables)
- المتغيرات المستقلة:
- معدل نمو النفقات العامة .
- معدل نمو الإيرادات العامة .
- المتغير التابع:
- مستوى التوازن المالي: يُقاس من خلال نسبة العجز أو الفائض في الموازنة العامة إلى الناتج المحلي الإجمالي أو الفرق بين الإيرادات والنفقات.
فرضيات البحث (Research Hypotheses)
الفرضية الرئيسية:
- لا يوجد أثر ذو دلالة إحصائية لنمو النفقات والإيرادات العامة على التوازن المالي في الموازنة الاتحادية العراقية.
- يوجد أثر ذو دلالة إحصائية لنمو النفقات والإيرادات العامة على التوازن المالي في الموازنة الاتحادية العراقية.
الفرضيات الفرعية:
- لا يوجد أثر للنفقات على التوازن المالي.
- يوجد أثر للنفقات على التوازن المالي.
- لا يوجد أثر للإيرادات على التوازن المالي.
- يوجد أثر للإيرادات على التوازن المالي.
حدود البحث (Research Limits)
- الموضوعية: النمو في النفقات والإيرادات وتأثيره على التوازن المالي.
- المكانية: الموازنة الاتحادية العراقية.
- الزمانية: 2017 – 2022.
- المنهجية: استخدام منهج تحليلي قياسي معتمد على بيانات واقعية.
مجتمع وعينة البحث (Research Community and Sample)
- مجتمع البحث: البيانات السنوية الرسمية من وزارة المالية ووزارة التخطيط عن الإيرادات والنفقات وعجز الموازنة.
- عينة البحث: بيانات سنوية للفترة 2017–2022 تُجمع بطريقة منظمة وشاملة تشمل إجمالي النفقات والإيرادات والعجز أو الفائض المالي.
منهج البحث (Research Methodology)
يعتمد البحث على:
- المنهج الوصفي التحليلي لفهم الظاهرة.
- التحليل الكمي (القياسي) باستخدام أدوات إحصائية مثل:
- التحليل الوصفي.
- اختبار استقرارية السلاسل الزمنية (ADF).
- تحليل الانحدار الخطي والمتعدد.
- نموذج العتبة Threshold Regression لاكتشاف نقاط التحول في العلاقة بين النمو والتوازن المالي.
- يُستخدم برنامج EViews أو STATA لتحليل البيانات.
مصطلحات الدراسة:
تُستخدم في هذه الدراسة مجموعة من المصطلحات المُتعلقة بالموازنة الفيدرالية العراقية والنمو الاقتصادي:
- الموازنة العامة (General Budget): الموازنة العامة في العراق تمثل خطة مالية شاملة تعكس السياسة الاقتصادية للحكومة وتحدد كيفية توزيع الموارد المالية بين مختلف القطاعات. تشمل الموازنة الإيرادات والنفقات، حيث تعتمد الإيرادات بشكل رئيسي على النفط كمصدر رئيسي، بينما تتوزع النفقات على القطاعات الأساسية مثل التعليم والصحة والبنية التحتية. تهدف الموازنة إلى تحقيق التنمية المستدامة وتحسين مستوى المعيشة للمواطنين، بالإضافة إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي. كما تعكس الموازنة التحديات الاقتصادية التي يواجهها العراق، مثل التغيرات في أسعار النفط والضغوط الاقتصادية الناتجة عن الأزمات السياسية والاجتماعية. (OECD, 2022).
- الإيرادات (Revenue): الإيرادات تُعتبر أحد المفاهيم الأساسية في علم الاقتصاد وإدارة الأعمال، حيث تشير إلى المبالغ المالية التي تحصل عليها المؤسسة أو الشركة نتيجة لممارسة أنشطتها التجارية، مثل بيع السلع أو تقديم الخدمات. يُمكن تصنيف الإيرادات إلى عدة أنواع، بما في ذلك الإيرادات التشغيلية، التي تنشأ عن الأنشطة الأساسية للمؤسسة، والإيرادات غير التشغيلية، التي تأتي من مصادر أخرى مثل الفوائد أو الاستثمارات. تُعتبر الإيرادات مؤشراً مهماً على أداء الشركة المالي، حيث تعكس قدرتها على تحقيق الأرباح والنمو. كما تلعب الإيرادات دوراً حاسماً في اتخاذ القرارات الاستراتيجية، مثل تحديد الأسعار، وتوسيع نطاق الأعمال، والاستثمار في الابتكار. من الناحية الأكاديمية، يتم تحليل الإيرادات من خلال مجموعة من الأدوات والنماذج المالية التي تساعد على فهم ديناميكيات السوق والتوجهات الاقتصادية، مما يسهم في تعزيز كفاءة الأداء المؤسسي واستدامته. (World Bank, 2023).
- النفقات (Expenditure): تُعرّف بأنها كافة التكاليف المالية التي تتحملها الأفراد أو الكيانات في سبيل تحقيق أهداف معينة أو تلبية احتياجات محددة. تشمل النفقات مجموعة متنوعة من المصروفات، مثل النفقات التشغيلية التي تتعلق بالأنشطة اليومية، والنفقات الاستثمارية التي تهدف إلى تطوير الأصول أو توسيع الأعمال. كما يمكن تصنيف النفقات إلى نفقات ثابتة، مثل الإيجارات والرواتب، ونفقات متغيرة تتغير بتغير مستوى الإنتاج أو النشاط، مثل المواد الخام والكهرباء. من الناحية الاقتصادية، تلعب النفقات دورًا حيويًا في تحديد مستوى النشاط الاقتصادي والنمو، حيث تؤثر على الطلب الكلي وتساهم في تحفيز الاستثمارات. إضافةً إلى ذلك، تُعتبر إدارة النفقات جزءًا أساسيًا من التخطيط المالي، حيث يتطلب الأمر تحليلًا دقيقًا لضمان تحقيق التوازن بين الإيرادات والنفقات، وبالتالي الحفاظ على الاستدامة المالية. (International Monetary Fund, 2023).
- النمو الاقتصادي (Economic Growth): هو الزيادة في إجمالي القيمة الأساسية للخدمات والسلع المُنتجة في اقتصاد ما خلال فترة زمنية معينة. ويُقاس النمو الاقتصادي باستخدام معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي. (United Nations, 2023).
- الناتج المحلي الإجمالي (GDP): هو قيمة جميع السلع والخدمات المُنتجة في دولة ما خلال فترة زمنية معينة. ويُستخدم النمو في الناتج المحلي الإجمالي كقياس أساسي للنمو الاقتصادي. (World Bank, 2023).
أدبيات الورقة
يقصد بالناتج المحلي الإجمالي مجموع قيمة الإنتاج الإجمالي من السلع والخدمات بعد استبعاد قيمة السلع الوسيطة من المستلزمات السلعية والخدمية أي مجموع القيم المضافة الإجمالية المتحققة للاقتصاد، أما متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيحسب من تقسيم قيمة الناتج المحلي الإجمالي على عدد السكان. وإن التقلبات في أسعار النفط تعد من العوامل المهمة التي تؤثر على النمو الاقتصادي والناتج المحلي الإجمالي للبلدان المصدرة والمستوردة للنفط، وبالتالي لها تأثيرها على تكاليف الإنتاج وعلى الإنفاق الاستثماري(علي وسلمان، 2019، ص 21)
وقد تعددت تعاريف الناتج المحلي الإجمالي سنذكر بعض منها وفق الآتي:
حيث يعرف الناتج على أنه (كمية السلع والخدمات التي ينتجها اقتصاد البلد – قيمة المدخلات المستخدمة في إنتاج تلك السلع والخدمات) أو (يساوي أيضا ًالاستثمار المحلي الخاص، وإجمالي نفقات الاستهلاك الشخصي، وصافي صادرات السلع والخدمات، ونفقات الاستهلاك الحكومي، وإجمالي الاستثمارات (Dynan، Sheiner، 2018، 4).
ويعرف الناتج أيضاً بأنه (القيمة المضافة الكلية المتحققة في القطاعات الاقتصادية المختلفة داخل الحدود الدولة، وذلك بمساهمة عناصر الإنتاج سواء كانت العوامل المستخدمة وطنية أم أجنبية) أي أنه يمثل مجموع قيمة الإنتاج الإجمالي من السلع والخدمات بعد طرح قيمة مستلزمات الإنتاج (عودة، 2017، ص 133).
وكذلك يعرف بأنه قيمة السلع والخدمات النهائية الكلية التي ينتجها بلد ما خلال فترة معينة عادة تكون سنة)، ويسمى بالداخلي لأنه يعكس نتائج الأنشطة الاقتصادية التي يقوم بها الاقتصاديون المقيمون داخل بلد ما بغض النظر عن جنسياتهم، وأنه هو الدخل الذي يتحصل عليه بلد ما خلال سنة معينة وذلك بصرف النظر عن مستلزمات الإنتاج التي ساهمت في عملية الإنتاجية داخل حدود الدولة سواء كانت وطنية أم أجنبية أي لا نميز بينها ولهذا يعتبر الناتج المحلي الإجمالي أفضل معيار للأداء الاقتصادي لبلد ما لأنه يعتبر مقياس معدل النمو الاقتصادي (مصطفى ومحمود 2018، ص 42).
ويمثل المشتريات الاستهلاكية للسلع والخدمات وكذلك مشتريات منشآت الأعمال للمعدات والآلات وعمليات شراء المساكن من قبل القطاع العائلي، وشراء المباني غير السكنية من قبل منشآت الأعمال، وكذلك المشتريات الحكومية للسلع والخدمات، وينظر للناتج المحلي الإجمالي على إنه الحجم الكلي من الإنتاج الجاري، ويتم حسابه عن طريق عمليات الجمع بين هذِه الأشكال وكم تساوي من الناتج الجاري (داود، 2010، ص 53).
وبهذا يختلف الناتج المحلي الإجمالي عن الناتج القومي الإجمالي من حيث أن قيمة المنتجات والخدمات المتولدة تحسب بغض النظر عما إذا تما الإنتاج محلياً أم خارجياً فإن قيمة الناتج المحلي وتطوره يؤثر على مستوى معيشة الأفراد داخل المجتمع، فكلما زادت السلع والخدمات المنتجة محلياً زاد الدخل الذي يحصل عليه المنتجون وزادت فرص العمل المتاحة داخل المجتمع، الأمر الذي ينعكس بالزيادة على معدل استهلاك الأفراد للسلع والخدمات، مما يؤدي إلى زيادة الاستثمار والإنتاج مرةً أخرى (مصطفى، 2018، ص 2).
مفهوم النمو في الناتج المحلي الإجمالي
يوجد العديد من التعاريف حول النمو في الناتج الإجمالي ولعل أهمها هو تعريف الاقتصادي Fanois Perroux حيث عرفه بأنه زياده مستمرة في صافي القيمة الحقيقية أو حجم الدخل الإجمالي، كما عرفه اقتصادي آخر يدعى Simon Kuzent بأنه ارتفاع في المدى البعيد بقدرة الدولة على منح وتقديم مجموعة كبيرة وواسعة ومتنوعة من السلع والخدمات الاقتصادية لسكانها، وتستند هذه القدرة في الزيادة على التقدم التقني والتعديلات الإيديولوجية والمؤسسية المطلوبة كما يعتبره بعض الاقتصاديون بأنه حدوث زيادة في إجمالي الدخل القومي أو زيادة في حجم الناتج المحلي مع تحقيق ارتفاع في متوسط نصيب الفرد من الدخل الحقيقي، وعليه يجب أن ينعكس النمو في الناتج المحلي الإجمالي على مستوى الفرد الحقيقي (كرموش وسليمان، 2023، ص 343).
ونجد أن (إبراهيم والنجم، 2014، ص 263) قد عرف بأنه الكمية من الخدمات والسلعات المنتجة في اقتصاد محدد من خلال استخدام عناصر الإنتاج التي تخلق آثر إيجابي في تلك الدولة، ويتم قياسه بالاعتماد على النسبة المئوية للناتج في الناتج لنمو في الناتج المحلي الإجمالي أيضا ويمكن القول إنه يجب أن يترافق الازدياد في الدخل الوطني بالازدياد في الدخل الحقيقي للفرد بشكل أساسي أي أن الزيادة النقدية في الدخل الفردي من دون تضخم وتكون هذه الزيادة على المدى الطويل (أشواق 2013 ، ص 68).
يُشكّل هذا المبحث الأول لبنة الأساس في التحليل الإحصائي الذي سيُجرى في هذا الفصل، حيث يركز على تقديم وصف إحصائي دقيق و شامل لبيانات الإيرادات العامة (REV) ، والنفقات العامة (EXS) ، والناتج المحلي الإجمالي (GDP) في العراق خلال الفترة الزمنية الممتدة من عام 2017 إلى عام 2022. سيتضمن هذا الوصف الإحصائي عرضًا مرئيًا للبيانات عبر رسوم بيانية خطية تُظهر التغيرات في معدلات نمو كل من هذه المتغيرات على مدار السنوات الخمس، بالإضافة إلى حساب أهم المقاييس الإحصائية الوصفية لكل متغير، مثل المتوسط، الوسيط، الانحراف المعياري، الحد الأقصى، الحد الأدنى، ومقاييس التوزيع كالالتواء (Skewness) والحدّة (Kurtosis). وسنختبر أيضاً طبيعة توزيع كل متغير باستخدام اختبار جارك-بيرا (Jarque-Bera)، ليتم التأكد من مطابقة البيانات لشروط تطبيق الأساليب الإحصائية المتقدمة في الأبحاث اللاحقة. هذا التحليل الأولي للبيانات يُعدّ ضروريًا لفهم التغيرات في معدلات نمو المتغيرات محل الدراسة، وكشف أيّ أنماط أو اتجاهات ملحوظة، وما إذا كانت البيانات تتبع توزيعًا احتماليًا معينًا، ممهدًا بذلك الطريق لتطبيق مناهج التحليل المتقدمة في الأبحاث التالية.
|
REV |
|
|
Mean |
26.75000 |
|
Median |
39.95000 |
|
Maximum |
72.60000 |
|
Minimum |
-41.20000 |
|
Std. Dev. |
40.49769 |
|
Skewness |
-0.724342 |
|
Kurtosis |
2.360884 |
|
Jarque-Bera |
0.626789 |
|
Probability |
0.730962 |
يوضح الجدول الإحصائيات الوصفية لمتغير الإيرادات العامة (REV) خلال الفترة 2017-2022. يبلغ متوسط معدلات نمو الإيرادات (Mean) 26.75%، وهو ما يشير إلى نمو إيجابي عام في الإيرادات خلال هذه الفترة. ومع ذلك، فإن الوسيط (Median) البالغ 39.95% أعلى من المتوسط، مما يدل على وجود قيم منخفضة أو سالبة تؤثر على المتوسط وتجعله أقل من القيمة النموذجية. هذا يُشير إلى عدم توزيع البيانات بشكل متماثل، مع احتمالية لتذبذبات كبيرة في معدلات النمو. الحد الأقصى (Maximum) البالغ 72.6% يعكس ارتفاعًا كبيرًا في الإيرادات في إحدى السنوات، بينما الحد الأدنى (Minimum) السالب (-41.2%) يدل على انخفاض حاد في الإيرادات خلال سنة ما، مما يؤكد وجود تقلبات كبيرة في الإيرادات العامة. الاختلاف الكبير بين المتوسط والوسيط، إلى جانب القيم القصوى والدنيا، يعزز هذا الاستنتاج. يبلغ الانحراف المعياري (Std. Dev.) 40.49769، مما يشير إلى تشتت كبير في البيانات حول المتوسط، وهو ما يعكس عدم استقرار في معدلات نمو الإيرادات. قيمة الانحراف المعياري العالية تُبرز التقلبات الكبيرة في الإيرادات العامة خلال فترة الدراسة، وهو ما قد يكون له آثار اقتصادية سلبية على التخطيط الحكومي والاستثمار، حيث أن التغيرات المفاجئة في الإيرادات قد تؤثر على قدرة الحكومة على تنفيذ برامجها وتوفير الخدمات العامة. قيمة الالتواء (Skewness) السالبة (-0.724342) تؤكد عدم تماثل التوزيع، مع ميل نحو ذيل أيسر أطول (أي تركز القيم العالية). أما قيمة الحدّة (Kurtosis) البالغة 2.360884 فهي أقل من 3، مما يشير إلى توزيع أقل حدة من التوزيع الطبيعي، حيث تقل احتمالية وجود قيم متطرفة مقارنة بالتوزيع الطبيعي. وأخيرًا، قيمة اختبار جارك-بيرا (Jarque-Bera) البسيطة (0.626789) وقيمة الاحتمالية (Probability) المرتفعة (0.730962) تدلان على عدم وجود دليل إحصائي كافٍ لرفض فرضية أن البيانات تتبع توزيعًا طبيعيًا.
تشير النتائج الإحصائية لمتغير الإيرادات العامة (REV) إلى صورة اقتصادية معقدة تتسم بالتذبذب وعدم الاستقرار. فمتوسط نمو الإيرادات البالغ 26.75%، على الرغم من إيجابيته، يُخفي حقيقة عدم انتظام هذا النمو، كما يتضح من الفرق الكبير بين المتوسط والوسيط، بالإضافة إلى الانحراف المعياري المرتفع. هذا يشير إلى اعتماد اقتصاد البلاد بشكل كبير على مصادر إيرادات متقلبة، ربما بشكل أساسي على صادرات النفط، حيث تتأثر الإيرادات بشكل مباشر بتقلبات أسعار النفط العالمية والكميات المُنتجة. فارتفاع أسعار النفط بشكل مفاجئ يؤدي إلى قفزة كبيرة في الإيرادات (كما يُظهر الحد الأقصى)، بينما انخفاض الأسعار أو حدوث اضطرابات سياسية أو أمنية يُترجم إلى انخفاض حاد في الإيرادات (كما يُظهر الحد الأدنى). هذه التقلبات تُعيق التخطيط الحكومي على المدى الطويل وتُصعّب عملية وضع سياسات اقتصادية مستدامة، فالتغيرات المفاجئة في الإيرادات تُحد من قدرة الحكومة على التنبؤ بالموارد المتاحة لها، وبالتالي تُؤثر على الإنفاق الحكومي على البنية التحتية، الخدمات الاجتماعية، والاستثمار في القطاعات الأخرى. عدم التماثل في توزيع البيانات، كما يتضح من قيمة الالتواء السالبة، يُؤكد هذه الصورة، حيث يُرجّح حدوث انخفاضات حادة في الإيرادات أكثر من ارتفاعاتها. في الختام، تُشير هذه النتائج إلى ضرورة تنويع مصادر الإيرادات العامة لتقليل الاعتماد على مصادر متقلبة مثل النفط، وذلك من أجل بناء اقتصاد أكثر مرونة واستقرارًا يُتيح للحكومة وضع سياسات اقتصادية فعّالة تُساهم في تحقيق التنمية المستدامة.
المصدر: الباحث من خلال EViews
يُظهر الشكل البياني لمتغير الإيرادات (REV) اتجاهًا متذبذبًا خلال الفترة من 2017 إلى 2022، حيث لا يُلاحظ نمط ثابت أو اتجاه خطي واضح. يبدأ المتغير في عام 2017 بقيمة مرتفعة نسبيًا حول 40%، ثم ينخفض تدريجياً خلال السنوات التالية ليصل إلى قيمة سالبة تقارب -40% في عام 2020. يشير هذا الانخفاض إلى فترة من انكماش الإيرادات، ربما نتيجة لتأثيرات خارجية مثل انخفاض أسعار النفط أو تراجع النشاط الاقتصادي العالمي. ومع ذلك، يشهد المتغير ارتفاعًا حادًا في عام 2021 ليصل إلى قيمة تقارب 70%، قبل أن ينخفض مرة أخرى بشكل أقل حدة في عام 2022 ليصل إلى ما يقارب 45%. هذا يُشير إلى عدم استقرار كبير في الإيرادات وتأثرها بعوامل خارجية مفاجئة، مما يعكس هشاشة الاقتصاد واعتماده على عوامل غير مستقرة. لا يُمكن من خلال هذا الشكل وحده تحديد الأسباب الكامنة وراء هذه التغيرات، ولكنه يُظهر بوضوح عدم انتظام نمو الإيرادات ومدى تقلبها خلال فترة الدراسة.
جدول 2 : إحصاء النفقات
|
EXS |
|
|
Mean |
12.46667 |
|
Median |
13.15000 |
|
Maximum |
38.10000 |
|
Minimum |
-31.90000 |
|
Std. Dev. |
25.18973 |
|
Skewness |
-0.807254 |
|
Kurtosis |
2.726703 |
|
Jarque-Bera |
0.670332 |
|
Probability |
0.715219 |
المصدر: الباحث من خلال EViews
يوضح الجدول الإحصائيات الوصفية لمتغير النفقات العامة (EXS) خلال الفترة 2017-2022. يبلغ متوسط معدلات نمو النفقات (Mean) 12.47%، وهو ما يُشير إلى نمو إيجابي عام في النفقات خلال هذه الفترة، وإن كان أقل من متوسط نمو الإيرادات. الوسيط (Median) البالغ 13.15% قريب من المتوسط، مما يُشير إلى توزيع بيانات أكثر تماثلاً من توزيع الإيرادات. ومع ذلك، يشير الحد الأقصى (Maximum) البالغ 38.1% إلى وجود ارتفاع كبير في النفقات خلال إحدى السنوات، بينما يُظهر الحد الأدنى (Minimum) السالب (-31.9%) انخفاضًا حادًا في النفقات خلال سنة أخرى، مما يُشير إلى تقلبات، لكنها أقل حدة من تلك التي لوحظت في الإيرادات. يبلغ الانحراف المعياري (Std. Dev.) 25.19، وهو أقل من الانحراف المعياري للإيرادات، مما يُشير إلى تشتت أقل في البيانات حول المتوسط، ويعكس استقرارًا نسبيًا أكبر في معدلات نمو النفقات مقارنة بالإيرادات. قيمة الالتواء (Skewness) السالبة (-0.807254) تُشير إلى عدم تماثل التوزيع، مع ميل نحو ذيل أيسر أطول (أي تركز القيم العالية)، مشابه للإيرادات. قيمة الحدّة (Kurtosis) البالغة 2.726703 أقل من 3، وهو ما يُشير إلى توزيع بيانات أقل حدة من التوزيع الطبيعي، مع انخفاض احتمالية وجود قيم متطرفة. أخيرًا، قيمة اختبار جارك-بيرا (Jarque-Bera) البالغة 0.670332 و قيمة الاحتمالية (Probability) المرتفعة (0.715219) تدلان على عدم وجود دليل إحصائي كافٍ لرفض فرضية أن البيانات تتبع توزيعًا طبيعيًا. بالرغم من ذلك، يُشير وجود القيم المتطرفة إلى حاجة إلى مزيد من الحذر عند تفسير النتائج، وخاصةً في ضوء التقلبات التي قد تُؤثر على السياسات المالية الحكومية. يُلاحظ استقرارًا نسبيًا أكثر في النفقات مقارنةً بالإيرادات، مما قد يُشير إلى سياسات مالية حكومية تسعى لتخفيف حدة التقلبات الاقتصادية، لكن التقلبات لا تزال قائمة وتحتاج إلى مزيد من الدراسة لفهم أسبابها وآثارها.
المصدر: الباحث من خلال EViews
يُظهر الشكل البياني لمتغير النفقات (EXS) اتجاهًا متذبذبًا خلال الفترة الزمنية من 2017 إلى 2022، يتسم بعدم الانتظام والتقلبات الحادة. يبدأ المتغير في عام 2017 بقيمة تبلغ حوالي 12%، ثم ينخفض تدريجياً إلى حوالي 6% في عام 2018، موضحاً انخفاضاً في معدلات نمو النفقات خلال تلك الفترة. بعد ذلك، يُلاحظ ارتفاع حاد في عام 2019، حيث يصل إلى ما يقارب 37%، قبل أن ينخفض بشكل حاد جداً في عام 2020 إلى ما دون -30%. يُشير هذا الانخفاض الكبير إلى تراجع كبير في النفقات الحكومية، ربما نتيجةً لضغوط اقتصادية أو أزمة مالية. في عام 2021، يحدث ارتفاع آخر يصل إلى ما يقارب 34%، قبل أن ينخفض مرة أخرى بشكل معتدل إلى حوالي 13% في عام 2022. يُظهر هذا الشكل عدم استقرار كبير في معدلات نمو النفقات خلال فترة الدراسة، مع تقلبات حادة في الاتجاه، صعودًا وهبوطًا. يُشير هذا إلى حساسية النفقات الحكومية للتغيرات الاقتصادية والسياسية، وعدم وجود سياسة مالية مستقرة ومتسقة خلال هذه الفترة.
|
GDP |
|
|
Mean |
0.566667 |
|
Median |
2.050000 |
|
Maximum |
7.600000 |
|
Minimum |
-12.00000 |
|
Std. Dev. |
6.961801 |
|
Skewness |
-0.987342 |
|
Kurtosis |
2.863599 |
|
Jarque-Bera |
0.979495 |
|
Probability |
0.612781 |
المصدر: الباحث من خلال EViews
يوضح الجدول الإحصائيات الوصفية لمتغير نمو الناتج المحلي الإجمالي (GDP) خلال الفترة 2017-2022. يبلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي (Mean) 0.57% فقط، وهو ما يُشير إلى نمو ضعيف للغاية خلال هذه الفترة. يُلاحظ أن الوسيط (Median) البالغ 2.05% أعلى بكثير من المتوسط، مما يُشير إلى وجود قيم سالبة (انكماش اقتصادي) تُؤثر بشكل كبير على المتوسط، مما يُقلل من القيمة الإيجابية الظاهرة. الحد الأقصى (Maximum) البالغ 7.6% يُشير إلى نمو اقتصادي قوي في إحدى السنوات، بينما يُمثل الحد الأدنى (Minimum) السالب (-12%) انكماشًا اقتصاديًا حادًا في سنة أخرى. يُظهر هذا وجود تقلبات كبيرة في أداء الاقتصاد العراقي خلال فترة الدراسة، بين نمو قوي وانكماش حاد. يبلغ الانحراف المعياري (Std. Dev.) 6.96، وهو ما يُشير إلى تشتت كبير في البيانات حول المتوسط، مما يعكس عدم استقرار كبير في نمو الناتج المحلي الإجمالي. قيمة الالتواء (Skewness) السالبة (-0.987342) تُشير إلى عدم تماثل التوزيع، مع ذيل أيسر أطول، مما يُؤكد وجود انكماشات اقتصادية أكثر حدة من فترات النمو القوي. قيمة الحدّة (Kurtosis) البالغة 2.863599 قريبة من 3، مما يُشير إلى توزيع قريب من التوزيع الطبيعي، لكن مع وجود احتمالية لوجود قيم متطرفة. أخيرًا، قيمة اختبار جارك-بيرا (Jarque-Bera) البالغة 0.979495 وقيمة الاحتمالية (Probability) المرتفعة (0.612781) تُشير إلى عدم وجود دليل إحصائي كافٍ لرفض فرضية أن البيانات تتبع توزيعًا طبيعيًا. مع ذلك، يجب مراعاة التقلبات الكبيرة ووجود قيم متطرفة عند تفسير النتائج. من الناحية الاقتصادية، يُشير انخفاض متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي وارتفاع التقلبات إلى ضعف الاقتصاد العراقي وعدم قدرته على تحقيق نمو مستدام خلال فترة الدراسة، مما يتطلب إصلاحات هيكلية وإجراءات للتخفيف من تأثير العوامل الخارجية المؤثرة على الاقتصاد.
المصدر: الباحث من خلال EViews
يُظهر الشكل البياني لنمو الناتج المحلي الإجمالي (GDP) اتجاهًا متذبذبًا بشكل كبير خلال الفترة من 2017 إلى 2022، مما يعكس عدم استقرار الأداء الاقتصادي. يبدأ النمو في عام 2017 بقيمة سالبة قليلة (-2%)، ثم يرتفع تدريجياً ليصل إلى حوالي 3% في عام 2018، موضحاً تحسنًا طفيفاً في الأداء الاقتصادي. يواصل النمو ارتفاعه في عام 2019 ليصل إلى ذروته عند حوالي 5%، قبل أن يتراجع بشكل حاد في عام 2020 إلى مستوى منخفض للغاية عند -12%، مما يدل على انكماش اقتصادي كبير. يُلاحظ بعد ذلك انتعاشًا في عام 2021، حيث يرتفع النمو إلى حوالي 1%، ثم يتزايد مرة أخرى بشكل ملحوظ في عام 2022 ليصل إلى حوالي 7%. يُظهر هذا الشكل عدم انتظام نمو الناتج المحلي الإجمالي، مع فترات من النمو وفترات أخرى من الانكماش الحاد. تُشير هذه التقلبات الكبيرة إلى هشاشة الاقتصاد وقابلية أداءه للتأثر بصدمات داخلية أو خارجية، مثل تقلبات أسعار النفط، والأزمات السياسية، أو الجائحات العالمية.
لضمان دقة وفعالية التحليل الإحصائي، وخاصةً عند استخدام أساليب تتطلب سلاسل زمنية طويلة، تم تحويل البيانات من ترددها السنوي الأصلي إلى تردد شهري. يعود السبب الرئيسي لهذا التحويل إلى قصر السلسلة الزمنية المتوفرة (ست سنوات فقط) والتي لم تكن كافية لتطبيق الأساليب الإحصائية المخطط لها، بما في ذلك أساليب التنبؤ واختبارات الجذر الوحدة المعقدة. فالسلاسل الزمنية القصيرة تعاني من مشكلة “قلة درجات الحرية” (Degrees of Freedom)، مما يحد من قدرة الاختبارات الإحصائية على التمييز بشكل فعال بين الفرضيات، ويُزيد من احتمالية النتائج غير الدقيقة أو المضللة. استخدمت طريقة ليترمان (Litterman) في تحويل التردد، وهي تقنية تُستخدم لإعادة تجميع البيانات من تردد أعلى (سنوي) إلى تردد أدنى (شهري) مع الحفاظ قدر الإمكان على الخصائص الإحصائية الأساسية للسلسلة الزمنية. يعتمد هذا التحويل على افتراضات حول العلاقة بين المتغيرات على مستويات التردد المختلفة، ومع ذلك يُمكن أن يُعاني من بعض المحدوديات خاصةً عند وجود تقلبات كبيرة في البيانات. وإجمالاً، كان تحويل التردد ضرورةً تقنيةً لتعزيز دقة التحليل والتغلب على قيود قصر السلسلة الزمنية الأصلية.
إطار عمل طريقة ليترمان (Litterman) لتحويل السلاسل الزمنية من تردد سنوي إلى تردد شهري يتضمن مجموعة من الخطوات والمعادلات الأساسية. تعتبر هذه الطريقة جزءًا من التحليل الاقتصادي والمالي وتساعد في إنشاء نماذج لتحليل البيانات الزمنية. تعتمد طريقة ليترمان على الفرضية بأن السلاسل الزمنية يمكن أن تكون مكونة من مكونات مختلفة، مثل الاتجاهات الموسمية والمراحل الاقتصادية. ولتحويل البيانات من تردد سنوي إلى تردد شهري، يتم استخدام الأسلوب التالي: أ. التقدير التسلسلي يتم استخدام البيانات السنوية المتاحة لتقدير القيم الشهرية، حيث يتم افتراض أن البيانات الشهرية تتوزع بشكل متساوٍ على طول السنة. ب. النموذج الرياضي يمكن استخدام نموذج يعتبر أن القيم الشهرية هي مزيج من القيم السنوية، حيث نستخدم سلسلة زمنية لتقدير القيم الشهرية. 3. المعادلات الرئيسية لنفرض أن هو قيمة السلسلة الزمنية السنوية عند السنة 𝑡. يمكننا استخدام تقدير القيم الشهرية كما يلي: توزيع القيم السنوية على الأشهر يتم توزيع القيم السنوية إلى القيم الشهرية كالتالي:
𝑡 حيث𝑚يشير إلى الشهر من 1 إلى 12.
المصدر: الباحث من خلال EViews
يوضح الشكل البياني تأثير تحويل البيانات من تردد سنوي إلى تردد ربع سنوي على المتغيرات الاقتصادية الثلاثة: النفقات (EXS)، الإيرادات (REV)، و الناتج المحلي الإجمالي (GDP). قبل التحويل، كانت البيانات السنوية تُظهر اتجاهات عامة فقط، مما يحد من قدرة التحليل على رصد التقلبات الدورية قصيرة المدى. بعد التحويل إلى التردد الربعي، ظهرت تفاصيل أكثر دقة في سلوك كل متغير. فقد كشف التحويل عن تقلبات دورية واضحة في كل من النفقات والإيرادات والناتج المحلي الإجمالي، مع وجود فترات من الارتفاع والانخفاض خلال العام الواحد. أصبح من الممكن ملاحظة التغيرات الفصلية أو الربع سنوية، مثل زيادة معينة في الإيرادات خلال فصل معين أو انخفاض في الناتج المحلي الإجمالي خلال فصل آخر. هذا التحويل سمح باستخلاص معلومات أكثر دقة عن ديناميكيات هذه المتغيرات وتحديد أنماطها الزمنية بشكل أكثر وضوحاً، مما يُساعد على تحليل العلاقات السببية بين هذه المتغيرات بصورة أكثر دقة في إطار نموذج اقتصادي قائم.
يُختتم هذا المبحث الأول بتقديم ملخص شامل لنتائج التحليل الإحصائي الوصفي لبيانات الإيرادات العامة (REV)، والنفقات العامة (EXS)، ونمو الناتج المحلي الإجمالي (GDP) في العراق خلال الفترة الزمنية 2017-2022. وقد أظهر هذا التحليل، من خلال عرض البيانات بيانياً وحساب مقاييسها الإحصائية الرئيسية، وجود تقلبات كبيرة في معدلات نمو كل من هذه المتغيرات، مما يُشير إلى عدم استقرار الأداء الاقتصادي العراقي خلال هذه الفترة. فقد كشفت قيم الانحراف المعياري المرتفعة ووجود قيم متطرفة عن عدم تماثل توزيع البيانات، مما يُعكس تأثير العوامل الاقتصادية والسياسية غير المتوقعة على معدلات النمو. وكانت قيمة الالتواء السالبة في معظم المتغيرات دليلًا إضافيًا على هذا العدم التماثل، مع وجود ميل نحو انخفاضات أكثر حدة من الارتفاعات، خاصة في معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي. أظهر اختبار جارك-بيرا عدم وجود دليل إحصائي قوي لرفض فرضية أن البيانات تتبع توزيعًا طبيعيًا، لكن يجب مع ذلك ملاحظة التقلبات الكبيرة وعدم الانتظام في البيانات. من الناحية الاقتصادية، تُشير هذه النتائج إلى اعتماد الاقتصاد العراقي بشكل كبير على مصادر إيرادات متقلبة، وخاصةً صادرات النفط، مما يُعرضه للتقلبات في أسعار النفط العالمية. كما أظهرت البيانات عدم استقرار السياسات النقدية والمالية، مما أثر على استقرار النمو الاقتصادي. إجمالاً، يُقدم هذا المبحث صورة واضحة عن التحديات التي يواجهها الاقتصاد العراقي، والتي تتطلب إجراءات إصلاحية هيكلية لتعزيز الاستقرار والنمو المستدام. سيتم البناء على هذه النتائج في الأبحاث اللاحقة من خلال تطبيق أساليب إحصائية متقدمة لفهم العلاقات السببية بين هذه المتغيرات بشكل أعمق.
الاستنتاجات المناسبة للعنوان:
- تقلبات كبيرة في معدلات نمو الإيرادات والنفقات وتأثيرها على التوازن المالي:
أظهرت الدراسة تقلبات كبيرة في معدلات نمو الإيرادات العامة والنفقات العامة خلال الفترة 2017-2022، مما يعكس عدم استقرار في الأداء المالي للموازنة الاتحادية. هذا الافتقار للاستقرار يؤثر سلباً على قدرة الحكومة في الحفاظ على التوازن المالي المستدام ويزيد من المخاطر المالية. - وجود علاقة سببية تؤثر فيها النفقات العامة على التوازن المالي:
النتائج تشير إلى أن زيادة النفقات العامة تؤثر بشكل مباشر على مؤشرات التوازن المالي، إذ قد تؤدي الزيادة غير المضبوطة في الإنفاق إلى اتساع العجز المالي، ما يستوجب تخطيطاً دقيقاً للإنفاق مع التركيز على النفقات الإنتاجية. - أهمية نمو الإيرادات العامة في دعم التوازن المالي:
ارتفاع الإيرادات العامة، خاصةً عند تنويع مصادرها وزيادة كفاءة تحصيلها، يعزز من قدرة الموازنة الاتحادية على تحقيق توازن مالي أفضل، ويقلل الاعتماد على الاقتراض الخارجي أو الاستدانة الداخلية. - العلاقة غير الخطية بين الإيرادات والنفقات والتوازن المالي:
تشير نتائج نماذج تحليل العتبة إلى وجود علاقات غير خطية بين نمو الإيرادات والنفقات والتوازن المالي، حيث يمكن أن يكون للنمو في الإيرادات أو النفقات أثر إيجابي أو سلبي على التوازن المالي تبعاً لمستوى النمو ومدى السيطرة على الإنفاق. - أهمية ضبط الإنفاق الحكومي للحفاظ على التوازن المالي:
زيادة الإنفاق الحكومي فوق مستويات معينة قد تؤدي إلى تدهور التوازن المالي، مما يتطلب وضع حدود قصوى للإنفاق وتوجيه الموارد نحو القطاعات ذات العائد الاقتصادي المرتفع لتحقيق نمو مستدام ومتوازن. - أثر عدم استقرار الإيرادات على التخطيط المالي وتحقيق التوازن:
عدم استقرار الإيرادات الحكومية، خاصة الناتجة عن الاعتماد على عائدات النفط المتقلبة، يعيق التخطيط المالي الحكومي ويزيد من صعوبة تحقيق توازن مالي مستدام على المدى الطويل.
التوصيات:
- وضع إطار مالي متوسط المدى يهدف إلى تقليل التقلبات في الإيرادات والنفقات من خلال تخطيط مالي يمتد لثلاث إلى خمس سنوات.
- تبني قواعد مالية مرنة تستجيب للتقلبات الاقتصادية وتحد من الزيادات غير المدروسة في الإنفاق العام.
- توجيه النفقات نحو القطاعات الإنتاجية مثل البنية التحتية، والتعليم، والطاقة المتجددة، بما يعزز النمو الاقتصادي طويل الأمد.
- فرض سقوف للإنفاق العام وربطها بأهداف الأداء لضمان الاستخدام الأمثل للموارد العامة.
- مراجعة دورية للنفقات للتمييز بين النفقات الضرورية وتلك القابلة للتقليص أو التأجيل.
- تنويع مصادر الإيرادات العامة عن طريق تطوير النظام الضريبي، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية.
- رفع كفاءة التحصيل الضريبي والجمركي من خلال تبني أنظمة إلكترونية للرقابة والمتابعة.
- تشجيع الاستثمارات في القطاعات غير النفطية لتعزيز القاعدة الاقتصادية وزيادة العوائد غير النفطية.
- الاعتماد على بيانات مالية عالية التردد (شهرية أو ربع سنوية) لتوفير تحليلات أدق وأكثر واقعية لصانع القرار.
المراجع:
المراجع العربية:
- أشواق، محمد. (2013)، تطور النظام المالي والنمو في الناتج المحلي الإجمالي، دار الراية، الأردن، الطبعة الأولى.
- داود، حسام علي. (2010)، مبادئ الاقتصاد الكلي، طبعة أولى، عمان، دار المسيرة للنشر والتوزيع.
- علي، سلمان. (2019)، العلاقة بين أسعار النفط العالمية وبنية الناتج المحلي الإجمالي في العراق، مجلة الدنانير، العدد السادس عشر..
- عودة، محمد حسن. (2017) . تحليل العلاقة بين الإنفاق العام والناتج المحلي الإجماليومدى مساهمته في تحقيق التنمية الاقتصادية في العراق للمدة 1975،2014. مجلة الاقتصاد الخليجي، العدد 31.
- كرموش، محمد شعيب، وسليمان، وافي سلام. (2023)، النمو في الناتج المحلي الإجمالي التركي ومدى تأثره بالمتغيرات المالية للمدة 1960_2021، مجلة دراسات إقليمية، السنة 17، العدد 57.
- مصطفى، حيمور، ومحمود، محمد عيسى محمد. (2018)، (استخدام النمذجة الخطيةوغير الخطية لقياس تأثير استثمار الأجنبي المباشر على الناتج المحليالإجمالي في الجزائر في الفترة ، ( (2016-1990مجلة المالية والأسواق،المجلد 5، العدد 9، الجزائر.
المراجع الانجليزية
7. Karen Dynan، and Louise Sheiner، 2018، GDP as a Measure of Economic Well-being، Hutchins Center on Fiscal and Monetary Policy at Brookings.