أسلوب التورية والعلاقة بينه وبين الكناية والمجاز والمشترك اللفظي

The Style of Tawriya and Its Relationship with Kenaya, Metaphor, and Lexical Ambiguity

د. فائزة محمد الغفير1

1 جامعة إسطنبول آيدن، قسم الترجمة، تركيا.

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj611/27

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/611/27

المجلد (6) العدد (11). الصفحات: 454 - 461

تاريخ الاستقبال: 2025-10-07 | تاريخ القبول: 2025-10-15 | تاريخ النشر: 2025-11-01

Download PDF

المستخلص: يُعالج هذا البحث أحد الأساليب البلاغية الدقيقة في علم البديع وهو أسلوب التورية، باعتباره فناً بيانياً يعزز بلاغة الخطاب ويكشف عن عمق الدلالة في النصوص العربية عامةً، والقرآن الكريم خاصةً. يهدف البحث إلى توضيح مفهوم التورية وحدودها وأنواعها، وبيان موقعها ضمن منظومة الفنون البلاغية الأخرى، مع تحليل العلاقة التي تربطها بكل من المجاز والكناية والمشترك اللفظي، وما يميزها عن هذه الفنون من حيث المعنى والاستخدام. تناول الباحث تعريف التورية من الناحيتين اللغوية والاصطلاحية، مبرزاً أنها تقوم على استخدام لفظ له معنيان: قريب ظاهر غير مراد، وبعيد خفي هو المقصود، كما تناول أنواع التورية الرئيسة: المجردة، والمبينة، والمرشحة، والمهيأة، موضحاً خصائص كل نوع وأمثلته في الشعر والنثر والقرآن الكريم والحديث النبوي. وأبرز البحث كيف تسهم التورية في إضفاء عمق فني ومعنوي على الخطاب من خلال الإيهام والتخييل وحسن التخلص. كما فصّل البحث التمييز بين التورية والمجاز والكناية؛ فبين أن قرينة التورية تكون خفية بينما في المجاز والكناية تكون ظاهرة، وأن العلاقة بين المعنيين في التورية منقطعة، بخلاف المجاز والكناية اللذين تربط بينهما علاقة لزوم أو مشابهة. وفي محور آخر، تناول الباحث العلاقة بين التورية والمشترك اللفظي موضحاً أن المشترك اللفظي يعد أصلاً للتورية، إذ يقوم على اشتراك لفظ واحد في معانٍ متعددة على السواء، بينما تمثل التورية فرعاً بلاغياً يوظّف هذا الاشتراك لأغراض تداولية وأسلوبية، فتخضع للنية والمقام، لا للنظام اللغوي وحده. خلصت الدراسة إلى أن التورية ليست مجرد محسن بديعي، بل أداة بلاغية تُمكِّن المتكلم من التعبير عن المعاني الدقيقة بطريقة إيحائية تحفظ المعنى وتمنح النص بعداً جمالياً ودلالياً راقياً. وأوصت بإعادة النظر في تصنيف أنواع التورية، وردّ التورية المهيأة إلى قسمي المبينة والمرشحة، كما دعت إلى اعتبار التمييز بين دلالة اللفظ المفرد ودلالاته المشتركة نوعاً من البلاغة التي تكشف عن العلاقة الوثيقة بين المشترك اللفظي والمحسنات البديعية.

الكلمات المفتاحية: التورية، الكناية، المجاز، المشترك اللفظي، علم البديع، البلاغة العربية.

Abstract: This study examines one of the refined rhetorical styles in Arabic Ilm al-Badi‘ — the style of Tawriya (double entendre or pun) — as a unique artistic device that enhances the eloquence and expressive depth of Arabic discourse, particularly within the Qur’an. The research aims to define the concept, boundaries, and types of Tawriya, while exploring its position among other rhetorical arts, namely metaphor, kenaya (metonymy), and lexical ambiguity (mushtharak lafzi), and distinguishing it from them in meaning and usage. The study first defines Tawriya linguistically and terminologically, showing that it involves a word carrying two meanings — a near, apparent meaning that is unintended, and a far, hidden meaning that is intended. It then analyzes the main types of Tawriya (simple, explicit, qualified, and prepared), clarifying the characteristics of each with examples from poetry, prose, the Qur’an, and Hadith. The study highlights how Tawriya enriches the artistic dimension of speech through illusion, subtlety, and elegance of expression. Furthermore, it differentiates between Tawriya, metaphor, and kenaya, noting that the clue (qarina) in Tawriya is concealed, whereas in metaphor and kenaya it is explicit; and that there is no logical or semantic relationship between the two meanings in Tawriya, unlike metaphor or kenaya, where such a relationship is essential. Another focus of the study is the relationship between Tawriya and lexical ambiguity, establishing that lexical ambiguity is the linguistic basis of Tawriya — every Tawriya involves a lexical ambiguity, though not every ambiguous word constitutes Tawriya. The study shows that while lexical ambiguity is a systemic linguistic phenomenon, Tawriya is a stylistic, communicative device governed by context and speaker intention. The study concludes that Tawriya is not merely an ornamental feature of style, but rather a rhetorical tool that enables the speaker to express subtle meanings with artistic and aesthetic precision. It recommends revising the classification of Tawriya types — merging the “prepared” category into the explicit and qualified types — and viewing the distinction between single and multiple word meanings as a form of rhetorical insight, since lexical ambiguity serves as a linguistic source for various rhetorical embellishments such as pun (jinas) and Tawriya.

Keywords: Tawriya, Kenaya, Metaphor, Lexical Ambiguity, Ilm al-Badi‘, Arabic Rhetoric.

المقدمة

يتكون علم البلاغة العربية من ثلاثة أقسام وهي علم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع باب الثورية جزء من علم البديع، الذي ينقسم إلى محسنات لفظية ومحسنات معنوية. تعد التورية فناً بديعياً مستقلاً بذاته، له دوره في بلاغة الكلام، وقوة الأساليب، وفي إعجاز القرآن الكريم، فهو داخل في صميم البلاغة. وقد اخترنا البحث فيه لأهميته وجماله؛ وهو من قبيل المشتبه اللفظي، وكما قال الزمخشري: ولا نرى باباً في البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب، ولا أنفع ولا أعون على تعاطي تأويل المشتبهات من كلام الله وكلام نبيه وكلام صحابته رضي الله عنهم أجمعين”.

أما المجاز مع كونه باباً من أبواب علم البيان، لكن تجتمع التورية معه في كثير من الأساليب والفرق بين المجاز والكناية فرق بسيط، ولأن التحسين بجميع هذه الفنون الثلاثة هو ذاتي لا عرضي كان البحث في هذه الأبواب معاً لبيان حد كل منها، وعلاقته بالفنون الأخرى مع توضيح الفرق في المعنى والاستخدام، وللتمييز وعدم الخلط الذي بينها والمشترك اللفظي تم حصره منذ القديم داخل الناحية المعجمية بعيداً عن البلاغة والأدب، مع أن العلاقة بين المشترك اللفظي والتورية علاقة قوية، فالمشترك اللفظي أصل للتورية، والتمييز بين دلالة اللفظ على معنى واحد ودلالته على معان مشتركة نوع من البلاغة فكان البحث في توضيح التورية وبيان علاقتها مع هذا الموضوع .

معنى الثورية

التورية في معناها المعجمي هي إخفاء الشيء([1]) ، أما معناها الاصطلاحي المراد في علم البديع هي ذكر لفظ معين، ولهذا اللفظ معنيان؛ أحدهما متبادر للذهن يسهل على المخاطب فهمه من سياق الجملة، والمعنى الآخر بعيد عن ذهن المخاطب، ويكون الأول (الظاهر القريب غير مراد في قصد المتكلم، بينما يكون المعنى الآخر الخفي البعيد هو المعنى المقصود([2]) التورية قد تُسمى تخييلاً، أو إيهاماً، أو توجيهاً([3])، باعتبار حال السامع، ولأن كل تلك المعاني تعبر عن أنها لفظ يُراد به معنيان، أحدهما قريب غير مقصود، والآخر بعيد وهو المقصود([4]). ثم إن التورية في أساليب العرب تفيد بإخفاء ما يريد المتكلم دون أن يُشعر المخاطب بأنه يخفي مراده، فتحصل بها فائدة تتأتى في مواقف قد يصعب الخلاص منها دون ذلك([5]). ولعل أهم فائدة لاستخدام التورية المبدأ التداولي القائل بأن المخاطب يجني في التواصل بقدر ما ينفق على التورية”([6]).

أنواع التورية

من المسلمات أن ” طبيعة اللغة تعتمد على تحققها في أذهان المتكلمين([7]) وللسياق المحيط بالأسلوب الأدبي دور كبير في الوصول إلى المعنى المراد من النص، ومن المهم في الثورية التمييز بين المورى به ( المعنى القريب غير المراد، والمورى عنه المعنى البعيد المراد)، لأن تسمية الثورية تتغير بحسب ذكر ما يدل على التورية وعدم ذكره، فنحدد نوعها بحسب سياق الجملة، والمعنى الذي يرد فيه لفظها([8])، وأنواعها هي:

1. الثورية المجردة هي التورية التي لا يُذكر فيها ما يدل على المورى به، أو يدل على المورى عنه، فلا يمكن الاستدلال على خفايا التورية بشيء مما يلائم أحد أركانها، فهذا النوع من التورية يعتمد على فهم المخاطب للمعنى الذي أراده المتكلم، دون وجود ما يدل على ذلك المعنى. فلا تقترن بشيء مما يلائم المعنى القريب المورى به، أو يرافقها شيء يلائمها وآخر يلائم المعنى البعيد([9]).

ولهذا النوع من التورية صور ثلاث:

  1. الصورة الأولى: أن تكون مجردة مما يلائم المعنى القريب، مع تجردها مما يلائم المعنى البعيد كذلك
  2. الصورة الثانية: أن تجيء مجردة مما يلائم المعنى القريب مع اقترانها بما يلائم المعنى البعيد، وهذه نراها في قول عمر بن أبي ربيعة

أيها المنكح الثريا سهيلا … عمرك الله كيف يلتقيان

هي شامية إذا ما استقلت … وسهيل إذا استقل يمان

فالثورية في لفظي “الثريا” و “سهيل” وهما هنا اسمان الثريا وهي الزوجة في هذا العرس وسهيل هو الزوج في هذا العرس؛ فهذان هما المرادان في البيت، لكن الشاعر أوهم السامع أنه يريد النجمين المشهورين؛ لأن الثريا من منازل القمر الشامية، وسهيلا من النجوم اليمانية، إلا أنه أراد صاحبته المسماة بهذا الاسم، وكان أبوها قد زوجها برجل يدعى سهيلاً، فورى ابن أبي ربيعة بالنجمين عن الشخصين؛ ليكون أدعى للإنكار متى أراد. وقد جاءت التورية هنا مجردة مما يلائم المورى به المعنى القريب)، ولكن الشاعر أتى بما يلائم المعنى البعيد وهو قوله: “المنكح “؛ لأن النكاح من صفات الإنسان لا من صفات الكواكب.

3. الصورة الثالثة: تكون بأن يصاحب الثورية شيء مما يلائم المعنى القريب وشيء آخر يلائم المعنى البعيد فيجتمع فيها الشيئان كلاهما، وكان الشيئين تعارضا فتساقطا، فكأن لم يكن في الكلام شيء، لا من ملائمات المعنى القريب، ولا من ملائمات المعنى البعيد. ومثال هذه الصورة قول الشاعر:

يا عاذلي فيه قل لي إذا بدا كيف أسلو

يمر بي كل وقت وكلما مر يحلو

التورية مجردة في البيتين؛ لأنها اجتمع فيها قرينة تدل على المعنيان فكانت كأنها لم تقترن بشيء. وهي في لفظ “مر” إذ معناه القريب الواضح من المرارة، والمعنى البعيد الخفي من المرور. وقد قرنت الثورية هنا بما يلائم المعنى القريب وهو قوله: “يحلو” كما قرنت أيضاً بما يلائم المعنى البعيد وهو قوله: “يمر بي كل وقت”.

2 التورية المبينة: تشتمل الجملة فيها على لفظ أو معنى يدل على المورى عنه، فيمكن للمخاطب أن يهتدي إليه، إذ المتكلم لم يترك المعنى مجرداً من التوضيح، ولذلك سميت بهذا الاسم([10]) .

3. التورية المرشحة هذا النوع فهو أشد الأنواع صعوبة لما في الإيهام؛ فالمتكلم يذكر فيها ما يدل على المورى به المعنى القريب غير المراد، فيتبادر هذا المعنى إلى ذهن المخاطب، ويبتعد عن ذهنه المعنى المورى عنه المعنى البعيد فيزداد تخفياً واحتجاباً، وقد تأتي الألفاظ الدالة على المورى به قبل لفظ الثورية أو بعده، منه قوله:

لما نأت عنا العشيرة كلها أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر

فما أسلمتنا عند يوم كريهة ولا نحن أغضينا الجفون على وقر

لفظ (الجفون) له معنيين قريب واضح وهو (جفون العين، وبعيد خفي وهو جفون السيف، والمعنى البعيد هو المراد. ([11])

4. الثورية المهيأة: هذا النوع يحتوي على دلائل، ولكن هذه الدلائل هنا تدل على الثورية بأكملها، لا على ركن واحد من أركانها دون غيره، وهي إما مهيأة بلفظ قبلها، لولاه لما تهيأت التورية في الجملة ولا فهمت أو مهيأة بلفظ بعدها، لولاه أيضاً ما فهمت التورية في الجملة، وإما مهيأة بلفظين، لولا كل منهما لما تهيأت التورية في الآخر([12]) . من أمثلتها نثراً قول الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الأشعث بن قيس: (إنه كان يحوك الشمال باليمين، فالشمال يحتمل أن يكون جمع شملة وهي الكساء يشتمل به، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه، ويحتمل أن يراد بها الشمال التي هي إحدى اليدين ونقيض اليمين، وهذا هو المعنى القريب المورى به ولولا ذكر اليمين بعد الشمال لما تنبه السامع لمعنى اليد.

فنرى أن أنواع التورية جميعها تكون بحسب المورى به والمورى عنه، وبحسب وجود أي منهما في السياق وعدمه يكون إطلاق التسمية على التورية، فإما مجردة من أي دليل أو دالة على معنى عام، أو مفضلة لمعنى دون الآخر([13]) . وكلما كانت التورية أدخل في الستر صارت أبلغ، وكان المخاطب بها أشد فطنة من غيره من المخاطبين.

ولا بد من إعادة النظر في أقسام الثورية، ورد كل صور القسم الرابع من أقسام التورية، وهو التورية المهيأة إلى قسمي التورية المبينة والتورية المرشحة لأنها تشملها. وتجدر الإشارة هنا إلى أن قدرة المخاطب تتناسب تناسباً طردياً مع الصعوبة التي يواجهها، فتتصاعد درجة الصعوبة من الثورية المبينة إلى الثورية المجردة حتى التورية المرشحة([14]).

المواضع التي وردت فيها الثورية

يقول الزمخشري: ولا نرى باباً في البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب، ولا أنفع ولا أعون على تعاطي تأويل المشتبهات من كلام الله وكلام نبيه وكلام صحابته رضي الله عنهم أجمعين، وقال السكاكي: “أكثر متشابهات القرآن من قبيل التورية والإيهام ([15]) فنذكر ما ورد في هذا الأسلوب في القرآن الكريم، والحديث الشريف، وفي الشعر.

1. الثورية في القرآن الكريم: يقول الله تبارك وتعالى: {حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون)([16]) ، فكلمة (يد) في هذه الآية بمعناها القريب الظاهر هي العضو المعروف من جسم الإنسان، وهذا المعنى غير مراد .

أما المعنى المراد منها هو الصغار والذل، وهو المعنى الخفي الذي يؤدي دورة في الآية، ويؤكده ما بعد ذلك

من قول الله تعالى: {وَهُمْ صَاغِرُونَ ، أَي أَذلاء.

2 الثورية في الحديث النبوي الفصاحة النبوية فيها من البساطة وعدم التكلف ما يجعلها تتصدر الكلام وفيها من العمق وحسن التعبير ما يجعلها في مقدمة المعاني ([17]). ” عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه لقي طليعة للمشركين وهو في سفر مع أصحابه، فقال المشركون ممن أنتم؟ فقال النبي : نحن من ماء، فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا : أحياء اليمن كثيرة، لعلهم منهم، وانصرفوا([18]) . وفي كلامه — إيهام للمشركين بأنهم من قبيلة يمنية اسمها ماء، أما المعنى الخفي فهو الماء الذي يُخلق منه الإنسان، وقد استطاع في هذا الموضع ببلاغته وحكمته أن ينجو من بطش المشركين، فأدت الثورية هنا دوراً مهما([19]) .

3. الثورية في الشعر : تعددت أغراض التورية في الشعر العربي لما تضفيه من جماليات على البيت، وهذه

أهم الأغراض:

1. أن يكون الهدف من استخدامها الغاز الكلام وإعطاءه صبغة الغموض.

2. أن يكون الهدف منها محاولة إعمال فكر المخاطب ولفت انتباهه للمعاني المستخدمة.

.3. أن يكون الهدف منها رفع المستوى الفني والبلاغي للبيت الشعري، من خلال ازدواج المعنى الذي يعمد إليه الشاعر في توريته، ومن الأمثلة على ذلك:

أصون أديم وجهي عن أناس لقاء الموت عندهم الأديب

وربُّ الشعر عندهم بغيض ولو وافي لهم به حبيب

الثورية في هذا البيت في كلمة (حبيب المعنى الظاهر المتبادر للذهن هو إنسان محبب إلى قلوبهم، ولكن الشاعر أراد المعنى الخفي لها، وهو الشاعر أبو تمام حبيب بن أوس الطائي، والمعنى: رغم بلاغة أبي تمام وعلق شأنه في الشعر وشهرته الواسعة لا يقبل هؤلاء الناس الشعر منه لشدة رفضهم للشعر وأهله ([20]).

الفرق بين التورية وبين المجاز والكناية

معنى الكناية والمجاز والثورية

الكناية والمجاز والتورية مباحث بلاغية يتم الخلط بينهما عند كثير من المتعلمين، بينا حد التورية وهنا نوضح المجاز والكناية .

تعريف الكناية: لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادة المعنى الحقيقي، نحو: فلان طويل اليد، فالمقصود هنا أنه سارق، وقد عبر عن هذا المعنى بـ طويل اليد، وقد يصح المعنى الحقيقي، وهو أن يده طويلة مقارنة مع طول يد أخرى.

تعريف المجاز في اللغة التجاوز والتعدي، وفي الاصطلاح استعمال اللفظ في غير موضعه، مع صرف اللفظ عن معناه الظاهر لوجود قرينة تمنع إيراد المعنى الحقيقي، ويُعد المجاز من الوسائل البلاغية التي تكثر في كلام الناس قال الله تعالى: فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ([21]) المجاز في لفظة (رحمة الله) أي جنته فالجنة هي رحمة الله. ونجد من المثال وجود القرينة (خالدون) التي تمنع حصول المعنى الحقيقي في المجاز أما مثال الكناية فيخلو من هذه القرينة، وهذه أهم فارق بين الكناية والمجاز ([22]).

الفرق بين الكناية والمجاز وبين التورية

من المؤكد أن التورية تجتمع مع المجاز والكناية في كثير من الأساليب، لكن هناك فرق في جوانب، وهي:

1. أن المعنيين في التورية يفهمان من اللفظ دون وساطة من أحدهما لفهم الآخر ، لكن المعنى الثاني في الكناية يكون لازماً للمعنى الأول، فالكناية عبارة عن لفظ أطلق وأريد به لازم معناه مع جواز إرادة المعنى الحقيقي، نجد هذا المعنى في قول من يصف راعي إبل أو غنم

ضعيف العصا بادي العروق ترى له عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا

يريد أنه مشفق على غنمه، لا يقصد من حمل العصا أن يوجعها بالضرب من غير فائدة، فهو يتخير ما لان من العصا، فقوله: (ضعيف العصا، لفظ أطلق ولم يرد به حقيقة معناه، وإنما أراد معنى آخر، هو لازمه وتاليه في الوجود، وهو الرفق واللين، وردفاً له، فضعف العصا يلزمه الرفق واللين ([23]).

2. أن قرينة الكناية تكون ظاهرة لا خفاء فيها ولا غموض، وهذا واضح من المثال السابق، بينما قرينة التورية شرطها أن تكون خفية غير ظاهرة.

3. أن المعنيين في التورية لا علاقة بينهما، بينما في المجاز والكناية لا بد من علاقة بين المعنى الموضوع له اللفظ، وبين المعنى المجازي أو الكنائي.

فأساس أسلوب التورية على كون المراد بعيداً مع خفاء القرينة، فخفاء القرينة هو الحد الفاصل بين عد اللفظ من باب المجاز وعده من باب التورية. لكن خفاء القرينة أو قربها غير مسلم عند بعض البلاغيين، إلا أن فرق العلاقة بين التورية وكل من المجاز والكناية هي الميزة الفاصلة، فمبنى التورية على ألا يعتبر بينهما لزوم وانتقال من أحدهما للآخر، وبهذا الفرق وحده يخرج هذا الفن عن علم البيان.

التورية والمشترك اللفظي

معنى المشترك اللفظي

تعريف أهل الأصول للمشترك هو أدق ما يحد به، فهو عندهم: اللفظ الواحد الدال على معنيين مختلفين فأكثر دلالة على السواء عند أهل تلك اللغة ([24]) ومثلوا له بعين الماء، وعين المال، وعين السحاب ([25]).

العلاقة بين المشترك اللفظي والتورية

ذكر الجاحظ أن في التمييز بين المشترك والمفرد نوعاً من البلاغة بصفة عامة، و البلاغيين من بعده قد أكدوا بلاغة التورية بصفة خاصة، يقول الزمخشري: “ولا نرى باباً في البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب، ولا أنفع ولا أعون على تعاطي تأويل المشتبهات من كلام الله وكلام نبيه وكلام صحابته رضي الله عنهم أجمعين ([26]) . لكن التورية عولجت في مبحث بلاغي منفصل عن أي منظور دلالي واضح، على الرغم من ارتباطها الوثيق بظواهر دلالية عميقة الصلة بالظاهرة اللغوية كالمشترك اللفظي، والأمر نفسه قد حدث مع المشترك اللفظي تم حصره داخل الناحية المعجمية بعيداً عن البلاغة والأدب. مع أن العلاقة بين المشترك اللفظي والتورية علاقة قوية، فالمشترك اللفظي أصل للثورية، والتورية فرع عنه، فبينهما عموم وخصوص فكل تورية مشترك لفظي، وليس العكس، ([27]) و ليس كل لفظ مشترك يتصوّر فيه التورية، بل لابد من اشتهار معانيه وتداولها على الألسنة بخلاف اللغات الغريبة، إلا أن يختص قوم باشتهار لغة غريبة بينهم فينبغي اعتبار حال المخاطب بها ([28]).

الفروق التي تميز بين المشترك اللفظي والتورية

من جهة الاستعمال التداولي يعد البلاغي الكلمة داخل الخطاب أو النص تورية، حيث يُظهر المتكلم المعنى القريب، ويُخفي المعنى البعيد، ومن جهة علاقة الدال بالمدلول يرى اللغوي الكلمة التي لها معنيان فأكثر مشتركاً لفظياً، والاشتراك يعد ظاهرة نظامية طبيعية، أما الثورية فتقوم على ضرب من التصرف الأسلوبي، فتعتبر نوعاً من السلوك الفردي، بما يطبعها بطابع استهداف تحقيق مقصد التأثير بالقول القائم على التورية، في حين أن الاشتراك ظاهرة موضوعية تتصف بها بعض الكلمات، وليس الفرد مسؤولاً عن وضعها أو ابتكارها؛ بل يوفرها له الرصيد المعجمي في اللغة.

يتضح من هذا ان ظاهرة المشترك اللفظي تخضع لنظام اللغة، اما التورية فتابعة لأسلوب الكلام، فالمشترك اللفظي يمثل الرصيد الإيجابي الذي نوفره الفاظ اللغة للمتكلمين بها، أما التورية فترتبط بالمقاصد التداولية لأصحاب هذه اللغة ودوافعهم، ويأتي تنوع معنى المشترك اللفظي من تنوع استعماله.

ويمكننا القول انه اذا كان التميز بين دلالة اللفظ على معنى واحد ودلالاته على معان مشتركة نوعا من البلاغة فإن المشترك اللفظي يعد رافدا لغويا لعدد من المسنات البديعية، مثل الجناس والتورية حيث تستعين الأخيرة بالألفاظ التي تحتمل معنيين فأكثر. ([29])

الخاتمة

من خلال هذه الدراسة نستنتج ان التورية فن يمكن ان ينقذ الانسان فيه نفسه، او يشتم عدوه، او يغازل محبوبه، او يطلب العطاء من غيره، بأسلوبه البديعي وايغاله في الفصاحة العربية دون ان يؤخذ على المتكل انه يقصد تلك المعاني بمعناها المباشر، وأن الاستعمال هو العامل المرجح للتورية عند البلاغيين، وهو المحدد أيضا لمعنى الكلمة عند علماء الدلالة، وان قدرة المخاطب تتناسب تناسبا طرديا مع الصعوبة التي يواجهها، فتتصاعد درجة الصعوبة من التورية المبينة الى التورية المجردة حتى التورية المرشحة.

وانه يمكننا التعرف بي التورية وبين كل من المجاز والكناية بالنظر في القرينة فتكون في المجاز والكناية ظاهرة واضحة، بينما قرينة التورية ينبغي ان تكون خفية تحتاج الى نوع من التفكير والتأمل، كما ان المعنيين في التورية لا علاقة بينهما بينما في المجاز والكناية لابد من علاقة بين المعنى الموضوع له اللفظ وبين المعنى المجازي او الكنائي، وتوصي الدراسة بإعادة النظر في اقسام التورية ورد كل صور القسم الرابع من اقسام التورية، وهو التورية المهيأة، الى قسمي: الورية المبينة والتورية المرشحة. وباعتبار بحث التمييز بين دلالة اللفظ على معنى واحد، ودلالاته على معان مشتركة نوعا من البلاغة بذلك فإن المشترك اللفظي يعد رافدا لغويا لعدد من المحسنات البديعية.

المصادر والمراجع:

  1. ابن هشام، السيرة النبوية، بيروت: دار المعرفة، بلا تاريخ، ص 5252.
  2. الرافعي، مصطفى صادق، إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، بيروت: دار الكتاب العربي، ط 8، 2005م.
  3. الصالح، صبحي، دراسات في فقه اللغة، بيروت: دار العلم للملايين، ص 302.
    [المصدر الإلكتروني: https://al-maktaba.org/book/9998/292#p3]
  4. عتيق، عبد العزيز، علم البديع، بيروت: دار النهضة العربية، بلا تاريخ.
  5. علي محمد عشري محمد، التورية دراسة تداولية، مجلة كلية دار العلوم، القاهرة: جامعة القاهرة، العدد 112، ص 207، 2018م.
  6. قاسم، محمد أحمد ديب محيي الدين، علوم البلاغة: البيان والبديع والمعاني، طرابلس: المؤسسة الحديثة للكتاب، 2003م.
  7. قطب، سيد، التصوير الفني في القرآن، القاهرة: دار المعارف، ط 9، 1980م.
  8. اللغة والمعرفة، قضايا البحث البيمعرفي، مجلة النقد الأدبي، المجلد 25، العدد 4.
  9. هبة خير الله، «التورية في اللغة العربية»، موقع سِطور، اطلع عليه بتاريخ 9 أبريل 2022م.
    [الرابط: https://sotor.com/التورية-في-اللغة-العربية]
  10. هنداوي، عبد الحميد (مح.)، عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح، ج 2، ص 243، بيروت: المكتبة العصرية، 2003م.
  11. الهاشمي، أحمد، جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، بيروت: دار الهندواي.
    [الرابط: https://www.hindawi.org/books/85925824/3.1]
  12. دحجروج، علي (مح.)، كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم لمحمد بن علي التهاونوي، ج 1، ص 527، بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 1996م.
  13. شكر، هادي شاكر، أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم، ج 5، ص 15، النجف: مطبعة النعمان، 1969م.
  14. شعيتو، عصام (مج.)، خزانة الأدب وغاية الأرب، ج 2، ص 39، بيروت: دار ومكتبة الهلال، 2004م.
  15. مرزور، نعيم (مج.)، مفتاح العلوم، بيروت: دار الكتب العلمية، ط 2، 1987م.
  16. منصور، فؤاد علي (مح.)، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، ج 1، ص 293، بيروت: دار الكتب العلمية، 1998م.
  17. معجم المعاني، موقع المعاني، اطلع عليه بتاريخ 9 أبريل 2022م. [https://www.almaany.com]

الهوامش:

  1. () معجم المعاني اطلع عليه بتاريخ 2022/4/9، بتصرف.

  2. () عصام شعيتو مع خزانة الأدب وغاية الأرب 39/2

  3. () نعيم زرزور مح، مفتاح العلوم 427

  4. () قاسم، ديب علوم البلاغة البيان والبديع جامعة المدينة ، 441/1.

  5. () أحمد الهاشمي جواهر البلاغة، في المعاني والبيان والبديع https://www.hindawi.org/books/85925824/3.1/

  6. () عشري محمد على محمد التورية دراسة تداولية 208

  7. () اللغة والمعرفة قضايا البحث البيمعرفي”، 328

  8. () عبد الحميد هنداوي مح.. عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح، 243/2

  9. () عشري محمد على محمد التورية دراسة تداولية 197

  10. () قاسم، ديب علوم البلاغة البيان والبديع جامعة المدينة، 444/1.

  11. () عبد العزيز عتيق، كتاب علم البديع، 127

  12. () عبد العزيز عتيق، كتاب علم البديع، 126

  13. () هبة خير الله، التورية في اللغة العربية”. https://sotor.com

  14. () عشري محمد على محمد التورية دراسة تداولية 207

  15. () على دحروج مح، كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، 527/1

  16. () سورة التوبة: 29

  17. () الرافعي، إعجاز القرآن والبلاغة النبوية 59

  18. () ابن هشام، السيرة النبوية 255/2

  19. () سيد قطب التصوير الفني في القرآن 34

  20. () قاسم، ديب، علوم البلاغة البيان والبديع جامعة المدينة ، 79/1.

  21. () آل عمران، الآية 21.

  22. () معجم المصطلحات الشرعية، موقع الجمهرة https://islamic-content.com/dictionary/word/8865

  23. () كتاب البلاغة البيان والبديع جامعة المدينة ، 441/1

  24. () صبحي الصالح، دراسات في فقه اللغة، 302

  25. () ابن حجة الحموي، خزانة الأدب، 40/2

  26. () عشري محمد على محمد التورية دراسة تداولية ، 187

  27. () شاكر هادي شكر مح. أنوار الربيع في أنواع البديع 15/5

  28. () السيوطي، المزهر، 293/1

  29. () عشي محمد علي محمد، التورية دراسة تداولية، 207، بتصرف.