الحكاية الشعبية والأسطورة والمثل الشعبي بالريف المغربي: مقاربة سوسيو-أنثروبولوجية

Folk Tale, Myth, and Proverb in Moroccan Rural Society: A Socio-Anthropological Approach

محمد أدراوي1

1 مختبر التراث الثقافي والتنمية، جامعة محمد الأول، وجدة، المغرب.

تحت إشراف فاطمة الزهراء مازاري

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj611/30

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/611/30

المجلد (6) العدد (11). الصفحات: 506 - 516

تاريخ الاستقبال: 2025-10-07 | تاريخ القبول: 2025-10-15 | تاريخ النشر: 2025-11-01

Download PDF

المستخلص: تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الموروث الشفهي المغربي—وخاصة الحكاية الشعبية، والأسطورة، والمثل الشعبي—بوصفه نظاماً رمزياً معقداً يعكس البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع الريفي المغربي، ويعبّر عن آليات الوعي الجمعي في إنتاج المعنى وضبط السلوك وإعادة إنتاج القيم والتراتبية الاجتماعية. اعتمد البحث مقاربة سوسيو–أنثروبولوجية تستند إلى تحليل الرموز، والعلاقات بين النوع الاجتماعي والسلطة والخيال الجمعي، انطلاقاً من أمثلة ريفية مغربية مثل حمو الحلايقي وعيشة قنديشة وكول العام زين. أظهرت النتائج أن الحكاية الشعبية في الريف ليست مجرد ترفٍ حكائي، بل فضاء رمزي للتفاوض الاجتماعي ومقاومة الهيمنة، حيث تقوم بوظائف مزدوجة: حفظ الذاكرة الجماعية من جهة، وممارسة النقد الاجتماعي غير المباشر من جهة أخرى. أما الأسطورة المغربية فتمثل نظاماً رمزياً لإدارة المخاوف الجماعية وتنظيم العلاقة بين المقدس والدنيوي، وتُبرز بوضوح التوتر بين السلطة الأبوية والأنوثة المتمردة. في حين تعكس الأمثال الشعبية منظومة من الحكم الاجتماعية التي تؤطر السلوك وتعيد إنتاج قيم الجماعة عبر صياغة لغوية مكثفة. كما بيّن البحث أن المرأة الريفية تلعب دوراً محورياً في نقل الموروث الشفهي والحفاظ عليه، باعتبارها الراوية الأساسية والذاكرة الجمعية للمجتمع، وأن الموروث الشفهي الريفي يتضمن أبعاداً نوعية وثقافية تكشف عن ambivalence تجاه الأنوثة بين الحكمة والخطر، وتعزز في الوقت نفسه رمزية السلطة الذكورية. ومن خلال تتبع الأعراف المحلية المرتبطة بالحكي وطقوسه، مثل الحكي الليلي وممارسة “العنصرة”، خلصت الدراسة إلى أن التراث الشفهي الريفي يشكّل منظومة ديناميكية تجمع بين المحلي والكوني، بين الوظيفة الاجتماعية والرمزية، وتتيح فهماً معمقاً لآليات تشكّل الهوية الجماعية في الريف المغربي.

الكلمات المفتاحية: الحكاية الشعبية، الأسطورة، الأمثال الشعبية، الرموز الثقافية، الريف المغربي.

Abstract: This study aims to analyze the Moroccan oral heritage—particularly folktales, myths, and proverbs—as a complex symbolic system reflecting the social and cultural structure of rural Moroccan society. It explores how these oral narratives express collective consciousness and reveal mechanisms of meaning production, social control, and the reproduction of values and hierarchies. Adopting a socio-anthropological approach, the study examines the interrelations between symbols, gender, power, and collective imagination, drawing on Moroccan rural examples such as Hamou El Halaïgui, Aïcha Qandisha, and Koul El Aam Zine. The findings indicate that the Moroccan folktale is not merely a form of entertainment but a symbolic arena for social negotiation and resistance to domination, serving dual functions: preserving cultural memory and practicing indirect social critique. Myths, on the other hand, function as symbolic systems for managing collective fears and organizing the relationship between the sacred and the secular, highlighting tensions between patriarchal authority and rebellious femininity. Moroccan proverbs encapsulate communal wisdom and serve as social instruments for reinforcing moral values and behavioral norms through concise linguistic expressions. The study also reveals the central role of rural women as primary storytellers and custodians of oral memory, emphasizing that Moroccan oral tradition embodies gendered and cultural dimensions that reflect ambivalence toward femininity—oscillating between wisdom and danger—while simultaneously reinforcing symbolic male authority. Through the exploration of local storytelling customs and rituals such as nighttime narration and the fire festival (L‘Anṣra), the research concludes that rural oral heritage constitutes a dynamic system that bridges the local and the universal, combining social and symbolic functions to offer a deep understanding of the formation of collective identity in Moroccan rural life.

Keywords: Folk tale, myth, proverbs, cultural symbols, Moroccan countryside.

  1. قدمة تحليلية

لا يمكن فهم المجتمع المغربي دون استحضار النصوص الشفوية التي تنتجها الجماعة وتعيد إنتاجها عبر الزمن. فالحكاية والأسطورة والمثل ليست مجرد أدوات للتسلية، بل وسائل لإعادة التفاوض حول السلطة، القيم، والهوية. عندما تُروى قصة حمو الحلايقي، لا يتعلق الأمر فقط بالدهاء أو السخرية؛ بل يعكس السرد صراع الفرد مع السلطة الاجتماعية، ويقدم رؤية ضمنية لكيفية إدارة الفقر والمحدودية الاجتماعية. هذه النصوص تشكل بذلك “فضاءات رمزية” تسمح للجماعة بالتعبير عن نفسها بطريقة لا يمكن للواقع الاجتماعي الرسمي أن يسمح بها.

  1. التحليل السوسيو-أنثروبولوجي للحكاية الشعبية

الحكاية الشعبية المغربية تمثل آلية مزدوجة: فهي تحفظ الذاكرة الثقافية وتعمل كـ”أداة نقد اجتماعي” ضمن حدود الرموز المقبولة. فمثلاً، شخصية حمو الحلايقي ليست مجرد بطل ذكي، بل رمز للمقاومة الرمزية، حيث يكشف عن ثغرات السلطة الاجتماعية عبر الذكاء والفكاهة. تحليل هذه الحكاية يظهر أن الجماعة الشعبية تستخدم السرد لموازنة العلاقات الاجتماعية غير المتكافئة، ولإيجاد مساحة رمزية للرفض أو التهكم على القواعد المفروضة.

يمكن تفسير ذلك بأن الحكاية تعمل كمرآة للوعي الجمعي المغربي، حيث تتجسد القيم مثل العدالة، الشجاعة، والدهاء في الشخصيات الرمزية، ويتم التعبير عن المخاوف الجماعية والمطامح الفردية عبر السرد الرمزي.

  1. الأسطورة: التوتر بين الخيال والواقع الاجتماعي

الأسطورة المغربية، كما في حالة عيشة قنديشة، تكشف عن صراعات رمزية متعلقة بالنوع الاجتماعي والسلطة الأبوية. فالأسطورة لا تقدم مجرد حكاية خارقة، بل تعكس صراع المجتمع مع الخروج عن القواعد، والتوتر بين ما هو اجتماعيًا مقبول وما هو مرفوض.

تحليل الأسطورة يظهر كيف يتم تحويل المخاطر الاجتماعية إلى رموز خوفية: المرأة الخارجة عن المألوف تصبح كائنًا مهيمنًا، والرجال يمثلون السلطة المنظمة. هذا التحليل يوضح أن الأسطورة تعمل كـ”نظام تنبيه رمزي”، يحافظ على القيم المهيمنة ويعيد إنتاج الهيمنة الرمزية على السلوك الاجتماعي، خاصة فيما يتعلق بالأنوثة والجنس.

  1. المثل الشعبي: تقطير الحكمة الجماعية

الأمثال الشعبية المغربية لا تنقل الخبرة فقط، بل تشكل آلية تحليل اجتماعي ضمنية. مثل كول العام زين يعكس فلسفة القبول بالقدر، ويكشف عن سلوك ثقافي في مواجهة الحوادث اليومية. أما مثل اللي دارها بيده يفكها بسنانه فهو تعليم ضمني حول المسؤولية الفردية.

التحليل السوسيو-أنثروبولوجي يظهر أن الأمثال تعمل كـ”شبكة رمزية” تربط الفرد بالمجتمع، وتعيد إنتاج القيم الاجتماعية بطريقة غير مباشرة، كما أنها تكشف عن الوعي الجمعي المغربي في التعامل مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية والنوع الاجتماعي.

  1. البعد الرمزي والنوعي في الموروث الشفهي

التحليل العميق يظهر أن النصوص الشفوية المغربية تصوغ صورًا نمطية معقدة عن الجنسين:

  • المرأة غالبًا بين قطبي الحكمة والخطر، ما يعكس ambivalence ثقافية مرتبطة بالأنوثة والسلطة الأبوية.
  • الرجل يمثل الفاعل الاجتماعي المهيمن، ويظهر في النصوص كحامل للقيم والسلطة.

هذا التحليل يؤكد أن الموروث الشفهي ليس محايدًا جنسياً، بل يعيد إنتاج التراتبية والهيمنة الرمزية عبر الرموز الثقافية.

  1. الوظائف الاجتماعية والثقافية

من خلال التحليل، يمكن ملاحظة أن الموروث الشفهي المغربي:

  • يحفظ الذاكرة الثقافية، عبر نقل تجارب المجتمع وقيمه.
  • يضبط السلوك الاجتماعي، من خلال العقاب الرمزي والمكافأة في السرد والأسطورة.
  • ينتج ويعيد إنتاج الهويات، بما في ذلك الهوية النوعية والهوية الثقافية.
  • يعكس التوترات الاجتماعية، بين السلطة والمقاومة، بين المخاطر والخيال، بين الذكر والأنثى.

المحور الثاني: سياق تشكل الحكاية الشعبية في مجتمع البحث

تمهيد

سنسلط الضوء على موضوع يقع في قلب المشهد الثقافي في منطقة البحث وهو الحكاية الشعبية، والحديث عن هذه التيمة يقودنا مباشرة للتغلغل والحفر في ذاكرة ووجدان الإنسان بمنطقة البحث والريف عموما، طبعا هذه الذاكرة قديمة قدم الذات واستطاعت أن تمتد في الزمن وهذا دليل على أن الحكاية الشعبية لعبت أدورا في الحفاظ على تماسك هذه المجتمعات وليس كما يعتقد البعض انها تدخل في نطاق الفلكلور الشعبي الذي يعرض للاستهلاك الداخلي والخارجي. وبطبيعة الحال الانسان الريفي بمجتمع البحث اشتهر بقيم إيجابية عديدة لا تعد ولا تحصى، فرضتها عليه طبيعة المنطقة وتاريخها والظروف الحياتية والجغرافية والحضارية إذ أن منطقة البحث تنتمي إلى منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط التي احتضنت أعرق الحضارات وعرفت تلاقح ثقافات كما اسلفت، وفي الغالب الإنسان المنتمي إلى هذه المناطق الجبلية ميال بطبيعته إلى الحرية وتحكمه ثقافة الأرض التي يرتبط بها ارتباطا وثيقا وفي اعتقادنا هذا المعطى على الأقل ساهم في خلق تصورات حوله في مجملها إيجابية، من قبيل الإنسان في المنطقة “يموت على ولادوا ولا على بلادو” أي أنه متمسك بكرامته ومحب للحياة كلما استطاع إليها سبيلا.

في هذا المحور سنحاول النبش في الكثير من مقومات التي تشكل إحدى الدعامات وتدخل في عمق وتركيب الحكاية الشعبية ب ” كرت” والريف عموما والتي لازالت صالحة لكل الأزمان بل وينشأ عليها الخلف نسوق أبرزها -على سبيل التمثيل لا الحصر-موقفهم من الأبطال التاريخيين الذين كتبوا تاريخ المنطقة بمداد من ذهب، فهذا البطل هو بالنهاية إنسان عادي واقعي، لكن الاجيال المتعاقبة يصبغون عليهم كل الصفات الممكنة والغير الممكنة وكل الصفات الخارقة والايجابية وطبعا يضفون عليهم صبغة القداسة لدرجة التأليه، بذلك يدخل في باب التصور الخرافي والأسطوري، فالحكايات الشعبية بالمنطقة في الكثير من الأحيان دائما ما ترهن مستقبلها بعودة هؤلاء الأبطال، لذلك فهم لا يتقبلون فكرة اللا عودة لهؤلاء ولعل ذلك هو ما يفسر استمرار تساؤل اهل منطقة “كرت” والريف عموما حول عدم عودة عبد الكريم الخطابي -وطرح هذا السؤال في كل مرة والتشبث به- إلى الريف، طبعا هي تصورات مرتبطة بموضوع محورنا والتي تطغى عليها الرغبة والخيال والوهم بل وحتى الخرافة في كثير من الأحيان.

أ-الأسطورة، الحكاية الخرافية والحكاية الشعبية ب “كرت”

الفروق بين هذه الأنواع متقاطعة ومتباينة في الان نفسه لذلك ينبغي التدقيق في هذه المفاهيم لاستجلاء الغموض الذي يكتنفها:

  • الاسطورة

على الرغم من تقاطعها مع الحكاية والخرافة، مع ذلك هناك اختلاف أولا في الوظيفة وفي البنية.

الاسطورة هي نمط من التفكير الجنيني أو الطفولي التأملي في الكون وفي خلق الانسان، فالعقل البشري في بداياته الأولى لم يكن قادرا على تقديم إجابات علمية حول مجموعة من الظواهر التي اصطدم بها، وهنا نسوق بعض الأساطير التي اشتغل عليها الانثربولوجي الفرنسي “كلود ليفي ستراوس” في بعض الجماعة الهندية الذين كانوا يرجعون أصل ظواهر طبيعية من قبيل “الريح” و “المطر” إلى إبداع أبطال ينتمون إلى تلك المجموعات، لذلك فالمجتمع هو من يضفي طابع القدسية ويؤله أبطال المجتمع ويجعل منهم أساطير، لذلك أمكننا القول أن الأسطورة صناعة انسانية. وهناك من الدارسين الانثربولوجيين من اعتبروا الأسطورة مجرد قصة ولكنها حقيقة حية، وذلك لأدوارها الوظيفية الجلية وتأثيرها في العالم وفي مصير الناس، لذلك استطاعت أن تعمر وتمتد وتعيش في طقوسهم وشعائرهم وأخلاقياتهم، لذلك عندما انبرى “افانز بريتشارد” في دراسته ل”قبائل النوير”، فإنه لم يهتم أن كانت هذه الأسطورة صحيحة أم خاطئة بقدر ما اهتم بما تقدمه للناس من خدمات ووظائف. هكذا نشأت وتشكلت الاسطورة بدافع الحاجة وفهم الكون وظواهره، أمام جنينية العقل، لذلك هذا الفهم تميز بشموليته وبطبيعته الما وراء الطبيعية التي تفسر الطبيعي بما هو طبيعي ومادي ومملموس.

  • الحكاية الخرافية

إذا ما حاولنا التحدث عن نشأتها وتشكلها، فهي رغم تقاطعها مع الأسطورة إلا أن هناك خيط رقيق يفصل بينهما، فإذا كانت الأسطورة محاولة فهم وتقديم إجابات حول ظاهرة اجتماعية أو طبيعية في المراحل الأولى البدائية للإنسان، فإن الحكاية الخرافية قد نجدها تفرض وجودها في المجتمعات الحالية، وهي ببساطة تبرز نتيجة فقدان التوازن بين الرغبات الذاتية والطموح المتزايد والقدرة العقلية المحدودة، فالإنسان دائما تواق لتحقيق أحلام ورغبات، وعندما يفشل في ترجمتها على أرض الواقع يطلق العنان للخيال والعواطف ويجيش كل أفكاره لبناء عوالم خرافية وسحرية، لذلك فهو عادة ما يخلق أشخاص وهميين وأشباح وجن يعطيها مكانة مرموقة وتحتل مركز الصدارة في حكاياته الخرافية.

ويذهب التطوريين إلى القول بأن الحكاية الخرافية هي مرحلة أكثر تطورا من الأسطورة، لأنها من وجهة نظرهم استطاعت على الأقل التخلص من الاسطوري إلى التفكير الخرافي.

فهذا الجنس استطاع تجاوز الرؤية التأملية الأسطورية وانكب على التفكير ولو خرافيا على الظواهر المجتمعية التي تتمتع بقواعد وقوانين وعادات يفترض الحفاظ عليها وتمددها في الزمن. ومن الرواد والعلامات البارزة الذين اشتغلوا على هذا الجنس واشتغلوا على مرفلوجية الحكاية الشعبية الروسية، هو “بروب V.propp”.

إذن خلاصة القول يمكن أن نفهم مما تقدم أن الأجناس الثلاث الأسطورة والحكاية الخرافية والشعبية، هي أجناس تعبر عن نوعية التفكير الذي خضع لمنطق تطوري ابتدأ بتأمل وتفسير الطبيعي لينتقل لاحقا للتفكير في الظاهرة الاجتماعية رغم افتقار العقل البشري في هذه المرحلة لأليات التحليل.

بعد هذا التحديد للمفاهيمي سنحاول الحفر في أعراف الحكي في الحكاية الشعبية بمجتمعنا الدراسي “كارت” بالريف.

ب-الأعراف المحلية ب “كرت”

  • العرف الأول

جرت العادة في مجتمعنا الدراسي أن تروي الجدات الحكاية الشعبية، باحترام تام لمقدمة الحكاية التي دائما وأبدا تتشكل من لازمة تتكرر في كل حكاية سواء درامية أو هزلية أو حتى تلك المرتبطة بفك لغز ما، هذه الحقيقة في حياة الريفيين أكد عليها الناقذ “عبد الفتاح كيليطو” حين قال “إن السرد الكلاسيكي والشعبي يحرص على احترام افتتاحية معينة تتكرر بصفة ملحوظة وأن شيئا من التفكير يجعلنا نعتقد بأن السرد القديم يحترم كذلك خاتمة معينة تؤكد نهاية الحكاية وتثبت أهمية الإطار”[1]

إن الحكاية الشعبية “بكرت” كما ترويها الجدات يسوق لنا الأستاذ “محمد أقضاض” مثالا حيا من الواقع الريفي في مقاله إذ يقول “بأن الحكاية الشعبية تبدأ بعبارة “حجيتك ما جيتك”، “سيسكو اتيازيت، نش اذ شغ ثمصات شك اتشاذ اثقنصات”، افترض ترجمة هذه اللازمة على الشكل التالي: “حكاية صغيرة، الكسكس بالدجاج. أنا آكل الفخذة وانت تأكل المؤخرة” تتكون هذه اللازمة من ثلاث وحدات توفر تشكلا إيقاعيا، تنتهي كل منها بنبرة متكررة أو متشابهة التركيب هي “يت” يحتفظ الراوي على الوحدتين الأولى والثانية دائما بينما لا تذكر اللازمة الثالثة إلا إذا كان الفضاء يسمح بالاختراق الأخلاقي خاصة مع الأطفال أو بين أفراد من نفس الجنس والسن لما فيها من خدش للأخلاق، وهي تحمل روح المرح والسخرية”[2]

إذا ما حاولنا التدقيق في هذا المقطع يتبين لنا منذ الوهلة الأولى أنه يتكون من وحدة ذات مصدر لغوي عربي فكلمة حجيتك ما جيتك مشتقة من اللغة العربية، والمقصود بها الأحجية أو الأحاجي وهي تدل على الكلام الملغز وتطفو معانيه على السطح أو القشرة الخارجية للأشياء بل يتطلب فكه قدرا كبيرا من التركيز والتفكير فمعنى الأحاجي تكون في العادة تاوية ومخبأة في اللفظ. وهذه الأحجيات أو الأحاجي أضحت تراثا يؤثث الذاكرة الشعبية خصوصا المجتمعات التقليدية التي يكون فيه الزمن بطيئا وبعيدة عن الوسائطية أقصد هنا مذياع، تلفاز، أو أي وسيلة ينشغل بها الانسان وتبطئ من تدفق وانسيابية الزمن.

لكن الملاحظ أن كلمة أحاجي تم تمزيغها في مجتمع البحث إلى “اتحاجيت أنتوافيت” وكلمة “حاجيتك وما جيتك” لها دلالة، فأن يول الراوي حاجيتك معناها انها يختبر قدرتك وسرعة بديهتك، والمقصود ب”ماجيتك” يري بعض النقاذ أن الكلمة وردت بشكل اعتباطي، لكن هناك تفسيرات من بعض الأشخاص في مجتمعنا المحلي الذين يفترضون أن راوي اللغز لن يسرع في تقديم المساعدة. الملاحظ أن التركيب الأمازيغي قادر على استيعاب كلمات من لغات مجاورة وتحديدا العربية، وهناك العديد من الأمثلة في هذا الباب على سبيل المثال لاحصر، مصطلح “ثنفيست” – تنفاس، …

وبالرجوع إلي أفكار “دوسوسير” الذي تحدث عن علاقة الدال بالمدلول أنها علاقة اعتباطية، كذلك تركيب العبارة الافتتاحية للأحجية المندرجة في إطار الحكاية الشعبية “حاجيتك ما جيتك” تركيب اعتباطي لا منطق له في علاقة داله بمدلوله، لكن مع ذلك يذهب البعض إلى أن المقطع ينم عن قدر من التشويق والمتعة التي تثيرها الحكاية، طبعا هذه المتعة يجب تجسيدها على أرض الواقع، وبالتالي فإن الأرحام الأولى الجدات والأمهات كانتا يشبهان الأحجية بالأكلة اللذيذة التي تجتمع حولها المنطقة “الكسكس” هذه الأكلة الشهيرة أضحت تشكل هوية جماعية في المنطقة، لذلك يسارع الناس إلى تشبيه الحكاية الشعبية، والموقف لا يخلو من استعارة، فالكسكس باللحم أو الدجاج تتلهف الساكنة في مختلف الأعمار للفوز بتذوقه والاستمتاع به، وما يصاحب اللمة حول “قصرية الكسكس” من فرح ومتعة وترويح عن النفس، كذلك يظل في بعده الغذائي رمزا لتوفير الطاقة وتغذية الجسم بكل ما يلزم لمجابهة الصعاب، والكد في الحقول وأن وجه الشبه بين أكلة الكسكس والحكاية الشعبية بمجتمع البحث يمكن إرجاعها إلى موقفين اثنين على الأقل، فكلاهما يغذيان الروح والعقل ويخففان من تعب الحياة وبعض التوترات النفسية، لذلك يركز السارد أو الحكواتي على ضرورة الاسراع للاستمتاع لتناول وجبة الكسكس بالدجاج لذلك نجده يلح إلى الالتحاق مبكرا للتمتع بفخد أو صدر الدجاج، اما أن تباطأت فلن تجد أمامك الا مؤخرة الدجاج وفي منطقتنا من يأكل الفخد والصدر له مكانة اجتماعية مرموقة، لذلك فإن بقي السامع للحكاية خارج الدائرة فلن يستفيد من الوجبة جيدا.

الموقف يكمن في كون الكسكس يتطلب الجماعة و اللمة كذلك، الأحاجي أو الحكاية الشعبية لا تحقق أهدافها ومعانيها إلا بتوفر هذا الشرط، الكسكس يستهلك جماعيا الكل يشارك، فعادة ما تنشغل الجدة بإعداد “لقمة من الكسكس” على شكل كرة دائرية للأطفال وحتى للكبار كذلك الحكي كثيرا ما يكون جماعيا ومشتركا، فكل من له القدرة على الحكي، وقادر على استمالة الجماعة، يحكي حكايته، وبذلك يعتبر كل الحضور فاعلين في العملية السردية والحكائية أو ما يمكن أن نسميه بلغة “بريخث” -تحطيم الجدار الرابع ببعض التحفظ-، خصوصا وأن الليلة الواحدة يمكن تروى فيها حكايات عديدة من ساردين مختلفين، خصوصا وأن الزمن في مجتمعنا الدراسي التقليدي بطيئا.

  • العرف الثاني

بمجتمعنا الدراسي “كرت” زمن الحكي لا يكون إلى أثناء الليل، وتحديدا عندما يهب الجميع إلى النوم، وذلك لاعتبار أن الحكي يساعد الفرد على النوم خصوصا إذا كان مصابا بالأرق، ثانيا في هذا الزمن بالذات هناك امكانية متاحة للترفيه فمجتمعنا مجتمع تقليدي، يكدح فيه الرجل والمرأة على السواء، فالنساء يقمن بوظائف متعددة منها جلب العلف للماشية، تنظيف الاسطبلات، سقي الماء، اعداد الخبز… وبالنسبة للرجل يتجه لوظائف الحرث، الحصاد، التجارة، أو بعض الصناعات التقليدية التي تزخر بها المنطقة. و جرت العادة أن يمنع الحكي خلال النهار وهذا المنع صار عرفا لا يمكن تخطيه بأي حال من الأحوال، لأن ممارسة الحكي نهارا يعرض الحاكي لعقاب غير مباشر، واستقينا من خلال مقابلاتنا مع مبحوثين مسنين أن القيام بهذا العمل هو خرق سافر قد تترتب عنه أمراض تساقط الشعر، أو انجاب أطفال “صلعا” أي بلا شعر، والدلالة التي يمكن استخلاصها هنا هو أن هذا الزعم رغم تفاهته من وجهة نظرنا نحن، فإنه كان يحمل في ثناياه معاني متعددة، ويقوم بوظيفة خفية مسكوت عنها ، فبنسبة للريفي لا يشجع أبناءه في تنشئتهم على التراخي والتقاعس أثناء النهار، لأن النهار بالنسبة له هو زمن الكد والجد والعمل الدؤوب والمضني، فحتى الأطفال لا يستثنون من هذه التربية و الفلسفة التي تحث على العمل فتراهم ينتشرون في الحقول يسرحون البهائم ويساعدون ذويهم كبار السن ، ويجلبون المياه ومنهم من يذهب إلى المسيد أو المدرسة إن هي توفرت، وقد تراهم يقتنصون بعض الوقت للعب الجماعي أثناء عملهم.

كما أن الحكاية الشعبية لا تستقيم الا أثناء الليل، لأن التركيز أثناء النهار يكون مشتتا، وبذلك تضمحل القدرة على التخيل والتفكير والتأمل والتتبع، بطبيعة الحال لذلك لا تفي الحكاية الشعبية بالغرض ولا تؤدي أدوارها ووظائفها. أما في الليل فالإنسان يشعر بالرغبة الأكيدة للتخفيف من تعب النهار وتهدئة النفس والتمتع بقدر من الارتخاء واستراحة للأعصاب.

  • العرف الثالث

مكانة المرأة في المجتمعات التقليدية، أساسية وجوهرية فهي الحاضنة والمسؤولة عن التراث والناقلة له للأجيال القادمة، لذلك أوكلت مهمة عملية الحكي للمرأة، بالدرجة الأولى الجدة هي تعتبر بحق مرجع وخزان حقيقي للتراث بكل أنواعه وهي المحافظة على التاريخ الاجتماعي للمنطقة، تليها الأم ثم الأخت الكبرى أو العمة أو الجارة … الريف ومنطقة البحث كرت” تختلف كلية عن جميع ربوع المغرب ،ففي مناطق أخرى كبلاد جبالة أو غمارة أو حتى عند الفاسيبن والمراكشيين فإن الرجال في كثير من الأحيان وفي جلسات عامة للترفيه يحكون الأحجيات والحكايات، لكن في الريف الأمر يختلف تماما فهذه المهمة من اختصاص النساء. أكدنا في فيما سبق وتحديدا في العرف الثاني أن الأحجية تحكى بالليل، وفي حالة ما إذا تم هذا العرف وتم حكيها بالنهار تصاب المرأة بالصلع، وهذا الأمر المفزع بالنسبة للمرأة جعلها تحرص كل الحرص على حكي الأحجيات ليلا، لأن رمزية وقيمة الشعر الطويل وطوله وكثافته من علامات المرأة الريفية لذلك فهي لا يمكنها بأي حال من الأحوال سرد الحكايات والأحاجي نهارا، وما يؤكد على أن الشعر الطويل نموذج من نماذج جمال المرأة الريفية حضور “سالف نونجا” في الحكايات الشعبية وهي إحدى الشخصيات الرئيسية التي تؤثث المشهد الحكائي في الريف. هذا بالإضافة إلى كثرة مهام المرأة الريفية في النهار من تنشئة للأطفال وحمايتهم وغرس فيهم قيم الجماعة والعائلة والعشيرة، لذلك طبعت الحكاية الشعبية في الريف وفي مجتمعنا تحديدا بطابع نسوي ويتجلى ذلك بوضوح:

-أولا الراوي أو السارد، هو امرأة بالضرورة.

-ثانيا عدد شخوص الحكايات الشعبية يغلب عليها الطابع النسائي.

-ثالثا الحكايات تركز في موضوعاتها على تصرفات المرأة ودهائها ويقظتها وفطنتها في التعامل مع الأحداث.

وهو ما يدفعنا لطرح التساؤل التالي: ما مقصدية الحكاية الشعبية ب “كرت”؟

  • المقصدية الأولى

الواقع أن الحاكي وهو يحكي حكايته، لا يضع في حسبانه البتة ابعادها الدلالية والوظيفية والرمزية، فهو يحكي حكايته الريفية دون أن يحدد أهداف ما يحكي. لكن الوظائف التي تنتجها الحكاية بمجتمع البحث تلقائية وتحقق أهداف بشكل غير مباشر. ومن بين أهم الوظائف النمطية في الحكاية الشعبية وظيفة التنشئة وتربية الخلف، فالحكاية تنقل قيم المجتمع الإنسانية والاجتماعية والأخلاقية التي في العادة تجسدها الشخصية الرئيسية/البطل .من بين هذه القيم الصبر، الرجولة، العطاء، الإيثار، مواجهة المصاعب، الكرم، مساعدة الضعيف، استعمال العقل والذهاء لتجنب المشكلات…، كما نؤكد على البعد التواصلي التي تلعبه الحكاية الشعبية بين أطراف متعددة تنصت إلى أجزاء الحكاية فالعملية برمتها في قدر كبير من الانصات والتأمل الجماعي وفي الان نفسه تستوجب استعمال الذكاء وإعمال العقل. كما يجدر بنا التأكيد على أهمية اللغة التي يعمل المتلقي على اكتسابها وكذلك العمل على فك مغاليقها حتى يتسنى له أن يتواصل انسانيا واجتماعيا

والجدير بالقول أن هذه الحكايات الشعبية، تسمو على الخطاب التقريري المباشر، لما تحتويه من إبداع وخيال الذي ينزاح عن التصوير الواقعي الفوتوغرافي إلى أخر غرائبي، “فانتازي” مكسر للمنطق اليومي المعاش، وهو الأمر الذي يستنفر العقول ويفتح باب وافاق الخيال على مصرعيها ويستفز الذاكرة من أجل بناء رؤية إلى الواقع والحياة الاجتماعية مستوعبة للواقع كما هو كائن والتفكير أيضا في الآفاق الممكنة.

وللحكي أبعاد أخرى مهمة تندرج في إطار بعد فينومينولوجي صرف فالمتلقي وأثناء الحكي تراه على الدوام مرتبط بالآخر، في إطار تفاعلي صرف، فالارتباط بالآخر من الضرورات إذا ما رغب الفرد مجابهة الأخطار والأهوال، لذلك في الغالب الأعم نجد الحكاية تركز على حماية الطفل و المرأة وحثهم على عدم الخروج من الجماعة، لأنه كما تجسد العديد من الحكايات أن الأخطار والأهوال التي يوجهها الفرد تكون مترتبة عن الخروج القهري أو الاختياري من الجماعي ، وبذلك أن فلسفة الحكايات الشعبية في كليتها تذهب في اتجاه ترميم الجماعة والحفاظ على تماسكها حتى تتمكن من مواجهة الأهوال ومن تم تضمن استمراريتها وامتدادها في الزمن.

وكمثال حي عن هذه الصورة، فالمتلقي من خلال انصاته لهذه الحكايات الشعبية يزداد تشبثه أكثر بالجماعة، الان كما أسلفت المخاطر تسلط على الفرد إذا انزاح عن الجماعة، أسرته على وجه الخصوص، خاصة وأن الكائنات في الطبيعة مخيفة قاتلة كما تصورها الحكاية (تامزة، الافاعي، الادغال…) هي مخلوقات ترمز إلى الخوف والموت والفناء … لذلك فوجودها مرتبط بالأدغال وهي امكنة موحشة، وفي الغالب يتيه فيها الفرد إن هو تسلل من الجماعة، لذلك تبرز الحكاية لتحمي أفراد الجماعة.

  • المقصدية الثانية

المقصدية الثانية هي قصدية دلالية ورمزية بحيث الحكايات الشعبية تكرس سلطة الرجل وفي الوقت ذاتها، فالرجل في الحكايات الشعبية سلطته لا تمس وهو في الغالب الأعم يظل خارج سياق الحكاية وفي أحسن الأحوال يلعب دور الوساطة ودور الصلحاء، طبعا هذه المكانة تؤكد أن المجتمعات الريفية هي مجتمعات بطريقية، أبوية بالرغم من كون المرأة تقوم بأدوار عصية على ألف رجل ورجل، تنهض في صباح الباكر، تجمع الحطب ،تعد الفطور، تخرج الكسيبة إلى الحقل، تكنس، تطبخ وهكذا دون كلل أو ملل على العكس الرجل بمجتمعنا الدراسي يقوم بأعمال محددة، وفي المساء يجتمع الرجال في مقهى عبارة عن “حانوت” يحتسون كؤوس القهوة والشاي ويتنافسون على تتناول عشبة القنب الهندي، طبعا هناك استثناءات، ومع ذلك يحظى الر جل بمكانة اجتماعية مهمة في الوقت المرأة تحظى بمكانة أقل، وبحيف منقطع النظير وبذلك تسلط الأخيرة ضعفها على الأطفال أبناء الضرة أو اليتامى وذلك من أجل اقتناص مكانة لها ولأبنائها.

وتأكيدا على هذه المقصدية الدلالية والرمزية في الحكاية الشعبية بكرت، نشير إلى بعض رموز السلطة وابعادها الدلالية في الأحاجي والحكايات التي ترويها الجدات، فالسلطان على سبيل المثال لا يفرض سلطته على كل الرعية ،بل يكرس اهتمامه لشؤون أهل بيته وتقوية نفوذه ومراكمة ثرواته، وفي الغالب الأعم يتلقى المساعدة من الشخصية الرئيسية، كذلك الحكاية الريفية نلمس ذلك التفاعل والتلاقح الثقافي خصوصا في ما يتعلق باللغة العربية، فإقحام كلمة من القاموس العربي ضرورة لا محيدة عنها وتدخل في صميم شروط الحكي، من قبيل توظيف اسماء، عثمان، عبد الرحمان الذي يحور أحيانا إلى “حب الرمان” ،كذلك توظيف بعض الصفات من قبيل “الجرب”، ناهيك عن التوظيف الديني في الحكايات الشعبية بالمنطقة وهو الأمر الذي ينم على تأثير الديانة الإسلامية في نفوس ساكنة “كارت” وعموم الريف.

كما لا يفوتنا إبراز سمات واضحة لنمط العيش في الحكاية الشعبية بمجتمعنا الدراسي “كارت” والمتمثلة في الطابع الفلاحي الجلي، وتربية الماشية والصيد البحري التقليدي، كما تشمل الحكاية الشعبية تقسيما واضحا للعمل، بين الرجل والمرأة، وحتى الأطفال الذين يكبرون بسرعة في مجتمعنا فتراهم ينخرطون في أعباء الحياة في سن مبكرة.

مما سبق تكون الحكاية الشعبية علامة دالة ومعبرة على مجتمعنا وواقعنا الحضاري، وفي نفس الان لها وظائف ظاهرة وخفية، الاجتماعية والفكرية والتربوية لذلك فالحكاية الشعبية أكثر ارتباطا بالواقع المعيش للساكنة ولمختلف الأعمار من الأسطورة والملحمة والخرافة، والواقع أن الحكاية الشعبية مادة دسمة ساهمت في تشكل القصة والرواية بمفهومهما الحديث.

المحور الثالث: طقس العنصرة بالريف بين المحلي والكوني

معلوم أن منطقة بحثنا “كارت” منطقة تنتمي للمجتمعات التقليدية، وهناك اعتقاد سائد انها مجتمعات راكدة ومتكلسة، والواقع غير ذلك مجتمعنا الدراسي مجتمع دينامي بطقوسه الشعبية الموازية للأنشطة الفلاحية، فعلاقة الإنسان الريفي بمجاله علاقة ضاربة في القدم، لذلك يمكن اعتبار موضوع الطقوس الشعبية الموازية مدخلا سوسيو-ثقافيا ذا أهمية بالغة في رصد هذه التحولات خصوصا في مسألة تفاعلات الإنسان مع الأرض، هذه الأخيرة تعتبر بحق طقس عبور في دورة حياة الأرض.

ونحن نتحدث عن الطقوس المحلية الشعبية الموازية للأنشطة الفلاحية “بكارت” أرى من الضروري تناول طقس فلاحي بالغ الأهمية في كل مجتمعات الريف الشرقي والأوسط والغربي، حتى أن صداه عبر الحدود إلى قبائل غمارة وجبالة وبي مروان …

ويكتسي موضوع العنصرة في صيغته الريفية أهمية بالغة، لأنه موضوع يجسد حقيقة ما طرحناه في البداية عن أن أنثروبولوجيا حوض البحر الأبيض المتوسط، لأن طقس العنصرة لا يقتصر فقط على منطقة بحثنا “كرت” والريف المغربي عموما، ولكنه يمتد في بقاع جغرافية متباعدة، هذا التباعد يمنح الطقس بعدا كونيا. وبذلك سنحاول من خلال بحثنا ملامسة جوانب الموضوع والكشف عن خصوصيته الريفية، والنبش كذلك في المشترك وفي أبعاده الكونية.

من خلال تسليط الضوء اولا على “طقس العنصرة” كظاهرة ثقافية لها جذور وامتدادات في الثقافة الريفية، وهي ما يقتضي منا معالجة الموضوع في إطاره المحلي، لكن مفهوم المحلي لا يشتغل بمعزل عن المؤثرات الخارجية، لذلك سنقارب الموضوع في تقاطعاته واختلافاته مع طقوس مشابهة في ثقافات أخرى وبذلك ستنتظم اشكاليتنا في المبحثين التاليين:

-أين تبرز الخصوصية الريفية في طقس العنصرة؟

-أين تكمن أوجه التقاطعات بين طقس العنصرة في بعده الريفي والطقوس الثقافية الأخرى في البقاع المختلفة من العالم؟

  • التأصيل التاريخي لطقس العنصرة ومرجعياته

عرف حوض البحر الأبيض المتوسط تلاقحا ثقافيا كبيرا بين شعوب المنطقة، فقد مرت به حضارات وثقافات جعلت كل المنطقة وخصوصا جنوب اروبا و شمال أفريقيا وشرق اسيا، تعتبر منطقة ثقافية التي افرزت دينامية حضارية نتج عنها تبادل مجموعة من الظواهر الثقافية نذكر من بينها ،ثقافة الغابة ، تملك الأرض والاستقرار بها، النظام القبلي،… وما يهمنا في هذا المحور طقس العنصرة الذي يعتبر من الظواهر المنتشرة في كل بقاع حوض البحر الأبيض المتوسط الأمر الذي يدفعنا دخول مغامرة البحث عن جذوره والتساؤل عن مرجعيته، الأمر ليس بتلك السهولة المتوقعة خصوصا وان البحث في الجذور التاريخية لطقس العنصرة في نسخته الأمازيغية، الامر يظل مخاتلا ومشوشا خصوصا أذا ما حاولنا البحث في الأصول والنشأة الأولى لهذا الطقس. لذلك لا مفر من الاستعانة بباحثين في حقل السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا.

في هذا الشأن نستحضر “ادموند دوتي” “Edmont Doutté”

إدموند دوتي Edmond Doutté(1867-1926): يؤكد في منجزه المعروف كعمل تاريخي وانثربولوجي كبير “السحر والدين في شمال أفريقيا” أنه ثمة فئة من الممارسات الشعبية ببلدان المغرب، هي طقوس النار. وهي تقام خاصة في أوج الصيف… أما المصدر اللغوي “لعنصرة” فهو مجهول، أو على الأقل المصادر الاشتقاقية التي تقدم لها غير ذات جدوى لتفسر هذا الطقس … ومهما كان الأمر فإذا كان الاسم مقتبسا، فالعيد سابق عليه. فهو احتفال عتيق جدا، إذ يتعلق الأمر هنا بطقوس تمارس بشكل كوني وتتصل بالتصورات الأقدم للإنسانية عن مجرى الأمور الطبيعية”[3]

هذا القول ليس قطعيا ولكنه يكتنفه غموض حول طقس العنصرة لكن من المرجح من خلال “دوتي” أن مرجعية العيد الصيفي لدى الأمازيغ، هي نتاج تلاقح ثقافات وحضارات متعاقبة على منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط ومجتمعنا الدراسي جزء لا يتجزأ من هذا المجال، وإذا ما تبنينا المنظور التطوري في مقاربة الطقس فيمكن اعتباره أي طقس العنصرة، إحدى البقايا بقايا الديانات الوثنية التي عرفتها المنطقة، وهو منظور تطوري دافع عنه “لويس هنري مورغان”، الذي يرى أن بعض المظاهر التي لازالت صامدة في هذه المجتمعات رغم تقادم الزمن فإنها مجرد بقايا ناجمة عن سيرورة الترسيمة التطورية، وهذه البقايا توجد منها أمثلة كثيرة في مجتمعنا الدراسي من قبيل مثلا خطف النساء ففي منطقة البحث يقوم العريس بخطف العروسة هذه العادة بدأت في الانقراض لكنها تثبت حسب التطوريين انها دليل على بروز ما يسمى بالزواج الخارجي.

لذلك وأمام تشوش الرؤية، وغياب حقائق تاريخية حول أصول طقس “العنصرة”، قد نسلم بأن طقس النار هو تراث متوسطي، لكنه في اعتقاد الكثيرين يتجاوز هذه الحدود الجغرافية المتوسطية، فجرت العادة بعد أن ينتهي الأمازيغي بعد سنة من الكد والعمل في الحقول، فبمجرد انتهاءه من الحصاد فأنه كان يخلق لنفسه ولجماعته أجواء فرجوية بقفزه على النار والرقص حولها مرددا أهازيج تعبر عن سعادته، لكن هي نفس الطقوس والمشاهد التي تكررت عند الكرد والفرس في احتفالاتهم الشتوية ضمن احتفالات رأس السنة الفارسية.

خلاصة تحليلية

تحليل الحكاية والأسطورة والمثل الشعبي المغربي يوضح أن الموروث الشفهي ليس مجرد نصوص قديمة، بل شبكة ديناميكية من الرموز الاجتماعية التي تساهم في إنتاج المعنى وضبط القيم.

هذه النصوص تمثل فضاءً للتحليل السوسيو-أنثروبولوجي، حيث تتفاعل البنيات الرمزية مع الواقع الاجتماعي، وتكشف عن طرق المجتمع المغربي في معالجة المخاطر، إدارة السلطة، وإعادة إنتاج التراتبية والنوع الاجتماعي.

إن فهم هذه النصوص يتيح للباحث رؤية عميقة لكيفية تشكل الهوية الجماعية، ولعب الرموز دورًا محوريًا في حياة المجتمع المغربي اليومية.

قائمة المراجع

المراجع العربية

  1. الجابري، محمد عابد. العقل الأخلاقي العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001.
  2. بنسالم حميش. الذاكرة والتاريخ والأسطورة. الدار البيضاء: دار توبقال، 1998.
  3. الخطيبي، عبد الكبير. الذاكرة الموشومة. الدار البيضاء: دار توبقال، 1980.
  4. رحالي، فاطمة الزهراء. الحكاية الشعبية في المغرب: دراسة سوسيولوجية رمزية. الرباط: منشورات كلية الآداب، 2016.
  5. فاطمة المرنيسي. الحريم السياسي: النبي والنساء. بيروت: دار الطليعة، 1991.
  6. عبد الله حمودي. الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الإسلامية. الدار البيضاء: إفريقيا الشرق، 1988.
  7. الحكاية والتأويل دراسة في السرد العربي، دار توبقال للنشر. سلسلة المعرفة الأدبية.
  8. محمد اقضاض، اشكاليات وتجليات ثقافية في الريف، مقال مقاربة سوسيوسيما نطقية للحكاية الشعبية في الريف.
  9. السحر والدين في شمال أفريقيا، إدموند دوتي.

المراجع الأجنبية:

  1. Bourdieu, Pierre. La Distinction: Critique sociale du jugement. Paris: Les Éditions de Minuit, 1979.
  2. Geertz, Clifford. The Interpretation of Cultures. New York: Basic Books, 1973.
  3. Lévi-Strauss, Claude. Anthropologie structurale. Paris: Plon, 1958.
  4. Malinowski, Bronislaw. Myth in Primitive Psychology. London: Kegan Paul, 1926.
  5. Dundes, Alan. Interpreting Folklore. Bloomington: Indiana University Press, 1980.
  6. Propp, Vladimir. Morphology of the Folktale. Austin: University of Texas Press, 1968.
  1. الحكاية والتأويل دراسة في السرد العربي، ص34 دار توبقال للنشر. سلسلة المعرفة الأدبية.

  2. محمد اقضاض، اشكاليات وتجليات ثقافية في الريف، مقال مقاربة سوسيوسيما نطقية للحكاية الشعبية في الريف، ص 83

  3. السحر والدين في شمال أفريقيا، إدموند دوتي، ص: 461 – 462.