الإبادة الجماعية في القانون الدولي (أركان الجريمة وخصائص المحكمة الجنائية الدولية)
Genocide in International Law: Elements of the Crime and the Features of the International Criminal Court
ضياء كاظم جلود جلوب الشمري1
1 حاصل على شهادة الماجستير في القانون العام من الجامعة الاسلامية في لبنان.
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj69/39
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/69/39
المجلد (6) العدد (9). الصفحات: 626 - 640
تاريخ الاستقبال: 2025-08-07 | تاريخ القبول: 2025-08-15 | تاريخ النشر: 2025-09-01
المستخلص: تتناول الدراسة جريمة الإبادة الجماعية بوصفها من أبشع الجرائم الدولية التي تستهدف وجود الإنسان، من خلال تفكيك أركانها في القانون الدولي وبيان نطاق اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بشأنها. اعتمدت الدراسة منهجًا تحليليًا-مقارنًا للنصوص المؤسسة (اتفاقية 1948 ونظام روما الأساسي) واجتهادات المحاكم الجنائية الدولية الخاصة (رواندا ويوغسلافيا)، مع إضاءة على دور المحكمة الجنائية الدولية كآلية قضائية دائمة. خلصت إلى أن الركن المادي يتحقق بارتكاب أحد الأفعال المحددة حصراً (كالقتل وإلحاق الأذى الجسدي أو النفسي وفرض شروط حياتية تؤدي للهلاك…) سواء بالفعل أو بالامتناع متى وُجد واجب قانوني، وفي سياق نمط سلوك واسع ومنهجي موجّه إلى جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه. أما الركن المعنوي فيقوم على القصد الخاص (نية التدمير الكلي أو الجزئي للجماعة)، وهو ما يميز الإبادة عن الجرائم ضد الإنسانية، مع مرونة قضائية في تقدير معنى “الجزئي” وفق الحجم أو الأثر النوعي على الجماعة. وأظهرت الدراسة أن ولاية المحكمة الجنائية الدولية زمنياً غير رجعية وتباشَر بعد نفاذ نظام روما، ومكانياً وشخصياً وفق معايير القبول أو الإحالة وتكاملية الولاية مع القضاء الوطني، بينما يظل اختصاصها موضوعياً محصوراً بالجرائم الأشد خطورة. وتوصي بتعزيز التجريم ليشمل صور “الإبادة الثقافية”، وإلغاء القيود التي تسمح بتأجيل الاختصاص، وتوسيع التعاون والتشريعات الوطنية لضمان عدم الإفلات من العقاب.
الكلمات المفتاحية: الإبادة الجماعية؛ القصد الخاص؛ الركن المادي؛ الركن المعنوي؛ نظام روما الأساسي؛ المحكمة الجنائية الدولية؛ الاختصاص الزماني والمكاني؛ اتفاقية 1948.
Abstract: This study examines genocide as one of the gravest international crimes targeting human existence, by unpacking its constituent elements under international law and delineating the scope of the International Criminal Court’s (ICC) jurisdiction over it. It adopts an analytical–comparative approach to the foundational texts—the 1948 Genocide Convention and the Rome Statute—and to the case law of the ad hoc international criminal tribunals for Rwanda and the former Yugoslavia, while highlighting the ICC’s role as a permanent judicial mechanism. The findings indicate that the material element is satisfied by committing one or more of the exhaustively enumerated acts (e.g., killing, inflicting bodily or mental harm, or imposing life conditions intended to bring about physical destruction), whether by commission or omission where a legal duty exists, and within a pattern of widespread and systematic conduct directed at a national, ethnic, racial, or religious group as such. The mental element requires special intent to destroy the group, in whole or in part—distinguishing genocide from crimes against humanity—with judicial flexibility in assessing what constitutes “in part” in terms of quantitative magnitude or qualitative impact. The study further shows that the ICC’s temporal jurisdiction is non-retroactive and applies only after the Rome Statute’s entry into force; that territorial, personal, and complementarity parameters govern the exercise of jurisdiction; and that its subject-matter jurisdiction is confined to the most serious crimes. It recommends expanding criminalization to encompass forms of “cultural genocide,” repealing provisions that allow deferral of jurisdiction, and strengthening cooperation and domestic legislation to ensure there is no impunity.
Keywords: Genocide; special intent; material element; mental element; Rome Statute; International Criminal Court; temporal and territorial jurisdiction; 1948 Genocide Convention.
المقدمة
يصف القانون الدولي الإبادة الجماعية بأنها جريمة خطيرة. وقد ورد تعريف لها حالياً في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 9 ديسمبر/كانون الأول من عام 1948.
توصف الإبادة الجماعية بأنها فعل محدد (القتل، إلحاق أذى جسدي أو روحي …) ” يرتكب بنية التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية بصفتها هذه ” . وعلى الدول الأطراف في الاتفاقية، وعددها حالياً 120 دولة تقريباً، واجب اتخاذ التدابير التشريعية الوطنية اللازمة لضمان تنفيذ أحكام هذه الاتفاقية، وعلى وجه الخصوص النص على عقوبات جنائية تنزل بمرتكبي هذه الجريمة.
وتكون المحاكم المختصة في محاكمة مرتكبي الإبادة الجماعية هي محاكم الدولة التي ارتكب الفعل على أرضها، مع مراعاة تشكيل سلطة قضائية دولية. ولا تعتبر الإبادة الجماعية جريمة سياسية أبداً في ما يتعلق بتسليم المجرمين.
تنص الاتفاقية على أنه يجوز للدول الأطراف أن تطلب من أجهزة الأمم المتحدة المختصة أن تتخذ، طبقا لميثاق الأمم المتحدة، ما تراه مناسباً من التدابير لمنع وقمع أفعال الإبادة الجماعية([1]).
تعتبر مخلفات الحرب العالمية الثانية لعام 1939 وأشد وحقبة خطورة لما انطوت عليه من جرائم خطيرة وانتهاك للحقوق ولكرامة الشعوب وانتهاك مقومات الحياة المادية والثقافية والإبادة والإبعاد هي جريمة الإبادة الجماعية وعلى إثر ذلك أبرمت اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية أو إبادة الجنس البشري أو جرائم إبادة الأجناس كلها تعبيرات تدل على معنى واحد أو مجموعة أفعال هدفها إبادة الجنس البشري كما حصل في الحرب العالمية الثانية لعام 1939.
بعد أن أبرمت اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها في عام 1948 أخذت هذه الجريمة حيز في فكر الفقهاء وبدأت أقلام الرواد تتجه لتوضيح مدى خطورة هكذا جريمة لكونها تهدف إلى تدمير الجماعات القومية أو العرقية أو الدينية والأثنية.
ونظراً لخطورة جريمة الإبادة الجماعية فقد حيزها القانون الدولي واعتبرها أبشع وأشد الجرائم وحشية وجسامة ويتضح ذلك في نظام روما فقد اشتملت على تعريف الإبادة الجماعية ونصت على الجرائم المتفرعة عنها([2]).
فقد شهدت الإنسانية منذ القِدَم أشد الحروب وأشد الجرائم وحشية وجسامة، وقد كانت هذه الحروب على مستوى عشائري قبَلي. وبعد ظهور الدولة، أصبحت الحروب على مستوى دولي، وبالتالي، أخذت اهتمام المجتمع الدولي لإدارتها ومنع تكرارها، ومهما قيل عن الحروب ومآسيها والدمار الذي يتخلَّف من جرائها قلَّ توضيح مخلفاتها وآثارها وخطورتها، فالحروب أداة هلاك الشعوب الضعيفة.
أهمية البحث
يهدف بحثنا الى تسليط الضوء على الأركان التي يجب توافرها في جريمة الابادة الجماعية كأكثر الظواهر خطورةً على البشرية، نظراً لما تنطوي عليه من مجافاة للضمير الإنساني، ومن مساس بأسمى حق في الوجود، ألا وهو الحق في الحياة، إذ تُباد جماعات بشرية لا لشيء، إلاَّ لأنَّها ترتبط بروابط عرقية، أو دينية إلى زمن قريب لم يكن لهذه الظاهرة أي تفسير قانوني وأي تعريف، رغم حدوثها فعلياً في المجتمعات السابقة. بالإضافة الى تسليط الضوء على اختصاصات المحكمة الجنائية الدولية بوصفها المحكمة المختصة بالنظر في جريمة الإبادة الجماعية.
إشكالية البحث
تعتبر جريمة الإبادة الجماعية من أخطر الجرائم التي مرت على البشرية من أقدم العصور حتى عصرنا الحالي لذلك سنبحث في مشكلة هذا البحث من خلال سؤال رئيسي على الشكل التالي:
ما هي أركان جريمة الإبادة الجماعية؟ وما هي اختصاصاتها؟
ومن خلال السؤال الرئيسي السابق يثور لدينا العديد من الأسئلة الفرعية على الشكل التالي:
- ما هو الركن المادي لجريمة الإبادة الجماعية؟
- ما هو الركن المعنوي لجريمة الإبادة الجماعية؟
- ما هو اختصاص المحكمة الجنائية الدولية لجريمة الإبادة الجماعية من حيث الزمان والمكان؟
- ما هو اختصاص المحكمة الجنائية الدولية لجريمة الإبادة الجماعية من حيث الموضوع؟
خطة البحث:
المطلب الأول: أركان جريمة الإبادة الجماعية.
الفرع الأول: الركن المادي للجريمة.
الفرع الثاني: الركن المعنوي للجريمة.
المطلب الثاني: اختصاصات المحكمة الجنائية الدولية.
الفرع الأول: اختصاص المحكمة الجنائية الدولية الدائمة من حيث الزمان والمكان.
الفرع الثاني: اختصاص المحكمة الجنائية الدولية الدائمة من حيث الموضوع.
المطلب الأول
أركان جريمة الإبادة الجماعية
يتوجَّب لقيام جريمة الإبادة الجماعية أنْ يكون السلوك الجرمي موجّهاً إلى إحدى الجماعات المشمولة بالتعريف الوارد ضمن المادة (6) من نظام روما الأساسي، فليست أي جماعة هي التي تصلح محلاً لهذه الجريمة، فالفعل المكوّن للركن المادي لجريمة الإبادة الجماعية يتَّصف بأنّه ذو صفة تمييزية. وهذه الصِّفة تسمح بالتمييز بين الإبادة الجماعية والجرائم ضدّ الإنسانية، فصوَر السلوك الجرمي في جريمة الإبادة الجماعية ذات صلة بتدمير الجماعة وبالغاية المرجوة من إتيانها.
وعليه، فإنّ جريمة الإبادة الجماعية وبعد تأكيد حصولها ضمن الجرائم بالقياسات الأكاديمية لدراسة الجريمة في العلوم الجنائية، فهي بهذه الحالة تكون مثلها مثل باقي الجرائم، أي لها ركنين مادي ومعنوي”، لأنَّ الإنسان كيانان: كيان مادي وكيان معنوي”([3]).
لذا، سوف يقسم هذا المطلب إلى فرعين، كالتالي:
الفرع الأول: الركن المادي للجريمة.
الفرع الثاني: الركن المعنوي للجريمة.
الفرع الأوَّل
الركن المادي للجريمة
يتمثَّل الركن المادي لجريمة الإبادة الجماعية في إتيان أحد الأفعال المكوّنة للسلوك أو أكثر، وهذه الأفعال محدّدة على سبيل الحصر في تعريف جريمة الإبادة الجماعية في الصكوك الدولية المختلفة المتعلقة بهذه الجريمة، ويشترط لقيام هذه الجريمة أنْ يؤدّي الفعل المُرتكب إلى التدمير الكلي أو الجزئي للجماعة فعلاً، فلا يكفي أنْ تتوافر النيّة الجرمية عند مُرتكب الفعل للحصول على هذه النتيجة.
وهذا ما أكدت عليه المادة (6) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، حيث أنّه يشترط لقيام جريمة الإبادة الجماعية أن يؤدي الفعل – المكوّن للركن المادي لهذه الجريمة- إلى التدمير الكّي أو الجزئي للجماعة فعلاً، فلا يكفي أن تتوافر النيّة الجرمية عند مُرتكب الفعل للحصول على هذه النتيجة.
إذن، يتكوّن الركن المادي لجريمة الإبادة الجماعية من سلوك إجرامي معيَّن يأتيه الجاني على أنْ يكون من شأن هذا السلوك إبادة جماعية “قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية”([4]).
ومن السمات المميَّزة للسلوك الجرمي في جريمة الإبادة الجماعية اتساع نطاقه والانتشار الواسع للانتهاكات المترتّبة على إتيانه، وهي سمة لا تقتصر فقط على هذه الجريمة، بل تشاطرها إياها الجرائم ضدّ الإنسانية. لذا ستنصبّ دراسة الركن المادي عموماً على بيان صور السلوك الجرمي المكوّن للجريمة، وعلى اتساع نطاق هذا السلوك الجرمي.
أوَّلاً: السلوك الجرمي:
لا يقتصر السلوك الجرمي المكون للركن المادي لجريمة الإبادة الجماعية على إتيان أحد الأفعال المحدَّدة حصراً في تعريف الإبادة الجماعية، فقد يتحقَّق هذا السلوك الجرمي جرّاء سلوك سلبي قائم على الامتناع عن القيام بعمل ما للحيلولة دون ارتكاب صور السلوك الجرمي الإيجابي لهذه الجريمة أو لمنع استمرار ارتكابها، متى كان مثل هذا العمل واجباً مفروضاً على عاتق الممتنع عن القيام به.
ووفقاً للصكوك الدولية الناظمة لجريمة الإبادة الجماعية والمتضمنة تعريفاً لها، واستناداً للجنة التحضيرية للمحكمة الجنائية الدولية في مشروعها الخاص بنصِّ أركان الجرائم، يشمل السلوك الجرمي المكوّن لجريمة الإبادة الجماعية إتيان أحد الأفعال المحدَّدة في هذه الصكوك أو أكثر. ومن المعروف أنَّ هذه الصكوك كافةً قد جاءت بتعريف واحد لهذه الجريمة، ما يعني أنّها جميعاً تضمَّنت الصور ذاتها المكوِّنة للسلوك الجرمي.
ثانياً: الإبادة الجماعية بالامتناع عن القيام بعمل:
من المتصوَّر وقوع جريمة الإبادة الجماعية نتيجة الامتناع عن القيام بعمل، وقد اتجهت المحاكم الجنائية الدولية الخاصة أو المؤقتة في عددٍ من أحكامها هذا الاتجاه، ففي قضية (Kambanda)، وجدت المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا أنَّ المتهم مسؤول جزائياً عن جريمة إبادة جماعية لعدة أسباب، من ضمنها امتناعه عن القيام بواجبه المُلقى على كاهله بصفته رئيساً للوزراء في رواندا “المتضمن وجوب قيامه بالأعمال اللازمة لوقف المذابح المُرتكبة، ولحماية الأطفال والسكان من مذابح أخرى يحتمل ارتكابها ضدهم”.
إذاً، لا يصلح السلوك السلبي أو الامتناع لتحقيق الركن المادي لجريمة الإبادة الجماعية إلاَّ إذا كان هذا الامتناع مخالفاً لواجب قانوني مفروض على الممتنع، واستناداً إلى ذلك، تنهض المسؤولية الجزائية في مواجهة الرئيس الأعلى عن جريمة الإبادة الجماعية عند امتناعه عن القيام بالتصرفات اللازمة للحيلولة دون ارتكاب الإبادة من قِبل المرؤوسين الخاضعين لسلطته أو لوضع حدّ لجرائم شرَّع المرؤوسون باقترافها([5]).
وليس خافياً ما يحمله الإقرار بمسؤولية الرئيس الأعلى عن جريمة إبادة في هذه الحالة من مظاهر تطوير للقانون الدولي المعاصر بشكلٍ عام، ومن تكريس لحماية حقوق الإنسان الأساسية حماية مباشرة من قِبل النظام القانوني الدولي.
ويُثار التساؤل حول مصدر الواجب المُلقى على كاهل الرئيس الأعلى، والذي يُعدّ الامتناع عنه منتجاً للمسؤولية الجنائية في النظام القانوني الدولي. لا شكّ أنَّ مصدر هذه الواجبات يتمثَّل في القانون الدولي ذاته، سواءً أكان عرفياً أم اتفاقياً، إذا كان الرئيس مسؤولاً عن أفعال مرؤوسيه المكوّنة لجريمة إبادة جماعية عند امتناعه عن وقف أفعالهم أو عن منع وقوعها، فهل يشترط لقيام مسؤولية الرئيس الأعلى وجود قصد الإبادة “لديه والعلم بأفعال مرؤوسيه الجرمية”؟
ليس هناك إجابة واضحة في هذا الخصوص؛ فالفقرة (3) من المادة (6) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا التي تقرّر مسؤولية الرئيس الأعلى بشأن جرائم إبادة جماعية يرتكبها مرؤوسيه، ويمتنع عن اتخاذ التدابير اللازمة لمنعهم من الاستمرار بها، أو للحيلولة دون وقوعها ابتداءً، لا تتضمَّن أي إشارة إزاء مسألة اشتراط توافر نيّة تدمير الجماعة لدى الرئيس الأعلى، لكنَّها تشترط – من جهة أخرى – أنْ يكون الرئيس الأعلى على علم بهذه الأفعال أو أنّه في وضع يُوجب عليه العلم بأفعال مرؤوسيه الصادرة عنهم أو التي سيقترفونها فعلاً.
وفي أحكام صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، أقامت المحكمة المسؤولية الجزائية الدولية عن جرائم إبادة جماعية في مواجهة عدد من الرؤساء عن امتناعهم القيام باتخاذ التدابير الواجبة لوضع حدّ للمذابح المُرتكبة من قِبل مرؤوسيهم. وقد أوضحت في هذا الصدد أنَّ المسؤولية عن جريمة إبادة جماعية في مواجهة الرئيس حال ثبوت أنَّ الامتناع عن القيام بعمل من جانبه كان ناتجاً عن سوء نيّة، أو على الأقل عندما يثبت أنَّ الامتناع كان جسيماً جداً إلى درجة تسمح بالاستدلال بأنّه ينطوي على قبول ورضا بأفعال مرؤوسيه أو على سوء نيّة.
ثالثاً: سعة نطاق السلوك الجرمي:
عبَّرت المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا عن هذه الفكرة في حكمها الصادر بتاريخ 2/9/1998 في قضية “Askayesu”، بقولها أنَّه: ” لاعتبار أي فعل من الأفعال المجرَّمة في الفقرة (2) من المادة (2) من النظام الأساسي للمحكمة مكوّناً لجريمة إبادة جماعية، فلا بد أنْ يرتكب ضدّ شخص أو أكثر من الأشخاص المنتمين لجماعة معيّنة بسبب انتمائهم لهذه الجماعة…”، فارتكاب الفعل الجرمي في جريمة الإبادة الجماعية يتجاوز – وفقاً لحكم المحكمة – مجرد تحقيقه المادي وإخراجه إلى الوجود، فهو مخصَّص في الأصل لتدمير الجماعة تدميراً كليّاً أو جزئيّاً لا لقتل الشخص الضحية بصفته الفردية. فالفعل المكوّن للإبادة الجماعية لا يوجَّه ضدّ الشخص بصفته الفردية، فهو يتعدَّى تلك الغاية إلى غاية أخرى هي تدمير إحدى الجماعات المحدَّدة في تعريف الإبادة الجماعية.
ومن المُلاحَظ أنَّ شرط وجوب أنْ يكون الفعل المكوّن للإبادة قد ارتُكب “في سياق نمط سلوك مماثل” هو شرط أوردته اللجنة التحضيرية للمحكمة الجنائية الدولية في تقريرها الخاص بالصيغة النهائية لمشروع نص أركان الجرائم ضمن الأركان الخاصة بصور ارتكاب الإبادة الجماعية كلها، وهو الشرط الوحيد الذي لم يكن مقرَّراً في تعريف الإبادة الجماعية الوارد في المادة (2) من اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948.
والجدير ذكره في هذا الخصوص، أن هناك صلة واضحة بين الطبيعة العامة للأفعال المكونة للجريمة أو سعة وانتشار المذابح المرتكبة وبين قيام القصد الخاص في هذه الجريمة. ففي قضية “Akayesu”، استخلصت المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا أن انتشار حالات القتل المرتكبة في رواندا واتساعها لتشمل الدولة كلها تساعد على القول بوجود جرائم إبادة جماعية، وقد استندت المحكمة إلى وجود خطة لإبادة جماعة “التوتسي”، وإلى تنظيم المذابح وتوجيهها ضدّ أشخاص سيؤدي هلاكهم إلى تدمير الجماعة، وأن المذابح التي ارتكبت في رواندا عام 1994 لم تكن عشوائية، بل جاءت في سياق نمط كامل هدفت إبادة جماعة “التوتسي”.
يُستخلص من تحليل مختلف الاجتهاد والأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم الجنائية الدولية الخاصة أو المؤقتة بشأن جريمة الإبادة الجماعية أنَّ هذه الجريمة تنطوي على نشاط جرمي واسع الانتشار وجسيم الأثر بالنسبة للأشخاص المنتمين للجماعة المستهدفة من هذا السلوك الجرمي، وإنَّها يجب أنْ تُرتكب في “سياق نمط سلوك مماثل”([6]).
يتَّضح ممّا سبق، أنَّ الركن المادي لجريمة الإبادة الجماعية يتحقَّق في الواقع عند اتصاف الأفعال المكوّنة لها بالاتساع وبالانتشار الواسع. ومن هذه الناحية، فإنَّ جريمة الإبادة الجماعية لا تختلف عن الجرائم ضدّ الإنسانية، فكِلاهما يجب أنْ يكون الفعل المكوّن لها جزءً من هجوم واسع النطاق أو منهجياً، أما العنصر الذي يميّزهما فعلاً، فهو الصفة التمييزية أو الانتقائية للجريمة؛ حيث يعمد الفاعل إلى توجيه فعله ضدّ ضحايا ينتمون إلى إحدى الجماعات المحمية بمقتضى جريمة الإبادة الجماعية. أما في الجرائم ضدّ الإنسانية، فيكون الهجوم موجهاً ضدّ السكان المدنيين على وجه العموم دونما تمييز بينهم على أساس العرق أو الإثنية أو القومية أو الدين. وهذه الصفة التمييزية للفعل لا تكفي وحدها في هذا المجال، فلا بدَّ من توافر نيّة التدمير الكلي أو الجزئي للجماعة المُستهدفة، وهو ما يُعبّر عنه بقصد الإبادة أو بالقصد الخاص لجريمة الإبادة الجماعية.
الفرع الثاني
الركن المعنوي للجريمة
يتمثَّل الركن المعنوي في جريمة الإبادة الجماعية باتجاه إرادة الفاعل لارتكاب أحد الأفعال المكوّنة للسلوك الجرمي في الجريمة مع علمه بأنَّ هذا الفعل محظور ومُعاقب عليه، وذلك بغية تدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية تدميراً كليّاً أو جزئياً، فلا يكتفي في جريمة الإبادة الجماعية بالقصد العام؛ بل لا بدَّ من قصد خاص يتمثَّل في “نية الإبادة” أو في نيّة التدمير الكلي أو الجزئي للجماعة. وقد وصفت جريمة الإبادة الجماعية “بجريمة الجرائم” على أساس القصد الخاص الواجب توافره لقيامها، فهو ضابط أساسي يميّزها عمّا خلاها من الجرائم الدولية.
يجب لقيام جريمة الإبادة الجماعية أيضاً أنْ يتزامن الركن المعنوي مع الركن المادي للجريمة. وبمعنى آخر، يجب أنْ يتآزر الركن المادي والركن المعنوي معاً ليكوّنا وحدة واحدة، وليظهرا سويّاً في هيئة سلوك جرمي ينطبق عليه الوصف المقرَّر قانوناً للإبادة الجماعية.
قد تظهر إزاء اشتراط المعاصرة بين الركنين المادي والمعنوي في جريمة الإبادة الجماعية صعوبة كبيرة، فمن المألوف أنْ ترتكب هذه الجريمة من خلال هرمية وظيفية معيّنة وعبر سلسلة من الأوامر، فعلى رأس هذه السلسلة هناك الأشخاص المخططون والموجّهون لارتكابها، ومن الطبيعي أن تتوافر “نيّة تدمير الجماعة المستهدفة” لدى هؤلاء الأشخاص. وفي نهاية السلسلة يوجد الأشخاص الذين يقومون بتنفيذ الخطة أو بتنفيذ الأوامر الصادرة لهم من الأعلى بإتيان جملة من الأفعال الجرمية، وليس شرطاً أنْ يتوافر القصد الخاص أو “نيّة الإبادة” لدى هؤلاء الأشخاص جميعاً([7]).
وإذا كانت الفقرة (3) من المادة (25) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية قد عالجت هذه المسألة معالجة عامة من خلال تأكيدها على أن الشخص يكون مسؤولاً جزائياً إذا ارتكب الجريمة بصفته الفردية أو بالاشتراك مع آخر أو عن طريق شخص آخر، كما قد يكون مسؤولاً عنها إذا أمر بارتكابها، أو حثّ على ارتكابها، أو قدَّم عوناً، أو حرَّض، أو ساعد بأيّ شكلٍ آخر لتيسير ارتكابها، فإنَّ الأمر يبدو أكثر تعقيداً بخصوص جريمة الإبادة الجماعية. فما هي العلاقة بين “نيّة تدمير الجماعة” وبين العلم بالجريمة؟ وهل ثمَّة صلة بين “القصد الخاص” وحجم الجماعة المستهدفة؟ وكيف يمكن إثبات “نيّة التدمير” لدى مرتكبي الأفعال الجريمة؟
أولاً: العلاقة بين القصد الخاص والعام في جريمة الإبادة الجماعية:
يُثار التساؤل حول إمكانية إدانة شخص ما بارتكاب جريمة إبادة جماعية في الحالة التي يشارك فيها بإتيان فعل من الأفعال الجرمية المكوّنة للركن المادي للجريمة، وكان عالماً أو كان يتوجّب عليه العِلم بأنَّه يُساهم في سلوك جرمي سيفضي إلى تدمير كلي أو جزئي للجماعة الواقع عليها السلوك الجرمي، والتي تصلح أنْ تكون محلّاً لإبادة جماعية.
ثمَّة اتجاه فقهي يتَّجه نحو اعتبار القصد الخاص أو “نية الإبادة” متحقّقة عندما يرتكب الفاعل فعله، وهو عالم بأنَّ الأثر الظاهر لفِعله سيكون التدمير الكلّي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه.
لكن هذه النزعة الفقهية لا تخلو من عيب، فحواه أنَّ تطبيقها قد يجعل الضابط المعوّل عليه لقيام الجريمة متمثّلاً في النتيجة المترتّبة على السلوك الجرمي، وهي تدمير الجماعة، وستؤدّي بالنتيجة إلى أنْ تحلّ النتيجة الجرمية المتوخى تحقيقها محل إدراك مُرتكب الجريمة.
وكما هو معلوم، فإنَّ قيام جريمة الإبادة الجماعية ليس مرتبطاً بتحقّق النتيجة المرجوة فعلاً، فيكفي توافر “نية الإبادة” لدى الفاعل لقيامها. وهذا ما قضت به المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا، إذ أنَّها أكدت على أنّ أي شخص متَّهم بالإبادة الجماعية أو بالمساهمة فيها يجب أنْ تتوافر لديه “نية الإبادة”، فلا يكفي أنْ يكون المتهم إذاً عالماً بأنّه يساهم في التدمير فقط.
ومن الملاحظ في هذا المجال، أنَّ اللجنة التحضيرية للمحكمة الجنائية الدولية قد أشارت في مشروع نص أركان الجرائم، إلى أنَّ الإبادة الجماعية بالقتل – على سبيل المثال – تتحقَّق عند توافر الأركان الآتية([8]):
- أنْ يَقتل مرتكب الجريمة شخصاً أو أكثر.
- أنْ يكون الشخص أو الأشخاص منتمين لجماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية معيَّنة.
- أنْ ينوي مُرتكب الجريمة إهلاك تلك الجماعة القومية أو الإثنية أو العرقية أو الدينية كليّاً أو جزئيّاً بصفتها تلك.
- أنْ يصدر التصرف في سياق نمط سلوك مماثل واضح موجَّه ضدّ تلك الجماعة، أو أنَّ من شأن ذلك التصرف أنْ يُحدث بحدِّ ذاته إهلاك الجماعة.
ليس واضحاً من النص السابق اشتراط أنْ يكون مُرتكب الجريمة عالماً أنَّ فعله يصدر في سياق نمط سلوك مماثل. فقد أصبح شائعاً أنَّ عمد المحاكم إلى التحقق من وجود سياق خاص بالإبادة الجماعية من خلال معيار موضوعي يقوم على اتّساع حجم ونطاق الجرائم المُرتكبة وجسامتها.
وأكّدت المادة (30) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، على أنَّه لا يكون الشخص مسؤولاً جنائياً عن جريمة تدخل ضمن الاختصاص النوعي للمحكمة، إلاَّ إذا تحقَّقت الأركان المادية مع توافر القصد والعلم، ولأغراض تطبيق المادة (30)، فإنَّ القصد يكون متحققاً لدى الشخص عندما:
- يَقصد هذا الشخص – فيما يتعلق بسلوكه – ارتكاب هذا السلوك.
- يَقصد هذا الشخص – فيما يتعلق بالنتيجة – التسبّب في تلك النتيجة، أو يدرك أنَّها ستحدث في إطار المسار العادي للأحداث.
وقد حدَّدت المادة ذاتها في الفقرة (3) منها المقصود بالعلم، فنصَّت على أنَّ: ” لأغراض هذه المادة، تعني لفظة “العلم” أن يكون الشخص مدركاً أنّه توجد ظروف أو ستحدث نتائج في المسار العادي للأحداث. وتُفسّر لفظتا “يعلم” أو “عن علم” تبعاً لذلك”.
يظهر من النصوص السابقة جميعها أنَّ المحكمة الجنائية الدولية تتمتَّع بسلطة التقدير في كل قضية على حدة وجوب توافر العلم بوجود الظروف والسياق المتعلقين بارتكاب الجريمة، بالإضافة إلى القصد الخاص المشترط توافره في هذه الجريمة، وهو نية تدمير الجماعة محل الجريمة.
ثانياً: العلاقة بين “نية الإبادة” وحجم الجماعة المستهدف تدميرها
أثارت العلاقة بين عبارة “نية التدمير” وعبارة “الكلي أو الجزئي” جدلاً واسعاً وكبيراً، وقد بدأ هذا الجدل منذ الأعمال التحضيرية المتعلقة باتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمُعاقب عليها، فإذا كانت عبارة “الكلي أو الجزئي” قد أُضيفت بناءً على اقتراح المندوب النرويجي في اللجنة السادسة التابعة للأمم المتحدة، فإنَّ الغرض الأساسي من هذا الاقتراح كان التأكيد على فكرة مؤدّاها أنَّه لا يشترط لقيام هذه الجريمة هلاك أعضاء الجماعة كافةً، وقد أبدى عدد من المندوبين آنذاك وجهات نظر متباينة إزاء هذا الاقتراح؛ ورغم ذلك، اعتمد الاقتراح بنسبة عالية من الأصوات.
فالأعمال التحضيرية الخاصة باتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمُعاقبة عليها لا تساعد في تحديد العلاقة بين “نية التدمير” وحجم الجماعة المُستهدف القضاء عليها وإبادتها. وهنا يثار التساؤل التالي: ما هو المقصود بالقضاء على الجماعة “كليّاً أو جزئياً؟ فهل يُقصد بذلك تدمير الجماعة في شتى أنحاء العالم بأكملها وأينما وُجِدت، أم يكفي لقيام الجريمة وتوافر “نيّة الإبادة” استهداف جزء من هذه الجماعة جرى تحديده من قِبل مرتكبي الجريمة؟
تمّ تفسير عبارة “التدمير الكلّي أو الجزئي” من خلال الاجتهادات القضائية بأنَّها تعني إهلاك نسبة معتبرة أو مهمّة كمّاً أو كيفاً من أعضاء الجماعة المتعرضة للإبادة. وأوضحت هذه الاجتهادات القضائية أنَّ المقصود بالعدد الجوهري أو المُعتبر كمياً أو نوعياً يعني اتجاه القصد لإلحاق أذى بأغلبية واسعة من الجماعة المعرَّضة للإبادة، أو اتجاه القصد الجرمي لإلحاق أذى بالأعضاء الذي يؤدي هلاكهم إلى اختفاء الجماعة أو تدميرها.
كما أقرت المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة بإمكانية قيام جريمة الإبادة الجماعية عند ارتكابها في منطقة جغرافية محدودة أو ضيقة، ما دام الفعل الجرمي والقصد الجرمي يتجهان إلى التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة، وما دامت أركان متحقّقة في هذه الحالة.
وعليه، يمكننا القول إنَّ مسألة تحديد حجم التدمير الجزئي الواجب حصوله من الناحية العملية، وعلاقة حجم هذا التدمير بقيام القصد الخاص في جريمة الإبادة الجماعية ليست هينة أو يسيرة، فما زالت بحاجة إلى تفصيل وبيان أكثر دقة ووضوحاً من قبل المحاكم الجنائية الدولية، حيث يصعب القول إنَّ هناك نسبة عددية محدّدة أو مقرّرة بمقتضى الصكوك الدولية في هذا الخصوص.
ويبدو أنَّ هذه المسألة من الأفضل أنْ تبقى متروكة للسلطة التقديرية للمحاكم ذاتها، بحيث تخضع لتحليل وفحص في كل حالة على حدة، وفي ضوء المعطيات المتعلقة بكل حالة منها. ولعلّ اللجنة التحضيرية للمحكمة الجنائية الدولية قد أدركت هذه المسألة بدقة، ما دفعها إلى تضمين الصيغة النهائية من مشروع نص أركان الجرائم ركناً خاصاً بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية يتعلّق بهذا الأمر. فقد تضمَّن أركان جريمة الإبادة الجماعية وجوب ارتكاب الفعل ضدّ شخص، أو أكثر من الأشخاص المنتمين لإحدى الجماعات المشمولة بتعريف الجريمة([9]).
وهذا يعني أنَّ المسؤولية الجزائية عن جريمة الإبادة الجماعية تنهض في مواجهة مرتكبها عندما يقترف هذا الأخير الفعل الجرمي لمرة واحدة، حتى لو لم يكرّره ثانية، ويشترط أنْ يكون هذا الفعل المنفرد جزءً من سياق نمط مماثل يهدف إلى تدمير جزء مُعتبر وجوهري من الجماعة.
ثالثاً: إثبات “نية الإبادة”
من المستقر في اجتهادات المحاكم الجنائية الدولية الخاصة أو المؤقتة أنَّ “نيّة الإبادة” يمكن استخلاصها وإثباتها بطرُق الإثبات كافةً، فقد تستنبط من وقائع مادية معيّنة أو من نمط معيَّن من السلوك الهادف لتدمير الجماعة المُستهدف القضاء عليها.
فقد استندت المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا في قضية (Akayesu) إلى أنَّه بالنظر للعدد الكبير من المذابح المُرتكبة ضدّ جماعة “التوتسي”، وبالنظر للطبيعة الواسعة لهذه الجرائم؛ حيث ارتكبت في مناطق عديدة في رواندا، ولأنَّ الضحايا جرى اختيارهم وتحديدهم بصورة عمدية ومنظّمة وعلى أساس انتمائهم إلى جماعات أخرى تمَّ إقصاؤها واستبعادها من حياة المجتمع ووجوده، فإنَّ المحكمة تستطيع الاستدلال على وجود قصد خاص لارتكاب جرائم الإبادة الجماعية.
وكما فعلت ميليشيات “داعش” من خلال حصارها لقرى وبلدات – في كلٍّ من العراق وسوريا- بهدف القضاء الكلّي على سكانها، وممارسة القتل الجماعي لسكان هذه القرى والبلدات، لأهدافٍ دينية، علماً أنَّ إثبات النيّة في الحالتين ممكن، خاصةً بعدما أعلن مسؤولو الطرفين في العديد من التصريحات السياسية والإعلامية نواياهم بشكلٍ واضح([10]).
المطلب الثاني
اختصاصات المحكمة الجنائية الدولية
إنّ النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لم يترك للمحكمة الحق في فرض الولاية القضائية الشاملة، وإنّما قيّد ولايتها القضائية فيما يتعلق بأشدّ الجرائم خطورةً التي يٌعتبر ارتكابها مساساً بالمجتمع الدولي بأسره.
لذلك، فليس كل جريمة محل ملاحقة ومعاقبة، وإنّما يجب أن تُرتكب في إطار خطّة أو سياسة عامة أو في إطار عملية واسعة النطاق، وبخصوص جرائم معيّنة بذاتها([11]).
ويحدد الاختصاص العام للمحكمة طبيعتها التخصصية ويبين هويتها الدولية ونطاق سلطانها على الأشخاص الطبيعيين، فالاختصاص العام يشكل المحور الرئيسي لوظائف المحكمة وغاياتها وأهدافها، فهو يرسم حدود سلطات المحكمة في ضوء الجرائم المدونة في نظامها وطبيعة الأشخاص الطبيعيين المرتكبين لها المستهدفين باختصاصها، وذلك ضمن نطاق زماني ومكاني لسريان سلطاتها([12]).
وبناءً على ما تقدم سنتناول في هذا المطلب الحديث عن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية الدائمة من حيث المكان والزمان في الفرع الأول، ثم الحديث عن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية الدائمة من حيث الموضوع في الفرع الثاني.
الفرع الأول
اختصاص المحكمة الجنائية الدولية الدائمة من حيث الزمان والمكان
حدّد النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة اختصاصاتها في ملاحقة أشدّ الجرائم خطورةً على
المجتمع الدولي، وهذه الاختصاصات إما أن تكون موضوعية تتعلق بنوع الجريمة، أو زمانية تتعلق بوقت ارتكابها، أو مكانية تتعلق بمكان وقوعها، أو شخصية تتعلق بشخص مرتكب الجريمة، أو تكميلية للقضاء الجنائي الوطني في الجرائم التي يعجز عن ملاحقة ومحاكمة مرتكبيها، وفيما يلي عرض لهذه الاختصاصات:
أولاً: الاختصاص الزماني للمحكمة:
ينحصر الاختصاص الزماني للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة في الجرائم التي ترتكب بعد نفاذ نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة، أي اعتباراً من 1/6/2000، وإذا أصبحت دولة من الدول طرفاً في هذا النظام الأساسي بعد بدء نفاذه فلا يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ هذا النظام بالنسبة لتلك الدولة([13])، ما لم تكن الدولة قد أصدرت إعلاناً بموجب الفقرة (3) من المادة (12) من النظام الأساسي.
وعليه، فإنّ اختصاص المحكمة الجنائية الدولية الدائمة مستقبلي فقط، أي أنّها لا تنظر في الجرائم المرتكبة قبل نفاذ نظام روما الأساسي، سواءً بالنسبة للدول الأطراف أو للدول المنضمة لاحقاً، فهي لا تمتلك اختصاصاً رجعياً، إلا إذا قبلت الدولة بالأثر الرجعي ويجب أن تعلن عن ذلك صراحةً.
وقد أكدت على ذلك المادة (11/1) من نظام روما الأساسي، والتي تنص على أنّ: ” ليس للمحكمة اختصاص إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد نفاذ هذا النظام الأساسي”.
وما يؤكد عدم رجعية الأثر القانوني على الأشخاص، ما تنص عليه المادة (24) من النظام الأساسي للمحكمة، بأنّ: ” لا يسأل الشخص جنائياً وبموجب هذا النظام الأساسي عن سلوك سابق لبدء نفاذ النظام”.
وعليه، لا يسري على الجرائم التي ارتكبت قبل سريان المعاهدة، وهذا يعني من الناحية القانونية البحتة أن المحكمة لن تنظر في أية شكوى أو دعاوي بخصوص انتهاكات تكون قد وقعت قبل دخول النظام الأساسي حيز النفاذ.
يتضح ممّا سبق، أن هذا النص قد يغلب عليه بعض صفات الانتقائية والاعتبارات السياسية الخاصة فيما يتعلق بمصالح ورؤى الدول الكبرى، فمن المعروف أن كلاً من محكمتي نورمبرغ وطوكيو، بعد الحرب العالمية الثانية، ومحكمتي يوغسلافيا السابقة ورواندا، بعد نصف قرن من الزمن، كلها أنشأت وفتحت صلاحيات النظر في انتهاكات وأحداث وقعت تحديداً قبل قيام أي من تلك المحاكم، ولم يبدو أن ذلك أثار حفيظة أي من دول العالم([14]).
وفيما يتعلق بالدول التي تنضم بعد سريان المعاهدة، فإن التاريخ الفعلي للسريان بالنسبة لتلك الدول هو اليوم الأول من الشهر الذي يلي (60) يوماً من إيداع تلك الدول وثائق المصادقة على المعاهدة.
كما ينص النظام الأساسي على أنه يجوز للدولة عندما تصبح طرفاً أن تختار تأجيل تطبيق اختصاص المحكمة الجنائية الدولية الدائمة فيما يتعلق بجرائم الحرب، لمدة سبع سنوات([15]).
لإضفاء الشرعية على الأفعال التي ستمارسها المحكمة مستقبلاً لا بد من وجود القانون القائم والسابق على الأفعال ليكون السند القانوني. نصت المادة (11) من نظام روما على الاختصاص الزمني للمحكمة.
1- “ليست للمحكمة اختصاص إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ هذا النظام الأساسي.
2- إذا أصبحت دولة من الدول طرفاً في هذا النظام بعد بدء نفاذه، لا يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ هذا النظام بالنسبة لتلك الدولة ما لم تكن الدولة أصدرت إعلاناً بموجب المادة (12/3) والاستثناء على حصرية تطبيق الاختصاص الزمني للمحكمة.
1- لا تسقط الجرائم التي تدخل اختصاص المحكمة بالتقادم، أيّاً كانت أحكامه المادة، (29) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
2- إحالة مجلس الأمن إلى المحكمة جرائم مرتكبة من دولة ما.
ثانياً: الاختصاص المكاني للمحكمة:
تنظم المادة (2) من نظام روما الاختصاص المكاني عبر إظهارها الحدود الجغرافية والبشرية في الدول التي تسري فيها القواعد القانونية المنصوص عليها بالنظام.
فالدولة التي تصبح طرفاً في النظام تقبل اختصاص المحكمة فيما يتعلق بالجرائم المذكورة بالمادة 5 ويجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها إذا كانت واحدة أو أكثر من الدول التالية طرفاً في النظام الأساسي أو قبلت اختصاص المحكمة.
1- الدولة التي وقع في إقليمها السلوك قيد البحث أو دولة تسجيل السفينة أو الطائرة إذا كانت الجريمة قد ارتكبت على متن طائرة أو سفينة.
2- الدولة التي يكون الشخص المتهم بالجريمة أحد رعاياها وفي حال كان قبول دولة عبر طرف في هذا النظام الأساسي لازماً بموجب الفترة (2) من المادة (12) جاز لتلك الدولة بموجب إعلان يودع لدى سجل المحكمة أن تقبل ممارسة المحكمة اختصاصها فيما يتعلق بالجريمة قيد البحث وتتعاون الدول القابلة مع المحكمة دون أي تأثير أو استثناء وفقاً للباب (9).
يستنتج من هذا النص قيدين أساسيين لممارسة المحكمة اختصاصها على الصعيد المكاني، وهما:
القيد الأول: أن تكون الجريمة المرتكبة من ضمن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة الموضوعي المحدد وفقاً للمادة (5) من نظام روما.
القيد الثاني: أن تكون الجريمة قد وقعت فمن إقليم الدولة الطرف الذي يشمل البر، والبحر، والجو واستطراداً الدولة غير الطرف التي تعلن مسبقاً عن قبول سريان اختصاص المحكمة في إقليمها بخصوص الجريمة المحددة.
الفرع الثاني
اختصاص المحكمة الجنائية الدولية الدائمة من حيث الموضوع
المبدأ أن اختصاص المحكمة الموضوعي يستهدف مقاضاة الأشخاص الطبيعيين حصراً، والمرتكبين للجرائم المحددة في نظامها الأساسي، ولا يسري اختصاصها على الأشخاص المعنويين أو الاعتباريين([16]).
ويلاحظ هنا مدى تأثر نظام المحكمة الجنائية الدولية بالأنظمة السابقة لمحكمة يوغسلافيا السابقة ومحكمة رواندا الدوليتين الجنائيتين فكل من هذه الأنظمة استبعدت تحقق المسؤولية الجنائية عن الدول أو الهيئات أو المنظمات ذات الشخصية الاعتبارية فالمسؤولية الجنائية التي تترتب من الجرائم التي تدخل ضمن الاختصاص الموضوعي لا تقع إلا على عاتق الإنسان الطبيعي ذو الأهلية والمرتكب بها.
يتناول الاختصاص الموضوعي للمحكمة الجنائية الدولية الجرائم التي تخضع لاختصاصها وتمارس عليها صلاحياتها وهذا الجزء من الاختصاص يميز الموضوع المحوري المقيد للمحكمة عند أداء وظائفها.
وقد نص نظام روما بالمادة (5) منه، على الاختصاص الأصيل للمحكمة “بالجرائم الأشد خطورة التي تثير قلق المجتمع الدولي بأسره”. وهذه الجرائم هي[17]:
1- جريمة الإبادة الجماعية.
2- الجرائم ضد الإنسانية.
3- جرائم الحرب.
4- جريمة العدوان.
5- جريمة المؤامرة على السلام الدولي.
وقد اكتفى نظام روما عند إقراره عام 1998 بتعريف الجرائم الثلاثة الأولى وتحديدها وإدخالها ضمن نطاق اختصاص المحكمة أما تحديد جريمة العدوان جاء عام 2010.
غير أنّه يؤخذ على نظام روما الأساسي أنّه لم يجرم وسائل القتال الحديثة، وخاصةً المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل، وذلك بالرغم من تناولها أثناء المؤتمر الدبلوماسي المنشئ للمحكمة، إلا أن تحفظ بعض الدول أثناء المؤتمر أدى إلى عدم تجريم أسلحة الدمار الشامل بكافة أنواعها، واقتصر التجريم على الأسلحة الكيماوية والبيولوجية فقط دون الأسلحة النووية، وأمام المطالبة بتجريم هذه الانتهاكات من قبل الوفود العربية ودون عدم الانحياز، فقد تم التوصل إلى حل توفيقي يجرّم كافة أسلحة الدمار الشامل على أن يكون ذلك في اتفاقية دولية متعددة الأطراف، وبذلك تستطيع الدول التي تمتلك أسلحة نووية أن تتذرع بعدم وجود مثل هذه الاتفاقية في الوقت الحالي.
يقوم هذا الاختصاص على أساس نوع الجريمة التي نص نظام روما على اختصاص المحكمة بالتحقيق فيها وملاحقتها والفصل فيها والحكم على مرتكبيها وهذا ما نصت عليه المادة (5) المذكورة سابقاً.
وقد عرفت المادة (6) من النظام المقصود بالإبادة الجماعية والأفعال التي تقع بها جريمة الإبادة الجماعية، وبينت المادة (7) الجرائم ضد الإنسانية، وحددت المادة (8) جرائم الحرب، ويلاحظ على تحديد الاختصاص الموضوعي، ما يلي([18]):
1- أنه على الرغم من أن المادة (5) وديباجة النظام قيدت هذا الاختصاص بالجرائم الأشد خطورة التي هي موضع اهتمام المجتمع الدولي بأسره، إلا أنها لم تتضمن كل هذه الجرائم وبصفة خاصة الإرهاب الدولي وتجارة المخدرات والمؤثرات العقلية ، وكان قد عرض في مشروع نظام روما بين الجرائم التي تختص بنظرها المحكمة جرائم الإرهاب والاتجار بالمخدرات والاعتداء على موظفي الأمم المتحدة، ولكن الاتجاه الغالب في مؤتمر روما رفض إدراج مثل هذه الجرائم على أساس أن تعريفها غير محدد وأن اختصاص المحكمة الدولية بنظرها يثير الكثير من المتاعب وأن الأفضل أن يختص بنظرها المحاكم الوطنية الداخلية حتى لا يعرقل اختصاص المحكمة الدولية.
وانتهى المؤتمر إلى حل وسط مقتضاه أنه مع التسليم بأن الإرهاب والتجارة الدولية غير المشروعة في المخدرات من الجرائم الخطيرة، فإنه يمكن إضافة الجرائم في المستقبل إلى المحكمة بعد القيام بدراسات مستفيضة في هذا الشأن وعند النظر في تعديل اختصاص المحكمة لاحقاً.
2- إن المحكمة الدولية الجنائية على فرض تكوين أجهزتها المختلفة بعد نفاذ النظام، لن تختص بنظر
جريمة العدوان، إذ يظل اختصاصها بنظر تلك الجريمة وتحديد شروط اختصاص المحكمة بنظرها ويعتبر استبعاد جريمة حرب العدوان من اختصاص المحكمة خطورة إلى الوراء إذا كانت هذه الجريمة التي تعتبر
ولقد عارضت النص على هذه الجريمة بعض الدول العظمى وبصفة خاصة الولايات المتحدة الأميركية حتى لا يكون اختصاص المحكمة بالجريمة وسيلة لمحاربة حالات التدخل العسكري وفقاً لميثاق الأمم المتحدة.
كما عارض ذلك أيضاً بعض الدول ومنها دول العالم الثالث خشية تدخل مجلس الأمن في تمديد العدوان والتحكم تبعاً لذلك في الوظيفة القضائية للمحكمة بهذا الشأن.
وعلى الرغم من أن المناقشات في مؤتمر روما حول هذا الموضوع لم تصل إلى حل بشأن، إلا أنها تضمنت
بعض العناصر الإيجابية التي يمكن أن تجري المناقشات حولها عندما تقوم اللجنة التحضيرية بالتصدي لهذه المسألة.
الخاتمة
بعد مفاوضات دامت فترة طويلة عدِلت الدول عام 1948 عن إدخال الإبادة الجماعة السياسية والثقافية في الاتفاقية. ضعفت قيمة الاتفاقية جداً بسبب تحفظات الاتحاد السوفييتي وحلفاؤه على الأحكام المتعلقة بتنفيذ الالتزامات الدولية.
وقد استخدم تعبير الإبادة الجماعية بكثرة على نحو خاطئ ومفرط. وينطوي هذا التعبير في الرأي العام على مدلول يحمل مفهوم الإدانة.
لم يستخدم مصطلح الإبادة الجماعية لا في اتفاقيات جنيف ولا في البروتوكولين الإضافيين إليها. ولكن من الواضح أن كل الأفعال المكونة للإبادة الجماعية هي انتهاكات جسيمة لاتفاقيات جنيف وجرائم حرب إذا ما ارتكبت في نزاع مسلح دولي (المواد 50/51/130/147 من اتفاقيات جنيف والمادة 85 من البروتوكول الأول). وبالمثل فإن كل فعل مكون للإبادة الجماعية هو خرق للمادة الثالثة المشتركة بي ن الاتفاقيات وحتى للبروتوكول الثاني، إذا ما ارتكب في نزاع مسلح غير دولي.
توضيح دور المحكمة الجنائية الدولية في إلزام الدول بالامتثال لقواعد القانون الدولي الإنسان وذلك بالاستناد إلى نظامها الأساسي الذي جرم انتهاكات هذا القانون ووضع نظام عقوبات على المنتهكين، وبعد تشخيص أهم المعوقات التي تقف أمام المحكمة في تحقيق هذه الفعالية، فإنه كتقييم للدور الذي تقدمه المحكمة بشأن تفعيل قواعد القانون الدولي الإنسان، فلا يمكن إنكار ما قدمته ولا زالت تقدمه المحكمة في هذا الشأن، وهذا بالنظر إلى القضايا المعروضة أمامها سواء المحالة إليها من قبل الدول الأطراف.
تعد المحكمة الجنائية الدولية من أهم الأجهزة الدائمة التي تتولى ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية الأكثر خطورة، وتوقيع العقاب المناسب بمرتكبيها وهذا ما يضمن عدم افلات أي مجرم من العقاب وبالتالي حماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية.
ومن خلال هذا البحث نستخلص عدة استنتاجات والتوصيات ألا وهي:
الاستنتاجات:
- إنّ إضفاء صفة الجريمة الدولية على الأفعال التي تتكوّن منها جريمة الإبادة الجماعية يعود إلى المصالح الجوهرية المُعتدى عليها، فالحفاظ على الجنس البشري وحمايته من أي عدوان يمثّل مصلحة عُليا واجبة الرعاية من جانب القانون الدولي الجنائي، إذ إنَّ احترام جميع الأجناس البشرية وعدم إبادة جنس من الأجناس تشكّل قاعدة من قواعد النظام الدولي ويُعدّ انتهاكها جريمة دولية.
- يتجسّد مفهوم الإبادة الجماعية من خلال القيام بفرض شروط حياتية معيّنة من شأنها أنْ تؤدّي إلى تدمير جزء من الشعب. وإنّ عملية حرمان الشعب من الغذاء والدواء مذكورة في نص المادة (7) من نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، ورد بشكلٍ عام ومن دون تحديد، وهذا الأمر يترك مجالاً واسعاً للمدَّعي (الضحية) للدفاع، ولكن شرط أنْ يكون ذلك ضمن إطار مفهوم “شروط حياتية مفروضة”.
توصيات:
- ضرورة توسيع مفهوم الإبادة كظاهرة تمسّ بحقوق الإنسان بصفة عامة، لتشمل الإبادة المعنوية في صورتها المتمثّلة في الإبادة الثقافية من جهة، ومن جهةٍ أخرى، فإنَّ عالمية حقوق الإنسان يجب أنْ تطغى على كل الاعتبارات السياسية والمصالح الاقتصادية في معالجة ظاهرة الإبادة، وذلك تجنّباً للازدواجية والانتقائية في تكريس الحماية من الإبادة.
- ضرورة إلغاء المادة (124) من نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، وذلك كونها تمنح الدولة حق تأجيل اختصاص المحكمة لمدة سبع سنوات دون أي مبّرر، وهذا يعني السماح لمرتَكبي جرائم الإبادة الجماعية وغيرها من الجرائم الدولية الواردة في نظام روما الأساسي من العقاب.
- أمين مكي مدني، المحكمة الجنائية الدولية، منشورات المعهد العربي، بيروت، لبنان، 2000.
- ثقل سعد العجمي، مسؤولية القادة والرؤساء عن الجرائم الدولية التي يرتكبها مرؤوسوهم، مع دراسة لمحاكمة المسؤولين في النظام العراقي السابق، مجلة الحقوق، العدد (2)، السنة (32)، جامعة الكويت، حزيران 2008.
- سالم حوة، سير المحاكمة الجنائية في القانون الدولي الجنائي على ضوء تجربة المحاكم الجنائية الدولية، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم القانونية، تخصّص القانون العام، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة الحاج لخضر، باتنة، الجزائر، 2015.
سمير عالية، القانون الدولي الجزائي، الطبعة الأولى، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، 2022.
- سمير عالية، والمحامي هيثم سمير عالية، الوسيط في شرح قانون العقوبات، القسم العام، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 2010.
- شريف بسيوني، الإطار العرفي للقانون الدولي الإنساني، التدخلات والثغرات والغموض، ندوة القانون الدولي الإنساني وضبط التسلح في النزاعات المسلحة، المنعقدة في سيراكوزا 1998.
- شريف سيد كامل، اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، دار النهضة العربية، القاهرة، 2006.
- علي جميل حرب، منظومة القضاء الجزائي الدولي، ط1، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، 2003.
- علي عبد القادر القهوجي، القانون الدولي الجنائي، أهم الجرائم الدولية، المحاكم الدولية الجنائية، ط1، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، 2001.
الهوامش:
- فاروق محمد صادق الأعرجي، المحكمة الجنائية الدولية – نشأتها وطبيعتها ونظامها الأساسي – دراسة في القانون الجنائي الدولي، ط1، منشورات زين الحقوقية، بيروت، لبنان، 2016.
- كميل حبيب، داعش والاحتلال الإسرائيلي، العقلية العدوانية ذاتها، مجلة الحقوق والعلوم السياسية، العدد الثاني، الجامعة اللبنانية، كلية الحقوق والعلوم الإدارية، بيروت، 2014.
- وليم نجيب نصار، مفهوم الجرائم ضد الإنسانية في القانون الدولي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 2، بيروت، لبنان، 2014.
-
(( اقرأ نص الاتفاقية في كتاب ” شيندلر/تومان ” بعنوان ” قانون النزاعات المسلحة ” ، 1988، الصفحات 231-249 ↑
-
() وليم نجيب نصار، مفهوم الجرائم ضد الإنسانية في القانون الدولي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 2، بيروت، لبنان، 2014، ص 75. ↑
-
() سمير عالية، والمحامي هيثم سمير عالية، الوسيط في شرح قانون العقوبات، القسم العام، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 2010، ص 334 وما بعدها. ↑
-
() شريف سيد كامل، اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، دار النهضة العربية، القاهرة، 2006، ص 64. ↑
-
() ثقل سعد العجمي، مسؤولية القادة والرؤساء عن الجرائم الدولية التي يرتكبها مرؤوسوهم، مع دراسة لمحاكمة المسؤولين في النظام العراقي السابق، مجلة الحقوق، العدد (2)، السنة (32)، جامعة الكويت، حزيران/يونيو 2008، ص 53 وما بعدها. ↑
-
() سالم حوة، سير المحاكمة الجنائية في القانون الدولي الجنائي على ضوء تجربة المحاكم الجنائية الدولية، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم القانونية، تخصّص القانون العام، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة الحاج لخضر، باتنة، الجزائر، 2015، ص 80 وما بعدها. ↑
-
() شريف بسيوني، الإطار العرفي للقانون الدولي الإنساني، التدخلات والثغرات والغموض، ندوة القانون الدولي الإنساني وضبط التسلح في النزاعات المسلحة، المنعقدة في سيراكوزا من 27/6 – 3/7/1998، ص 78 وما بعدها. ↑
-
() المادة (6/أ) من الصيغة النهائية لمشروع نص أركان الجرائم المقدم من اللجنة التحضيرية للمحكمة الجنائية الدولية: PCNICC/2000/INF/3add.2 ↑
-
() المادة (6) من الصيغة النهائية لمشروع نص أركان الجرائم المقدم من اللجنة التحضيرية للمحكمة الجنائية الدولية UN. Doc., PCNICC/2000/INF/3/add.2 ↑
-
() كميل حبيب، داعش والاحتلال الإسرائيلي، العقلية العدوانية ذاتها، مجلة الحقوق والعلوم السياسية، العدد الثاني، الجامعة اللبنانية، كلية الحقوق والعلوم الإدارية، بيروت، 2014، ص 16. ↑
-
() فاروق محمد صادق الأعرجي، المحكمة الجنائية الدولية – نشأتها وطبيعتها ونظامها الأساسي – دراسة في القانون الجنائي الدولي، ط1، منشورات زين الحقوقية، بيروت، لبنان، 2016، ص 97. ↑
-
() علي جميل حرب، منظومة القضاء الجزائي الدولي، ط1، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، 2003، ص 369. ↑
-
() المادة (11/2) من نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة. ↑
-
() أمين مكي مدني، المحكمة الجنائية الدولية، منشورات المعهد العربي، بيروت، لبنان، 2000، ص 77. ↑
-
() أنظر: المادة (124) من نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة. ↑
-
() أنظر: المادة (25/1) من نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة. ↑
-
() سمير عالية، القانون الدولي الجزائي، الطبعة الأولى، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، 2022، ص 124. ↑
-
() علي عبد القادر القهوجي، القانون الدولي الجنائي، أهم الجرائم الدولية، المحاكم الدولية الجنائية، ط1، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، 2001، ص 323. ↑