دور الطرف الأجنبي ومسؤولياته في عقود الخدمة النفطية

The Role and Responsibilities of the Foreign Party in Oil Service Contracts

مقداد عبد الزهره امطير المالكي1، د. امين عاطف صليبا1

1 الجامعة الإسلامية في لبنان، كلية الحقوق والعلوم السياسية، قسم القانون العام.

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj67/31

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/67/31

المجلد (6) العدد (7). الصفحات: 470 - 482

تاريخ الاستقبال: 2025-06-07 | تاريخ القبول: 2025-06-15 | تاريخ النشر: 2025-07-01

Download PDF

المستخلص: يتناول هذا البحث دراسة دور الطرف الأجنبي في عقود الخدمة النفطية من حيث مسؤولياته الفنية، البيئية، المالية والإدارية، بوصفه شريكًا أساسيًا في تنفيذ المشاريع النفطية في الدولة المضيفة دون امتلاكه لحقوق إنتاجية. يسلّط البحث الضوء على التزامات الطرف الأجنبي في تنفيذ عمليات التنقيب والتطوير وفق معايير فنية متقدمة، وضرورة التزامه الصارم بالتشريعات البيئية المحلية والدولية، إضافة إلى تحمّله كامل تكاليف العمليات النفطية، وتقديمه تقارير دقيقة وعينات نفطية، وتدريبه للكوادر الوطنية كوسيلة لنقل المعرفة وتعزيز الكفاءة المحلية. كما يناقش البحث إشكالية فعالية الإطار التعاقدي القائم في ضمان التوازن بين مصالح الدولة ومتطلبات الاستثمار الأجنبي، ويقترح تطوير العقود والنظم الرقابية لتحقيق أقصى فاعلية واستدامة في إدارة الموارد النفطية.

الكلمات المفتاحية: عقود الخدمة النفطية، الطرف الأجنبي، الالتزامات البيئية، التمويل النفطي، تدريب الكوادر.

Abstract: This research examines the role of the foreign party in oil service contracts, focusing on its technical, environmental, financial, and administrative responsibilities as a key partner in implementing oil projects in the host state—without holding production rights. The study highlights the foreign party’s obligations in conducting exploration and development operations according to advanced technical standards, strict compliance with national and international environmental regulations, full financing of oil operations, submission of technical reports and oil samples, and training of national personnel as a means of knowledge transfer and capacity building. It addresses the core issue of whether the current contractual framework sufficiently balances the interests of the host state with the requirements of effective foreign investment. The study concludes with recommendations for enhancing contract clarity and strengthening oversight mechanisms to ensure sustainable and efficient resource management.

Keywords: Oil service contracts, foreign party, environmental obligations, oil financing, workforce training.

المقدمة

تمثل عقود الخدمة النفطية إحدى أهم الوسائل القانونية التي تعتمدها الدول المنتجة للنفط لتنظيم علاقتها مع الشركات الأجنبية ذات الخبرة الفنية والقدرة المالية، بهدف تطوير الحقول النفطية واستخراج الثروة الكامنة وفق شروط تضمن المحافظة على السيادة الوطنية وتحقيق أقصى استفادة اقتصادية. وفي هذا الإطار، يبرز الطرف الأجنبي بوصفه فاعلًا محوريًا في تنفيذ هذه العقود، لما يتحمله من التزامات واسعة تمسّ الجوانب الفنية والبيئية والمالية والإدارية، والتي تنعكس بصورة مباشرة على نجاح المشروع النفطي وتحقيق أهداف الدولة في التنمية.

ولقد فرض الواقع المعقّد للصناعة النفطية، والتطورات التقنية المتسارعة، والحاجة إلى رؤوس أموال ضخمة، على العديد من الدول، لا سيما النامية منها، اللجوء إلى التعاقد مع شركات أجنبية متخصصة لتطوير الحقول النفطية. وعلى الرغم من أن عقود الخدمة لا تمنح الطرف الأجنبي حق الملكية أو المشاركة في الإنتاج، فإنها تمنحه دورًا تنفيذيًا بالغ الأهمية يستوجب التزامًا دقيقًا بمعايير الأداء المتفق عليها. ومن هنا تنبع أهمية دراسة هذه الالتزامات وما يترتب عليها من آثار قانونية واقتصادية، خاصة في ظل التفاوت الكبير بين إمكانيات الدولة المضيفة وخبرة الشركات الأجنبية.

ويُعد الالتزام الفني والاستكشافي في مقدمة المسؤوليات التي يتحملها الطرف الأجنبي، إذ تُناط به مهمة تنفيذ أعمال التنقيب، وتطوير الحقول، وإدخال التقنيات الحديثة، وفقًا لجدول زمني محدد ومؤشرات أداء واضحة. ولا تقتصر هذه المسؤولية على الجانب الإنتاجي فحسب، بل تمتد لتشمل الالتزام بالمعايير البيئية المعتمدة دوليًا ومحليًا، إذ تفرض عقود الخدمة على الطرف الأجنبي احترام قواعد حماية البيئة، واتخاذ التدابير اللازمة لتفادي التلوث والحد من الأضرار البيئية المرتبطة بالنشاط النفطي.

كما يتحمل الطرف الأجنبي التزامات مالية وإدارية لا تقل أهمية، تتعلق بتمويل المشروع وتنفيذ مراحل العمل على نفقته الخاصة، مقابل أجر يُحتسب وفقًا لآليات واضحة منصوص عليها في العقد. ويُلزم كذلك بتقديم تقارير فنية دورية، وتسليم نماذج وعينات نفطية، تتيح للجهات الوطنية متابعة سير العمل والتحقق من مستوى الأداء. ولا يغيب عن الأهمية أيضًا دوره في بناء القدرات الوطنية، من خلال تدريب الكوادر المحلية ونقل المعرفة الفنية والإدارية بما يسهم في تعزيز استقلالية الدولة على المدى البعيد.

أولًا: أهمية البحث

تنبع أهمية هذا البحث من الحاجة المتزايدة إلى تحليل الالتزامات التي يتحملها الطرف الأجنبي في عقود الخدمة النفطية، بالنظر إلى الأثر المباشر لهذه الالتزامات على تنفيذ المشاريع النفطية، وكفاءة إدارتها، وتحقيق أهداف الدولة في التنمية المستدامة. فالطبيعة الخاصة لهذه العقود، التي تمزج بين الاعتبارات الفنية والقانونية، تفرض ضرورة إعادة تقييم دور الطرف الأجنبي ليس فقط كمنفّذ للأعمال، بل كفاعل قانوني يتحمل التزامات واضحة ومحددة تقتضي الرقابة والتقويم. كما تبرز أهمية هذا الموضوع في سياق التجربة العراقية، التي شهدت إبرام عدد من عقود الخدمة مع شركات عالمية، ما يسلّط الضوء على واقع هذه الالتزامات ومستوى تفعيلها في الممارسة العملية.

ثانيًا: إشكالية البحث

تتمثل إشكالية البحث في التساؤل حول مدى كفاية الإطار التعاقدي المنظم لمسؤوليات الطرف الأجنبي في عقود الخدمة النفطية، ومدى فعاليته في ضمان تحقيق التوازن بين مصالح الدولة المضيفة التي تسعى إلى الحفاظ على سيادتها وحسن إدارة ثروتها الوطنية، وبين متطلبات الشركات الأجنبية التي تستثمر خبراتها ومواردها في بيئة قانونية واقتصادية معقدة. كما تطرح الإشكالية تساؤلات فرعية حول مدى التزام الطرف الأجنبي بالمعايير البيئية، وآليات تمويل العمليات، وفاعلية برامج تدريب الكوادر الوطنية، ومدى خضوع هذه الالتزامات لرقابة الدولة وتقييمها المستمر.

ثالثًا: منهجية البحث

يعتمد هذا البحث المنهج التحليلي ، من خلال دراسة النصوص التعاقدية والقانونية التي تُنظّم دور الطرف الأجنبي في عقود الخدمة النفطية، وتحليل مضمون الالتزامات الواردة فيها، مع الإشارة إلى بعض النماذج التطبيقية من العقود المبرمة، لا سيما في العراق. كما يستند البحث إلى منهج النقد البنّاء في استعراض مكامن القصور في التنظيم القانوني لهذه الالتزامات، ويهدف هذا المسار المنهجي إلى تقديم تصور متوازن يراعي طبيعة العلاقة بين الطرفين دون الإخلال بالمصلحة العامة للدولة.

رابعا: أهداف البحث

يهدف هذا البحث إلى تسليط الضوء على الدور التنفيذي للطرف الأجنبي في عقود الخدمة النفطية، من خلال تحليل التزاماته المتعددة التي تؤثر في مختلف مراحل تنفيذ العقد. كما يسعى إلى بيان مدى ارتباط هذه الالتزامات بتحقيق التوازن التعاقدي بين الدولة المضيفة والشركة الأجنبية.

خامساً: خطة البحث

جاءت خطة البحث منسجمة مع أهدافه ومحاوره الأساسية، حيث قُسّم إلى مبحثين رئيسيين، يتناول كل منهما جانبًا من الجوانب المحورية في مسؤوليات الطرف الأجنبي. خُصّص المبحث الأول لدراسة الالتزامات الفنية والبيئية، من خلال التطرق إلى مسؤولية تنفيذ العمليات الفنية والاستكشافية، والالتزام القانوني بحماية البيئة أثناء تنفيذ النشاط النفطي. أما المبحث الثاني، فقد تناول الالتزامات المالية والإدارية، من خلال بحث آليات تمويل العمليات النفطية، والواجبات المتعلقة بتدريب الكوادر الوطنية وتقديم التقارير والعينات الفنية، بما يعكس التزامات الطرف الأجنبي على المستويين المؤسسي والتقني.

المبحث الأول: الالتزام الفني والبيئي في تنفيذ العمليات النفطية:

تعتبر الالتزامات الفنية والبيئية من أبرز المسؤوليات التي تقع على عاتق الطرف الأجنبي في إطار عقود الخدمة النفطية، إذ تشكّل جوهر العلاقة التعاقدية بين الدولة المضيفة والشركة المنفذة، وتُعد معيارًا أساسًا لقياس مدى التزام الأخيرة بأهداف العقد وكفاءتها في تنفيذ المهام الموكلة إليها. فالشركة الأجنبية، بوصفها الجهة المكلفة بتنفيذ العمليات النفطية، تتحمل واجبًا مهنيًا وقانونيًا في الالتزام بمعايير الأداء الفني المتفق عليها، سواء في ما يتعلق بأعمال الاستكشاف أو التطوير أو الإنتاج، وباستخدام أحدث التقنيات والممارسات المعترف بها في الصناعة النفطية.

ولا تقف مسؤولية الطرف الأجنبي عند حدود تنفيذ المهام الفنية، بل تمتد لتشمل ضرورة الامتثال للمتطلبات البيئية الصارمة، التي تمثل عنصرًا حاسمًا في التزامات الشركات العاملة في القطاع الاستخراجي. وقد أضحى من غير المقبول، في ظل المعايير الدولية الحديثة، أن تتم العمليات النفطية بمعزل عن مراعاة آثارها البيئية، الأمر الذي يحتم على الطرف الأجنبي اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لمنع التلوث، ومعالجة النفايات، والتقليل من الأضرار البيئية، وفقًا للتشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

ولغرض الإحاطة الشاملة بطبيعة هذه الالتزامات، فقد تم تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين رئيسيين:

يُعنى المطلب الأول ببيان مسؤولية تنفيذ العمليات الفنية والاستكشافية، أما المطلب الثاني، فيُخصص لبحث الالتزام القانوني بحماية البيئة في إطار تنفيذ العمليات النفطية، مع بيان الأسس القانونية والضوابط البيئية التي تُقيّد الطرف الأجنبي أثناء تنفيذ النشاط الاستخراجي.

المطلب الأول: مسؤولية تنفيذ العمليات الفنية والاستكشافية:

تُعد العمليات النفطية بجميع مراحلها من الالتزامات الجوهرية التي تقع على عاتق الطرف الأجنبي في عقود الخدمة النفطية، وهي تبدأ بمرحلة الاستكشاف والتنقيب وتمتد إلى مرحلة الإنتاج التجاري. وتخول الدولة المنتجة، بموجب أحكام العقود النفطية، الشركات الأجنبية المستثمرة حق الشروع بتنفيذ هذه العمليات داخل المنطقة المحددة في العقد، وذلك طيلة مدة سريانه، بما في ذلك تطوير الحقول النفطية، وإنتاج النفط ونقله وتشغيل البنى التحتية المرتبطة به¹. ولغرض تمكين الطرف الأجنبي من الوفاء بهذا الالتزام، تلتزم الدولة بمنحه ترخيصًا صريحًا باستخدام سطح الأرض داخل منطقة العقد وخارجها، إلى المدى اللازم لتنفيذ العمليات، بما يشمل إنشاء المنشآت والتجهيزات الفنية، واستيراد الآلات والمعدات اللازمة لذلك. وتُعد هذه الالتزامات التمهيدية بمثابة تمكين قانوني للطرف الأجنبي لمباشرة الأنشطة الفنية المرتبطة بحقوق التنقيب، وهو ما يمثل جوهر المرحلة الأولى من مراحل الصناعة النفطية([1]).

وتنقسم ممارسة هذا الحق إلى مرحلتين رئيسيتين. المرحلة الأولى هي مرحلة التنقيب والاستكشاف، وهي مرحلة قصيرة نسبيًا تهدف إلى تقييم الإمكانات الجيولوجية للموقع، والتأكد من وجود احتياطيات قابلة للتطوير الاقتصادي. وتبدأ هذه المرحلة من تاريخ دخول العقد حيز النفاذ وتمتد لثلاث سنوات، قابلة للتمديد لمدة سنتين إضافيتين، بناءً على طلب من الشركة المتعاقدة وموافقة الوزارة المختصة([2]).

ويتمتع الطرف الأجنبي في هذه المرحلة بحق غير مقيد في تنفيذ أعمال التنقيب ضمن المنطقة المتعاقد عليها، باستخدام كافة الوسائل الفنية المعتمدة في الصناعة النفطية، والتي تشمل المسوحات الجيولوجية والجيوفيزيائية، وحفر الآبار الاستكشافية وآبار التقييم. وتُعد هذه الإجراءات جزءًا من الالتزام الفني الذي تتحمله الشركة الأجنبية، والذي يترتب عليه التزامات مالية وإدارية تتابعها لجنة الإدارة المشتركة([3]).

أما المرحلة الثانية، وهي مرحلة الإنتاج التجاري، فتبدأ بعد تحقق اكتشاف نفطي مؤكد وانتهاء المرحلة الأولى، وتمتد غالبًا لعشرين سنة قابلة للتمديد. وتخول هذه المرحلة للشركة الأجنبية مباشرة إنتاج النفط الخام ونقله وتخزينه وتسليمه إلى النقاط التي تحددها وزارة النفط. ويتطلب تنفيذ هذه المرحلة إنشاء البنى التحتية الفنية مثل الخزانات، وخطوط الأنابيب، ومحطات الضخ، وغيرها من المنشآت اللازمة، سواء داخل منطقة العقد أو خارجها، بما ينسجم مع مقتضيات العمليات النفطية.

ومع ذلك، يُفرض على الطرف الأجنبي قيود قانونية تتعلق باستخدام الأراضي، إذ يُحظر عليه تنفيذ أية أعمال أو إنشاءات في المناطق المصنفة كمواقع أثرية أو دينية، سواء كانت داخل منطقة العقد أم خارجها، التزامًا بالتشريعات الوطنية الخاصة بحماية الآثار والتراث، وعلى رأسها قانون الآثار والتراث رقم (55) لسنة 2002 ([4]).

وتتميّز عقود الخدمة الفنية وعقود التطوير والإنتاج النفطي المبرمة في إطار جولات التراخيص في العراق بخصوصية قانونية وفنية تختلف عن نماذج العقود التقليدية التي تنقسم إلى مراحل تبدأ بالتنقيب والاستكشاف ثم التطوير والإنتاج. إذ لا تتضمن هذه العقود مرحلة للتنقيب، لكونها تبرم بشأن حقول سبق اكتشافها من قبل الدولة، وقد ثبت وجود احتياطيات نفطية فيها من خلال أعمال البحث السابقة، ما يعني أن الشركات الأجنبية لا تُكلّف بمهام استكشافية بحتة، بل تبدأ مباشرة بتنفيذ عمليات التطوير والإنتاج ضمن نطاق محدد سلفًا([5]).

وتبعًا لذلك، تتضمن العقود التزامات مباشرة على الطرف الأجنبي بإجراء الدراسات الفنية اللازمة، وتنفيذ المسوحات الجيوفيزيائية وتحديد مواقع الحفر، وحفر الآبار وتقييم قدراتها الإنتاجية، ومد خطوط الأنابيب وربط الآبار بالمنشآت السطحية المختلفة، كمنشآت فصل الغاز والخزن والمعالجة، فضلًا عن بناء محطات المعالجة والفصل وخطوط النقل المرتبطة بها([6]).

وعلى ضوء ذلك، يمكن تصنيف الحقول النفطية التي تكون محلاً لهذه العقود إلى نوعين: الأول، الحقول المنتجة التي تهدف العقود فيها إلى رفع القدرة الإنتاجية وتحسين الأداء الفني، ويطلق عليها “عقود خدمة فنية” (Technical Service Contracts)؛ والثاني، الحقول المكتشفة غير المطورة التي تستهدف العقود تطويرها ووضعها في طور الإنتاج التجاري، وتُعرف بعقود “التطوير والإنتاج” (Development and Production Service Contracts)³. وقد تبنّت وزارة النفط العراقية كلا النموذجين في جولات التراخيص الأولى والثانية.

ويتحمل الطرف الأجنبي بموجب هذه العقود تنفيذ حزمة من الالتزامات التشغيلية والفنية، تُعد من صلب واجباته التعاقدية، وتُنفذ وفق أعلى المعايير المعتمدة في صناعة النفط العالمية. وقد نصت عقود التراخيص بوضوح على مجموعة من الأنشطة الأساسية التي يجب تنفيذها، ومنها([7]):

1. إعداد خطة تطوير أولية ثم تقديم خطة تطوير نهائية شاملة.

2. إجراء مسوحات زلزالية (Seismic Surveys) تشمل المعالجة والتفسير.

3. تنفيذ دراسات جيولوجية ومكمنية تفصيلية، بما في ذلك نماذج ثلاثية الأبعاد

(3D Reservoir Simulation).

4. حفر آبار لتقييم وتطوير المكامن المعروفة ضمن منطقة العقد، بهدف تحقيق ذروة

الإنتاج المتفق عليها.

5. حفر آبار استكشافية في مناطق محتملة، أو تعميق آبار قائمة لاكتشاف مكامن

إضافية.

6. إجراء دراسات مختبرية متقدمة لاختيار أنسب طرق التطوير؛

7. إعداد دراسات هندسية تتعلق بالمنشآت السطحية، ودراسات متعلقة بضمان الجريان

(Flow Assurance Studies).

وتُعد هذه الالتزامات مجتمعة جزءًا من “برنامج العمل” (Work Program) الذي يُقدّم سنويًا ويخضع لمصادقة لجنة الإدارة المشتركة، مما يوفر آلية رقابة فعالة على أداء الطرف الأجنبي ويضمن التزامه بالجدول الزمني والكلفة التعاقدية.

المطلب الثاني: الالتزام القانوني بحماية البيئة في أطار تنفيذ العمليات النفطية

يمثل الالتزام بحماية البيئة أحد أهم الواجبات القانونية والتعاقدية التي يتحملها الطرف الأجنبي في عقود الخدمة النفطية. وتستند هذه الالتزامات إلى مجموعة من القواعد الوطنية والدولية التي تهدف إلى ضمان عدم الإضرار بالبيئة أثناء تنفيذ الأنشطة البترولية، سواء في مرحلة الاستكشاف أو التطوير أو الإنتاج. وقد أدركت الدولة العراقية، في إطار عقود جولات التراخيص، أهمية إدراج بنود صريحة تلزم الشركات الأجنبية بمراعاة الجوانب البيئية، حفاظًا على الموارد الطبيعية وسلامة النظم البيئية المحلية.

وقد نصّت نماذج عقود التراخيص النفطية على التزام الطرف الأجنبي باتباع أفضل الممارسات البيئية المعترف بها دوليًا (Best Environmental Practices)، وعلى ضرورة الالتزام بجميع القوانين والأنظمة البيئية السارية في العراق، وعلى رأسها قانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لسنة 2009، والذي يُعد الإطار التشريعي الأهم في هذا المجال. ويُلزم هذا القانون جميع الجهات، بما في ذلك الشركات النفطية، باتخاذ التدابير اللازمة لمنع التلوث، ومعالجة المخلفات، وعدم الإضرار بالصحة العامة أو البيئة([8]).

كما أوجبت المادة (41) من نموذج عقد التراخيص النفطية على الشركة الأجنبية الالتزام بتطبيق خطط الإدارة البيئية (Environmental Management Plans)، وتقديم تقارير تقييم الأثر البيئي (Environmental Impact Assessments – EIA) قبل الشروع في تنفيذ أي نشاط ميداني، بما يضمن الكشف المبكر عن المخاطر البيئية المحتملة ومعالجتها. ويتعين على الشركة تنفيذ هذه التقييمات وفقًا للمعايير المعتمدة من وزارة البيئة العراقية، وبالتنسيق مع شركة النفط الوطنية([9]).

ويظهر البعد العملي لهذا الالتزام في وجوب استخدام تقنيات حديثة تحد من انبعاث الغازات، وتجنب التلوث النفطي سواء في التربة أو المياه الجوفية، وتوفير خطط متكاملة لإدارة النفايات الصناعية، فضلًا عن وضع خطط للطوارئ للتعامل مع حوادث الانسكاب أو الحرائق. كما يُطلب من الشركة تقديم تقارير دورية حول الأداء البيئي، وهو ما يُشكل أداة رقابة فعالة من قبل الطرف الوطني على سلوك الشركة في هذا المجال ([10]).

وتجدر الإشارة إلى أن هذا الالتزام لا ينشأ فقط من نصوص العقود أو التشريعات الوطنية، بل يجد سنده أيضًا في عدد من الاتفاقيات البيئية الدولية التي انضم إليها العراق، مثل اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ لسنة 1992، واتفاقية بازل بشأن التحكم في نقل النفايات الخطرة والتخلص منها. وبالتالي، فإن الشركة الأجنبية تصبح ملزمة أيضًا بالقواعد البيئية ذات الطبيعة الدولية، طالما أن الدولة المضيفة طرف فيها ([11]).

وقد أكدت الدراسات الفقهية أن إخلال الشركات النفطية بالتزاماتها البيئية يمكن أن يشكّل أساسًا للمسؤولية المدنية، ويترتب عليه وجوب التعويض عن الأضرار، أو فرض الغرامات، أو حتى إنهاء العقد في الحالات الجسيمة، ما يعزز من أهمية تضمين هذه الالتزامات في النصوص التعاقدية بشكل واضح ودقيق([12]).

ولا يقتصر التزام الشركة الأجنبية على الالتزام النظري بقواعد حماية البيئة، بل يتعداه إلى مسؤوليات عملية يجب تنفيذها على الأرض ضمن مراحل متعددة من العقد، وتشمل مجالات الوقاية، والمراقبة، والمعالجة، وإعادة التأهيل البيئي للمناطق المتضررة. فقد نصّت المادة (41) من نماذج عقود التراخيص النفطية على أن تلتزم الشركة المتعاقدة باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لتفادي أي تدهور بيئي قد ينجم عن تنفيذ العمليات البترولية، وتقديم خطط بيئية مكتوبة للحصول على موافقة الطرف الوطني، على أن تشمل هذه الخطط توصيفًا دقيقًا للمخاطر البيئية وخطط الاستجابة والتخفيف والمعالجة([13]).

وتخضع هذه الالتزامات لمبدأ “المسؤولية المستمرة” (Continuing Obligation)، إذ تبقى الشركة الأجنبية مسؤولة عن الأضرار البيئية الناجمة عن نشاطها حتى بعد انتهاء العقد، ولا تسقط هذه المسؤولية بمجرد خروجها من المشروع، بل تُلزم بإعادة تأهيل المواقع التي شغلتها وفقًا للمعايير التي تحددها الجهات الرقابية الوطنية([14]). كما تلزم هذه العقود الشركة الأجنبية باستخدام تقنيات صديقة للبيئة، وتفادي الممارسات التقليدية التي تؤدي إلى انبعاث الغازات الملوثة، أو إلى تسرب المواد الكيميائية السامة إلى البيئة المحلية، خصوصًا في المناطق الزراعية والمائية.

ومن بين الالتزامات البيئية أيضًا، ما نصت عليه المادة (42) من نموذج عقد الخدمة، حيث أوجبت على الشركة الأجنبية تعيين موظف مختص بإدارة البيئة والصحة والسلامة، يكون مسؤولًا عن ضمان الامتثال البيئي، وعن رفع التقارير الدورية إلى شركة النفط العراقية([15]). ويُعد هذا الالتزام من مستلزمات الحوكمة البيئية الحديثة (Environmental Governance)، وهو ما يعزز قدرة الطرف الوطني على ممارسة الرقابة الدائمة.

أما في حال الإخلال بهذه الالتزامات، فإن للطرف الوطني الحق في:

  • توجيه إنذار رسمي إلى الشركة.
  • أو فرض غرامات مالية تُخصم من الكلف المستردة.
  • أو تعليق بعض الأعمال.
  • أو في حالات الضرر الجسيم، إنهاء العقد وتحميل الشركة المسؤولية المدنية.

وتنسجم هذه الأحكام مع المبادئ الواردة في الاتفاقيات الدولية البيئية، مثل مبدأ “الملوِّث يدفع” (Polluter Pays Principle)، ومبدأ الوقاية والاحتياط، وهما من المبادئ المعترف بها في القانون البيئي الدولي، والمنصوص عليهما في إعلان ريو بشأن البيئة والتنمية لعام 1992([16]).

ويظهر مما تقدم أن الالتزام البيئي في عقود التراخيص العراقية ليس التزامًا شكليًا، بل هو التزام جوهري ذي طبيعة مستمرة، تُرتب على الشركة الأجنبية واجبات فعلية ومحددة قابلة للمساءلة والرقابة. ويُعتبر هذا التوجه نقلة نوعية مقارنة بالعقود السابقة، التي كانت تغفل الجوانب البيئية أو تتركها في إطار عام غير ملزم([17]).

المبحث الثاني : الالتزام المالي والإداري في النشاط النفطي:

لا يقتصر دور الطرف الأجنبي في عقود الخدمة النفطية على تنفيذ الأعمال الفنية، بل يمتد ليشمل التزامات مالية وإدارية تُعد جزءًا لا يتجزأ من العلاقة التعاقدية، وتشكل أحد الأعمدة الأساسية لضمان نجاح المشروع النفطي وتحقيق أهداف الدولة المضيفة. وتكتسب هذه الالتزامات أهمية مضاعفة في ضوء اعتماد الدولة على الشركة الأجنبية في تمويل مراحل العمل، وتحمّل النفقات المرتبطة بتطوير الحقول، دون أن تتحمل الخزينة العامة أعباء مالية مباشرة.

فالطرف الأجنبي يلتزم بتمويل العمليات النفطية في مختلف مراحلها – من الاستكشاف إلى الإنتاج – وفقًا لما تفرضه بنود العقد، مع تقديم كشوفات مالية دقيقة، وخضوعه لنظام تدقيق ومراجعة من قبل الجهات الوطنية المختصة. كما يُعتبر مسؤولًا عن الإنفاق الرشيد، وعدم تحميل الدولة مصاريف تتجاوز ما هو متفق عليه، وهو ما يفرض ضرورة وجود آليات رقابة واضحة وشفافة.

إلى جانب ذلك، يتحمل الطرف الأجنبي مسؤوليات إدارية متصلة بتقديم التقارير الفنية والمالية الدورية، وتوفير العينات النفطية للجهات الوطنية، مما يضمن تدفق المعلومات ويُعزز من شفافية العمليات. ومن بين أبرز الالتزامات الإدارية كذلك، ما يتعلق بتدريب الكوادر الوطنية، ونقل الخبرة الفنية والإدارية، بما يُسهم في بناء قدرات مؤسسات الدولة وتحقيق نوع من الاكتفاء الذاتي التدريجي على المدى الطويل.

ولأجل الإحاطة بتفاصيل هذه الالتزامات وتحليلها بشكل منهجي، فقد تم تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين رئيسيين: يُعالج المطلب الأول موضوع التمويل والإنفاق على العمليات النفطية، أما المطلب الثاني، فيتناول الالتزام بنقل المعرفة عبر تدريب الكوادر الوطنية وتقديم التقارير والعينات النفطية، مع بيان أهمية هذه الالتزامات في تعزيز الإدارة الوطنية للموارد وتعميق الرقابة على سير العمليات.

المطلب الاول

التمويل والانفاق على العمليات النفطية

سبق وأن اوضحنا أن الصناعة النفطية تُعد من الصناعات ذات الطبيعة المعقدة، والتي تتطلب رؤوس أموال ضخمة، فضلاً عن إمكانات تقنية وبشرية متقدمة، وهو ما يدفع الدول المنتجة للنفط إلى إبرام عقود مع شركات نفطية عالمية تملك من القدرات المالية والتكنولوجية ما يؤهلها لتنفيذ هذه المشروعات.

وتتباين النفقات التي تتحملها هذه الشركات بحسب نوع العقد النفطي، ففي عقود الاستكشاف والإنتاج، عادةً ما تُقسم النفقات إلى ثلاثة أنواع رئيسة:

1- نفقات التنقيب:

وهي المبالغ التي تُنفقها الشركة الأجنبية بعد دخول العقد حيز النفاذ، لتنفيذ الحد الأدنى من

أنشطة التنقيب المتفق عليها، إضافةً إلى جزء من أعمال التقييم الأولي للحقل([18]).

2- نفقات التطوير:

ويقصد بها جميع المبالغ التي تُنفق بعد التثبت من وجود كميات تجارية من النفط، لغرض

تطوير منطقة الاستثمار، وتشمل هذه النفقات كلفة الأعمال الفنية والإنشائية الرامية إلى

إعداد الحقل للإنتاج، مع استثناء نفقات التشغيل([19]).

3- نفقات التشغيل والإنتاج:

وهي المصاريف التي تبدأ بعد الإنتاج التجاري الأول، وتشمل الأعمال المرتبطة بإنتاج

النفط، كالمعالجة وإعادة الحقن والنقل والتسليم([20]).

أما في العقود النفطية الأخرى، كعقود الخدمة الفنية وعقود التطوير والإنتاج، فلا تتحمل الشركات الأجنبية نفقات التنقيب، وذلك لأن هذه العقود ترد على حقول مكتشفة مسبقًا. وبالتالي، تقتصر النفقات في هذه العقود على نفقات التطوير، ونفقات التشغيل والإنتاج، كما هو الحال في عقود جولات التراخيص، والتي ألزمت الشركات الأجنبية بإنفاق مبالغ محددة خلال ثلاث سنوات من تاريخ الموافقة على خطة التطوير الأولية، لتنفيذ الحد الأدنى من الأعمال الفنية المبينة في العقد([21]).

وقد صنّفت عقود جولات التراخيص هذه النفقات إلى ما يلي:

أ. النفقات البترولية:

وتشمل نفقات التطوير والإنتاج والتشغيل، وهي جميع المبالغ اللازمة لتغطية أنشطة التقييم

والتطوير والإنتاج، إضافةً إلى الأجور، وكلفة المواد والمعدات والخدمات، والمصاريف

الإدارية والتدريب والديون والتعويضات التي تتحملها الشركة بعد نفاذ العقد في سبيل تنفيذ

العمليات النفطية([22]).

ب. النفقات الإضافية:

وهي النفقات التي تتحملها الشركة الأجنبية بعد نفاذ العقد، والتي لا تُعد ضمن النفقات

البترولية المنصوص عليها، وقد وردت هذه النفقات بالتفصيل في موضع التزامات الطرف

الوطني – بند استرداد النفقات([23]).

ج. النفقات غير القابلة للاسترداد:

تُعد النفقات غير القابلة للاسترداد من الفئات المالية التي تستثنيها عقود التراخيص النفطية من إمكانية الاسترجاع من قبل الشركات الأجنبية، ما لم ينص العقد صراحةً على خلاف ذلك. وتُحدّد هذه النفقات بدقة ضمن أحكام العقد وملحقاته، وتُلقى مسؤولية تحملها على عاتق الشركة الأجنبية باعتبارها لا تدخل ضمن كلفة العمليات النفطية التي يجوز استردادها.

وتشمل هذه النفقات ما يأتي:

  • التكاليف الناتجة عن الإهمال الجسيم أو سوء الإدارة المتعمد من قبل المقاول أو المشغل، وذلك متى ثبتت هذه المخالفات قانونًا، وتشكل خرقًا صريحًا لممارسات الصناعة النفطية المثلى أو لشروط العقد ذات الصلة بالعمليات النفطية([24]).
  • الكلف الخاصة باستبدال أو إصلاح الأصول والموجودات الأخرى التي لم يتم تأمينها أو كانت مؤمنة جزئيًا، فضلًا عن الخسائر المترتبة على المسؤولية القانونية تجاه أطراف ثالثة.
  • النفقات ذات العلاقة المباشرة أو غير المباشرة بتمويل العمليات النفطية، بما في ذلك التكاليف المصاحبة لتأمين رأس المال، مثل الفوائد، العمولات، أجور الوساطة، أو أية مصاريف مالية مشابهة.
  • التبرعات والمصروفات المتعلقة بالعلاقات العامة، أو تلك التي تهدف إلى تحسين صورة الشركة الأجنبية ومصالحها في الدولة المضيفة.
  • جميع النفقات التي لا ترتبط مباشرةً بالعمليات النفطية، أو تلك المتعلقة بأنشطة ما بعد نقاط التسليم، أي بعد تسليم النفط إلى الجهة الوطنية العراقية([25]).
  • ضريبة الدخل المستحقة على الشركة الأجنبية، والتي تقع ضمن مسؤوليتها المالية المباشرة ولا تتحملها الدولة أو يُعاد احتسابها ضمن النفقات التشغيلية.
  • المبالغ المخصصة لصناديق دعم التدريب، وتطوير التقنية، والبعثات الدراسية، وكذلك ما يُعرف بـ “هبة التوقيع” (Signature Bonus).
  • الدفعات النقدية التي تُحوَّل إلى الشركة العراقية المتعاقدة وفقًا لما نصّت عليه المادة (23/4) من العقود([26]).
  • أية نفقات أخرى يُصرَّح بها في موضع آخر من العقد باعتبارها نفقات غير قابلة للاسترداد([27]).

ويُعد هذا التصنيف أداة تنظيمية تهدف إلى ضبط النفقات وضمان ألا تتحمل الدولة أو الجهة الوطنية أي مصاريف خارجة عن نطاق العمليات النفطية المشروعة أو غير المبررة ماليًا أو قانونيًا.

المطلب الثاني: الالتزام بنقل المعرفة عبر تدريب الكوادر الوطنية وتقديم تقاير وعينات نفطية:

تُعد الالتزامات غير التشغيلية، ومنها تدريب الكوادر الوطنية وتقديم التقارير الفنية والعينات النفطية، من العناصر الجوهرية التي حرصت عقود التراخيص النفطية في العراق على تنظيمها بشكل دقيق، لما لها من أثر مباشر في تعزيز السيادة الفنية والرقابية للدولة على أنشطة استخراج وإنتاج النفط. وقد أولت هذه العقود أهمية خاصة لبناء القدرات المحلية، من خلال إلزام الشركات الأجنبية بنقل المعرفة والتكنولوجيا إلى الجانب الوطني عبر برامج تدريبية متخصصة ومستمرة، تشمل الجوانب الفنية والإدارية والمحاسبية.

وفي ذات السياق، نصّت العقود على التزام المقاول بتقديم تقارير دورية شاملة توثّق مراحل العمل والنتائج الفنية المتحققة، إلى جانب تسليم عينات نفطية تمثل الإنتاج، لأغراض التحليل والتقييم والاحتفاظ المرجعي. وتمثل هذه الالتزامات أحد مظاهر التكامل بين الجانب الاستثماري والتنموي في عقود الخدمة، وتُعد وسيلة لضمان شفافية العمليات النفطية واستدامة الخبرات داخل المؤسسات الوطنية. وعلى هذا النحو سوف نبين هذا الالتزام بما يلي:-

أولا: دور الشركات الأجنبية في تدريب الكوادر الوطنية:

يشكل تدريب الكوادر الوطنية أحد المرتكزات الأساسية التي نصت عليها عقود التراخيص النفطية في العراق، ويُعد من الالتزامات الجوهرية التي يتحملها المقاول الأجنبي تجاه الدولة، في إطار سعي العراق إلى تمكين موارده البشرية وبناء قاعدة فنية وإدارية قادرة على إدارة قطاع النفط بكفاءة واستقلال. ويهدف هذا الالتزام إلى ضمان نقل الخبرة التقنية والمعرفة التطبيقية من الشركات الأجنبية إلى العاملين في المؤسسات الوطنية، بما يسهم في تعزيز السيادة الفنية وتقليص الاعتماد على الخبرات الأجنبية على المدى البعيد.

وفي هذا السياق، ألزمت العقود الشركات الأجنبية بوضع وتنفيذ برامج تدريبية متخصصة ومتنوعة تغطي الجوانب الفنية، والتشغيلية، والإدارية، والمحاسبية، وتتضمن التدريب داخل العراق وخارجه بحسب مقتضيات الحاجة. وقد خُصص لهذا الغرض مبلغ مالي سنوي ثابت تتحمله الشركة الأجنبية، دون أن يُعد جزءًا من النفقات القابلة للاسترداد. حيث نصت المادة (26/2) من نماذج عقود جولات التراخيص على ما يأتي: “يتحمل المقاول مبلغًا سنويًا مقداره (5,000,000) خمسة ملايين دولار أمريكي، يُنفق على برامج التدريب والتطوير المؤسسي والتقني للكوادر الوطنية، ويُنفذ بالتنسيق مع شركة النفط العراقية المتعاقدة، ولا يُعد هذا المبلغ من الكلف البترولية القابلة للاسترداد”([28]).

ويُنفَّذ هذا الالتزام تحت إشراف لجنة الإدارة المشتركة، التي تتولى المصادقة على الخطة التدريبية السنوية المقدمة من المقاول، والتي يجب أن تتضمن تفاصيل البرامج، وعدد المتدربين، والجدول الزمني، والتكاليف، والمخرجات المتوقعة. كما تتضمن العقود ملحقًا محاسبيًا يحدد آليات تنفيذ هذه البرامج ومراقبتها وتقييم نتائجها([29]).

ولا يقتصر التدريب على الجوانب النظرية أو الإدارية، بل يشمل الإيفاد إلى مواقع العمل، والمشاركة في عمليات التشغيل والصيانة، وكذلك التدريب الخارجي في مقار الشركات الأم أو المراكز الدولية المعتمدة، مما يسهم في رفع كفاءة العنصر الوطني وتأهيله للمساهمة في جميع مراحل العملية النفطية.

ومن الجدير بالذكر أن هذا الالتزام، رغم كونه ماليًا وفنيًا بطبيعته، إلا أنه يحمل بعدًا استراتيجيًا، كونه يمثل أداة استثمار في رأس المال البشري العراقي، ويُسهم في تعزيز القدرة الوطنية على استلام زمام الأمور في إدارة وتطوير الحقول، وهو ما يجعله أحد الملامح البارزة في فلسفة عقود الخدمة النفطية العراقية.

ثانياً : الالتزام بتقديم التقاير الفنية والعينات النفطية:

يُعد التزام الشركات الأجنبية بتقديم التقارير الفنية والعينات النفطية من اهم الواجبات التعاقدية المنصوص عليها في نماذج عقود جولات التراخيص في العراق، إذ يمثل هذا الالتزام جزءًا أساسيًا من آلية الرقابة الفنية والإدارية التي تمارسها الدولة على مجمل العمليات النفطية. وتكمن أهمية هذا الالتزام في ضمان الشفافية، وتوثيق الأداء، وتوفير قاعدة بيانات دقيقة تُتيح لشركة النفط العراقية المتعاقدة متابعة تنفيذ العقد بشكل تفصيلي.

وقد تضمنت المادة (15) من عقود جولات التراخيص تحت عنوان ” التقارير والسجلات ” الزاما على المقاول بتقديم كافة التقارير والسجلات والمعلومات المتعلقة بالعمليات النفطية، بما يشمل: “التقارير اليومية والأسبوعية والشهرية والسنوية، وبيانات الإنتاج، والمخططات، والتقارير الجيولوجية والجيوفيزيائية، وتقارير الحفر والتطوير، وتقارير الكلف، وغيرها من البيانات”([30]).

كما أكدت المادة (14) ، على التزام المقاول بتسليم نسخ من جميع العينات الجيولوجية والجيوفيزيائية، وكذلك عينات من النفط والغاز والمياه المصاحبة، وذلك لغرض التحليل الفني أو الاحتفاظ المرجعي، حيث نصت على أن:” يزود لمقاول أو المشغل، شركة النفط العراقية مجانا ، بنسخ من أية بيانات المستحصلة كنتيجة للعمليات البترولية التي تشمل ولا تقتصر على البيانات الجيولوجية والجيوفيزياوية والجيوكيمياوية والبتروفيزياوية والهندسية وسجلات الآبار والخرائط والأشرطة المغناطيسية وبيانات اللباب وفتات الصخور وبيانات الإنتاج، وكذلك جميع البيانات المفسرة والمشتقة متضمنة التقارير والتحليلات والتفسيرات والتقييمات المعدة بخصوص العمليات البترولية …”([31]).

ويهدف هذا التنظيم إلى تمكين الجانب الوطني من إجراء التحليلات المستقلة، ومقارنة نتائجها بالتقارير المقدمة من المقاول، وتكوين أرشيف علمي وتقني يُستخدم لاحقًا لأغراض التطوير أو في حالات النزاع أو التقييم الاقتصادي، كما أن هذا الالتزام يعزز قدرة الدولة على مراقبة العمليات ميدانيًا ومحاسبيًا، ويسمح لها باعتماد مؤشرات الأداء الفني كمعيار لتقييم كفاءة تنفيذ العقد.

الخاتمة

بعد التطرق إلى طبيعة دور الطرف الأجنبي في عقود الخدمة النفطية، وتحليل التزاماته الفنية والبيئية والمالية والإدارية، يمكن القول إن هذه العقود تُشكّل إطارًا تعاقديًا دقيقًا يوازن بين حاجة الدولة إلى الاستعانة بالخبرة الأجنبية وبين ضرورة الحفاظ على سيادتها ومواردها. وقد أظهر البحث أن نجاح العلاقة التعاقدية مرهون بمدى وضوح الالتزامات المفروضة على الطرف الأجنبي، وفعالية الآليات الرقابية والإجرائية التي تكفل تنفيذها على أرض الواقع.

الاستنتاجات

  1. تُعد التزامات الطرف الأجنبي ركيزة أساسية في عقود الخدمة النفطية، وتشمل مسؤوليات دقيقة تتعلق بالتنفيذ الفني والتمويل والإدارة والبيئة، وهي تشكل معيارًا رئيسيًا لتقييم كفاءة المشروع.

2. إن المسؤولية الفنية للطرف الأجنبي لا تقتصر على حفر الآبار أو تطوير الحقول، بل تشمل الالتزام باستخدام التكنولوجيا الحديثة، واحترام الجداول الزمنية، وتحقيق أهداف الإنتاج المتفق عليها.

3. يشكل الالتزام بحماية البيئة جانبًا جوهريًا في عقود الخدمة، ويتطلب من الطرف الأجنبي الامتثال للتشريعات الوطنية والمعايير الدولية البيئية، مما يعزز من الاستدامة في القطاع النفطي.

4. يتحمل الطرف الأجنبي العبء المالي الكامل في تمويل العمليات النفطية، مما يقلل من الأعباء الواقعة على الدولة، لكن هذا التمويل يجب أن يخضع لرقابة صارمة لضمان الشفافية وعدم المبالغة في التكاليف.

5. يُعد التزام الطرف الأجنبي بتدريب الكوادر الوطنية وتقديم التقارير الفنية والمالية دورًا محوريًا في نقل المعرفة وتعزيز قدرات الدولة على إدارة مواردها بفعالية.

التوصيات

1. ضرورة تضمين العقود بنودًا تفصيلية تُحدد بدقة التزامات الطرف الأجنبي الفنية والبيئية، بما يقلل من الغموض التعاقدي ويعزز من مساءلة الشركة عند الإخلال.

2. تفعيل الدور الرقابي للجهات الوطنية على الأداء الفني والمالي للطرف الأجنبي، من خلال لجان متخصصة وخبرات وطنية مدربة في الجوانب التعاقدية والتقنية.

3. تضمين التزامات الطرف الأجنبي بتدريب الكوادر الوطنية كشرط تعاقدي جوهري وليس مجرد التزام ثانوي، وربط هذا التدريب بمؤشرات تقييم الأداء.

4. تطوير الإطار القانوني المنظم لعقود الخدمة النفطية بما يواكب المعايير الدولية الحديثة، ويُراعي خصوصية التجربة العراقية من حيث السيادة والاعتبارات الاقتصادية.

المراجع

  1. بيار ترزيان، الاسعار والعائدات والعقود النفطية في البلاد العربية وايران، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، 1982.
  2. صباح عبد الكاظم شبيب , النظام القانوني لعقد التطوير والإنتاج النفطي في العراق , الدار العربية للعلوم ناشرون , بيروت , الطبعة الأولى , 2015 .
  3. صباح عبد الكاظم شبيب، قانون الاستثمار في قطاع النفط والغاز في العراق: دراسة تحليلية مقارنة، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2017.
  4. عادل عبد الرزاق خضير، القانون الدولي للبيئة وأثره على العقود النفطية، مجلة دراسات قانونية، الجامعة المستنصرية، العدد 8، 2018.
  5. عوني فرسخ، القانون الدولي للبيئة، الطبعة الأولى، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 2002.
  6. فؤاد حسين العبيدي، النظام القانوني لحماية البيئة في العراق، دار الثقافة للنشر، عمان، 2015.
  7. قاسم محمد داود، القانون الدولي لحماية البيئة، الطبعة الأولى، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 2012.
  8. يوسف الصائغ ، سياسات النفط العربية في السبعينيات فرصة ومسؤولية ، ط 1 ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ، 1983.

الهوامش:

  1. – يوسف الصائغ ، سياسات النفط العربية في السبعينيات فرصة ومسؤولية ، ط 1 ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ، ۱۹۸۳ ، ص ٤٠ وما بعدها .

  2. – المادة (2/2) من نماذج عقود جولات التراخيص النفطية العراقية.

  3. -المادة (9) من نماذج عقود جولات التراخيص النفطية العراقية.

  4. – يُنظر البند أولًا من المادة (3) من قانون الآثار والتراث رقم (55) لسنة 2002، والمنشور على الموقع الرسمي للقوانين العراقية:

    www.iraq-ig-law.org

  5. – صباح عبد الكاظم شبيب , النظام القانوني لعقد التطوير والإنتاج النفطي في العراق , الدار العربية للعلوم ناشرون , بيروت , الطبعة الأولى , 2015 ، ص 171.

  6. – المادة (11/7) من نماذج عقود التراخيص النفطية.

  7. – المادة (11/8) من نماذج عقود التراخيص النفطية.

  8. – ينظر: قانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لسنة 2009، المنشور في جريدة الوقائع العراقية، العدد 4140 في 16/11/2009.

  9. – تنظر المادة (41) من نماذج عقود التراخيص النفطية.

  10. – صباح عبد الكاظم شبيب، قانون الاستثمار في قطاع النفط والغاز في العراق: دراسة تحليلية مقارنة، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2017، ص 203.

  11. – عادل عبد الرزاق خضير، القانون الدولي للبيئة وأثره على العقود النفطية، مجلة دراسات قانونية، الجامعة المستنصرية، العدد 8، 2018، ص 91.

  12. – قاسم محمد داود، القانون الدولي لحماية البيئة، الطبعة الأولى، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 2012، ص 167.

  13. – المادة (41) من نماذج عقود التراخيص النفطية.

  14. – فؤاد حسين العبيدي، النظام القانوني لحماية البيئة في العراق، دار الثقافة للنشر، عمان، 2015، ص 114.

  15. – المادة (42) من نماذج عقود التراخيص النفطية.

  16. – المادة (42) من نماذج عقود التراخيص النفطية.

  17. – عوني فرسخ، القانون الدولي للبيئة، الطبعة الأولى، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 2002، ص 149.

  18. – تشمل نفقات التنقيب: (أ) المصروفات الفعلية للعمليات الجيوفيزيائية والجيولوجية. (ب) النفقات الفعلية للحفر التنقيبي (الآبار الاستكشافية). (ج) كلفة المستخدمين المخصصة لمنشآت التنقيب. (د) النفقات التي تتحملها أينوك العراقية/ أو شركة إيراب لغرض العمليات، وفقًا للسلوك السليم في الصناعة النفطية – تنظر المادة (23/3) من عقد إيراب – إينوك.

  19. – بيار ترزيان، الاسعار والعائدات والعقود النفطية في البلاد العربية وايران، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، 1982، ص251.

  20. – بيار ترزيان، المصدر السابق، ص251-252.

  21. -. مثال على ذلك: تنص المادة (6/2) من عقد غرب القرنة (2) على أنه “يجب على المقاول إنفاق مبلغ لا يقل عن 250,000,000 دولار أمريكي خلال ثلاث سنوات من المصادقة على خطة التطوير الأولية”.

  22. – الفقرة (2) من الملحق (ج) في نماذج عقود التراخيص النفطية.

  23. – المادة (1/86) من نماذج عقود التراخيص النفطية.

  24. – يقصد بالإهمال الجسيم أو سوء الإدارة المتعمد – بموجب العقد – أي فعل غير مبرر أو امتناع متعمّد من موظفي الإشراف الرئيسيين في الشركة، ينطوي على إصرار أو استهانة متعمدة بممارسات الصناعة البترولية العالمية أو بشروط العقد، وذلك في ما يتعلق بتنفيذ العمليات النفطية. تنظر المادة (1/44) من نماذج عقود التراخيص النفطية.

  25. – يقصد بنقاط التسليم : النقاط التي تستلم فيها شركة النفط العراقية الخام المنتج، والتي عندها قد يُمنح المقاول الحق في رفع حصته من نفط التصدير بدلاً من استرداد الكلفة البترولية والنفقات الإضافية والربح المستحق. تنظر المادة (1/26) من نماذج عقود التراخيص النفطية.

  26. – تنص المادة (23/4) على (… فأن ذلك الكيان يدفع الفرق ما بين المسؤولية الضريبية على الدخل الفعلي والمسؤولية الضريبية على الدخل المنظور إلى شركة النفط العراقية المتعاقدة الا في حالة أن إعادة الدفع هذه تجعل من الكيات يدفع إلى الشركة العراقية اكثر مما استلمه ….).

  27. – الفقرة (10) من الملحق (ج) عقود جولات التراخيص النفطية.

  28. – المادة (26) من نماذج عقود جولات التراخيص النفطية.

  29. – المادة (13/2/هــ) من نماذج عقود جولات التراخيص النفطية.

  30. – المادة (15) من نماذج عقود جولات التراخيص النفطية.

  31. – المادة (14) من نماذج عقود جولات التراخيص النفطية.