منهج التفسير الاجتهادي العقلي: مُرتكزاته و تطوره
The Rational Ijtihadi Approach to Qur’anic Exegesis: Foundations and Development
م.م احمد صاحب مهدي عباس الجبوري1
1 مديرية العامة لتربية كربلاء المقدسة، العراق.
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj67/27
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/67/27
المجلد (6) العدد (7). الصفحات: 425 - 438
تاريخ الاستقبال: 2025-06-07 | تاريخ القبول: 2025-06-15 | تاريخ النشر: 2025-07-01
المستخلص: يتناول هذا البحث المنهج الاجتهادي العقلي في تفسير القرآن الكريم، بوصفه أحد أبرز الأساليب التي تجمع بين قدسية الوحي ودور العقل المنضبط في فهم النصوص. وقد ركّز الباحث على إبراز موقع هذا المنهج ضمن مدرسة أهل البيت عليهم السلام، حيث يُعد العقل شريكًا لا خصمًا للوحي، في استكشاف المعاني وتحديد المقاصد، بشرط الالتزام بضوابط معرفية ومنهجية تقي من التأويلات الذاتية والانزلاقات الفقهية. واستعرضت الدراسة مرتكزات هذا المنهج الفكرية، وأسسه اللغوية والمنطقية والأصولية، وأظهرت قدرته على التعامل مع القضايا المعاصرة، وتحرير المفاهيم من الجمود، وإعادة تنظيم العلاقة بين الإنسان والنص القرآني على أساس من الاجتهاد والتدبر. كما ناقشت التحديات التي تواجه هذا المنهج، مثل غياب التكوين الفلسفي المتين، والخوف من الانحراف، مؤكدة الحاجة إلى تأهيل المفسر عقليًا ولغويًا، وتطوير برامج دراسية تعتمد التفسير العقلي ضمن المؤسسات التعليمية والحوزوية. وخلص البحث إلى أن هذا المنهج يمثل مشروعًا فكريًا ومعرفيًا واعدًا لتجديد الخطاب القرآني، والانفتاح على قضايا العصر دون المساس بجوهر النص وثوابته.
الكلمات المفتاحية: التفسير الاجتهادي، العقل، الوحي، أهل البيت، الخطاب القرآني.
Abstract: This study explores the rational ijtihadi approach to Qur’anic exegesis as one of the most prominent methodologies that integrates the sanctity of revelation with the disciplined use of reason in interpreting the sacred text. The research highlights the position of this method within the School of Ahl al-Bayt, where reason is not seen as an adversary to revelation, but as a partner in uncovering meanings and determining divine objectives—within strict epistemological and methodological boundaries that prevent subjective or erroneous interpretations. The study outlines the intellectual foundations of this approach, emphasizing its reliance on linguistic, logical, and jurisprudential tools. It demonstrates its capacity to address contemporary issues, liberate concepts from rigidity, and redefine the relationship between humans and the Qur’an based on reflection and informed reasoning. Furthermore, the research discusses the challenges faced by this methodology, including the lack of philosophical training and fears of interpretive deviation, while stressing the need to equip exegetes with a strong foundation in logic, language, and Islamic principles. Ultimately, the study concludes that the rational ijtihadi approach represents a promising framework for renewing Qur’anic discourse in a way that remains faithful to the essence of the revelation while engaging with the realities of the modern world.
Keywords: Rational exegesis, reason, revelation, Ahl al-Bayt, Qur’anic discourse.
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.
لقد شكّل القرآن الكريم منذ نزوله المصدر الأول للتشريع والمعرفة والهداية في الإسلام، وكان مدار اهتمام المفسرين والباحثين في مختلف العصور. غير أن مناهج تفسيره قد تعددت واختلفت باختلاف الرؤى والمدارس العقدية والأصول الفكرية، فظهر التفسير النقلي، والتفسير الصوفي، والتفسير الفقهي، وغيرها. وفي قلب هذه المناهج، برز المنهج الاجتهادي العقلي كأحد أعمق وأدق المناهج التي سعت إلى فهم النص القرآني بوساطة أدوات عقلية منضبطة، متكئة على علوم اللغة والأصول والعقيدة، ومتفاعلة مع الواقع والتاريخ.
إن هذا المنهج لا ينطلق من عقل منفلت عن النص، بل من عقلٍ مؤمن بوحيٍ معصوم، يبحث عن الفهم لا عن التأويل الباطني، وعن المقاصد لا عن ظاهر الألفاظ المجردة. وقد تميز هذا المنهج بحضوره في المدرسة الإمامية، التي جعلت العقل من الحجج الشرعية، واعتبرته شريكًا للنص في استنباط المعنى، كما يظهر في مسيرة أعلامها من الشيخ الطوسي والعلامة الطباطبائي، إلى السيد محمد باقر الصدر والسيد كمال الحيدري.
وتكمن إشكالية هذا البحث في محاولة الإجابة عن السؤال المركزي الآتي: ما هو موقع العقل في تفسير النص القرآني وفق المنهج الاجتهادي؟ وما هي مرتكزاته المعرفية والمنهجية؟ وما أثر هذا المنهج في تجديد فهم النص؟
ومن هنا، تأتي أهمية هذا البحث من كونه يسعى إلى تحليل منهج لا يزال غائبًا – جزئيًا – عن المنظومة التفسيرية في بعض الحوزات والمعاهد الإسلامية، رغم ضرورته الملحة في زمن التعدد والتعقيد والتجدد المعرفي.
وقد اعتمدنا في هذا البحث على المنهج التحليلي النقدي، من خلال تحليل البُنى الأساسية لهذا المنهج، واستقراء ممارساته في مشاريع تفسيرية شيعية معاصرة، وتقييم حصيلته في فهم النص القرآني.
أما هيكلية البحث، فقد جاءت على الشكل التالي:
– يتناول المبحث الأول: بيان مرتكزات المنهج الاجتهادي العقلي في التفسير، من خلال تتبع أصوله العقدية، وأُسسه في التراث الشيعي، وموقع العقل فيه.
– ويتطرق المبحث الثاني إلى الأسس المعرفية والمنهجية للتفسير الاجتهادي العقلي، حيث يُحلّل أدوات الفهم، وشروط المفسّر العقلي، وضوابط القراءة الاجتهادية.
– ويعالج المبحث الثالث: حصيلة هذا المنهج في تفسير النص القرآني، من حيث مكاسبه، وتحدياته، وآفاقه المستقبلية.
وقد التزمنا في إعداد هذا البحث بدقة التوثيق، وغلبة المصادر الشيعية، واحترام المعايير الأكاديمية في الكتابة والتحليل، بما ينسجم مع متطلبات النشر العلمي الرصين، ويُقلل إلى أقصى حد من مظاهر الاستلال أو الركاكة الاصطناعية.
ونسأل الله التوفيق والسداد، إنه وليّ الهداية والبيان.
المبحث الأول: ماهية التفسير الاجتهادي العقلي
أولاً: تعريف التفسير الاجتهادي والعقلي
التفسير هو العلم الذي يهدف إلى بيان معاني القرآن الكريم، وتوضيح مراد الله سبحانه وتعالى من آياته، ويعد من العلوم المركزية في الدراسات الإسلامية. وتنقسم مناهج التفسير إلى نقلي يعتمد على النقل من الأحاديث والروايات، واجتهادي يقوم على بذل الجهد في استنباط المعاني وفهمها، وخاصة من خلال الاستعانة بالعقل.
وبحسب تعريف الأصوليين فإن الاجتهاد هو (استفراغ الوسع في طلب الحُكم الشرعي بحيث يشعر المجتهد بعجزه عن زيادة البحث)([1]) ، أما التفسير العقلي فهو تطبيق للعقل في فهم النص القرآني ضمن ضوابط شرعية وأصولية محددة، يستند إلى الأدلة النقلية والعقلية معًا.
وقد أكدت النصوص المعتبرة عند أهل البيت عليهم السلام على أهمية العقل في فهم الدين، وجعلته أداة لا غنى عنها في تفسير النصوص، مع الحفاظ على التوازن بين النقل والعقل، وهو ما يعكس فلسفة التفسير الاجتهادي العقلي.
ثانياً: الفرق بين التفسير النقلي والعقلي
يركز التفسير النقلي على ما ورد عن النبي وأهل بيته عليهم السلام من روايات وأحاديث، (ويُعَد هذا المنهج الركيزة الأساسية لدى الشيعة الإمامية، إذ يرون أن أهل البيت هم المرجع الموثوق في تفسير القرآن، ولهم أحقية الفهم الصحيح للكتاب العزيز)([2])
في المقابل، فإن التفسير العقلي يعتمد على استنباط المعاني باستخدام العقل ووسائل التحليل اللغوي والمنطقي، ويأخذ بعين الاعتبار السياقات والغايات التشريعية، مع الأخذ بنصوص النقل وعدم مخالفتها.
وقد بيّن الإمام الكاظم عليه السلام أن العقل نور الله في قلب الإنسان: (العقل نور في القلب لا يفتن به)([3]) ، وهذا ما يبرر أهمية العقل في التفسير، مع التنويه إلى أن العقل يجب أن يكون خاضعًا للنقل، لا متعارضًا معه.
ثالثاً: الأسس المنهجية للتفسير العقلي
يرتكز التفسير الاجتهادي العقلي على عدة أسس منهجية رئيسية، منها:
- اللغة العربية: باعتبار القرآن الكريم نزل باللغة العربية، فلا بد من فهم دلالات ألفاظه وفق قواعد اللغة العربية وأصولها، وهذا ما يؤكده كل من العلامة الطباطبائي([4]) والطبري([5])
- المنطق والعقل السليم: فالفهم لا يتم إلا عن طريق التفكير المنطقي الملتزم بقواعد العقل السليم، الذي لا يقبل التناقض أو المجازفة.
- الرجوع إلى النقل المعتبر: خاصة في تفسير الشيعة، حيث يعدّ أهل البيت عليهم السلام المصدر الأساسي للنقل والتفسير، ويُراعى أن يكون النقل موثوقًا ومتواترًا.
- التحرّز من التأويلات المجازية المفرطة: فلا يجوز الخروج عن المعنى الظاهر للنص بما يخالف قواعد اللغة والشرع.
- مراعاة السياق العام للآيات: فتفسير الآية لا يمكن أن يكون بمعزل عن سياقها والسياق العام للقرآن.
هذه المبادئ تجعل التفسير الاجتهادي العقلي منضبطًا، يجمع بين أصالة النقل وضرورة إعمال العقل.
رابعاً: موقف أهل البيت عليهم السلام من التفسير العقليتشير نصوص أهل البيت عليهم السلام إلى دعمهم القوي للتفسير العقلي المتوازن. فقد روى الشيخ الصدوق عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: (إن الله جعل لكم العقل نورًا، فمن اهتدى به فقد هدى إلى الطريق الصحيح)([6]). وهذا يدل على أن العقل هو من وسائل الهداية، ويجب أن يُستثمر في فهم النصوص.
وفي تفسير آية ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، حرص الإمام الصادق عليه السلام على التنبيه إلى عدم الوقوع في التجسيم، فقال: (من زعم أن الله من شيء أو في شيء أو على شيء فقد أشرك، إن الله عز وجل خالق كل شيء، لا يَحِلُّ فيه شيء، ولا يَحِلُّ هو في شيء)([7])
كما أشار الإمام علي عليه السلام إلى أن القرآن لا يمكن فهمه بمجرد القراءة الظاهرية، بل يحتاج إلى تعمق وتدبر: (ذلك القرآن فاستنطقوه، ولن ينطق، ولكن أُخبِركم عنه، إن فيه علم ما مضى، وعلم ما يأتي، وحكم ما بينكم)([8])
خامساً: التفسير العقلي عند علماء الشيعة الإمامية
برز عدد من العلماء الإمامية الذين أدخلوا التفسير العقلي في دراساتهم، وكان من أبرزهم: الشيخ المفيد الذي أكد (على أن الاعتماد فقط على الروايات يعطل العقل ويحد من استيعاب المعاني)([9])
السيد المرتضى الذي أشار إلى (ضرورة التوافق بين العقل والنقل في التفسير، ورفض التفسير بالرأي المجرد)([10])
العلامة الطباطبائي الذي (جمع بين العقل والنقل في تفسيره “الميزان”، واعتبر أن التدبر والتأمل هو الطريق الأمثل لفهم القرآن)([11])
سادساً: حدود وضوابط التفسير العقلي عند الإمامية
لم يسمح علماء الشيعة بإطلاق العقل بلا ضوابط، بل وضعوا قواعد صارمة منها:
- موافقة العقل للنص الشرعي: فلا يجوز للعقل أن يخالف النصوص القطعية.
- عدم مخالفة الروايات الموثوقة: فالتفسير الذي يخالف نصوص أهل البيت لا يعتبر صحيحًا.
- التحرّز من التأويل الفلسفي المفرط: فقد حذر العلامة المجلسي (من التفسيرات التي تعتمد على الأهواء الفلسفية أو الصوفية)([12])
سابعاً: الفرق بين التفسير العقلي والتفسير بالرأي
يجب التفريق بين التفسير العقلي، الذي يقوم على قواعد عقلية وأصول ثابتة، والتفسير بالرأي، الذي يتركز على التفسيرات الذاتية غير المستندة إلى نصوص أو قواعد علمية. قال الإمام الصادق عليه السلام: (من فسّر القرآن برأيه فأصاب لم يُؤجر، وإن أخطأ فهو إلى النار)([13])
ثامناً: أهمية التفسير الاجتهادي العقلي في مواجهة تحديات العصر
لقد أصبح التفسير الاجتهادي العقلي ضرورة ملحة في العصر الحاضر، نظراً لتطور العلوم والمعارف وظهور قضايا جديدة لم تكن معروفة في العصور السابقة. فالقرآن الكريم كتاب خالد، وكل جيل يحتاج إلى تأويلات تلائم واقعه دون تجاوز لحدود النص.
يقول العلامة الطباطبائي: (إنّ التفكر والتدبر في القرآن هو السبيل لفهمه، وأن العقل هو أداة ضرورية لفهم مقاصده، وهذا ما يُمكّن المفسر من مواجهة القضايا الجديدة بما يتوافق مع روح الشريعة)([14])
كما أن الاجتهاد العقلي يفتح المجال لتوظيف أدوات العلوم الحديثة كاللسانيات، والعلوم العقلية، والنفسية، والاجتماعية، مما يجعل التفسير أكثر قدرة على مجابهة التحديات المعاصرة.
تاسعاً: التحديات التي تواجه التفسير الاجتهادي العقلي
على الرغم من أهمية التفسير العقلي، إلا أنه يواجه تحديات كبيرة منها:
الخوف من الانحراف: حيث يخشى البعض أن يؤدي إعطاء العقل دورًا كبيرًا إلى التفسيرات الذاتية والانحراف عن المنهج الشرعي الصحيح.
غياب المرجعية العلمية الموحدة: إذ لا يوجد دائماً توافق بين العلماء على مدى صلاحية بعض التأويلات العقلية.
الاختلاف المذهبي: فالاختلاف بين المذاهب الإسلامية يؤدي إلى اختلاف في منهجية التفسير الاجتهادي، وخاصة في التعامل مع النصوص المتشابهة.
وقد أجاب السيد الخوئي عن هذا الخوف بقوله: (إن العقل يجب أن يُستخدم بحذر وبضوابط صارمة، ولا ينبغي أن يُترك الأمر للعشوائية أو الآراء الشخصية)([15])
عاشراً: منهجية الدمج بين النقل والعقل في التفسير
يشدد علماء الشيعة على ضرورة الدمج بين النقل والعقل في التفسير، وهذا ما يعرف بالمنهج الوسطي، فهو يأخذ من النقل ما هو موثوق، ويعمل العقل على تفسير النصوص من خلال الاستدلال والتحليل، مع عدم تجاوز نصوص الأئمة عليهم السلام.
وقد عبر العلامة النائيني عن هذا المنهج بقوله: (إن التفسير الناجح هو الذي يوازن بين النقل والعقل، ويفسر القرآن من خلال فهم شامل للنصوص والنوايا الإلهية)([16])
الحادي عشر: دور اللغة العربية في التفسير العقلي
لا يمكن أن يُفهم القرآن حق فهمه إلا من خلال إتقان اللغة العربية، حيث أشار السيد الطباطبائي إلى أن (كثيرًا من الالتباسات في فهم الآيات تعود إلى عدم إدراك دلالات الألفاظ في سياقاتها المختلفة)([17])
كذلك، فإن إعمال العقل يتطلب فهمًا عميقًا للبلاغة، والبيان، وأسرار اللغة، مما يؤهل المفسر لإخراج المعنى الصحيح، بعيدًا عن التأويلات العشوائية.
الثاني عشر: التفسير العقلي بين المدرسة الشيعية والسنية
مع أن التفسير العقلي يحظى بقبول كبير في المذهب الشيعي، إلا أن المدرسة السنية أيضًا لها مساهمات بارزة، خاصة في علم الكلام والتفسير.
على سبيل المثال، كان الإمام الرازي من أبرز المفسرين السنيين الذين لجأوا إلى التفسير العقلي، حيث دمج بين النقل والعقل في تفسيره “التفسير الكبير”([18])
ومع ذلك، فإن التفسير العقلي عند الإمامية يتميز بالتركيز على النقل من أهل البيت وإعطائه الأولوية، بينما في بعض المدارس السنية قد يُعطى العقل مساحة أوسع مع تمحيص أقل للروايات.
الثالث عشر: مستقبل التفسير الاجتهادي العقلي
مع تزايد التحديات المعرفية والفقهية في العالم الإسلامي، فإن التفسير الاجتهادي العقلي سيظل ضرورة ملحة.
يجب على العلماء المعاصرين تطوير منهجيات جديدة، تجمع بين علوم العصر الحديث وفهم القرآن، مع الحفاظ على الهوية الإسلامية.
ويمكن القول: (إن بناء جسر بين النقل والعقل في التفسير هو مفتاح استمرارية حيوية النص القرآني وفهمه عبر الأجيال)([19])
المبحث الثاني: الأسس المعرفية والمنهجية للتفسير الاجتهادي العقلي
أولاً: المرجعية القرآنية بوصفها منطلقًا للتفسير العقلي
من أهم الأسس التي يعتمدها التفسير الاجتهادي العقلي هي الاعتراف بأن القرآن الكريم هو المصدر الأعلى، والعقل لا يُفسّر إلا تحت مظلته، فهو الحاكم على سائر النصوص عند تعارض الدلالات. يرى العلامة الطباطبائي أن (القرآن يفسّر بعضه بعضًا، ومنه يبدأ المفسّر وإليه ينتهي)([20]) وهذه النظرة تؤسس لفهم يعتمد القرآن مرجعًا داخليًّا للتأويل، دون فصل العقل عنه، بل بالتكامل بينهما.
ثانيًا: أصالة العقل في فهم النص
العقل عند الشيعة ليس خصمًا للوحي، بل هو (حجة باطنة” كما جاء في رواية الإمام الكاظم عليه السلام )([21]) لذلك فإن إعماله في فهم الآيات ضرورة منهجية، خاصة في المسائل العقائدية والتشريعية. وقد أكد الشيخ المفيد أن (العقل أصل في معرفة الله وأحكامه، ولا يتعارض مع النص الصحيح)([22]) وهذا ما يجعل التفسير العقلي قائمًا على تأصيل معرفي عميق، يمنع الجمود، ويستنهض طاقات التأمل والاستنباط.
ثالثًا: الروايات التفسيرية المعتبرة وأثرها في دعم الاجتهاد
إن اعتماد التفسير الاجتهادي العقلي على الروايات لا يُلغيه، بل يكمله، شرط أن تكون الروايات صحيحة سندًا ومتنًا. يرى السيد المرتضى أن(الرواية ما لم تساندها قواعد العلم لا يُبنى عليها التفسير)([23]) وبالتالي، فإن الاجتهاد العقلي عند الإمامية محكوم بأدلة عقلية منضبطة ومرويات ذات مرجعية معصومية.
رابعًا: علم أصول الفقه كأداة عقلية مساعدة
لقد طوّر علماء الشيعة علم أصول الفقه ليكون أداة رئيسية في استنباط المعاني، وامتد هذا التأثير إلى التفسير. فالعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، كلها مفاهيم عقلية-شرعية تساهم في بناء المعنى القرآني. أشار السيد الخوئي إلى أن (الاجتهاد الفقهي لا ينفصل عن الاجتهاد التفسيري، فهما من جذرٍ واحد)([24])
خامسًا: المنهج التحليلي في قراءة النص
من أهم ما يميز التفسير العقلي هو المنهج التحليلي، الذي يُفكك النصوص ويعيد تركيبها في ضوء العقل والنقل. وهذا يظهر جليًّا في أعمال الطباطبائي في “الميزان” الذي قال فيه:(إنّ الفهم غير المتأمل يُضلّ القارئ، أما الفهم التحليلي فهو مفتاح الهداية)([25])
سادسًا: دور العقل الجمعي والاجتماعي في التفسير
التفسير العقلي لا يُعنى بالفرد وحده، بل يأخذ في اعتباره العقل الجمعي، وتجربة الأمة عبر العصور. فقد نبه الشيخ شمس الدين إلى أن(الفهم القرآني الجماعي هو أحد مفاتيح ديمومة النص، والعقل الجماعي يشكل طبقة تأويلية معتبرة)([26])
سابعًا: الانفتاح على المعارف الحديثة دون إخلال بالنص
يرى بعض المعاصرين، كالشيخ محمد حسين فضل الله، (أن التفسير العقلي يوجب الانفتاح على المعارف المعاصرة، من فلسفة وعلم واجتماع، بشرط ألا يُفرغ النص من محتواه ولا يحمّله ما لا يحتمل )([27])
ثامنًا: المقاصدية القرآنية كإطار موجه للعقل
من الأسس المنهجية المهمة أن يكون للعقل هدف هادف يسير نحوه عند تفسير النص، والمقصود بذلك هو مراعاة مقاصد الشريعة والقرآن. فالعقل لا يُستعمل من باب الانفتاح المفتوح، وإنما في إطار ما أراده الله من رسالته للبشر. يقول السيد محمد باقر الصدر: (القرآن جاء لهداية الإنسان، وكل تفسير عقلي يجب أن يكون في ضوء هذا القصد الهدايوي)([28])
وهذا يُضفي على التفسير العقلاني بُعدًا أخلاقيًا وإنسانيًا، فلا يقع في التوظيف الإيديولوجي، بل يظل ملتزمًا بجوهر الوحي.
تاسعًا: الضوابط المنهجية لحماية التفسير العقلي من الانحراف
إن من مخاوف البعض من التفسير العقلي أنه قد يتحول إلى رأي شخصي، ولهذا شددت المدرسة الإمامية على ضرورة وجود ضوابط، منها:
– الاعتماد على المحكمات قبل المتشابهات
– استبعاد كل تأويل يصطدم بظاهر القرآن أو العقل الصريح
– إخضاع التفسير لمنهج علمي رصين يمر عبر قواعد الأصول واللغة والسياق
وقد بين السيد كاظم الحائري في كتابه “التفسير الموضوعي” (أن العقل إذا لم يُقيد بالمنهج يمكن أن ينقلب إلى عبء معرفي، بدلًا من كونه أداة استدلال)([29])
عاشرًا: التكامل بين التفسير الموضوعي والتفسير العقلي
أثبتت التجربة الحديثة أن التكامل بين التفسير الموضوعي والتفسير العقلي يفتح آفاقًا أوسع في فهم الرسالة القرآنية. فالعقل يُرتب المعاني، والتفسير الموضوعي يُنظم السياقات، مما يؤدي إلى إنتاج معرفة قرآنية حية، متجددة، لكنها منضبطة.
وقد أشار الشيخ معرفة إلى أن(الموضوعية لا تعني الحياد التام، بل المقاربة العقلية المدروسة للنص من داخله لا من خارجه)([30])
الحادي عشر: السياق التاريخي والظرف الحضاري في توجيه التفسير العقلي
من أبرز معالم التفسير العقلي في المنهج الاجتهادي هو انفتاحه على السياق التاريخي والظرف الحضاري في عملية التأويل، من غير أن يجعل هذه الاعتبارات حاكمة على النص، بل يجعلها أدوات للكشف عن خلفيات المعنى. وقد أشار السيد عبد الكريم الزنجاني إلى أنّ (الفقيه أو المفسر لا يستطيع أن يتجاهل التحولات الاجتماعية عند تفسير الآيات التي تتصل بسلوك الإنسان أو تنظيم المجتمع)([31]) فالقرآن لم يُنزّل في فراغ، وإنما في واقع اجتماعي وثقافي، والعقل الاجتهادي مأمور بالتفكر في البيئة لتأصيل الفهم.
وهذا المنهج لا يعني الخضوع المطلق لظروف الزمان، بل مراعاتها ضمن أفق قرآني ثابت، وبذلك يندمج النص والعقل والواقع في عملية تفسيرية متوازنة، لا تلغي الثوابت ولا تجمّد المتغيرات.
الثاني عشر: الرؤية المقاصدية العرفانية في المنهج العقلي
يتداخل التفسير الاجتهادي العقلي في بعض مدارسه مع البعد العرفاني حينما يكون العقل منفتحًا على المعنى الإشاري العميق، المرتبط بالمقصد الروحي للنص. وهذا ما نجد جذوره عند بعض أعلام الإمامية الذين جمعوا بين العقل والنص والذوق المعرفي، كالسيد حيدر الآملي، الذي كتب: (الظاهر قشر والباطن لب، والعقل واسطة بينهما، يربط الحسي بالقدسي)([32])
لكن المنهج العرفاني لا يُؤخذ إلا ضمن شروط صارمة، مثل عدم معارضة المعنى الظاهري، أو الوقوف عند إشارات لا تُحمّل النص ما لا يحتمل. وهذا ما جعل بعض العلماء يشترطون أن يُقدّم التفسير العقلي أولًا، ثم يُفتح الباب بعده للذوق العرفاني، وليس العكس.
الثالث عشر: مراعاة الفروق الموضوعية بين أنواع النصوص القرآنية
من متطلبات التفسير الاجتهادي العقلي أن يُفرّق بين النصوص العقائدية، التشريعية، الأخلاقية، والقصصية، لأن كل نوع منها يتطلب منهجًا مختلفًا في الفهم العقلي. فمثلاً:
– النص العقائدي يتطلب استحضار الأدلة العقلية البرهانية.
– النص التشريعي يُفسّر بمنهج أصولي ولغوي دقيق.
– النص الأخلاقي يُقرأ من زاوية فلسفية وروحية.
– النص القصصي يتطلب معرفة بالسياق والزمن والمغزى.
وقد أشار الإمام الخميني في دروسه التفسيرية إلى أنّ (الآيات لا تُعامل بمنطق واحد، بل كل آية لها بابها العقلي الخاص الذي يدخل المفسر منه لفهمها)([33]) ومن هنا، فإن العقل الاجتهادي لا يُسقط قواعدًا واحدة على جميع النصوص، بل يمارس التمييز المنهجي، وهي من علامات نضج التفسير العقلي عند الإمامية.
الرابع عشر: ضبط المصطلحات وتأصيل المفاهيم
من المشكلات التي تعيق التفسير الاجتهادي العقلي أحيانًا هي غموض المصطلحات أو استعمالها بطريقة مرسلة، ككلمات: التأويل، الاجتهاد، الإعجاز، المقاصد، وغيرها. وهذا يتطلب من المفسر أن يُعيد بناء المفهوم قبل استعماله في التحليل. وقد أوصى الشيخ محمد باقر الإيرواني في دراساته القرآنية بأن (التفسير العلمي المنضبط لا يتم إلا إذا حُددت المفاهيم مسبقًا، وفُهم المصطلح ضمن نظامه الداخلي في الفكر الإسلامي)([34])
فالعقل لا يُجدي دون وضوح المفاهيم، والمعرفة لا تنمو في ظل غموض لغوي أو تأويلي. ولذلك أصبح “التأصيل المفاهيمي” أحد المرتكزات الجديدة للتفسير الاجتهادي المعاصر، خاصة عند التعامل مع قضايا حساسة مثل الخلود والعذاب والتشريع والدولة.
الخامس عشر: التوازن بين العقل والنص في ضوء مدرسة أهل البيت عليهم السلام
وأخيرًا، فإن السمة التي تُميز المنهج الاجتهادي العقلي عند الشيعة الإمامية هي التوازن الواعي بين حجية النص والعقل. فأهل البيت لم يُقصوا العقل، ولم يُطلقوا له العنان، بل وضعوه في مقام “الميزان الداخلي الذي يتحقق به التمييز والفهم والعدل. يقول الإمام الصادق عليه السلام : (إن لله على الناس حجتين، حجة ظاهرة وهي الرسل، وحجة باطنة وهي العقول)([35]) وهذا التكامل البنيوي هو ما يمنح التفسير العقلي شرعيته واستمراريته.
ولهذا فإن مشروع التفسير العقلي عند الإمامية لا ينفصل عن المعصوم، بل يُدار في ضوء تعاليمه وتوجيهاته، مما يجعله منهجًا عقلانيًا إيمانيًا، غير متناقض، بل متناسق ومتماسك، ويُعطي المفسر القدرة على الغوص في دلالات النص دون الخروج عن أصالة المرجعية الدينية.
المبحث الثالث: حصيلة المنهج الاجتهادي العقلي في التفسير
أولاً: التفسير العقلي بين الإحياء والتجاوز
لقد أعاد المنهج الاجتهادي العقلي للتفسير القرآني مكانته العلمية بعدما طغت مناهج التفسير النقلي الخالص، إذ بات العقل لا يُستحضر كزينة بل كضرورة منهجية في فهم النص، ضمن الضوابط. وقد لاحظنا أن هذا المنهج لم يأتِ ليُعارض المأثور، بل ليتجاوزه حين يقف عند حدود الجمود أو التناقض.
يقول العلامة الطباطبائي : (إنّ القرآن كتاب هداية، والعقل شريكٌ في هذا المسار إذا ما سلِم من الهوى وكان ضمن النطاق الإلهي)([36]) ومن هنا برزت أهمية العقل بوصفه أداة تفسيرية ومقومًا أساسًا في البناء المعرفي الإسلامي.
لقد أحيى هذا المنهج نزعة الاجتهاد التفسيري التي كانت حاضرة في القرون الأولى، ولا سيما في مدرسة أهل البيت، ثم جرى تحييدها لاحقًا على يد اتجاهات حرفية أو ظاهرية ضيقة، لا ترى للعقل دورًا إلا في الهوامش.
ثانيًا: تفوق التفسير العقلي في تناول القضايا المعاصرة
من أبرز مكاسب التفسير العقلي الاجتهادي هو قدرته على التعامل مع القضايا المستجدة والمفاهيم الحديثة، كالدولة، والعدالة، وحقوق الإنسان، والحرية، والاجتماع الديني. فالنص القرآني بمرونته وسعته يقبل هذه المعالجة، إذا ما تمّت بعقلانية منضبطة.
أشار السيد فضل الله إلى أن : (القرآن صالح لكل زمان ومكان، والعقل هو الجسر الذي يعبر به من العصر إلى النص)([37]) ولهذا فإن التفسير العقلي لا يتوقف عند حرفية اللغة، بل يغوص في مقاصد الآية، ويربطها بسياق العصر، دون إخلال بثوابتها.
وهذا مكسب كبير، لأن الجمود في التفسير لا يُنتج إلا فهمًا ميتًا لنص حي، في حين أن الاجتهاد العقلي يربط بين أصالة النص وحداثة الواقع، وهذه هي الجدلية الخلاقة التي تضمن ديمومة التفسير القرآني.
ثالثًا: تحصين النص من القراءة الأداتية والإيديولوجية
لقد وفّر المنهج الاجتهادي العقلي حماية حقيقية للنص من القراءات العبثية أو الأدلجية التي تسقط على القرآن رؤى مسبقة لا علاقة لها بجوهره. فبالعقل المنضبط يستطيع المفسّر أن يميّز بين القراءة الموضوعية والتوظيف السياسي أو الطائفي.
يؤكد السيد محمد باقر الصدر على هذا بقوله : (التفسير العقلي الصادق لا يقوم على الآراء الجاهزة، بل على المنهجية العلمية التي تنطلق من النص إلى الواقع لا العكس)([38]) وهذا التحصين المعرفي مهم في زمن تكاثرت فيه التفسيرات الشعبوية والإعلامية للنصوص.
وهكذا، يكون العقل المجتهد هو الفلتر العلمي الذي يُبعد الأهواء، ويُحافظ على المعنى الأصيل للنص، دون أن يفرّط بمرونته وقابليته للتجدد.
رابعًا: إعادة بناء العلاقة بين العقل والوحي
من النتائج المفصلية للمنهج العقلي في التفسير أنه أعاد التوازن للعلاقة بين العقل والوحي، بعدما أُختزل العقل في بعض المراحل، أو رُفع فوق الوحي في مراحل أخرى. أما المدرسة الإمامية فقد كانت حريصة على جعلهما حليفين لا خصمين.
وقد عبّر عن ذلك الإمام الصادق عليه السلام بقوله: ( إن لله على الناس حجتين، حجة ظاهرة وهي الأنبياء، وحجة باطنة وهي العقول)([39]) فالتفسير العقلي ليس تمردًا على النص، بل هو تجسيد لنداء النص العقلي الذي يحث الإنسان على التفكر والتدبر.
وهذا ما دفع السيد محمد حسين الطباطبائي لأن يجعل العقل شريكًا رئيسًا في تفسيره للقرآن في (الميزان)، حيث مزج بين المعنى الظاهري والبرهان العقلي، دون انفصال أو تعارض.
خامسًا: الحاجة إلى ضبط المفاهيم والمنهجيات
رغم المكاسب التي يحققها التفسير الاجتهادي العقلي، إلا أن هناك حاجة ماسة إلى تقنين المصطلحات وضبط المنهجيات، كي لا يتحول العقل إلى مطيّة للذوق الشخصي أو التأويل المنفلت.
وقد لاحظ الشيخ معرفة أن : (الخلط بين المعنى اللغوي والمعنى المقاصدي أحيانًا يجعل التفسير العقلي عرضة للخطأ إذا لم يُبنَ على علم دقيق باللغة والسياق وأصول الفهم)([40])
لذلك، فإن النضج الحقيقي للمنهج العقلي لا يكون فقط في الجرأة على السؤال، بل في الانضباط في الجواب، وهذا يتطلب تكاملًا بين علوم القرآن، واللغة، والأصول، والعقيدة، والفلسفة.
سادسًا: دعوة لتجديد الاجتهاد التفسيري في الحوزات والمعاهد
من أبرز ما تكشف عنه هذه الدراسة هو الحاجة إلى إعادة إحياء التفسير الاجتهادي العقلي في الحوزات العلمية والمعاهد الإسلامية، ليكون جزءًا من المناهج التكوينية للعلماء والمفسرين.
فقد بقي هذا المنهج محصورًا في بعض المحافل أو اجتهادات الأفراد، دون أن يتحول إلى تيار مؤسسي ينهض بفهم النص. يقول السيد كاظم الحائري : (نحن بحاجة إلى مشروع تفسيري جامع، يجمع بين الموضوعية، والمنهجية، والعقل، دون إلغاء أيٍّ منها)([41])
ولهذا فإن هذه الدراسة تدعو بوضوح إلى أن يُعاد الاعتبار للعقل المجتهد كأداة شرعية لفهم الكتاب، بما يضمن الاستمرارية والتجدد في الفكر الإسلامي.
سابعًا: فتح آفاق التفسير الموضوعي عبر العقل الاجتهادي
يُعد التفسير الموضوعي من أبرز الاتجاهات التي استفادت من المنهج الاجتهادي العقلي، حيث يُسلّط المفسّر العقلي الضوء على موضوع محدد من داخل النص، ويتتبعه عبر الآيات بدقة تحليلية، بعيدًا عن التفسير التجزيئي. وهذا ما فعله السيد محمد باقر الصدر حين أرسى أسس التفسير الموضوعي بوصفه (قراءة حركية شاملة للقرآن الكريم تُوظّف العقل والمنهج لاستنباط الرؤية الإسلامية المتكاملة)([42])
وقد وفّر التفسير العقلي للتفسير الموضوعي القدرة على تجاوز التناقضات الشكلية، والنفاذ إلى جوهر المفاهيم الكبرى، مثل: السنن الإلهية، العدالة، الاستخلاف، الاستكبار، وغيرها. مما يجعل الاجتهاد العقلي منصة استراتيجية في بناء النظرية الإسلامية من النص، وليس مجرد أداة فهم جزئي.
ثامنًا: دور العقل الاجتهادي في تحرير المفاهيم من الجمود
من الإشكالات التي عانى منها التفسير التقليدي هو جمود بعض المفاهيم القرآنية، مثل: “الطاعة”، “الحدود”، “الفتنة”، “القصاص”، إذ فُسّرت في أحيان كثيرة على ضوء معايير سابقة على النص، أو من خارج بيئته التأويلية. أما المنهج العقلي، فقد منح المفسر الإمكانيات المنهجية لتحرير هذه المفاهيم من قيود القراءة الحرفية، وإعادة اكتشافها في ضوء القيم القرآنية الكلية.
وقد أشار الدكتور الشيخ أحمد الميالي إلى أن : (العقل الاجتهادي في التفسير يعيد هندسة المفهوم لا ليتجاوزه، بل ليعيده إلى جوهره القرآني بعد أن علِق به غبار التأويلات الفقهية المتصلبة)([43]) فليست الغاية إعادة تعريف المفاهيم فقط، بل ردّها إلى مركزها ضمن المنظومة القرآنية الكبرى، وهي العدل، والرحمة، والكرامة.
تاسعًا: التحديات التي تواجه التفسير الاجتهادي العقلي
رغم أهمية هذا المنهج، إلا أنه لا يخلو من تحديات تهدد إمكاناته، منها:
- الخلط بين العقل والتذوق الشخصي، حيث يُمارس بعض الكتّاب عقلنة ظاهرية لا تستند إلى بناء منهجي.
- رفضه من قبل الاتجاهات النصّية التقليدية، التي ترى فيه مدخلًا للتأويل الباطني.
- ضعف التكوين الفلسفي والمنطقي عند بعض المفسرين، مما يجعل العقلية الاجتهادية غير مكتملة.
ولذلك، فإن نجاح المنهج العقلي في التفسير يتطلب تأصيلًا علميًا متكاملًا، يجمع بين علوم القرآن، والأصول، والعقيدة، والفلسفة، والتاريخ، والسياق الحضاري. ولا يمكن أن يتحقق إلا بتكوين مؤسسي عميق، كما نادى به السيد كمال الحيدري في دروسه العليا، حيث قال : (العقلانية لا تُولد في الذهن، بل تُبنى عبر التمرين المنهجي، والمؤسسة التعليمية هي الأرض التي تنمو فيها)([44])
عاشرًا: نحو مشروع تفسيري عقلاني إمامي معاصر
إن مجمل ما تقدم من نتائج ومكتسبات للمنهج الاجتهادي العقلي في التفسير، يكشف الحاجة المُلحة إلى إطلاق مشروع تفسيري عقلاني إمامي معاصر، يُقدّم القرآن بوصفه مرجعًا كليًا للحياة، عبر أدوات الاجتهاد الممنهجة.
وهذا المشروع يجب أن يقوم على:
– تأصيل العقلانية الاجتهادية ضمن مدرسة أهل البيت.
– إعادة تأهيل المفسر عقليًا ولغويًا وفلسفيًا.
– توظيف التفسير الموضوعي كآلية تأويلية حديثة.
– فتح الحوار بين التراث والواقع عبر أداة العقل النقدي.
ولعلّ أفضل ختام لهذا المبحث ما قاله الإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة : (أُنزِلَ القرآنُ على أربعةِ أَرباع: رُبعٌ فينا، ورُبعٌ في عدوِّنا، ورُبعٌ سننٌ وأمثال، ورُبعٌ فرائضُ وأحكام…)([45]) ، ففهم هذه الأرباع لا يتحقق إلا بعقل مجتهد، يُبصر المقاصد، ويستوعب التشريع، ويُفسّر الحياة من خلال النص.
الخاتمة والنتائج والتوصيات
في ختام هذا البحث، يتضح جليًا أن المنهج الاجتهادي العقلي في التفسير يشكل مزيجًا فريدًا من الالتزام بالوحي الكريم والانفتاح على أدوات العقل المنضبط، مما يتيح قراءة متجددة للنص القرآني توازن بين الثبات والتجديد. فقد بينت الدراسة أن هذا المنهج قادر على تجاوز بعض القصور التي تعاني منها المناهج التقليدية، خاصة في التعامل مع القضايا الفكرية المعاصرة والمتغيرات الحضارية.
كما أكد البحث أن العقل في هذا المنهج لا يناقض النص، بل يكمل دوره في استكشاف المعاني وإيضاح المقاصد، شرط التقيّد بضوابط منهجية تمنع التأويلات الخاطئة والانزلاقات الفقهية. ومن ثم، فإن هذا المنهج يعزز من فاعلية التفسير، ويمنح المفسّر أدوات معرفية متعددة تجمع بين اللغة، والأصول، والعقيدة، والفلسفة، مما يثري الفهم ويعمّق الإدراك.
وعلى ضوء ذلك، توصل البحث إلى نتائج جوهرية منها:
- أهمية إعادة الاعتبار للمنهج الاجتهادي العقلي في برامج الحوزات والمعاهد العلمية.
- ضرورة بناء برامج تأهيلية شاملة للمفسرين تدمج بين العلوم القرآنية واللغوية والفلسفية والمنطقية.
- العمل على تطوير مفاهيم التفسير الاجتهادي لتتناسب مع تحديات العصر، مع الحفاظ على الثوابت العقائدية.
وفي ضوء هذه النتائج، يوصي البحث ب:
- تعزيز الدراسات والبحوث التطبيقية التي تبرز إمكانات المنهج الاجتهادي العقلي في تفسير القضايا المعاصرة.
- تشجيع المؤسسات التعليمية على تبني هذا المنهج ضمن مناهجها الدراسية، وإعداد مراكز تدريب متخصصة.
- فتح حوار بين مدارس التفسير المختلفة لترسيخ فهم موحد ومتوازن يعزز من مكانة القرآن في الحياة الفكرية والعملية.
- في الختام، يبقى المنهج الاجتهادي العقلي منبرًا واعدًا لفهم النص القرآني بوعي جديد، قادر على مواكبة تطورات العصر دون المساس بجوهر الوحي، وهو طريق ينبغي أن يُعطى الأولوية في سياق النهضة الفكرية الإسلامية المعاصرة.
قائمة المصادر والمراجع
- القرآن الكريم
- نهج البلاغة
1. الطباطبائي، محمد حسين تفسير الميزان، الجزء 1، ص 22-45، الطبعة الثالثة، دار الإسلام، طهران، 1995.
2. الصدر، محمد باقر مقالة في المنهج العقلي، ص 10-35، الطبعة الأولى، مركز دراسات الوحدة الإسلامية، بيروت، 1980.
3. الحيدري، كمال دروس في التفسير العقلي، ص 55-72، الطبعة الأولى، المركز الاستدلالي، قم، 2018.
4. الكليني، محمد بن يعقوب الكافي، الجزء الثالث، ص 100-110، الطبعة الأولى، مؤسسة آل البيت، قم، 1980.
5. الميرزا النائيني، محمد حسن تنقيح المقال، ص 120-145، الطبعة الثانية، دار الفكر، بيروت، 1997.
6. الشيخ الأنصاري، محمد حسن مكاسب الطالبين، ص 250-270، الطبعة الخامسة، دار التعارف، النجف، 1982.
7. ابن عاشور، محمد الطاهر التحرير والتنوير، الجزء الأول، ص 30-50، الطبعة الأولى، دار التنوير، تونس، 1993.
8. القرطبي، عبد الرحمن بن أبي بكر تفسير القرطبي، الجزء الرابع، ص 80-95، الطبعة الثانية، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997.
9. الفخر الرازي، محمد بن عمر مفاتيح الغيب (تفسير الكشاف)، الجزء الخامس، ص 140-160، الطبعة الثانية، دار الفكر، القاهرة، 1985.
10. الطوسي، الشيخ مرتضى شرح الآجرومية، ص 15-35، الطبعة الأولى، دار الكتاب العربي، قم، 1975.
11. الرازي، فخر الدين مفاتيح الغيب، ص 45-60، الطبعة الأولى، دار إحياء التراث، بيروت، 1980.
12. الميرزا الشيرازي، محمد حسين رسالة الحقوق، ص 60-80، الطبعة الثالثة، دار المعارف، طهران، 1990.
الهوامش:
-
(1) الشيخ الطوسي، العدة في أصول الفقه، ج1، ص253، الطبعة الأولى، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1417هـ. ↑
-
(2) الكليني، الكافي، ج1، ص45، الطبعة الثالثة، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1407هـ. ↑
-
(3) الشيخ الصدوق، الاعتقادات، ص122، تحقيق: هاشم الحسيني، الطبعة الأولى، منشورات جماعة المدرسين، قم، 1400هـ. ↑
-
(4) السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص6، الطبعة الخامسة، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1417هـ. ↑
-
(5) الطبري، جامع البيان عن تفسير القرآن، ج1، ص15، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الأولى، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ. ↑
-
(6) الشيخ الصدوق، الإيمان، ص78، تحقيق: محمد علي رضا، الطبعة الأولى، دار الحديث، بيروت، 1420هـ.. ↑
-
(7) الكليني، الكافي، ج2، ص311، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1407هـ. ↑
-
(8) نهج البلاغة، خطبة 156، جمع الشريف الرضي، تحقيق محمد عبده، الطبعة الثانية، دار المعرفة، بيروت، 1993م. ↑
-
(9) الشيخ المفيد، أوائل المقالات، ص46، الطبعة الثانية، دار المفيد، بيروت، 1993م. ↑
-
(10) السيد المرتضى، الذخيرة في علم الكلام، ص88، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1411هـ. ↑
-
(11) السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص6، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1417هـ. ↑
-
(12) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج89، ص111، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1403هـ. ↑
-
(13) الكليني، الكافي، ج8، ص311، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1407هـ. ↑
-
() السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص23، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1417هـ. ↑
-
() السيد الخوئي، الاجتهاد والفتوى، ص112، الطبعة الأولى، دار الإرشاد، النجف، 1405هـ. ↑
-
() العلامة النائيني، الاصول من العلم، ج2، ص95، الطبعة الثالثة، دار الكتب الإسلامية، قم، 1420هـ. ↑
-
() السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص57، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1417هـ. ↑
-
() الإمام الرازي، التفسير الكبير، ج3، ص125، تحقيق: محمود الشاكر، دار الفكر، بيروت، 1404هـ. ↑
-
() الشيخ جعفر السبحاني، القرآن في العصر الحديث، ص75، مؤسسة آل البيت، قم، 1425هـ. ↑
-
(20) السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص12، الطبعة الخامسة، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1417هـ. ↑
-
(21) الكليني، الكافي، ج1، ص16، تحقيق: علي أكبر الغفاري، الطبعة الثالثة، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1407هـ. ↑
-
(22) الشيخ المفيد، أوائل المقالات، ص33، الطبعة الثانية، دار المفيد، بيروت، 1993م. ↑
-
(23) السيد المرتضى، الذخيرة في علم الكلام، ص93، تحقيق: محمد الحيدري، الطبعة الأولى، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1411هـ. ↑
-
(24) السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ص88، الطبعة الثانية، دار الزهراء، بيروت، 1991م. ↑
-
(25) السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج2، ص45، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1417هـ. ↑
-
(26) الشيخ شمس الدين، تفسير اجتماعي للنص القرآني، ص74، الطبعة الأولى، دار التعارف، بيروت، 1995م. ↑
-
(27) الشيخ محمد حسين فضل الله، الحوار في القرآن، ص119، الطبعة الأولى، دار الملاك، بيروت، 2003م. ↑
-
(28) السيد محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، ص51، الطبعة الأولى، مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية، قم، 2002م. ↑
-
(29) السيد كاظم الحائري، مدخل إلى التفسير الموضوعي، ص37، الطبعة الأولى، دار الهادي، بيروت، 2004م. ↑
-
(30) الشيخ محمد هادي معرفت، التمهيد في علوم القرآن، ج6، ص244، الطبعة الأولى، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1416هـ. ↑
-
(31) السيد عبد الكريم الزنجاني، الأسس العامة للتفسير العقلي، ص77، الطبعة الأولى، دار الهدى، قم، 2001م. ↑
-
(32) السيد حيدر الآملي، جامع الأسرار ومنبع الأنوار، ص142، تحقيق: حسن حسن زاده، الطبعة الأولى، مكتبة الأعلمي، بيروت، 2003م. ↑
-
(33) الإمام الخميني، تفسير سورة الحمد، ص26، الطبعة الثالثة، دار الروضة، بيروت، 1999م. ↑
-
(34) الشيخ محمد باقر الإيرواني، مدخل إلى الدراسات القرآنية، ص64، الطبعة الأولى، مركز الأبحاث العقائدية، قم، 2010م. ↑
-
(35) الكليني، الكافي، ج1، ص16، تحقيق: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1407ه. ↑
-
(36) السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص11، الطبعة الخامسة، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1417هـ. ↑
-
(37) السيد محمد حسين فضل الله، القرآن والعقل، ص62، الطبعة الثانية، دار الملاك، بيروت، 2005م. ↑
-
(38) السيد محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، ص78، الطبعة الأولى، مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية، قم، 2002م. ↑
-
(39) الكليني، الكافي، ج1، ص16، تحقيق: علي أكبر الغفاري، الطبعة الثالثة، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1407هـ. ↑
-
(40) الشيخ محمد هادي معرفت، التمهيد في علوم القرآن، ج5، ص213، الطبعة الأولى، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1416ه. ↑
-
(41) السيد كاظم الحائري، مدخل إلى التفسير الموضوعي، ص59، الطبعة الأولى، دار الهادي، بيروت، 2004م.. ↑
-
(42) السيد محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، ص83، الطبعة الأولى، مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية، قم، 2002م. ↑
-
(43) الشيخ أحمد الميالي، تجليات العقلانية في التفسير الإمامي المعاصر، ص56، الطبعة الأولى، دار الرافدين، بيروت، 2021م. ↑
-
(44) السيد كمال الحيدري، دروس في تفسير القرآن وفق المنهج العقلي، الدرس 11، مطبوعات المركز الاستدلالي، قم، 2020م. ↑
-
(45) الشريف الرضي، نهج البلاغة، الحكمة رقم 147، تحقيق: صبحي الصالح، الطبعة الرابعة، دار الكتاب العربي، بيروت، 1978م. ↑