حكم المسؤولية الطبية
The Legal Judgment of Medical Liability
أحمد حسن قاسم محمد المرياني1، أ.د، محمد رياض دغمان1
1 الجامعة الإسلامية في لبنان، كلية الحقوق والعلوم السياسية، قسم القانون الخاص.
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj67/18
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/67/18
المجلد (6) العدد (7). الصفحات: 269 - 284
تاريخ الاستقبال: 2025-06-07 | تاريخ القبول: 2025-06-15 | تاريخ النشر: 2025-07-01
المستخلص: تهدف هذه الدراسة إلى البحث في الجوانب القانونية للمسؤولية الطبية في القانون الخاص، مع التركيز على أحكام التعويض الناشئة عن الأخطاء الطبية في كل من المسؤوليتين العقدية والتقصيرية. تتناول الدراسة تحليلًا دقيقًا لآليات تقدير التعويض القضائي والاتفاقي، والنطاق الذي يشمله كل نوع، والتمييز بين التعويض النقدي وغير النقدي، وأثر الظروف الشخصية للمضرور في تحديد التعويض. كما تبحث الدراسة في الإشكالية المتعلقة بوقت تقدير التعويض، خاصة في حالات الضرر المتغير أو المستقبلي، وتقترح منح القاضي سلطة تقديرية مرنة لمعالجة هذه الحالات. اعتمد الباحث المنهج التحليلي المقارن بين التشريعين العراقي واللبناني، مدعومًا بآراء الفقه وأحكام القضاء. خلصت الدراسة إلى عدد من النتائج أبرزها أهمية تفعيل نظام التأمين ضد المسؤولية الطبية لتحقيق التوازن بين حقوق المرضى وحماية الأطباء من الإفلاس الشخصي نتيجة التعويضات. وتوصي الدراسة بضرورة تطوير التشريعات العراقية لتشمل تنظيمًا دقيقًا للتعويض عن الأضرار الناتجة عن استخدام التقنيات الطبية الحديثة.
الكلمات المفتاحية: المسؤولية الطبية، التعويض القضائي، المسؤولية العقدية، الضرر الأدبي، التشريع العراقي.
Abstract: This study examines the legal aspects of medical liability within private law, focusing on compensation rules arising from medical errors under both contractual and tort liability. The study offers a detailed analysis of judicial and contractual compensation mechanisms, distinguishing between monetary and non-monetary forms of compensation and considering the role of personal circumstances of the injured party in determining compensation amounts. A key issue addressed is the timing of compensation assessment, particularly in cases involving evolving or future harm. The research adopts an analytical comparative approach between Iraqi and Lebanese legislation, supported by jurisprudential opinions and judicial precedents. The findings underscore the necessity of implementing a medical liability insurance system to balance patients’ rights with the protection of physicians from personal bankruptcy. The study recommends legislative reforms in Iraq to better regulate compensation for damages resulting from advanced medical technologies.
Keywords: Medical liability, judicial compensation, contractual liability, moral damage, Iraqi legislation.
المقدمة
ان المسؤولية المدنية بنوعيها العقدي وهو ما قام على الأخلال بالتزام عقدي ، والتقصيري وهو ما قام على عمل غير مشروع أنما يكون محلها التعويض أو بمعنى أخر أنها تفيد التعويض بقصد تغطية الضرر الناشئ عن الأخلال بالعقد في حالة المسؤولية العقدية وعن الفعل الضار في المسؤولية التقصيرية ، والحقيقة ان الكلام في أحكام المسؤولية أنما يدور في دعوى المسؤولية من حيث أطرافها وإثباتها وسقوطها ، وموضع هذا ، بوجه عام ، هو النظرية العامة للالتزامات ، وقد مر بنا بعضه قبل الأن مما يهمنا ويتصل بالمسؤولية الطبية وهو ليس سوى ممهد لما يتبعه ويكون اكثر أهمية منه وما ذلك ألا نتيجة الدعوى أي الكلام في التعويض ، إذ ان نتيجة الدعوى ليست سوى حكم بالتعويض او رفض الحكم به، والتعويض أنما يمثل ، إلى جانب الدعوى الممهدة له ، حكم المسؤولية حقاً ، فالغالب في المسؤولية الطبية هو تعذر التنفيذ العيني ، فالمريض الذي توفي بخطأ الطـبيب لا يستطيع القاضي الزام هذا الأخير بإعادة الحياة اليه لاستحالة مثل هذا الأمر، بل ان هـذه الاستحالة تتجسد فـي حالات كثيرة من مثل حالة المريض الذي بترت ساقه او قلعت عينه بخطأ الطـبيب .
ففي وقائع من هذا القبيل لا يكون هناك من سبيل سوى التعويض الذي قد يكون مبلغا من النقود ،أو أي ترضية من جنس الضرر وهو يعادل مال حق المضرور من خسـارة وما فاته من كسب ،والتعويض كحكم للمسؤولية لا يترتب ألا اذا توفرت أركانها ،ويكتفي بهذه الأركان في المسؤولية التقصيرية خلافا للمسؤولية العقدية التي تتطلب الـى جـانب ذلك عـادةً الأعذار وكـذلك عـدم وجود اتفاق على الإعفاء من المسؤولية، ويتعـين ان لا يتجاوز هـذا التعـويض مقـدار الضـرر أي ان يقـدر بحسب جسامـة الضـرر([1]) وبقــي علينــا ان نعــرف كيـف يقــدر
القاضي التعويض ومتى يقدره ،وهذا ما سنعرض له في مطلبين ، نعالج في الأول تقدير التعويض ، ونتناول في الثاني الوقت الذي يقدر فيه التعويض.
سبب اختيار الدراسة:
طرح التطور العلمي العديد من الأسئلة القانونية والأخلاقية بشأن المسؤولية المدنية عن الأضرار الناجمة عن استخدام هذه التقنيات. هذا التقدم في الطب يتطلب دراسة معمقة للآثار القانونية المرتبطة باستخدام الأجهزة الطبية التعويضية
الهدف من الدراسة:
تسليط الضوء على المسؤولية القانونية التي قد تنشأ جراء استخدام هذه التقنيات الطبية، خصوصًا في حالات زراعة الأعضاء واستخدام الأجهزة التعويضية، حيث تواجه التشريعات العراقية نقصًا في تنظيم هذه الجوانب القانونية.
أهمية البحث:
أن انعدام القانون الخاص في العراق الذي ينظم المسائل المتعلقة بمخاطر التقنيات الطبية. حيث كان الاهتمام بهذا الجانب من الناحية الفنية البحتة، بعيداً عن المعالجة القانونية، مما يستدعي ضرورة دراسة هذه المسائل قانونياً.
الإشكالية:
ما مدى إمكانية القاضي على تقدير التعويض؟
منهج البحث:
المنهج التحليلي والمقارن، حيث نقوم بدراسة مقارنة بين القوانين المنظمة للمسائل الطبية والمسؤولية المدنية بشكل عام، بالإضافة إلى مقارنة بين آراء الفقه والقرارات القضائية العراقية واللبنانية. ومن خلال هذا المنهج، نسعى إلى استظهار جميع جوانب الموضوع وتقديم دراسة متكاملة على مستوى النصوص القانونية، الآراء الفقهية، والخبرة القضائية.
كلمات المفتاحية: (المسؤولية المدنية، التقنيات الطبية التعويضية، ،التشريعات القانونية، المسؤولية الطبية، الأخطاء الطبية)
المبحث الأول
تقدير التعويض
ان الأصل في التعويض ان يكون نقدياً([2]) ،أما التعويض غير النقدي فقد كان مبعث خلاف ولاسيما من جهة إقراره ، وجهه نطاقه، فهذه محكمة النقض المصرية مثلا قد رفضت الأخذ به ولم تغير موقفها هذا على الرغم من توجه بعض المحاكم اللبنانية إلى أجازته في بعض قراراتها، واذا كان هذا هو الموقف في القضاء اللبناني فان القضاء الإنكليزي قد أجاز التعويض النقدي وغير النقدي، فأقتفى اثره القضاء المصري في ضل القانون المدني المصري السابق، ولكن ما لبث الأمر ان تغير بعد صدور القانون المدني المصري النافذ الذي أجاز التعويض بصورتيه:
التعويض النقدي ، والتعويض غير النقدي([3]) ،
أما القانون المدني العراقي فقد قطع في المادة (209) منه بالتعويض النقدي وغير النقدي اذ نصت على ما يأتي:
((1-تعين المحكمة طريقة التعويض تبعاً للظروف ويصح ان يكون التعويض
أقساطا أو إيرادا مرتبا ويجوز في هذه الحالة الزام المدين بان يقدم تأميناً .
2-ويقدر التعويض بالنقد على انه يجوز للمحكمة تبعا للظروف وبناء على طلب المتضرر ان تأمر بإعادة الحال إلى ما كانت عليه أو ان تحكم بأداء امر معين أو برد المثل في المثليات وذلك على سبيل التعويض.))
والواقع ان التعويض ، بوجه عام ، قد يأتي في صورة تعويض قانوني يتقرر في إصابات العمل([4]) ،وهذا امر يبتعد كثيرا عما نحن فيـه ، كمـا قـد يأتي فـي صورة تعويض قضائي او تعويض اتفاقي ، فالمادة 169/1 من تقنيننا المدني النافذ قد نصت على انه ((اذا لم يكن التعويض مقدرا في العقد او بنص في القانون فالمحكمة هي التي تقدره)) ([5]) ،لذا سنخصص فقرة لمعالجة التعويض القضائي وفقرة اخرى للتعويض الاتفاقي.
اولاً: التعويض القضائي
اذا صدر من شخص فعل واصيب شخص اخر بضرر ، وكانت هناك علاقة سببية قد ربطت بين ذلك الفعل والضرر فان المسؤولية تنهض بتحقيق اركانها واستيفاء الشروط اللازمة في الضرر ([6]) ، فيأتي دور القاضي لتقدير جسامة الضرر الذي لحق المريض جراء خطأ الطـبيب ، ومن ثم تقدير التعويض عنه.
ويجدر بالإشارة ان الأصل في التعويض الذي يستحقه المريض (المضرور) ان يكون قضائيا إذ ان للقاضي سلطة في استجلاء الحقيقة ومعرفة مقدار الضرر الذي حل بالمريض وجبره بطريق التعويض ، ويشمل التعويض جميع المصاريف التي انفقها المريض من مثل مصاريف العلاج بمـا فـي ذلـك أجرة الـمستشفى وأجره الطـبيب المعالـج أو الجـراح ومصـاريف شـراء الـدواء ، وكـذلك الـنفقات التـي انفقهـا المـريض جـراء ذلك الضـرر ، كما يشمـل ما فات المريض مـن
كسب ، وقد نصت المادة 169 من تقنيننا المدني فيما يتعلق بالمسؤولية التعاقدية المنوه بها قبل قليل على ما يأتي:
((1-اذا لم يكن التعويض مقدرا في العقد او نص في القانون فالمحكمة هي التي تقدره.
2-ويكون التعويض عن كل التزام ينشأ عن العقد سواء كان التزاماً بنقل ملكية أو منفعة أو أي حق عيني أخر أو التزاماً بعمل أو بامتناع عن عمل ويشمل ما لحق الدائن من خسارة وما فاته من كسب بسبب ضياع الحق عليه أو بسبب التأخر في استيفائه بشرط ان يكون هذا نتيجة طبيعية لعدم وفاء المدين بالالتزام أو لتأخره عن الوفاء به.
3-فأذا كان المدين لم يرتكب غشاً أو خطأ جسيماً فلا يجاوز في التعويض ما يكون متوقعا عادة وقت التعاقد من خسارة تحل او كسب يفوت)) ([7])،
كما نصت المادة 207 /1 منه فيما يتعلق بالمسؤولية التقصيرية على انه ((تقدر المحكمة التعويض في جميع الأحوال بقدر ما لحق المتضرر من ضرر وما فاتـه مـن كسب بشـرط ان يكـون هـذا نتيجـة طبيعية للعمل غير المشروع([8]))) ، والتعويض عن الضرر في المسؤولية التقصيرية قد يكون تعويضاً عن ضرر مادي او عن ضرر معنوي (أدبي) ([9]).
ومن هنا فأن الضرر في المسؤولية الطبية يتجاوز ما نصت عليه المادة (207) من القانون المدني العراقي ليشتمل على التعويض المعنوي ، ولا سيما ان لتقدير التعويض في هذه المسؤولية خصوصية ينفرد بهـا وتتمثـل فيمـا يقـاسي المـريض (المضـرور) جـراء خطـأ الطـبيب مـن معـاناة وآلام جسديـة أو نفسيـة ، وهذه من مثل ما يترتب على هذا الخطأ من عيب أو قصور أو ندبات أو تشويهات ، بل ان وفاة المريض ترتب لذويه حقاً في التعويض عن الضرر المعنوي الذي يصيبهم في شعورهم وعواطفهم ، وعموما فالضرر المعنوي يكون التعويض عنه متعلقاً بشخص المضرور ولا يثبت له كيانه المادي ألا اذا اقر به المسؤول عنه او طالب به المضرور عن طريق القضاء ([10]).
ويقوم التعويض عن الضرر الأدبي على عنصر واحد هو الترضية الكافية التي تقدم للدائن فتخفف من وقع الضرر([11]) .
والحقيقة ان مسألة التعويض امر يحتم على القاضي ان يستخدم كل إمكاناته لجعل التعويض معادلا للضرر ، وان يوظف كل ما لديه من معرفة وعلم ونزاهة وحياد لمعرفة مقدار التعويض ، ولكن الأمر في المسؤولية الطبية يتسم بنوع من الاختلاف يجعل تلك المسألة اكثر صعوبة وتعقيداً ، فشق البطون وانطفاء البصر في العيون او بتر الأعضاء وما إلى ذلك من الأعمال الطبية أنما تجعل القاضي بحاجة إلى رأي الخبراء بغية التمكن من تقدير التعويض ، ولكن رأي الخبير غير ملزم فيجوز للقاضي مخالفته على ان يكون لتلك المخالفة ما يبررها ، والقاضي ، من ثم ، هو خبير الخبراء وعليه ان يبذل كل ما بوسعه لجعل التعويض معادلا للضرر، فإذا كان التعويض اكثر من الضرر كنا امام حالة أثراء على حساب الغير ، واذا كان اقل من الضرر كنا امام حكم غير عادل.
ويمتلك القاضي سلطة واسعة في تقدير التعويض ، فهو يحكم بالتعويض للمريض المضرور على وفق ما يراه مناسباً ومحققاً للعدالة .
ويجدر بالإشارة ان القاضي وهو يقدر التعويض لا يأخذ بجسامة الخطأ ، فالمسؤولية المدنية هي تعويض الضرر وليست معاقبة المسـؤول ، وهـي من ثم توجب التعويض لا العقوبة ، وغير ان الجانب العملي ومقتضيات العدالة ومراعاة النزعة الأخلاقية في المسؤولية المدنية قد حملت القضاء على الاعتداد بدرجة جسامة الخطأ عند تقدير التعويض ، فالتعويض في الخطأ الجسيم اكثر منه في الخطأ اليسير.
وتتجسد مراعاة جسامة الخطأ بصورة خاصة في حالة الضرر الأدبي وحالة تعدد المسؤولين ، فإذا تعدد المسؤولون عن الضرر ، وكان بينهم المضرور جاز توزيع المسؤولية فيما بينهم بحسب جسامة الفعل الواقع من كل منهم([12]).
وأياً ما كان التبرير فأننا نرى انه ليس من العدالة في شيء الا يحصل المضرور على تعويض كامل لا لشيء سوى ان الطـبيب ، مثلا ، لم يرتكب ألا خطأ يسير ، كما ليس من العدالة ان يتحمل هذا الطـبيب تعويضاً يتجاوز الضرر بذريعة ان خطأه كان جسيماً ، فالخطأ المدني ينبغي ان يغطي الضرر الحاصل ولا يراعي شيئاً أخر.
ويسلك الى ذلك ، في الغالب ، احد طريقين :طريق الحكم بتعويض عيني وطريق الحكم بتعويض مقابل ، وسنتولى معالجة كل من الطريقتين تباعاً فيما يأتي:
1- التعويض العيني:
ويقصـد بالتعـويض العينـي إعادة الحـال إلى مـا كـانت عليـه قبل ان يرتـكب المـسؤول الخطأ الـذي أدى إلى وقـوع الضرر ([13]) ، ويجد التعويض العيني مجاله الارحب في المسؤولية العقدية ولكنه يكون على خلاف ذلك في المسؤولية التقصيرية ، فهو ينحصر في نطاق محدود اذ من النادر ان يجبر المدين على التعويض العيني([14]) ولعل من الجدير بالإشارة ان مدلـول التعـويض الـعيني ،وهو إعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل وقوع الضرر أنما يجعل منه امراً بالغ الدقة على صعيد محو الضرر ، فهو ينبغي ان يكون معادلا للضرر فلا يزيد عليه ولا ينقص عنه ، وان التعويض العيني وكذلك التعويض بمقابل ليسا سوى تطبيق للقواعد العامة ، ولكن التعويض العيني في بعض الحالات لا يكون ممكناً([15]) ، الضرر الذي يلحق بجسم الإنسان، سواء كان نتيجة خطأ طبي أو حادث، يتطلب أحيانًا تعويضًا بمقابل بدلاً من التعويض العيني، خصوصًا عندما يصعب أو يستحيل إعادة الوضع إلى ما كان عليه، على سبيل المثال، عندما يتسبب الطبيب الجراح في ضرر للمريض، قد يتطلب الأمر تدخل طبي من تخصص آخر لمعالجة هذا الضرر، مما يجعل التعويض العيني غير ممكن، في هذه الحالة، يكون التعويض بمقابل هو الخيار الوحيد المتاح لتعويض المريض عن الأضرار التي لحقت به.
في مثل هذه الحالات، لا مفر من اللجوء إلى التعويض المالي (بالمقابل)، لأن الضرر الناتج عن الأفعال الطبية يترتب عليه نتائج لا يمكن معالجتها بطريقة أخرى، إذا كان الطبيب قد سبب الضرر بشكل غير مقصود أو نتيجة إهمال، فإن المريض أو ورثته يكونون مؤهلين للمطالبة بتعويض مالي عن الألم والمعاناة التي تكبدها المريض، والذي قد لا يكون من الممكن تعويضه بطريقة أخرى.
الضرر هنا يتعدى الأضرار المادية ليشمل الأضرار النفسية والعاطفية، وهي أمور لا يمكن إعادة وضعها إلى ما كانت عليه من خلال الإجراءات الطبية فقط، في هذه الحالة، يقدم التعويض المالي بديلاً يعكس حجم الضرر الذي لحق بالمريض، فلو أُجبر على القيام بالعمل الجراحي لما استطاع القيام به على الوجه الأمثل([16]) ،بل ان التعويض العيني في المسؤولية الطبية قد لا يكون ممكناً بالمرة ، وذلك كأن يقع خطأ من جانب الطـبيب فيؤدي إلى موت المريض ، ومن يموت لا يمكن إعادة الحياة اليهر ، فيكون لا مفر من الرجوع إلى التعويض بمقابل أو كأن يؤدي خطأ الطـبيب إلى فقدان بصر أو بتر قدم أو رفع كلى ونحو ذلك من الأخطاء التي يرتكبها الأطباء في بعض الأحيان ، ويصح هذا ايضا فيما يتصل بالإلام التي تصيب المريض ، وكذلك الإلام التي يعانيها أهله ومحبوه في حالة وفاته ، فهنا لا محل للتعويض العيني أطلاقا بل نرجع إلى التعويض بمقابل ، واذا كان إعادة الوضع إلى ما كان عليه هو تنفيذ عيني ، جبري ، لا تعويض غير نقدي ، كما يرى الفقه المصري ، فان التعويض غير النقدي يتخذ احدى صور ثلاث أولها : إعادة الحال إلى ما كان عليه ، والثانية : هي الأمر بأداء عمل معين كنشر الحكم أو الاعتـذار فـي الـصحف ، والثالثـة هــي :رد المثـل فـي المثليـات أو رد مثـل الشـيء
الذي لحقه التلف، علما ان المحكمة لا تحكم بالتعويض غير النقدي الا اذا طالب به المضرور ، ولم يكن المدين عرض التعويض النقدي([17]).
ويبدو لنا مما تقدم ان القاضي قد لا يجد مناصاً ولا سيما في الخطأ الطبي، من اللجوء الى التعويض بمقابل ولكن ما هو هذا التعويض بمقابل ؟ وكيف يقدر ؟ ان هذا هو ما سنجيب عنه في الفقرة التالية.
2- التعويض بمقابل:
ان القاضي يلجأ إلى التعويض بمقابل لتغطية الضرر الذي أصاب المريض أو أفراد عائلته جراء خطأ الطـبيب ، وفي حالة عدم إمكان التعويض العيني يكون التعويض بمقابل ، في الغالب ، تعويضا نقدياً ، ولكنه يكون بعض الأحيان تعويضا غير نقدي.
وعلى العموم فأن القاضي يسعى هنا لتقدير تعويض مناسب مستعينا بأهل الخبرة ، وما دام هذا التعويض يتخذ صورة تعويض نقدي ، كما قد يتخذ أحيانا صورة تعويض غير نقدي ، فتجدر الإشارة إلى هذين التعويضين تباعا في أدناه:
1-التعويض النقدي : الأصل ان التعويض يكون نقديا في المسؤوليتين العقدية والتقصيرية ، فالنقود وسيلة للتبادل وكذلك وسيلة للتقويم وحيث ان الضرر (المادي والأدبي) يمكن تقويمها بالنقود([18]) ،وللقاضي سلطة واسعة في تقدير التعويض النقدي وكيفية دفعه للمضرور (المريض) فهو يستطيع تبعا للظروف ان يحكم بدفع مبلغ التعويض دفعـة واحـدة أو علـى شكـل أقساط او إيراد مـرتب مـدى الـحياة ، والإيراد مـدى الحيـاة يـدفع مـا دام الـمضرور على قيد الحياة ولا
ينقطع ألا بموته ([19]) ،واذا حكمت المحكمة بالتعويض على شكل أقساط او مرتب فيجوز للمحكمة ان تلزم الطـبيب بدفع تأمين شخصي او عيني كضمان وبخلافه فان المحكمة تحكم عليه بدفع اقساط التعويض دفعة واحدة([20]).
والحق ان هذا الحكم من شأنه تحقيق العدل ومصالح الطرفين ، وكذلك ما يتعلق بالإلزام بتقديم التأمين فهو من قبيل الضمان الذي تقره مستلزمات العدالة ، وان الضرر الذي أصاب جسم المريض بسبب خطأ الطـبيب وأقعده عن العمل أو احدث له عجز جزئي بمعنى ذلك ان المريض قد لحقه ضررين ، ضرر مادي وضرر أدبي ، والمحاكم اللبنانية تتجه إلى تقسيم مبلغ التعويض إلى قسمين ، قسم يدفع دفعة واحدة عن الضرر الأدبي ،( الإلام والضرر الجمالي )، وقسم أخر يدفع على شكل أقساط كضرر مادي للمريض (المضرور) ([21]) وذلك عن ضعف قدرته على العمل في المستقبل.
وقد عالج المشرع العراقي الضرر الأدبي (أو المعنوي) في المادة (205) من تقنينه المدني ونصها:
((1-يتناول حق التعويض الضرر الأدبي كذلك…
2-ويجوز ان يقضي بالتعويض للأزواج وللأقربين من الأسرة عما يصيبهم من ضرر أدبي بسبب موت المصاب
3-ولا ينتقل التعويض عن الضرر الأدبي إلى الغير ألا اذا تحددت قيمته بمقتضى اتفاق أو حكم نهائي)).
وقد يبدو من جمع الفقرتين (2و3) ألا نفتين في مادة واحدة ، ان تقييد انفصال الحق عن شخص المصاب بتحديد قيمته بمقتضى الاتفاق أو الحكم النهائي أنما يرد على الأزواج والأقربين كما يرد على غيرهم ولكن هذا غير صحيح إذ يتعين ان نفرق بين حق الأزواج والأقربين في المطالبة بالتعويض عن الضرر الذي أصابهم بسبب موت المصاب وبين غيرهم من الخلف الخاص والعام إذ لو قلنا بالتقييد الوارد في الفقر (3) وطبقناه على الأزواج والأقربين الوارد ذكرهم في الفقرة (2) لكان ذلك تعطيلا لهذه الفقرة الأخيرة ، فالمريض قد يموت جراء خطا الطـبيب من دون ان يكون هنالك متسع من الوقت لتحديد التعويض بمقتضى اتفاق او حكم نهائي ، ولذا كان من المستحسن فصل الفقرة (2) من تلك المادة ووضع حكم خاص بها ليدخل الأزواج والأقربون مدخل الدائنين دون حاجة إلى تحديد التعويض باتفاق أو حكم نهائي.
الحق في التعويض عن الضرر المادي، كما تم توضيحه، يمثل قيمة مالية تضاف إلى ذمة المضرور، وبالتالي يُنتقل هذا الحق إلى الورثة تلقائيًا دون الحاجة إلى اتفاق سابق أو حكم قضائي لتحديد مقداره، وهذا يعكس الطبيعة المالية للتعويض عن الضرر المادي، حيث أن هذا النوع من التعويض يعكس خسارة مالية يمكن تحويلها إلى الورثة كجزء من التركة.
أما في ما يتعلق بالتعويض عن الضرر الأدبي، فإن الوضع مختلف تمامًا، فالتعويض الأدبي لا يرتبط بقيمة مالية ملموسة أو مباشرة، بل يتعلق بالألم والمعاناة النفسية التي يعاني منها المضرور، وعليه، لا يمكن انتقال هذا الحق إلى الورثة إلا إذا تم تحديد مقداره بشكل واضح، سواء من خلال اتفاق بين الأطراف أو حكم قضائي نهائي، وبالتالي، إذا توفي المضرور قبل أن يتم تحديد التعويض عن الضرر الأدبي، فإن حقه في المطالبة بهذا التعويض يسقط، ولا يمكن أن يُنتقل إلى الورثة.
هذا الفصل بين التعويض المادي والتعويض الأدبي يُعد مهمًا في القانون المدني، حيث يعكس الفرق بين الأضرار التي يمكن تقييمها ماليًا (الضرر المادي) والأضرار النفسية والمعنوية التي يصعب تقييمها بنفس الطريقة (الضرر الأدبي)، وقد ينبري من يقول : لماذا لا يصح التعويض عن ضرر أدبي ذا قيمة مالية ولا ينتقل ؟
والجواب هو لأن التعويض هنا ليس سوى حق متعلق بشخص المضرور ولا يثبت له كيانه المادي ألا اذا اقر به المدين او طالب به المضرور قضاءً، ومن هنا فأن دائني مثل هذا المضرور لا يستطيعون المطالبة بهذا الحق في حياته وباسمه عن طريق دعوى مباشرة .ولعل ممايجدر بالاشارة هنا ان التعويض الذي تقضي به المحكمة عن الضرر المادي لمن كان يعيلهم المتوفي أنما يثبت لهؤلاء ابتداءً وليس عن طريق الارث ولذا فأنه يوزع بينهم بحسب تنسيب المحكمة،
اما التعويض الذي يؤول الى الورثة وهو ما يضاف الى ذمة المضرور ويتحدد مقداره في حياة المصاب سواء اكان تعويضاً عن ضرر مادي ام تعويضاً عن ضرر ادبي فأنه يوزع بين الورثة على وفق احكام الميراث الشرعي([22])
2-التعويض غير النقدي :
ان التعويض غير النقدي لم يكن هو الصورة المثلى للتعويض ولكن يجوز ان يطلبه الدائن ويحكم به القاضي حسب ظروف الحالة اذا لم يعرض المدين التعويض النقدي، ولكن اذا طالب الدائن بتعويض غير نقدي وعرض المدين تعويضاً نقدياً فأن الامر يترك لتقدير المحكمة فقد تستجيب لطلب الدائن وقد تحكم بالتعويض النقدي بأعتباره الاصل في التعويض فمثلاً في حالة السب والقذف الصادر عن الطـبيب اثناء علاجه للمريض أو أثناء تدخله الجراحي فيجوز ان يحكم القاضي بناءً على طلب المدعي (المريض) بنشر الحكم الصادر في حق الطـبيب في الصحف كتعويض غير نقدي عما لحق المريض من ضرر ، بناءً على ما تم ذكره، فإنه من المهم أن نلاحظ أن التعويض غير النقدي يمكن أن يأخذ أشكالًا متعددة، تختلف بحسب نوع الضرر الذي وقع على المضرور وطبيعة القضية، في بعض الحالات، قد لا يكون المال هو الوسيلة المثلى لتعويض الضرر، ويكون اللجوء إلى تعويض غير نقدي أكثر ملائمة لإصلاح الأضرار بشكل كامل.
من أشكال التعويض غير النقدي، يمكن أن نذكر نشر الاعتذار في الصحف أو وسائل الإعلام الأخرى، وهو يعد وسيلة فعالة للتعويض عن الأضرار المعنوية والنفسية التي قد تكون حدثت جراء الفعل الضار، في هذه الحالة، الهدف الأساسي هو توفير الراحة النفسية للمضرور، وخاصة في القضايا التي يكون فيها الضرر المعنوي عميقًا، مثل التشهير أو الإهانة التي قد تضر بسمعة الفرد.
كما أن هناك التعويض العيني الذي يتمثل في رد المثل، وخاصة في حالة وجود ضرر مادي يمكن إصلاحه بإعادة الوضع إلى ما كان عليه، كأن يتم إصلاح الممتلكات التي تضررت نتيجة الفعل الضار أو استعادة الحق الذي تم انتهاكه، يمكن أن يكون رد المثل أيضًا من خلال استبدال شيء مفقود بآخر مماثل إذا كان ذلك ممكنًا.
إضافة إلى ذلك، قد يتمثل التعويض غير النقدي في أداء أمر معين، مثل إصدار حكم بإلغاء نتائج الفعل الضار أو طلب تطبيق إجراءات تهدف إلى تصحيح الوضع، كإجراء تعديلات قانونية في المستندات أو العقود التي تم التلاعب بها، هذا النوع من التعويض يسمح بتحقيق العدالة بشكل أكثر شمولًا، حيث يمكن للمحكمة أن تفرض إصلاحات مباشرة تؤدي إلى تصحيح الوضع الحالي للمتضرر.
على الرغم من وجود بعض الخلافات الفقهية حول تحديد حدود التعويض غير النقدي، لا يمكن إنكار أن هذا النوع من التعويضات يظل جزءًا أساسيًا من النظام القضائي في حالات عديدة، فحتى وإن كانت هذه الخلافات تقتصر على التسمية أو التأويل الفقهي، إلا أن تطبيق التعويض غير النقدي يظل فعّالًا في الحياة العملية ويسهم بشكل كبير في معالجة الأضرار الناجمة عن الأفعال الضارة.
أخيرًا، يُعتبر هذا النوع من التعويضات وسيلة للموازنة بين التعويضات المالية والتعويضات التي تهدف إلى إزالة الأضرار المعنوية والعاطفية، مما يضمن أن يحصل المضرور على العدالة التي تستحقها حالته ، فثمة من يجاري الفقه المصري فلا يرى أعادة الوضع إلى ما كان عليه تعويضاً غير نقدي وإنما يراه تنفيذاً عينياً جبرياً، وثمة من يرى أن رد المثل فـي المثاليات لـيس هـو التسمية المناسبة وان الأجدر تسميته ((تعويضاً عينياً))، فهذه التسمية اخص من تسمية ((تعويض غير نقدي)) .
ومثل هذا الخلاف ليس فيه كبير نفع فلندعه إلى ما يتصل بموضوعنا ويهمنا وهو أن القاضي قد يحكم في بعض الأحيان بفسخ العقد المبرم بين الطـبيب والمريض أذا طلب المريض التحرر منه لتأخر الطـبيب في تنفيذ التزامه، او امتناعه عن التنفيذ ، فتحرر المريض من التزامات العقد يعتبر تعويضاً عينيناً غير نقدي([23])
‑ويبدو لنا من كل ما تقدم في شأن كيفية تقدير التعويض القضائي ان المشرع العراقي قد احسن عملاً ولا محل للنقد فيما وضعه ألا في نطاق ضيق أشرنا اليه في موضعه، بل أنه حسناً فعل باتخاذه موقفاً حاسماً من مسألة الخلاف الفقهي والقضائي الذي ظهر في شأن التعويض النقدي أذ قرر أجازه هذا التعويض.
إن إضافة العنصر الثالث المتعلق بالظروف الشخصية للمضرور في حساب التعويض عن الضرر المادي يعتبر إضافة هامة لتحقيق العدالة والإنصاف في تحديد مقدار التعويض، حيث أن التعويض لا يجب أن يقتصر فقط على الكسب الفائت والضرر اللاحق، بل ينبغي أن يأخذ في الحسبان الظروف الشخصية والاجتماعية للمريض أو المتوفى،
على سبيل المثال، إذا توفي شخص لم يكن مصابًا بأمراض خطيرة أو كان في مرحلة عمرية صغيرة، فإن تعويضه يجب أن يتناسب مع ما كان يمكن أن يحققه من كسب في المستقبل، خاصة إذا كان يعتني بعائلة كبيرة أو كان المعيل الوحيد، في المقابل، إذا توفي شخص كان يعاني من مرض مزمن أو كان في مرحلة متقدمة من العمر، فإن التعويض يجب أن يراعي حقيقة أن هناك احتمالًا أقل لأن يتأثر المجتمع من فقدانه، بالإضافة إلى التأثير المحدود الذي قد يحدث على مستوى الدعم المالي.
كما أن وفاة شخص غير متزوج أو غير معيل قد لا تتطلب تعويضًا بنفس القدر، حيث أن الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي تنجم عن وفاته تكون أقل حدة مقارنةً مع وفاة شخص يعيل أسرة أو له مسؤوليات اجتماعية كبيرة.
إن هذا التكامل في حساب عناصر التعويض يساعد في ضمان أن يكون التعويض أكثر دقة وإنصافًا، ويراعي جميع الجوانب الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر على المضرور وعائلته.
ثانياً-التعويض الاتفاقي
في هذه الحالة، يتم الاتفاق بين الطرفين مسبقًا على تقدير التعويض عن الأضرار المحتملة، ويُسمى هذا الاتفاق بالشرط الجزائي، إذا أخل أحد الطرفين بتنفيذ التزامه، مثل أن يتأخر الطبيب في إجراء العملية أو العلاج المتفق عليه، فإنه يجب عليه دفع مبلغ معين من التعويض المقرر مسبقًا في العقد.
في المسؤولية العقدية، كما في هذه الحالة بين الطبيب والمريض، يعتبر الوقت من العوامل الحاسمة، إذا تأخر الطبيب في تنفيذ التزامه وتسبب هذا التأخير في ضرر للمريض، وكان العقد يتضمن شرطًا جزائيًا يحدد مقدار التعويض، فإن المريض يستحق التعويض بناءً على هذا الشرط.
لكن في بعض الأحيان، قد يكون مبلغ التعويض المثبت في العقد مبالغًا فيه أو فادحًا، مما قد يؤدي إلى ضرورة تدخل المحكمة لتقليل المبلغ إذا كان غير متناسب مع الضرر الفعلي الذي لحق بالمريض، في هذه الحالة، يمكن للمحكمة تعديل المبلغ ليحقق العدالة، ويمنع الإفراط في التعويض، فيحق للقاضي انقاصه حتى يكون معادلا للضرر الذي لحق المريض وهذا ما قضت به المادة (170/2) من القانون المدني العراقي([24]).
ويجوز ان يحدد مقدار التعويض في العقد او في اتفاق اخر بعد التعاقد ، ولكن يشترط ان يكون الاتفاق قبل وقوع الضرر ، فاذا لم يكن كذلك أي اذا لم يكن قبل وقوع الضرر ، فان الاتفاق هنا يعد عقد صلح يخضع لأحكام المادة (698) من القانون المدني العراقي([25]).
إن عقد الصلح يمكن أن يكون بشأن الأضرار التي تقع على الأموال أو الأضرار التي تصيب النفس، ويجب أن يتم هذا العقد باتفاق الطرفين ويخضع للقواعد العامة للعقود، في عقد الصلح، يجب أن يكون المريض قد أبرم الاتفاق عن دراية ووعي بما حدث له من ضرر، وكذلك بما يغطيه مقدار التعويض، أي أن المريض يجب أن يكون على علم بكل تفاصيل الأضرار التي أصابته والمبالغ التي يتم تعويضه عنها.
أيضًا، يُشترط أن يكون الباعث الذي دفع الطرفين لإبرام عقد الصلح صحيحًا، فلو اعتقد الطبيب على سبيل المثال أنه عوض المريض عن كسر في اليد، ولكن تبين لاحقًا أنه كان خلعًا بسيطًا فقط، في هذه الحالة، يمكن للمريض الرجوع عن عقد الصلح، إذ لا يعتبر التعويض عن ضرر لم يكن موجودًا بالقدر الذي تم الاتفاق عليه([26]) ،ولكن ما لحكم اذا تفاقم الضرر بعد تسلم المريض للتعويض المتفق عليه في عقد الصلح ؟
وللإجابة عن ذلك لابد من الإشارة إلى ان عقد الصلح يعتبر حجة على المريض شانه شان الحكم الذي حاز درجة البتات أو قوة الشيء المقضي به([27]) ، فلا يحق له المطالبة بأكثر مما هو مثبت في عقد الصلح ، ولكن اذا تفاقم الضرر الناجم عن خطأ الطـبيب فأدى إلى وفاة المريض فأن للورثة إقامة الدعوى على الطـبيب والمطالبة بالتعويض ، وتعتبر دعواهم منفصلة عن عقد الصلح الذي ابرمه مورثهم ، ولا يعتبر ذلك تكراراً للتعويض وإنما هو امر مستقل إذ ان لهم دعوى مباشرة ضد محدث الضرر (الطـبيب) ([28]).
ان الغالب في التعويض الاتفاقي ان يحدد بمبلغ من النقود يدفعه المتعاقد الذي اخل بالتزامه ، وقد نصت المادة (170/1) على الشرط الجزائي([29]).
ولعل اهم خصائص التعويض الاتفاقي (الشرط الجزائي) ما يأتي:
1-ان الشرط الجزائي هو التزام تبعي لا ينهض ولا يجوز الحكم به الا في حالة عدم تنفيذ الالتزام الأصلي ، فالمريض يستحق الحكم له بمبلغ الشرط الجزائي اذا اخل الطـبيب بتنفيذ التزامه وهو أجراء العملية الجراحية أو عمل طقم أسنان للمريض أو نقل الدم او الأمصال وغيرها ، ولكن في حالة قيام الطـبيب بتنفيذ التزامه فلا محل للحكـم بالشـرط الجـزائي لأنه غـير مقصـود لذاتــه بـل لأجل حمل المتعاقدين على تنفيذ العقد الأصلي ،وما دام الشرط الجزائي التزاماً تبعياً فأنـــه
يحمل صفات الالتزام الأصلي فيدور معه صحةً وبطلاناً، فأذا كان الالتزام الأصلي صحيحاً فالشرط الجزائي صحيحاً وإذا كان الالتزام الأصلي باطلاً فأن الشرط الجزائي يكون باطلاً أيضاً ولكن العكس غير صحيح ، فقد يكون العقد الأصلي صحيحاً والشرط الجزائي باطلاً وهنا يصح العقد ويبطل الشرط الجزائي.
2-ان الشرط الجزائي يقع تقديره جزافاً وذلك لان الطرفان قد اتفقا عليه قبل وقوع الضرر ولا يستطيعان تحديد مقدار الضرر الذي سيلحق بالمريض تحديدا دقيقا ، ومن هنا فان للقاضي تعديله بالتخفيف ، ولكن ليس له زيادته ألا اذا ارتكب المتعاقد غشاً أو خطأ جسيماً([30]).
3- ان الشرط الجزائي التزام احتياطي فهو ليس التزامـ ا تخييرياً وليس التزاماً بدليا ، ولو كان التزاما تخييرياً لكان للمدين ان ينفذ أياً منهما فتبرأ ذمته ، وهو من ثم ليس بديلاً عن التزام الأصلي ، ويتعين على المريض ان يطالب بتنفيذ العقد الأصلي فإذا لم ينفذ رجع إلى الالتزام الاحتياطي أي الشرط الجزائي (التعويض الاتفاقي).
ولكن هل يمكن للقاضي ان يحكم بالشرط الجزائي دون حاجة إلى أعذار؟
الجواب على ذلك هو أنه في حالة التأخر في التنفيذ، يكون الأعذار لازمًا في جميع الحالات، أما في حالة عدم تنفيذ الالتزام، فيجب التمييز بين فرضين: الأول، حيث يكون التنفيذ العيني ممكناً، وفي هذه الحالة يجب أن يتم الأعذار، لأن الالتزام لا يصبح مستحقًا للتنفيذ إلا بعد إنذار المدين وإعطائه فرصة للوفاء بالتزامه، أما في الفرض الثاني، حيث يكون التنفيذ العيني غير ممكن، فلا حاجة إلى الأعذار، لأنه لا يمكن إجبار المدين على تنفيذ التزامه العيني إذا أصبح غير ممكن، وبالتالي يتحول الالتزام إلى تعويض مالي بدلاً من التنفيذ العيني،
إذن، يُشترط الأعذار فقط في حالة تأخر التنفيذ العيني، وفي حال عدم إمكانية تنفيذ الالتزام العيني، يتم اللجوء إلى التعويض دون الحاجة للأعذار([31]).
والأعذار هو في الحقيقة عبارة عن تنبيه المدين إلى تأخره في التنفيذ تأخراً يرتب عليه القانون بعض الأثار([32]) ، أي بمعنى أخر هو وضع المدين موضع المخل بتنفيذ التزامه.
أما في المسؤولية التقصيرية فان القانون المدني العراقي قد قضى في المادة (258/ب) منه بان ((لا ضرورة لأعذار المدين في الحالات التالية:
ب-اذا كان محل الالتزام تعويضا ترتب على عمل غير مشروع)).
المبحث الثاني
وقت تقدير التعويض
ان الغرض من التعويض هو إعادة المضرور إلى الوضع الذي كان يمكن أن يكون فيه لو لم يصبه الضرر ، وهذا يعني ان تقدير القاضي للتعويض ينبغي ان يبنى على جسامة الضرر وقت وقوعه أو بمعنى أخر يلزم تأسيس التعويض على تقدير القاضي للضرر حين حدوثه.
ولكن المحاكم لا تحسم الدعاوى في وقت يستبعد فيه طروء تغيير في الضرر ، فهي تحسمها بعد وقت يطول أو يقصر ولكنه ليس هو وقت أقامتها أو بعده بقليل ، ومن هنا فانه قد لا تظل الظروف على ماهي عليه خلال الفترة المحددة بين وقت وقوع الضرر ووقت النطق بالحكم على محدثه ، إذ قد ترتفع الأسعار ، أو تتفاقم الإصابة ، أو يتغير سعر النقد ، وأذن فهنالك نوع من الضرر يزداد جسامة أو يخف في الفترة الواقعة ما بين تاريخ حدوثه وتاريخ النطق بالحكم ، يطلق عليه اسم الضرر المتغير ، وحيث ان التغير يقع بتغير الوقت فان هذا يعطي لوقت تقدير الضرر أهمية بالغة ، ويثار السؤال عن الوقت الذي يلزم ان يقدر فيه القاضي الضرر الذي يصدر حكماً بالتعويض عنه؟ أو السؤال عن الحكم في حالة الضرر المتغير؟.
ان تغير الظروف بارتفاع الأسعار أو انخفاض القيمة الشرائية للنقود أو ازدياد حالة المريض (المضرور) سوءاً تشير بما لا يقبل الشك إلى ما في تقدير التعويض على أساس جسامة الضرر وقت وقوعه من ابتعاد عن جادة العدل وغبن للمضرور ، وذلك لأنه لا يحصـل فـي مثـل هـذه الحـال علـى تعـويض عـادل يعـادل الضـرر الـذي حل بساحتـه([33]) ، مـع ان حقـه في التعويض قد نشأ منذ استكمال أركان المسؤولية من خطأ وضرر وعلاقة سببية([34])، ولكنه لم يتحدد بعد ، وهـو لا يتحدد ألا اذا اصدر القاضي حكما بتحديد مقداره([35]) ، الأمر الذي يجعل حكم القاضي كاشفًا لا منشئاً للحق ، فهذا الحق قد كان موجودا ثم جاء القاضي فحدد عناصره وقوم مقداره بالنقد.
وانطلاقاً من هذا التوجه لو لحق بالشخص ضرر في جسمه جراء خطأ الطـبيب ، ثم ساءت حالته بحيث تولد عن تلك الإصابة عيب أو قصور مستديم ، لتعين على القاضي ان يضع ذلك في الاعتبار لدى إصدارة قراراً بالتعويض ، ولو حصل العكس فتحسنت حالة هذا الشخص تحسناً ملحوظاً لتوجب عليه كذلك ان يحسب لذلك حسابه في تقديره للتعويض([36]).
في هذه الحالة، حيث قام المضرور بإصلاح الضرر أو تلافيه بنفسه، مثل إجراء عملية لمعالجة التشوه أو إزالة قطع الشاش التي تركها الطبيب في جسده، يكون السؤال الذي يثور هو كيفية حساب المبالغ التي ينفقها المضرور في علاج ما أصابه من ضرر إذا تغيرت قيمة النقد وقت لاحق.
الجواب الذي يقدمه بعض الفقهاء هو أن العبرة تكون بما تكبد المضرور فعلاً من مصاريف فعلية لمعالجة الضرر الذي أصابه، بمعنى أن المبلغ الذي ينفقه المضرور في العلاج هو الذي يُؤخذ في الاعتبار عند تحديد التعويض، وبالتالي، يُمنح المضرور تعويضًا عن المبالغ التي دفعها بالفعل، بغض النظر عن تغير قيمة النقد أو الأسعار في المستقبل.
وتستند هذه الفكرة إلى أن الغرض من التعويض هو جبر الضرر وتوفير العدالة للمضرور، ولذلك يجب أن يعكس التعويض التكاليف الحقيقية التي تكبدها المضرور، وهو ما يعزز من مبدأ تعويض الأضرار بشكل عادل ومتوازن.، ولا يعتد هنا بتغير سعر النقد وقت صدور الحكم عما كان عليه وقت دفع المضرور لتلك المصروفات ، وذلك لان المضرور قد غير طبيعة الضرر الذي أصابه فجعله دينا بمبلغ النقود التي انفقها لمعالجة الضرر([37]) ، وفيما عدا هذه الحالة فأن تغير سعر النقد يعتد به أي بمعنى ان العبرة لدى تقدير التعويض تكون بسعر النقد يوم النطق بالحكم ([38]) ، ولكن اذا ثبت للمحكمة ان المريض المضرور قد سوأ مركز الطـبيب محدث الضرر تعمـدا
أو إهمالا أو زاد في الضرر فأنها لا تعتد بالضرر المتغير ، وإنما تحكم في ضوء الضرر الواقع وقت حدوث الفعل بل أنها قد تنقص مقدار التعويض أولا تحكم بتعويض([39]) .
وثمة سؤال أخر يتبادر وهو ان من غير المستبعد ان يتغير الضرر عما هو عليه وقت صدور الحكم ، إذ قد يتفاقم أو يتحول إلى عجز دائم لدى المريض بل قد يعالج المريض نفسه ويشفى من الضرر الذي أصابه ، واذا كان الأمر قد جرى على هذا النحو فهل يستطيع المضرور المطالبة بإعادة النظر في مبلغ التعويض؟.
في التشريع العراقي، يُمنح القاضي السلطة التقديرية لتحديد التعويض الذي يتناسب مع الضرر الواقع على المضرور، وذلك استنادًا إلى تقديره للوقائع والأدلة المقدمة في القضية، على الرغم من عدم وجود معالجة صريحة ومباشرة لهذه المسألة في التشريع العراقي، يُتوقع من القاضي أن يُقدّر التعويض بشكل يتماشى مع حجم الضرر الذي تعرض له المضرور.
في بعض الحالات، قد يطالب المضرور بتعويض عن الضرر الذي لحق به بالفعل (الضرر الحال) مع الاحتفاظ بحقه في المطالبة بالتعويض عن الضرر الذي قد يحدث في المستقبل (الضرر المستقبلي)، في هذه الحالة، يتعين على القاضي أن يقرر ما إذا كان يجب تقدير التعويض عن الضرر الحال فقط أو عن الضرر الحال والمستقبلي بناءً على الأدلة المتاحة والتوقعات المنطقية لتطور الضرر.
وفي هذه الحالة، يتعين على القاضي الاستجابة لطلب المضرور وفقًا لما طلبه الخصم، حيث لا يجوز له الحكم بتعويض يزيد عن ما تم طلبه من قبل المضرور، ولكن إذا لم يحدد المضرور نوع الضرر الذي يطالب به، سواء كان الحال أو الحال والمستقبل، فيمكن للقاضي أن يحكم بالتعويض عن الضرر الذي وقع بالفعل، بالإضافة إلى الضرر المحتمل في المستقبل، بشرط أن يكون القاضي قادرًا على تحديد الضرر المستقبل بدقة ويتأكد من وقوعه في المستقبل، إذا لم يكن هناك يقين من وقوع الضرر في المستقبل، فإن حكم القاضي قد يكون مشوبًا بالعيب لعدم تحديد الضرر المحتمل بشكل دقيق، مما يجعله عرضة للطعن([40]).
أما عن إمكان إعادة النظر في تقدير التعويض فاذا لم تكن المحكمة قد أخذت بالتغيرات التي يمكن ان تحـدث فـي المستقبل فيجوز لها إعادة النظر في حكم التعويض ([41])، وقد أشارت المادة (208) من القانون المدني العراقي إشارة غير مباشرة إلى ذلك بما يأتي ((اذا لم يتيسر للمحكمة ان تحدد مقدار التعويض تحديدا كافيا ، فلها ان تحتفظ للمتضرر بالحق في ان يطالب خلال مدة معقولة بإعادة النظر في التقدير))([42]).
هذا يعني أن المحكمة، إذا تأكدت من وجود عنصرين من عناصر الضرر، وهما الضرر اللاحق والكسب الفائت، ولكنها وجدت صعوبة في تحديد التعويض بدقة بسبب تغيرات محتملة في حجم الضرر أو تأثيراته المستقبلية، يمكنها أن تصدر حكمًا بتعويض ابتدائي، هذا التعويض الابتدائي يكون مؤقتًا حتى يتمكن المضرور من مطالبة المحكمة بإعادة النظر في تقدير التعويض بعد فترة معقولة، بناءً على التغيرات التي قد تطرأ على حالته أو على مقدار الضرر الفعلي الذي لحق به.
هذا الحل يضمن أن المضرور يحصل على تعويض مبدئي يعوضه عن الضرر في الوقت الحالي، مع إعطائه الفرصة لمراجعة تقدير التعويض لاحقًا في حال تغيرت الظروف أو تدهورت حالته، يتيح هذا الأمر للمحكمة مرونة في التعامل مع الحالات التي يصعب فيها تحديد التعويض النهائي فورًا، دون أن يحرم المضرور من حقه في الحصول على تعويض مناسب.
والحقيقة ان حكم القاضي بالتعويض اذا جاء في مثل هذه الأحوال مفتقراً إلى احتساب الضرر المستقبل فانه لا يكون حجة على المضرور ولا يحوز قوة الشيء المحكوم فيه ([43])، وذلك لأن الضرر الجديد – الضرر المستقبل – لم يسبق الحكم به ولا يمكن القول بأن في ذلك تكراراً للتعويض ولم يكن قد شمله الحكم من قبل ، ولعل مما يجدر بالإشارة أن الضرر الجسدي وكذلك الضرر المعنوي أنما يتسمان بقدر كبير من المرونة تسمح للمحاكم بأن تعتد عملياً بالظروف الملابسة والاعتبارات الشخصية الخارجة عن الضرر ومنها ما يتعـلق بالمضـرور ، وليس بمـرتكب الفعـل الضـار –كحالتـه الصحيـة وسنـه ومركـزه المالـي أو الاجتماعـي ، أو السياسي وكذلك نفوذه الأدبي أو الديني أو تفوقه أو تخلفه العلمي ،وذلك لمـا لـهـا من أثر غير مباشر في تقدير التعويض بسب ما تترك من أثر نفسي لدى القاضي ، كما يجدر بالإشارة أن الاعتبارات المتعلقة بمرتكب الفعل الضار وجواز الأخذ بها عند تقدير التعويض أنما هو مدار بحث وخلاف ،وقد جاء في المادة (170) مدني –مصري ((يقدر القاضي مدى التعويض عن الضرر الذي لحق المضرور طبقاً لأحكام المادتين (221, 222) مراعياً في ذلك ((الظروف الملابسة))،فأن لم يتيسر له وقت الحكم أن يعين مدى التعويض تعييناً نهائياً فله ان يحتفظ للمضرور بـالحق في ان يطالب خلال مدة معينة بإعادة النظر في التقدير )) ، وقد خلا القانون المدني العراقي من مثل هذا النص ، ولكن المادة (439) من مشروع القانون المدني الذي أصدرته وزارة العدل عام 1986 قد نصت على ما يأتي ((على المحكمة عند تقدير التعويض ان تأخذ بنظر الاعتبار كل الظروف الملابسة كجسامة خطأ المسؤول عن الضرر والحالة المالية لكل من المسؤول والمتضرر والحالة الصحية لهذا الأخير وكل ظرف أخر يساعد المحكمة على تحقيق العدالة)).
ومن هنا نرى ان يعالج المشرع العراقي هذه المسألة في قانونه المدني فالأخذ بالظروف الملابسة والخارجة عن الضرر أنما هو امر تستلزمه العدالة ، ولا يتعارض مع القواعد العامة في التعويض([44]).
وفي الختام نرى ان مستلزمات البحث العلمي تلزمنا بان نعرض بالنقد لما نجده موضعاً للنقد فيما اشرنا اليه انفاً ، ومن ذلك ان تسويئ مركز المدين الذي ورد في المـادة (210) مـن تقنيننـا المـدني فهـذه المـادة قـد أجازت للمحكمة انقاص مقدار التعويض أو عدم الحكم به اذا كان المضرور قد زاد في الضرر أو سوأ مـركز
المدين ، والحقيقة ، فيما نرى ، ان عبارة (أو سوأ مركز المدين) أنما هي مما ينطوي عليه مدلول عبارة ((اوزاد فيه)) ولذا فهي عبارة زائدة يستحسن حذفها ، كما ان من ذلك خلو التشريع المدني العراقي من النص على وقت تقدير التعويض باستثناء أشاره غير مبـاشرة وردت في المادة (208) الـتي تناولناهـا قـبل قـليل ، وكان ينبغي ان يتضمن احكاماً تعالج ذلك ، وافضل وقت لتقدير التعويض عن الضرر هو ، في تقديرنا ، وقت تحمل الضرر ما لم يثبت ان مقداره يتغير بتغير الزمن والظروف الاقتصادية ، ففي هذه الحالة يتعين على المحكمة ان تقدر التعويض وقت النطق بالحكم.
والآن فما يحدث في الحياة العملية وبعدما يصدر القاضي قرار الحكم بالتعويض نرى ان الطـبيب لا يكون ذو ملاءة مالية يستطيع المريض ان يأخذ مقدار التعويض منها بل ان قسماً من الأطباء يتهربون من دفع المبلغ الذي في ذمتهم للمريض ، وهنا نرجع إلى القواعد العامة لأستحصال المبلغ ، ولكن المريض المضرور هل يبقى ينتظر ويعيش بعاهته التي أحدثها له الطـبيب ولربما تتفاقم هذه العاهة أم يجب علينا البحث عن طريق ثان يستطيع المريض الحصول من خلاله على مبلغ التعويض ، وهنا توجد مقترحات عديدة تنادي بفكرة التأمين ضد المسؤولية المدنية للطبيب ، وهو ان تدفع شركة التأمين مبلغ التعويض للمريض وذلك بأن يقوم الطـبيب بالتأمين ضد خطأه لكي يصبح المريض بمأمن وكذلك الطـبيب حيث يمارس عمله بعيدا عن سيف المسؤولية المسلط عليه وفي ذلك تحقيق لمصلحة الطـبيب والمريض معاً[45](1) .
ولكننا ما دمنا نبحث في موضوع الخطأ المهني والخطأ العادي نرى وجوب التفريق بين التأمين في الأخطاء العادية والتأمين في الأخطاء المهنية ونقول ابتداءً ان فكرة التأمين جيدة ولكـن في حـدود وهـي ان نرجـع علـى الطـبيب في حالة أخطاءه الفنية بنصف المبلغ الذي تدفعه شركة التأمين ونرجع عليه بكامل المبلغ في حالة خطأه العادي وذلك كي لا يحمل ذلك الأطباء على اللامبالاة في عملهم علما انه مرتبط بجسم الأنسان وحياته ومع ذلك تبقى الدعوة الجنائية قائمة ضدهم كي يخافوا من السجن ويتعاملوا تعاملا إنسانيا مع المريض وكذلك نقترح إناطة الدعاوى المقامة ضدهم بالقضاء العادي .
الخاتمة
- يشمل التعويض في المسؤولية العقدية الضرر المباشر المتوقّع فقط ولا يشمل الضرر الغير متوقّع إلا إذا ارتكب المدين غشّاً أو خطأً جسيماً بينما يشمل التعويض في المسؤولية التقصيرية الضرر المباشر المتوقّع والغير متوقّع.
- قد يترتّب على الجهاز الطبي التعويضي المعيب أو ما يكمن فيه من خطورة بسبب استعماله إلى موت المريض فهنا ينشأ التعويض عن الضرر المرتد فيطالب الورثة بالتعويض عمّا أصابهم من ضرر سواء كان مادي أو أدبي.
- إنّ العبرة في تقدير التعويض هو وقت حصول الضرر أي وقت العمل الغير مشروع لكن يتغيّر الضرر في المستقبل عن الضرر الذي قدّره القاضي, كما أصبح المريض بعد فترة من صدور الحكم القضائي عجزاً كلّياً أو شللاً أو تفاقم الضرر في المستقبل أن يطالب بالتعويض عن الضرر المتغيّر.
العبودي، جاسم. مصادر الالتزام. الطبعة السابقة، ص 120–129، بغداد.
السنهوري، عبد الرزاق. الوسيط في شرح القانون المدني الجديد – مصادر الالتزام. دار النهضة العربية، القاهرة.
السنهوري، عبد الرزاق. الوسيط في شرح القانون المدني الجديد – العقود التي تقع على الملكية. دار النهضة العربية، القاهرة، 1962.
الذنون، حسن علي. المبسوط في المسؤولية المدنية – الضرر. بغداد، ص 258–286.
الذنون، حسن علي. النظرية العامة للالتزامات – مصادر الالتزامات. بغداد، 1964.
العامري، سعدون. المسؤولية المدنية. الطبعة السابقة، بغداد، ص 14، 149، 154، 207.
مأمون، عبد الرشيد. التأمين من المسؤولية المدنية في المجال الطبي. دار النهضة العربية، القاهرة، بدون سنة طبع.
مرقس، سليمان. الوافي في شرح القانون المدني في الفعل الضار والمسؤولية المدنية – الأحكام العامة. الطبعة الخامسة، مطبعة السلام، القاهرة، 1988.
منصور، محمد حسين. المسؤولية الطبية. القاهرة، ص 133.
شرف الدين، أحمد. مسؤولية الطبيب. القاهرة، ص 119.
الهوامش:
-
() د, جاسم العبودي –مصادر الالتزام –المرجع السابق ،ص ص126,127 ، ↑
-
() د. جاسم العبودي – مصادر الالتزام – المرجع السابق – ص 127 . ↑
-
() د,جاسم العبودي –مصادر الالتزام – المرجع السابق, ص 120، وانظر كذلك المادة (171)من القانون المدني العراقي النافذ . ↑
-
() فالمادة 56/2 من قانون التقاعد والضمان لعام 1971 قد جاء فيها ما يأتي ((اذا انتهت الإصابة بالعامل إلى العجز الكامل أو أدت إلى وفاته يخصص له أو لخلفه –حسب الأحوال –راتب تقاعد إصابة على أساس 80% من متوسط الأجر في السنة الأخيرة من عمله أو خلال مدة عمله ان كانت اقل من سنة…). ↑
-
() وتقابلها المادة (221) مدني – مصري حيث جاء فيها ((اذا لم يكن التعويض مقدراً في العقد او بنص في القانون فالقاضي هو الذي يقدره …)) وكذلك المادة (172) مدني سوري حيث جاء فيها ((يعين القاضي طريقة التعويض تبعاً للظروف…)). ↑
-
() وشروط الضرر هي :
1,ان يكون هذا الضرر محققا.
2,ان يصيب الضرر حقا او مصلحة مالية مشروعة.
3,ان يكون الضرر شخصيا.
4,ان لا يكون الضرر قد سبق التعويض عنه.
5,ان يكون الضرر مباشراً.
وللمزيد من التفصيل انظر د.سعدون العامري –المرجع السابق –ص14. ↑
-
() وتقابلها كما اشرنا المادة (221) مدني مصري ، والمادة (172) مدني سوري. ↑
-
() وقد جاء في المادة (221) من القانون المدني المصري النافذ ما يأتي ((…ويشمل التعويض ما لحق من خسارة وما فاته من كسب بشرط ان يكون هذا نتيجة طبيعية لعدم الوفاء بالالتزام او التأخر في الوفاء به ، ويعتبر الضرر نتيجة طبيعية اذا لم يكن في استطاعة الدائن يتوقاه ببذل جهد معقول)). ↑
-
() انظر المادة (205) من تقنيننا المدني النافذ . ↑
-
() استناذنا د.جاسم العبودي –مصادر الالتزام –المرجع السابق –ص128. ↑
-
() المرجع نفسه –ص128. ↑
-
() انظر المادة 217 /2 من تقنيننا المدني ، وتقابلها المادتان 264 و265 مدني اردني والمادة 169 مدني مصري. ↑
-
() د. سعدون العامري – المرجع السابق –ص149. ↑
-
() د. عبد الرزاق السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني الجديد – مصادر الألتزام , المرجع السابق,ص966. ↑
-
() وقد تنص المادة (246/1) من القانون المدني العراقي على انه ((يجبر المدين على تنفيذ التزامه تنفيذا عينياً متى كان ذلك ممكناً)). ↑
-
() وهذا ما تناولته المادة (250/1) من تقنيننا المدني اذ قضت بانه ((في الالتزام بعمل اذا لم يقم المدين بتنفيذ التزامه ولم يكن ضروريا ان ينفذه بنفسه جاز للدائن ان يستأذن من المحكمة في تنفيذ الالتزام على نفقة المدين اذا كان هذا التنفيذ ممكناٍ)). ↑
-
() د. جاسم العبودي –مصادر الالتزام –المرجع السابق –ص127. ↑
-
() تنص المادة 209 /2 من القانون المدني العراقي على انه((ويقدر التعويض بالنقد على انه يجوز للمحكمة تبعا للظروف وبناء على طلب المتضرر ان تأمر بإعادة الحالة إلى ما كانت عليه أو ان تحكم بأداء امر معين أو برد المثل في المثليات وذلك على سبيل التعويض)) وانظر كذلك نص المادة (171/3) من القانون المدني المصري فهو يقابل هذا النص . ↑
-
() د. عبد الرزاق السنهوري –الوسيط في شرح القانون المدني الجديد –مصادر الالتزام, المرجع السابق, فقرة 645 –ص968. ↑
-
() فالمادة (209 /1) من القانون المدني العراقي تنص على انه ((تعين المحكمة طريقة التعويض تبعا للظروف ويصح ان يكون التعويض اقساطاً أو إيرادا مرتبا ويجوز في هذه الحالة الزام المدين بان يقدم تأميناً)). ↑
-
() د. سعدون العامري –المرجع السابق –ص154. ↑
-
() د , جاسم العبودي .المصادر – المرجع السابق – ص 128,129 ↑
-
() د, حسن علي الذنون –المبسوط في المسؤولية المدنية – المرجع السابق –ص 286 ↑
-
() إذ نصت على ما يأتي ((ولا يكون التعويض الاتفاقي مستحقاً اذا اثبت المدين ان الدائن لم يلحقه أي ضرر ويجوز تخفيفه اذا اثبت المدين ان التقدير كان فادحا او ان الالتزام الأصلي قد نفذ في جزء منه ويقع باطلا كل اتفاق يخالف أحكام هذه الفقرة)) وتقابلها المادة (244) من القانون المدني المصري، ↑
-
() وهي تنص على انه ((الصلح عقد يرفع النزاع ويقطع الخصومة بالتراضي))، ↑
-
() د. عبد الرزاق السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني العقود التي تقع على الملكية – الهبة والشركة والقرض والدخل الدائم والصلح – الناشر – دار النهضة العربية , القاهرة سنة 1962 – ص534. ↑
-
() د. حسن علي الذنون – المبسوط في المسؤولية المدنية – الضرر – المرجع السابق – ص265، ↑
-
() د. حسن علي الذنون , المرجع نفسه,ص265، ↑
-
() تنص المادة (170/1) من القانون المدني العراقي على انه ((يجوز للمتعاقدين ان يحددا مقدما قيمة التعويض بالنص عليها في العقد او في اتفاق لاحق ويراعي في هذه الحالة أحكام المواد 168 و256و257 و258)). ↑
-
() تنص المادة (170/3) من تقنيننا المدني على ان ((أما اذا جاوز الضرر قيمة التعويض الاتفاقي فلا يجوز للدائن ان يطالب بأكثر من هذه القيمة ألا اذا اثبت ان المدين قد ارتكب غشاً أو خطأ جسيماً )) وتقابلها المادة (225) من القانون المدني المصري، ↑
-
() د. حسن علي الذنون –المبسوط في المسؤولية المدنية –المرجع السابق –ص258، ↑
-
() د. جاسم العبودي –المصادر –المرجع السابق –ص129. ↑
-
() د.احمد شرف الدين –مسؤولية الطبيب –المرجع السابق –ص119. ↑
-
() د. محمد حسين منصور –المسؤولية الطبية –المرجع السابق –ص133. ↑
-
() د.جاسم العبودي ، الصادر –المرجع السابق –ص129. ↑
-
() د. سعدون العامري –المرجع السابق –ص207 ، وانظر كذلك د. جاسم العبودي ، المصادر ، المرجع السابق –ص129. ↑
-
() د. جاسم العبودي –المصادر –المرجع السابق –ص129. ↑
-
() وهذا ما قضت به المادة (210) من تقنيتنا المدني بقولها ((يجوز للمحكمة ان تنقص مقدار التعويض أو ألا تحكم بتعويض ما اذا كان المتضرر قد اشترك بخطئه في احداث الضرر أو زاد فيه أو كان قد سوأ مركز المدين)). ↑
-
() د. عبد الرزاق السنهوري –الوسيط في شرح القانون المدني الجديد – مصادر الألتزام , المرجع السابق –ص59. ↑
-
() د. محمد حسين منصور –المسؤولية الطبية –المرجع السابق –ص133. ↑
-
() تقابلها المادة (170) من القانون المدني المصري ، أما قانون الالتزامات السويسري فقد قضت المادة (46) منه بأعاده النظر في تقدير التعويض عن الأضرار الجسيمة ، ولكنه لم يجز سماع الدعوى في هذا الخصوص الأخلال سنتين من وقت صدور الحكم الأول. ↑
-
() د. عبد الرزاق السنهوري –الوسيط في شرح القانون المدني الجديد – مصادر الالتزام , المرجع السابق,ص861 . ↑
-
() انظر د. حسن علي الذنون –النظرية العامة للالتزامات ، جـ1 ، مصادر الالتزامات 1964، ص272 ، وكذلك الدكتور سليمان مرقس ، الوافي في شرح القانون المدني في الفعل الضار والمسؤولية المدنية ، القسم الأول ، الأحكام العامة ، ط5 ، مطبعة السلام –القاهرة ،1988 –ص140. ↑
-
(1) د, عبد الرشيد مأمون – التأمين من المسؤولية المدنية في المجال الـطبـي– الناشر دار النهضة العربية – القاهرة – بدون سنة طبع ص58 ↑