Article 63

ملامح الدورة الاقتصادية الزمنية في سورة يوسف عليه السلام: دراسة تحليلية مقارنة بالنظريات الاقتصادية الحديثة

عبدالرحمن بن عبدالله النصيان1

1 جامعة صباح الدين زعيم، إسطنبول، تركيا.

Features of the Temporal Economic Cycle in Surah Yusuf: An Analytical-Comparative Study with Modern Economic Theories

Abdulrahman bin Abdullah Al-Nusyan¹

¹ Sabahattin Zaim University, Istanbul, Turkey.

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj76/63

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/76/63

المجلد (7) العدد (6). الصفحات: 1142 - 1155

تاريخ الاستقبال: 2026-05-20 | تاريخ القبول: 2026-05-25 | تاريخ النشر: 2026-06-01

Download PDF

Cite / الاستشهاد

المستخلص: يتناول هذا البحث الملامح الاقتصادية الزمنية في سورة يوسف عليه السلام، ولا سيما الآيات الكريمة المتعلقة برؤيا الملك وتأويل النبي يوسف عليه السلام لها، والمتضمنة لتتابع زمني اقتصادي مركب يبدأ بسبع سنوات من الدأب والإنتاج وبناء الفائض، ثم سبع سنوات من الشدة والندرة واستهلاك المخزون، ثم عام الغوث وعودة النشاط. ويسعى البحث إلى تحليل هذه الملامح تحليلاً نصياً دقيقاً من خلال مصادر التفسير المعتمدة، ثم مقارنتها بأبرز نظريات الدورات الاقتصادية في الأدبيات الحديثة، وهي: دورة جوغلار في التوسع المتوسط الأجل، ودورة كيتشن في إدارة المخزون، ومنهج بيرنز وميتشل في قياس الدورة الاقتصادية وتوصيف مراحلها، فضلاً عن إطار السياسات المعاكسة للدورة الصادر عن لجنة بازل للرقابة المصرفية. ويعتمد البحث المنهج التحليلي المقارن، مع الحرص على ضبط حدود المقارنة وعدم الادعاء بالتطابق الاصطلاحي أو النظري بين النموذج القرآني والنماذج الاقتصادية الوضعية. وقد خلص البحث إلى أن سورة يوسف تعرض بنية تدبيرية زمنية مركبة تقوم على ثلاثية متسقة: الإنتاج وبناء الاحتياطي، ثم الندرة والاستهلاك المحسوب، ثم الغوث والتعافي؛ وأن هذه البنية تتقاطع وظيفياً مع عدد من المفاهيم الاقتصادية الحديثة في إدارة التقلبات والمخزون والسياسات الوقائية، مع بقاء الفارق الجوهري في المصدر والمنهج والمآل بين النصين.

الكلمات المفتاحية: الدورة الاقتصادية، سورة يوسف، دورة جوغلار، دورة كيتشن، المخزون الاستراتيجي، السياسات المعاكسة للدورة، الاقتصاد الإسلامي المقارن، إدارة التقلبات الاقتصادية.

Abstract: This study examines the temporal economic features embedded in Surah Yusuf of the Holy Quran, specifically the verses relating to Pharaoh's vision and Prophet Yusuf's interpretation thereof (Quran 12:47–49). These verses present a compound temporal-economic sequence consisting of seven years of diligent agricultural production and surplus accumulation, followed by seven years of severe scarcity and inventory consumption, concluding with a year of relief and renewed productivity. Employing an analytical-comparative methodology, this research first extracts the economic features from within the Quranic text's own structural logic via classical exegetical sources (Tafsir), and then compares these features with major modern business cycle frameworks, namely Juglar's medium-term investment cycle, Kitchin's inventory cycle, Burns and Mitchell's business cycle measurement methodology, and the Basel Committee's countercyclical capital buffer framework. The study maintains rigorous methodological constraints, eschewing claims of terminological equivalence or historical priority. Findings indicate that Surah Yusuf presents a coherent tri-phase economic management model—production and surplus-building, scarcity and rationed inventory consumption, and relief with recovery—which exhibits functional parallels with several modern economic cycle frameworks, particularly regarding inventory management, countercyclical reserve-building, and staged economic recovery, despite fundamental differences in source, methodology, and context.

Keywords: Business Cycles, Surah Yusuf, Juglar Cycle, Kitchin Cycle, Strategic Inventory, Countercyclical Policies, Comparative Islamic Economics, Economic Fluctuation Management.

مقدمة.

يستأثر القرآن الكريم باعتباره المصدر الأول للتشريع والهداية الإسلامية بحضور محوري في بناء التصور الإسلامي للحياة الاقتصادية والاجتماعية؛ لا بوصفه معجماً اصطلاحياً في علم الاقتصاد بمفهومه الوضعي الحديث، وإنما بوصفه كتاباً هادياً يكشف عن السنن الكبرى التي تحكم حركة الإنسان والمجتمع في المورد والرزق والابتلاء والتدبير. ومن ثم فإن استنطاق الدلالات الاقتصادية في النص القرآني لا يعني تحميله مفاهيم تقنية لاحقة عليه، بل يعني الكشف عن توجيهاته السننية والتدبيرية التي تسهم في تأسيس وعي اقتصادي رشيد.

وتُعدّ سورة يوسف عليه السلام من أبرز السور القرآنية التي يتضمن نصها مشهداً اقتصادياً واضح المعالم، يرتبط بإدارة مورد غذائي استراتيجي في سياق زمني ممتد يجمع بين الوفرة والندرة والسعة والشدة والتخطيط والتوزيع. وقد عرضت السورة رؤيا الملك وما تضمنته من إشارة إلى دورة زمنية اقتصادية متتابعة المراحل: سبع سنوات من العمل المتواصل والإنتاج، يعقبها سبع سنوات من الشدة والندرة، ثم عام يُغاث فيه الناس وتعود فيه مظاهر النشاط الاقتصادي. وقد قرن النبي يوسف عليه السلام تأويل هذه الرؤيا بخطة تدبيرية عملية تشمل آليات الإنتاج وحفظ الفائض وترشيد الاستهلاك واستخدام المخزون ثم الانتقال إلى مرحلة التعافي،وعلى الرغم من أن الدراسات القرآنية والاقتصادية الإسلامية أولت جانباً من الاهتمام لهذه الجوانب، إلا أن المعالجة التحليلية المقارنة بين النموذج اليوسفي والنظريات الاقتصادية الحديثة في الدورات لا تزال تحتاج إلى مزيد من التعمق المنهجي، لا سيما فيما يتعلق بمقارنة بنية التتابع الزمني الاقتصادي في السورة بنظريات بيرنز وميتشل، وجوغلار، وكيتشن، وإطار السياسات المعاكسة للدورة.

ومن هذا المنطلق يسعى هذا البحث إلى تقديم قراءة تحليلية مقارنة منضبطة، تنطلق من داخل النص القرآني وتفسيره، ثم تبني جسراً مقارناً مع الأدبيات الاقتصادية الحديثة، دون ادعاء المطابقة أو السبق الاصطلاحي، وإنما بغرض الكشف عن التقارب الوظيفي والزمني بين البنيتين.

أولاً: إشكالية البحث

تنبع إشكالية البحث من أن الآيات المتعلقة برؤيا ملك مصر وتأويل النبي يوسف عليه السلام لها تعرض نسقاً زمنياً اقتصادياً ذا بنية تتابعية واضحة، يتمثل في تعاقب الوفرة والندرة والتعافي، ومقروناً بمنظومة تدبيرية تشمل الإنتاج وحفظ الفائض وإدارة المخزون وترشيد الاستهلاك. غير أن هذا النسق لم يحظَ بدراسة مقارنة كافية تربطه بنظريات الدورات الاقتصادية الحديثة من حيث البنية الزمنية والوظائف الاقتصادية وآليات التدخل.

ويتمثل سؤال الإشكالية الرئيس في: إلى أي مدى تكشف سورة يوسف عليه السلام عن ملامح دورة اقتصادية زمنية مركبة تقوم على تعاقب الدأب والإنتاج وبناء الفائض، ثم الشدة والندرة والانكماش، ثم الغوث والتعافي، وكيف يمكن مقارنتها بالنظريات الاقتصادية الحديثة في تفسير الدورات الاقتصادية وإدارة تقلباتها؟

ثانياً: فرضية البحث

تفترض الدراسة أن سورة يوسف عليه السلام تعرض ملامح دورة اقتصادية زمنية مركبة، تتكون من مرحلة إنتاج وفائض، تليها مرحلة ندرة وانكماش، ثم مرحلة غوث وتعافٍ، وأن هذه الملامح يمكن مقارنتها بالنظريات الاقتصادية الحديثة في الدورات من حيث البنية الزمنية والوظيفة الاقتصادية وآليات إدارة التقلبات، دون ادعاء التطابق الاصطلاحي أو النظري بينها.

ثالثاً: أهمية البحث

تنبع أهمية هذا البحث من كونه يتناول ملامح الدورة الاقتصادية في سورة يوسف عليه السلام من زاوية تحليلية مقارنة، تكشف عن تعاقب زمني بين الوفرة والندرة والتعافي، وعن منظومة تدبيرية متكاملة تقوم على الإنتاج وحفظ الفائض وترشيد الاستهلاك وإدارة المخزون. كما تظهر أهمية الموضوع في محاولته الربط المنهجي الحذر بين النموذج اليوسفي والنظريات الاقتصادية الحديثة، لا على سبيل المطابقة أو الإسقاط، بل من خلال المقارنة بين المراحل والوظائف والآليات التدبيرية. ويكتسب البحث قيمة إضافية من تركيزه على التخطيط الاستباقي وبناء الاحتياطات في زمن الرخاء لمواجهة زمن الشدة، وهي فكرة تلتقي وظيفياً مع بعض التصورات الحديثة في السياسات الاقتصادية المعاكسة للدورة. كذلك يُسهم البحث في إثراء حقل الاقتصاد الإسلامي بموضوع الدورات الزمنية الذي يحتاج إلى مزيد من الدراسة المنهجية.

رابعاً: منهج البحث

يعتمد البحث على المنهج التحليلي المقارن؛ إذ يقوم أولاً بتحليل الآيات المتعلقة برؤيا الملك وتأويل يوسف عليه السلام لها من خلال مصادر التفسير الكبرى، واستخراج ما تتضمنه من ملامح زمنية واقتصادية، ثم يعرض أبرز النظريات الحديثة في الدورات الاقتصادية في مصادرها الأصلية، ليقارن بينها وبين الملامح الاقتصادية في السورة من حيث المراحل والوظائف وآليات التدبير، مع مراعاة الفارق المنهجي بين النص القرآني بوصفه نصاً هادياً كاشفاً للسنن، والنظريات الاقتصادية الحديثة بوصفها نماذج تفسيرية وضعية ذات أدوات كمية وتاريخية مختلفة.

المبحث الأول: مفهوم الدورة الاقتصادية ومراحلها في الأدبيات الاقتصادية الحديثة

يتناول هذا المبحث المداخل النظرية الأساسية التي ستُستخدم أداةً للمقارنة في المبحث الثالث؛ ولا يُراد من هذا العرض إسقاط هذه المفاهيم على النص القرآني، وإنما توفير لغة تحليلية ضابطة تساعد على بناء المقارنة بصورة منهجية منضبطة.

أولاً: مفهوم الدورة الاقتصادية

تُعدّ الدورة الاقتصادية من المفاهيم المركزية في الاقتصاد الكلي الحديث؛ إذ تشير إلى تلك التقلبات المتكررة في مستوى النشاط الاقتصادي الكلي عبر الزمن، حيث ينتقل الاقتصاد من مرحلة توسع ورواج إلى مرحلة تباطؤ أو انكماش، ثم إلى مرحلة تعافٍ تفتح باب دورة جديدة. ومن أبرز التعريفات المؤسسة في هذا الميدان ما صاغه آرثر بيرنز ووسلي ميتشل في كتابهما المرجعي Measuring Business Cycles الصادر عن المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية (NBER) عام 1946م، إذ عرّفا الدورة الاقتصادية بأنها نمط من التوسعات التي تحدث في الوقت نفسه تقريباً في كثير من الأنشطة الاقتصادية، يعقبها ركود وانكماش عاميان عبر مجالات متعددة من النشاط، ثم انتعاش يُفضي إلى مرحلة توسع الدورة التالية[1].

وقد أكد بيرنز وميتشل أن هذا التسلسل متكرر لكنه غير دوري بالمعنى الرياضي الصارم، وأن مدة الدورات تتفاوت من أكثر من سنة إلى عشر سنوات أو اثنتي عشرة سنة، فضلاً عن أن الدورة الاقتصادية لا تقتصر على مؤشر واحد، بل تشمل تحركات متزامنة في طيف واسع من مؤشرات النشاط الاقتصادي[2]

وتكمن أهمية هذا التعريف للبحث في أمرين رئيسين: أولهما أن الدورة حركة كلية تشمل مؤشرات متعددة لا مؤشراً واحداً؛ وثانيهما التمييز الدقيق بين التكرار والانتظام الرياضي الصارم، وهو تمييز محوري عند مقارنة البنية الزمنية في سورة يوسف بهذه النظريات; لأن السورة تعرض تتابعاً زمنياً محدداً (7+7+1) ، في حين لا تشترط الأدبيات الحديثة أن تكون الدورات متساوية المدة[3].

ثانياً: مراحل الدورة الاقتصادية

تُقسَّم الدورة الاقتصادية في الأدبيات الحديثة إلى مراحل متتابعة، أبرزها:

  1. مرحلة التوسع والرواج: يرتفع فيها النشاط الاقتصادي، وتتسع الاستثمارات، ويتحسن الإنتاج، والتوظيف والدخل.

2-مرحلة الذروة: يبلغ فيها النشاط الاقتصادي مستواه الأعلى، وقد تبدو فيها مؤشرات الإفراط في التوسع.

3-مرحلة الانكماش والركود: يتراجع فيها النشاط الاقتصادي، وتنخفض مؤشرات الإنتاج والطلب والاستثمار.

4- مرحلة القاع: يبلغ فيها الانكماش حده الأدنى قبل بداية بوادر التحسن

5- مرحلة التعافي والانتعاش: تتحسن فيها المؤشرات الاقتصادية تدريجياً، ويعود النشاط إلى مستوياته الطبيعية.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه التقسيمات المرحلية لا تُذكر هنا بغرض إسقاطها على سورة يوسف، وإنما باعتبارها لغة تحليلية توفر أدوات فهم للبنية العامة للدورة. فالنص القرآني يعرض ثلاث مراحل كبرى وظيفياً لا من حيث المطابقة الفنية: مرحلة الدأب والإنتاج، ثم الشدة والندرة، ثم الغوث والتعافي[4].

ثالثاً: دورة كيتشن ودلالة المخزون

نشر الاقتصادي جوزيف كيتشن عام 1923م دراسة تأسيسية بعنوان: Cycles and Trends in Economic Factors في مجلة The Review of Economic Statistics، اقترح فيها أن حركة العوامل الاقتصادية تتكون من دورات قصيرة يبلغ متوسطها نحو أربعين شهراً، إضافة إلى اتجاهات أساسية أطول[5].

وتصلح دورة كيتشن في هذا البحث مدخلاً تحليلياً من جهة خاصة لا من جهة التطابق الزمني الكامل، وهي جهة إدارة المخزون وعلاقتها بالتقلبات الاقتصادية. فقد أبرزت هذه الدورة أن تراكم المخزون في مرحلة التوسع وتصريفه في مرحلة الانكماش يمثل آلية رئيسة في تفسير التقلبات القصيرة الأمد[6]

رابعاً: دورة جوغلار ودلالة الامتداد المتوسط

يعود فضل الاهتمام المنهجي بالأزمات التجارية الدورية إلى الاقتصادي الفرنسي كليمان جوغلار الذي نشر عام 1862م كتابه المرجعي Des crises commerciales et de leur retour périodique en France, en Angleterre et aux États-Unis متتبعاً فيه الأزمات التجارية وعودتها الدورية في ثلاثة اقتصادات كبرى[7].

وتفيد دورة جوغلار هذا البحث من جهة الامتداد الزمني المتوسط؛ إذ اقترنت في الأدبيات الاقتصادية اللاحقة بدورات الأعمال والاستثمار التي تمتد عدة سنوات. بيد أن التحفظ المنهجي المطلوب هنا أن جوغلار انطلق أساساً من رصد الأزمات التجارية الصناعية والمالية، بينما السياق القرآني سياق زراعي غذائي مختلف؛ فالمقارنة ستكون وظيفية من حيث وجود مرحلة ممتدة من النشاط تسبق مرحلة ضغط أو أزمة، لا من حيث التطابق في الأداة أو البيئة أو المعطيات الكمية[8].

خامساً: منهج بيرنز وميتشل في قياس الدورة

لا تقتصر أهمية بيرنز وميتشل على تعريف الدورة الاقتصادية، بل تمتد إلى منهجهما التحليلي في قياسها؛ إذ أكدا أن الدورة لا تُفهم من مؤشر واحد، بل من مراقبة حركات متزامنة في مجموعة واسعة من المؤشرات الاقتصادية، مع رصد علاقات التقدم والتأخر بين هذه المؤشرات، وتحديد نقاط التحول في مراحل التوسع والانكماش[9].

ويفيد هذا المنهج البحث في بناء قراءة أكثر تركيباً للنموذج اليوسفي؛ فالدورة في سورة يوسف لا تُقرأ من الرقم الزمني وحده (7+7+1) بل من مجموعة مؤشرات داخل النص تشمل: الزراعة والحصاد، وحفظ الحبوب في سنابلها، والاستهلاك المحدود، ثم الندرة واستهلاك المخزون، ثم الغوث وعودة العصر.

سادساً: السياسات المعاكسة للدورة وبناء الاحتياطات

يُعد مفهوم السياسات المعاكسة للدورة (Countercyclical Policies) من أبرز المفاهيم ذات الصلة بهذا البحث؛ إذ يقوم على فكرة تكوين احتياطيات في فترات الرواج، ثم استخدامها في تخفيف أثر الانكماش. وقد تجلّى هذا المفهوم بوضوح في إطار المصد الرأسمالي المعاكس للدورة (Countercyclical Capital Buffer) الصادر عن لجنة بازل للرقابة المصرفية التابعة لبنك التسويات الدولية؛ إذ أوضحت وثيقة الإرشادات الصادرة عام 2010م أن الهدف الرئيس من هذا المصد هو توظيف احتياطي رأسمالي لحماية القطاع المصرفي من فترات النمو الائتماني المفرط المرتبطة بتراكم المخاطر النظامية، مع المحافظة على تدفق الائتمان إلى الاقتصاد في مراحل الضغط[10].

وتظهر أهمية هذا المفهوم عند مقارنة التدبير اليوسفي؛ لأن النص القرآني يتضمن سياسة وقائية مبنية في زمن السعة لتُستخدم في زمن الشدة، وهو ما يلتقي وظيفياً مع منطق هذه السياسات مع الفارق الجوهري في المجال والأداة والسياق[11].

خلاصة المبحث الأول

يتضح من هذا العرض أن الأدبيات الاقتصادية الحديثة قدمت مداخل متعددة لفهم الدورة الاقتصادية وإدارتها: فبيرنز وميتشل يقدمان تعريفاً ومنهجاً في القياس، وكيتشن يُبرز أهمية المخزون في الدورات القصيرة، وجوغلار يفتح باب الحديث عن الأزمات التجارية ذات الامتداد المتوسط، والسياسات المعاكسة للدورة تُركّز على بناء الاحتياطات في الرواج لمواجهة الضغط. وهذه المداخل مجتمعةً توفر الإطار التحليلي المقارن الذي سيُطبَّق على النموذج اليوسفي في المبحث التالي.

المبحث الثاني: ملامح الدورة الاقتصادية في سورة يوسف عليه السلام

الآيات التي يقوم عليها هذا المبحث هي قوله تعالى: (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ). (سورة يوسف 47 – 49).

ولا تُقرأ هذه الآيات قراءة اقتصادية منفصلة عن سياقها القرآني، بل تُقرأ بوصفها موضعاً اجتمعت فيه الرؤيا والتأويل والتدبير وإدارة الموارد والتخطيط للمستقبل. ومن ثم فإن الحديث عن “ملامح دورة اقتصادية” في سورة يوسف لا يعني أن السورة تعرض نظرية اقتصادية بالمفهوم الاصطلاحي الحديث، وإنما يعني أنها تعرض بنية زمنية تدبيرية قابلة للتحليل الاقتصادي المقارن.

أولاً: مرحلة الدأب والإنتاج: (تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا)

فسّر الطبري لفظ الدأب بأنه العادة والاستمرار على الجد في العمل؛ أي أن الزراعة تجري في هذه السنوات السبع على نسق متواصل من العمل الدؤوب لا ينقطع[12].

وتكشف هذه المرحلة عن ثلاث دلالات اقتصادية جوهرية: أولاها استمرار النشاط الإنتاجي دون انقطاع خلال مدة زمنية ممتدة، وثانيها أن هذا الامتداد يُهيئ لتراكم فائض يمكن توظيفه في المرحلة اللاحقة، وثالثها أن مرحلة الوفرة لا تُفهم باعتبارها فرصة للتوسع الاستهلاكي المفتوح، بل باعتبارها زمن عمل وإنتاج وإعداد. فالرخاء في النموذج اليوسفي ليس مرحلة راحة، بل مرحلة دأب.

ثانياً: مرحلة إدارة المخزون: النص القرآني: (فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ)

ذكر القرطبي في تفسير هذه الآية أن ترك الحبوب في سنابلها قيل فيه: “لئلا يتسوس، وليكون أبقى”، وأن التوجيه بالترك في السنابل يعني حفظ المحصول بأفضل طريقة ممكنة لإطالة عمره وصون قيمته الغذائية[13].

وأضاف ابن كثير أن الخصب والمطر يأتيان في هذه السنوات السبع متواليين، وأن التوجيه الإلهي هو إبقاء ما يُحصد في سنبله إلا ما يُحتاج إليه للأكل في الحال[14].

وتتضمن هذه المرحلة أربع دلالات اقتصادية بارزة: الأولى حفظ القيمة الاقتصادية للمورد من خلال الأسلوب الأمثل للتخزين، والثانية تقليل الهدر ومنع الفساد وهو ما يعادل في المصطلح الحديث الحدّ من الفاقد في مرحلة ما بعد الحصاد، والثالثة بناء مخزون استراتيجي طويل الأجل لا مخزون تجاري قصير المدى، والرابعة الفصل المبدئي بين مرحلة الإنتاج ومرحلة الاستهلاك بحيث لا يُستهلك الناتج فور إنتاجه.

ثالثاً: مرحلة ترشيد الاستهلاك في زمن السعة: النص القرآني الكريم: (إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ)

أشار القرطبي إلى أن معنى هذه العبارة هو استخراج ما يحتاجون إليه بقدر الحاجة فقط دون زيادة[15].

وتحمل هذه العبارة دلالة تدبيرية عميقة؛ لأنها تُقرر مبدأ ضبط الاستهلاك في مرحلة الوفرة قبل حلول الأزمة. ويمكن فهم هذه الدلالة من ثلاثة مستويات: أولها الاستهلاك بقدر الحاجة الفعلية لا بقدر القدرة الشرائية أو الإنتاجية، وثانيها تأجيل جزء من الاستهلاك الممكن حفاظاً على الفائض لمرحلة الندرة، وثالثها تحويل السلوك الاستهلاكي من خيار فردي إلى سياسة عامة تشمل المجتمع كله. فالثنائية التي تصنع الفائض إذن هي: إنتاج مرتفع مقترن باستهلاك مضبوط.

رابعاً: مرحلة الشدة والندرة: النص القرآني الكريم: (ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ)

تمثل هذه المرحلة الانتقال إلى زمن الأزمة في البناء اليوسفي. ووصف هذه السنوات بـ(شداد) يدل على القسوة والضيق وشدة الضغط. وتتميز هذه المرحلة بخصائص اقتصادية بارزة: أولها أنها معلومة قبل وقوعها مما يجعل التدبير استباقياً، وثانيها امتدادها زمنياً سبع سنوات كاملة مما يجعلها أزمة هيكلية لا عارضة، وثالثها أنها تأتي في أعقاب مرحلة وفرة وهذا هو جوهر البنية الدورية في النموذج، ورابعها أنها تستهلك ما أُعدّ لها في المرحلة السابقة.

خامساً: مرحلة استهلاك المخزون: النص القرآني الكريم: (يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ)

تربط هذه العبارة الدالة مباشرةً بين ما أُعدّ في سنوات الدأب وما سيُستهلك في سنوات الشدة. فالأزمة لا تُدار بموارد الأزمة فقط، بل بما جرى إعداده قبلها. وهذا يكشف عن مبدأ اقتصادي جوهري: كل مرحلة اقتصادية تحمل في طياتها آثار ما سبقها، والوفرة إذا أُحسن تدبيرها تصبح جسراً يعبر المجتمع من خلاله مرحلة الندرة.

سادساً: مرحلة إبقاء الحد الأدنى من الاحتياطي: النص القرآني الكريم: (إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ)

لفظ تُحصِنون يحمل دلالة أدق من مجرد “تدخرون”؛إذ يوحي بالحصانة والحماية والصون النشط للمورد.وقد أشار الطبري إلى أن هذا القليل المحصَّن هو ما سيُستخدم للبذر والاستئناف عند انقض الشدة[16].

وتمثل هذه العبارة مبدأ اقتصادياً محورياً وهو عدم استنزاف الاحتياطي كله حتى في ذروة الأزمة. فإدارة الأزمة لا تعني استهلاكاً عشوائياً للمخزون، بل استخداماً محسوباً مع إبقاء حدٍّ أدنى محمي يضمن القدرة على الاستئناف بعد انتهاء الأزمة. ويمكن استخلاص ثلاث قواعد تدبيرية: الأزمة لا تبرر استنزاف كامل الاحتياطي؛ ولا بد من حد أدنى آمن من الموارد؛ والتوزيع في زمن الشدة يجب أن يكون محسوباً لا مفتوحاً.

سابعاً: مرحلة الغوث والتعافي: النص القرآني الكريم: (ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ)

فسّر ابن كثير لفظ يُغاث بأنه رفع الشدة ونزول الغيث وتيسير الأسباب بعد شدة الضيق[17].

وتمثل هذه المرحلة انفراج الأزمة وبداية التحول نحو الانتعاش؛ فهي نهاية الضغط، وبداية تحسن الموارد،وانتقال المجتمع من وضع الأزمة إلى وضع النشاط. وهذه المرحلة مهمة في بناء البحث لأنها تجع الدورة اليوسفية لا تنتهي عند الأزمة، بل تكتمل بمرحلة خروج منها.

ثمة ملاحظة منهجية دقيقة لها أثر مباشر في تكييف الدلالة الاقتصادية للدورة اليوسفية؛وهي أن الآية التاسعة والأربعين: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ لم تكن واردةً في رؤيا الملك، وإنما أضافها يوسف عليه السلام من عنده في التأويل، استناداً إلى علم أطلعه الله عليه وقد أجمع المفسرون على هذا المعنى على اختلاف عباراتهم.

فقد قال الطبري صراحةً في تفسير هذه الآية: “وهذا خبرٌ من يوسف عليه السلام للقوم عما لم يكن في رؤيا ملكهم، ولكنه من علم الغيب الذي آتاه الله دلالةً على نبوته وحجةً على صدقه”، ثم نقل عن قتادة قوله: “ثم زاده الله علم سنة لم يسألوه عنها، فقال: ﴿ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون﴾”، ونقل كذلك عن ابن عباس أنه قال: “أخبرهم بشيء لم يسألوه عنه، وكان الله قد علمه إياه”[18].

وسار القرطبي في الاتجاه ذاته فقال: “هذا خبر من يوسف – عليه السلام – عما لم يكن في رؤيا الملك، ولكنه من علم الغيب الذي أتاه الله”، ونقل عن قتادة قوله: “زاده الله علم سنة لم يسألوه عنها إظهاراً لفضله وإعلاماً لمكانه من العلم ومعرفته”[19].

أما ابن كثير فقد أشار إلى هذا المعنى من جهة الإخبار بالتعافي إذ قال في تفسير الآية: “ثم بشّرهم بعد الجدب في العام المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك عام فيه يغاث الناس”، مما يدل على أن ذكر هذا العام كان بشارة تجاوزت حدود السؤال ومضمون الرؤيا[20].

وتكتسب هذه الملاحظة أهمية بحثية خاصة في هذا السياق؛ لأنها تكشف أن مرحلة التعافي – التي تُمثّل الحلقة الأخيرة في الدورة الاقتصادية اليوسفية – لم تُستقرأ من صور الرؤيا وحدها، بل جاءت إضافةً استباقيةً من يوسف عليه السلام نبعت من استبصار اقتصادي عميق يدرك أن دورة الشدة لا بد أن تُختم بانفراج وعودة نشاط. وهذا يعني من الناحية التحليلية أن الدورة الاقتصادية في النموذج اليوسفي لم تُكتفَ فيها بقراءة الحدث الراهن، بل امتدت إلى استشراف المآل وإتمام بنية الدورة بأكملها. وهو ما يزيد من عمق الدلالة الاقتصادية للنموذج، ويؤكد أن ملمح التعافي فيه كان قصداً تدبيرياً لا مجرد وصف عارض.

ثامناً: مرحلة عودة النشاط الإنتاجي: النص القرآني الكريم: (وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)

قال القرطبي في معنى يعصرون: أي يعصرون العنب والزيتون والسمسم وما أشبهه، مما يدل على عودة الوفرة وتنوع الإنتاج[21].

وتُضيف هذه العبارة معنى اقتصادياً يتجاوز مجرد النجاة من الجوع؛ فهي تشير إلى عودة النشاط التحويلي والإنتاجي والاستهلاكي في آنٍ واحد. فعام الغوث ليس فقط عام إغاثة، بل عام استئناف الدورة الاقتصادية بعد انقطاعها.

خلاصة المبحث الثاني: جدول الملامح الاقتصادية في سورة يوسف

يمكن تلخيص الملامح الرئيسة للدورة الاقتصادية في سورة يوسف على النحو الآتي:

الدلالة الاقتصادية النص القرآني المرحلة
عمل مستمر، إنتاج، بناء فائض طويل الأجل تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا
  1. مرحلة الإنتاج
إدارة المخزون، حفظ القيمة، تقليل الهدر فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ
  1. مرحلة التخزين
ترشيد الاستهلاك في زمن السعة إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ
  1. ضبط الاستهلاك
أزمة، ندرة حادة، انكماش في الموارد سَبْعٌ شِدَادٌ
  1. مرحلة الندرة
استخدام المخزون السابق لتغطية الاحتياجات يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ
  1. استهلاك الاحتياطي
عدم استنزاف المخزون كلياً؛ الحفاظ على الحد الأدنى إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ
  1. حفظ الحد الأدنى
انفراج الأزمة، عودة الموارد، بداية التعافي عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ
  1. مرحلة الغوث
عودة الإنتاج التحويلي والاستهلاك الطبيعي وَفِيهِ يَعْصِرُونَ
  1. استئناف النشاط

المبحث الثالث: التحليل المقارن وضوابطه المنهجية

أولاً: الإطار المنهجي للمقارنة وحدودها

لا تقوم المقارنة في هذا البحث على دعوى التطابق بين ما تعرضه سورة يوسف عليه السلام وبين النظريات الاقتصادية الحديثة في الدورات، وإنما تقوم على دراسة أوجه التقارب في البنية والوظيفة والمراحل. فالنص القرآني يعرض واقعة ذات دلالة سننية وتدبيرية، تتصل بإدارة الموارد في سياق زمني محدد بإطار عقدي وأخلاقي وتشريعي واضح، بينما تنطلق النظريات الاقتصادية الحديثة من رصد الظواهر الاقتصادية وتحليل البيانات التاريخية وبناء النماذج التفسيرية الوضعية.

وتتجلى حدود المقارنة في ثلاثة محاور رئيسة: أولها اختلاف المصدر؛ فالدورة اليوسفية ذات أساس قرآني هادف يرتبط بالوحي والسنن الإلهية، في حين تقوم النظريات الحديثة على الاستقراء التاريخي والقياس الكمي. وثانيها اختلاف الموضوع؛ إذ تتناول السورة اقتصاداً زراعياً غذائياً يعتمد على الحبوب والمحاصيل، بينما تتناول نظريات الدورات الحديثة الاستثمار والائتمان والمخزون التجاري والإنتاج الصناعي. وثالثها اختلاف الأدوات؛ لأن التحليل الحديث يستخدم مؤشرات كمية ونماذج رياضية وقواعد بيانات تاريخية، بينما النص القرآني يعمل باللغة السننية والتدبيرية والإخبار بالمآلات.

ومع ذلك، فإن هذا الاختلاف الجوهري لا يمنع المقارنة الوظيفية؛ لأن الطرفين يشتركان في معالجة ظاهرة اقتصادية زمنية متعلقة بانتقال النشاط والموارد من حالة توسع وفرة إلى حالة ضيق وانكماش، ثم إلى حالة انفراج وتعافٍ. ولذلك فإن القيمة العلمية للمقارنة لا تكمن في إثبات أن سورة يوسف تطابق دورة جوغلار أو كيتشن، بل في بيان أن النص القرآني يكشف عن ملامح عميقة لإدارة التقلبات الاقتصادية عبر الزمن يمكن مقارنتها وظيفياً بهذه النظريات.

ثانياً: مصفوفة التحليل المقارن

يمكن عرض نتائج التحليل المقارن في المصفوفة الآتية:

طبيعة المقارنة المفهوم الحديث المقارن الدلالة الاقتصادية العنصر في سورة يوسف
مقارنة وظيفية وزمنية: امتداد متوسط للنشاط يسبق الأزمة؛ مع فارق في البيئة والأداة دورة جوغلار: امتداد زمني متوسط للتوسع والنشاط إنتاج مستمر، توسع، بناء فائض سبع سنين دأبًا
مقارنة وظيفية: إدارة المخزون لتخفيف التقلبات؛ مع فارق في المدة والنوع دورة كيتشن: المخزون والتقلبات القصيرة إدارة المحصول، حفظ القيمة، تقليل الهدر فذروه في سنبله
مقارنة تدبيرية: ضبط الطلب في زمن الوفرة؛ نادراً ما تعالجه السياسات الحديثة السياسات الوقائية وترشيد الطلب ضبط الاستهلاك في زمن السعة إلا قليلاً مما تأكلون
مقارنة مرحلية: أزمة بنيوية ممتدة؛ النموذج اليوسفي يتميز بالاستباق المعلوماتي مرحلة الركود والانكماش في دورات بيرنز وميتشل وجوغلار ندرة حادة، صدمة عرض، انكماش مورد سبع شداد
مقارنة وظيفية: استخدام الاحتياطي المبني مسبقاً للحد من أثر الأزمة المصد الرأسمالي المعاكس للدورة (لجنة بازل) استخدام المخزون المعدّ مسبقاً يأكلن ما قدمتم لهن
مقارنة تدبيرية: مبدأ الحد الأدنى الآمن من الاحتياطي لا يُستنزف كلياً إدارة المخاطر والاحتياط الاستراتيجي عدم استنزاف الاحتياطي كلياً إلا قليلاً مما تحصنون
مقارنة مرحلية: انفراج الأزمة وتحسن المؤشرات يقابلان مرحلة التعافي في الأدبيات الحديثة مرحلة التعافي في دورات بيرنز وميتشل انفراج،عودة الموارد، بداية التحسن عام فيه يغاث الناس
مقارنة وظيفية: استئناف الإنتاج والاستهلاك يوازي مرحلة الانتعاش في الدورات الحديثة مرحلة الانتعاش واستئناف النشاط الاقتصادي عودة النشاط الإنتاجي والتحويلي وفيه يعصرون

ثالثاً: التحليل التفصيلي للمقارنات

  1. المقارنة مع منهج بيرنز وميتشل

يفيد منهج بيرنز وميتشل هذا البحث من زاويتين: الأولى تعريفية، إذ يقدمان مفهوماً للدورة الاقتصادية لا يقتصر على مؤشر واحد، بل يشمل تحركات متزامنة في طيف واسع من المؤشرات؛ وهذا يوافق القراءة الأكثر تركيباً للنموذج اليوسفي الذي يُقرأ من مجموعة عناصر نصية لا من رقم زمني فقط. والثانية منهجية، إذ يؤكدان أن الدورة ليست دورية بالمعنى الرياضي الصارم، مما يتيح المقارنة مع البناء السباعي في السورة دون اشتراط التطابق العددي الكامل.

  1. المقارنة مع دورة جوغلار

يُستفاد من دورة جوغلار في هذا البحث من جهة الامتداد الزمني المتوسط الذي يسبق الأزمة. فكلا النموذجين يلاحظان وجود مرحلة ممتدة من النشاط يعقبها ضغط اقتصادي حاد. غير أن ثمة فوارق جوهرية: فجوغلار انطلق من رصد الأزمات التجارية والمالية في الاقتصادات الصناعية الأوروبية والأمريكية، ومؤشراته كمية تشمل أسعار الفائدة والقروض والأسعار؛ بينما السياق القرآني اقتصاد زراعي يعتمد على الموارد الطبيعية والحصاد. فالمقارنة هنا وظيفية زمنية محضة[22].

  1. المقارنة مع دورة كيتشن

تبرز قيمة دورة كيتشن في هذا البحث من جهة وظيفة المخزون، لا من جهة التطابق الزمني. فمقارنة التوجيه القرآني بالحفظ في السنابل بمنطق إدارة المخزون في تحليل كيتشن تكشف عن تشابه وظيفي واضح: كلا النموذجين يُقران بأن إدارة المخزون تُمثّل آلية محورية في الحد من حدة التقلبات الاقتصادية. والفارق أن مخزون كيتشن تجاري صناعي قصير الأمد مرتبط بالطلب والمعلومات، بينما المخزون اليوسفي غذائي استراتيجي طويل الأمد مرتبط بالبقاء المجتمعي[23].

  1. المقارنة مع السياسات المعاكسة للدورة

تتجلى أقوى أوجه التقارب الوظيفي في هذا المحور؛ إذ يقوم التدبير اليوسفي على منطق بناء الاحتياطي في زمن السعة واستخدامه في زمن الضغط، وهو المنطق ذاته الذي تقوم عليه السياسات المعاكسة للدورة. وقد أوضحت وثيقة لجنة بازل لعام 2010م أن المصد الرأسمالي المعاكس يُبنى في فترات النمو الائتماني ويُستخدم في فترات الضغط المالي[24].

ولكن الفارق الجوهري في الأداة والمجال: السياسات الحديثة تعمل في مجال المال والائتمان ورأس المال المصرفي، بينما يعمل التدبير اليوسفي في مجال الغذاء والمخزون الزراعي والنجاة المجتمعية. وهذا التقارب في المنطق التدبيري مع الاختلاف في الأداة هو ما يجعل المقارنة ذات قيمة بحثية دون أن تنزلق إلى ادعاء المطابقة[25].

الخاتمة والنتائج

أولاً: النتائج العامة

1.تكشف سورة يوسف عليه السلام عن بنية زمنية اقتصادية مركبة تتكون من ثلاث مراحل كبرى: مرحلة الإنتاج وبناء الفائض (سبع سنين دأباً)، ثم مرحلة الندرة واستهلاك المخزون (سبع شداد)، ثم مرحلة الغوث وعودة النشاط (عام الغوث والعصر). فالسورة لا تعرض أزمة غذائية عابرة، بل تعرض نسقاً تدبيرياً متكاملاً ذا أبعاد زمنية واضحة.

2. مرحلة الوفرة في النموذج اليوسفي ليست مرحلة توسع استهلاكي مفتوح، بل مرحلة دأب وإنتاج وحفظ. فقوله تعالى: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ يُقرر ثنائية الإنتاج المرتفع والاستهلاك المضبوط التي تصنع الفائض القادر على عبور الشدة.

3. المخزون يمثل محور الدورة اليوسفية ومفتاح نجاحها؛ إذ يعمل بوصفه جسراً بين مرحلة الوفرة ومرحلة الندرة. وهذا يمنح إدارة المخزون قيمة استراتيجية تتخطى الغرض التجاري قصير الأمد إلى غرض البقاء المجتمعي والاستدامة.

4. الترشيد حاضر في النموذج اليوسفي في مرحلتين بوظيفتين مختلفتين: ففي زمن الوفرة يظهر في ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ لبناء الفائض، وفي زمن الشدة يظهر في ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ لعدم استنزاف الاحتياطي.

5.التدبير في سورة يوسف استباقي لا استجابي؛ إذ بدأت سياسة الحفظ والترشيد في مرحلة الدأب قبل حلول الشدة بسبع سنوات. وهذه السمة الاستباقية تميز النموذج اليوسفي عن كثير من نماذج إدارة الأزمات الحديثة التي تركز على الاستجابة لا على الاستعداد.

ثانياً: نتائج التحليل المقارن

  1. المقارنة مع منهج بيرنز وميتشل: يُفيد هذا المنهج في قراءة الدورة اليوسفية باعتبارها حركة في مجموعة مؤشرات نصية متعددة (الزراعة، الحصاد، التخزين، الاستهلاك، الندرة، الغوث، العصر) لا في رقم زمني مجرد فحسب. ويؤكد التمييز بين التكرار والانتظام الرياضي الصارم، مما يتيح المقارنة مع البناء السباعي دون اشتراط التطابق العددي.

 

  1. المقارنة مع دورة جوغلار: تفيد من حيث الامتداد الزمني المتوسط ومرحلة التوسع التي تسبق الأزمة، مع الالتزام بالفارق الجوهري في البيئة الاقتصادية والأداة والمؤشرات.
  2. المقارنة مع دورة كيتشن: تفيد من حيث وظيفة المخزون في الحد من أثر التقلبات الاقتصادية، لا من حيث المدة الزمنية أو نوع الاقتصاد.
  3. المقارنة مع السياسات المعاكسة للدورة: تمثل أوضح وجه للتقارب الوظيفي؛ إذ يقوم التدبير اليوسفي على المنطق ذاته المتمثل في بناء الاحتياطي في زمن الرخاء لاستخدامه في زمن الشدة. والفارق في الأداة: النموذج اليوسفي غذائي زراعي، والسياسات الحديثة مالية مصرفية.

ثالثاً: النتائج المنهجية

  1. لا يصح ادعاء التطابق بين سورة يوسف والنظريات الاقتصادية الحديثة؛ فالمقارنة وظيفية زمنية منهجية، لا اصطلاحية رياضية. النص القرآني له مصدره ومقصده وسياقه، والنظريات الحديثة لها أدواتها ومؤشراتها وسياقاتها التاريخية.
  2. تصلح سورة يوسف لبناء نموذج قرآني تدبيري لإدارة التقلبات الاقتصادية، لا لنقل نظرية اقتصادية حديثة إليها. والمصطلح الأدق هو “ملامح دورة اقتصادية زمنية” لا “نظرية اقتصادية”.
  3. قيمة المقارنة تكمن في كشف الملامح وإبراز التقارب الوظيفي، لا في إثبات السبق،الاصطلاحي. البحث لا يقول إن سورة يوسف سبقت جوغلار أو كيتشن بالمعنى الفني، بل يُظهر أن النص القرآني يتضمن بنية تدبيرية عميقة يمكن مقارنتها بهذه النظريات من حيث الوظائف والمراحل.

النتيجة المركزية للبحث: تكشف سورة يوسف عليه السلام عن نموذج قرآني في إدارة التقلبات الاقتصادية عبر الزمن، يقوم على تحويل الوفرة إلى احتياط، وضبط الاستهلاك في مرحلتي السعة والشدة، واستخدام المخزون لعبور الندرة، ثم الانتقال إلى الغوث والتعافي.

ويتيح هذا النموذج مقارنة منهجية في النظريات الاقتصادية الحديثة في الدورات، لا على سبيل المطابقة، بل من حيث المراحل والوظائف وآليات إدارة التقلبات.

قائمة المصادر والمراجع

أولاً: القرآن الكريم

القرآن الكريم.

The Holy Qur’an.

ثانياً: كتب التفسير

ابن كثير، إسماعيل بن عمر. (2000). تفسير القرآن العظيم. تحقيق: سامي بن محمد السلامة. ط2، ج4. الرياض: دار طيبة للنشر والتوزيع.

Ibn Kathir, Ismail ibn Umar. (2000). Tafsir al-Qur’an al-Azim. Edited by Sami ibn Muhammad al-Salamah. 2nd ed., Vol. 4. Riyadh: Dar Taybah for Publishing and Distribution.

الطبري، محمد بن جرير. (2000). جامع البيان عن تأويل آي القرآن. تحقيق: أحمد محمد شاكر. ط1، ج16. القاهرة: مؤسسة الرسالة.

Al-Tabari, Muhammad ibn Jarir. (2000). Jami‘ al-Bayan ‘an Ta’wil Ay al-Qur’an. Edited by Ahmad Muhammad Shakir. 1st ed., Vol. 16. Cairo: Al-Resalah Foundation.

القرطبي، محمد بن أحمد. (1964). الجامع لأحكام القرآن. تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش. ط2، ج9. القاهرة: دار الكتب المصرية.

Al-Qurtubi, Muhammad ibn Ahmad. (1964). Al-Jami‘ li Ahkam al-Qur’an. Edited by Ahmad al-Barduni and Ibrahim Atfish. 2nd ed., Vol. 9. Cairo: Dar al-Kutub al-Misriyah.

ثالثاً: المصادر الاقتصادية الأجنبية

Burns, Arthur F., and Wesley C. Mitchell. (1946). Measuring Business Cycles. New York: National Bureau of Economic Research.

Juglar, Clément. (1862). Des crises commerciales et de leur retour périodique en France, en Angleterre et aux États-Unis. Paris: Guillaumin et Cie.

Kitchin, Joseph. (1923). “Cycles and Trends in Economic Factors.” The Review of Economics and Statistics, 5(1), 10–16. https://doi.org/10.2307/1927031

Zarnowitz, Victor. (1999). “Theory and History Behind Business Cycles: Are the 1990s the Onset of a Golden Age?” Journal of Economic Perspectives, 13(2), 69–90.

رابعاً: وثائق المنظمات الدولية

Basel Committee on Banking Supervision. (2010). Guidance for National Authorities Operating the Countercyclical Capital Buffer. Basel: Bank for International Settlements.

Bank for International Settlements. (2010). BIS Working Paper No. 317: The Countercyclical Capital Buffer Proposal. Basel: Bank for International Settlements.

خامساً: المواقع الإلكترونية الأكاديمية

مشروع تفسير القرآن الكريم، جامعة الملك سعود. تفسير الطبري لسورة يوسف، الآية 47. الرياض: جامعة الملك سعود.

King Saud University Qur’an Tafsir Project. Al-Tabari’s Tafsir of Surah Yusuf, Verse 47. Riyadh: King Saud University.

مشروع تفسير القرآن الكريم، جامعة الملك سعود. تفسير القرطبي لسورة يوسف، الآية 47. الرياض: جامعة الملك سعود.

King Saud University Qur’an Tafsir Project. Al-Qurtubi’s Tafsir of Surah Yusuf, Verse 47. Riyadh: King Saud University.

مشروع تفسير القرآن الكريم، جامعة الملك سعود. تفسير ابن كثير لسورة يوسف، الآية 47. الرياض: جامعة الملك سعود.

King Saud University Qur’an Tafsir Project. Ibn Kathir’s Tafsir of Surah Yusuf, Verse 47. Riyadh: King Saud University.

Bank for International Settlements. (n.d.). Countercyclical Capital Buffer (CCyB). Basel: Bank for International Settlements.

الهوامش:

  1. Arthur F. Burns and Wesley C. Mitchell, Measuring Business Cycles (New York: National Bureau of Economic Research, 1946), 3.
  2. Burns and Mitchell, Measuring Business Cycles, 6.
  3. Burns and Mitchell, Measuring Business Cycles, 6–7. لاحظ المؤلفان أن الدورات لا تتكرر بمدة ثابتة، بل تتفاوت بين سنة واثنتي عشرة سنة.
  4. Burns and Mitchell, Measuring Business Cycles, 3–5. انظر أيضاً: Victor Zarnowitz, “Theory and History Behind Business Cycles,” Journal of Economic Perspectives 13, no. 2 (1999): 69–90.
  5. Joseph Kitchin, “Cycles and Trends in Economic Factors,” The Review of Economic Statistics 5, no. 1 (January 1923): 10. https://doi.org/10.2307/1927031
  6. Kitchin, “Cycles and Trends in Economic Factors,” 14–16.
  7. محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق: أحمد محمد شاكر (القاهرة: مؤسسة الرسالة، ط1، 2000م)، مج 16، ص 101.
  8. محمد بن أحمد القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش (القاهرة: دار الكتب المصرية، ط2، 1964م)، مج 9، ص 210.
  9. إسماعيل بن عمر ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تحقيق: سامي بن محمد السلامة (الرياض: دار طيبة للنشر والتوزيع، ط2، 1999م)، مج 4، ص 387.
  10. القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مج 9، ص 211.
  11. الطبري، جامع البيان، مج 16، ص 103–104.
  12. Burns and Mitchell, Measuring Business Cycles, 3–5.
  13. Burns and Mitchell, Measuring Business Cycles, 6–7.
  14. Kitchin, “Cycles and Trends in Economic Factors,” 14–16.
  15. ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، مج 4، ص 388.
  16. القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مج 9، ص 210–211.
  17. Basel Committee on Banking Supervision, Guidance for National Authorities Operating the Countercyclical Capital Buffer (Basel: Bank for International Settlements, December 2010), 2–3. https://www.bis.org/publ/bcbs187.pdf
  18. محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن (القاهرة: مؤسسة الرسالة، 2000م)، مج 16، ص 107. وانظر: https://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura12-aya49.html
  19. محمد بن أحمد القرطبي، الجامع لأحكام القرآن (القاهرة: دار الكتب المصرية، ط2، 1964م)، مج 9، ص 213. وانظر: https://quran.ksu.edu.sa/tafseer/qortobi/sura12-aya49.html
  20. إسماعيل بن عمر ابن كثير، تفسير القرآن العظيم (الرياض: دار طيبة، ط2، 1999م)، مج 4، ص 390. وانظر: https://quran.ksu.edu.sa/tafseer/katheer/sura12-aya49.html
  21. الطبري، جامع البيان، مج 16، ص 105.
  22. Clément Juglar, Des crises commerciales et de leur retour périodique en France, en Angleterre et aux États-Unis (Paris: Guillaumin et Cie, 1862), chap. 2.
  23. Kitchin, “Cycles and Trends in Economic Factors,” 10–11.
  24. Basel Committee on Banking Supervision, Guidance for National Authorities Operating the Countercyclical Capital Buffer, 1.
  25. Basel Committee on Banking Supervision, Countercyclical Capital Buffer (CCyB). https://www.bis.org/bcbs/ccyb/index.htm