Article 36

الاستبدال العقدي وتجلياته الجمالية في شعر رثاء الخوارج إبان العصر الأموي: دراسة تحليلية

حسن محمد جاسم1

1 باحث دكتوراه، قسم العلوم الإسلامية الأساسية، معهد الدراسات العليا، جامعة يالوفا، تركيا.

البريد الإلكتروني: ggggalhsan@gmail.com

Dogmatic Substitution and Its Aesthetic Manifestations in Kharijite Elegiac Poetry during the Umayyad Era

Hassan Mohammed Jassim1

1 PhD Researcher, Department of Basic Islamic Sciences, Institute of Graduate Studies, Yalova University, Turkey.
Email: ggggalhsan@gmail.com

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj76/36

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/76/36

المجلد (7) العدد (6). الصفحات: 596 - 615

تاريخ الاستقبال: 2026-05-15 | تاريخ القبول: 2026-05-20 | تاريخ النشر: 2026-06-01

Download PDF

Cite / الاستشهاد

المستخلص: تهدف هذه الدراسة إلى الكشف عن ظاهرة الاستبدال العقدي وتجلياتها الجمالية في شعر رثاء الخوارج إبّان العصر الأموي، من خلال تتبع التحولات الدلالية والوظيفية التي طرأت على غرض الرثاء في سياقه الخارجي. وتنطلق الدراسة من إشكالية مفادها أن كثيراً من المقاربات السابقة تناولت شعر الخوارج بوصفه وثيقة تاريخية أو سياسية، دون الوقوف الكافي عند بنيته الفنية وأبعاده الجمالية والأسلوبية. واعتمدت الدراسة منهجاً تحليلياً تكاملياً يجمع بين الوصف والتحليل البنيوي والنفسي والنقد الأسلوبي، بهدف تفكيك الصور الشعرية والأنساق العقدية التي أسهمت في تحويل الرثاء من خطاب حزن وفقد إلى خطاب تعبوي ملتزم. وقد أظهرت الدراسة أن الرثاء الخارجي لم يقف عند حدود البكاء على القادة والفرسان، بل تحوّل إلى وسيلة لترسيخ عقيدة “الشراء”، حيث صار الموت في سبيل المبدأ فعلاً خلاصياً وبشارة بالفوز الأخروي. كما كشفت الدراسة عن حضور ثنائية “الراهب المحارب” في تصوير المرثي الخارجي، إذ يجمع الشعراء بين نحول الجسد الناتج عن الصوم والقيام، وشدة البأس في ميادين القتال. وبيّنت الدراسة كذلك أن رثاء القادة أسهم في صناعة نموذج رسالي يتجاوز الشخص الفرد إلى تمثيل المبدأ والعقيدة، بينما مثّل الرثاء الأنثوي عند نساء الخوارج صورة مبكرة من أدب الالتزام، إذ امتزجت فيه لوعة الفقد الشخصي بالتحريض السياسي والدعوة إلى مواصلة النهج الثوري. وتخلص الدراسة إلى أن رثاء الخوارج يمثل تجربة شعرية ذات خصوصية فنية وفكرية، جديرة بمزيد من البحث المقارن مع رثاء الفرق الإسلامية الأخرى في العصرين الأموي والعباسي.

الكلمات المفتاحية: الرثاء؛ الخوارج؛ العصر الأموي؛ الاستبدال العقدي؛ أدب الالتزام.

Abstract: This study aims to investigate the phenomenon of dogmatic substitution and its aesthetic manifestations in Kharijite elegiac poetry during the Umayyad era by tracing the semantic and functional transformations that affected the elegy within its Kharijite context. The study proceeds from the premise that many previous approaches have treated Kharijite poetry mainly as a historical or political document, without giving sufficient attention to its artistic structure and aesthetic and stylistic dimensions. The study adopts an integrative analytical method that combines description, structural and psychological analysis, and stylistic criticism in order to examine the poetic images and doctrinal patterns that contributed to transforming elegy from a discourse of grief and loss into a committed mobilizing discourse. The study shows that Kharijite elegy did not remain confined to lamenting leaders and warriors; rather, it became a means of consolidating the doctrine of “self-selling” or “spiritual purchase,” whereby death for the sake of principle became an act of salvation and a promise of ultimate victory in the Hereafter. The study also reveals the presence of the “monk-warrior” duality in the portrayal of the Kharijite elegized figure, as poets combine bodily emaciation resulting from fasting and night prayer with courage and ferocity on the battlefield. Furthermore, the study demonstrates that elegies for leaders contributed to the construction of a missionary model that transcends the individual person and comes to embody the principle and the doctrine. Female elegy among Kharijite women also represents an early form of committed literature, in which the pain of personal loss is intertwined with political incitement and the call to continue the revolutionary path. The study concludes that Kharijite elegy constitutes a poetic experience with distinctive artistic and intellectual features, worthy of further comparative research with the elegiac poetry of other Islamic sectarian groups during the Umayyad and Abbasid periods.

Keywords: Elegy; Kharijites; Umayyad Era; Dogmatic Substitution; Committed Literature.

المقدمة

تُمثّل حركة الخوارج في العصر الأموي إحدى أكثر الظواهر التاريخية والأدبية إثارة للجدل والنظر؛ إذ اقترنت نشأتها السياسية والعقدية بنتاج أدبيّ غزير، شكّل الشعر فيه الأداة التعبيرية والمنصة الإعلامية الحركية الأبرز، ويأتي غرض “الرثاء” في طليعة النتاج الشعري للخوارج، متصدراً المساحة الأكبر من مدوّنتهم الأدبية؛ نظراً لطبيعة حياتهم القائمة على التمرد الدائم والمواجهة العسكرية المستمرة مع السلطة الأموية، والتي كانت تؤول في غالب الأحيان إلى مصرع المقاتلين الخوارج وقادتهم.

مشكلة البحث: تتبدى الإشكالية الرئيسة في هيمنة المقاربات التاريخية والسياسية الوصفية الصرفة على الدراسات الحديثة التي تناولت أدب الخوارج، والتعامل مع نصوصهم بوصفها وثائق تاريخية مغفلة الأبعاد الجمالية والتحويرات الوظيفية الدلالية، ويسعى هذا البحث إلى تتبع الآليات الجمالية والنقدية التي طوّع من خلالها الخوارج غرض الرثاء التقليدي، ليتحول من مجرد بكاء وجداني وتفجع إنساني على الأطلال والذوات، إلى رافد عقدي يؤصل “لعقيدة الشراء” وصناعة النموذج الرسالي البديل.

حدود البحث: يتحدد البحث موضوعياً بدراسة شعر الرثاء عند الخوارج، وزمنياً بالفترة الممتدة طوال العصر الأموي (41 هـ – 132 هـ)، ومكانياً بالمناطق والواقع الميدانية الصدامية التي شهدت معاركهم في العراق والمشرق العربي والجزيرة الفراتية.

أهداف البحث: يهدف البحث إلى:

استجلاء آليات الانزياح الوظيفي لغرض الرثاء وتحويره عقديّاً لدى الخوارج.

تفكيك الصورة الفنية والسمات الموضوعية لرثاء “القائد القدوة” وحالة المرثي البدنية والتعبدية.

بيان الخصوصية الإبداعية لرثاء المرأة الخارجية ودورها التعبوي والتحريضي.

منهج البحث وإجراءاته: يتبع البحث منهجاً تكاملياً يجمع بين الوصف لرصد المادة التوثيقية والشعرية، والتحليل البنيوي والنفسي لتفكيك العناصر الفنية للنصوص، والنقد الأسلوبي لاستخلاص الانزياحات الدلالية والوظيفية للأغراض الشعرية عبر تتبع المرجعيات القرآنية والواقعية الميدانية.

الدراسات السابقة وإضافته العلمية عليها

اطلعت الدراسة على جملة من الجهود الأكاديمية التأسيسية، وفي مقدمتها دراسة إحسان عباس (1974)”شعر الخوارج”، والتي عنيت بجمع المدوّنة الشعرية وتحقيقها وتقديم إضاءات تاريخية وموضوعية حولها، ودراسة علي وزبير (2011) “آثار الخوارج الشعرية: دراسة تحليلية نقدية”، والتي قاربت المضامين الفكرية العامة في هذا الشعر. ورغم ريادة هذه الدراسات، إلا أنها مالت إلى الطابع الاستقصائي والموضوعاتي الشامل.

الإضافة العلمية للبحث الحالي: تكمن القيمة المضافة لهذا البحث في تركيزه العميق والمنفرد على “غرض الرثاء” من خلال منظور “الاستبدال والانزياح العقدي”، متجاوزاً الوصف الموضوعي الخارجي إلى رصد أبعاد الصراع النفسي، والتوازن البنيوي بين “رهبنة الليل وفروسية النهار”، فضلاً عن إفراد مساحة نقدية مخصصة لرثاء المرأة الخارجية بوصفها نموذجاً مبكراً لأدب الالتزام العقدي، وهو ما لم تفصّل فيه الدراسات السابقة بآليات نقدية أسلوبية.

خطة البحث: اشتملت خطة البحث على مقدمة، وتمهيد، وأربعة مطالب، وخاتمة، وقائمة المصادر والمراجع.

المقدمة: اشتملت على مشكلة البحث، وحدوده، وأهدافه، ومنهجه، والدراسات السابقة، وخطة البحث.

التمهيد: وتم فيه دراسة نشأة الخوارج وتحولاتها الفكرية والسياسية في العصر الأموي، والرثاء عند الخوارج.

المطلب الأول: رثاء القائد وصناعة النموذج الرسالي عند الخوارج.

المطلب الثاني: تمثلات الذات الجماعية وتصوير حالة المرثي.

المطلب الثالث: المضامين العقائدية والتحولات الفلسفية في الرثاء الخارجي.

المطلب الرابع: أدبيات الفقد الأنثوي عند الخوارج: من لوعة الحزن إلى منبر التحريض.

الخاتمة: وتضمنت نتائج البحث وأهم توصياته.

التمهيد

نشأة الخوارج وتحولاتها الفكرية والسياسية في العصر الأموي

تُمثّل فرقة “الخوارج” أولى الفرق الفكرية والسياسية ظهوراً في تاريخ الفضاء الإسلامي؛ إذ اقترفت ولادتها التاريخية بأحداث الفتنة الكبرى، وتحديداً في معركة “صفّين” (سنة 37هـ) عند قبول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بمبدأ “التحكيم” حقناً لدماء المسلمين؛ حيث رفضت مجموعة من جيشه هذا المسار، ورفعوا شعارهم الشهير: “لا حُكْمَ إلّا لِلَّه”، وانفصلوا عن معسكر الإمام معتزلين إلى منطقة “حروراء” قرب الكوفة، ولذلك عُرِفوا في الأدبيات التاريخية بـ “الحرورية”، كما أطلقوا على أنفسهم وصف “الشُّراة” استناداً إلى مفهوم بيع النفس الفانية لله مقابل الجنة. ([1])

ولم تقف الحركة عند حدود الانفصال السياسي، بل سرعان ما تحولت إلى مواجهة عسكرية مفتوحة مع الإمام علي، تجلت في معركة “النهروان” (سنة 38هـ) التي تلقى فيها الخوارج ضربة عسكرية قاسية قضت على معظم جماعتهم الأولى، ([2]) ممّا عقبه اغتيال الإمام علي على يد عبد الرحمن بن ملجم، الأمر الذي رسّخ مكانة العنف المسلح كآلية أساسية في أدبياتهم الحركية. ([3])

ومع انتقال مقاليد الحكم إلى بني أمية وتأسيس دولتهم (سنة 41هـ)، اتخذت حركة الخوارج طابعاً راديكالياً عنيفاً ومستداماً؛ إذ رأوا في الحكم الأموي نموذجاً للاستبداد والجور الذي يجب الخروج عليه، فتحولت مناطق البصرة والأهواز والجزيرة الفراتية إلى ساحات للتمرد الدائم والمواجهات الدامية التي قادها ولاة أمويون حازمون كزياد بن أبيه، وعبيد الله بن زياد، والحجاج بن يوسف الثقفي. ([4])

ومن الناحية الفكرية والعقدية، تميز الخوارج بجمود الرؤية والنزعة الأيديولوجية الصارمة؛ فقد أرسوا مبدأ تكفير مرتكب الكبيرة، والقول بوجوب الخروج على الإمام الجائر، وبناء مفهوم خاص للولاء والبراء ألغى المسافات الرمادية مع المخالفين، ([5]) ونظراً لطبيعة حياتهم القائمة على المطاردة والعيش في الميدان، انقسم الخوارج إبان العصر الأموي إلى فرق شتى تفاوتت في حدة أطروحاتها الوجودية والسياسية؛ فبرزت “الأزارقة” (أتباع نافع بن الأزرق) كأشد الفرق غلواً واستباحة للمخالفين، وتلتها “النجدات” و”الصفرية”، وصولاً إلى “الإباضية” الذين مثلوا الجناح الأكثر اعتدالاً وقبولاً بالتعايش وممارسة التقية السياسية. ([6])

إن تاريخ الخوارج في العصر الأموي ليس مجرد سرد لسلسلة من المعارك العسكرية الفاشلة ميدانياً، بل هو تجسيد لظاهرة “التأطير العقدي الصارم” التي حاولت صياغة هوية إنسانية واجتماعية بديلة قائمة على الزهد الفائق والفروسية الانتحارية، وهو الواقع الموضوعي الذي ترك ظلالاً كثيفة على نتاجهم الأدبي، فغدا شعرهم مرآة مصقولة تعكس حرارة هذا التاريخ، وعنفوان هذه المعتقدات.

الرثاء عند الخوارج

تجلّت النفعية العقائدية التي طبعت أدب الخوارج بأبهى صورها في شعر الرثاء؛ إذ تحوّل هذا الغرض لديهم من مجرد تعبير إنساني باكي عن لوعة الفقد، إلى وسيلة توثيقية ومنبر دعوي يستهدف الحفاظ على النموذج الرسالي وتخليد قيم حركتهم، “وقد ترك في هذا الشعر موضوع الموت لونًا حزينًا ونغمة حزينة ولكنه لم يسلمه إلى يأس مطلق، لأن هذا الموت نفسه كان عند أصحاب ذلك الشعر نوعًا من الأمل، إذ لم يعد الموت إلا دخول الجنة أو لقاء الإخوان والأحباب الأبرار الأتقياء الذين تقدموا على الطريق”. ([7])

وقد استحوذ الرثاء على المساحة الأكبر من التراث الشعري للخوارج؛ ويعزو الباحثون الهيمنة الكمية لهذا الغرض إلى واقعهم المعيشي القائم على الثورة المستمرة، والتي كانت تؤول في معظم الأحيان إلى مواجهات مسلحة غير متكافئة مع السلطة الحاكمة، تنتهي بهزيمتهم ومقتل ثوارهم، مما يدفعه شعراءهم إلى رثاء هؤلاء القتلى واستذكارهم. ([8])

وتأسيسًا على ذلك، يسعى هذا المطلب إلى تفكيك آليات تحوير الرثاء من غرضه التقليدي إلى رافد يخدم الأيديولوجيا العقائدية. وسيتأتى ذلك من خلال تتبع صورة “القائد القدوة” بوصفه التجسيد الأسمى للتفاني، ورصد الملامح الجسدية للمرثي التي تعكس سيماء السجود ومكابدة المعارك، وصولاً إلى استجلاء الأبعاد الوجدانية العميقة في هذا الشعر. كما سيفرد المطلب مساحة خاصة لدراسة رثاء المرأة الخارجية، والتي استطاعت ببراعة بيانية أن تدمج بين لوعة الفقد الذاتي وحرارة التحريض على مواصلة مسيرة “الشراء”.

المطلب الأوّل: رثاء القائد وصناعة النموذج الرسالي عند الخوارج

يُشكّل رثاء القائد في المنظومة الفكرية للخوارج منارةً أيديولوجية تُنصب لتوجيه السائرين على درب “الشراء”؛ فالقائد في منظورهم يتجاوز التوصيف الحربي المحض ليكون إمامًا فقهيًا، عابدًا منقطعًا في ليله، وفارسًا مغوارًا في نهاره.

ولعلّ شخصية أبي بلال “مرداس بن أديّة” تمثّل المحور الوجداني الأبرز الذي دارت حوله عواطف الخوارج؛ إذ لم يظفر قائد آخر بمثل ما حظي به من سيل المرثيات الجارفة التي دمجت مؤهلاته القيادية في قالب من القداسة العقائدية والبسالة الميدانية.

وقد رثاه عمران بن حطان برائعة شعرية يعبّر فيها عن عمق الفجيعة قائلاً: ([9])

أَصْبَحْتُ عن وَجَلٍ مِنّي وإِيْجَاسِ
  أَشْكُو كُلُومَ جِراحٍ ما لَها آسِي
يَا عينُ بُكّي لِمِرداسٍ وَمَصْرَعِهِ
  يَا رَبَّ مِرْداسٍ الحِقْنِي بِمِرداسِ
تَرَكْتَنِي هَائِمًا أَبْكِي لِمرزئَةٍ
  في مَنْزِلٍ مُوحِشٍ مِنْ بَعدِ إيْنَاسِ
أَنْكَرْتُ بَعْدَكَ مِمَّنْ كُنْتَ أَعْرِفُهُ
  ما النَّاسُ بَعْدَكَ يَا مِرْداسُ بِالنَّاسِ
إِمَّا شَرِبْتَ بِكَأسٍ دَارَ أَوَّلُهَا
  عَلَى القُرُونِ فَذَاقُوا جُرْعَةَ الكَاسِ
فَكُلُّ مَنْ لَمْ يَذُقْهَا شَاربٌ عجلًا
  مِنْها بَأنْفَاسِ وِرْدٍ بَعْدَ أَنْفَاسِ
قَدْ كُنْتُ أَبْكِيكَ حِيْنًا ثُمَّ قَدْ يَئِسَتْ
  نَفْسِي فَمَا رَدَّ عَنِّي عِبْرَتِِي ياسِي

يلمح القارئ في هذه الأبيات صدقًا عاطفيًا متدفقًا ينأى بالنص عن سياق الرثاء التقليدي ليلج به آفاق الفجيعة الوجودية؛ إذ يستهل الشاعر دفقته بتصوير الجراح التي أعياها الآسي، مستبطنًا حالة من التوجس والوحشة التي غمرت ذاته ومكانه بعد رحيل القائد.

ولم يقف الشاعر عند حدود النحيب، بل غدا الفقد عنده معيارًا لتقييم الوجود البشري برمته حين أعلن بمرارة أن الناس بعد مرداس لم يعودوا هم الناس، وهو ما يترجم أقصى درجات الاغتراب النفسي والاجتماعي المترتب على رحيل الأوفياء.

ولم يكن هذا المنزع حكرًا على عمران، بل شاركه فيه شعراء آخرون من الخوارج رثوا مرداسًا وأصحابه بلوعة شجية تعكس فداحة الخطب، كما في قول أحدهم: ([10])

يَا رَبِّ هَبْ لِيَ التُّقَى وَالصِّدْقَ فِي ثَبَتٍ
  وَاكْفِ الْمُهِمَّ فَأَنْتَ الرَّازِقُ الْكَافِي
حَتَّى أَبِيعَ الَّذِي يَفْنَى بِآخِرَةٍ
  تَبْقَى عَلَى دِينِ مِرْدَاسٍ وَطَوَّافِ
وَكَهْمَسٍ وَأَبِي الشَّعْثَاءِ، إِذْ نَفَرُوا
  إِلَى الْإِلَهِ، وَذِي الْإِخْبَاتِ زَحَّافِ

تتبدى في هذه الأبيات نبرة اليقين الإيماني في أبهى تجلياتها، حيث يفتتح الشاعر نصه بضراعة جامعة تطلب التقى والصدق، وهما الركيزتان اللتان يقوم عليهما مذهبهم القائم على مطابقة القول للعمل. كما يظهر في مطلعها التوكل المطلق على الكافي سبحانه في تسيير الشؤون الدنيوية والأخروية، مما يمنح النفس طمأنينة وسط اضطراب الواقع، وفي البيت الثاني يتجلى التأصيل الفلسفي لمفهوم “الاستبدال” عبر بيع الدنيا الفانية بالآخرة الباقية، وهو توظيف للمفهوم القرآني في صياغة المنهج الحركي للشاعر. غير أن الالتفاتة الأبرز تكمن في اعتزازه بـ”دين مرداس وطواف”، حيث تحولت هذه الشخصيات التاريخية إلى منهج يُقتدى به، مما يثبت أن الوفاء للقادة لم يكن عاطفة عابرة بل تمسكًا بالخط الفكري والسياسي الذي استشهدوا من أجله.

ويبرز في مراثي الخوارج عمومًا، وفي رثاء أبي بلال خصوصًا، يقينٌ راسخ بمآل هؤلاء القادة إلى جنات الخلد، وهو ما صوره كعب بن عميرة عند رثائه لمرداس وجماعته قائلاً: ([11])

شَرَى اِبْنُ حُدِيرٍ نَفْسَهُ الله فَاحْتَوى
  جِنَانًا مِنَ الفِرْدَوسِ جَمًّا نَعِيْمُهَا
وأَسْعَدَهُ قَوْمٌ كأنَّ وجوهَهُمْ
  نجومُ دُجُنّاتٍ تجلَّت غيومها
مَضَوْا بسيوفِ الهندِ قِدْمًا وبالقنا
  على مُقْرَباتٍ باديَاتٍ سهومها

وقال الرهين بن سهم المرادي في هذا المعنى: ([12])

كَزِيدٍ ومرداسٍ وعَمْروٍ وكَهْمَسٍ
  وكابنِ عَقِيلٍ في الكتيبةِ عامرِ
أقاموا بدارِ الخُلدِ لا يرتجيهمُ
  حَمِيمٌ كما يُرجَى إِيابُ المسافِرِ

تجسد هذه الأبيات الخصيصة الفنية والفكرية الأبرز في أدب الخوارج وهي “عقيدة اليقين”، حيث ينزاح الرثاء عن البكائية التقليدية ليتحول إلى احتفاء بالفوز الأخروي؛ فالشاعر لا ينعى ميتًا غيبه التراب، بل يزف بطلاً ارتقى إلى الفردوس، مما يفسر هيمنة الصور النورانية والجمالية كـ”النجوم” و”الجنان” و”النعيم”، والموت هنا ليس فقدًا أبديًا بل هو “صفقة شراء” رابحة مع الله.

كما يتجلى التلاحم بين القداسة والفروسية؛ فالوجوه المشرقة كنجوم الدجنات هي ذاتها التي تقلدت سيوف الهند واعتلت صهوات الخيل، مازجةً بين الورع القلبي والشدة القتالية. ويأتي الإصرار على استقرارهم في “دار الخلد” ليقطع الطريق أمام اليأس، محولاً غيابهم من غيبة مسافر يُنتظر أوبه إلى خلود يُغبطون عليه، مما يمنح الجماعة شحنة معنوية لمواصلة الطريق.

ولم يقف الرثاء عند حدود رصد المقامات والبطولات، بل تجاوزه إلى تمني اللحاق بالقادة ونيل شرف الاستشهاد، وهو ما يصوره عمران بن حطان في قوله: ([13])

لَقَدْ زَادَ الْحَيَاةَ إِلَيَّ بُغْضًا
  وَحُبًّا لِلْخُرُوجِ أَبُو بِلَالِ
وَعُرْوَةُ بَعْدَهُ سَقْيًا وَرَعْيًا
  لِعُرْوَةَ ذِي الْفَضَائِلِ وَالْمَعَالِي
أُحَاذِرُ أَنْ أَمُوتَ عَلَى فِرَاشِي
  وَأَرْجُو الْمَوْتَ تَحْتَ ذُرَى الْعَوَالِي
وَلَوْ أَنِّي عَلِمْتُ بِأَنَّ حَتْفِي
  كَحَتْفِ أَبِي بِلَالٍ لَمْ أُبَالِ
فَمَنْ يَكُ هَمُّهُ الدُّنْيَا فَإِنِّي
  لَهَا – وَاللَّهِ رَبِّ الْبَيْتِ – قَالِي

تمثل هذه المقطوعة ذروة “أدب الاستشهاد”، حيث يتحول الرثاء من مرثية للغير إلى مراجعة للذات وتوق للرحيل؛ إذ غدا أبو بلال رمزًا يدفع نحو الزهد في الدنيا والرغبة في “الخروج”، وتكشف الأبيات عن نفسية تأنف الموت على الفراش وترى فيه نقيصة، بينما تنشد الحتف تحت ظلال الرماح (“ذرى العوالي”) بوصفه أسمى الأماني.

وتتبدى هنا نبرة زهد صارمة يتبرأ فيها الشاعر من الدنيا مقسمًا برب البيت على قلاها، بعد أن سقطت قيمتها بنظر التابع إثر مصرع المتبوع. هذا الربط الوجداني يذيب الرهبة من الموت ليجعله قنطرة نحو المعالي، مؤكدًا تحول الرثاء إلى آلية شحن وتعبئة فكرية.

وفي نص آخر لعمران بن حطان، تتبلور الرؤية الفلسفية التفسيرية للموت بوضوح: ([14])

إِنْ كُنْتِ كَارِهَةً لِلْمَوْتِ فَارْتَحِلِي
  ثُمَّ اطْلُبِي أَهْلَ أَرْضٍ لَا يَمُوتُونَا
فَلَسْتِ وَاجِدَةً أَرْضًا بِهَا بَشَرٌ
  إِلَّا يَرُوحُونَ أَفْوَاجًا وَيَغْدُونَا
إِلَى الْقُبُورِ، فَمَا تَنْفَكُّ أَرْبَعَةٌ
  تُدْنِي سَرِيرًا إِلَى لَحْدٍ يَمْشُونَا
يَا جَمْرُ قَدْ مَاتَ مِرْدَاسٌ وَإِخْوَتُهُ
  وَقَبْلَ مَوْتِهِمُ مَاتَ النَّبِيُّونَا
يَا جَمْرُ لَوْ سَلِمَتْ نَفْسٌ مُطَهَّرَةٌ
  مِنْ حَادِثٍ لَمْ يَزَلْ يَا جَمْرُ يُعْيِينَا
إِذَنْ لَدَامَتْ بِمِرْدَاسٍ سَلَامَتُهُ
  وَمَا نَعَاهُ بِذَاتِ الْغُصْنِ نَاعُونَا
نَفْسِي فِدَاؤُكَ مِنْ مَلْقًى بِمُهْمَلَةٍ
  لَمْ يُصْبِحِ الْيَوْمَ فِي الْأَجْدَاثِ مَدْفُونَا
قَدْ كَانَ مُهْتَدِيًا يَهْدِي الْإِلَهُ بِهِ
  دَوْمًا يُصَلِّي وَلَا يَهْوَى الْمُضِلِّينَا
مَنْ كَانَ لَا يَنْسَى الْمَعَادَ وَلَا
  يَلْهُو إِذَا هَمَّ بِالتَّكْذِيبِ لَاهُونَا
تَرَكْتَنَا كَيَتَامَى بَادَ وَالِدُهُمْ
  فَلَمْ يَرَوْا بَعْدَهُ خَفْضًا وَلَا لِينَا
فَاللَّهُ يَجْزِيكَ يَا مِرْدَاسُ جَنَّتَهُ
  عَنَّا كَمَا كُنْتَ فِي الْإِرْشَادِ تُولِينَا
بَصَّرْتَنَا شُبَهًا كَانَتْ تُؤَلِّفُنَا
  إِنَّ الْمُؤَلَّفَ لَا يَنْفَكُّ مَفْتُونَا

تصاغ في هذه الأبيات الخلاصة الفلسفية والمنطقية للتجربة السابقة، متجاوزةً عاطفة الفجيعة الذاتية لتستقر عند التسليم الكوني والوعي بالمصير البشري العام؛ فالشاعر يدرج مصرع مرداس في سياق الحتمية الوجودية للموت التي لا يستثنى منها أحد، رابطًا غيابه برحيل الأنبياء، مما يسبغ على موته مشروعية تاريخية وعقائدية تخفف من حدة الصدمة.

ويربط النص ببراعة بين الزهد والقيادة الفكرية؛ فمرداس لم يكن مجرد محارب، بل كان هاديًا كشف للأتباع زيف الشبهات التي كادت تفتنهم، كما أن تشبيه الجماعة بـ”اليتامى” الذين فقدوا والدهم يعزز مركزية القائد الروحية، فالرحيل ليس فقدًا جسديًا بل غياب للأمان ومصدر الإرشاد. ويكتمل البناء بالدعاء له بالجزاء الأخروي التنويري، في نقلة موضوعية من البكاء الحار إلى الحكمة الاسترجاعية التي تؤكد أن البقاء بعد القائد هو مظنة الفتنة ما لم يستضأ بهديه وسلوكه.

ولم تنحصر مراثي الخوارج في أبي بلال وحده -رغم تصدره المشهد- بل شملت قادة بارزين آخرين، كصالح بن مسرح التميمي الذي رثاه الجعد بن ضمام الدوسي قائلاً: ([15])

أَيَا عَيْنُ فَابْكِي صَالِحًا إِنَّ صَالِحًا
  شَرَى نَفْسَهُ لِلَّهِ يَبْغِي بِهَا الْخُلْدَا
وَقَدْ كَانَ ذَا رَأْيٍ مُبِينٍ وَرَأْفَةٍ
  صَفُوحًا عَنِ الْعَوْرَاءِ يَدْفَعُهَا عَمْدَا
وَقَدْ كَانَ فِي الْحَرْبِ الْعَوَانِ يَشُبُّهَا
  وَيُسْعِرُهَا بِالْخَيْلِ مَحْبُوكَةً جُرْدَا

ورثاه الحويرث الراسبي بنبرة ضيق من الدنيا:

أَقُولُ لِنَفْسِي فِي الْخَلَاءِ أَلُومُهَا
  هُبِلْتِ دَعِينِي قَدْ مَلَلْتُ مِنَ الْعُمْرِ
وَمِنْ عِيشَةٍ لَا خَيْرَ فِيهَا دَنِيئَةٍ
  مُذَمَّمَةٍ عِنْدَ الْكِرَامِ ذَوِي الصَّبْرِ
سَأَرْكَبُ حَوْبَاءَ الْأُمُورِ لَعَلَّنِي
  أُلَاقِي الَّذِي لَاقَى الْمُحَرِّقُ فِي الْقَصْرِ
وَمَا كَانَ غَمْرًا صَالِحٌ غَيْرَ أَنَّهُ
  رَمَتْهُ صُرُوفُ الدَّهْرِ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي

في حين عبّر المنهال الشيباني البصري عن لوعته بقوله:

أَمِنْهَالُ إِنَّ الْمَوْتَ غَادٍ وَرَائِحُ
  وَلَا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا وَقَدْ مَاتَ صَالِحُ
إِذَا قُلْتُ أَنْسَى صَالِحًا عَادَ ذِكْرُهُ
  جَدِيدًا لَمَّا انضمَّتْ عَلَيْهِ الجَوَانِحُ
لَئِنْ كَانَ أَمْسَى صَالِحٌ ثُلّ عَرْشُهُ
  لَقَدْ كَانَ لَا تُخْشَى عَلَيْهِ الفَضَائِحُ

يؤكد رثاء صالح بن مسرح اتساع دائرة الأنموذج القيادي، حيث تترسخ ملامح القائد الذي يوفق بين المتقابلات: الرأفة والصفح الدعوي، مقابل الجسارة والاشتعال الحربي، فالرثاء هنا يرسم المؤسسة الروحية في شخصية القائد ذي “الرأي المبين” ومسعر الحرب، ولذا غدا فقده ثلاً للعرش وزلزالاً للجماعة.

كما نلمس وحدة الشعور بالاغتراب والضيق من الدنيا بعد رحيل القادة، مما يدفع الشاعر (كالحويرث والمنهال) إلى تمني ركوب المخاطر (“حوباء الأمور”) طلبًا للاستشهاد، متحولاً بالرثاء من التأبين إلى التحريض الثوري.

وتميزت المقاطع بالجزالة والبساطة مع التمسك بالخلود عوضًا عن الفناء، مع بقاء ألم الفقد متجددًا في الصدر، كاشفًا عن النزاع الإنساني بين التسليم بالقدر وحرقة الفراق.

ومن القادة الكبار الذين حظوا برثاء وافر، نافع بن الأزرق (زعيم الأزارقة)، فإثر مقتله في معركة “دولاب”، رثاه أحد شعرائهم قائلاً: ([16])

شَمِتَ الْمُهَلَّبُ وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ
  وَالشَّامِتُونَ بِنَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ
أَنْ مَاتَ غَيْرَ مُدَاهِنٍ فِي دِينِهِ
  وَمَتَى يَمُرُّ بِذِكْرِ نَارٍ يُصْعَقِ
وَالْمَوْتُ أَمْرٌ لَا مَحَالَةَ وَاقِعٌ
  مَنْ لَا يُصَبِّحْهُ نَهَارًا يَطْرُقِ
وَرَمَى الْمُهَلَّبُ جَمْعَنَا بِجُمُوعِهِ
  لَمَّا أُصِبْنَا بِالصَّبُورِ الْمُتَّقِي
فَلَئِنْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَصَابَهُ
  رَيْبُ الْمَنُونِ فَمَنْ يُصِبْهُ يَغْلَقِ
وَلَئِنْ مُنِينَا بِالْمُهَلَّبِ إِنَّهُ
  لَأَخُو الْحُرُوبِ وَلَيْثُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ
وَلَعَلَّهُ يَشْجَى بِنَا وَلَعَلَّنَا
  نَشْجَى بِهِ فِي كُلِّ مَا قَدْ نَلْتَقِي
بِالسُّمْرِ تَخْتَطِفُ النِّسَاءَ ذَوَابِلًا
  وَبِكُلِّ أَبْيَضَ صَارِمٍ ذِي رَوْنَقِ
فَيُذِيقُنَا فِي حَرْبِنَا وَنُذِيقُهُ
  كُلٌّ مَقَالَتُهُ لِصَاحِبِهِ: ذُقِ

تنحو هذه الأبيات بالرثاء نحو المنزع الحماسي والمساجلة الحربية، ممتزجةً بالتحدي المباشر للقائد الأموي المهلب بن أبي صفرة، فالشاعر هنا يقرأ موازين القوى؛ فلا ينكر حجم المصيبة برحيل “الصبور المتقي”، ولكنه يستثمر هذا الفقد لتحويل المرارة إلى إصرار ميداني، واللافت في النص هو الإنصاف الحربي والاعتراف بقوة الخصم (“ليث أهل المشرق”)، وهو ليس مدحًا للمهلب بقدر ما هو إعلاء لشأن الصمود الخارجي أمامه.

المواجهة هنا مواجهة قدرية بين ندين شعارها “ذُق” كإيجاز لفلسفة الصراع الوجودي، ويمثل النص حلقة وصل بين الورع والواقعية؛ فالقائد يُنعى بصفاته التعبدية وعسكريته التي أطمعت الأعداء، ليعود الرد الشعري ويعيد تنظيم الصفوف مستعذبًا الموت بالسمر والبيض الصارم كما تمنى عمران بن حطان سابقًا.

ومن فرسان الأزارقة القتلى في مواجهة المهلب، الحصين بن مالك، حيث رثاه عبيدة بن هلال اليشكري عقب مقتله قائلاً: ([17])

قُلْ لِلْحُصَيْنِ لَقَدْ أُصِبْتَ سَعَادَةً
  وَمَا كُنْتَ فِيمَا رُمْتَهُ بِمَعِيبِ
وَمَا كَانَ فِي جَمْعِ الْمُحِلِّينَ فَارِسٌ
  يُبَارِزُهُ فِي النَّقْعِ غَيْرُ حَبِيبِ
وَأَيُّ امْرِئٍ يَأْوِي الْحَرُورَ بِمَعْرَكٍ
  يَهَابُ، وَلَكِنْ كُنْتَ غَيْرَ هَيُوبِ
فَيَا رُبَّ يَوْمٍ قَدْ دَعَانِي لِمِثْلِهَا
  فَلَمْ أُكُ فِيمَا سَأَلَنِي بِمُجِيبِ

يؤصل رثاء الحصين لمفهوم “غبطة الشهيد”؛ إذ يفتتح عبيدة نصه بتهنئة الراحل بالسعادة، وهو ما يربطه بفكرة “بيع النفس”، فالقتل هنا ليس مصيبة بل ظفر بالغاية القصوى، وتتجلى الفروسية الأخلاقية في إنصاف الخصم لحصر شجاعة جيش الأعداء (“المحلين”) في حبيب بن المهلب وحده ككفء لمبارزة الحصين، رفعًا لمرتبة الأخير.

أما الخاتمة فتقدم ملمحًا من التواضع والندم التعبدي أمام تضحية القائد؛ فالشاعر يقر بضعفه البشري حين قصر عن إجابة دعوة الحصين للشهادة، مما يبرز تفوق القائد الذي يعجز الآخرون عن مجاراته، وهو ما يتقاطع مع رغبة عمران بن حطان في أن يكون حتفه كحتف أبي بلال، مما يؤكد أن رثاء القادة كان وقودًا لشحذ الهمم عبر إبراز تقصير الأحياء أمام عظمة الراحلين.

تأسيساً على ما تقدم، يخلص الباحث إلى أن رثاء القائد عند الخوارج لم يكن مجرد استجابة عاطفية عابرة، بل عملية تأطير أيديولوجي صهرت القائد الفاني في نموذج عابر للزمن، مازجةً بين الخشوع التعبدي والبطولة الميدانية الصارمة، لتصنع من القائد أيقونة تمنح الجماعة زخمها القتالي وشرعيتها الدينية. ويتضح تميز هذا الرثاء في ثلاثة أبعاد رئيسة:

  • تحويل الفجيعة إلى بشارة: بقلب موازين الرثاء التقليدي والانتقال من البكاء على القبور إلى احتفالية الفوز والتهنئة بصفقة الشراء الرابحة مع الله، طردًا لليأس.
  • تخليق القائد الأسطورة: بإبراز الثنائيات الخلّاقة (الرأفة الدعوية والشدة الحربية) لترسيخ القيادة بوصفها مقامًا روحيًا وجسارة ميدانية، مما يفسر اليُتم الروحي للأتباع بعد الفقد.
  • الوظيفة التحريضية الحركية: بتحويل النص إلى وقود حركي عبر اعتراف الشعراء بتقصيرهم وتمنيهم اللحاق بالقادة، مما غيّر طبيعة المرثية من تأبين بارد إلى بيان ثوري يجدد عزيمة الجماعة ومواصلة الصراع.

وبذلك يكون رثاء القائد في هذا الأدب هو رثاء “المبدأ في صورة رجل”، متجاوزًا اللحظة التاريخية ليبقى شاهدًا على تجربة إنسانية عقائدية فريدة صاغها الشعر بألم الفقد وعنفوان العقيدة.

المطلب الثاني: تمثلات الذات الجماعية وتصوير حالة المرثي

إذا كان التركيز في المطلب الأوّل قد انصبّ على شخصية “القائد القدوة” كرمز محوري للمذهب، فإن هذا المطلب ينعطف نحو “الذات الجماعية” للخوارج، ليقدم رصدًا دقيقًا للحالة الروحية، والبدنية، والاجتماعية لأولئك الذين قضوا في سبيل مبادئهم، فالرثاء في المنظور الخارجي يتجاوز مجرد سرد واقعة الفناء المادي؛ ليرسم ملامح حية للمرثي تجمع في تآلف فريد بين رهبانية الليل المتبتلة وفروسية النهار الشجاعة، وبين ذبول البدن المادي وإشراق الروح العقائدية.

ويشكل وصف الحالة التعبدية للمرثي ركيزة أساسية في تشكيل خطابه الرثائي؛ إذ لا يُقدَّم المرثي بوصفه مقاتلاً محاربًا فحسب، بل هو عابد متورع قضى ليله مكابدًا للصلاة والقيام.

وتتجلى هذه الصورة بوضوح في مرثية عيسى بن فاتك الخطي لأبي بلال وأصحابه، حيث يقول: ([18])

أَلَا فِي اللَّهِ لَا فِي النَّاسِ شَالَتْ
  بِدَاوُدَ وَإِخْوَتِهِ الْجُذُوعُ
مَضَوْا قَتْلًا وَتَمْزِيقًا وَصَلْبًا
  تُحَوِّمُ حَوْلَهُمْ طَيْرٌ وُقُوعُ
إِذَا مَا اللَّيْلُ أَظْلَمَ كَابَدُوهُ
  فَيُسْفِرُ عَنْهُمُ وَهُمْ رُكُوعُ
أَطَارَ الْخَوْفُ نَوْمَهُمُ فَقَامُوا
  وَأَهْلُ الْأَمْنِ فِي الدُّنْيَا هُجُوعُ

يخلق الشاعر هنا مفارقة مشهدية حادة بين مستويين: مستوى التنكيل المادي (الصلب، والتمزيق، والتعليق على الجذوع)، ومستوى السمو الروحي (الركوع، والقيام، والخشية)؛ فالأجساد المصلوبة التي تترقبها الجوارح هي ذاتها الأجساد التي هجرت مضاجعها خوفًا من الله في وقت غرق فيه بقية الناس في سباتهم.

وبذلك يتحول الرثاء إلى أداة للتزكية الدينية، حيث يتلاشى أثر التمثيل البشع بالجثة أمام السمو التعبدي، مما يمنح المرثي انتصارًا معنويًا حاسمًا يتجاوز الانكسار العسكري.

ويعزز الأصم الضبي هذا التصوير العقائدي من خلال تجسيد حالة الخشوع الكلي والانقياد المطلق للهيئة التعبدية، فيقول: ([19])

قَوْمًا إِذَا ذُكِّرُوا بِالله أَوْ ذَكَرُوا
  خَرُّوا مِنَ الْخَوفِ لِلأَذْقَانِ والرُّكَبِ

فالمرثي في هذا السياق يتسم بالاستجابة الجسدية والنفسية الفورية عند سماع ذكر الله، وهو ما يبرز التلاحم المباشر بين العقيدة النظرية والسلوك العملي في الميدان.

ولم يقف الشعراء عند حدود وصف الفعل التعبدي، بل انتقلوا ببراعة إلى رصد الآثار الفيزيولوجية التي تركتها تلك العبادة على الأجساد، مما أضفى على الرثاء طابعًا واقعيًا يقترب من أدبيات الزهد. ومن ذلك ما يذكره زياد الأعسم في رثائه لداود بن النعمان: ([20])

سَقَى اللهُ أَجْسَادًا تَلُوحُ عِظَامُهَا
  بفَرْضَةِ مَوْقِعٍ سَحَابًا غَوَادِيا
فَإِنْ يَكُ دَاودٌ مَضَى لِسَبِيْلِهِ
  فَقَدْ كَانَ ذَا شَوْقٍ إِلى اللهِ تَالِيَا
وَقَدْ كَانَ ذَا أَهْلٍ وَمَالٍ وَغِبْطَةٍ
  وَكَانَ لِمَا يَفْنَي مِنَ العَيْشِ قَالِيَا
كَأَنَّ الفَتَى دَاودَ لَمْ يَكُ فِيْكُمُ
  وَلَنْ نَرَهُ يَوْمًا مِنَ الصَّومِ بَالِيَا

إن توظيف الشاعر لتعبيرات مثل “تلوح عظامها” و”من الصوم باليا” يعكس بدقة ذلك النحول الجسدي الناتج عن مكابدة الصيام والسهر؛ فالإنهاك البدني هنا لا يحمل دلالة الضعف، بل يُرفع بوصفه وسام شرف يبرهن على صدق عقيدة “الشراء”، ويربط الشاعر بين هذا الضمور والتضحية الكبرى؛ فمن زهد في ترف الدنيا ومتاعها الفاني حتى بلي جسده في الحياة، يسير طواعية نحو الموت باذلاً نفسه لله.

وتتوافق هذه الرؤية مع الوصف الذي قدمه حجية بن أوس لرجاء النمري وأصحابه، إذ يقول: ([21])

إِذَا ذَكَرَتْ نَفْسِي رَجَاءً وَصَحْبَهُ
  أَكَادُ عَلَى بَعْضِ الْأُمُورِ أَلُومُهَا
فَلِلَّهِ عَيْنَا مَنْ رَأَى مِثْلَ عُصْبَةٍ
  أَقَامَ بِضُبْعِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مُقِيمُهَا
تَرَى عَافِيَاتِ الطَّيْرِ يَحْجُلْنَ حَوْلَهُمْ
  يُقَلِّبْنَ أَجْسَامًا قَلِيلًا لُحُومُهَا

فمشهد الطيور الجارحة التي تطوف حول الجثامين ولا تجد لحمًا وافرًا تقتات عليه، يؤدي وظيفة مزدوجة في النص: فهو يفضح بشاعة تنكيل الخصوم بهم وتركهم في العراء، وفي الوقت ذاته يوثق نحولهم الذاتي الناجم عن التقشف والعبادة؛ لتصبح هيأتهم بعد الممات امتدادًا طبيعيًا لزهدهم في الحياة.

وعلى الرغم من هذا النحول السلوكي والخشوع الروحي، فإن المرثي الخارجي يباغتنا في ساحة الوغى بصورة الليث الهصور، وهو ما يجسده داود بن عقبة العبدي في رثائه لقتلى معركتي النهروان والنخيلة: ([22])

إِلى اللهِ أَشْكُو فَقْدَ فِتْيَانِ غَارَةٍ
  شَهِدْتُهُمُ يَوْمَ النُّخِيْلَةِ والنَّهْرِ
شَهِدْتُهُمُ أُسْدًا إِذَا الحَرْبُ شَمَّرَتْ
  مَسَامِيْحُ بُهْمٌ بِالمُهَنَّدةِ البُتْرِ

فهو يزاوج هنا بين الجود والبسالة؛ إذ إنهم “مساميح” بأرواحهم وأنفسهم، وفي الوقت ذاته أبطال أشداء في مقارعة الأعداء. وتكتمل هذه اللوحة الإنسانية عند الحارث بن كعب الشني في وصفه لعون بن أحمر، مبرزًا شجاعته القائمة على تقوى الله وحده: ([23])

أَيْهَاتَ قَدْ أَبْلَى عِظَامِي وَشَفَّهَا
  وَأَسْهَرَ لَيْلِي ذِكْرُ عَوْنِ ابْنِ أَحْمَرَ
فَتًى كَانَ لَا يَخْشَى سِوَى اللَّه وَحْدَهُ
  وَيَطْمَعُ فِي مَعْرُوفِهِ كُلُّ مُعْتَرِ
يُجَاهِدُ فِي اللَّهِ ابْنُ أَحْمَرَ صَادِقًا
  إِذَا مَا ارْتَضَى بِالْجَوْرِ كُلُّ مُقَصِّرِ

فهذا النموذج يجمع بين الهيبة في ساحات القتال حيث لا يرهب غير الخالق، وبين اللين والمواساة الاجتماعية من خلال بسط كفه بالمعروف للمحتاجين (المعترين)؛ وهذا التوازن الدقيق بين مناهضة الجور وإغاثة الملهوف هو ما يشكل ملامح المرثي المثالي في الفكر الخارجي.

أما في رثاء عمرو بن الحسن الإباضي، فإن الرؤية تتسع لتنتقل من الحيز الفردي إلى تصوير الفتية كبنية اجتماعية متماسكة ومتكافلة: ([24])

في فِتْيَةٍ شَرَطوا نُفُوسَهُمُ
  لِلْمشْرَفِيّةِ والقَنَا السُّمْرِ
مُتَرَاحِمِينَ ذَوُو يَسَارِهِمُ
  يَتَعَطَّفُونَ عَلَى ذَوِي الفَقْرِ
وَذَوُو خَصَاصَتِهِمْ كَأَنَّهُمُ
  مِنْ صِدْقِ عِفَّتِهِمْ ذَوُو وَفْرِ 
مُتَجَمِّلِيْنَ بِطِيْبِ خِيَمِهِمُ
  لَا يَهْلَعُونَ لِنَبْوةِ الدَّهْرِ 
فَكَذَاكَ مُثْرِيْهِمْ وَمُقْتِرِهِمْ
  أَكْرِمْ بِمُقْتِرِهِمْ وَبِالمُثْرِي

يقدم هذا النص صياغة فريدة للحالة الاجتماعية للمرثيين؛ فهم مجتمع متراحم يذوب فيه الغنى في مصلحة الفقير، ويتحلى فيه المعوز بالعفة والصبر حتى يُظن ثريًا، وإن هذا التصوير يتخطى الوظيفة الرثائية التقليدية ليقدم ملامح “المدينة الفاضلة” التي سعى الخوارج إلى تأسيسها؛ فهم فتية بذلوا أرواحهم للسيوف والرماح (شرطوا نفوسهم للمشرفية) ثمنًا لإرساء هذا النموذج الأخلاقي والاجتماعي.

بناءً على ما تقدم، يتضح أن وصف حالة المرثي في الأدب الخارجي يعيد تشكيل صورة “الإنسان الكامل” وفق منطلقاتهم المذهبية، وهو إنسان يتوزع على أربعة أبعاد رئيسة:

  • في محرابه: عابد باكٍ، خاشع يرتعد من خشية الله.
  • في بنيته الجسدية: شاحب، ناحل البدن بسب أثر الصيام والقيام.
  • في ميدانه: أسد هصور لا يرهب الردى، ويتلقى الرماح برباطة جأش.
  • في مجتمعه: رحيم، متعاطف، عفيف النفس، يواسي المحتاج ويدعم الضعيف.

والملاحظ أن هذه النصوص تلتقي جميعها عند خيط مثالي صارم؛ فالشعراء كعيسى بن فاتك، وحجية، والأصم، وغيرهم، لم يكونوا يمرثون ذواتًا فردية بقدر ما كانوا يرثون قيمًا متجسدة. فالموت للمرثي يمثل الغاية الأسمى للطلب -كما يعبر الأصم الضبي-، والتحول من “الجوسق الخرب” (الدنيا) إلى “غرف الذهب” (الجنة) هو المآل الحتمي لجسد أنهكه الصيام وعظام برزت من طول القيام. لقد استطاع هؤلاء الشعراء صهر قسوة الموت المادي وفظاعته (التمزق والصلب) في بوثقة اليقين العقائدي، لينتجوا صورة للمرثي تتجاوز الفناء الجسدي العابر لتستقر في خلود المعنى المذهبي.

المطلب الثالث: المضامين العقائدية والتحولات الفلسفية في الرثاء الخارجي

إذا كان الرثاء في الموروث الشعري العربي قد ارتكز تاريخيًّا على نزعة التفجّع واللوعة، والاعتراض الضمني على حتمية القدر؛ فإنَّ الرثاء الخارجي قد اجترح لنفسه مسارًا مغايرًا، وصاغ معانٍ مبتكرة اصطبغت بظلال العقيدة وأيديولوجيا الحركة. ولم يعد الموت في منظورهم نهاية مفجعة، بل بوابة عبور نحو المطلق، ويمكن رصد وتصنيف هذه المعاني المتجددة عبر المحاور الموضوعاتية الآتية:

1. مفهوم الشراء وتحقّق الفوز الأخرويّ:

يتمحور الخطاب الرثائي عند الخوارج حول “جدلية البيع والشراء” مع الخالق؛ إذ يُعاد تعريف الموت في سبيل المبدأ بوصفه تجارة رابحة غايتها الفوز الأسمى. ويتجلى هذا التوظيف العقدي بجلاء في رثاء الجعد بن ضمّام لمطر بن عمران، حيث يقول: ([25])

أرى مطرًا قد باع لله نفسه
  بما ظلَّ يُعطَى للشّراةِ ويوعَد
فَأَصْبَحَ قَدْ نَالَ الكَرَامَةَ كُلَّهَا
  بِمَا كَانَ يَسْعَى فِي ابْتِغَاهَا وَيَجْهَد

الموت هنا ينزاح عن سياق الفقد المألوف ليصبح ترقية وظيفية ونيلًا للكرامة الإلهية، والقتل لا يمثل نقطة النهاية، بل هو إعلان عن انفكاك المؤمن التقي عن عالم الفناء المادي.

ويتأصل هذا المنظور اليقيني في رثاء جوازٍ الضبّيّ، الذي يقلب فيه موازين النصر والهزيمة بمفهومها المادي الدنيوي، معلنًا: ([26])

إِنْ يَقْتُلُوْهُ فَمَا فَازُوا بِمَقْتَلِهِ
  وَقَدْ أَصَابَ الَّذِي رَجَّى وَقَدْ فَازَا

فالفوز الحقيقي في هذه المعادلة ليس لمن انقضَّ بجسده ممسكًا بزمام القوة والسيف، بل لمن قُتل مقبلًا ونال مبتغاه الأخروي. هذا اليقين المطلق بالفوز هو ذاته الذي دفع حسّان بن جعدة إلى قطع الشك باليقين، والجزم بمآلات رفاقه الراحلين ونعيمهم المقيم: ([27])

إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنْ قَدْ أُنْزِلُوا غُرَفًا
  مِنَ الجِنَانِ، وَنَالُوا ثَمَّ خُدَّاما

وهو ما ينقل النص الرثائي من فضاء الظن البشري والرجاء، إلى فضاء القطع الإيماني الصارم.

2. ثنائية الراهب المحارب: الذبول الجسدي واليقظة الروحية:

من أعمق المضامين التي تفرّد بها رثاء الخوارج هو رصد الأثر الفسيولوجي والجسدي للعبادة على ملامح المقاتلين؛ فلم يكن المرثي مجرد فارس مدجج بالسلاح، بل “راهب ليل” أنحل جسدَه طولُ القيام والذكر. ويبرز هذا الملمح البنائي في وصف أحد الشعراء لمصعب بن محمد ورفاقه: ([28])

فِتْيَةٌ تَعْرِفُ التَّخَشُّعَ فِيهِمْ
  كُلهمْ حَكَّمَ القُرآنَ غُلَامَا
قَدْ بَرَى لَحْمَهُ التَّهجُّدُ حَتّى
  عَادَ جِلْدًا مُصْفَّرًا وَعِظَامَا

إن هذا الذبول والاصفرار الجسدي لا يحمل دلالات الوهن، بل يغدو رمزًا للامتلاء الروحي والاستعداد التام لمعانقة الشهادة.

ويبلغ هذا التصوير ذروته الدرامية عند عمرو بن الحصين العنبري في رثائه لقتلى الحركة، راسمًا لوحة نفسية وحركية بالغة التأثير: ([29])

مُتَأَوِّهُونَ كَأَنَّ جَمْرَ غَضًا
  لِلْمَوْتِ بَيْنَ ضُلُوعِهِمْ يَسْرِي
تَلْقَاهُمُ إِلَّا كَأَنَّهُمُ
  لِخُشُوعِهِمْ صَدَرُوا عَنِ الْحَشْرِ
فَهُمُ كَأَنَّ بِهِمْ جَوَى مَرَضٍ
  أَوْ مَسَّهُمْ طَرَفٌ مِنَ السِّحْرِ
لَا لَيْلُهُمْ لَيْلٌ فَيُلْبِسُهُمْ
  فِيهِ غَوَاشِيَ النَّوْمِ بِالسُّكْرِ
إِلَّا كَذَا خَلْسًا وَآوِنَةً
  حَذَرَ الْعِقَابِ فَهُمْ عَلَى ذُعْرِ
كَمْ مِنْ أَخٍ لَكَ قَدْ فُجِعْتَ بِهِ
  قَوَّامِ لَيْلَتِهِ إِلَى الْفَجْرِ
مُتَأَوِّهًا يَتْلُو قَوَارِعَ مِنْ
  آيِ الْكِتَابِ مُفَرَّحَ الصَّدْرِ
نَصِبٌ تَجِيشُ بَنَاتُ مُهْجَتِهِ
  مِنَ الْخَوْفِ جَيْشَ مَشَاشَةِ الْقِدْرِ

حيث يتداخل الوجل من عذاب الله مع لهيب جمر الغضا الساري بين الضلوع، ويتبدى خشوعهم المهيب وكأنهم بعثوا تواً من محشرهم. إنهم قوم طلقوا لذة النوم غوايةً، ولم يذوقوا الكرى إلا خلسة بدافع الحذر والوجل؛ وهذا التلازم البديع بين وعثاء النصب البدني وانشراح الصدور بآي القرآن يمنح المرثية الخارجيّة عمقًا سيكولوجيًّا يفسر استبسالهم الأسطوري في ساحات الوغى.

3. الرثاء بوصفه منارة وأداة تحريضية:

لم تكن المرثية الخارجيّة تنتهي فاعليتها بواراة الجسد الثرى، بل كانت تُصاغ لتبقي جذوة الأيديولوجيا متقدة في نفوس الأحياء، ومنارة يهتدي بها السائرون على ذات الشوكة؛ إذ يقول حسّان بن جعدة: ([30])

حَتَّى مَضَوْا لِلَّذِي كَانُوا لَهُ خَرَجُوا
  فَأَوْرَثُونَا مَنَارَاتٍ وَأَعْلَامَا

فالراحلون يتركون خلفهم إرثًا رياديًّا يستنهض همم الباقين.

ويتأكد هذا المنحى الوظيفي للرثاء عند شمر بن عبد الله في رثائه لأخيه الريان؛ فرغم حرقة الفقد الشخصي التي تتلظى في صدره كالنار، فإنه يسارع إلى دمج فجيعته الذاتية بالهمّ الجماعي للحركة، مستذكرًا رفاقه الفوارس الذين بذلوا أنفسهم رخيصة في سبيل المعتقد، مما يحوّل طاقة الحزن والكمد إلى وقود للتحريض والالتحاق بركب الشهداء: ([31])

وَلَقَدْ فُجِعْتُ بِسَادَةٍ وَفَوَارِسٍ
  لِلْحَرْبِ سُعْرٍ مِنْ بَنِي شَيْبَانِ
إِعْتَاقُهُمْ رَيْبُ الزَّمَانِ فَغَالَهُمْ
  وَتُرِكْتُ فَرْدًا غَيْرَ ذِي إِخْوَانِ
كَمِدٌ تَجَلْجَلُ فِي فُؤَادِي حَسْرَةٌ
  كَالنَّارِ مِنْ وَجْدٍ عَلَى الرَّيَّانِ
وَفَوَارِسٍ بَاعُوا الْإِلَهَ نُفُوسَهُمْ
  مِنْ يَشْكُرٍ عِنْدَ الْوَغَى فُرْسَانِ

4. البكاء على الذات والبكاء الوجودي:

في التفاتة فلسفية لافتة، يعيد حبيب بن خدرة الهلالي ترتيب أولويات الحزن؛ ليعلن أن أسى “الشاري” ليس موجهًا نحو المقتول الذي نال مراده، بل نحو الذات الباقية التي حُرمت شرف الشهادة واللحاق بالأبرار: ([32])

أَبْكِي لِنَفْسِي لَا لَهُمْ أَبْكِيهِمُ
  لَا صَبْرَ حَيْثُ تَعَارَفَ الْأَبْرَارُ

هذا المفهوم يمثل حلقة الوصل الموضوعية التي تنتظم الأفكار السابقة كاملة؛ فالمَرثيّ قد اختزل مسافات الشقاء وبلغ غرفته الآمنة، في حين يظل الشاعر الحي هو المحزون الحقيقي لأنه تُرِك “فردًا غير ذي إخوان” كما عبر شمر بن عبد الله، أو لأنه ما زال يكابد فتن دار الطغاة والظلم.

بناءً على ما تقدم، تتضافر هذه المقاطع الشعرية لتشكل بورتريه متكاملًا للبطل الخارجي؛ فهو يبدأ مسيرته “شاريًا” باذلًا لنفسه، ثم يقضي أيامه عابدًا متهجدًا تذوب فسيولوجيا جسده في طاعة ربه، لينتهي به المطاف قتيلًا يترك دمه منارة تضيء دروب الأجيال اللاحقة.

المطلب الرابع: أدبيات الفقد الأنثوي عند الخوارج: من لوعة الحزن إلى منبر التحريض

يُمثّل الرثاء الأنثوي في ديوان الخوارج أحد أصدق الفنون التعبيرية وأكثرها توهجًا وعاطفة؛ فالمرأة في هذا الفضاء الفكري لم تكن بمأمن عن أتون الصراع الأيديولوجي، بل كانت شريكة في صياغة المبدأ، وصابرة على البلاء، وحارسة أمينة لذاكرة الأبطال.

وإذا كان رثاء الرجال قد اتسم بالنزوع الحماسي والحركي، فإن رثاء النساء قد زاوج ببراعة بين حرارة الفجيعة الشخصية وبين الاعتزاز بالمرتكز العقدي، مستحيلةً معها الدموع إلى وثائق سياسية واجتماعية تُدين الخصوم وتخلد الشهداء. ويمكن استجلاء ملامح الرثاء عند نساء الخوارج عبر المحاور الآتية:

1. لوعة الفقد ومقايضة السلم بالانتقام: تستهل أم الجراح العدوية مرثيتها للقائدين أبي بلال وعروة بن أدية برؤية سياسية حاسمة تحدد شكل العلاقة مع السلطة بعد غيابهما، قائلة: ([33])

وَمَا بَعْدَ مِرْدَاسٍ وَعُرْوَةَ بَيْنَنَا
  وَبَيْنِكُمْ شَيْءٌ سِوَى عِطْرِ مَنْشَمِ
فَلَسْتَ بِنَاجٍ مِنْ يَدِ اللَّهِ بَعْدَمَا
  هَرَقْتَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ بِلَا دَمِ

ويتجاوز الرثاء هنا حدود النحيب التقليدي ليتشح بعباءة التحدي السياسي؛ إذ يحمل توظيفها لمصطلح “عطر منشم” – وهو رمز تاريخي للشؤم والحروب المستعرة – إشارات واضحة إلى تقطع حبال السلم وصيرورة الصدام. فالشاعرة لا تقف عند حدود النعي، بل تتوعد القاتل بالقصاص الإلهي، مما يربط عاطفة الحزن بيقين العدالة الألوهية.

2. مباركة “الشراء” والاحتفاء بالمهج: وفي سياق عقدي متصل، تُرسخ شاعرة من بني سليط مفهوم التعويض الإلهي في رثائها لمرداس وثلة من أصحابه، حيث تقول: ([34])

سَقَى اللهُ مِرْدَاسًا وَأَصْحَابَهُ الأُلَى
  شَرَوا مَعَهُ غَيْثًا كَثِيْرَ الزَّمَاجِرِ
فَكُلُّهُمُ قَدْ جَادَ للهِ مُخْلِصًا
  بِمُهْجَتِهِ عِنْدَ التِقَاءِ العَسَاكِرِ

تربط الشاعرة في هذين البيتين بين دعاء السقيا (الرحمة) وبين فعل “الشراء” التضحوي، واصفةً بذل أرواحهم بأنه جود بالمهج، وهو ذروة الإخلاص العقدي. هذا الربط يخفف من وطأة الموت التراجيدي ويحيله إلى فعل بطولي مبارك، وتتماهى فيه صورة القائد مع “الغيث” الذي يمنح الأرض الحياة بعد موتها.

3. رثاء الأم: تداخل الفخر الملحمي بالوجع الذاتي: ينتقل الرثاء إلى مساحة أكثر حميمية وخصوصية مع عمرة – أم عمران بن الحارث الراسبي – التي ترسم مشهد استشهاد ابنها ببراعة تمزج بين القداسة والفروسية: ([35])

اللَّهُ أَيَّدَ عِمْرَانًا وَطَهَّرَهُ
  وَكَانَ عِمْرَانُ يَدْعُو الله فِي السَّحَرِ
يَدْعُوهُ سِرًّا وَإِعْلَانًا لِيَرْزُقَهُ
  شَهَادةً بِيَدَي مِلْحادَةٍ غُدْرِ

تُبرز الأم هنا الأبعاد التعبدية في شخصية ابنها (يدعو الله في السحر)، لتؤكد أن فروسيته في الميدان لم تكن إلا انعكاسًا لطهارته الروحية. إنها لا تبكي رحيله بقدر ما تحتفي باستجابة السماء لدعائه، وهو ما يمثل تحولاً نوعيًا في عاطفة الأمومة التي باتت ترى في شهادة الابن فوزًا وتأييدًا إلهيًا.

4. الصمود واستمرارية المنهج الحركي: تُجسد أخت الحازوق الحنفي رثاءها في صورة تحدٍّ وجودي؛ فرغم انهمار دموعها كالمطر الشديد، إلا أنها تبعث برسائل طمأنة للجماعة مؤكدة أن غياب القائد لن يوقف المسيرة: ([36])

أَعَينَيَّ جُوْدَا بِالدُّمُوعِ عَلَى الصَّدْرِ
  عَلَى الفَارِسِ المَقْتُولِ بِالجَبَلِ الوَعْرِ
فَإِنْ يَقْتُلُوا الحَازُوْقَ وَابنَ مُطَرَّفٍ
  فَإِنَّ لَدَيْنَا حَوشَبًا وأَبا جِسْرِ
أُقَلِّبُ عَيْني فِي الرّكابِ فَلَا أَرَى
  حَزاقًا فَعَيْني كَالحِجَاةِ مِنَ القَطْرِ
وَمَنْ يَعْتَمِ العَامَ الوَشِيْكَ وَلَاحِقًا
  وَقَتْلَ حَزَاقٍ لَا يَزَلْ عَالِيَ الذِّكْرِ

إن الربط الوثيق بين الفجيعة الشخصية وطرح البديل القيادي القادم يعكس صلابة المرأة الخارجية؛ فهي ترى في أخيها فارسًا ممهدًا للطريق، مما يجعل قصيدتها أداة لشحذ الهمم وتجديد العهد بدلاً من الاستسلام لليأس والغم الحزين.

5. تتابع الفواجع والاستنزاف النفسي: على نقيض قصائد الصمود، تبرز مرارة الفقد المتواتر عند امرأة من الخوارج رثت أخًا لها سقط في معارك الضحاك، واصفة حالة الاحتراق الروحي التي كابدتها: ([37])

أَفْسَدَتْ عَيْشَنَا صُرُوفُ اللَّيَالي
  وَوَقَائِعٌ مِنَ الكَتَائِبِ تَتْرَى
كُلَّمَا سَكَّنَتْ حَرَارَةَ وَجْدٍ
  مِنْ فَقِيدٍ مِنّا تَجِينا بِأُخْرَى

وتتعمق هذه التراجيديا بالاعتراف بعجز البكاء والنحيب عن شفاء الصدر الملتاع: ([38])

يَا عَيْنُ جُودِي بِالدُّمُوعِ
  وَابْكِي بِجهْدِ الْمُسْتَطِيعِ
يَا مَوْتُ وَيْحَكَ مَا تَزَا
  لُ مُفَرِّقًا بَيْنَ الْجَمِيعِ
أَبْكِي وَمَا يُغْنِي التَّلَهُّـ
  ـفُ وَالْبُكَاءُ عَنِ الْجَزُوعِ

تعكس هذه الأبيات بوضوح الواقع المأساوي الناتح عن الحروب الطاحنة المستمرة، حيث يتحول الحزن لدى نساء الخوارج إلى حالة مقيمة لا تكاد تهدأ حتى تتجدد بفاجعة أخرى.

6. ذروة الرثاء الأنثوي: رثاء الفارعة للوليد بن طريف: يصل هذا الغرض إلى قمة نضجه الفني والوجداني مع الفارعة بنت طريف في رثائها الشهير لأخيها الوليد. ورغم أن هذه القصيدة تنتمي زمنيًا إلى العصر العباسي، إلا أن إثباتها في هذا الموضع تفرضه قيمتها التعبيرية العالية، تقول الفارعة: ([39])

فَيَا شَجَرَ الخَابُورِ مَا لَكَ مُورِقًا؟
  كَأَنَّكَ لَمْ تَجْزَعْ عَلَى اِبْنِ طَرِيْفِ
فَتًى لَا يُحِبُّ الزَّادَ إِلّا مِنَ التُّقى
  وَلا المَالَ إِلّا مِنْ قَنًا وَسُيوفِ

تستدعي الفارعة عناصر الطبيعة (شجر الخابور) كمعادل موضوعي لحجم الفاجعة، مستنكرة اخضرار الشجر بعد رحيل من كان يهب الوجود معناه، وتجمع في وصف أخيها بين “التقى” كزاد روحي، و”القنا والسيوف” كأدوات لنصرة المبدأ، لتختتم برسم صورة كونية لرحيله بوصفه خسارة للأرض والسماء: ([40])

وَلِلْبَدْرِ مِنْ بَيْنِ الكَوَاكِبِ إِذْ هَوَى
  وَلِلشَّمْسِ لَمَّا أَزْمَعَتْ بِكُسُوفِ

إن مرثية الفارعة تُمثّل النموذج الأكمل للشعر الذي يزاوج بين جزالة الديباجة العباسية وعنفوان العقيدة الخارجية، لتظل شاهدة على أن رثاء نساء الخوارج كان صياغة صادقة لنفوس ترفض الضيم والخنوع حتى في لحظات انكسارها وفجيعتها.

تأسيساً على ما تقدم يُلاحظ أن الرثاء الأنثوي في شعر الخوارج قد تحرك في خطين متوازيين: خط وجداني ينطلق من دمع العين وحرقة الوجد، وآخر عقدي ينتهي بالرضا بقضاء الله والوعيد الصارم للخصوم؛ فمن تهديد أم الجراح، إلى فخر عمرة، وصولاً إلى فرادة الفارعة البيانية، صاغت المرأة الخارجية من دمعها خطابات حركية لا تقل قوة ومضاءً عن سمر القنا التي رثتها.

الخاتمة والتوصيات

خلصت هذه الدراسة التكامليّة النفديّة لشعر الرثاء عند الخوارج في العصر الأموي إلى جملة من النتائج والتوصيات الهامّة:

أولاً: أهم النتائج

أثبتت الدراسة أن الرثاء في المنظور الخارجي تجاوز كونه زفرات وجدانية إنسانية تفجّعية، بل استحال إلى أداة شحن أيديولوجي ومنصة تعبوية حركية لصيانة النموذج الرسالي واستمرار خط الحركة وثبات العقيدة.

كشفت القراءة النقدية للنصوص عن ملامح “القائد المثالي الأسطورة” القائم على التناقض الخلّاق والفريد؛ حيث صهر الشعراء ورع الليل وعذوبته التعبدية مع بسالة النهار وصلابته العسكرية الميدانية الشرسة.

بيّن التفكيك الأسلوبي لـ”حالة المرثي” كيف نجح شعراء الخوارج في قلب بشاعة الموت والتمثيل بالأجساد (كالصلب والتمزيق ونحول الصوم وبلاء عظام الجثث في العراء) إلى جماليات نورانية مبشرة بالفوز الأخروي المطلق وحتمية دخول الجنان.

برهنت الدراسة على ريادة رثاء “المرأة الخارجية” في صياغة “أدب الالتزام العقدي”؛ إذ سار رثاؤها في خطين متوازيين: خط وجداني مأساوي يبكي الفقد المتكرر، وخط حركي صارم يتوعد السلطة ويندّد بالخصوم ويثبت البدلاء لمواصلة الثورة.

رسّخ شعر الرثاء ظاهرة ذوبان (أنا) الشاعر الفردية الضيقة لتنصهر في (نحن) الجماعة المؤمنة الباكية على تفريطها ونفسها لا على المرثي الفائز بـ”صفقة الشراء”.

ثانياً: التوصيات

توصي الدراسة الباحثين في حقل الأدب الإسلامي والأموي بضرورة الالتفات إلى الأبعاد الجمالية والتشكيلات الأسلوبية في شعر الفرق، وعدم الاكتفاء بالنظر إليها بوصفها مجرد وثائق تاريخية وسياسية صماء.

إخراج دراسات بينية مستقلة تعنى بـ”المعجم القرآني وأثره البلاغي في توجيه بنية القصيدة الخارجية”.

إجراء بحوث مقارنة موسعة بين سمات الرثاء العقدي عند الخوارج وسمات الرثاء السياسي لدى الفرق المعاصرة لهم كالشيعة والزبيريين لتحديد نقاط التماس والافتراق الفني.

قائمة المصادر والمراجع

ابن الأثير، عز الدين علي بن أبي الكرم. (1997). الكامل في التاريخ. تحقيق: عمر تدمري. بيروت: دار الكتاب العربي، ط1.

Ibn al-Athīr, ʿIzz al-Dīn ʿAlī ibn Abī al-Karam. (1997). Al-Kāmil fī al-Tārīkh [The Complete History]. Edited by ʿUmar Tadmurī. Beirut: Dār al-Kitāb al-ʿArabī, 1st ed.

ابن جعفر، قدامة أبو الفرج. (د.ت). نقد الشعر. تحقيق: محمد عبد المنعم خفاجي. بيروت: دار الكتب العلمية.

Ibn Jaʿfar, Qudāmah Abū al-Faraj. (n.d.). Naqd al-Shiʿr [Criticism of Poetry]. Edited by Muḥammad ʿAbd al-Munʿim Khafājī. Beirut: Dār al-Kutub al-ʿIlmiyyah.

ابن عساكر، علي بن الحسن. (1995). تاريخ مدينة دمشق. تحقيق: محب الدين أبو سعيد عمر بن غرامة العمروي. دمشق: دار الفكر العربي.

Ibn ʿAsākir, ʿAlī ibn al-Ḥasan. (1995). Tārīkh Madīnat Dimashq [The History of the City of Damascus]. Edited by Muḥibb al-Dīn Abū Saʿīd ʿUmar ibn Gharāmah al-ʿAmrawī. Damascus: Dār al-Fikr al-ʿArabī.

البحتري، أبو عبادة الوليد بن عبيد. (2007). الحماسة. تحقيق: محمد إبراهيم حوّر، وأحمد محمد عبيد. أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث.

Al-Buḥturī, Abū ʿUbādah al-Walīd ibn ʿUbayd. (2007). Al-Ḥamāsah [The Anthology of Heroic Poetry]. Edited by Muḥammad Ibrāhīm Ḥawwar and Aḥmad Muḥammad ʿUbayd. Abu Dhabi: Abu Dhabi Authority for Culture and Heritage.

البغدادي، عبد القادر بن عمر. (1997). خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب. تحقيق: عبد السلام محمد هارون. القاهرة: مكتبة الخانجي، ط4.

Al-Baghdādī, ʿAbd al-Qādir ibn ʿUmar. (1997). Khizānat al-Adab wa-Lubb Lubāb Lisān al-ʿArab [The Treasury of Literature and the Essence of the Arabic Tongue]. Edited by ʿAbd al-Salām Muḥammad Hārūn. Cairo: Maktabat al-Khānjī, 4th ed.

البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر. (1996). جمل من أنساب الأشراف. تحقيق: سهيل زكار، ورياض زركلي. بيروت: دار الفكر، ط1.

Al-Balādhurī, Aḥmad ibn Yaḥyā ibn Jābir. (1996). Jumal min Ansāb al-Ashrāf [Selections from the Genealogies of the Nobles]. Edited by Suhayl Zakkār and Riyāḍ Ziriklī. Beirut: Dār al-Fikr, 1st ed.

الدينوري، أبو حنيفة أحمد بن داود. (1960). الأخبار الطوال. تحقيق: عبد المنعم عامر، وجمال الدين الشيال. مصر: وزارة الثقافة والإرشاد القومي.

Al-Dīnawarī, Abū Ḥanīfah Aḥmad ibn Dāwūd. (1960). Al-Akhbār al-Ṭiwāl [The Long Narratives]. Edited by ʿAbd al-Munʿim ʿĀmir and Jamāl al-Dīn al-Shayyāl. Egypt: Ministry of Culture and National Guidance.

الزمخشري، محمود بن عمر. (1412هـ). ربيع الأبرار ونصوص الأخيار. بيروت: مؤسسة الأعلمي.

Al-Zamakhsharī, Maḥmūd ibn ʿUmar. (1412 AH). Rabīʿ al-Abrār wa-Nuṣūṣ al-Akhyār [The Spring of the Righteous and Texts of the Virtuous]. Beirut: Muʾassasat al-Aʿlamī.

سبط ابن الجوزي، شمس الدين أبو المظفر يوسف. (2013). مرآة الزمان في تواريخ الأعيان. تحقيق: محمد بركات وآخرون. دمشق: دار الرسالة العالمية.

Sibṭ Ibn al-Jawzī, Shams al-Dīn Abū al-Muẓaffar Yūsuf. (2013). Mirʾāt al-Zamān fī Tawārīkh al-Aʿyān [The Mirror of Time in the Histories of Notable Figures]. Edited by Muḥammad Barakāt et al. Damascus: Dār al-Risālah al-ʿĀlamiyyah.

الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير. (1967). تاريخ الطبري: تاريخ الرسل والملوك. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. مصر: دار المعارف، ط2.

Al-Ṭabarī, Abū Jaʿfar Muḥammad ibn Jarīr. (1967). Tārīkh al-Ṭabarī: Tārīkh al-Rusul wa-al-Mulūk [The History of al-Ṭabarī: The History of Prophets and Kings]. Edited by Muḥammad Abū al-Faḍl Ibrāhīm. Egypt: Dār al-Maʿārif, 2nd ed.

عباس، إحسان. (1974). شعر الخوارج. بيروت: دار الثقافة، ط4.

ʿAbbās, Iḥsān. (1974). Shiʿr al-Khawārij [The Poetry of the Kharijites]. Beirut: Dār al-Thaqāfah, 4th ed.

علي، عاصم شحادة، وبدري نجيب زبير. (2011). آثار الخوارج الشعرية: دراسة تحليلية نقدية. مجلة الدراسات اللغوية والأدبية، 2(2، عدد خاص)، 156–181.

ʿAlī, ʿĀṣim Shaḥādah, & Badrī Najīb Zubayr. (2011). The Poetic Legacy of the Kharijites: An Analytical and Critical Study. Journal of Linguistic and Literary Studies, 2(2, Special Issue), 156–181.

القرشي، عباس بن محمد بن مسعود. (1995). حماسة القرشي. تحقيق: خير الدين محمود قبلاوي. دمشق: وزارة الثقافة، الجمهورية العربية السورية.

Al-Qurashī, ʿAbbās ibn Muḥammad ibn Masʿūd. (1995). Ḥamāsat al-Qurashī [Al-Qurashī’s Anthology of Heroic Poetry]. Edited by Khayr al-Dīn Maḥmūd Qiblāwī. Damascus: Ministry of Culture, Syrian Arab Republic.

المبرد، محمد بن يزيد. (1997). الكامل في اللغة والأدب. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. القاهرة: دار الفكر العربي، ط3.

Al-Mubarrad, Muḥammad ibn Yazīd. (1997). Al-Kāmil fī al-Lughah wa-al-Adab [The Complete Work on Language and Literature]. Edited by Muḥammad Abū al-Faḍl Ibrāhīm. Cairo: Dār al-Fikr al-ʿArabī, 3rd ed.

المرزباني، محمد بن عمران. (1982). معجم الشعراء. تحقيق: ف. كرنكو. بيروت: مكتبة القدسي ودار الكتب العلمية، ط2.

Al-Marzubānī, Muḥammad ibn ʿImrān. (1982). Muʿjam al-Shuʿarāʾ [Dictionary of Poets]. Edited by F. Krenkow. Beirut: Maktabat al-Qudsī and Dār al-Kutub al-ʿIlmiyyah, 2nd ed.

النويري، أحمد بن عبد الوهاب القرشي. (1423هـ). نهاية الأرب في فنون الأدب. القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية.

Al-Nuwayrī, Aḥmad ibn ʿAbd al-Wahhāb al-Qurashī. (1423 AH). Nihāyat al-Arab fī Funūn al-Adab [The Ultimate Ambition in the Arts of Erudition]. Cairo: Dār al-Kutub wa-al-Wathāʾiq al-Qawmiyyah.

ياقوت الحموي، شهاب الدين أبو عبد الله الرومي. (1995). معجم البلدان. بيروت: دار صادر، ط2.

Yāqūt al-Ḥamawī, Shihāb al-Dīn Abū ʿAbd Allāh al-Rūmī. (1995). Muʿjam al-Buldān [Dictionary of Countries and Places]. Beirut: Dār Ṣādir, 2nd ed.

الهوامش:

  1. () أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (القاهرة: دار المعارف، 1967)، 5/ 72-74؛ محمد بن يزيد المبرد، الكامل في اللغة والأدب، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (القاهرة: دار الفكر العربي، 1997)، 3/ 114.
  2. () أحمد بن يحيى بن جابر البَلَاذُري، جمل من أنساب الأشراف، تحقيق: سهيل زكار – رياض زركلي (بيروت: دار الفكر، 1996)، 3/ 142.
  3. () أبو الحسن علي بن محمد ابن الأثير، الكامل في التاريخ، تحقيق: عمر تدمري (بيروت: دار الكتاب العربي، 1997)، 3/ 146.
  4. () إحسان عبّاس، شعر الخوارج (بيروت: دار الثقافة، 1974)، 14-16.
  5. () أحمد بن داود أبو حنيفة الدينوري، الأخبار الطوال، تحقيق: عبد المنعم عامر – جمال الدين الشيال (القاهرة: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، 1960)، 278.
  6. () عبد القادر بن عمر البغدادي، خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، تحقيق: عبد السلام محمد هارون (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1997)، 5/ 354؛ شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت الحموي، معجم البلدان (بيروت: دار صادر، 1995)، 2/ 182.
  7. () عبّاس، شعر الخوارج، 9.
  8. () عاصم شحادة علي – بدري نجيب زبير، “آثار الخوارج الشعرية: دراسة تحليلية نقدية”، مجلة الدراسات اللغوية والأدبية 2/2 (عدد خاص) (2011)، 165.
  9. () المبرد، الكامل في اللغة والأدب، 3/124; البَلَاذُري، أنساب الأشراف، 5/193; عبّاس، شعر الخوارج، 141–142.
  10. () البَلَاذُري، أنساب الأشراف، 5/187; ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 3/110; عبّاس، شعر الخوارج، 59–60.
  11. () البَلَاذُري، أنساب الأشراف، 5/195; عبّاس، شعر الخوارج، 61.
  12. () البَلَاذُري، أنساب الأشراف، 5/194; عبّاس، شعر الخوارج، 63.
  13. () المبرد، الكامل في اللغة والأدب، 3/124; البغدادي، خزانة الأدب، 5/359-360; عبّاس، شعر الخوارج، 142–143.
  14. () علي بن الحسن ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، وذكر فضلها وتسمية من حلها من الأماثل أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلها، تحقيق: محب الدين أبو سعيد عمر بن غرامة العمروي (دمشق: دار الفكر العربي للطبع والنشر والتوزيع، 1995)، 43/500; عبّاس، شعر الخوارج، 143–144.
  15. () البَلَاذُري، أنساب الأشراف، 8/10; عبّاس، شعر الخوارج، 178.
  16. () البَلَاذُري، أنساب الأشراف، 7/150-151; الدينوري، الأخبار الطوال، 274; عبّاس، شعر الخوارج، 72.
  17. () عبّاس، شعر الخوارج، 95.
  18. () المبرد، الكامل في اللغة والأدب، 3/187; عباس بن محمد بن مسعود القرشي، حماسة القرشي، تحقيق: خير الدين محمود قبلاوي (دمشق: وزارة الثقافة، الجمهورية العربية السورية، 1995)، 183; عبّاس، شعر الخوارج، 56.
  19. () محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الزمخشري، ربيع الأبرار ونصوص الأخيار (بيروت: مؤسسة الأعلمي، 1412)، 2/386; ياقوت الحموي، معجم البلدان، 2/185; عبّاس، شعر الخوارج، 125.
  20. () البَلَاذُري، أنساب الأشراف، 8/56; عبّاس، شعر الخوارج، 189.
  21. () البَلَاذُري، أنساب الأشراف، 5/425; عبّاس، شعر الخوارج، 71.
  22. () البَلَاذُري، أنساب الأشراف، 8/119; ياقوت الحموي، معجم البلدان، 5/278; عبّاس، شعر الخوارج، 192.
  23. () البَلَاذُري، أنساب الأشراف، 7/151; عبّاس، شعر الخوارج، 74.
  24. () أبو الفرج قدامة بن جعفر، نقد الشعر، تحقيق: محمد عبد المنعم خفاجي (بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت)، 28; محمد بن عمران المرزباني، معجم الشعراء، تحقيق: الأستاذ الدكتور ف. كرنكو (بيروت: مكتبة القدسي، دار الكتب العلمية، 1982)، 229; عبّاس، شعر الخوارج، 223.
  25. () البَلَاذُري، أنساب الأشراف، 8/59; عبّاس، شعر الخوارج، 179.
  26. () البَلَاذُري، أنساب الأشراف، 8/63; عبّاس، شعر الخوارج، 192.
  27. () الطبري، تاريخ الطبري، 6/578; شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قِزْ أُوغلي بن عبد الله سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان في تواريخ الأعيان، تحقيق: محمد بركات وآخرون (دمشق: دار الرسالة العالمية، 2013)، 10/254; عبّاس، شعر الخوارج، 195.
  28. () البَلَاذُري، أنساب الأشراف، 8/357; ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 4/162; عبّاس، شعر الخوارج، 196.
  29. () القرشي، حماسة القرشي، 187; عبّاس، شعر الخوارج، 224.
  30. () الطبري، تاريخ الطبري، 6/578; سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان، 10/254; عبّاس، شعر الخوارج، 195.
  31. () الطبري، تاريخ الطبري، 6/577; سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان، 10/253; عبّاس، شعر الخوارج، 199.
  32. () البَلَاذُري، أنساب الأشراف، 9/269; عبّاس، شعر الخوارج، 212.
  33. () البَلَاذُري، أنساب الأشراف، 5/193; عبّاس، شعر الخوارج، 53.
  34. () البَلَاذُري، أنساب الأشراف، 5/195; عبّاس، شعر الخوارج، 53.
  35. () البَلَاذُري، أنساب الأشراف، 7/151; المبرد، الكامل في اللغة والأدب، 3/214; عبّاس، شعر الخوارج، 73.
  36. () البَلَاذُري، أنساب الأشراف، 7/183; عبّاس، شعر الخوارج، 76.
  37. () البَلَاذُري، أنساب الأشراف، 9/269; عبّاس، شعر الخوارج، 207.
  38. () البَلَاذُري، أنساب الأشراف، 9/269; عبّاس، شعر الخوارج، 207.
  39. () أبو عُبَادة الوَليد بن عُبَيد البُحتري، الحماسة، تحقيق: د. محمَّد إبراهيم حُوَّر، أحمد محمد عبيد (أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، 2007)، 528; أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم القرشي التيمي البكري النويري، نهاية الأرب في فنون الأدب (القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 1423)، 22/131.
  40. () البُحتري، الحماسة، 528; النويري، نهاية الأرب في فنون الأدب، 22/131.