Article 16

بين الواقع والطموح: التعليم المدمج في تدريس اللغة العبرية من منظور معلمي المرحلة الثانوية العرب داخل الخط الأخضر

ريم ذياب1

1 جامعة النجاح الوطنية، نابلس، فلطسين.

بريد الكتروني: reem75.rd@gmail.com

Between Reality and Aspiration: Blended Learning in Teaching Hebrew from the Perspective of Arab Secondary School Teachers Inside the Green Line

Reem Dhiab¹

¹ An-Najah National University, Nablus, Palestine.
Email: reem75.rd@gmail.com

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj76/16

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/76/16

المجلد (7) العدد (6). الصفحات: 254 - 278

تاريخ الاستقبال: 2026-05-10 | تاريخ القبول: 2026-05-15 | تاريخ النشر: 2026-06-01

Download PDF

Cite / الاستشهاد

المستخلص: هدفت الدراسة إلى استكشاف واقع توظيف التعليم المدمج في تدريس اللغة العبرية بالمدارس الثانوية العربية داخل الخط الأخضر، من منظور معلمي اللغة العبرية، والكشف عن تصوراتهم لطبيعة هذا النمط التعليمي، وآليات استخدامه في الممارسة الصفية، والتحديات التي تحد من فاعليته. اعتمدت الدراسة المنهج النوعي الوصفي التفسيري، وجُمعت البيانات من خلال مقابلات شبه مقننة مع عشرة من معلمي ومعلمات اللغة العبرية، اختيروا بطريقة قصدية ممن لديهم خبرة فعلية في توظيف التعليم المدمج. أظهرت النتائج أن التعليم المدمج حاضر في تدريس اللغة العبرية، غير أن توظيفه ما يزال في كثير من الحالات محدوداً وذا طابع أداتي، إذ تُستخدم الأدوات الرقمية غالباً في عرض المحتوى، وتنظيم الواجبات، وإجراء الاختبارات الإلكترونية، أكثر من استخدامها في إعادة بناء النشاط اللغوي بصورة عميقة. وفي المقابل، كشفت الدراسة عن وجود ممارسات أكثر تقدماً لدى بعض المعلمين، ولا سيما في أنشطة الكتابة، والتعبير الشفهي، والتسجيلات الصوتية، والتغذية الراجعة الرقمية، بما أسهم في تعزيز ثقة الطلبة وإتاحة فرص أوسع للتفاعل والمحاولة المتكررة. كما بينت النتائج أن ضعف البنية التحتية، ونقص الأجهزة، وبطء الإنترنت، وقلة التدريب المهني، وضغط الوقت، والفجوة الرقمية بين الطلبة، إضافة إلى محدودية الملاءمة الثقافية واللغوية لبعض المواد الرقمية الرسمية، تمثل أبرز العوائق التي تحد من التطبيق الفاعل للتعليم المدمج. وخلصت الدراسة إلى أن التعليم المدمج يمتلك إمكانات تربوية حقيقية في تدريس اللغة العبرية للطلبة العرب، إلا أن فاعليته ترتبط بمدى انتقاله من الاستخدام التقني الجزئي إلى التصميم البيداغوجي الواعي، وبما يتوافر للمعلمين من دعم مؤسسي، وتأهيل مهني متخصص، وموارد رقمية تراعي الخصوصية اللغوية والثقافية للمتعلمين.

الكلمات المفتاحية: التعليم المدمج، تدريس اللغة العبرية، معلمو المرحلة الثانوية، المدارس العربية، الخط الأخضر، العدالة الرقمية، السياق اللغوي الثقافي.

Abstract: This study aimed to explore the reality of employing blended learning in teaching Hebrew in Arab secondary schools inside the Green Line from the perspective of Hebrew language teachers. It sought to identify teachers’ perceptions of this instructional model, the ways in which it is used in classroom practice, and the challenges that limit its effectiveness. The study adopted a qualitative descriptive-interpretive approach, and data were collected through semi-structured interviews with ten male and female Hebrew language teachers who were purposively selected because of their actual experience in using blended learning. The findings revealed that blended learning is present in Hebrew language teaching; however, its use remains limited and largely instrumental in many cases. Digital tools are often used to present content, organize assignments, and conduct electronic assessments, rather than to deeply reconstruct language-learning activities. Conversely, the study revealed more advanced practices among some teachers, particularly in writing activities, oral expression, audio recordings, and digital feedback, which contributed to strengthening students’ confidence and providing broader opportunities for interaction and repeated practice. The findings also showed that weak infrastructure, lack of devices, slow internet connectivity, insufficient professional training, time pressure, the digital divide among students, and the limited cultural and linguistic relevance of some official digital materials are among the main obstacles that restrict the effective implementation of blended learning. The study concluded that blended learning has genuine educational potential in teaching Hebrew to Arab students. However, its effectiveness depends on moving beyond partial technical use toward conscious pedagogical design, supported by institutional backing, specialized professional development, and digital resources that respond to learners’ linguistic and cultural particularities.

Keywords: Blended learning, Hebrew language teaching, secondary school teachers, Arab schools, Green Line, digital equity, linguistic-cultural context.

المقدمة

يشهد الحقل التربوي في العقد الأخير تحولات متسارعة بفعل التطور التكنولوجي، فلم يعد التعليم نشاطاً يقتصر على الحضور المكاني والزماني الثابت، بل أصبح مجالاً تتداخل فيه البيئات المادية والرقمية بصورة متزايدة، ما خلق الحاجة إلى نماذج تعلمية أكثر مرونة واستجابة لتنوع المتعلمين وسياقاتهم (UNESCO, 2024؛ بحة، 2021). في هذا الإطار برز التعليم المدمج بوصفه مقاربة تسعى إلى المواءمة بين التعليمين الوجاهي والرقمي ضمن تصميم تربوي متكامل، لا يقوم على مجرد الجمع بين وسيلتين، بل على إعادة تنظيم الخبرة التعليمية بما يحقق توازناً بين التفاعل الإنساني وإمكانات التكنولوجيا (Cronje, 2020). وتُشير دراستي أحمد (Ahmed, 2025)، وشيو Chiu, 2021)) ان قيمة التعليم المدمج لا تكمن في استخدام الوسائط الرقمية ذاتها، وإنما في الكيفية التي يُعاد بها تصميم أنشطة التعلم بما يخدم الأهداف البيداغوجية ويُعزز مشاركة المتعلمين وبناءهم للمعرفة. كما تُشير دراسة فيليبس وآخرين (Phillips et al., 2016) إلى أن الدمج الفعّال يمكن أن يُحافظ على العلاقة التربوية المباشرة مع إتاحة قدر أكبر من المرونة والاستقلالية للمتعلمين.

غير أن تطبيق التعليم المدمج لا يتم في فراغ، بل يتشكل في ضوء السياقات المؤسسية والتعليمية التي يحتضنها، فنجاح هذا النمط لا يتوقف على مجرد الجمع بين التعليم الوجاهي والتعليم الرقمي، وإنما يرتبط أيضا بدرجة جاهزية المؤسسة، وما يتوافر للمعلمين من تدريب ودعم، وبقدرة التصميم التعليمي على الاستجابة لخصوصية السياق المحلي ومتطلباته (Sareen& Mandal, 2024)، ويزداد الأمر تعقيداً في البيئات متعددة اللغات، إذ يتقاطع البُعد التعليمي مع اعتبارات الهوية والمكانة اللغوية. ففي السياق العربي داخل إسرائيل، تكتسب اللغة العبرية أهمية مركزية بوصفها لغة التعليم العالي والعمل، ما يجعل مستوى إتقانها عاملاً حاسماً في المسارات الأكاديمية والمهنية للطلبة العرب. وقد أظهرت دراسة طربيه (Tarabia, 2023) أن إتقان العبرية يُعد من المحددات الأساسية للنجاح الأكاديمي في مؤسسات التعليم العالي، في حين تُشير معطيات السلطة القطرية للقياس والتقويم (RAMA, 2024) إلى فجوة مستمرة في مستويات تحصيل الطلبة في هذه اللغة وتضع هذه المعطيات معلمي اللغة العبرية أمام تحدي البحث عن طرائق تدريس أكثر فاعلية واستجابة لاحتياجات الطلبة، من بينها التعليم المدمج.

وانطلاقاً من ذلك، تأتي هذه الدراسة لاستكشاف توظيف معلمي اللغة العبرية في المدارس الثانوية العربية لاستراتيجية التعليم المدمج، ليس بوصفها إجراءً تقنياً، بل كممارسة تربوية تتشكل داخل سياق لغوي وثقافي خاص. وتسعى إلى فهم الكيفية التي يُعاد بها تنظيم الدرس اللغوي في ضوء الدمج بين الحضور الوجاهي والوسائط الرقمية، والتحديات التي تواجه المعلمين، والمعاني التي يُسندوها لهذه التجربة في واقعهم المهني.

مشكلة الدراسة

في ظل التحوّل الرقمي المتسارع الذي تشهده الأنظمة التعليمية عالمياً، يطرح التعليم المدمج في الأدبيات والسياسات التربوية بوصفه نموذجاً مرناً قادراً على تحسين جودة التعلم، ولا سيما في تعليم اللغات. غير أن هذا الحضور القوي في الخطاب التربوي لا يعني بالضرورة تحققه بصورة منهجية في الممارسات الصفيّة الفعلية، فقد أشارت دراسة الوان ومحمد (Alwan & Mohammed, 2024) إلى أن توظيف التعليم المدمج يتم في كثير من السياقات بصورة جزئية أو أداتية، ويرتبط أحياناُ بضرورات تنظيمية أو استجابات ظرفية أكثر من ارتباطه برؤية بيداغوجية واعية تستند إلى إعادة تصميم التعلم بصورة متكاملة. كما كشف محمدي (Mohammadi et al., 2025) أن الفجوة بين الإمكانات النظرية للتعليم المدمج ومستوى تطبيقه الواقعي ترتبط بجاهزية المعلمين، ومستوى اعدادهم الرقمي والبيداغوجي، وبحجم الدعم المؤسسي والتنظيمي المتاح لهم، فنجاح هذا النمط لا يقوم على مجرد إضافة أدوات رقمية إلى الصف، بل على بناء ممارسة تعليمية متكاملة تنسق بين التعلم الوجاهي والتعلم الرقمي في إطار منظم.

وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً في سياق التعليم العربي داخل إسرائيل، ولا سيّما في تدريس اللغة العبرية في المرحلة الثانوية، حيث تتداخل الأبعاد التعليمية مع اعتبارات لغوية وثقافية وسياقية خاصة ((Manor& Binhas, 2023. فاللغة العبرية لا تُمثل مادة دراسية فحسب، بل تُعد عاملاً حاسماً في المسارات الاكاديمية والمهنية للطلبة العرب (Tarabia, 2023)، في حين تشير معطيات السلطة القطرية للقياس والتقويم (RAMA, 2024) إلى استمرار فجوات في مستوى التحصيل فيها. وفي ضوء هذه المعطيات، يجد معلمو اللغة العبرية أنفسهم امام تحدي البحث عن طرائق تدريس أكثر فاعلية ومرونة واستجابة لحاجات الطلبة، ومن بينها التعليم المدمج، لكن هذا التوجه يظل محكوماً بجملة من التحديات المرتبطة بملاءمة المحتوى، والبنية التحتية، والعدالة الرقمية، ومدى جاهزية المعلمين لتوظيف هذا النمط التعليمي بصورة فعّالة (Elyahu-Levi& Gvura, 2025).

ورغم هذا الواقع، تكشف مراجعة الأدبيات عن محدودية الدراسات التي تناولت بصورة معمّقة تصورات معلمي اللغة العبرية العرب تجاه التعليم المدمج من داخل تجربتهم الصفية، ولاسيما في المرحلة الثانوية، خاصة من داخل خبرتهم الصفية الفعلية، فعدد من الدراسات السابقة انصرف إلى سياقات التعليم العالي، كما في دراسة بيتار ودفيدوتش (Bitar& Davidovitch, 2024)، في حين ركزت دراسات أخرى على تعليم اللغة الإنجليزية كدراسة المومني (2023) والحارثي (2024)، واعتمدت دراسات عديدة مقاربات كمية أو مسحية لقياس الاتجاهات ودرجة الاستخدام كما يظهر بدراسة (أبو غنام، 2024؛ (Al-Fayyoumi et al., 2025، وفي المقابل، ظلت الدراسات التي تفسر كيفية تشكل تصورات معلمي اللغة العبرية العرب داخل ممارساتهم الصفية، وفي ضوء خصوصية السياق اللغوي والثقافي الذي يعملون به، محدودة.

وبناء على ما تقدم، فإن مشكلة الدراسة تتحدد في الأسئلة الآتية:

  • كيف يُوظّف معلمو اللغة العبرية في المدارس الثانوية التعليم المدمج في ممارساتهم التدريسية، وما المعنى الذي يمنحونه لهذا التوظيف؟
  • ما التحديات التقنية والتنظيمية والبيداغوجية والسياقية-الثقافية التي تواجه المعلمين عند تطبيق التعليم المدمج، وكيف تؤثر هذه التحديات في قراراتهم التدريسية وأنماط دمجهم للتقنية؟
  • كيف يُقيّم معلمو اللغة العبرية إسهام التعليم المدمج في تعلم الطلبة للغة العبرية، وكيف تتشكل هذه التقييمات في ضوء خبرتهم الصفيّة؟

أهداف الدراسة: تهدف الدراسة الحالية إلى تحقيق ما يأتي:

  • فهم الكيفية التي يُوظف بها معلمو اللغة العبرية في المدارس الثانوية التعليم المدمج في ممارساتهم التدريسية، واستكشاف المعاني التي يمنحوها لهذه التجربة.
  • تحليل التحديات التقنية والتنظيمية والبيداغوجية والسياقية-الثقافية التي تواجه المعلمين عند تطبيق التعليم المدمج، ورصد الاستراتيجيات التي يعتمدونها للتعامل معها داخل واقعهم المدرسي.
  • استكشاف تصورات معلمي اللغة العبرية حول أثر التعليم المدمج في تعلم الطلبة للغة العبرية، مع التركيز على المهارات اللغوية وآليات التفاعل والتقويم داخل البيئة المدمجة.

أهمية الدراسة

الأهمية النظرية: تكتسب هذه الدراسة أهميتها النظرية من تناولها التعليم المدمج في تدريس اللغة العبرية بوصفه ممارسة تربوية تتشكل داخل سياق لغوي وثقافي خاص، لا مجرد خيار تقني أو توجّه إداري. فمع أن الدراسات (Zhou & Zhang, 2022; Ali et al., 2023; Al-Mekhlafi et al., 2025) تشير إلى اتساع حضور التعليم المدمج في البيئات التعليمية، ولا سيما في تعليم اللغات، فإن جانبا معتبرا من هذه الدراسات انشغل بتقويم الفاعلية وقياس التحصيل أو رصد التصورات والتحديات بإطار كمي أو شبه كمي، أكثر من انشغاله بفهم الكيفية التي يُدرك بها المعلم هذا النمط التعليمي ويُعيد تشكيله داخل ممارساته الصفية. كما تُسهم في سد فجوة في الأدبيات من خلال التركيز على تصورات المعلمين وممارساتهم في سياق مدرسي عربي لم يحظ بعناية كافية في الدراسات السابقة. وتزداد أهمية هذا الطرح في سياق تدريس اللغة العبرية في المدارس العربية داخل إسرائيل، حيث لا تُفهم اللغة بوصفها أداة تواصل فحسب، بل بوصفها عنصراً يرتبط بالمسار الأكاديمي والمهني، ويتقاطع مع أسئلة الهوية والانتماء. كما تُسهم الدراسة في إثراء النقاش النظري حول التعليم المدمج في تعليم اللغات، من خلال ربط ممارسات المعلمين بأطر تفسيرية معاصرة تُساعد في فهم عمق الدمج والعلاقة بين التقنية والبيداغوجيا والمحتوى.

الأهمية التطبيقية: تنبع الأهمية التطبيقية للدراسة من قدرتها على الكشف عن طبيعة التحديات التي يواجهها معلمو اللغة العبرية عند توظيف التعليم المدمج، كما تظهر في الممارسة اليومية، لا كما ترد في التصورات العامة أو الخطاب الرسمي. فالنتائج لا تقتصر على الحديث عن ضعف البنية التحتية او نقص التدريب، بل تُظهر تداخل العوامل التقنية مع أبعاد نفسية ومهنية وثقافية، مثل رهبة التكنولوجيا، والعدالة الرقمية بين الطلبة، وملاءمة المحتوى للبيئة العربية. ومن شأن هذا الفهم أن يُزوّد صانعي القرار والمشرفين التربويين بمعطيات أكثر واقعية تُساعد في تصميم برامج تدريب مهني بحاجات المعلمين الفعلية، وتطوير موارد تعليمية رقمية أكثر ملاءمة للسياق اللغوي والثقافي للطلبة العرب.

الأهمية البحثيّة: تكشف مراجعة الادبيات عن محدودية الدراسات التي تناولت تصورات معلمي اللغة العبرية العرب نحو التعليم المدمج في المرحلة الثانوية، خاصة من منظور نوعي يركز على العلاقة بين التصوّرات والممارسة والتحديات السياقية. ومن هنا، تُسهم الدراسة الحالية في سد فجوة بحثية تتمثل في قلة الدراسات التي تمنح المعلم موقعاً تحليلياً مركزياً في فهم التعليم المدمج داخل هذا السياق الخاص، وتمهد الطريق لدراسات لاحقة يمكن أن تستكمل هذه النتائج بمقارنات كمية أو مختلطة.

حدود الدراسة: تتحدد الدراسة الحالية بعدد من الحدود التي ينبغي اخذها بعين الاعتبار عند تفسير نتائجها:

الحدود الموضوعية: اقتصرت الدراسة على استكشاف تصوّرات معلمي اللغة العبرية وممارساتهم في توظيف التعليم المدمج في تدريسهم، من حيث فهمهم لطبيعته، وصوّر استخدامه في الممارسة الصفيّة، والتحديات المرتبطة به، وتصوراتهم حول إسهامه في دعم تعلم الطلبة. ولم تهدف الدراسة إلى قياس التحصيل الفعلي للطبة أو إجراء تقويم كمي لمستوى الكفايات الرقمية لدى المعلمين.

الحدود البشرية: شملت الدراسة معلمي ومعلمات اللغة العبرية العاملين في المرحلة الثانوية في المدارس العربية، ممن يمتلكون خبرة فعلية في توظيف التعليم المدمج خلال العامين الدراسين الأخيرين، وتم اختيارهم وفق عينة قصدية تخدم أهداف الدراسة النوعية.

الحدود المكانية: اقتصرت الدراسة على المدارس الثانوية في منطقة الشمال داخل إسرائيل، وعليه فإن النتائج تعكس طبيعة هذا السياق التعليمي تحديداً، ولا يمكن تعميمها على جميع المدارس العربية خارج هذا الإطار الجغرافي.

الحدود الزمنية: أجريت الدراسة خلال السنة الدراسية 2026/2025، وتعكس النتائج الواقع التربوي المرتبط بسياق التحولات الرقمية التي أعقبت جائحة كورونا.

الحدود المنهجية: اعتمدت الدراسة المنهج النوعي الوصفي التفسيري، بالاستناد إلى مقابلات شبه مقننة بوصفها أداة رئيسية لجمع البيانات، دون توظيف أدوات كمية أو ملاحظات صفية مباشرة، مما يجعل النتائج قائمة على تحليل أقوال المشاركين وتفسيراتهم لممارساتهم التعليمية في سياقها الواقعي.

تعريف مصطلحات الدراسة – تعتمد الدراسة التعريفات الآتية لمصطلحاتها:

التعليم المدمج: اصطلاحيا – يعرف بانه نمط تعليمي يقوم على دمج منظم بين التعليم الوجاهي والتعليم عبر الإنترنت، بحيث توظف مكونات كل منهما بصورة متكاملة داخل تصميم تعليمي واحد، بما يخدم أهداف المحتوى، ويعزز فاعلية التعلم ومرونته (Hrastinski, 2019).

إجرائياً – استراتيجية تعليمية يُقصد بها، في هذه الدراسة، توظيف المعلم مزيجاً من التدريس الوجاهي داخل الصف، وأدوات التعلم الرقمي في تخطيط الدروس وتنفيذها، كما يصفها المعلمون في مقابلاتهم.

اللغة العبرية: اصطلاحياً – هي لغة سامية تُستخدم كلغة رسمية للتعليم والعمل في إسرائيل، وتُدرس كلغة ثانية للطلبة العرب في المدارس العربية (Britannica, 2024).

إجرائياً: المادة التعليمية الرسمية التي يدرّسها معلمو اللغة العبرية في المدارس الثانوية العربية داخل إسرائيل.

الإطار النظري

شهد الحقل التربوي خلال العقد الأخير تحولات جوهرية بفعل التسارع التكنولوجي واتساع نطاق الوصول إلى المعرفة الرقمية، الأمر الذي أعاد تشكيل العلاقة بين المعلم والمتعلم والمحتوى. لم يعد التعلم محصوراً في الفضاء الصفي التقليدي، بل أصبح يتوزع بين بيئات وجاهية ورقمية تتكامل بدرجات متفاوتة، مما دفع الأنظمة التعليمية إلى البحث عن نماذج أكثر مرونة واستجابة لتنوع المتعلمين وسياقاتهم (Zou et al., 2025; Najjar et al., 2025). وتشير أدبيات حديثة Alibrahim, 2024; Moorhouse, 2023; Pozo et al., 2024) أن التحوّل الرقمي لم يعد مجرد استجابة مؤقتة لظروف طارئة، بل أصبح جزءاً من ممارسات تعليمية أكثر استقراراً، إذ أن كثيراً من المعلمين واصلوا توظيف الأدوات الرقمية بعد العودة إلى التعليم الوجاهي، خاصة في تنظيم التعلم والتواصل وتنفيذ أنشطة مدمجة. غير أن هذه التجربة كشفت أيضاً عن حدود التعليم الإلكتروني عندما يُستخدم بصورة منفردة، الأمر الذي عزز التوجّه نحو التعليم المدمج بوصفه صيغة أكثر توازناً بين التفاعل الوجاهي والمرونة الرقمية ((Krzyzak & Trebacz, 2024; Akpen et al., 2024.

في هذا السياق برز التعليم المدمج بوصفه مقاربة تسعى إلى تجاوز ثنائية “الوجاهي مقابل الرقمي”، عبر إعادة تصميم واعية للتعلم بحيث تتكامل المكوّنات الوجاهية والرقمية ضمن رؤية بيداغوجية موحّده (Stein & Graham, 2020). ويرتبط نجاح هذا النموذج بمدى تحقق التوازن بين التفاعل الإنساني المباشر وإمكانات التكنولوجيا في توسيع فرص التعلم وتخصيصه (Minadzi & Segbenya , 2024). وقد طُرحت نماذج متعددة للتعليم المدمج، تتراوح بين أنماط التناوب المنظم، والنماذج المرنة، والنماذج الافتراضية المدعومة بالحضور الجزئي (موسى والعجرش، 2020). وتُشير دراسات (Efthymiou, 2023; Liu& Chen, 2023; Ali et al,. 2023) إلى أن التطبيق المتقن لهذه النماذج يمكن أن يُسهم في تحسين التحصيل الأكاديمي وتنمية مهارات التفكير والتفاعل، خاصة في البيئات التعليمية متعددة اللغة والثقافة. كما تُشير الدراسات إلى ان فاعلية التعليم المدمج لا تتحقق تلقائياً بمجرد إدخال أدوات رقمية، بل ترتبط بثلاثة عناصر مترابطة: البنية التحتية المؤسسية، الكفايات الرقمية البيداغوجية للمعلم، ملائمة التصميم التعليمي للسياق الثقافي والعلمي بما يخدم أهداف التعلم (Zhou et al., 2023; Shah et al., 2024; Sareen& Mandal, 2024)، وهو ما يقود إلى ضرورة الاستناد إلى أطر نظرية تفسر عمق هذا الدمج وجودته.

ولهذا الهدف تعتمد هذه الدراسة على ثلاثة أطر تفسيرية متكاملة تتيح قراءة الأبعاد لممارسات التعليم المدمج:

نموذج SAMR- قياس عمق التحول: يُصنِف نموذج SAMR دمج التكنولوجيا إلى أربعة مستويات تبدأ بالاستبدال، حيث تُستخدم التقنية بديلاً مباشراً لأداة تقليدية دون تغيير في طبيعة المهنة، وتم بالتعزيز الذي يضيف تحسينات وظيفية، وصولاً إلى التعديل وإعادة التعريف، حيث تُعاد صياغة النشاط التعليمي بصورة نوعية جديدة. ويُتيح هذا النموذج التمييز بين الاستخدام الأداتي للتقنية والدمج التحولي الذي يُحدث تغيراً في بُنية التعلم (Zulfani et al., 2025).

إطار TPACK- جودة التكامل المعرفي: يُركز إطار TPACK على التفاعل بين المعرفة التقنية ومعرفة المحتوى، مؤكداً أن فاعلية دمج التكنولوجيا تعتمد على قدرة المعلم على تحقيق توازن ديناميكي بين هذه الأبعاد الثلاثة، فامتلاك مهارات تقنية منفصلة عن فهم بيداغوجي أو مضموني لا يضمن تعليماً مدمجاً ذا معنى (Fabian et al., 2024).

إطار DigCompEdu- الكفايات الرقمية المهنيّة: يُقدم إطار DigCompEdu تصوراً متدرجاً للكفايات الرقميّة لدى المعلمين، يشمل اختيار الموارد الرقمية، وتصميم التعلم، وتمكين المتعلمين، وضمان العدالة الرقميّة. ويُساعد هذا الإطار في تحديد موقع الممارسة بين الاستخدام الأساسي والابتكار المتقدم، مع التركيز على البُعد الأخلاقي والإنصاف في البيئة الرقمية ((Joint Research Center, 2025.

ويوفر التكامل بين هذه الأطر عدسة تحليلية مركبة، فبينما يُجيب SAMR عن سؤال عمق التحوّل، يُفسر TPACK طبيعة التكامل المعرفي، ويُحدد DigCompEdu مستوى النضج المهني للمعلم، ويُمكن من خلال هذا التكامل قراءة التعليم المدمج بوصفه ممارسة بنيوية لا مجرد استخدام تقني.

وفي ميدان تعليم اللغات، يُعد التعليم المدمج نموذجاً واعداً لتعزيز التفاعل اللغوي والتعلم الذاتي، لما يوفره من فرص للتواصل المتزامن وغير المتزامن، والتغذية الراجعة الفورية، والتعلم بوتيرة شخصية. وقد أظهرت دراسات (Prasetya et al,.2024; Viberg et al., 2023; Zhai & Ma, 2023) ان الدمج الفعّال يُسهم في تحسين مهارات الكتابة والتحدث، وزيادة الدافعية لدى متعلمي اللغات الأجنبية. غير ان هذه الفاعلية ترتبط بمدى عمق الدمج، فحين تُستخدم الأدوات الرقمي لإعادة تعريف المهام اللغوية، تتوسع فرص الإنتاج اللغوي والتعبير الذاتي، بينما يظل أثرها محدوداً عندما تُستخدم لأغراض عرض المحتوى أو الإدارة الصفية فقط. أما في سياق تعليم اللغة العبرية في المدارس العربية فتكتسب مسألة التعليم المدمج بعداً يتجاوز حدود التحصيل المدرسي، إذ ترتبط العبرية بمسارات الاندماج التعليمي والمهني من جهة، وتتقاطع مع أسئلة الهوية والمكانة من جهة أخرى، في وقت تكشف فيه المعطيات الرسمية عن تراجع مقلق في مستويات التحصيل والاتجاهات نحو تعلمها (Manor & Binhas, 2023; RAMA, 2024)، حيث يؤثر هذا السياق في طبيعة تفاعل المعلمين والطلبة مع المحتوى الرقمي، وفي مدى تقبّلهم لنماذج الدمج. كما ان التفاوت في البنية التحتية الرقمية، والفجوات في فرص الوصول إلى الموارد، قد ينعكس بصورة مباشرة على العدالة التربوية داخل الصفوف العربية (Levkovich & Shinan, 2024; Tibus et al., 2023). ومن هنا، فإن دراسة التعليم المدمج في هذا السياق لا تنفصل عن تحليل الأبعاد الثقافية والمؤسسية التي تُشكل الممارسة التعليمية.

وخلاصة القول أن التعليم المدمج ليس خياراً تقنياً عابراً، بل مقاربة تربوية تتطلب إعادة تعريف أدوار المعلم والمتعلم، وتكاملاً واعياً بين التقنية والبيداغوجيا والمحتوى. كما أن نجاحه يرتبط بعمق الدمج البنيوي، ومستوى الكفايات المهنية، والخصوصيات السياقية التي يعمل ضمنها المعلم. وفي ضوء ذلك، تُشكل تصورات معلمي اللغة العبرية وتجاربهم مدخلاً أساسياً لفهم كيفية تجسيد هذه المقاربة في سياق مدرسي عربي متعدد الأبعاد اللغوية والثقافية.

الدراسات ذات الصلة

شهد التعليم المدمج خلال العقد الأخير اهتماماً بحثياً متزايداً، ولا سيما في مجال تدريس اللغات الأجنبية، بوصفه نماذجاً يسعى إلى الجمع بين مزايا التعليم الوجاهي وإمكانات التعلم الرقمي. وقد أنصبّ جانب كبير من هذا الإنتاج العلمي على تعليم اللغة الإنجليزية، بوصفها اللغة الأجنبية الأكثر شيوعاً في النظم التعليمية المختلفة، بينما لا تزال الدراسات التي تتناول تعليم اللغة العبرية ضمن بيئات تعليمية مدمجة، وخصوصاً في السياق المدرسي العربي، محدودة من حيث الكم وعمق المعالجة. ويُسهم استعراض الدراسات ذات الصلة في الكشف عن الاتجاهات البحثية السائدة، مواطن القوة والقصور في تناول التعلم المدمج، إضافة إلى تحديد الفجوات المعرفية التي تسعى الدراسة الحالية إلى معالجتها. وبناء على ذلك، نُظمت الدراسات السابقة ضمن محاور موضوعية تشمل: فاعلية التعليم المدمج في تعلم اللغات، التحديات المرتبطة بتطبيقه، مدى استخدامه في الممارسات التدريسية، وتصوّرات المعلمين واحتياجاتهم التأهيلية، بما يُتيح قراءة تحليلية تتجاوز العرض الوصفي إلى المقارنة النقدية.

فاعلية التعليم المدمج في تعلم اللغات

تناولت مجموعة من الدراسات فاعلية التعليم المدمج في سياق تعلم اللغات الأجنبية، وأشارت نتائجها في مجملها إلى تحسن في التحصيل الأكاديمي وتنمية بعض المهارات اللغوية، إلى جانب تعزيز التفاعل والدافعية لدى المتعلمين. ففي دراسة ذياب (2025) التي هدفت إلى فحص فاعلية استراتيجية التعليم الهجين في تحسين مهارات التعبير الكتابي باللغة العبرية كلغة اجنبية لدى الطلبة العرب، تم توظيف التصميم شبه التجريبي على عينة تكونت من (48) طالباً وطالبة، وأظهرت النتائج تفوقاً ذات دلالة إحصائية لصالح المجموعة التي تلقت التعليم الهجين.

وعلى مستوى المراجعات المنهجية، قدم أكبين (Akpen, 2024) مراجعة شملت (18) دراسة نُشرت بين عامي 2019-2024، تناولت أثر التعليم عبر الإنترنت في الأداء الأكاديمي واندماج الطلبة، وأظهرت النتائج ان التعليم الرقمي يوفر فرصاً لتحسين الأداء بسبب مرونته وإتاحته، لكنه يواجه تحديات أبرزها انخفاض التفاعل، الشعور بالعزلة، ما يُعزز الحاجة إلى نماذج مدمجة أكثر توازناً.

وفي سياق تعليم اللغة الانجليزية ذاته أجرى المزروعي (2022) دراسة شبه تجريبية خلال جائحة كورونا، هدفت إلى قياس أثر التعليم المدمج في التحصيل والدافعية لدى طالبات الصف العاشر، بعينة مكونة من (60) طالبة موزعات على مجموعتين تجريبية وضابطة، وتوصل إلى نتائج تُشير إلى فاعلية هذا النمط في دعم التعلم خلال ظروف التعليم الطارئة.

تعقيب على المحور: على الرغم من اتفاق هذه الدراسات على الأثر الإيجابي للتعليم المدمج في تحسين التحصيل أو تنمية بعض المهارات اللغوية، إلا أن مفهوم “الفاعلية” فيها يُختزل غالباً في مؤشرات كمية، مثل درجات الاختبارات أو مقاييس الدافعية، دون مساءلة طبيعة الممارسات الصفيّة التي تُنتج هذه النتائج او السياقات التي تتشكل داخلها. كما أن تركيز معظم الدراسات على تعليم اللغة الإنجليزية أو على بيئات تعليمية غير مدرسية يحد من قابلية تعميم نتائجها على سياقات لغوية ذات حمولة ثقافية وسياسية مختلفة، مثل تدريس اللغة العبرية في المدارس العربية. ومن ثم، تبقى فاعلية التعليم المدمج في الأدبيات المطروحة فاعلية قياسية أكثر منها سياقية متجسدة في الممارسة، وهو ما يستدعي مقارنة نوعية تُعيد قراءة هذا المفهوم من داخل التجربة المهنية للمعلم.

التحديات المرتبطة بتطبيق التعليم المدمج

أشارت عدد من الدراسات إلى أن تطبيق التعليم المدمج يواجه تحديات متعددة تتداخل فيها الجوانب التقنية والتنظيمية والبيداغوجية. فقد هدفت دراسة الحارثي (2024) إلى التعرف على درجة استخدام التعليم المدمج ومعوّقاته لدى معلمات اللغة الإنجليزية في المرحلة المتوسطة، واعتمدت المنهج الوصفي المسحي باستخدام الاستبانة على عيّنة بلغت (171) معلمة، وأظهرت النتائج وجود معوقات تتعلق بالبنية التحتية، والدعم الفني، والتدريب المهني، رغم إدراك المعلمات لأهمية هذا النمط التعليمي.

وفي مراجعة دولية، قام سارين وماندل (Sareen & Mandal, 2024) بتحليل منهجي للتحديات المرتبطة بتطبيق التعليم المدمج في التعليم العالي، وكشفت النتائج عن محاور متكررة تمثلت في ضعف التصميم التعليمي، وقصور برامج التأهيل، وارتفاع أعباء الإعداد، وعدم تكافؤ فرص الوصول إلى الموارد الرقمية.

كما تناولت دراسة الخطيب وسون (Al-Khateeb & Son, 2023) التحديات التي يواجهها معلمو اللغة الإنجليزية في البيئات الرقمية من خلال منهج نوعي قائم على المقابلات، وأظهرت النتائج صعوبات في إدارة الصف، وضعف الدافعية، وإشكاليات التقويم. وفي السياق ذاته، أظهرت دراسة بيتار ودافيدوفيش (Bitar & Davidovich, 2024) أن التحوّل نحو التعليم المدمج في التعليم العالي يصطدم بثقافة تعليمية تقليدية تفتقر إلى إعادة تصميم بيداغوجي داعم، وذلك استناداً إلى مقابلات شبه مهيكلة مع (15) محاضراً من تخصصات متنوعة.

تعقيب على المحور: تُظهر الدراسات ان التحديات المرتبطة بالتعليم المدمج تتجاوز الجوانب التقنية إلى أبعاد تنظيمية وثقافة ومهنية، غير أن معالجتها غالباً ما تأتي في إطار توصيف عام للمعوقات دون تحليل فاعليتها داخل الممارسة الصفيّة الفعلية، أو تفاعلها مع خصوصية تعليم اللغة الثانية في سياقات متعددة الهوية. كما ان تركيز عدد كبير من الدراسات على التعليم العالي يجعل صورة التحديات في البيئة المدرسية، وخاصة المدارس العربية، غير مكتملة. وبذلك تبقى العلاقة بين التحديات البنيوية وخيارات المعلم البيداغوجية علاقة مفترضة أكثر منها مفحوصة ميدانياً، وهو ما يفتح المجال لدراسة تكشف كيفية تشكل هذه التحديات داخل الخبرة اليومية للمعلم.

مدى استخدام التعليم المدمج في الممارسات الصفيّة

ركزت بعض الدراسات على فحص مدى استخدام التعليم المدمج في الممارسات الصفيّة من خلال مناهج وصفية مسحية. فقد تناولت دراسة المومني (2023) واقع استخدام التعليم المدمج في تدريس اللغة الإنجليزية في المرحلة الثانوية من وجهة نظر المعلمين، بعينة عشوائية مكوّنة من (109) معلماً ومعلمة، وأظهرت النتائج ميلاً متزايداً لاستخدام الوسائط الرقميّة، مع تفاوت في عمق الدمج بين المعلمين.

كما هدفت دراسة أبو غنّام (2024) إلى قياس مستوى تفعيل التعليم المدمج في تدريس اللغة الإنجليزية وانعكاسه على تحصيل الطلبة من وجهة نظر المعلّمين، وبلغة العينة (95) معلماً ومعلّمة. واظهرت النتائج أن مستوى التفعيل جاء مرتفعاً، مع وجود فروق ذات دلالة إحصائية تُعزى للجنس وسنوات الخبرة.

وفي السياق ذاته، أظهرت دراسة الشهوبي وآخرين (2025) أن واقع استخدام التعليم المدمج لدى أعضاء هيئة التدريس بكلية التربية جاء ضعيفاً إلى متوسط، في مقابل ارتفاع مستوى المعوّقات المرتبطة بالتطبيق. وذلك استناداً لاستبانة إلكترونية وُزعت على عينة مكوّنة من (40) عضو هيئة تدريس.

وعلى المستوى المحلي، قدمت دراسة فاسل (Vasel, 2025) مقارنة كمية بين معلمين عرب (308) ويهود (95) في إسرائيل باستخدام استبانة لفحص خبراتهم في التدريس الرقمي ومستوى دمج التكنولوجيا والاستعداد المؤسسي، وأظهرت النتائج وجود فروق بين المجموعتين في مؤشرات تتعلق بالكفايات الرقمية وتصورات الجاهزية والدعم، ما يعكس أثر الفوارق البنيوية بين السياقين المدرسين في تشكيل ممارسات الدمج التقني.

التعقيب على المحور: رغم إسهام الدراسات المسحية في قياس مستوى استخدام التعليم المدمج وانتشاره، فأنها تقارب “الاستخدام” بوصفه مؤشراً كمياً مستقلاً عن نوعية الدمج وعمقه البيداغوجي. فهي تُحصي درجة التفعيل دون مساءلة ما إذا كان هذا التفعيل يُعيد تشكيل النشاط التعليمي أم يكتفي بتعزيزه شكلياً. كما انها لا تُميّز بين الاستخدام الإداري والتنظيمي للتقنية وبين الاستخدام الذي يُعيد تعريف أدوار المعلم والمتعلم. وفي سياق تعليم اللغة العبرية في المدارس العربية، حيث تتقاطع القرارات التدريسية مع اعتبارات لغوية وثقافية، تصبح الحاجة ملحة لفهم معنى “الاستخدام” كما يتشكل في وعي المعلم وخياراته الصفيّة، لا كما يظهر في استجابات الاستبانة.

تصوّرات المعلمين واحتياجاتهم التأهيلية في سياق التعليم المدمج

ركزت عدد من الدراسات على استكشاف تصورات المعلمين تجاه التعليم المدمج، والعوامل المرتبطة باستعدادهم لتبنيه. فقد هدفت دراسة الفايومي وآخرين (Al-Fayyoummi et al., 2025) إلى قياس تصورات أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الأردنية تجاه التعليم المدمج، واحتياجاتهم التدريبية. وأظهرت النتائج اتجاهات إيجابية عامة، دون فروق ذات دلالة إحصائية تُعزى للجنس أو سنوات الخبرة، مقرونة بحاجات واضحة الى تدريبات تطبيقية.

وفي دراسة نوعيّة اعتمدت على مقابلات شبه مهيّكلة، تناول شاتيرجي وآخرين (Chatterjee et al., 2024) تصوّرات معلمي K-12 بعد جائحة كورونا، وكشفت النتائج أن التعليم المدمج يُعزز التفاعل متى توافر التدريب والدعم التقني، في حين شكلت محدودية الوقت وضعف التأهيل أبرز العوائق.

وفي سياق تعليم اللغات، أظهرت دراسة نوعية اعتمدت على مقابلات شبه مهيكلة للباحثين ليو وآخرين (Lyu et al., 2025) أن معلمي اللغة الإنجليزية ينظرون بإيجابية إلى التعليم المدمج، مع الإشارة إلى صعوبات في تحقيق دمج فعلي بين المكونين الوجاهي والرقمي وضعف التوجيه المؤسسي.

وفي الإطار نفسه، بيّنت دراسة أنصاري وآخرين (Ansari et al,. 2023) التي اعتمدت منهجاً نوعياً عبر مقابلات ومجموعات تركيز مع أعضاء هيئة تدريس جامعيين، وجود فجوات في المهارات التقنية واعتماد غير متوازن على منصات محددة، ما يحد من فاعلية التعليم المدمج.

وعلى المستوى المحلي، تناولت دراسة منور ووتد (Manor & Watad, 2024) تعقيدات تدريس اللغة العبرية في المدارس العربية، مبرزة أثر السياق الثقافي والسياسي في تصورات المعلمين وممارساتهم، والانعكاس على استعدادهم لتبني طرائق تدريس رقمية. كما فحصت دراسة ليفوكوفيش وشينان-المتّان (Levkovich & Shinan-Altmanl, 2024) الرفاه النفسي والمهني للمعلمين العرب خلال التحوّل الرقمي، معتمدة تصميماً مختلطاً جمع بين استبانات والتحليل النوعي، واظهرت النتائج أن ضعف الدعم التنظيمي يزيد من الضغوط المهنية ويؤثر في الاستعداد للابتكار. وفي سياق التأهيل المهني والتطوير، استعرض ستافرمان (Stavermann, 2025) فاعلية وتصورات برامج التطوير المهني الرقمية والمدمجة، من خلال مراجعة تحليلية شملت (115) دراسة سابقة. وأظهرت النتائج أن هذه البرامج تسهم في تحسين كفاءات المعلمين وممارساتهم التدريسية متى توافرت عناصر تصميم محددة، أبرزها الأنشطة التعاونية والدعم المستمر.

وفي اتجاه يركز على التأهيل المهني بوصفه شرطاً لنجاح التعليم المدمج، قدم وانغ وآخرين (Wang et al., 2025) دراسة تجريبية تناولت برنامجاً للتنمية المهنية قائماً على التعلم المدمج ومدعوماً بنموذج لغوي كبير، أظهرت نتائجه تحسناً في كفايات المعلمين التقنية والابتكارية، وانعكاس ذلك على قدرتهم على تصميم محتوى تعليمي مدمج بصورة أكثر اتساقاً مع أهداف الدرس ومتطلبات المتعلمين.

تعقيب على المحور: تكشف الأدبيات أن تصورات المعلمين تجاه التعليم المدمج تتسم في الغالب بإيجابية مشروطة بتوافر الدعم والتدريب، غير أن هذه التصورات تُعالج عادة بوصفها اتجاهات عامة قابلة للقياس، دون تفكيك كيفية تشكلها داخل الممارسة او ارتباطها بالهوية المهنية والسياق الثقافي. كما أن اغلبية الدراسات تركزت في التعليم العالي أو في تعليم اللغة الإنجليزية مما يُبقي خبرة معلمي اللغة العبرية في المدارس العربية خارج بؤرة التحليل المعمق. ومن ثم، فإن ثمة حاجة إلى مقاربة تُنصت إلى صوت المعلم، وتكشف التفاعل بين تصوره، وممارساته، والقيود البنيوية التي يعمل ضمنها، بوصف هذه العلاقة مدخلاً لفهم حقيقي لعمق الدمج التكنولوجي.

ملخص الدراسات ذات الصلة

تكشف مراجعة الدراسات ذات الصلة أن التعليم المدمج لم يعد موضوعاً هامشياً في الأدبيات التربوية، بل أصبح أحد النماذج التي يُعوّل عليها في تطوير تعلم اللغات وتحسين التفاعل داخل البيئات التعليمية. غير أن هذا الحضور الكثيف في الأدبيات لا يعني ان الظاهرة قد فُهمت على نحو كاف، إذ يتضح من تتبع هذه الدراسات أن معظمها انشغل بقياس الأثر أو وصف درجة الاستخدام أو حصر المعوقات، أكثر من انشغاله بفهم الكيفية التي يتشكل بها التعليم المدمج داخل الممارسة الصفيّة الفعليّة.

كما تُظهر الأدبيات ميلاً واضحاً إلى تناول التعليم المدمج في سياقات يغلب عليها تعليم اللغة الإنجليزية أو التعليم العالي. في حين يظل حضور تعليم اللغة العبرية في المدارس العربية محدوداً، خاصة من زاوية الخبرة المهنية للمعلمين أنفسهم. وهذا النقص لا يتصل بعدد الدراسات فحسب، بل بطبيعة الأسئلة التي طُرحت فيها، إذا غالباً ما عولجت الفاعلية بوصفها نتيجة قابلة للقياس، وعولجت التصورات بوصفها اتجاهات عامة، دون التعمق في العلاقة بين ما يؤمن به المعلم، وما يفعله داخل الصف، وما يفرضه عليه السياق من قيود أو إمكانات. ومن هنا، لا تبدو الفجوة البحثية في غياب الحديث عن التعليم المدمج بحد ذاته، بل في محدودية الفهم التفسيري لتجسده في سياقات لغوية وثقافية خاصة، وفي ضعف المقاربات النوعية التي تنصت إلى المعلم بوصفه فاعلاً تربوياً يصوغ الممارسة ولا يكتفي بتنفيذها. وهذا ما يجعل الحاجة إلى دراسة تستكشف تصورات معلمي اللغة العبرية في المدارس الثانوية العربية، وتفحص كيف يتداخل معنى التعليم المدمج لديهم مع خبرتهم المهنية، ومع طبيعة اللغة التي يدرسونها، ومع الشروط البنيوية والثقافية التي يعملون داخلها.

منهجية الدراسة

اعتمدت هذه الدراسة المنهج النوعي الوصفي التفسيري، بهدف استكشاف تصورات معلمي اللغة العبرية في المدارس الثانوية نحو التعليم المدمج، وفهم الكيفية التي يوظفونه بها في ممارساتهم التدريسية، إلى جانب التحديات التي يواجهونها والمعاني التي يسندونها إلى هذه الممارسة في سياقهم المهني والتعليمي. ويُعد هذا النهج ملائماً للدراسات التي تسعى إلى فهم الظواهر التربوية كما يدركها الفاعلون فيها، من خلال تحليل خبراتهم وتفسيراتهم وسياقاتهم، دون السعي إلى القياس الكمي او التعميم الإحصائي (Creswell& Poth, 2023). وقد تم اختيار هذا المنهج لانسجامه مع أسئلة الدراسة التي لا تهدف إلى قياس مستوى استخدام التعليم المدمج أو اختبار أثره تجريبياً، بل إلى بناء فهم تفسيري لطبيعة توظيفه في تدريس اللغة العبرية، كما يصفه المعلمون أنفسهم، وما يرتبط به من تحديات وشروط تؤثر في فاعليته.

المشاركون في الدراسة

نظراً لأن الهدف في البحث النوعي لا يتمثل في تحقيق تمثيل عددي، بل في الوصول إلى مشاركين يمتلكون خبرة مباشرة وذات صلة بموضوع الدراسة، فقط تم اعتماد العينة القصدية. وقد استند اختيار المشاركين إلى المعايير الآتية: أن يمتلك المشارك خبرة تدريسية لا تقل عن ثلاث سنوات؛ أن تكون لديه تجربة فعلية في توظيف التعليم المدمج خلال العامين الدراسيين الأخيرين. بلغ حجم العينة 10 مشاركين من معلمي ومعلمات اللغة العبرية، واستمر جمع البيانات إلى أن تحقق تشبّع المعاني (Meaning Saturation)، أي المرحلة التي لم تعد فيها البيانات الجديدة تضيف دلالات أو أفكاراً جديدة ذات صلة مباشرة بموضوع الدراسة.

أداة الدراسة وجمع البيانات

اعتمدت الدراسة المقابلات شبه المقننة (Semi-structured Interviews) أداة رئيسية لجمع البيانات، نظراً لملاءمتها لاستكشاف تصورات المعلمين وخبراتهم المهنية بصورة معمقة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على إطار إرشادي يضمن محاور الدراسة الأساسية. تم إعداد دليل المقابلة بالاستناد إلى الادبيات التربوية ذات الصلة واسئلة الدراسة، واشتمل على مجموعة من المحاور التي تناولت: فهم المعلمين لمفهوم التعليم المدمج، صوّر توظيفه داخل غرفة الصف وخارجها، أثره في المهارات اللغوية، أساليب التقييم والتغذية الراجعة في البيئة المدمجة، العوامل التي تُيسر توظيفه (مثل التدريب أو دعم الإدارة)، التحديات المرتبطة بالمعلمين (مثل الوقت والتحضير والبنية التحتية)، التحديات المرتبطة بالطلبة (مثل ضعف الاتصال أو محدودية الأجهزة)، إدراك المعلمين للعدالة الرقمية بين الطلبة، احتياجاتهم لتطوير تجربتهم، المعاني التي يمنحوها لتجربتهم مع التعليم المدمج. وصيغت أسئلة المقابلة بصيغة مفتوحة، بما أتاح للمشاركين وصف تجاربهم والتوسع في الجوانب التي يرونها أكثر أهمية. كما استخدمت أسئلة متابعة عند الحاجة لتوضيح بعض المواقف أو تعميق الفهم، بما يُساعد على الربط بين التصورات والممارسات الفعلية. بعد الحصول على الموافقة من المشاركين، أجريت المقابلات وجهاً لوجه أو عبر الأنترنت بحسب ما يناسب ظروفهم، وتراوحت كل مقابلة مدة بين 45 و60 دقيقة، وتم تسجيلها بعد موافقة المشاركين، ثم تفريغها نصياً تفريغاً حرفياً تمهيداً للتحليل.

تحليل البيانات

اعتمدت الدراسة تحليل البيانات على نحو نوعي تفسيري، من خلال مسار منظم جمع بين تحليل المحتوى بوصفه إطاراً إجرائياً لتنظيم البيانات وترميزها، والتحليل الموضوعاتي في بناء الثيمات وتفسيرها. وقد مر التحليل بالمراحل الآتية: القراءة المتكررة للنصوص المفرقة بهدف الإلمام الشامل بالمادة؛ الترميز الأولي للمقاطع الدالة؛ تجميع الشفرات المتقاربة في فئات أولية؛ بناء فئات أوسع وثيمات رئيسية تعبّر عن الأنماط المتكررة في أقوال المشاركين؛ وتفسير الثيمات في ضوء أسئلة الدراسة والإطار النظري. وأستند التحليل إلى مبادئ تحليل المحتوى الاستقرائي والاستدلالي (Krippendorff, 2018)، مع الإفادة من التحليل الموضوعاتي في تكثيف المعاني وبناء تفسير منظم للبيانات (Braun& Clark, 2006). وبذلك، لم يقتصر التحليل على وصف ما قاله المشاركون، بل سعى إلى تفسير دلالاته، والكشف عن العلاقة بين تصوراتهم وممارساتهم والتحديات التي تعمل داخل سياقهم التعليمي.

جودة الدراسة

استندت الدراسة إلى معايير الجودة في البحث النوّعي لضمان موثوقية النتائج وصرامتها المنهجية، تمثل في:

المصداقية: جرى تعزيز المصداقية من خلال إجراء المقابلات حتى الوصول إلى تشبّع المعاني، إضافة إلى مراجعة أولية لبعض التفسيرات مع عدد من المشاركين للتحقق من دقة الفهم وتمثيل تجاربهم كما طُرحت.

القابلية للنقل: دعمت من خلال تقديم وصف سياقي غني لطبيعة البيئة التعليمية وخصائص المشاركين، بما يسمح للقارئ بتقدير مدى إمكان الإفادة من النتائج في سياقات مشابهة.

الثبات: تحقق عبر توثيق خطوات الدراسة وإجراءاتها منذ تصميم الأداة وحتى تحليل البيانات وصياغة النتائج.

الحيادية: عُززت من خلال ممارسة التأمل الذاتي، ومراجعة الباحثة لموقعها المهني وخبرتها السابقة، والوعي بأثرها المحتمل في تفسير البيانات، مع الحرص على ربط التفسيرات بشواهد مستمدة من أقوال المشاركين.

الاعتبارات الأخلاقية

التزمت الدراسة بالمعايير الأخلاقية المعتمدة في الابحاث التربوية، حيث تم الحصول على موافقة مستنيرة من جميع المشاركين، جرى التأكيد على سرية المعلومات واستبدال أسماء المشاركين والمدارس برموز. كما حُفظت التسجيلات والبيانات في مكان آمن، ولم تُستخدم إلا لأغراض البحث العلمي. وشارك المعلمون في الدراسة بموافقة طوعيّة، مع التأكيد على حقهم الكامل في الانسحاب في أي مرحلة دون أي تبعات.

عرض نتائج المقابلات

هدفت المقابلات التي أُجريت مع عشرة من معلّمي ومعلّمات اللغة العبرية في المدارس الثانوية العربية، إلى استكشاف تصوّراتهم وتجاربهم العملية في توظيف التعليم المدمج في تدريس اللغة العبرية، من خلال الوقوف على أنماط الاستخدام، وتصوراتهم حول أثره في تعلم الطلبة، إضافة إلى التحديات والعوامل المُيسرة المرتبط بهذه الممارسات. وبعد الانتهاء من تفريغ المقابلات نصياً، جرى تحليل البيانات وفق خطوات منهجية شملت الترميز المفتوح، وتجميع الرموز في فئات دلالية، ثم بناء ثيمات رئيسية عكست أنماطاً متكررة في خطابات المشاركين، وقد أتاح هذا التحليل إبراز تنوّع التجارب والمواقف من جهة، والكشف عن سمات مشتركة تُعبر عن واقع توظيف التعليم المدمج في السياق المدرسي العربي من جهة أخرى.

وأظهرت النتائج ان فهم المعلمين لمفهوم التعليم المدمج اتسم في كثير من الأحيان بالطابع الأداتي، إذ ربطه عدد من المشاركين باستخدام العروض التقديمية أو المنصات الجاهزة، دون الإشارة إلى إعادة تصميم النشاط اللغوي أو تغيير جوهري في طبيعة التعلم. في المقابل، عبّر بعض المعلمين تصوّرات أكثر اتساعاً، ارتبطت بمحاولات إدماج أنشطة تفاعلية تُشرك الطلبة في بناء التعلم. كما كشفت النتائج عن أنماط متعددة لتوظيف التعلمي المدمج داخل الصف وخارجه، شملت الحصص التفاعلية، والواجبات الإلكترونية، والمتابعة عبر منصات الوزارة، وبيّن المشاركون أن هذا التوظيف أتاح قدراً من المرونة الزمنية والتنظيمية، إلا أنه ظل متفاوتاً في عمقه بين معلم وآخر.

وفيما يتعلق بالأثر على مهارات اللغة، أشار المعلمون إلى تحسّن ملحوظ في بعض الجوانب، خاصة في مهارتي الكتابة والتعبير الشفهي، حيث أسهمت الأنشطة الرقمية والتسجيلات الصوتية في تعزيز ثقة الطلبة بأنفسهم، وإتاحة فرص متكررة للمحاولة والتغذية الراجعة. كما لاحظ بعضهم تطوراً في الفهم القرائي والاستماع نتيجة استخدام مهام رقمية تُتيح للطلبة التفاعل مع المحتوى وفق وتيرتهم الخاصة. وعلى مستوى التقويم، أظهرت النتائج اعتماد المعلمين على اختبارات إلكترونية ومهام رقمية تتيح نتائج فورية ومتابعة أكثر تفصيلاً لتقدم الطلبة. في الوقت ذاته، برزت مجموعة من العوامل التي أسهمت في تسهيل تطبيق التعليم المدمج، من بينها توفر مهام جاهزة على المنصات الرسمية، ودعم الإدارة المدرسية، وتبادل الخبرات بين الزملاء، والمشاركة في ورش تدريبية واستكمالات مهنيّة.

في المقابل، عبّر المشاركون عن مجموعة من المعوقات التي حدّت من فاعلية تطبيق التعليم المدمج، شملت رهبة التكنولوجيا، وعبئ الوقت والتحضير، ونقص التدريب، إضافة إلى معوّقات بنيوية مثل ضعف البنية التحتية، وقلة الأجهزة، وبطء شبكة الإنترنت. كما أشاروا إلى تحديات مرتبة بالطلبة، خاصة ما يتعلق بالفجوة الرقمية وعدم تكافؤ فرص الوصول إلى الأجهزة والإنترنت، الأمر الذي دفع بعض المعلمين إلى تبنيّ حلول تعويضية. كذلك برز البُعد الثقافي بوصفه عنصراً مؤثراً في التجربة، إذ أشار عدد من المعلمين إلى أن المواد الرقمية الرسمية لا تُراعي الخصوصية اللغوية والثقافية للطلبة العرب، مما انعكس على مستوى تفاعلهم معها. كما شدد المشاركون على أهمية الحفاظ على البُعد الإنساني في العملية التعليمية، مؤكدين أن التعليم المدمج لا يُغني عن التواصل الوجاهي، بل يُنظر إليه بوصفه مُكملاً له.

تحليل نتائج المقابلات: بين الواقع والطموح

تكشف بيانات المقابلات عن واقع تربوي مركب يحكم توظيف التعليم المدمج في تدريس اللغة العبرية، إذ يتحرك التوظيف بين قيود بنيوية وتدريبية وثقافية ما تزال قائمة، وبين طموح مهني لدى المعلمين نحو دمج رقمي أعمق وأكثر وعياً بالأبعاد اللغوية والبيداغوجية. ولا يبدو هذا التوتر أمرا عارضا أو منفصلا عن طبيعة الحقل، بل يرتبط بخصوصية تدريس اللغة العبرية للطلبة العرب بوصفه ممارسة تعليمية تجري داخل سياق سوسيولغوي وثقافي غير محايد، تتداخل فيه مكانة اللغة، وإعداد المعلمين، والسياسات التعليمية، والحمولة الاجتماعية والثقافية للمحتوى المدرسي (Manor& Binhas, 2023; Manor& Watad2024). ومن هنا، فإن التحوّل الرقمي في هذا المجال لا يواجه فقط أسئلة الأدوات والمنصات، بل يواجه أيضاً سؤال الملاءمة: ملاءمة المحتوى، وملاءمة التصميم، وملاءمة الخطاب التربوي لواقع المتعلمين العرب وهم يتعلمون لغة ترتبط بآفاق أكاديمية ومهنية أوسع، وبمعان اجتماعية تتجاوز بُعدها اللغوي المباشر (Tarabia, 2023; RAMA, 2024).

وتُشير النتائج إلى أن فهماً أوسع للتعليم المدمج لدى عدد من المعلمين ما يزال يميل إلى الطابع الأدائي، إذ يرتبط استخدام التقنية بالعروض التقديمية، والمنصات الجاهزة، والاختبارات المحوسبة، والواجبات الرقمية، أكثر من ارتباطه بإعادة تصميم النشاط اللغوي نفسه. وهذه النتيجة لا تعني غياب التقنية من الممارسة، بل تعني أن حضورها لا يزال في كثير من الحالات حضوراً مكملاً لطرق التدريس السائدة، لا محركاً لإعادة بناء التعلم. ويمكن قراءة جانب كبير من هذه الممارسات من خلال نموذج SAMR، بوصفه أقرب إلى مستويي الاستبدال والتعزيز، حيث تستخدم الأدوات الرقمية لتحسين الأداء أو زيادة الكفاءة، من غير أن يحدث تحوّل جوهري في بنية المهمة التعليمية أو في أدوار المعلم والمتعلم (Puentedura, 2013; Zulfiani et al., 2025). واللافت هنا أن المسألة لا تبدو مرتبطة بضعف الرغبة في الاستخدام، بقدر ما ترتبط بطبيعة هذا الاستخدام وحدوده، فالتقنية حاضرة، لكنها لا تُعيد تشكيل الدرس اللغوي في معظم الحالات، بل تظل ملحقة به.

ومع ذلك، لا يُمكن اختزال خبرات المعلمين في هذا المستوى وحده، لأن المقابلات أظهرت أيضاً ممارسات أكثر تقدماً لدى بعض المشاركين، تمثلت في التسجيلات الصوتية، والمهام التفاعلية، ومشروعات الفيديو القصير، وإتاحة فرص أوسع للمحاولة المتكررة والتغذية الراجعة الفردية. وتُشير هذه الممارسات إلى أن بعض المعلمين بدأوا يتجاوزون الاستخدام الأداتي نحو أشكال من الدمج يُصبح فيها المورد الرقمي وسيلة لإنتاج اللغة لا مجرد قناة لعرضها. ومن ثم، فإن نتائج الدراسة لا ترسم صورة ثنائية حادة بين معلمين متقدمين وآخرين متأخرين، بل تكشف طيفاً مهنياً متدرجاً، يتحرك فيه بعضهم من الاستخدام الوظيفي نحو الاستخدام الأعمق بدرجات متفاوتة. وهذا يتفق مع الأدبيات التي بينت أن قيمة التعليم المدمج في تعليم اللغات لا تتحدد بمجرد وجود الوسائط الرقمية، بل بالطريقة التي يُعاد بها تنظيم فرص التفاعل، والتعبير، والمراجعة، وبناء المعنى، داخل المهمة اللغوية نفسها (Liu& Chen, 2023; Prasetya, 2024; Viberg et al., 2023; Zhai& Ma, 2023).

ومن منظور إطار TPACK، تبدو النتائج أكثر دقة مما قد يظهر في القراءة الأولى، فهي لا تقول إن المعلمين يفتقرون إلى المعرفة التقنية في ذاتها، بل تُشير إلى أن هذه المعرفة حاضرة بدرجة معقولة، لكنها لا تتحوّل دائماً إلى تكامل فعلي مع المعرفة البيداغوجية ومعرفة المضمون اللغوي. ويتجلى ذلك في استخدام المنصات والاختبارات والمواد الرقمية الجاهزة، من دون أن يقترن هذا الاستخدام دائماً بإعادة بناء التفاعل اللغوي أو مواءمة النشاط الرقمي مع هدف لغوي محدد. وهذا ينسجم مع ما تطرحه الأدبيات المرتبطة بإطار TPACK من ان الفجوة لا تظهر في امتلاك الأداة، بل كثيراً ما تظهر عند نقطة الالتقاء بين التقنية والبيداغوجيا والمحتوى، أي حين يعرف المعلم كيف يستخدم الوسيط، لكنه لا يزال في طور تعلم كيف يوظفه تربوياً داخل درس اللغة (Mishra& Koehler, 2006; Fabian et al., 2024). وفي هذا المعنى، توحي نتائج المقابلات بأن ما ينقص كثيراً من المعلمين ليس مهارة تشغيل الأدوات فحسب، بل الخبرة التصميمية التي تجعل التقنية جزءاً عضوياً من منطق تدريس اللغة.

وفي ضوء DigCompEdu، يمكن القول أن ممارسات المعلمين كما ظهرت في المقابلات تعكس مستوى وظيفياً ومهنياً أولياً أو متوسطاً في استخدام الموارد الرقمية، وتنظيم التعلم، والتقويم، لكنها لا تصل في معظمها إلى مستوى الابتكار المنهجي أو إعادة تصميم التعلم بصورة متقدمة. غير أن أهمية هذا الإطار في تفسير النتائج لا تكمن في تصنيف المعلمين فحسب، بل في كشف الفجوة الأعمق التي تحكم الممارسة، فالكفاءة الرقمية هنا لا تتعلق باستخدام الوسيط فقط، بل تشمل أيضاً تمكين المتعلمين، وضمان الوصول العادل، واتخاذ قرارات بيداغوجية وأخلاقية ملائمة داخل البيئة الرقمية (Joint Research Center, 2025). وهذا المعنى برز بوضوح في حديث المعلمين عن العدالة الرقمية، والحلول التعويضية، وتفاوت وصول الطلبة إلى الأجهزة والإنترنت، ما يدل على أن المعلم لم يكن يواجه مجرد خلل تقني، بل كان يواجه سؤالاً يومياً عن الإنصاف داخل الصف المدمج. وبذلك يصبح التعليم المدمج في هذا السياق ليس مجرد مسألة كفاءة رقمية، بل أيضاً مسألة عدالة تعلمية (Tibus et al., 2023).

وتكشف النتائج، من هذه الزاوية، أن الفجوة الرقمية بين الطلبة لا تقف عند حدود توفر الأجهزة أو جودة الاتصال، بل تعيد تشكيل قرارات المعلم نفسها. فحين يضطر المعلم إلى تقديم بدائل ورقية، أو تمديد الوقت، أو تخفيف بعض متطلبات المهمة، فإنه لا يتعامل فقط مع ظرف طارئ، بل يُعيد التفاوض مع مفهوم العدالة الصفية ومع شروط المشاركة المتكافئة. وهذه النقطة تستحق أن تبرز في التحليل، لأنها تُشير إلى محدودية الدمج في هذا السياق لا تعود دائماً إلى ضعف خبرة المعلم أو تردده، بل أنه يعمل داخل بيئة لا تمنح جميع الطلبة فرصاً متساوية للاستفادة من الدمج. وهذا يتقاطع مع ما أشارت إليه دراسة ((Sareen& Mandal, 2024 من أن تبني الموارد الرقمية لا يفضي تلقائياً إلى تعلم أفضل ما لم يقترن بتصميم بيداغوجي داعم، وتطوير مهني، أخلاقية، ودعم مؤسسي، ومراعاة للفروق السياقية والاجتماعية.

وعلى المستوى التطبيقي، تبرز نتائج المقابلات أيضاً أن ما يحد من انتقال المعلمين إلى دمج أعمق لا يتمثل في البنية التحتية وحدها، بل في طبيعة الدعم المهني الذي يتلقونه. فحين يتركز الاستخدام عن مستوى المنصات، والمهام الجاهزة، والاختبارات الإلكترونية، يبرز احتمال أن كثيراً من فرص التدريب التي خاضها المعلمون كانت أقرب إلى التدريب على الأداة منها إلى التدريب على التصميم، أي أن المعلم تعلم كيف يستخدم المنصة، لكنه لم يحصل بالقدر نفسه على فرصة ليتدرب على كيف يُعيد بناء درس اللغة العبرية من خلالها. وهذه القراءة النقدية تتفق مع ما ورد في الأدبيات من أن برامج التطوير المهني الأكثر أثراً هي تلك التي ترتبط بالممارسات الصفية الفعلية، وتوفر دعماً مستمراً، وتبني خبرة المعلم التصميمية لا التشغيلية فقط (Ansari et al., 2023; Stavermann, 2025; Wang et al., 2025; Amemasor et al., 2025). وعليه، فإن نتائج الدراسة توحي بأن الحاجة ليست إلى مزيد من الورش العامة حول الأدوات الرقمية، بل إلى تطوير مهني متخصص في تعليم اللغة العبرية، يربط التقنية بالأهداف اللغوية الفعلية وبالخصوصية الثقافية للمتعلمين.

ومن ضمن نتائج المقابلات ما يتعلق بالبُعد الثقافي، فإشارة المعلمين إلى أن بعض المواد الرقمية الرسمية لا تُراعي الخصوصية اللغوية والثقافية للطلبة العرب ليست ملاحظة جانبية، بل تُمثل مفتاحاً تفسيرياً مهماً. ذلك أن تدريس اللغة العبرية في المدارس العربية لا يُشبه تدريس لغة أجنبية محايدة، فهو يجري داخل سياق ترتبط فيه اللغة بالسياسة التعليمية، والهوية، والاندماج، والمكانة الاجتماعية، لذلك فإن المورد الرقمي لا يقتصر على تعليم اللغة، بل يقدمها أيضاً من خلال مواقف وامثلة وصور قد تكون قريبة من خبرة الطالب أو بعيدة عنها، وهو ما يؤثر في تفاعله مع المحتوى ومدى شعوره بصلته بواقعه اللغوي والثقافي. ومن هنا، فإن ضعف التفاعل مع بعض الموارد لا ينبغي أن يُفسر فقط بضعف جاذبيتها التقنية، بل ربما أيضاً يُبعدها عن العالم اللغوي والثقافي للطلبة، أو بعدم حساسيتها للعلاقة المركبة التي تربطهم بالعبرية. وهذه القراءة تتسق مع ما بينته دراسة منور وبنحاس (Manor& Binhas, 2023) حول تشابك اللغة مع الهوية والسياسة التعليمية، ومع ما عرضته دراسة منور ووتد (Manor & Watad, 2024) من أن السياسات الحالية لا تُراعي دائماً الخصوصية الثقافية واللغوية للمجتمع العربي، وأن تعليم العبرية في المدارس العربية محكوم بواقع لساني واجتماعي مركب يتطلب مواءمة أعمق للمناهج والموارد.

وتوحي نتائج المقابلات بأن التعليم المدمج في تدريس اللغة العبرية يحتاج إلى نموذج رقمي أكثر حساسية للتعدد اللغوي والثقافي، لا إلى رقمنة مورد جاهز فحسب، أي أن التحول الرقمي الملائم لهذا الحقل لا ينبغي أن يسأل فقط كيف يجعل الدرس أكثر حداثة، بل كيف نجعله أكثر قرباً من العالم اللغوي الفعلي للطلبة العرب، وأكثر قدرة على استثمار لغتهم الأم بوصفها رافعة للفهم لا عائقاً ينبغي تهميشه. وتجد هذه الفكرة ما يدعمها في الأدبيات التي تناولت التناوب اللغوي الرقمي بوصفه توجها تربويا يتيح توظيف الموارد اللغوية المتعددة للمتعلمين داخل البيئات الرقمية بصورة منظمة وهادفة (Lu& Gu, 2024). ومن هنا، فإن ما لم يقله المعلمون صراحة في المقابلات، لكنه يظهر بين السطور، هو حاجتهم إلى محتوى رقمي يُراعي ليس فقط مستوى اللغة الهدف، بل أيضاً البنية اللغوية والاجتماعية التي يتعلم الطالبة العربي العبرية من داخلها.

أما فيما يتعلق بالأثر اللغوي، فقد أشارت النتائج إلى تحسن ملحوظ في مهارتيّ الكتابة والتعبير الشفهي على وجه الخصوص، إلى جانب تحسن نسبي في الفهم القرائي والاستماع. وهذه النتيجة تنسجم مع عدد من الدراسات التي بينت أن البيئة المدمجة قد تدعم المهارات اللغوية عندما تُتيح فرصاً للتكرار، والتغذية الراجعة، والعمل بوتيرة فردية، وتوظيف مهام تفاعلية ذات معنى (Prasetya, 2024; Viberg et al., 2023; Zhai& Ma, 2023). كما تتقاطع مع دراسة ذياب (2025) التي أشارت إلى أثر التعليم الهجين في تحسين التعبير الكتابي باللغة العبرية، ومع نتائج المزروعي (2022) التي دعمت أثر الدمج في التحصيل والدافعية. غير أن قيمة هذه النتيجة لا تكن في إثبات أن التقنية نافعة في ذاتها، بل في إظهار أن أثرها يظل مشروطاً بنوع التوظيف نفسه، فحين تستخدم الأدوات الرقمية لخدمة هدف لغوي واضح، يُصبح أثرها أوضح، أما حين تظل في مستوى التنظيم أو العرض، فإن أثرها يصبح أوضح، أما حين تظل في مستوى التنظيم أو العرض، فإن هذا الأثر يبقى محدوداً. ومن هنا، تبدو نتائج المقابلات أكثر توازناً من بعض الأدبيات المتفائلة، لأنها تربط الأثر بعمق التصميم لا بمجرد حضور الوسيط الرقمي. كما تُشير نتائج المقابلات إلى أن الأثر الإيجابي للتعليم المدمج في مهارتي الكتابة والتعبير الشفهي مقارنة ببعض المهارات الأخرى، وهو ما قد يرتبط بطبيعة الأنشطة الرقمية التي أتاحت فرصاً أوسع للمحاولة المتكررة والتغذية الراجعة الفردية. وفي المقابل، ظهر الحديث عن الفهم القرائي والاستماع بدرجة أكثر تحفظاً، الأمر الذي يوحي بتفاوت استفادة المهارات اللغوية من هذا النمط تبعاً لطبيعة المهمة الرقمية ودرجة مواءمتها للهدف اللغوي. ويقود ذلك إلى نتيجة تطبيقية مهمة، مفادها أن تطوير التعليم المدمج في تدريس العبرية لا ينبغي أن يتوقف عند تعميم استخدام الأدوات، بل يجب أن يمتد إلى بناء تصورات أكثر تخصصاً حول كيفية توظيفها بما يلائم كل مهارة لغوية على حدة.

وتُبرز النتائج كذلك بُعداً نفسياً ومهنياً لا ينبغي إغفاله، وهو رهبة التكنولوجيا والخوف من التعطل أو فقدان السيطرة أمام الطلبة. فهذا البعد يُشير إلى أن التحوّل الرقمي لا يجري فقط على مستوى الأدوات، بل يطال أيضاً صورة المعلم عن نفسه داخل الصف، وبعض التردد هنا لا يبدو مجرد مقاومة للتغيير، بل قد يكون تعبيراً عن قلق مهني مرتبط بالخوف من اهتزاز الكفاءة أمام الطلبة أو من الاضطرار إلى أداء جديد لم يتلق المعلم ما يكفي من الدعم ليشعر بالأمان فيه. وهذا ينسجم مع الدراسات التي ربطت تطور الكفايات الرقمية بوجود بيئة مؤسسية آمنة وداعمة، لا مجرد مطالبة المعلم بالتكيّف الفردي (Levkovich& Shinan-Altman, 2024; Elyahu-Levi& Gvura, 2025). ومن ثم فإن تجاوز هذا العائق لا يتم فقط عبر التدريب التقني، بل عبر بناء ثقافة مدرسية تسمح بالتجريب، وتحمي الخطأ المهني الطبيعي في أثناء التعلم، وتخفف عبئ الانتقال الرقمي عن المعلم.

وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن نتائج المقابلات ترسم صورة لمجتمع مهني لا يرفض التعليم المدمج، لكنه لم يحل بعد على شروطه العادلة والملائمة. فالمعلمون يظهرون في هذه الدراسة بوصفهم فاعلين يحاولون خلق معنى عملي للتعليم المدمج داخل واقع لغوي وثقافي ومؤسسي معقد، لا بوصفهم منفذين مترددين فحسب. وما تكشفه النتائج بوضوح هو أن التحدي المركزي في هذا السياق ليس إقناع المعلمين بقيمة الدمج، بل تمكينهم من امتلاك نموذج أكثر نضجاً، نموذج لا يكتفي برقمنة الدرس، بل يُعيد التفكير فيه على ضوء خصوصية تعليم العبرية للطلبة العرب، وعلى ضوء ما تفرضه العدالة الرقمية والمواءمة الثقافية والتكافل البيداغوجي من شروط. وبذلك، يا يظهر التعليم المدمج هنا بوصفه حلاً جاهزاً، بل بوصفه ممارسة تربوية قيد التشكل، تتوقف فاعليتها على ما يتوافر لها من دعم مؤسسي، وتطوير مهني، وموارد أكثر حساسية للسياق اللغوي والثقافي للمتعلمين.

مناقشة النتائج

يهدف هذا الفصل إلى تقديم قراءة تفسيرية لنتائج المقابلات التي أُجريت مع معلمي اللغة العبرية في المدارس الثانوية العربية، في ضوء الأطر النظرية التي اعتمدتها الدراسة، وهي نموذج SAMR لفهم عمق دمج التكنولوجيا في التعليم، وإطار TPACK لتفسير العلاقة بين المعرفة التقنية والبيداغوجية ومعرفة المضمون، وإطارDigCompEdu بوصفه مرجعاً لفهم أبعاد الكفايات الرقمية لدى المعلّمين. وتسعى هذه المناقشة إلى وضع النتائج في سياقها العلمي الأوسع، وربطها بما ورد في الأدبيات السابقة، من دون اختزالها في مجرد مطابقة أو اختلاف، بل من خلال تفسيرها في ضوء خصوصية تدريس اللغة العبرية في المدارس العربية.

السؤال الأول: كيف يُوظف معلمو اللغة العبرية التعليم المدمج في ممارساتهم التدريسية، وما المعنى الذي يمنحونه لهذا التوظيف؟

تُشير نتائج الدراسة إلى أن توظيف التعليم المدمج لدى معلمي اللغة العبرية يتم غالباً بصورة جزئية، ويغلب عليه الطابع الأداتي، حيث تُستخدم الأدوات الرقمية في كثير من الحالات لدعم أنماط الدرس اللغوي من حيث أهدافه أو بنيته أو أدوار أطرافه. وهذا يعني أن التقنية تظهر في وعي عدد كبير من المعلمين، بوصفها وسيلة لتنظيم العمل أو عرض المحتوى أو متابعة الطلبة، أكثر من كونها مدخلاً لإعادة تصميم النشاط التعليمي نفسه.

ويمكن قراءة هذا النمط في ضوء نموذج SAMR، حيث توحي البيانات بأن كثيراً من الممارسات تقترب من مستويي الاستبدال أو التعزيز، أي حين تُستخدم التكنولوجيا لتحسين الأداء أو تسهيله دون إحداث تحوّل واضح في بنية التعلّم. ومع ذلك، لا تسير جميع الممارسات في الاتجاه نفسه، فقد أظهرت المقابلات وجود محاولات أكثر تقدماً لدى بعض المعلمين، تمثلت في استخدام التسجيلات الصوتية، والأنشطة التفاعلية، والمشاريع الرقمية القصيرة، وهي ممارسات توحي بانتقال تدريجي نحو مستويات دمج أعمق.

وتنسجم هذه النتائج مع ما توصلت إليه الدراسات سابقة، التي أشارت إلى أن التعليم المدمج يُستخدم في الميدان غالباً بصورة تكميلية أكثر من كونه تحولاً بيداغوجياً كاملاً. فقد بيّن المومني (2023) أن استخدام التعليم المدمج في تدريس اللغة الإنجليزية ظل متركزاً في الوسائط المتعددة والمهام الرقميّة الداعمة، دون إعادة بناء واضحة للدرس. كما أوضحت دراسة شاتيرجي وآخرين (Chatterjee et al., 2024) أن الاتجاهات الإيجابية نحو التعليم المدمج لا تُترجم تلقائياً إلى ممارسات منهجية ما لم تقترن بوقت كافٍ وتدريب مناسب. وفي السياق ذاته، أشارت دراسة ليو وآخرون (Lyu et al., 2025) إلى أن القناعة بأهمية الدمج لا تعني بالضرورة تكامل فعلي بين المكوّنيّن الوجاهي والرقمي.

ومن منظور TPACK، توحي النتائج بأن لدى المعلمين حضوراً معقولاً للمعرفة التقنية، يتجلى في استخدام المنصات التعليمية والاختبارات الإلكترونية، غير أن هذا الحضور لا ينعكس دائماً في تكامل واضح بين التقنية والمحتوى اللغوي والاستراتيجية البيداغوجية، فالمشكلة ليست في غياب الأداة، بل في محدودية إعادة توظيفها تربوياً داخل درس اللغة. ومن زاوية DigCompEdu، يمكن القول أن كثيراً من الممارسات تعكس مستوى وظيفياً من استخدام الموارد الرقمية وتنظيم التعلم، دون أن تبلغ، في معظم الحالات، مستوى الابتكار المنهجي أو إعادة تصميم التعلم بصورة عميقة. ويُشير ذلك إلى أن المعلمين لا يقفون خارج التحوّل الرقمي، لكنهم لم ينتقلوا جميعاً بعد إلى مرحلة يكون فيها الدمج جزءاً من منطق التدريس نفسه.

السؤال الثاني: ما التحديات التي تُعيق تطبيق التعليم المدمج، وكيف يتعامل المعلمون معها داخل واقع المدرسة وواقع الطلبة؟

تُظهر النتائج أن معلمي اللغة العبرية يواجهون مجموعة متداخلة من التحديات التي لا يمكن اختزالها في الجانب التقني وحده. فعلى المستوى البنيوي، برز ضعف البنية التحتية، وبطء الإنترنت، ونقص الأجهزة، وغياب الدعم التقني المنتظم بوصفها معوقات تحدّ من استمرارية الأنشطة الرقمية. وعلى المستوى التنظيمي عبّر المشاركون عن ضغط الوقت، وارتفاع عبء التحضير، وصعوبة المواءمة بين متطلبات الدرس التقليدي ومستلزمات الدرس المدمج. أما على مستوى الطلبة، فقد ظهرت العدالة الرقمية بوصفها مسألة مركزية، إذ تختلف فرص الوصول إلى الأجهزة والإنترنت بين الطلبة، مما ينعكس على مستوى مشاركتهم، ويضع المعلم أمام تفاوت لا يملك السيطرة عليه بالكامل.

وتتفق هذه النتيجة مع ما أظهرته دراسات سابقة تناولت التحديات المرتبطة بالتعليم المدمج، خاصة من حيث أثر الوقت والتدريب والتصميم البيداغوجي. فقد أشارت دراسة سارين ومندال (Sareen& Mandal, 2024) إلى أن نقص الوقت وضعف التأهيل المهني وعبء الإعداد تُعد من العوائق المتكررة في الأدبيات. كما أوضحت دراسة الخطيب (2023) أن إدارة الصف والتقويم في البيئة الرقمية يمثلان أكثر الجوانب إشكالاً في الممارسة اليومية. لكن نتائج الدراسة الحالية تُضيف بُعداً آخر، يتمثل في حضور التحدي الثقافي بوصفه عنصراً مؤثراً في التجربة، إذ أشار المشاركون إلى أن بعض المحتويات الرقمية الرسمية لا تُراعي الخصوصية اللغوية والثقافية للطلبة العرب، وهو ما يُضعف مستوى التفاعل ويجعل التقنية أحياناً أقل فاعلية مما يُفترض نظرياً. وتتقاطع هذه النتيجة مع ما طرحته دراسة منور وبينحاس (Manor& Binhas, 2023) بشأن الفجوة بين السياسات اللغوية الرسمية وواقع تدريس اللغة العبرية في المدارس العربية. ومن زاوية تفسيرية، تكشف هذه النتائج أن بقاء الممارسات في مستويات دمج محدودة لا يعود إلى تردد المعلمين وحده، بل إلى تفاعل مُعقد بين ضعف الموارد، وقصور الدعم، وغياب بيئة مؤسسية تمكّن المعلم من التجريب الآمن. كما تبرز “رهبة التكنولوجيا” بوصفها عاملاً نفسياً ومهنياً، إذ يرتبط بعض التردد بالخوف من فقدان السيطرة الصفيّة أو الظهور بمظهر غير متمكن أمام الطلبة، وهذا يعني أن التحديات لا تعمل في الهامش، بل تتدخل مباشرة في تشكيل قرارات المعلم وفي حدود ما يعدّه ممكناً داخل الصف.

وفي ضوء (DigCompEdu) و (TPACK)، يمكن فهم هذه التحديات على أنها ليست مجرد نقص في الوسائل، بل اختلال في شروط التكامل بين المعرفة، والدعم، والبيئة، والإنصاف. ولذلك فإن الحديث عن الدمج هنا لا ينبغي أن يُفهم بوصفه خياراً فردياً للمعلم فقط، بل بوصفه ممارسة مشروطة ببنية مدرسية وثقافية أوسع.

السؤال الثالث: كيف يُقيّم معلمو اللغة العبرية إسهام التعليم المدمج في تعلم الطلبة للغة العبرية، وما الشروط التي يرون أنها تُعزز هذا الأثر أو تحدّ منه؟

تُظهر نتائج الدراسة أن المعلمين ينظرون إلى التعليم المدمج بوصفه مدخلاً وعاداً لتحسين تعلم الطلبة، لكنهم لا ينظرون إليه بوصفه فعالاً في ذاته أو في جميع الأحوال. فقط ربط المشاركون إثره الإيجابي بوجود تصميم متوازن يجمع بين التفاعل الوجاهي والدعم الرقمي، وأشاروا بوجه خاص إلى تحسن في مهارتي الكتابة والتعبير الشفهي، إضافة إلى تحسن نسبي في الفهم القرائي والاستماع في بعض الحالات. ويرى المعلمون أن هذا الأثر يرتبط بعدة عناصر: التكرار، التغذية الراجعة الفورية، إتاحة فرص فردية للمحاولة، وإمكانية التفاعل مع المحتوى بوتيرة أكثر مرونة. وقد برزت التسجيلات الصوتيّة والمهام الكتابية الرقمية بوصفها أدوات أسهمت في تعزيز الثقة بالنفس وتحسين جودة الأداء اللغوي، وهذا يتقاطع مع نتائج دراسة ذياب (2025) التي أشارت إلى أثر التعليم الهجين في تحسين التعبير الكتابي في اللغة العبرية، كما ينسجم مع نتائج دراسة المزروعي (2022) حول أثر الدمج في التحصيل والدافعية. كذلك دعمت دراسة شاتيرجي واخرون (Chatterjee et al., 2025) هذا الاتجاه، حين ربطت فاعلية التعليم المدمج بوجود تدريب كاف ودعم فني مستمر.

غير أن المشاركين في الدراسة الحالية لا يُقدمون هذا الأثر بوصفه نتيجة تلقائية لاستخدام التقنية، بل بوصفه نتيجة مشروطة بنوع الدمج نفسه، فحين يُستخدم التعليم المدمج بصورة سطحية أو تنظيمية، يظل أثره محدوداً، أما حين يُوظف لخدمة أهداف لغوية واضحة، فإنه يخلق فرصاً أوسع للتفاعل الفردي والتعبير والمراجعة. ومن هنا يمكن فهم هذه النتيجة في ضوء نموذج SAMR، فكلما اقتربت الممارسة من مستويات أعمق من الدمج، بدأ الأثر اللغوي أوضح من وجهة نظر المعلمين. وفي ضوء TPACK أيضاً توحي النتائج أن فاعلية التعليم المدمج ترتبط بقدرة المعلم على المواءمة بين التقنية والهدف اللغوي والاستراتيجية المناسبة، لا بمجرد امتلاك الأداة أو استخدامها، كما أن إشارات المعلمين إلى أهمية التدريب، والمرونة، وتطوير المحتوى، تتقاطع مع ما أوردته مراجعة ستافيرمان (Staverman, 2025) ودراسة وانغ (Wang et al, 2025) بشأن دور التطوير المهني في رفع جودة الممارسات المدمجة. وتدل هذه النتيجة على أن التعليم المدمج، في وعي المعلمين، يشكل إطاراً يمكن أن يوسّع من إمكانات تعلم اللغة عندما يُستخدم بصورة متزنة وحساسة للسياق.

الاستنتاجات

  1. طبيعة توظيف التعليم المدمج في تدريس اللغة العبرية

تُظهر النتائج أن توظيف التعليم المدمج لدى معلمي اللغة العبرية في المدارس الثانوية العربية، ما زال في كثير من الحالات، أقرب إلى الاستخدام الأداتي منه إلى الدمج البنائي العميق. فقد أتجه عدد كبير من المعلمين إلى استخدام الأدوات الرقمية في المهام التنظيمية والإجرائية، مثل إرسال الواجبات، وعرض المحتوى، ومتابعة الطلبة، دون أن يمتد هذا الاستخدام دائماً إلى إعادة تصميم النشاط اللغوي أو بناء خبرات تعلم جديدة داخل الصف. ومع ذلك، لم تكن الصورة واحدة لدى جميع المشاركين، إذ كشفت المقابلات عن محاولات أكثر تقدماً لدى بعض المعلمين، تمثلت في دمج أنشطة تفاعلية مثل التسجيلات الصوتية والمهام الرقمية التي تتيح للطلبة المشاركة والإنتاج اللغوي. ويُشير هذا التفاوت إلى أن عمق الدمج لا يرتبط بتوافر التقنية وحده، بل بمدى قدرة المعلم على توظيفها بصورة منسجمة مع أهداف الدرس اللغوي، وهو ما يعكس أهمية الخبرة المهنية والتدريب المتخصص في الانتقال من الاستخدام الوظيفي إلى الدمج التربوي الأكثر عمقاً.

  1. التحديات التي تواجه المعلمين عند تطبيق التعليم المدمج

كشفت الدراسة عن مجموعة متداخلة من التحديات التي تعيق توظيف التعليم المدمج بصورة أكثر فاعلية، وقد تمثلت هذه التحديات في ضعف البنية التحتية الرقمية داخل المدارس العربية، وبطء الإنترنت، وقلة الأجهزة، إضافة إلى غياب الدعم الفني المنتظم. كما برزت تحديات تنظيمية وبيداغوجية تمثلت في ضغط الوقت، وعبء التحضير، وصعوبة تصميم أنشطة مدمجة متكاملة تنسجم مع طبيعة درس اللغة. من ناحية أخرى، أوضحت المقابلات وجود فجوة رقمية واضحة بين الطلبة أنفسهم، سواء من حيث توافر الأجهزة أو جودة الاتصال بالإنترنت، وهو ما ينعكس على فرص المشاركة ويُضعف مبدأ العدالة الرقمية داخل البيئة الصفيّة. كما أشار المعلمون إلى محدودية ملائمة بعض المواد الرقمية الرسمية للخصوصية الثقافية واللغوية للطلبة العرب، الأمر الذي يحد من انخراطهم ويجعل الدمج أقل استجابة للسياق المحلي. وتقود هذه النتائج إلى استنتاج مهم، وهو أن معوقات التعليم المدمج لا ترتبط بالأدوات وحدها، بل بشروط الممارسة التربوية كلها، بما في ذلك البيئة المؤسسية، والدعم المهني، وملائمة المحتوى، والإنصاف في فرص الوصول.

  1. تصورات المعلمين حو أثر التعليم المدمج في تعلم الطلبة

أظهرت النتائج أن معلمي اللغة العبرية ينظرون إلى التعليم المدمج بوصفه مدخلاً واعداً لتحسين تعلم الطلبة، خاصة في مهارتيّ الكتابة والتعبير الشفهي. وقد ربط المشاركون هذا الأثر بما تُتيحه البيئة الرقمية من فرص التغذية الراجعة الفورية، والتكرار، وإعادة المحاولة، والمتابعة الفردية، وهي عناصر رأوا أنها أسهمت في تعزيز ثقة الطلبة بأنفسهم وتحسين بعض جوانب الأداء اللغوي. وفي الوقت نفسه، لم يُقدم هذا الأثر بوصفه نتيجة تلقائية لاستخدام التقنية، بل بوصفه مشروطاً بطريقة التوظيف نفسها، فكلما كان الدمج أكثر ارتباطاً بالأهداف اللغوية وأكثر اندماجاً في بيئة الدرس، بدا أثره أوضح وأكثر معنى، أما حين يقتصر على الاستخدام الشكلي أو الإداري، فإن أثره يظل محدوداً. ويعني ذلك أن فاعلية التعليم المدمج، من وجهة نظر المعلمين، لا ترتبط باستخدام الأدوات الرقمية في جد ذاته، بل بالطريقة التي تُوظف بها داخل الممارسة الصفيّة لخدمة أهداف لغوية وتعلمية محددة.

  1. البعد الإنساني والثقافي في تجربة التعليم المدمج

من أبرز ما كشفت عنه الدراسة أن التعليم المدمج، في وعي المعلمين، لا يُنظر إليه بوصفه بديلاً عن التعليم الوجاهي، بل باعتباره مكملاً له. فقد شدد المشاركون على أن التفاعل المباشر داخل الصف ما يزال يُمثل جوهر العملية التعليمية، خاصة في تعليم اللغة، حيث يرتبط التعلم بالتواصل، وبناء المعنى، والحضور الإنساني. كما برز البُعد الثقافي بوصفه عنصراً حاسماً في نجاح الدمج أو تعثره، إذ رأى المعلمون أن المحتوى الرقمي يكون أكثر فاعلية عندما يكون منسجماً مع الخصوصية الثقافية واللغوية للطلبة العرب. وتكشف هذه النتيجة ان التعليم المدمج في هذا السياق لا يمكن فصله عن أسئلة الملاءمة الثقافية والعدالة اللغوية، وأن تطويره يتطلب أكثر من توسيع الاستخدام التقني.

في ضوء ما سبق، يمكن القول أن التعليم المدمج في تدريس اللغة العبرية داخل المدارس العربية الثانوية العربية، ما يزال في مرحلة انتقالية، فهو حاضر في الممارسة، لكنه لم يتحول بعد بصورة كاملة إلى منطق تربوي يُعيد بناء الدرس اللغوي بعمق، وذلك يعني أن التحدي الرئيسي لا يكمن في إدخال التقنية إلى الصف، بل في تمكين المعلم من استخدامها ضمن رؤية تربوية ولغوية وسياقية أكثر تكاملاً.

توصيات تربوية عملية

  1. تطوير برامج تدريبية مخصصة لمعلمي اللغة العبرية

توصي الدراسة بتطوير برامج تدريب مهني موجهة لمعلمي اللغة العبرية، لا تقتصر على تعريفهم بالأدوات الرقمية، بل تركز على كيفية توظيف هذه الأدوات في تصميم أنشطة لغوية مدمجة تخدم أهدافاً تعليمية واضحة. ومن المهم أن تقوم هذه البرامج على التطبيق العملي، وأن تتناول قضايا مثل تصميم المهام اللغوية الرقمية، وإدارة الصف في البيئة المدمجة، والتغذية الراجعة، والتقويم، بما يُتيح الانتقال من الاستخدام الوظيفي إلى التوظيف التربوي الأعمق.

  1. تحسين البنية التحتية والدعم التقني في المدارس العربية

توصي الدراسة بإعادة النظر في المواد الرقمية الرسمية المستخدمة في تدريس اللغة العبرية، والعمل على تطوير محتوى أكثر ملائمة للطلبة العرب من حيث اللغة، والسياق، والمرجعية الثقافية. كما توصي بمنح المعلمين مساحة أوسع لتكييف الموارد الجاهزة أو إنتاج موارد محلية تتناسب مع واقع الطلبة، بما يُعزز التفاعل والشعور بالانتماء ويجعل الدمج أكثر معنى.

  1. تطوير محتوى رقمي أكثر حساسية للسياق الثقافي واللغوي

توصي الدراسة بإعادة النظر في المواد الرقمية الرسمية المستخدمة في تدريس اللغة العبرية، والعمل على تطوير محتوى أكثر ملائمة للطلبة العرب من حيث اللغة، والسياق، والمرجعية الثقافية. كما توصي بمنح المعلمين مساحة أوسع لتكييف الموارد الجاهزة أو إنتاج موارد محلية تتناسب مع واقع الطلبة، بما يُعزز التفاعل والشعور بالانتماء ويجعل الدمج أكثر معنى.

  1. دعم ممارسات العدالة الرقمية داخل المدرسة

نظراً لما كشفته الدراسة من تفاوت في فرص الوصول إلى الأجهزة والإنترنت بين الطلبة، توصي الدراسة بأن تتبنى المدارس سياسات واضحة تُراعي الفجوة الرقمية، مثل توفير بدائل غير رقمية عند الحاجة، وإتاحة وقت إضافي، وتقديم دعم خاص للطلبة الأقل قدرة على الوصول، بما يضمن ألا يتحول التعليم المدمج إلى عامل جديد من عوامل التفاوت.

وتفتح نتائج هذه الدراسة المجال أما أبحاث لاحقة يمكن أن تتناول أثر التعليم المدمج في مهارات اللغة العبرية بصورة كمية أو مقارنة، أو تفحص الكفايات الرقمية المهنية لدى المعلمين في سياقات تعليمية مختلفة.

المراجع

أبو الغنم، علا عادل شريف. (2024). مدى تفعيل التعليم المدمج في تدريس اللغة الإنجليزية وانعكاسه على التحصيل الدراسي لدى طلبة الصف الخامس الأساسي في محافظة مادبا من وجهة نظر المعلمين. مجلة اتحاد الجامعات العربية للبحوث في التعليم العالي، 44(1)، 422-437.

Abu Al-Ghanam, Ola Adel Sharif. (2024). The extent of activating blended learning in teaching English and its reflection on the academic achievement of fifth-grade students in Madaba Governorate from teachers’ perspectives. Journal of the Association of Arab Universities for Research in Higher Education, 44(1), 422-437.

بحة، فتحي. (2021). توظيف الأشكال الحديثة للتعليم باستعمال التكنولوجيا والتواصل لتيسير التعليم. مقامات للدراسات اللسانية والنقدية والأدبية، 5(1)، 252-270.

Bahha, Fathi. (2021). Employing modern forms of education using technology and communication to facilitate learning. Maqamat for Linguistic, Critical and Literary Studies, 5(1), 252-270.

الحارثي، زكية حامد. (2024). التعليم المدمج في تدريس اللغة الإنجليزية بالمرحلة المتوسطة من وجهة نظر المعلمات في مدينة الطائف. المجلة العربية للتربية النوعية، 8(30)، 213-252.

ttps://doi.org/10.21608/ejev.2024.334629
Al-Harthi, Zakiah Hamed. (2024). Blended learning in teaching English at the intermediate level from the teachers’ point of view in Taif. The Arab Journal of Specific Education, 8(30), 213-252. https://doi.org/10.21608/ejev.2024.334629

ذياب، ريم. (2025). فاعلية استراتيجية التعليم الهجين في تعليم اللغة العبرية كلغة ثانية لدى طلبة المرحلة الثانوية. مجلة العلوم الإنسانية والطبيعية، 6(8)، 295-315. https://doi.org/10.53796/hnsj68/19

Dhiab, Reem. (2025). The effectiveness of the hybrid learning strategy in teaching Hebrew as a second language to high school students. Humanities and Natural Sciences Journal, 6(8), 295-315. https://doi.org/10.53796/hnsj68/19

الشهوبي، حسن سالم، والماجري، سمية خميس، وإسماعيل، ازدهار محمد. (2025). واقع استخدام استراتيجية التعليم المدمج لدى أعضاء هيئة التدريس بكلية التربية – جامعة مصراتة. المجلة العلمية لكلية التربية، جامعة مصراتة، 12(1)، 433-457.

Al-Shahoubi, Hassan Salem, Al-Majri, Sumaya Khamis, & Ismaeel, Izdihar Mohammed. (2025). The reality of using the blended learning strategy among faculty members at the Faculty of Education, Misurata University. Scientific Journal of the Faculty of Education, Misurata University, 12(1), 433-457.

المزروعي، سامي. (2022). فاعلية التعلم المدمج في ظل جائحة كورونا في تنمية تحصيل ودافعية تعلم طالبات الصف العاشر للتعليم الأساسي لمقرر اللغة الإنجليزية بسلطنة عمان. مجلة الدوريات المصرية، 54(54)، 167-216.

Al-Mazrouei, Sami. (2022). The effectiveness of blended learning during the COVID-19 pandemic in developing achievement and learning motivation among tenth-grade female basic education students in the English language course in the Sultanate of Oman. Egyptian Periodicals Journal, 54(54), 167-216.

المومني، أمل محمد. (2023). مدى استخدام التعلم المدمج في تدريس مادة اللغة الإنجليزية في المرحلة الثانوية من وجهة نظر المعلمين. مجلة المناهج وطرق التدريس، 2(6)، 73-88.

ttps://doi.org/10.26389/AJSRP.L310322
Al-Momani, Amal Mohammad. (2023). The status of using blended learning in teaching the English language at high schools from the teachers’ point of view. Journal of Curriculum and Teaching Methodology, 2(6), 73-88. https://doi.org/10.26389/AJSRP.L310322

موسى، زينب تركي نعمة، والعجرش، حيدر حاتم فالح. (2022). بناء معايير مقترحة لتوظيف التطبيقات الذكية في التدريس على وفق أنماط التعليم المدمج. مجلة العلوم الإنسانية، 29(2)، 1-17.

Mousa, Zainab Turki Neama, & Al-Ajrash, Haider Hatem Falih. (2022). Building proposed standards for employing smart applications in teaching according to blended learning patterns. Journal of Human Sciences, 29(2), 1-17.

Ahmed, K. (2025). Blended Learning: A Comprehensive Review of Recent Insights and Challenges, Journal of Research Education and Pedagogy, 2(3), 334-345.

Akpen, C., Asaolu, S., Atobatele, S., Okagbue, H. & Sampson, S. (2024). Impact of online learning on students’ performance and engagement: a systematic review, Discover Education, 3(205).

Al Khateeb, A. & Son, J. (2023). Challenges and strategies of in-service EFL teachers in online language teaching: a Saudi Arabian case study, Computer in the School, 42(4), 327-345.

Al-Fayyomi, K., Almousa, N. & Yassin, B. (2025). Faculty perspectives on blended learning in Jordanian University: opportunities and challenges, Frontiers Education, 10.

Ali, A., Khan, R. & Alouraini, A. (2023). A Comparative Study on the Impact of Online and Blended Learning, SAGA Journal, 13(1), 1-10.

Ali, S., Yunus, K., Alshaikhi, T., Abugohar, M., Mohana. T. & Mustfa, T. (2023). The Effects of Blended Learning on First-Year Arab University Students` Oral Production, World Journal of English Language, 13(8), 146-157.

Alibrahim, A. (2024). E-Learning After Pandemic from Perspective of Digital Skills Teachers, Journal of Education and Learning, 13(2), 1-14.

Al-Mekhlafi, A., Zaneldin, E., Ahmed, W., Kazim, H. & Jadhav, M. (2025). The effectiveness of using blended learning in higher education: students` perception, Cogent Education, 12(1), 1-19.

Alwan, A. & Mohammed, A. (2024). The Effect of Blended Learning on Crisis Management During the Corona Pandemic (COVID-19) The Effect of Blended Learning on Crisis Management During the Corona Pandemic (COVID-19), Journal of Economics and Administrative Science, 30(140), 153-171.

Amemasor, S., Oppong, S., Ghansah, B., Benuwa, B. & Essel, D. (2025). A systematic review on the impact of teacher professional development on digital instructional integration and teaching practice, Frontiers in Education, 10, 1-14.

Ansari, B., Junaidi, J., Maulina, S. Herman, H., Kamaruddin, I., Rahman, A. & Saputra, N. (2023). Blended– Learning Training and Evaluation: A Qualitative Study, JICC– Journal of Interculture Communication, 23(4), 155-164.

Bitar, N. & Davidovich, N. (2024). Navigating New Norms: Lecturer’s Insights on Digital Learning Integration in Higher Education– A Case of Israel, Education Sciences, 14(8), 816.

Braun, V. & Clarke, V. (2006). Using thematic analysis in psychology, Quality Research in Psychology, 3(2), 77-101.

Chatterjee, R., Brown, K. & Shelton, K. (2024). Teacher Perception of Blended Learning on Student Engagement in the Post-Pandemic Era, Education Leadership Review of Doctoral Research, 12, 1-22.

Chiu, T. (2021). Digital support for student engagement in blended learning based on self-determination, Computers in Human Behavior, 124, 1-10.

Creswell, J. & Poth, C. (2023). Qualitative Inquiry and Research Design Choosing Among Five Approaches, (5thed) SAGE Publication.

Cronje, J. (2020). Towards a New Definition of Blended Learning, The Electronic Journal of e-Learning, 18(2).

Efthymiou, I. (2023). Blended Learning: Maximizing the Benefits of Technology in the Classroom, Cases on Economics Education and Tools for Educators, ISBN: 9781668475836.

Eliahu-Levi, D. & Gvura, A. (2025). Navigating tensions between despair and hope–Arab teachers’ perceptions in challenging situations in Jewish schools, Leading Culture and Social Interaction, 50.

Fabian, A., Backfisch, I., Kirchner, K.& Lachner, A. (2024). A systematic review and meta-analysis on TPACK- based intervention from a perspective of knowledge integration, Computer and Education Open, 7, 1-22.

Hrastinski, S. (2019). What do we mean by blended learning? TechTrends, 63, 564-569.

Krippendorff, K. (2018). Content Analysis – An Introduction to Its Methodology (4th ed), Sage Publications.

Krzyzak, J. & Trebacz, J. (2024). Challenges in remote education: analysis of social interaction, motivation and engagement, E-mentor, 2(104).

Levkovich, I. & Shinan-Altman, S. (2024). Well-being among Arab teachers in Israel during the COVID-19 pandemic: a mixed–methods study, Multicultural Education Review, 16(1), 71-88.

Liu, H. & Chen, P. (2023). Blended Learning in Teaching English as a Foreign Language in China: A Case of Comprehensive English Courses, International Journal of Applied Linguistics and Translation, 9(2).

Lu, C. & Gu, M. (2024). Review of research on digital translanguaging among teachers and students: A visual analysis through CiteSpace, System, 123.

Lyu, C., Sulaiman, N. & Hashim, H. (2025). Exploring Chinese EFL Teachers’ Perception of Blended Learning in English Extensive Reading Course: A Qualitative Study, Bilingual Publishing Group, 7(3), 611-624.

Manor, R. & Binhas, A. (2023). Teaching Hebrew as second language in Arab schools in Israel, Language Problems & Language Planning, 47(1), 49-71.

Manor, R. & Watad, A. (2024). The complexity of teaching Hebrew in Israel’s Arab school system, Language Teaching, 58(1), 14-26.

Minadzi, V. & Segbenya, M. (2024). Usefulness and challenges with blended learning during the COVID-19 pandemic in Ghana: The mediating role of human resource factors, Computer in Human Behavior Reports, 16, 1-11.

Mishra, P. & Koehler, M. (2006). Technological Pedagogical Knowledge: A framework for Teacher Knowledge, Saga Journal, 108(6).

Mohammadi, M., Paasivara, M. & Kasurinen, J. (2025). Blended learning in higher education: good practices in platforms and teachers` support, enhancing students’ motivation, education and information technologies, 30, 26001-26024.

Moorhouse, B. (2023). Teachers` digital technology use after a period of online teaching, ELT Journal, 77(4), 445-457.

Najjar, N., Rouphael, M., Bitar, T. & Hleihel, W. (2025). The rise and drop of online learning: adaptability and future prospects, Frontiers Education, 10, 1-14.

Phillips, J., Schumacher, C. & Arif, S. (2016). Time Spent, Workload, and Student and Faculty Perceptions in a Blended Learning Environment, American Journal of Pharmaceutical Education, 80(6), 102.

Pozo, J., Cabellos, B. & Echeverria, M. (2024). Has the education use of digital technologies changed the pandemic? A longitudinal study, Plos One, 19(12).

Prasetya, R. (2024). Exploring English language instruction through synchronous virtual meetings in the Indonesian EFL context: Pedagogical approaches, opportunities and challenges, and multimedia integration, JEFL-Journal on English as a Foreign Language, 14(1), 179-208.

Puentedura, R. (2013). SAMR: Getting to Transformation, Hippasus Blog.

Sareen, S. & Mandal, S. (2024). Challenges of blended learning in higher education across global north–south: A systematic and integrative literature review, Social Sciences & Humanities Open, 10, 1-16.

Shan, S., Mahboob, U. Junaid, S., Siddiqui, S., Jamil, B. & Rehman, S. (2024). Challenges faced by teachers of postgraduate health professions blended learning programs: a qualitative analysis, BMC Medical Education, 24(251), 1-12.

Stavermann, K. (2025). Online Teacher Professional Development: A Research Synthesis on Effectiveness and Evaluation, Technology, Knowledge, and Learning, 7, 203-240.

Stein, J. & Graham, C. (2020). Essentials for Blended Learning, 2nd Edition, Open & Distance Education and e-Learning.

Tarabia, E. (2023). The Effect of Hebrew Language Proficiency on Academic and Social Self -Image, Motivation and Academic Success of Arab Students in the Israeli Academia, Journal of Namibian Studies History Culture, 33(2).

Tibus, E. Napalla, J. & Ledesma, S. (2023). Risk of factors student failure in a blended learning instruction during COVID-19 pandemic, International Journal of Evolution and Research in Education (IJERE), 12(4).

Vasel, H. (2025). A Comparative Analysis Arab and Jewish Teachers` Remote Online Teaching Experience, Research in Comparative and International Education, 20(3), 422-440.

Viberg, O., Kukulska-Hulme, A. & Peeters, W. (2023). Affective Support for Self-Regulation in Mobile-Assisted Language Learning, International Journal of Mobile and Blended Learning, 15(2), 1-15.

Wang, X., Niu, J., Fang, B., Han, G. & He, J. (2025). Empowering teachers’ professional development with LLMs: An empirical study of developing teachers’ competency for instructional design in blended learning, Teaching and Teacher Education, 165.

Zhai, N. & Ma, X. (2023). The Effectiveness of Automated Writing Evaluation on Writing Quality: A Meta-Analysis, Journal of Education Computing Research, 61(4), 1-26.

Zhou, Q., Huang, Y., Luo, Y., Bai, X., Cui. Y., Wang, Y. & Chen, N. (2023). Implementation of Blended Learning at the Institutional Level, Handbook of Educational Reform through Blended learning, 159-198.

Zhou, T. & Zhang, W. (2022). Effectiveness study on online or blended language learning based on student achievement: A systematic review of empirical studies, Sustainability, 14(12), 7303.

Zou, Y., Kuek, F., Feng, W. & Cheng, X. (2025). Digital Learning in the 21st century: trends, challenges, and innovations in technology integration, Frontiers in Education, 10, 1-11.

Zulfiani Z., Iwan, P. El-Salami, A. & Sari, I. (2025). Trends in SAMR research in teaching and learning from 2019 to 2024: A systematic review, International Journal of Advanced and Applied Sciences, 12(4), 99-106.

مواقع الكترونية:

Britannica, Hebrew Language, www.britannica.com, 08.11.2025.

Joint research center, European Commission, Digital Competence Framework for Educators (DigCompEdu), www.commission-europa.eu, 10/11/2025.

RAMA – National Authority for Measurement and Evolution. (2024). Hebrew as a Language for Arabic – Speaking Students, Ministry of Education, rama.edu.gov.il, 7/03/25.

UNESCO. (2024). Q&A: How UNESSCO is driving digital learning and the transformation of education, unesco.org, 11/04/2025.