دور برامج التربية البدنية المدرسية في مكافحة سمنة الأطفال: دراسة نوعية في ضوء خبرات المعلمين والعاملين التربويين في المرحلة الابتدائية بمدينة عرّابة البطوف
طارق نعمان يوسف نعامنة1، مصطفى تيسير مصطفى عاصلة1
1 جامعة النجاح الوطنية، نابلس، فلسطين.
بريد الكتروني الباحث المراسل : naamna.ta77@hotmail.com
The Role of School Physical Education Programs in Combating Childhood Obesity: A Qualitative Study in Light of the Experiences of Teachers and Educational Staff at the Primary Stage in the City of Arraba al-Battuf
Tariq Noman Yousef Na’amneh1, Mustafa Tayseer Mustafa Asleh1
1 An-Najah National University, Nablus, Palestine. Corresponding author
email: naamna.ta77@hotmail.com
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj75/3
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/75/3
المجلد (7) العدد (5). الصفحات: 43 - 67
تاريخ الاستقبال: 2026-04-05 | تاريخ القبول: 2026-04-12 | تاريخ النشر: 2026-05-01
المستخلص: تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف إدراكات وخبرات الفاعلين التربويين حول دور برامج التربية البدنية المدرسية في مكافحة السمنة لدى الأطفال في المرحلة الابتدائية بمدينة عرّابة البطوف. اعتمدت الدراسة المنهج النوعي بأسلوب دراسة الحالة، حيث جُمعت البيانات من خلال مقابلات شبه مقننة، وملاحظات ميدانية، وتحليل وثائق، وشملت عينة قصدية من (18–22) معلمًا ومرشدًا تربويًا. تم تحليل البيانات باستخدام التحليل الموضوعي وفق منهج Braun & Clarke. أظهرت النتائج أن السمنة تُفهم بوصفها ظاهرة متعددة الأبعاد تشمل الجوانب الصحية والسلوكية والنفسية والاجتماعية، وأن التربية البدنية تمثل إطارًا مهمًا لتعزيز النشاط البدني، إلا أن فاعليتها تبقى محدودة في ظل غياب التكامل المؤسسي والدعم الإداري والأسري. كما كشفت النتائج عن تحديات تنظيمية وثقافية تؤثر في تطبيق البرامج، مثل قلة الحصص، وضعف الإمكانات، وانخفاض وعي بعض الأسر. وتوصي الدراسة بضرورة تبني مقاربة مدرسية شمولية تراعي السياق الثقافي، وتعزز التكامل بين المدرسة والأسرة والمجتمع.
الكلمات المفتاحية: السمنة لدى الأطفال، التربية البدنية، البحث النوعي، الصحة المدرسية، البرامج الوقائية.
Abstract: This study aims to explore educators’ perceptions and experiences regarding the role of school-based physical education programs in combating childhood obesity in primary schools in Arraba Al-Batuf. A qualitative case study approach was adopted, utilizing semi-structured interviews, field observations, and document analysis. The purposive sample included 18–22 participants (physical education teachers and school counselors). Data were analyzed using thematic analysis following Braun & Clarke’s framework. Findings revealed that childhood obesity is perceived as a multidimensional phenomenon encompassing health, behavioral, psychological, and social aspects. While physical education is viewed as a key structured opportunity for promoting physical activity, its effectiveness remains limited without institutional support and integration with school policies and family involvement. The study highlights organizational and cultural barriers and recommends adopting a comprehensive, context-sensitive school-based approach.
Keywords: Childhood Obesity, Physical Education, Qualitative Research, School Health, Preventive Programs.
المقدمة النظرية
تُعدّ السمنة لدى الأطفال من أبرز التحديات الصحية التي تواجه المجتمعات المعاصرة، إذ تُشير الأدبيات العلمية إلى ارتفاع عالمي مستمر في معدلات السمنة وزيادة الوزن بين الأطفال والمراهقين، مع تباينات واضحة مرتبطة بالعوامل الاجتماعية والبيئية والاقتصادية. وقد وصف العديد من الباحثين السمنة لدى الأطفال بأنها وباء عالمي ناشئ نتيجة لانتشار العوامل المسببة مثل العادات الغذائية غير الصحية، وقلة النشاط البدني، وتغير أنماط الحياة، مما يعكس عبئًا صحيًا واجتماعيًا واقتصاديًا كبيرًا على مستوى الأفراد والمجتمعات على حدٍ سواء (Zhang et al., 2024; Ahmed, 2025).
وتنبع خطورة السمنة في مرحلة الطفولة من كونها لا تمثّل حالة عابرة، بل ترتبط باحتمال مرتفع لاستمرارها في مراحل لاحقة من العمر، مما يزيد من مخاطر الإصابة بأمراض مزمنة مثل داء السكري من النوع الثاني، وأمراض القلب والأوعية الدموية، وارتفاع ضغط الدم، إضافة إلى الآثار النفسية والاجتماعية مثل تدنّي تقدير الذات والتعرّض للوصمة الاجتماعية والتنمر. كما أظهرت الدراسات الوبائية ارتباط ارتفاع مؤشر كتلة الجسم في سن مبكرة بوجود عوامل خطورة قلبية استقلابية تراكمية تؤدي إلى ارتفاع مستويات الدهون غير الصحية واضطراب ضغط الدم، مما يعيد التأكيد على أن السمنة لدى الأطفال تُعد من أهم عوامل الخطر الصحية المبكرة التي تستدعي التدخل الوقائي العاجل (Sahoo et al., 2015; Alhelal et al., 2024)
في السياق العربي، تؤكد دراسة الزعابي (2018) ارتفاع معدلات زيادة الوزن والسمنة بين الأطفال والمراهقين في إمارة رأس الخيمة بدولة الإمارات العربية المتحدة، إذ تجاوزت النسبة 37% عند تقديرها باستخدام ثلاثة معايير دولية لمؤشر كتلة الجسم WHO)، CDC، (IOTF كما أظهرت النتائج وجود ارتباط دال إحصائيًا بين سمنة الأم وزيادة احتمالية السمنة لدى الأبناء، إضافة إلى علاقة عكسية بين مستوى تعليم الوالدين وبعض أنماط التغذية غير الصحية وانتشار السمنة بين الأطفال.
وتدل هذه النتائج على أن السمنة في البيئات العربية ليست ظاهرة فردية فحسب، بل تتداخل في تشكيلها عوامل أسرية وسلوكية وثقافية وبيئية، وهو ما يعزز أهمية النظر إلى المدرسة بوصفها فضاءً تربويًا وصحيًا استراتيجيًا للتدخل الوقائي، وهو اتجاه تؤكد عليه الأدبيات الدولية المعاصرة وتوصيات الهيئات الصحية العالمية المعنية بالوقاية من سمنة الطفولة .(World Health Organization, 2016)
في هذا الإطار، يُنظر إلى المدرسة بوصفها بيئة مركزية لتشكيل أنماط السلوك الصحي لدى الأطفال، نظرًا لقضاء الطلبة جزءًا كبيرًا من يومهم في سياقها، مما يجعلها موقعًا مثاليًا لتطبيق البرامج الوقائية والعلاجية المرتبطة بالنشاط البدني والتغذية الصحية. وقد أكّدت American Academy of Pediatrics (2018) في بيانها حول «الحياة النشطة الصحية» (Healthy Active Living for Families) أن تعزيز النشاط البدني داخل المدرسة، وتوفير حصص تربية بدنية يومية إلزامية يقودها معلمون مؤهلون، إلى جانب اعتماد سياسات مدرسية داعمة، يُعد من المكونات الرئيسة في مواجهة السمنة لدى الأطفال، فضلًا عن أهمية الحد من السلوكيات الخاملة مثل الجلوس المطوّل وزيادة وقت الشاشات.
كما أظهرت الأدبيات العالمية أن التدخلات المدرسية الشاملة—التي تجمع بين المنهج التعليمي للتغذية والنشاط البدني، وتحسين البيئة المدرسية، وإشراك الأسرة، وتنظيم فعاليات ممتعة—تُعد أكثر فاعلية في الوقاية من السمنة مقارنة بالتدخلات التي تركّز على عنصر واحد فقط. ويتضح ذلك من خلال برامج مدرسية شاملة مثل برنامج CLICK-Obesity في الصين، الذي طُبِّق في مدينة نانجينغ، واعتمد مقاربة متعددة المكوّنات جمعت بين المنهاج الصفي للتثقيف الغذائي والنشاط البدني، وتعديل البيئة المدرسية، وتفعيل مشاركة الأسرة، وتنفيذ فعاليات تفاعلية ممتعة للطلبة. وقد أظهرت نتائج البرنامج تحسّنًا دالًا في السلوكيات الصحية المرتبطة بالنشاط البدني والتغذية، إلى جانب انخفاض ملحوظ في مؤشرات السمنة لدى التلاميذ مقارنة بالمجموعات الضابطة، مما يؤكد فاعلية التدخلات المدرسية الشمولية في الوقاية من السمنة لدى الأطفال (Li et al., 2010؛ Li et al., 2014).
وفي المقابل، تشير تحليلات منهجية أخرى مثل مراجعة Harris وزملائه (2009) إلى أن العديد من التدخلات المدرسية التي تعتمد على النشاط البدني فقط، أو التي تُنفّذ بصورة محدودة زمنيًا أو ضعيفة التنفيذ، تُظهر أثرًا محدودًا في خفض مؤشر كتلة الجسم رغم ما تحققه من تحسين في اللياقة ومستوى النشاط البدني، ما يسلّط الضوء على التحديات العملية المرتبطة بتطبيق البرامج داخل السياق المدرسي، وعلى الحاجة إلى فهم أعمق للعوامل التي تسهم في نجاح أو تعثر هذه التدخلات.
مؤخرًا، بيّنت مراجعات حديثة مثل مراجعة Alhelal وآخرين (2024) أن فعالية البرامج المدرسية في الوقاية من السمنة تتوقف بدرجة كبيرة على عوامل سياقية وتنظيمية، من بينها: تصميم السياسات المدرسية، مدى انخراط المعلمين، الدعم الأسري، والاعتبارات الثقافية والاقتصادية للفئة المستهدفة، إلى جانب جودة التنفيذ واستدامة البرنامج.
وهذا يفتح المجال أمام البحث النوعي الذي لا يكتفي بقياس المؤشرات الكمية مثل مؤشر كتلة الجسم، بل يسعى لفهم كيف يُدرِك الفاعلون التربويون داخل المدرسة (معلمو التربية البدنية، المرشدون، الإدارة) ظاهرة السمنة؟ وكيف يختبرون واقع تطبيق برامج التربية البدنية؟ وما التحديات والفرص التي يرونها في سياق عملهم اليومي؟
وعليه، تستند هذه الدراسة إلى هذا التحول المنهجي من التركيز على “قياس أثر برنامج محدَّد” إلى محاولة “فهم الخبرة التربوية والمعيشة” المتعلقة بدور المدرسة وبرامج التربية البدنية في مواجهة السمنة، في سياق عربي محلي هو مدارس مدينة عرّابة البطوف الابتدائية داخل الخط الأخضر.
الإطار النظري للدراسة:
تستند هذه الدراسة إلى المنظور البيئي للصحة (Ecological Model)، الذي يفترض أن السلوك الصحي، بما في ذلك النشاط البدني والسلوك الغذائي، يتشكل نتيجة تفاعل مستويات متعددة تشمل الفرد، والأسرة، والمدرسة، والمجتمع .(Bronfenbrenner, 1979) كما تستند إلى نماذج السلوك الصحي التي تؤكد أن تبني أنماط الحياة الصحية لا يعتمد فقط على المعرفة، بل يتأثر بالبنية التنظيمية والدعم الاجتماعي والبيئة المحيطة. وانطلاقًا من ذلك، تُفهم السمنة لدى الأطفال في هذه الدراسة بوصفها نتاجًا لتفاعل هذه المستويات، مما يعزز أهمية المدرسة كبيئة تدخل مركزية.
الدراسات السابقة
أولًا: دراسة Klein وآخرين (2023)
1. هدف الدراسة:
هدفت الدراسة إلى مراجعة وتحليل فاعلية التدخلات المدرسية المختلفة في الحد من السمنة لدى الأطفال، مع التركيز على البرامج التي تدمج بين النشاط البدني والتغذية ضمن إطار مدرسي متكامل.
2. منهج ومجتمع وعينة الدراسة:
اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي من خلال مراجعة منهجية شملت عددًا كبيرًا من التجارب العشوائية المتحكم بها والدراسات التطبيقية التي نُفذت في مدارس ابتدائية ومتوسطة في بيئات ثقافية واجتماعية مختلفة.
3. أدوات الدراسة وطرق جمع البيانات:
تمثلت أدوات الدراسة في بروتوكولات المراجعة المنهجية، وتحليل نتائج الدراسات السابقة التي استخدمت مقاييس مؤشر كتلة الجسم BMI)، ومؤشرات اللياقة البدنية، والاستبيانات الغذائية، وسجلات النشاط البدني).
4. أبرز النتائج المرتبطة بالدراسة الحالية:
أظهرت النتائج أن التدخلات المدرسية المتكاملة التي تجمع بين النشاط البدني والتغذية المدعومة بسياسات مدرسية واضحة تُسهم بشكل دال في تحسين مؤشرات الوزن والصحة العامة لدى الأطفال، مع وجود تباين في حجم الأثر تبعًا للسياق الثقافي ونوعية التنفيذ.
وتشير هذه النتائج إلى أهمية المقاربة التكاملية في تصميم البرامج المدرسية، إلا أنها تظل محكومة بطبيعة التحليل الكمي، مما يحدّ من فهم كيفية تطبيق هذه البرامج داخل السياق المدرسي، وهو ما تسعى الدراسة الحالية إلى استكشافه من منظور نوعي يركّز على الخبرة التربوية المعاشة.
5. أبرز التوصيات:
أوصت الدراسة بضرورة تصميم برامج مدرسية شاملة ومستدامة تراعي الخصوصية الثقافية والاجتماعية، وتعزز مشاركة الطلبة والمعلمين والأسرة لضمان فاعلية التدخلات الوقائية.
ثانيًا: دراسة Peterson وFox (2007)
1. هدف الدراسة:
سعت الدراسة إلى تقييم أثر التدخلات المدرسية متعددة المكونات التي تجمع بين النشاط البدني، والتغذية، وتعديل البيئة المدرسية في الوقاية من السمنة لدى الأطفال. واتّبعت المنهج الوصفي التحليلي من خلال مراجعة عدد من الدراسات التجريبية التي استهدفت أطفال المدارس في مراحل عمرية مختلفة. واعتمدت أدوات القياس على مؤشر كتلة الجسم، واختبارات اللياقة البدنية، واستبيانات السلوك الغذائي والنشاط البدني.
وتوصلت الدراسة إلى أن البرامج المركبة أكثر فاعلية من التدخلات أحادية البعد، حيث سُجلت تحسنات ملحوظة في الوزن ونمط السلوك الغذائي ومستويات اللياقة البدنية. وأكدت الدراسة ضرورة تبني تدخلات مدرسية طويلة الأمد ومتكاملة.
ورغم ما تقدمه هذه النتائج من دلائل مهمة، إلا أنها لا تتناول الكيفية التي يُدرك بها المعلمون هذه البرامج داخل السياق المدرسي، وهو جانب تسعى الدراسة الحالية إلى استكشافه من خلال التركيز على إدراكات الفاعلين التربويين.
2. منهج ومجتمع وعينة الدراسة:
اتبعت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي من خلال مراجعة عدد من الدراسات التجريبية التي استهدفت أطفال المدارس في مراحل عمرية مختلفة.
3. أدوات الدراسة وطرق جمع البيانات:
اعتمدت الدراسات المشمولة في المراجعة على أدوات متنوعة، من أبرزها قياسات مؤشر كتلة الجسم، اختبارات اللياقة البدنية، واستبيانات السلوك الغذائي والنشاط البدني.
4. أبرز النتائج المرتبطة بالدراسة الحالية:
توصلت الدراسة إلى أن البرامج المركبة أكثر فاعلية من التدخلات أحادية البعد، حيث سُجلت تحسنات ملحوظة في الوزن، ونمط السلوك الغذائي، ومستويات اللياقة البدنية لدى الأطفال المشاركين.
تشير هذه النتائج إلى أهمية المقاربة التكاملية في تصميم البرامج المدرسية، وهو ما تسعى الدراسة الحالية إلى استكشافه من منظور نوعي يركّز على الخبرة التربوية المعاشة.
5. أبرز التوصيات:
أكدت الدراسة ضرورة تبني تدخلات مدرسية طويلة الأمد ومتكاملة بدل الاقتصار على برامج قصيرة أو أحادية المكون.
ثالثًا: المراجعة المنهجية المنشورة في مجلة CMAJ
- هدف الدراسة:
هدفت هذه المراجعة إلى تقييم نتائج التجارب المدرسية الموجهة للوقاية من السمنة لدى الأطفال وتحليل مدى اتساق نتائجها، واعتمدت على تحليل عدد كبير من التجارب العشوائية المتحكم بها في سياقات تعليمية مختلفة. وشملت أدوات القياس مؤشر كتلة الجسم ومستويات اللياقة البدنية وبعض المؤشرات السلوكية المرتبطة بالنشاط البدني والتغذية.
وأظهرت النتائج تباينًا في فاعلية التدخلات، حيث حققت بعض البرامج نتائج دالة إحصائيًا، بينما كانت نتائج أخرى محدودة خاصة تلك التي ركزت على عنصر واحد أو كانت قصيرة المدى. وأوصت الدراسة بضرورة تصميم برامج شاملة ومتعددة الأبعاد مع إطالة مدة التدخل.
وتكشف هذه النتائج عن فجوة تتعلق بغياب الفهم العميق للعوامل السياقية التي تؤثر في نجاح البرامج داخل المدارس، وهو ما تسعى الدراسة الحالية إلى معالجته من خلال تحليل الخبرات التربوية في سياق محلي محدد.
- منهج ومجتمع وعينة الدراسة:
اعتمدت المراجعة على تحليل عدد كبير من التجارب العشوائية المتحكم بها التي نُفذت في مدارس بمناطق مختلفة.
- أدوات الدراسة وطرق جمع البيانات:
شملت أدوات القياس مؤشر كتلة الجسم، ومستويات اللياقة البدنية، وبعض المؤشرات السلوكية المرتبطة بالنشاط البدني والتغذية.
- أبرز النتائج المرتبطة بالدراسة الحالية:
أظهرت النتائج تباينًا في فاعلية التدخلات؛ إذ حققت بعض البرامج نتائج دالة إحصائيًا، بينما كانت نتائج برامج أخرى محدودة، خاصة تلك التي ركزت على عنصر واحد فقط أو كانت قصيرة المدى.تعكس هذه النتائج الدور المحوري للبيئة المدرسية في تشكيل السلوك الصحي، الأمر الذي يدعم توجه الدراسة الحالية نحو فهم هذا الدور من خلال إدراكات الفاعلين التربويين.
5. أبرز التوصيات:
أوصت المراجعة بتصميم برامج شاملة ومتعددة الأبعاد، مع ضرورة إطالة مدة التدخل لضمان تحقيق أثر ملموس ومستدام.
رابعًا: برنامجCLICK-Obesity (الصين)
1. هدف الدراسة:
هدف البرنامج إلى الحد من السمنة لدى الأطفال من خلال تدخل مدرسي شامل يجمع بين التعليم الغذائي والنشاط البدني ودعم البيئة المدرسية ومشاركة الأسرة، واعتمد على منهج شبه تجريبي استهدف طلاب المدارس الابتدائية في مدينة نانجينغ. واستخدم أدوات متنوعة مثل الوحدات التعليمية والأنشطة التطبيقية والقياسات الصحية.
وأظهرت النتائج تحسنًا في السلوكيات الصحية وزيادة النشاط البدني، مع مؤشرات إيجابية على التحكم في الوزن. وأوصى البرنامج بتوسيع نطاق البرامج الشاملة وتعزيز الشراكة بين المدرسة والأسرة.
وتبرز هذه النتائج أهمية التكامل بين مكونات البرنامج، إلا أن نقل مثل هذه النماذج إلى سياقات مختلفة يتطلب فهم الخصوصية الثقافية والاجتماعية، وهو ما تسعى الدراسة الحالية إلى استكشافه في السياق العربي المحلي.
2. منهج ومجتمع وعينة الدراسة:
اعتمد البرنامج على منهج شبه تجريبي، واستهدف طلاب المدارس الابتدائية في مدينة نانجينغ الصينية.
3. أدوات الدراسة وطرق جمع البيانات:
استخدم البرنامج وحدات تعليمية صفية، أنشطة تطبيقية، حملات توعوية، إضافة إلى قياسات الوزن ومؤشر كتلة الجسم ومتابعة السلوك اليومي للطلبة.
4. أبرز النتائج المرتبطة بالدراسة الحالية:
أسهم البرنامج في تحسين أنماط السلوك الغذائي وزيادة مستويات النشاط البدني لدى الطلبة، مع مؤشرات إيجابية على التحكم في الوزن.
وتؤكد هذه النتائج أن فعالية البرامج لا تعتمد فقط على تصميمها، بل على كيفية تنفيذها داخل السياق المدرسي، وهو ما تسعى الدراسة الحالية إلى تحليله بعمق.
5. أبرز التوصيات:
أوصى القائمون على البرنامج بتوسيع نطاق البرامج المدرسية الشاملة، وتعزيز الشراكة بين المدرسة والأسرة لدعم السلوك الصحي للأطفال.
خامسًا: دراسة الزعابي (الإمارات العربية المتحدة)
- هدف الدراسة:
هدفت الدراسة إلى قياس مدى انتشار السمنة ومتلازمة الأيض لدى الأطفال والمراهقين وتحليل العوامل المرتبطة بها، واعتمدت المنهج الوصفي المسحي على عينة من طلبة المدارس في الإمارات. واستخدمت استبيانات صحية وقياسات أنثروبومترية.
وأظهرت النتائج ارتفاع معدلات السمنة وارتباطها بعوامل أسرية وغذائية وديموغرافية. وأوصت بضرورة تطبيق برامج وقائية مدرسية شاملة.
وتؤكد هذه النتائج أهمية العوامل الأسرية والاجتماعية في تفسير السمنة، إلا أنها لا تعكس التجربة اليومية للمعلمين داخل المدرسة، وهو ما تسعى الدراسة الحالية إلى استكشافه من خلال منهج نوعي تفسيري.
- منهج ومجتمع وعينة الدراسة:
اتبعت الدراسة المنهج الوصفي المسحي، وشملت عينة تمثيلية من طلبة المدارس الحكومية والخاصة في إمارة رأس الخيمة.
- أدوات الدراسة وطرق جمع البيانات:
تم استخدام استبيانات صحية وغذائية، وقياسات أنثروبومترية مثل الوزن والطول ومؤشر كتلة الجسم.
- أبرز النتائج المرتبطة بالدراسة الحالية:
أظهرت النتائج ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات السمنة، ووجود علاقة بين السمنة والعوامل الديموغرافية والغذائية والأسرية.
- أبرز التوصيات:
أوصت الدراسة بتطبيق برامج وقائية مدرسية شاملة تتكامل فيها أدوار المدرسة والأسرة والمجتمع.
سادسًا: دراسة Alhelal وآخرين (2024)
- هدف الدراسة:
هدفت الدراسة إلى تحليل البرامج العالمية الناجحة في الوقاية من السمنة لدى الأطفال، واعتمدت على مراجعة تحليلية لعدد من البرامج المدرسية.
وأظهرت النتائج أن البرامج الأكثر فاعلية هي تلك التي تعتمد على سياسات مدرسية واضحة وتدريب الكادر التعليمي وتحسين البيئة المدرسية. وأوصت بضرورة مراعاة العوامل الثقافية والاجتماعية.
وتشير هذه النتائج إلى أهمية السياق في تحديد فعالية البرامج، مما يعزز توجه الدراسة الحالية نحو فهم هذا السياق من خلال إدراكات الفاعلين التربويين داخل البيئة المدرسية.
- منهج ومجتمع وعينة الدراسة:
اعتمدت الدراسة على مراجعة تحليلية لعدد من البرامج المدرسية المطبقة في دول مختلفة.
- أدوات الدراسة وطرق جمع البيانات:
تم تحليل نتائج الدراسات التي استخدمت مؤشرات الوزن، والسلوك الغذائي، ومستويات النشاط البدني، إلى جانب السياسات المدرسية.
- أبرز النتائج المرتبطة بالدراسة الحالية:
أظهرت النتائج أن البرامج الأكثر فاعلية هي تلك التي تستند إلى سياسات مدرسية واضحة، وتدريب الكادر التعليمي، وتحسين البيئة المدرسية. وأوصت الدراسة بضرورة مراعاة العوامل الثقافية والاجتماعية والاقتصادية عند تصميم البرامج الوقائية.
التعقيب على الدراسات السابقة
يُظهر تحليل الدراسات السابقة وجود تقاطع واضح بين الدراسة الحالية وتلك الدراسات في الهدف العام المتمثل في التأكيد على الدور المحوري للمدرسة في الوقاية من السمنة لدى الأطفال، ولا سيما من خلال برامج التربية البدنية والنشاط البدني المنظّم. كما تتشابه هذه الدراسة مع معظم الأدبيات السابقة في انطلاقها من فرضية أساسية مفادها أن التدخلات المدرسية تمثل مدخلًا وقائيًا فاعلًا للتعامل مع السمنة، وأن للمعلم دورًا أساسيًا في إنجاح هذه التدخلات.
إلا أن أوجه الاختلاف تبرز بوضوح على مستوى الهدف البحثي المباشر؛ إذ ركّزت غالبية الدراسات السابقة، لا سيما المراجعات المنهجية والتجارب العشوائية المتحكَّم بها، على قياس فاعلية البرامج المدرسية من خلال مؤشرات كمية محددة مثل مؤشر كتلة الجسم، ومحيط الخصر، ومستويات اللياقة البدنية. في المقابل، لا تسعى الدراسة الحالية إلى اختبار “مدى الفاعلية” بالمعنى التجريبي، بل تهدف إلى فهم الكيفية التي يُدرك بها المعلمون هذه البرامج، وكيف تُنفّذ فعليًا داخل السياق المدرسي اليومي، وما العوامل التربوية والتنظيمية التي تؤثر في تطبيقها أو تعيقها.
كما تختلف الدراسة الحالية عن معظم الدراسات السابقة من حيث العينة ومجتمع الدراسة؛ فبينما اعتمدت الأدبيات السابقة في الغالب على عينات واسعة من الطلبة، أو بيانات مأخوذة من مدارس متعددة ضمن تصاميم كمية أو مسحية، تركز هذه الدراسة على عينة قصدية من المعلمين والفاعلين التربويين في المدارس، باعتبارهم حلقة الوصل بين السياسات التعليمية والتطبيق العملي داخل الصف والمدرسة.
أما من حيث أدوات جمع البيانات، فقد اعتمدت الدراسات السابقة بصورة أساسية على أدوات كمية مثل الاستبيانات المعيارية، وقياسات الوزن والطول، واختبارات اللياقة البدنية، في حين تتميّز الدراسة الحالية بتبنّي أدوات نوعية (مثل المقابلات شبه المهيكلة أو أدوات الاستقصاء التفسيري)، التي تسمح بالكشف عن الخبرة المعاشة للمعلمين، وتصوراتهم، وتحدياتهم اليومية في تطبيق برامج النشاط البدني ومكافحة السمنة.
وعلى مستوى النتائج، قدّمت الدراسات السابقة دلائل كمية مهمة حول فاعلية البرامج متعددة المكوّنات مقارنة بالتدخلات الأحادية، وأكدت أهمية دمج النشاط البدني مع التغذية والتوعية الأسرية. غير أن هذه النتائج، على أهميتها، لا تفسّر التفاوت في نجاح البرامج بين مدرسة وأخرى، ولا تُظهر كيف يتعامل المعلمون مع قيود واقعية مثل كثافة الصفوف، أو نقص التجهيزات، أو ضغط المنهاج والزمن المدرسي، وهي قضايا لم تُعالَج بصورة معمقة في الأدبيات السابقة، خاصة في السياق العربي.
وانطلاقًا من ذلك، تتمثل الإضافة العلمية للدراسة الحالية في انتقالها من مستوى “تقييم النتائج” إلى مستوى فهم العملية التربوية ذاتها؛ إذ تسعى إلى سد فجوة بحثية تتمثل في غياب الدراسات التي تستكشف إدراك المعلمين لدورهم في الوقاية من السمنة، وكيفية ترجمة التوصيات والسياسات الصحية إلى ممارسات تربوية يومية داخل المدرسة، ضمن سياق اجتماعي وثقافي محلي محدد. كما تُسهم الدراسة في إثراء الأدبيات العربية بدراسة نوعية تفسيريّة تُبرز البعد الإنساني والتنظيمي في تطبيق برامج النشاط البدني، وهو بُعد ظل مهمّشًا في معظم الدراسات السابقة.
وبذلك، لا تأتي هذه الدراسة مكرِّرة لما سبقها، بل مكملة له، إذ تنطلق من منجزات الأدبيات الكمية، وتُعيد قراءتها من زاوية تربوية نوعية، بما يُسهم في بناء فهم أعمق وأكثر واقعية لدور المدرسة والمعلم في مواجهة السمنة لدى الأطفال، خاصة في السياق المدرسي المحلي في مدينة عرّابة البطوف.
مشكلة الدراسة
بالرغم من تراكم الأدلة العلمية التي تؤكد الدور الحيوي للمدرسة وبرامج التربية البدنية في مواجهة السمنة لدى الأطفال، إلا أنّ الواقع المدرسي في كثير من البيئات العربية ما يزال يشهد فجوة بين “ما تقترحه الأدبيات” و”ما يُمارَس فعليًا في المدرسة”. فالمدرسة لا تعمل في فراغ؛ بل في سياق اجتماعي وثقافي واقتصادي محدّد، يتأثر ببنى البنية التحتية، والسياسات التعليمية، ونظرة المجتمع إلى التربية البدنية، وتزاحم الأولويات بين التحصيل الأكاديمي والصحة الجسدية، إضافة إلى تفاوت وعي الأسر والطلاب.
في ضوء هذا التعقيد، تبرز الحاجة إلى فهم السمنة لا بوصفها مؤشرًا رقميًا يُقاس فحسب، بل كظاهرة تربوية واجتماعية يعيشها المعلمون والمرشدون والطلاب يوميًا داخل المدرسة. فالمعلم الذي يُفترض أن يطبّق برنامجًا حركيًا نشطًا قد يواجه تحديات تتعلق بعدد الحصص، أو اكتظاظ الصفوف، أو نقص التجهيزات، أو ضغط المناهج، أو ضعف وعي أولياء الأمور. والمرشد التربوي الذي يُفترض أن يدعم الطلاب الذين يعانون من السمنة قد يصطدم بثقافة مدرسية لا تمنح المساحة الكافية لقضايا الصحة النفسية والجسدية، أو تفتقر إلى برامج مؤسسية واضحة للتعامل مع السمنة.
بناءً على ذلك، تتمثل مشكلة الدراسة في وجود فجوة معرفية تتعلق بكيفية إدراك المعلمين والمرشدين التربويين لدور المدرسة وبرامج التربية البدنية في مكافحة السمنة لدى الأطفال في المرحلة الابتدائية، وفي ضعف الدراسات النوعية التي تبحث هذه القضية في سياق المدارس العربية داخل الخط الأخضر. ومن هنا يمكن صياغة المشكلة في السؤال الرئيس الآتي:
كيف يدرك المعلمون والمرشدون التربويون دور المدرسة وبرامج التربية البدنية في الحد من السمنة لدى الأطفال في المرحلة الابتدائية بمدينة عرّابة البطوف؟
أسئلة الدراسة
في ضوء مشكلة الدراسة السابقة، تسعى هذه الدراسة النوعية إلى الإجابة عن الأسئلة الآتية:
- كيف يصف المعلمون والمرشدون التربويون مفهوم السمنة لدى الأطفال، وكيف يدركون أسبابها في سياق مدارس المرحلة الابتدائية بمدينة عرّابة البطوف؟
- كيف يُدرك الفاعلون التربويون (معلمو التربية البدنية، المرشدون، والإدارة) دور برامج التربية البدنية المدرسية في الحد من السمنة لدى الأطفال؟
- ما التحديات المدرسية والتنظيمية والثقافية التي يواجهها المعلمون والمرشدون في تطبيق برامج أو أنشطة تستهدف الحد من السمنة لدى الأطفال؟
- ما العوامل المدرسية والأسرية والمجتمعية التي يرون أنها تسهم في تعزيز أو إعاقة فعالية برامج التربية البدنية في مكافحة السمنة؟
- كيف يصف المعلمون والمرشدون خبراتهم العملية في التعامل مع الأطفال الذين يعانون من السمنة داخل المدرسة؟
أهداف الدراسة
تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف وفهم إدراك وخبرات الفاعلين التربويين حول دور المدرسة والتربية البدنية في مكافحة السمنة لدى الأطفال، وذلك من خلال:
الكشف عن تصورات المعلمين والمرشدين التربويين حول ظاهرة السمنة لدى الأطفال في المرحلة الابتدائية، كما تتجلى في السياق المدرسي اليومي.
فهم كيفية إدراكهم لدور برامج التربية البدنية المدرسية في الحد من السمنة، وما إذا كانت تُعد لديهم أداة محورية أم نشاطًا ثانويًا.
التعرف إلى التحديات العملية والتنظيمية والثقافية التي تواجه تنفيذ برامج أو أنشطة تهدف إلى مواجهة السمنة داخل المدرسة.
تحليل العوامل الداعمة والمعيقة داخل المدرسة وخارجها (الأسرة، المجتمع المحلي، السياسات التعليمية) كما تنعكس في خبرات المشاركين.
تقديم تصور تفسيري معمّق يمكن أن يُسهم في تطوير برامج مدرسية أكثر ملاءمة للسياق المحلي، ويخدم صانعي القرار التربويين في تصميم تدخلات واقعية ومستدامة.
أهمية الدراسة
أولًا: الأهمية النظرية
تتجلى الأهمية النظرية لهذه الدراسة في أنها تنتقل من التركيز على “قياس أثر البرامج” إلى “فهم خبرات الفاعلين التربويين” في التعامل مع السمنة وبرامج التربية البدنية داخل المدرسة. فهي تُسهم في توسيع الإطار النظري للأدبيات التي تناولت السمنة المدرسية من خلال إدخال بُعد نوعي تفسيري يساعد على فهم العلاقة بين الثقافة المدرسية، وتصوّرات المعلمين، والبرامج البدنية. كما تُسهم في سد الفجوة في الأبحاث العربية التي يغلب عليها الطابع الكمي، بإضافة دراسة نوعية معمّقة في سياق المدارس العربية داخل الخط الأخضر، ما يتيح للباحثين تطوير نماذج تفسيرية أكثر شمولًا تراعي السياق الثقافي والاجتماعي المحلي، إلى جانب النتائج الكمية الواردة في الأدبيات العالمية.
ثانيًا: الأهمية التطبيقية
أما من الناحية التطبيقية، فتُمكن هذه الدراسة صانعي القرار التربويين ومديري المدارس ومعلمي التربية البدنية والمرشدين من فهم أعمق للتحديات والفرص المرتبطة بتطبيق برامج مكافحة السمنة داخل المدرسة كما تُعاش فعليًا في الميدان. ومن خلال استعراض الخبرات الواقعية للمعلمين والمرشدين، يمكن للدراسة أن تكشف عن أوجه القصور التنظيمية (مثل نقص الوقت أو التجهيزات)، والحواجز الثقافية (مثل ضعف الوعي بأهمية النشاط البدني)، والعوامل الداعمة (مثل انخراط الأسرة أو دعم الإدارة)، مما يساعد على إعادة تصميم السياسات المدرسية وبرامج التدريب المهني للمعلمين وبرامج التوعية الصحية للطلاب والأهالي بصورة أكثر ملاءمة واستجابة لاحتياجات الواقع. كما يمكن أن تُسهم نتائج الدراسة في إثراء محتوى برامج إعداد معلمي التربية البدنية، وفي توجيه المبادرات الصحية المدرسية التي تستهدف الحد من السمنة لدى الأطفال في المراحل الدراسية المبكرة.
حدود الدراسة
الحدود الزمانية:
أُجريت هذه الدراسة خلال العام الدراسي 2025/2026، وهي فترة تزايد فيها الاهتمام التربوي والصحي بقضية السمنة لدى الأطفال في المدارس العربية داخل الخط الأخضر، تزامنًا مع مبادرات محلية وعالمية لتعزيز النشاط البدني المدرسي وتحسين أنماط الحياة الصحية.
الحدود المكانية:
اقتصرت الدراسة على المدارس الابتدائية العربية في مدينة عرّابة البطوف داخل الخط الأخضر، وهي مدارس حكومية تعمل في سياق اجتماعي وثقافي يعكس واقع المدرسة العربية في الداخل الفلسطيني، مما يجعل النتائج مرتبطة بهذا السياق بالتحديد.
الحدود البشرية:
شملت الدراسة عينة قصدية من معلمي التربية البدنية، والمرشدين التربويين ممن لهم علاقة مباشرة بتخطيط وتنفيذ ومتابعة الأنشطة البدنية والصحية، إضافة إلى تفاعلهم اليومي مع الأطفال الذين يعانون من السمنة أو قابلية زيادة الوزن.
الحدود الموضوعية:
تركز الدراسة على إدراك وخبرات الفاعلين التربويين حول دور المدرسة وبرامج التربية البدنية في مكافحة السمنة، ولا تهدف إلى قياس أثر برنامج تدخلي محدد أو حساب التغيّر في المؤشرات الأنثروبومترية مثل مؤشر كتلة الجسم أو محيط الخصر.
محددات الدراسة
إنّ النتائج التي ستتوصل إليها هذه الدراسة محكومة بطبيعة المنهج النوعي الذي يعتمد على البيانات اللفظية المستمدة من المقابلات والملاحظات وتحليل السياق، وبالتالي فهي تعبّر عن وجهات نظر وخبرات المشاركين كما عاشوها وفهموها في سياقهم المدرسي. كما أن اقتصار الدراسة على مدارس ابتدائية في مدينة عرّابة البطوف، وعلى فئة محددة من المعلمين والمرشدين، يحدّ من إمكانية تعميم النتائج على جميع البيئات التعليمية الأخرى، خاصة تلك التي تختلف في خصائصها الثقافية أو التنظيمية أو في مستوى الاهتمام بقضايا الصحة المدرسية. وترتبط دقة النتائج أيضًا بمدى صدق الاستجابات وعمق تفاعل المشاركين خلال المقابلات، وبالقدرة التأملية للباحث في التعامل مع تحيزاته الخاصة، وممارسة الانعكاسية في تفسير البيانات. كما قد تتأثر النتائج بعوامل خارجية مثل الظروف الشخصية للمشاركين، أو التغيّرات الطارئة في السياسات المدرسية أثناء فترة جمع البيانات، وهي عوامل سيتم أخذها بالحسبان في أثناء التحليل والتفسير.
مصطلحات الدراسة
1. السمنة لدى الأطفال:
تُعرَّف السمنة لدى الأطفال اصطلاحًا بأنها تراكم مفرط أو غير طبيعي للدهون في جسم الطفل بدرجة قد تُعرّض صحته الجسدية والنفسية للخطر، ويتم تشخيصها عادةً بالاعتماد على مؤشر كتلة الجسم المعدَّل حسب العمر والجنس (BMI-for-age)، حيث يُصنَّف الطفل على أنه يعاني من السمنة إذا كان مؤشر كتلة جسمه عند أو فوق المئين الخامس والتسعين (≥95th percentile) مقارنةً بالمعايير المرجعية المعتمدة للأطفال من الفئة العمرية نفسها (Sahoo et al., 2015).
وتُعرَّف السمنة لدى الأطفال في هذه الدراسة إجرائيًا بأنها ارتفاع مؤشر كتلة الجسم المعدَّل حسب العمر والجنس (BMI-for-age) لدى التلاميذ المشاركين في الدراسة ليقع عند أو فوق المئين الخامس والتسعين (≥95th percentile) وفق المعايير المرجعية المعتمدة لمنظمة الصحة العالمية (WHO)، وذلك بناءً على قياسات الطول والوزن التي جُمعت ميدانيًا داخل المدرسة خلال فترة تنفيذ البحث.
2. التربية البدنية المدرسية:
تُعرَّف التربية البدنية المدرسية اصطلاحًا بأنها عملية تربوية تعليمية منظَّمة تُنفَّذ ضمن المنهاج المدرسي، وتهدف إلى تنمية القدرات البدنية والحركية والصحية والاجتماعية والانفعالية للمتعلمين من خلال أنشطة بدنية وحركية مخططة، تسهم في بناء نمط حياة نشط وصحي، وتعزيز القيم التربوية مثل التعاون والانضباط والروح الرياضية، بما يدعم النمو الشامل والمتوازن للطفل (Bailey et al., 2009).
تُعرَّف التربية البدنية المدرسية في هذه الدراسة إجرائيًا بأنها مجموعة الحصص والأنشطة البدنية المنظمة التي تُنفَّذ داخل المدرسة ضمن الخطة الدراسية الرسمية، ويقودها معلمو تربية بدنية مؤهلون، وتهدف إلى رفع مستوى النشاط البدني اليومي لدى التلاميذ، وتعزيز السلوكيات الصحية المرتبطة بالحركة، وذلك من خلال:
- عدد حصص التربية البدنية الأسبوعية المقررة والمنفَّذة فعليًا.
- مدة الحصة الواحدة والزمن المخصّص للنشاط البدني الفعّال داخلها.
- نوعية الأنشطة المقدَّمة (أنشطة حركية، ألعاب جماعية، تمارين لياقة، أنشطة غير تنافسية).
- مستوى مشاركة التلاميذ الفعلية في الأنشطة دون إقصاء.
- مدى مواءمة الحصص لأهداف الصحة المدرسية والوقاية من السمنة.
ويتم قياس التربية البدنية المدرسية في هذا البحث من خلال تحليل محتوى الحصص، وبطاقات ملاحظة، واستبانة موجهة للمعلمين أو الطلبة، وربط نتائجها بمؤشرات النشاط البدني والسلوك الصحي ذات الصلة بأهداف الدراسة.
3. الفاعلون التربويون:
معلمو التربية البدنية، والمرشدون التربويون، وأفراد الإدارة أو الطاقم المدرسي الذين لهم دور مباشر أو غير مباشر في تخطيط أو تنفيذ أو دعم الأنشطة البدنية والصحية في المدرسة.
منهجية الدراسة وتصميمها
اعتمدت هذه الدراسة منهج البحث النوعي بأسلوب دراسة الحالة (Case Study)، إذ تهدف إلى تقديم وصف تفسيري معمّق لكيفية إدراك الفاعلين التربويين لدور المدرسة وبرامج التربية البدنية في مكافحة السمنة لدى الأطفال ضمن سياق
محدّد هو مدارس المرحلة الابتدائية في مدينة عرّابة البطوف. يُعد هذا المنهج ملائمًا لطبيعة المشكلة البحثية التي لا تقتصر على قياس التغير في المؤشرات الجسدية، بل تسعى إلى فهم المعنى والخبرة والسياق في آن واحد.
1. مجتمع الدراسة وعينتها
يتمثّل مجتمع الدراسة في جميع الفاعلين التربويين في المدارس الابتدائية بمدينة عرّابة البطوف الذين لهم علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالنشاط البدني والصحة المدرسية، ويشمل ذلك معلمي ومعلمات التربية البدنية، والمرشدين والمرشدات التربويين العاملين في هذه المدارس.
وبحسب معطيات مديرية التربية والتعليم، يُقدَّر عدد أفراد مجتمع الدراسة بنحو (45– 50) فاعلًا تربويًا موزعين على المدارس الابتدائية في المدينة.
أما عينة الدراسة فقد تم اختيارها بطريقة العينة القصدية (Purposeful Sampling) ، نظرًا لملاءمتها لطبيعة الدراسة التي تهدف إلى استكشاف الخبرات والتصورات المهنية المرتبطة بدور المدرسة في تعزيز النشاط البدني والوقاية من السمنة لدى الأطفال. وقد تكونت العينة من (18–22) مشاركًا، بواقع:
- (10–12) من معلمي ومعلمات التربية البدنية،
- (8–10) من المرشدين والمرشدات التربويين.
وقد روعي في اختيار العينة تنوّع المدارس من حيث الحجم، وعدد الطلبة، والخبرة المهنية للمشاركين، بما يضمن غنى البيانات وتعدّد وجهات النظر، ويعزّز مصداقية النتائج وقابليتها للتفسير في ضوء أهداف الدراسة.
رُوعي في اختيار العينة التنوع في الخبرة المهنية، والجنس، وعدد سنوات العمل، ونوع المدرسة، من أجل الحصول على صورة أكثر اثراء لتجارب وإدراكات المشاركين.
2. أدوات جمع البيانات
اعتمدت الدراسة على ثلاث أدوات رئيسة:
المقابلات شبه المقننة (Semi-Structured Interviews):
أُعدّ دليل مقابلة يتضمن محاور متعلقة بفهم المشاركين لظاهرة السمنة لدى الأطفال، وإدراكهم لدور التربية البدنية والمدرسة في مواجهتها، والتجارب التي مرّوا بها في العمل مع أطفال يعانون من السمنة، والتحديات التي واجهوها، والعوامل التي يرون أنها تعزز أو تعرقل نجاح البرامج البدنية.
الملاحظات الميدانية (Field Observations):
قام الباحث بإجراء ملاحظات منظمة في بعض حصص التربية البدنية والفعاليات الرياضية المدرسية، بهدف رصد التفاعلات الفعلية بين المعلمين والطلاب، وطبيعة الأنشطة، وكيفية إشراك الأطفال الذين يعانون من السمنة، مما يتيح مقارنة “ما يُقال” في المقابلات مع “ما يُشاهَد” في الواقع.
تحليل الوثائق (Document Analysis):
تم فحص بعض الوثائق المدرسية ذات الصلة (مثل خطط التربية البدنية، سياسات المدرسة الصحية، الإعلانات الداخلية، الأنشطة والفعاليات الرياضية)، بهدف فهم الإطار المؤسسي الذي يعمل فيه المعلمون والمرشدون، وموقع السمنة والنشاط البدني ضمن أولويات المدرسة.
3. إجراءات جمع البيانات
تم التنسيق مع إدارات المدارس للحصول على الموافقات اللازمة، ثم جرى التواصل مع المشاركين وشرح أهداف الدراسة لهم وضمان السرية والخصوصية. أُجريت المقابلات بشكل فردي في أماكن هادئة داخل المدرسة، وسُجلت صوتيًا بعد الحصول على موافقة المشاركين، ثم فُرغت تفريغًا نصيًا كاملاً. ورافقت المقابلات ملاحظات ميدانية وصفية سجّلها الباحث حول السياق، ولغة الجسد، وطبيعة التفاعل في الحصص والأنشطة. كما جُمعت الوثائق المتاحة بعد أخذ موافقة الإدارة.
4. تحليل البيانات
استخدم الباحث أسلوب التحليل الموضوعي Thematic Analysis))، وذلك عبر المراحل الآتية:
قراءة أولية متكررة لنصوص المقابلات والملاحظات والوثائق بهدف تكوين “إحساس كلي” بالبيانات.
ترميز (Coding) المقاطع الدالة في النصوص بما يتناسب مع محاور الدراسة، مع السماح بظهور رموز جديدة تعكس معاني غير متوقعة.
تجميع الرموز في موضوعات رئيسة وفرعية تعكس أنماطًا متكررة في إدراكات المشاركين، مثل: “تصورات المعلمين عن السمنة”، “دور الحصة الرياضية”، “معوّقات التطبيق”، “دعم الأسرة”، “ثقافة المدرسة تجاه النشاط البدني”.
بناء سردية تفسيرية تربط بين الموضوعات المستخلَصة وبين الخلفية النظرية والدراسات السابقة، وتُبرز خصوصية سياق مدارس عرّابة البطوف.
5. ضمان صدق وثبات الدراسة
لضمان مصداقية (Credibility) وثبات (Dependability) النتائج، استُخدمت عدة استراتيجيات، من بينها:
التثليث (Triangulation) بين مصادر البيانات (مقابلات – ملاحظات – وثائق) وبين المشاركين (معلمون – مرشدون – إدارة).
عرض بعض النتائج الأولية على عدد من المشاركين للتحقق من مدى تمثيلها لتجاربهم (Member Checking).
الاحتفاظ بمذكّرات بحثية وانعكاسية توثق تأملات الباحث وتحيزاته المحتملة، وكيفية تأثير موقعه كباحث على تفسير البيانات.
توثيق خطوات جمع البيانات وتحليلها بشكل يسمح للقراء بتتبّع المسار المنهجي للدراسة.
أداة الدراسة
وصف أداة الدراسة
تعتمد هذه الدراسة على المقابلات شبه المقنّنة بوصفها الأداة الرئيسة لجمع البيانات، لما توفره من مرونة تسمح باستكشاف الخبرات المهنية والإدراكات الذاتية للفاعلين التربويين فيما يتعلق بدور المدرسة وبرامج التربية البدنية في الحد من السمنة لدى الأطفال. وقد جرى تصميم دليل المقابلة بطريقة تتيح فهماً عميقاً للظاهرة في سياقها الطبيعي، مع مراعاة محاور متعددة ترتبط بالجانب التربوي والتنظيمي والصحي داخل المدرسة.
وتتألف المقابلة من ثلاثة محاور رئيسة تمثّل الأبعاد الأساسية للدراسة، وهي كما يأتي:
1. المحور الصحي–السلوكي ((Health & Behavioral Dimension
يركّز هذا المحور على سلوكيات الطلبة المتصلة بالنشاط البدني والتغذية داخل المدرسة، وكيف يصف المعلمون والمرشدون العادات الصحية للطلاب، والأنماط السلوكية التي قد تُسهم في السمنة.
ويشتمل على أسئلة تتعلق بـ:
- نشاط الطالب البدني داخل الحصة وخارجها.
- التزامه بالمشاركة في الأنشطة الرياضية.
- العادات الغذائية التي يُلاحظها المعلمون (مثل تناول الوجبات السريعة، المشروبات المحلّاة، السلوكيات الخاملة).
- الممارسات السلوكية المؤدية للسمنة كما يراها المعلمون.
يرتكز هذا المحور على الأدبيات التي أكدت دور السلوكيات الصحية في نشوء السمنة (Guerra et al ، 2013؛ Alhelal وآخرون، 2024) وعلى التوصيات الصحية الصادرة عن الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال التي شددت على الحد من السلوكيات الخاملة وتشجيع النشاط البدني المنظم. (AAP, 2006)
2. المحور التربوي–المدرسي (School & Pedagogical Dimension)
يستكشف هذا المحور كيفية إدراك المعلمين والمرشدين لدور المدرسة وبرامج التربية البدنية في مواجهة السمنة، وما إذا كانت المدرسة تُهيئ بيئة داعمة للنشاط البدني أو تعيق ممارسته.
ويتضمن أسئلة تتعلق بـ:
- دور الحصة الرياضية في تعزيز صحة الطلاب
- مدى دعم الإدارة المدرسية للأنشطة الرياضية
- السياسات المدرسية المتعلقة بالغذاء المدرسي، الاستراحات، وممارسة الحركة
- التحديات التنظيمية (الاكتظاظ، ضيق الوقت، نقص التجهيزات)
- مدى تكامل دور المرشد/المعلم/الأسرة في مواجهة السمنة
يستند هذا المحور إلى دراسات مثل Liu وآخرون (2019)، Xu وآخرون (2012)، وKlein وآخرون (2023) التي أكدت أهمية المدرسة كنقطة تدخل استراتيجية، وإلى توصيات برامج عالمية شاملة مثل برنامج CLICK-Obesity.
3. المحور النفسي– الاجتماعي (Psychosocial Dimension)
يستكشف هذا المحور التجارب المباشرة للمعلمين والمرشدين في التعامل مع الأطفال الذين يعانون من السمنة، وتأثير السمنة على مشاركتهم، وانخراطهم في الأنشطة، وتفاعلهم الاجتماعي داخل المدرسة.
ويشتمل على أسئلة حول:
- مشاعر الطالب أثناء الأنشطة الرياضية
- مستوى ثقته بنفسه وتقبله لجسده
- علاقاته بزملائه، ومدى تعرضه للتنمّر المرتبط بالسمنة
- استراتيجيات المعلمين والمرشدين لدعم هؤلاء الأطفال نفسيًا واجتماعيًا
يرتكز هذا المحور على الأدبيات التي ناقشت الآثار النفسية والاجتماعية للسمنة في الطفولة (مثل Alhelal وآخرون 2024؛ Harris وآخرون 2009)، وعلى دراسات عربية مثل الزعابي (2018) التي أشارت إلى أثر العوامل الاجتماعية والنفسية في انتشار السمنة.
إعداد الأداة والتحقق من صلاحيتها
تم بناء دليل المقابلة بعد مراجعة موسّعة للأدبيات العلمية المرتبطة بالسمنة لدى الأطفال وبرامج التربية البدنية المدرسية، مثل مراجعات Harris وآخرون (2009)، Liu وآخرون (2019)، والدراسة العربية للزعابي (2018).
جرى بعدها:
عرض دليل المقابلة على محكّمين متخصصين في المناهج وطرق التدريس وعلم النفس التربوي للتأكد من:
- وضوح الأسئلة
- ملاءمتها لسياق الدراسة
- قدرتها على استثارة بيانات عميقة
- اتساقها مع أهداف البحث
مراجعة الدليل وفق ملاحظات المحكّمين بما يحقق الصدق الظاهري والمضموني للأداة، وفق ما يشير إليه Yin (2018) وCreswell (2018) كمعيار أساس في بناء أدوات البحث النوعي.
إجراء مقابلة تجريبية (Pilot Interview) للتأكد من قابلية الأسئلة للفهم والاستجابة، ومن طبيعة الزمن اللازم لإجراء المقابلة.
طريقة الاستجابة وإدارة المقابلات
أُجريت المقابلات بصورة فردية مع معلمي ومعلمات التربية البدنية والمرشدين والمرشدات التربويين، بهدف استكشاف تصوراتهم وخبراتهم المهنية المتعلقة بالنشاط البدني والصحة المدرسية. كما تم توظيف أسلوب مجموعات التركيز (Focus Groups) عند الحاجة، وهو أسلوب نوعي يقوم على إجراء مقابلة منظمة أو شبه منظمة مع مجموعة صغيرة من المشاركين تجمعهم خبرات أو أدوار مهنية مشتركة، بهدف استكشاف التفاعلات الجماعية، وبناء المعاني المشتركة، ونقاط الاتفاق والاختلاف حول قضية محددة. وقد استُخدم هذا الأسلوب لاستكشاف تفاعلات المشاركين حول قضايا مشتركة، مثل واقع تطبيق البرامج المدرسية، والتحديات التنظيمية والإدارية، والاتجاهات المهنية السائدة داخل المدرسة، بما يتيح فهمًا أعمق لديناميكيات العمل التربوي لا يمكن الوصول إليه من خلال المقابلات الفردية وحدها.
وقد اختيرت بيئة هادئة داخل المدرسة لإجراء المقابلات ومجموعات التركيز، بما يضمن راحة المشاركين وسرية المعلومات، ويعزّز جودة البيانات المتحصّل عليها. واستغرقت المقابلة الواحدة ما بين 30–45 دقيقة، في حين تراوحت مدة جلسات مجموعات التركيز بين 60–90 دقيقة بحسب طبيعة النقاش وعدد المشاركين، حيث تولّى الباحث إدارة الجلسات وفق دليل أسئلة مُعدّ مسبقًا، مع إتاحة المجال للنقاش التفاعلي الحر بما يخدم أهداف الدراسة.
اعتماد أسلوب التدوين الميداني (Field Notes) لتسجيل:
الإشارات غير اللفظية
نبرة الصوت
لغة الجسد
الانفعالات اللحظية
آليات التحقق من صدق وثبات أداة الدراسة
نظرًا لطبيعة البحث النوعي، فقد ركّزت الدراسة على تعزيز مصداقية (Credibility) وثبات (Dependability)النتائج من خلال عدد من الإجراءات المنهجية. شملت هذه الإجراءات: عرض دليل المقابلة على محكمين متخصصين في المناهج وطرق التدريس وعلم النفس التربوي للتأكد من وضوح الأسئلة وملاءمتها لسياق الدراسة وقدرتها على استثارة بيانات عميقة واتساقها مع أهداف البحث، إضافة إلى إجراء مقابلة تجريبية (Pilot Interview) للتأكد من قابلية الأسئلة. كما تم استخدام استراتيجية التثليث (Triangulation) بين مصادر البيانات المختلفة (المقابلات، الملاحظات الميدانية، تحليل الوثائق) وبين المشاركين لضمان تنوّع المنظورات وتعزيز موثوقية النتائج. وللتحقق من مدى تمثيل النتائج لتجارب المشاركين، عُرضت بعض النتائج الأولية عليهم (Member Checking) إضافة إلى ذلك، تم الاحتفاظ بمذكرات بحثية وانعكاسية لتوثيق تأملات الباحث وتحيزاته المحتملة، وتوثيق خطوات جمع البيانات وتحليلها بدقة لتمكين القراء من تتبع المسار المنهجي للدراسة وضمان ثباتها.
الخلاصة المنهجية لأداة الدراسة
هذه الأداة صُمّمت لتجمع بين العمق التفسيري والتنوع الموضوعي، بحيث تغطي الجوانب الصحية والسلوكية، والتربوية والمدرسية، والنفسية والاجتماعية المرتبطة بالسمنة لدى الأطفال، وبما يمكّن من بناء صورة شاملة لكيفية إدراك الفاعلين التربويين لدور المدرسة وبرامج التربية البدنية في مواجهة هذه الظاهرة.
خطوات إجراء الدراسة وجمع بياناتها
سيتم تنفيذ الدراسة النوعية على عدة مراحل مترابطة، تراعي المنهجية العلمية والاعتبارات الأخلاقية للبحث النوعي، بما يضمن مصداقية النتائج وموثوقيتها في سياق فهم ظاهرة سمنة الأطفال ودور برامج التربية البدنية المدرسية.
* المرحلة الأولى: الإعداد والتحضير- البدء بالاطلاع المتعمق على الأدبيات والدراسات السابقة المتعلقة بظاهرة سمنة الأطفال، ودور التربية البدنية المدرسية في مكافحتها، وتأثير العوامل الاجتماعية والنفسية على هذه الظاهرة. ثم يصيغان أسئلة الدراسة وأهدافها والإطار النظري بصورة دقيقة. ويتبع ذلك إعداد دليل المقابلة شبه المقنّنة استنادًا إلى المحاور الثلاثة الرئيسة للدراسة (المحور الصحي-السلوكي، المحور التربوي-المدرسي، المحور النفسي-الاجتماعي) والأطر النظرية ذات الصلة، ومن ثم يتم عرضه على مجموعة من المحكّمين المختصين في المناهج وطرق التدريس والبحث النوعي وعلم النفس التربوي لمراجعة الصياغة والمحتوى والتأكد من وضوح الأسئلة وملاءمتها لسياق الدراسة وقدرتها على استثارة بيانات عميقة واتساقها مع أهداف البحث. بعد المراجعة، تجرى مقابلة تجريبية (Pilot Interview) للتأكد من قابلية الأسئلة للفهم والاستجابة، وتحديد الزمن اللازم للمقابلة.
* المرحلة الثانية: التواصل مع الميدان بعد الحصول على الموافقات الرسمية من إدارات المدارس الابتدائية المختارة في مدينة عرابة البطوف، يتم التواصل مع معلمي التربية البدنية والمرشدين التربويين وأفراد الإدارة والطاقم المدرسي ممن لهم علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالنشاط البدني والصحة المدرسية لترتيب مواعيد المقابلات والملاحظات. يتم اختيار المشاركين بعينة قصدية تراعي التنوع في الخبرة والجنس ونوع المدرسة. كما يتم التوضيح للمشاركين هدف الدراسة، والتأكيد على السرية والخصوصية وحقهم في الانسحاب في أي مرحلة دون تبعات، بما ينسجم مع أخلاقيات البحث العلمي.
* المرحلة الثالثة: جمع البيانات الميدانية – ينفذ الباحثان المقابلات بشكل فردي مع المعلمين والمرشدين التربويين، وبصورة شبه جماعية عند الحاجة، في بيئة هادئة داخل المدارس لضمان الراحة النفسية للمشاركين وسرية المعلومات. تتراوح مدة المقابلة الواحدة بين 30 و45 دقيقة. ويسجلان المقابلات صوتيًا بعد الحصول على موافقة خطية، مع تدوين الملاحظات الميدانية (Field Notes) المتعلقة بالإشارات غير اللفظية، لغة الجسد، نبرة الصوت، والانفعالات اللحظية، لما لذلك من أهمية في التحليل التفسيري للبيانات. إلى جانب المقابلات، يقوم الباحثان بإجراء ملاحظات ميدانية منظمة (Field Observations) في بعض حصص التربية البدنية والفعاليات الرياضية المدرسية، بهدف رصد التفاعلات الفعلية بين المعلمين والطلاب، وطبيعة الأنشطة، وكيفية إشراك الأطفال الذين يعانون من السمنة. كما يحللان الوثائق (Document Analysis) ذات الصلة، مثل خطط التربية البدنية، سياسات المدرسة الصحية، والإعلانات الداخلية للأنشطة الرياضية، لفهم الإطار المؤسسي.
* المرحلة الرابعة: تفريغ البيانات وتنظيمها – يقوم الباحثان بتفريغ المقابلات تفريغًا حرفيًا عقب كل جلسة، ثم ينظمان النصوص في ملفات مستقلة بحسب فئة المشاركين. ويراجعان النصوص بمقارنتها مع التسجيلات الصوتية الأصلية والملاحظات الميدانية للتأكد من دقتها وتمامها.
* المرحلة الخامسة: التحليل النوعي للبيانات – يحلل الباحثان البيانات وفق التحليل الموضوعي (Thematic Analysis) عبر المراحل الآتية: القراءة الأولية المتكررة لنصوص المقابلات والملاحظات والوثائق لاكتساب “إحساس كلي” بالبيانات. ثم الترميز (Coding) للمقاطع الدالة في النصوص بما يتناسب مع محاور الدراسة، مع سماحهما بظهور رموز جديدة تعكس معانٍ غير متوقعة. تجميع الرموز في موضوعات رئيسة وفرعية تعكس أنماطًا متكررة في إدراكات المشاركين (مثل: “تصورات المعلمين عن السمنة”، “دور الحصة الرياضية”، “معوّقات التطبيق”، “دعم الأسرة”، “ثقافة المدرسة تجاه النشاط البدني”). وصولًا إلى بناء سردية تفسيرية تربط بين الموضوعات المستخلصة والخلفية النظرية والدراسات السابقة، ويبرزان خصوصية سياق مدارس عرّابة البطوف.
* المرحلة السادسة: التحقق من الصدق والمراجعة النهائية لضمان مصداقية (Credibility) وثبات (Dependability) النتائج، ستُستخدم عدة استراتيجيات، من بينها: التثليث (Triangulation) بين مصادر البيانات المختلفة (المقابلات، الملاحظات الميدانية، تحليل الوثائق) وبين المشاركين (معلمون، مرشدون، إدارة). وعرض بعض النتائج الأولية على عدد من المشاركين للتحقق من مدى تمثيلها لتجاربهم . (Member Checking) وسيحتفظ الباحثان بمذكرات بحثية وانعكاسية توثق تأملاتهما وتحيزاتهما المحتملة، وكيفية تأثير موقعهما كباحثين على تفسير البيانات. كما سيتم توثيق خطوات جمع البيانات وتحليلها بشكل يسمح للقراء بتتبع المسار المنهجي للدراسة.
* المرحلة السابعة: العرض والتفسير – يتم اعادة تنظيم الموضوعات النهائية وعرضها في ضوء الأسئلة الرئيسة والفرعية للدراسة (كيف يصف المعلمون والمرشدون مفهوم السمنة وأسبابها؟ كيف يدركون دور برامج التربية البدنية؟ ما التحديات؟ ما العوامل المدرسية والأسرية والمجتمعية؟ كيف يصفون خبراتهم العملية؟). مع ربط النتائج بالمفاهيم والأطر التفسيرية الواردة في المقدمة النظرية، وبما يحققان التكامل بين المعطيات الميدانية والخلفية النظرية، وصولًا إلى تفسير علمي شامل لإدراكات وخبرات الفاعلين التربويين حول دور المدرسة وبرامج التربية البدنية في مكافحة سمنة الأطفال في السياق المحلي.
نتائج الدراسة
أُجيبت أسئلة الدراسة من خلال تحليل البيانات النوعية باستخدام أسلوب التحليل الموضوعي، حيث جرى تنظيم النتائج في صورة ثيمات رئيسة وثيمات فرعية، عكست الأنماط الدلالية المتكررة في أقوال المشاركين، وربطت مباشرة بأسئلة البحث.
** الثيمة الأولى: السمنة لدى الأطفال بوصفها ظاهرة متعددة الأبعاد
الثيمة الفرعية (1.1): السمنة كمشكلة صحية وسلوكية
عبّر المشاركون عن فهمهم للسمنة لدى الأطفال باعتبارها مشكلة صحية وسلوكية تتجاوز مجرد زيادة الوزن، وترتبط بنمط حياة غير صحي يشمل قلة النشاط البدني، وسوء التغذية، وزيادة السلوكيات الخاملة. وأشاروا إلى أن السمنة تنعكس سلبًا على صحة الطفل الجسدية ونشاطه اليومي.
الثيمة الفرعية (1.2): الأبعاد النفسية والاجتماعية للسمنة
أظهرت البيانات أن المشاركين يربطون السمنة بتداعيات نفسية واجتماعية، مثل انخفاض الثقة بالنفس، وتراجع المشاركة في الأنشطة الصفية واللاصفية، إضافة إلى التعرض للتنمّر أو العزلة الاجتماعية داخل البيئة المدرسية.
** الثيمة الثانية: أسباب السمنة في سياق المدارس الابتدائية بعرّابة البطوف
الثيمة الفرعية (2.1): العوامل السلوكية والغذائية
أشار المشاركون إلى أن أنماط التغذية غير الصحية، وكثرة استهلاك الوجبات السريعة والمشروبات المحلاة، تُعد من أبرز العوامل المساهمة في انتشار السمنة بين الأطفال.
الثيمة الفرعية (2.2): ضعف النشاط البدني والسلوك الخامل
بيّنت النتائج أن قلة ممارسة النشاط البدني داخل المدرسة وخارجها، إلى جانب زيادة وقت استخدام الشاشات، تُعد من الأسباب المركزية لزيادة الوزن لدى الأطفال.
الثيمة الفرعية (2.3): العوامل البيئية والمجتمعية
أشار المشاركون إلى محدودية المساحات الآمنة للعب، وضعف المرافق الرياضية المجتمعية، بوصفها عوامل تسهم في تقليل فرص الحركة لدى الأطفال.
** الثيمة الثالثة: دور التربية البدنية المدرسية في الحد من السمنة
الثيمة الفرعية (3.1): التربية البدنية كفرصة منظمة للنشاط البدني
أجمع المشاركون على أن حصص التربية البدنية تمثل الإطار النظامي الأساسي الذي يضمن ممارسة الأطفال للنشاط البدني داخل المدرسة، وتسهم في تعزيز الوعي بأهمية الحركة.
الثيمة الفرعية (3.2): محدودية الأثر في غياب التكامل المدرسي
أظهرت النتائج أن أثر التربية البدنية يظل محدودًا إذا لم يُدعَم بسياسات مدرسية واضحة، وزيادة عدد الحصص، وتكاملها مع برامج توعوية غذائية وأنشطة لا صفية.
** الثيمة الرابعة: التحديات التي تواجه تطبيق البرامج المدرسية
الثيمة الفرعية (4.1): التحديات التنظيمية
تمثلت في ضيق الوقت المدرسي، وقلة حصص التربية البدنية، ونقص الإمكانات المادية والمرافق المناسبة.
الثيمة الفرعية (4.2): التحديات الإدارية
أشار المشاركون إلى ضعف أولوية النشاط البدني مقارنة بالمواد الأكاديمية، وغياب رؤية مدرسية شمولية للصحة المدرسية.
الثيمة الفرعية (4.3): التحديات الثقافية والاجتماعية
برزت مواقف أسرية ومجتمعية تقلل من أهمية النشاط البدني، إلى جانب نظرة بعض الأهالي إلى السمنة باعتبارها ظاهرة طبيعية في الطفولة.
** الثيمة الخامسة: العوامل الداعمة والمعيقة لفعالية البرامج
الثيمة الفرعية (5.1): العوامل المدرسية
تتمثل في دعم الإدارة المدرسية، وتعاون الطاقم التدريسي، وتوفير بيئة مدرسية مشجعة على الحركة.
الثيمة الفرعية (5.2): العوامل الأسرية
شملت مستوى وعي الأسرة، وأنماط التغذية المنزلية، ودور الأهل في تشجيع أبنائهم على ممارسة النشاط البدني.
الثيمة الفرعية (5.3): العوامل المجتمعية
تمثلت في توفر مرافق رياضية مجتمعية آمنة، ودعم المجتمع المحلي للأنشطة الصحية.
** الثيمة السادسة: الخبرات المهنية في التعامل مع الأطفال الذين يعانون من السمنة
الثيمة الفرعية (6.1): ممارسات داعمة فردية
أشار بعض المشاركين إلى ممارسات فردية تهدف إلى دعم الأطفال نفسيًا وتشجيع مشاركتهم دون وصم أو إحراج.
الثيمة الفرعية (6.2): فجوة التدريب المهني
عبّر المشاركون عن الحاجة إلى تدريب متخصص يمكّنهم من التعامل مع الجوانب النفسية والاجتماعية المرتبطة بالسمنة لدى الأطفال.
تُظهر الثيمات المستخلصة أن السمنة لدى الأطفال تُفهم داخل المدرسة بوصفها ظاهرة معقّدة ومتعددة الأبعاد، تتداخل في تشكيلها عوامل صحية وسلوكية وتنظيمية وثقافية، وتتجاوز كونها مسألة فردية مرتبطة بالطفل وحده.
وأشار أحد معلمي التربية البدنية إلى أن: ‘حصة الرياضة هي الفرصة الوحيدة للطلاب للحركة، لكنها غير كافية بسبب قلة عدد الحصص’.”
وذكرت إحدى المرشدات التربويات:‘نعاني من ضعف وعي بعض الأهالي، حيث لا يرون السمنة مشكلة تستدعي التدخل’.”
كما تعكس النتائج إدراكًا واضحًا لدى الفاعلين التربويين بأن التربية البدنية المدرسية تمثل عنصرًا محوريًا في التعامل مع هذه الظاهرة، إلا أن فاعليتها تبقى مشروطة بتكاملها مع سياسات مدرسية داعمة، وممارسات تربوية واعية، وتعاون فعّال مع الأسرة والمجتمع المحلي.
وانطلاقًا من هذه النتائج، تبرز الحاجة إلى مناقشتها في ضوء الأدبيات التربوية والصحية المعاصرة، وتحليلها على مستوى السياسات والممارسات المدرسية، وهو ما يتناوله الفصل التالي.
مناقشة النتائج
تهدف هذه المناقشة إلى تحليل نتائج الدراسة في ضوء الأدبيات التربوية والصحية ذات الصلة، من خلال إبراز نقاط التوافق والاختلاف بين ما توصّلت إليه الدراسة الحالية وما ورد في الدراسات السابقة، وذلك بما يسهم في تعميق فهم ظاهرة السمنة لدى الأطفال ودور المدرسة في الحد منها ضمن السياق المحلي.
وتتفق هذه النتيجة مع ما توصلت إليه دراسات سابقة أكدت أن السمنة لدى الأطفال ظاهرة متعددة الأبعاد تتداخل فيها عوامل صحية وسلوكية ونفسية (Sahoo et al., 2015) كما تتوافق مع نتائج Liu et al. (2019) التي أشارت إلى أهمية التدخلات المدرسية الشاملة في تعزيز السلوك الصحي.
وفيما يتعلق بالتحديات التنظيمية، تنسجم هذه النتائج مع ما أشار إليه Harris et al. (2009) من أن البرامج المدرسية قد تكون محدودة الأثر في حال غياب الدعم المؤسسي والتكامل بين مكوناتها.
أولًا: نقاط التوافق مع الأدبيات السابقة
.1 السمنة لدى الأطفال كظاهرة متعددة الأبعاد
تتوافق نتائج الدراسة الحالية مع عدد كبير من الدراسات التي تناولت السمنة لدى الأطفال بوصفها ظاهرة معقّدة ومتعددة الأبعاد، تتداخل فيها عوامل صحية وسلوكية ونفسية واجتماعية. فقد أظهر المشاركون وعيًا بأن السمنة لا ترتبط فقط بزيادة الوزن، بل تشمل أنماط حياة غير صحية وتداعيات نفسية واجتماعية، وهو ما أكدته دراسات دولية وعربية أشارت إلى أن السمنة في الطفولة تمثل مشكلة صحة عامة ذات آثار ممتدة على النمو النفسي والاجتماعي للطفل.
ويعزز هذا التوافق مصداقية نتائج الدراسة، ويشير إلى أن تصورات الفاعلين التربويين في مدارس عرّابة البطوف تنسجم مع الفهم العلمي المعاصر لظاهرة السمنة.
.2 أهمية التربية البدنية المدرسية في الوقاية من السمنة
تتفق نتائج الدراسة مع الأدبيات التي تؤكد الدور المحوري للتربية البدنية المدرسية في تعزيز النشاط البدني والوقاية من السمنة لدى الأطفال. فقد أجمع المشاركون على أن حصص التربية البدنية تمثل الإطار المنظم الأساسي لممارسة النشاط البدني داخل المدرسة، وهو ما يتسق مع ما توصلت إليه دراسات عديدة أكدت أن المدرسة تُعد من أهم البيئات الداعمة لتشكيل السلوك الصحي في مراحل الطفولة المبكرة.
كما يتوافق إدراك المشاركين مع توصيات الهيئات الصحية والتربوية التي تشدد على ضرورة تعزيز النشاط البدني المدرسي ضمن برامج الصحة المدرسية الشاملة.
.3 تعدد التحديات التي تعيق فاعلية البرامج المدرسية
تنسجم نتائج الدراسة مع ما أشارت إليه الأدبيات بشأن وجود تحديات تنظيمية وإدارية وثقافية تعيق تطبيق برامج مدرسية فعّالة لمكافحة السمنة. فقد أظهرت النتائج أن قلة عدد حصص التربية البدنية، وضيق الوقت المدرسي، وضعف الإمكانات، إضافة إلى محدودية وعي بعض الأسر، تشكل عوائق رئيسة، وهي نتائج متكررة في دراسات تناولت واقع الصحة المدرسية في سياقات تعليمية مختلفة.
.4 أهمية التكامل بين المدرسة والأسرة والمجتمع
تتوافق نتائج الدراسة مع الأدبيات التي تؤكد أن فاعلية التدخلات المدرسية في الحد من السمنة تعتمد على التكامل بين المدرسة والأسرة والمجتمع. فقد أشار المشاركون إلى أن غياب الدعم الأسري أو المجتمعي يقلل من استدامة أثر البرامج المدرسية، وهو ما أكدته دراسات شددت على أن المدرسة لا تستطيع وحدها إحداث تغيير مستدام في السلوك الصحي للأطفال دون شراكة حقيقية مع الأسرة والمحيط الاجتماعي.
ثانيًا: نقاط الاختلاف أو الخصوصية مقارنة بالأدبيات
- محدودية الأثر الفعلي للتربية البدنية في الواقع المدرسي
على الرغم من اتفاق الأدبيات على الدور المهم للتربية البدنية المدرسية، تُظهر نتائج الدراسة الحالية درجة من التحفّظ العملي لدى المشاركين حول قدرتها الفعلية على الحد من السمنة في ظل الواقع التنظيمي القائم. فقد عبّر المعلمون والمرشدون عن شعور بأن دور التربية البدنية، رغم أهميته النظرية، يبقى محدود التأثير بسبب قلة الحصص وغياب الدعم المؤسسي، وهو ما يبرز فجوة بين التصورات النظرية والتطبيق العملي، ولا يظهر دائمًا بهذه الوضوح في بعض الدراسات الكمية.
.2بروز البعد الثقافي المحلي بوصفه عاملًا مؤثرًا
تُبرز الدراسة الحالية، بشكل أوضح من بعض الأدبيات الدولية، أثر المواقف الثقافية والاجتماعية المحلية في التعامل مع السمنة لدى الأطفال، مثل اعتبارها حالة طبيعية أو مؤقتة في مرحلة الطفولة. ويُعد هذا البعد من الخصوصيات التي تعكس السياق المحلي للدراسة، ويشير إلى أهمية مراعاة الثقافة المجتمعية عند تصميم البرامج المدرسية الصحية، وهو ما قد لا يحظى بالقدر نفسه من التركيز في الدراسات التي أُجريت في سياقات مختلفة.
.3 الاعتماد على المبادرات الفردية بدل البرامج المؤسسية
أظهرت نتائج الدراسة أن التعامل مع الأطفال الذين يعانون من السمنة يتم غالبًا من خلال مبادرات فردية من المعلمين والمرشدين، وليس ضمن إطار مؤسسي منظم. وتختلف هذه النتيجة جزئيًا عن بعض الأدبيات التي تفترض وجود برامج مدرسية واضحة أو تدخلات منظمة، ما يشير إلى فجوة تطبيقية في السياق المحلي تستدعي مزيدًا من الاهتمام على مستوى السياسات المدرسية.
خلاصة المناقشة
تشير مناقشة النتائج في ضوء الأدبيات إلى وجود درجة عالية من التوافق بين نتائج الدراسة الحالية والفهم العلمي المعاصر لظاهرة السمنة لدى الأطفال، لا سيما فيما يتعلق بطبيعتها متعددة الأبعاد، وأهمية المدرسة والتربية البدنية في مواجهتها. وفي المقابل، تكشف الدراسة عن خصوصيات سياقية تتعلق بالواقع التنظيمي والثقافي المحلي، تبرز الحاجة إلى مقاربة مدرسية شمولية تراعي هذه الخصوصيات، وتعزز التكامل بين المدرسة والأسرة والمجتمع، بما يسهم في تطوير تدخلات أكثر فاعلية واستدامة.
أهم التوصيات
بناءً على النتائج لهذه الدراسة النوعية، يمكن تقديم التوصيات الآتية والتي تستهدف مختلف مستويات التدخل:
على المستوى المدرسي والإداري:
تطوير سياسات مدرسية شاملة: صياغة وتفعيل سياسات واضحة لدعم النشاط البدني والتغذية الصحية داخل المدارس، تشمل تخصيص وقت كافٍ للتربية البدنية، وتوفير خيارات غذائية صحية في المقصف المدرسي، وتشجيع الأنشطة الحركية خلال فترات الاستراحة.
توفير وتطوير التجهيزات والمرافق: العمل على تأمين وتحديث المرافق والأدوات الرياضية اللازمة لتمكين جميع الطلاب، بمن فيهم ذوو السمنة، من المشاركة الفعالة في الأنشطة البدنية.
زيادة الوعي وبناء القدرات: تنظيم ورش عمل ودورات تدريبية مستمرة للفاعلين التربويين (معلمي التربية البدنية، المرشدين، الإدارة) لتعميق فهمهم الشامل لأبعاد سمنة الأطفال وأسبابها وتأثيراتها، وأهمية الدور المتكامل للمدرسة في مكافحتها.
تعزيز الدعم الإداري: يجب على الإدارة المدرسية تبني دور قيادي فعال في دعم برامج التربية البدنية والأنشطة الصحية، وتذليل العقبات التنظيمية التي قد تواجهها.
على المستوى التربوي والتعليمي:
إثراء محتوى التربية البدنية: تطوير مناهج وأنشطة التربية البدنية لتكون أكثر جاذبية وتنوعًا، وتراعي الفروق الفردية ومستويات اللياقة البدنية لدى الطلاب، وتضمن إشراك الجميع.
دمج مفاهيم الصحة في المناهج: إدماج مفاهيم التغذية الصحية وأهمية النشاط البدني في مختلف المواد الدراسية، وليس فقط في حصص التربية البدنية.
التوعية النفسية والاجتماعية: تدريب المرشدين التربويين والمعلمين على كيفية التعامل مع الجوانب النفسية والاجتماعية المرتبطة بسمنة الأطفال، مثل التنمر وتدني تقدير الذات، وتقديم الدعم العاطفي اللازم لهم.
على مستوى الشراكة مع الأسرة والمجتمع:
تفعيل دور الأسرة: تعزيز التواصل والتعاون مع أولياء الأمور لتوعيتهم بأهمية أنماط الحياة الصحية، وتشجيعهم على تبني هذه الأنماط في المنزل ودعم أطفالهم في المشاركة بالأنشطة البدنية.
الشراكات المجتمعية: بناء جسور التعاون مع المؤسسات الصحية والمجتمعية المحلية لتوسيع نطاق البرامج الوقائية وتقديم الدعم المتكامل للأطفال وأسرهم.
توصيات للبحث المستقبلي:
إجراء دراسات طولية لتتبع أثر التدخلات المدرسية على المدى الطويل.
توسيع نطاق الدراسات النوعية لتشمل آراء أولياء الأمور والطلاب أنفسهم لتقديم صورة أكثر شمولية للظاهرة.
تصميم وتنفيذ برامج تدخلية تجريبية بناءً على الرؤى المستخلصة من هذه الدراسة النوعية.
الاستنتاجات
تُظهر نتائج هذه الدراسة أن السمنة لدى الأطفال تمثل ظاهرة معقدة ومتعددة الأبعاد تتداخل في تشكيلها عوامل صحية وسلوكية ونفسية واجتماعية، ولا يمكن اختزالها في مؤشر جسدي واحد. كما كشفت النتائج أن التربية البدنية المدرسية تمثل عنصرًا محوريًا في تعزيز النشاط البدني لدى الأطفال، إلا أن فاعليتها تبقى مشروطة بمدى تكاملها مع سياسات مدرسية داعمة، وتوفر بيئة تعليمية محفزة، وتعاون فعّال مع الأسرة والمجتمع المحلي.
كما بيّنت الدراسة وجود فجوة بين التصورات النظرية لدور المدرسة في مكافحة السمنة والتطبيق الفعلي داخل البيئة المدرسية، نتيجة مجموعة من التحديات التنظيمية والثقافية، مثل محدودية الوقت، ونقص الإمكانات، وضعف الوعي المجتمعي. وتؤكد هذه النتائج الحاجة إلى تبني مقاربة شمولية تراعي السياق المحلي، وتدمج بين الأبعاد التربوية والصحية والنفسية في تصميم البرامج المدرسية.
الاعتبارات الأخلاقية:
تم الالتزام بالمبادئ الأخلاقية للبحث العلمي، حيث جرى الحصول على موافقة المشاركين المستنيرة قبل إجراء المقابلات، مع التأكيد على سرية المعلومات وعدم استخدامها إلا لأغراض البحث العلمي. كما أُتيح للمشاركين حق الانسحاب في أي مرحلة دون أي تبعات.
المراجع
- Alhelal, A., AlSalem, M. S., & Alasmari, F. M. A. (2024). Effectiveness of school-based interventions for preventing obesity in children: A narrative review. Cureus, 16(2), e54316.
https://doi.org/10.7759/cureus.54316
- Al Zaab, M. M. Y. (2018). Prevalence of and factors associated with overweight, obesity and metabolic syndrome among school children and adolescents in Ras Al Khaimah, United Arab Emirates (2016–2017) (Doctoral dissertation). Gulf Medical University.
- Bailey, R., Armour, K., Kirk, D., Jess, M., Pickup, I., Sandford, R., & BERA Physical Education and Sport Pedagogy Special Interest Group. (2009). The educational benefits claimed for physical education and school sport: An academic review. Research Papers in Education, 24(1), 1–27.
https://doi.org/10.1080/02671520701809817
- Council on Sports Medicine and Fitness, & Council on School Health. (2006).
Active healthy living: Prevention of childhood obesity through increased physical activity. Pediatrics, 117(5), 1834–1842.
https://doi.org/10.1542/peds.2006-0472
- Guerra, P. H., Nobre, M. R. C., Silveira, J. A. C. D., & Taddei, J. A. C. A. (2019).
The effect of school-based physical activity interventions on body mass index: A meta-analysis of randomized trials. Jornal de Pediatria, 95(2), 126–141.
https://doi.org/10.1016/j.jped.2018.01.002
- Harris, K. C., Kuramoto, L. K., Schulzer, M., & Retallack, J. E. (2009).
Effect of school-based physical activity interventions on body mass index in children: A meta-analysis. CMAJ, 180(7), 719–726.
https://doi.org/10.1503/cmaj.080966
- Klein, D. H., Mohamoud, I., Olanisa, O. O., Parab, P., Chaudhary, P., Mukhtar, S., Moradi, A., Kodali, A., Okoye, C., & Franchini, A. P. A. (2023).
Corrected: Impact of school-based interventions on pediatric obesity: A systematic review. Cureus, 15(8), e43153.
https://doi.org/10.7759/cureus.43153
- Liu, Z., Xu, H. M., Wen, L. M., Peng, Y. Z., Lin, L. Z., Zhou, S., Li, W. H., & Wang, H. J. (2019).
- A systematic review and meta-analysis of the overall effects of school-based obesity prevention interventions and effect differences by intervention components. International Journal of Environmental Research and Public Health, 16(16), 2894.
https://doi.org/10.3390/ijerph16162894
- Research Department of Human Nutrition, The Royal Veterinary and Agricultural University. (n.d.).
- Healthy lifestyles in Europe: Prevention of obesity and type II diabetes by diet and physical activity. Copenhagen, Denmark.
- Sahoo, K., Sahoo, B., Choudhury, A. K., Sofi, N. Y., Kumar, R., & Bhadoria, A. S. (2015). Childhood obesity: Causes and consequences. Journal of Family Medicine and Primary Care, 4(2), 187–192.
https://doi.org/10.4103/2249-4863.154628