دمج التعلم الاجتماعي–العاطفي والرقمي في التعليم: تصورات المعلمين في الداخل الفلسطيني واتجاهاتهم المستقبلية
Integrating Social–Emotional and Digital Learning in Education: Teachers’ Perceptions in the Palestinian Arab Community in Israel and Their Future Orientations
صفاء طلب محمد رابي1
1 كلية الدراسات العليا، جامعة النجاح الوطنية، نابلس، فلسطين.
بريد الكتروني: consultingsafa071@gmail.com
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj73/6
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/73/6
المجلد (7) العدد (3). الصفحات: 101 - 123
تاريخ الاستقبال: 2026-02-01 | تاريخ القبول: 2026-02-07 | تاريخ النشر: 2026-03-01
المستخلص: هدفت هذه الدراسة إلى استكشاف تصوّرات المعلمات العربيات في الداخل الفلسطيني حول دمج التعلّم الاجتماعي–العاطفي مع التعلّم الرقمي، والكشف عن تجاربهن المهنية والوجدانية في هذا السياق، واتجاهاتهن المستقبلية نحو هذا الدمج. اعتمدت الدراسة المنهج النوعي التفسيري، وتم جمع البيانات من خلال مقابلات شبه مهيكلة أُجريت مع خمس معلمات يعملن في مدارس عربية داخل الخط الأخضر. جرى تحليل البيانات باستخدام التحليل الموضوعاتي، حيث أظهرت النتائج وجود إجماع واضح بين المشاركات حول أهمية التعليم الرقمي كواقع تربوي قائم، إلى جانب الحاجة الملحّة إلى الموازنة بين البعد التقني والبعد الاجتماعي–العاطفي في العملية التعليمية. كما كشفت النتائج عن الدور المحوري للذكاء العاطفي لدى المعلمة في إنجاح التعليم الرقمي، وعن إمكانيات الفضاء الرقمي في دعم التعبير عن مشاعر الطلبة وبناء علاقة تربوية داعمة. توصي الدراسة بضرورة تطوير برامج استكمال مهني تدمج بين المهارات التقنية والوجدانية، وبإعادة تصميم سياسات التعليم الرقمي بما يضع الإنسان في مركز العملية التعليمية.
الكلمات المفتاحية: التعلّم الاجتماعي–العاطفي، التعليم الرقمي، الذكاء العاطفي، المعلمات، الداخل الفلسطيني.
Abstract: This study aimed to explore Arab teachers’ perceptions in the Palestinian society inside the Green Line regarding the integration of Social–Emotional Learning (SEL) and digital learning, as well as their professional and emotional experiences and future orientations toward this integration. The study adopted an interpretive qualitative approach. Data were collected through semi-structured interviews conducted with five female teachers working in Arab schools. The data were analyzed using thematic analysis. The findings revealed a strong consensus among participants that digital learning has become an inevitable educational reality, accompanied by an urgent need to balance technological practices with social–emotional dimensions. The results also highlighted the central role of teachers’ emotional intelligence in sustaining supportive pedagogical relationships in digital environments and the potential of digital spaces to facilitate emotional expression and student support. The study recommends developing professional training programs that integrate emotional and digital competencies and rethinking digital education policies to place human relationships at the core of educational practice.
Keywords: Social–Emotional Learning, Digital Learning, Emotional Intelligence, Teachers, Palestinian Context.
المقدّمة
يشهد العالم المعاصر تحوّلاتٍ جذرية في مفهوم التعليم وممارساته، إذ أصبح التعلّم عملية مفتوحة تتجاوز الجدران المدرسية، وتتداخل فيها الأبعاد التقنية والاجتماعية والنفسية والثقافية. ومع تسارع التحوّل الرقمي ودخول التكنولوجيا في صميم الحياة اليومية، بدأ التعليم يفقد شيئًا من دفئه الإنساني، حيث بات التفاعل وجهاً لوجه يُستبدل بالاتصال عبر الشاشات، واللقاء الإنساني يُختزل في أوامرٍ رقمية ومهامٍ افتراضية. هذه التحوّلات، رغم ما تحمله من فرصٍ للابتكار والتجديد، طرحت سؤالًا تربويًا عميقًا: كيف يمكن أن نحافظ على جوهر الإنسان في عصر التعليم الرقمي؟
إنّ هذا السؤال يُعيدنا إلى مفهوم التعلّم الاجتماعي–العاطفي (Social Emotional Learning) بوصفه مدخلًا إنسانيًا يسعى إلى إعادة التوازن بين المعرفة والعاطفة، بين التقنية والقيم، وبين التعلم كعملية ذهنية والتعلّم كخبرة إنسانية شاملة. فالتعلّم الاجتماعي–العاطفي لا ينظر إلى الطالب كمتلقٍ للمعلومات، بل ككائنٍ يعيش، ويشعر، ويتفاعل، ويبحث عن معنى لحضوره في العالم. ومن هنا تنبع أهميته في تطوير مهارات الوعي الذاتي، وتنظيم الانفعالات، وبناء العلاقات الإيجابية، والتعاطف، واتخاذ القرارات المسؤولة.
وفي ظلّ الطفرة التكنولوجية التي تشهدها الأنظمة التعليمية، بات من الضروري أن لا يُنظر إلى التعليم الرقمي على أنه مجرد أداةٍ تقنية لنقل المحتوى، بل كفضاءٍ إنساني جديد يحمل في طيّاته فرصًا لبناء علاقات ومعانٍ وتجارب مختلفة. إنّ الدمج بين التعلم الاجتماعي–العاطفي والرقمي ليس مجرد مزاوجة بين اتجاهين، بل هو محاولة لإعادة تعريف التعليم من منظورٍ أكثر شمولًا وإنسانية، يوازن بين المهارات الرقمية والكفايات الوجدانية، وبين الكفاءة التقنية والوعي الإنساني.
في السياق الفلسطيني، وخصوصًا في المدارس العربية داخل الخط الأخضر (الداخل الفلسطيني)، تأخذ هذه القضية بعدًا أكثر عمقًا وحساسية. فالمعلم العربي يعمل ضمن منظومة تربوية وثقافية متعددة المرجعيات، يعيش فيها التناقض بين الرغبة في التطوير والانفتاح التكنولوجي، وبين الحاجة للحفاظ على الهوية الثقافية والإنسانية في وجه العولمة الرقمية. إنّ بيئة التعليم هنا ليست محايدة، بل محمّلة بدلالات اجتماعية وسياسية ومهنية تشكّل إطارًا فريدًا لتجربة المعلّم والمتعلم معًا.
في هذا الإطار، يهدف البحث إلى استكشاف تصوّرات المعلمين وتجاربهم الشخصية مع محاولة دمج التعلم الاجتماعي–العاطفي والرقمي في واقعهم التعليمي، من خلال فهم ما يعيشونه من مواقف، وما يشكّل وعيهم المهني، وما يعبّرون عنه من مخاوف وآمال ورؤى مستقبلية. فبدل أن يسعى هذا البحث إلى قياس الاتجاهات بالأرقام، يسعى إلى إعطاء صوتٍ للمعلمين بوصفهم شهودًا على التحوّل التربوي الرقمي، ومشاركين فاعلين في صياغة معناه.
تنبع أهمية هذا البحث من كونه يسعى إلى تقديم قراءة نوعية عميقة للمعنى الإنساني الكامن في تجربة المعلم، لا لنتائج الأداء وحدها. فالتعليم، كما يراه هذا البحث، ليس نظامًا من الإجراءات فقط، بل فضاءٌ للعلاقات، والتجارب، والمشاعر، والبحث عن المعنى. من هنا فإن دمج التعلم الاجتماعي–العاطفي في البيئة الرقمية ليس هدفًا تقنيًا فحسب، بل هو رؤية تربوية إنسانية تهدف إلى استعادة جوهر التعليم كمساحةٍ للّقاء، والحوار، والنمو المشترك.
وعليه، فإن دراسة تصوّرات المعلمين العرب في الداخل الفلسطيني تجاه هذا الدمج تمثّل نافذة نوعية لفهم التحولات التربوية الراهنة، وتساعد في بناء معرفة سياقية حول كيف يفكّر المعلّم، وكيف يعيش التحوّل الرقمي، وكيف يوازن بين القيم الإنسانية ومقتضيات التكنولوجيا. إنها محاولة لاستكشاف العمق الإنساني في تجربة المعلم المعاصر، والبحث عن سُبلٍ تربوية تحقق التعليم الشمولي الذي يجمع بين العقل الرقمي والقلب الإنساني.
الخلفية النظرية
يُعدّ الدمج بين التعلم الاجتماعي–العاطفي والتعلم الرقمي من أبرز الاتجاهات التربوية الحديثة التي تسعى إلى إعادة صياغة جوهر العملية التعليمية في القرن الحادي والعشرين. فبينما يتجه التعليم العالمي نحو التحول الرقمي وتسخير التكنولوجيا في كل مراحل التعلّم، تتزايد الحاجة في الوقت ذاته إلى الحفاظ على الطابع الإنساني للتعليم وعلى البعد الوجداني الذي يمنح العملية التربوية معناها الأصيل. هذا التوازن بين الرقمنة والإنسانية هو ما يسعى إليه التعلم الاجتماعي–العاطفي (SEL)، الذي بات يشكّل إطارًا تربويًا شاملًا يسهم في بناء متعلمين يمتلكون الوعي الذاتي، والقدرة على إدارة مشاعرهم، والتعاطف مع الآخرين، وإقامة علاقات إيجابية قائمة على التعاون والمسؤولية. (OECD, 2024; Schonert-Reichl, 2019)
وقد قدّمت منظمة CASEL الإطار المرجعي الأبرز لمجالات SEL، محدّدةً خمسة مجالات مترابطة هي: الوعي الذاتي، والإدارة الذاتية، والوعي الاجتماعي، وبناء العلاقات الإيجابية، واتخاذ القرارات المسؤولة. أثبتت الدراسات (Durlak et al., 2011)؛ (Schonert-Reichl, 2019) أنّ هذه المجالات لا تُسهم فقط في تحسين التحصيل الأكاديمي وخفض السلوكيات السلبية، بل في تعزيز الرفاه النفسي والشعور بالانتماء داخل المدرسة، ما يجعلها ركيزة أساسية في إعداد الأفراد للحياة في عالم سريع التغيّر . (Durlak et al., 2011)
في المقابل، يُعدّ التعلم الرقمي أحد أعمدة التعليم المعاصر، إذ يوفّر فرصًا واسعة للوصول إلى المعرفة والتفاعل والتخصيص، من خلال أنماط متعددة تشمل التعلم المدمج الذي يجمع بين اللقاء الحضوري والافتراضي، والتعلم المتزامن الذي يقوم على التواصل اللحظي عبر المنصات الرقمية، والتعلم غير المتزامن الذي يمنح المتعلم استقلالية في إدارة تعلمه. ومع ذلك، كشفت تجارب التعليم الرقمي، خاصة بعد جائحة كوفيد–19، عن محدودية البعد الوجداني في هذه البيئات، حيث افتقد كثير من المتعلمين الإحساس بالانتماء والدعم العاطفي، مما أثّر سلبًا على دافعيتهم وتفاعلهم. ومن هنا نشأت فكرة الدمج بين SEL والتعليم الرقمي التي لا تكتفي بنقل المهارات الاجتماعية إلى البيئة الافتراضية، بل تسعى إلى إعادة تصميم التعلم الرقمي ليصبح بيئة إنسانية قائمة على التواصل والتعاطف والانتماء، وهو ما يعرف اليوم بـ Digital SEL أو التعلم الاجتماعي–العاطفي الرقمي . (OECD, 2024; Schonert-Reichl, 2019)
إنّ مفهوم Digital SEL يطرح رؤية تربوية جديدة تُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والتقنية، حيث لا تُعامل التكنولوجيا كأداة محايدة، بل كوسيط ثقافي واجتماعي يمكن أن يُعزّز الروابط الإنسانية إذا صُمّم بوعي تربوي. في هذا السياق، يصبح دور المعلّم محوريًا في تفعيل مهارات SEL داخل الفضاء الرقمي من خلال تبني استراتيجيات تدريس تراعي المشاعر والعلاقات، وتوظيف المنصات لتشجيع الحوار، والمشاركة، والتفكّر، وتبادل الدعم الوجداني بين المتعلمين. (Goleman, 1995)
ويستند هذا الاتجاه إلى عدد من النظريات التربوية التي تُفسّر أهمية الدمج بين البعدين الإنساني والتقني. فنظرية الذكاء العاطفي (Goleman, 1995) تبيّن أن النجاح في التعلم لا يقوم فقط على القدرات المعرفية، بل يعتمد على مهارات فهم الذات وتنظيم الانفعالات والتعاطف مع الآخرين، وهي عناصر تشكّل الأساس النفسي للتفاعل الإيجابي في البيئات الرقمية. أما نظرية التعلم الاجتماعي (Bandura, 1986) فترى أن الإنسان يتعلم من خلال الملاحظة والنمذجة والتفاعل الاجتماعي، ما يعني أن البيئات الرقمية يمكن أن تكون مجالًا خصبًا للتعلم الاجتماعي إذا تم تصميمها بحيث تُشجّع المشاركة والتغذية الراجعة والقدوة الإيجابية. في حين تؤكد النظرية البنائية الاجتماعية (Vygotsky, 1978) على أن التعلم هو عملية اجتماعية في جوهرها، تقوم على الحوار والتعاون والتسقيف (scaffolding)، وأن البيئة التعليمية، سواء كانت فعلية أو افتراضية، يجب أن تُتيح للمتعلمين فرصًا للتفاعل ضمن “منطقة النمو القريب” التي تسمح بتبادل الدعم المعرفي والوجداني . (OECD, 2024; Schonert-Reichl, 2019)
وبالاستناد إلى هذه الأطر، يمكن القول إنّ الدمج بين التعلم الاجتماعي–العاطفي والرقمي ليس مجرد إجراء تقني بل تحوّل في فلسفة التعليم ذاتها، إذ يهدف إلى بناء نموذج يوازن بين العقل والعاطفة، بين الكفاءة التقنية والوعي الإنساني. وهذا النموذج يتطلّب معلمين يمتلكون مهارات وجدانية عالية وقدرة على توظيف التكنولوجيا لبناء علاقات تربوية آمنة ومسانِدة . (Goleman, 1995)
في السياق الفلسطيني، تكتسب هذه القضايا بُعدًا خاصًا، إذ تعمل المدارس العربية داخل الخط الأخضر ضمن واقع ثقافي وسياسي متعدّد الطبقات، يتداخل فيه البعد المهني مع البعد الاجتماعي والوجداني. ويعيش المعلمون العرب في الداخل تحوّلات عميقة في علاقتهم بالمهنة وبالتكنولوجيا وبالطلبة، الأمر الذي يجعل استكشاف تصوراتهم حول دمج التعلم الاجتماعي–العاطفي والرقمي مدخلًا أساسيًا لفهم كيف يُعاد تعريف التعليم في هذا السياق المحلي.
وعلى الرغم من تنامي الأدبيات العالمية حول Digital SEL، إلا أن الأبحاث النوعية العربية التي تستكشف التجربة الإنسانية للمعلمين في هذا المجال لا تزال محدودة، خصوصًا في البيئات الفلسطينية. فغالبية الدراسات السابقة اعتمدت مناهج كمية تركّز على القياس والتقييم، دون التعمق في المعاني التي يمنحها المعلمون لتجربتهم. كما أن نماذج Digital SEL المطروحة في الأدبيات الغربية غالبًا ما تفتقر إلى التكيّف الثقافي واللغوي الذي يجعلها قابلة للتطبيق في السياقات العربية . (UNESCO, 2023; OECD, 2024)
من هنا يسعى هذا البحث إلى سدّ هذه الفجوة من خلال مقاربة نوعية تفسيرية تستكشف كيف يفهم المعلمون العرب في الداخل الفلسطيني معنى الدمج بين التعلم الاجتماعي–العاطفي والرقمي، وكيف يعايشونه في واقعهم المهني، وما التحديات والفرص التي يرونها في تطبيقه. وبذلك يهدف البحث إلى الإسهام في إثراء النقاش العلمي حول “الإنسانية الرقمية” في التعليم، وتقديم معرفة سياقية يمكن أن تمهّد لبناء نموذج فلسطيني للتعلم الشمولي الذي يجمع بين الوعي، والعاطفة، والتكنولوجيا في آنٍ واحد.
مشكلة الدراسة
تنبع مشكلة هذه الدراسة من واقعٍ مهني وتربوي معقّد يعيشه المعلّم العربي في الداخل الفلسطيني، حيث تتقاطع الضغوط المهنية والنفسية والاجتماعية مع التحوّلات التكنولوجية المتسارعة التي غيّرت ملامح التعليم وأدوار المعلّمين. فعلى الرغم من انتشار أدوات التعليم الرقمي واعتمادها في المدارس ومراكز التطوير المهني، إلا أن ما يُلاحظ ميدانيًا هو غياب البعد العاطفي والإنساني في الممارسات التربوية، مما يخلق فجوة واضحة بين التقدّم التقني والاحتياجات الوجدانية للمعلم والطالب على حدّ سواء . (UNESCO, 2023; OECD, 2024)
من خلال عملي الميداني كمستشارة تنظيمية وأخصائية اجتماعية ومحاضِرة معتمدة من وزارة التربية والتعليم، رافقتُ على مدار سنوات عشرات الطواقم التعليمية في استكمالات وبرامج تطوير مهني (بيسجا) في مختلف المناطق العربية. وقد لاحظتُ من خلال هذه اللقاءات الميدانية أنّ المعلمين يعبّرون عن احتياجٍ متزايد إلى فهم أعمق لمهارات الذكاء العاطفي، ليس فقط لتطوير ذواتهم المهنية، بل أيضًا لتمكينهم من التعامل الإنساني مع طلابٍ يعيشون في واقع اجتماعي معقّد يتأرجح بين الضغوط العائلية، وصعوبات التكيّف، ومحدودية الدعم النفسي المدرسي.
في العديد من الورشات التي قدّمتها حول القيادة التربوية، وإدارة الصف، والتعامل مع الأزمات، ظهر بوضوح أنّ المعلّم العربي يفتقر غالبًا إلى تدريب منهجي في المجال الوجداني، وأن برامج التطوير المهني تركز في الغالب على المحتوى الأكاديمي أو المهارات التقنية، بينما تُهمل البُعد العاطفي الذي يُعدّ حجر الأساس لبناء علاقة تربوية آمنة مع الطالب. كما لمسْتُ في تفاعلات الطواقم حاجةً حقيقية إلى تعزيز الوعي الذاتي والقدرة على إدارة المشاعر، خصوصًا في ظل بيئة تعليمية تتسم بضغطٍ مستمر وتعددٍ ثقافي ولغوي داخل الصفوف.
لقد كان من الملفت أيضًا أنّ كثيرًا من المعلّمين الذين خضعوا لاستكمالات في مجال “الرفاه المدرسي” أو “إدارة الصعوبات السلوكية” عبّروا عن رغبتهم في تعلم أدوات ملموسة لتطبيق الذكاء العاطفي في تفاعلهم اليومي مع الطلاب، مؤكدين أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي لإحداث التغيير المنشود في سلوك الطلبة أو في مناخ الصف. وتظهر الحاجة الماسّة إلى توجيه التطوير المهني نحو دمج مهارات التعاطف، والإصغاء الفعّال، والتنظيم الانفعالي، والوعي الاجتماعي ضمن سياقٍ رقمي معاصر.
إنّ هذه الخبرات الميدانية أكدت لي أنّ التعلّم الاجتماعي–العاطفي (SEL) ليس رفاهًا تربويًا، بل ضرورة مهنية وإنسانية. كما أنّ توظيفه في البيئات الرقمية يمكن أن يكون جسرًا حقيقيًا لتطوير الطالب العربي الذي يواجه أحيانًا صعوبات اجتماعية ونفسية متعددة ناتجة عن عوامل أسرية واقتصادية وثقافية. وفي ظلّ هذا الواقع، فإنّ المعلّم بحاجة إلى منظومة دعم مهنية تمكّنه من قراءة مشاعر طلابه، والتعامل بمرونة وتعاطف، وتطوير كفايات وجدانية تساعده على تحويل التحديات اليومية إلى فرصٍ للتعلّم والنمو المشترك (CASEL, 2021)
من هنا تتبلور مشكلة هذه الدراسة في الحاجة إلى فهم معمّق لتصورات المعلّمين العرب في الداخل الفلسطيني واتجاهاتهم نحو دمج التعلم الاجتماعي–العاطفي والرقمي في التعليم، باعتباره مسارًا لتجديد التربية الفلسطينية على أسس إنسانية وتكنولوجية متوازنة. فالسؤال المحوري الذي تنطلق منه هذه الدراسة هو: كيف يفهم المعلّم العربي هذا الدمج؟ وكيف يعيش الحاجة إليه في واقعه العملي؟ وما الذي يمنعه أو يدعمه في تحقيقه؟
إنّ هذا البحث لا ينطلق من فراغ نظري، بل من تجربة مهنية حيّة شكّلت فيها المعاينة الميدانية نافذةً على ما يعيشه المعلّم فعليًا من ضغوطٍ، وما يفتقده من أدواتٍ وجدانية. ومن خلال المقاربة النوعية، يسعى البحث إلى الإنصات لصوت المعلّم وفهم معناه الشخصي لتجربة الدمج بين العاطفة والتقنية، بما يمكّن من بناء برامج تطوير مهني فلسطينية تُنصت للحقل وتنبع منه، لا تُفرَض عليه من خارجه.
أسئلة الدراسة
ينطلق هذا البحث من الرغبة في استكشاف التجربة الإنسانية والمهنية للمعلّمين العرب في الداخل الفلسطيني تجاه دمج التعلّم الاجتماعي–العاطفي والرقمي، وفهم المعاني التي يمنحونها لهذا الدمج في سياق واقعهم التربوي والثقافي.
وتتمحور الدراسة حول الأسئلة النوعية الآتية:
- كيف يصف المعلّمون العرب في الداخل الفلسطيني تصوّراتهم حول دمج التعلّم الاجتماعي–العاطفي والرقمي في التعليم، وما المعاني التي يمنحونها لهذه التجربة في سياقهم المهني والثقافي؟
- كيف يعبر المعلّمون عن احتياجهم إلى تطوير مهارات الذكاء العاطفي في عملهم التربوي، وما العوامل التي تُحفّز أو تُعيق تطبيق هذه المهارات في بيئات التعليم الرقمية؟
- ما التحديات التي يواجهها المعلّمون في إدماج الأبعاد الوجدانية والاجتماعية داخل بيئات التعلّم الرقمية، وكيف يتعاملون معها مهنيًا وإنسانيًا؟
- كيف يرى المعلّمون أثر دمج التعلّم الاجتماعي–العاطفي والرقمي على رفاه الطلبة العرب وتفاعلهم، وما التغيّرات التي يلحظونها في سلوك المتعلمين وعلاقاتهم الصفّية؟
أهداف الدراسة
يهدف هذا البحث النوعي التفسيري إلى فهمٍ معمّق لتصوّرات المعلّمين العرب في الداخل الفلسطيني واتجاهاتهم المستقبلية نحو دمج التعلم الاجتماعي–العاطفي والرقمي في التعليم. تنطلق الدراسة من رؤية مفادها أن التعليم في القرن الحادي والعشرين لم يعد مقتصرًا على نقل المعرفة أو إتقان المهارات التقنية، بل أصبح فضاءً إنسانيًا يدمج بين الذكاء العقلي والعاطفي والاجتماعي، وبين القدرات المعرفية والأخلاقية التي تُمكّن الإنسان من العيش والتعلّم والتفاعل في عالمٍ رقمي سريع التغيّر. ومن هذا المنطلق، تتأسس الدراسة على حاجةٍ تربوية ملحّة إلى فهم كيف يعيش المعلّمون هذا التحوّل التربوي، وكيف يعيدون تعريف أدوارهم ووظائفهم التربوية في ضوء التفاعل بين الوجدان والتكنولوجيا.
تسعى الدراسة إلى تحليل الخبرات الذاتية والمهنية للمعلّمين العرب، بوصفها مدخلًا لفهم كيفية ترجمة مبادئ التعلّم الاجتماعي–العاطفي في بيئات رقمية متنوّعة. فالمعلّم ليس مجرّد ناقلٍ للمعرفة، بل هو شريك إنساني في بناء بيئة تعليمية قائمة على الثقة، والتعاطف، والانتماء، والرفاه. لذلك تهدف الدراسة إلى استكشاف كيف يمارس المعلّمون العرب أدوارهم العاطفية والاجتماعية في فضاءات رقمية غالبًا ما تُنتج العزلة أو الفتور الوجداني، وكيف يعبّرون عن احتياجاتهم العاطفية والمهنية لتطوير مهاراتهم في هذا المجال.
وتتمثل الأهداف الخاصة في تحليلٍ نوعي لتجارب المعلّمين في ضوء النظريات العالمية الحديثة. إذ تسعى الدراسة إلى ربط الأطر النظرية العالمية بالسياق المحلي الفلسطيني من خلال ثلاث مستويات متداخلة: أولًا، تحليل التصوّرات الذاتية للمعلّمين حول التعلم الاجتماعي–العاطفي، استنادًا إلى إطار CASEL الذي يحدّد خمسة مجالات رئيسية (الوعي الذاتي، الإدارة الذاتية، الوعي الاجتماعي، مهارات العلاقات، واتخاذ القرارات المسؤولة). ثانيًا، دراسة كيفية توظيف المعلّمين لمهارات الذكاء العاطفي التي حددها Goleman (1995) مثل الوعي بالذات، والتنظيم الانفعالي، والتعاطف، كوسائل لإدارة الصفوف الرقمية وبناء مناخٍ عاطفي آمن. وثالثًا، توظيف مفاهيم النظرية البنائية الاجتماعية عند Vygotsky (1978) في فهم كيفية تشكّل الخبرة التعليمية عبر الحوار والتفاعل والدعم المتبادل في البيئة الرقمية. (CASEL, 2021)
كما تهدف الدراسة إلى الكشف عن التحديات المهنية والوجدانية والاجتماعية التي تواجه المعلّمين العرب أثناء دمجهم للأبعاد الوجدانية بالتقنيات التعليمية. هذه التحديات قد تتصل بعوامل ذاتية كالإرهاق المهني وضعف التدريب على مهارات الذكاء العاطفي، أو بعوامل بنيوية مثل غياب الدعم المؤسسي أو محدودية الموارد الرقمية المكيّفة ثقافيًا. ومن خلال تحليل السرديات الشخصية للمعلّمين، تسعى الدراسة إلى توثيق هذه التحديات بوصفها جزءًا من التجربة الإنسانية للمعلّم في ظل التحول الرقمي.
- وأخيرًا، ترمي الدراسة إلى استجلاء الأثر الذي يلحظه المعلّمون في طلبتهم نتيجة هذا الدمج بين العاطفة والتقنية، سواء في مستوى رفاههم النفسي والاجتماعي، أو في قدرتهم على التعاون، أو في مشاركتهم في الصفوف الرقمية. وتُختتم الأهداف بمحاولة صياغة رؤية تطبيقية لتطوير برامج تدريب واستكمال مهني في مراكز “البيسجا”، تسعى إلى تمكين المعلّمين من دمج الكفايات العاطفية والاجتماعية في الممارسات التعليمية الرقمية، بما يتماشى مع القيم التربوية والإنسانية الفلسطينية . (UNESCO, 2023; OECD, 2024)
أهمية الدراسة
تنبع أهمية هذه الدراسة من موقعها عند تقاطع التربية الرقمية والتربية الوجدانية في السياق العربي والفلسطيني، ومن مساهمتها في تقديم نموذج معرفي جديد يُعيد التوازن بين “العقل الرقمي” و“القلب الإنساني” في التعليم. تأتي هذه الأهمية على مستويين متكاملين: نظري وتطبيقي.
الأهمية النظرية
تمثّل هذه الدراسة إضافة نوعية إلى الأدبيات التربوية من خلال دمجها بين أطرٍ نظرية متعدّدة في سياقٍ محليّ لم يُدرَس بعمق من قبل. فهي تستند إلى إطار CASEL بوصفه المرجعية العالمية في مجالات التعلّم الاجتماعي–العاطفي، وتربطه بنظريات Goleman في الذكاء العاطفي التي تسلّط الضوء على إدارة الانفعالات والعلاقات الإنسانية في المواقف المهنية. كما تتقاطع مع نظرية Bandura في التعلم الاجتماعي التي تؤكد أهمية النمذجة والتفاعل كمصدر أساسي للتعلم، ومع النظرية البنائية الاجتماعية لـ Vygotsky التي تُبرز دور البيئة الثقافية في تشكّل المعرفة.
من هذا المنطلق، تساهم الدراسة في توسيع نطاق تطبيق هذه النظريات في البيئة الفلسطينية الرقمية، لتقدّم نموذجًا معرفيًا جديدًا هو “التعلّم الوجداني–الرقمي الإنساني ” (Digital Humanistic SEL)، حيث يصبح الإنسان، لا الأداة، هو محور العملية التربوية. إنّ هذا الدمج بين الوجداني
والرقمي يُعيد للتربية بُعدها الإنساني في زمنٍ هيمنت فيه التكنولوجيا، ويطرح تساؤلاتٍ فلسفية حول معنى التعليم والاتصال والتفاعل في عصر الذكاء الاصطناعي.
إضافة إلى ذلك، تسعى الدراسة إلى إثراء المنهج النوعي في الدراسات العربية، من خلال التركيز على الخبرة الإنسانية للمعلّم بوصفها مصدرًا للمعرفة النظرية. فبدلًا من النظر إلى المعلّمين كموضوع للبحث، تُعاملهم هذه الدراسة بوصفهم منتجي معرفة تربوية يمتلكون رؤى وتصورات قادرة على إعادة صياغة الخطاب التربوي. هذه المقاربة تستند إلى فلسفة البحث التفسيري التي ترى أن الحقيقة الاجتماعية تُبنى بالتفاعل والتأويل، لا بالقياس فقط. (UNESCO, 2023; OECD, 2024)
الأهمية التطبيقية
على المستوى التطبيقي، تأتي أهمية هذه الدراسة من كونها تستجيب لاحتياجاتٍ واقعية في الحقل التربوي العربي داخل الخط الأخضر، حيث عبّر المعلّمون خلال برامج التطوير المهني (البيسجا) عن حاجتهم الماسّة إلى تدريب نوعي في مجالات الذكاء العاطفي والوعي الاجتماعي وإدارة الذات. ومن خلال تجربتي كمستشارة تنظيمية ومحاضِرة مرافقة للطواقم التربوية، تبيّن أن غالبية الاستكمالات تركّز على الجانب التقني والإداري، في حين يُهمَل البعد الإنساني الذي يُشكّل أساس القيادة التربوية الفعّالة.
من هنا، تقدّم الدراسة مخرجاتٍ قابلة للتطبيق العملي، يمكن توظيفها في تصميم برامج تدريبية تربط بين الكفايات الوجدانية والمهارات الرقمية، بحيث تُدرَّب الطواقم التعليمية على أساليب دمج التعاطف والاتصال الإنساني في بيئات التعليم الإلكتروني. كما تُقدّم مؤشرات عملية لتقييم الأداء المهني من منظورٍ شموليّ يدمج الكفاءة التقنية والذكاء العاطفي في آنٍ واحد.
علاوة على ذلك، تفتح هذه الدراسة المجال أمام صُنّاع القرار في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية لتطوير سياسات تعليمية رقمية تراعي البعد الإنساني والثقافي للمدرسة العربية. فإدماج مهارات SEL في التعليم الرقمي يمكن أن يعزّز رفاه الطالب والمعلّم معًا، ويحدّ من ظواهر التوتّر والإرهاق المهني، ويُعيد بناء ثقافة مدرسية تقوم على الاحترام المتبادل والدعم الوجداني.
وفي المجمل، تمثّل هذه الدراسة جسرًا بين النظرية والممارسة، وبين المحلي والعالمي، حيث تسعى إلى أن تكون نموذجًا لفهمٍ تربويّ جديد يتصالح فيه الذكاء العاطفي مع التكنولوجيا، وتلتقي فيه القيم الإنسانية مع مهارات القرن الحادي والعشرين في مدرسةٍ فلسطينية رقمية–وجدانية–إنسانية . (UNESCO, 2023; OECD, 2024)
محددات الدراسة وحدودها
تسعى هذه الدراسة النوعية إلى تقديم فهمٍ عميق لتصوّرات المعلّمين العرب في الداخل الفلسطيني حول دمج التعلّم الاجتماعي–العاطفي والرقمي في التعليم. وانطلاقًا من طبيعتها التفسيرية، كان لا بدّ من تحديد الحدود والمحددات التي تُؤطر مجال البحث، وتوضح نطاقه الواقعي والمنهجي.
على الصعيد المكاني، تجرى هذه الدراسة في المدارس العربية داخل الخط الأخضر، أي في مناطق الداخل الفلسطيني، وهي بيئة تعليمية تتّسم بخصوصية ثقافية ولغوية واجتماعية تجعلها مختلفة عن السياقات التعليمية الأخرى. يعيش المعلّم العربي في هذه البيئة بين نظام تعليمي رسمي متأثر بالتحولات الرقمية العالمية من جهة، وبين سياق ثقافي محلي يحمل قيم الانتماء والهوية من جهة أخرى. هذه الازدواجية تشكّل مسرحًا غنيًا لفهم العلاقة بين التكنولوجيا والإنسانية في التعليم العربي الفلسطيني، إذ يصبح المعلم وسيطًا بين عالمين: عالم التقنية الحديثة وعالم القيم الاجتماعية والتربوية الراسخة.
أما من حيث الحدود الزمانية، فتتناول الدراسة الفترة الأكاديمية 2025–2026، وهي مرحلة تشهد تسارعًا في إدماج التكنولوجيا في التعليم وتوسّعًا في استخدام أدوات التعلّم الإلكتروني في المدارس العربية، لا سيما بعد التحولات التي فرضتها جائحة كوفيد–19. وتمثّل هذه المرحلة الزمنية نقطة محورية لإعادة التفكير في فلسفة التعليم ودور المعلّم في ظل البيئة الرقمية، حيث تبرز الحاجة إلى ممارسات جديدة تجمع بين الكفايات التقنية والمهارات العاطفية والاجتماعية.
أما بالنسبة إلى الحدود البشرية، فتتمثل في مجموعة من المعلّمين والمعلّمات العرب العاملين في مراحل تعليمية مختلفة (ابتدائية، إعدادية، وثانوية) ممن لديهم خبرة في استخدام التعليم الرقمي أو شاركوا في برامج تطوير مهني رقمية مثل استكمالات “البيسجا”. تم اختيار العينة بأسلوب قصدي بهدف تحقيق تنوع في الخلفية المهنية والتربوية والموقع الجغرافي، وذلك لأن الغاية ليست تمثيلًا إحصائيًا بقدر ما هي تنوّع في التجربة الإنسانية يتيح الغوص في المعاني المتعددة التي يبنيها المعلمون حول الدمج بين الوجداني والرقمي.
وفيما يتعلق بـ الحدود الموضوعية، تقتصر الدراسة على استكشاف تصوّرات وتجارب المعلّمين حول مفهوم الدمج بين التعلّم الاجتماعي–العاطفي والرقمي، ولا تمتد إلى قياس الأثر الكمي أو دراسة التحصيل الأكاديمي للطلبة. الهدف هو فهم كيف يفسّر المعلّمون هذا الدمج، وما المعاني التي يمنحونها له في ضوء تجاربهم الشخصية والمهنية، وكيف تنعكس هذه التصوّرات على ممارساتهم التربوية اليومية.
أما المحددات المنهجية، فتنبع من طبيعة المنهج النوعي الذي يعتمد على الفهم التفسيري للظواهر الإنسانية. وبما أنّ الباحثة تعمل في المجال التربوي كمستشارة تنظيمية وأخصائية اجتماعية، فإنّ موقعيتها قد تؤثر في عملية التفسير والتحليل، لكنها في الوقت نفسه تضيف عمقًا في الفهم وسياقًا في القراءة. لذلك ستُستخدم استراتيجيات ضمان الصدق النوعي مثل التثليث (Triangulation) ، والتحقق من المشاركين (Member Checking)، ومراجعة الأقران (Peer Debriefing) لضمان الموثوقية والموضوعية.
مصطلحات الدراسة
تستند الدراسة إلى مجموعة من المفاهيم التربوية التي تُشكّل الأساس النظري والتحليلي لفهم الظاهرة، ولضمان الوضوح المفاهيمي، تُعرّف أهم المصطلحات المستخدمة مفاهيميًا وإجرائيًا كما يلي:
يشير مفهوم التعلّم الاجتماعي–العاطفي (Social–Emotional Learning – SEL) إلى عملية تربوية مستمرة تهدف إلى تنمية الكفايات الاجتماعية والعاطفية التي تمكّن الأفراد من الوعي بذواتهم، وتنظيم انفعالاتهم، والتعاطف مع الآخرين، وبناء علاقات إيجابية، واتخاذ قرارات مسؤولة (CASEL, 2023). في الإطار الإجرائي لهذه الدراسة، يُقصد به الممارسات التربوية التي يقوم بها المعلّمون لتعزيز التفاعل الإنساني والوجداني في الصفوف الرقمية، مثل الإصغاء النشط، والتعبير عن المشاعر، وتنظيم الانفعالات أثناء استخدام المنصات الإلكترونية . (CASEL, 2023)
أما التعلّم الرقمي (Digital Learning) فهو مفهوم يشير إلى نمط من أنماط التعليم يقوم على توظيف التكنولوجيا الرقمية كوسيط للتعلّم والتفاعل، من خلال منصات وبرامج تعليمية تتيح التواصل المتزامن وغير المتزامن. وقد حددت تقارير OECD (2025) أنّ التعلم الرقمي لم يعد مجرد وسيلة تقنية بل أصبح فضاءً اجتماعيًا جديدًا يُعيد تعريف أدوار المعلّم والمتعلّم. وفي هذه الدراسة، يُقصد بالتعلّم الرقمي البيئة الافتراضية التي يستخدمها المعلّم العربي لإدارة العملية التعليمية، وتشكيل تفاعلات وجدانية واجتماعية مع طلبته عبر الوسائط التقنية. (UNESCO, 2023; OECD, 2024)
ويُستخدم مفهوم الدمج (Integration) هنا بمعناه التربوي، أي توحيد مكونات معرفية وعاطفية وتقنية داخل ممارسة واحدة، بحيث تُصبح الكفايات الوجدانية جزءًا أصيلًا من العملية الرقمية. وتُعرّف الباحثة الدمج إجرائيًا على أنه التفاعل المتوازن بين الكفايات التقنية والمهارات العاطفية والاجتماعية في الممارسات الصفّية للمعلمين، بما يسمح بتحقيق تعليم رقمي إنساني.
أما الذكاء العاطفي (Emotional Intelligence)، كما حدده Goleman (1995)، فيتمثل في القدرة على التعرف على المشاعر وفهمها وإدارتها بفعالية في الذات والآخرين. وفي سياق البحث الحالي، يُقصد به قدرة المعلّم على إدارة انفعالاته وتوظيفها في بناء تواصل إيجابي مع الطلبة في البيئة الرقمية، بحيث تصبح مهارات مثل التعاطف، وتنظيم الانفعال، والإصغاء جزءًا من الممارسة التعليمية اليومية . (Goleman, 1995)
ويشير مصطلح الرفاه التربوي (Educational Well-being) إلى الحالة النفسية والاجتماعية التي يشعر فيها المعلّم والطالب بالأمان والدافعية والانتماء داخل بيئة التعليم. وفقًا لتقارير OECD (2024) وUNESCO (2023)، يُعتبر الرفاه ركيزة أساسية لجودة التعليم. وتُعرّفه الباحثة إجرائيًا من خلال المؤشرات التي يعبّر عنها المعلّمون مثل الرضا المهني، والطمأنينة النفسية، والقدرة على التفاعل الإيجابي في الصف الرقمي.
الإطار النظري للدراسة
يُعد الإطار النظري الركيزة الفكرية التي تُوجّه منهجية البحث وتفسير نتائجه، فهو العدسة التي من خلالها تُفهم الظواهر التربوية وتُقرأ التجارب الإنسانية. يعتمد هذا البحث على تكاملٍ بين الأطر التربوية الحديثة والنظريات الإنسانية الكلاسيكية التي تربط التعلم بالوجدان والتفاعل الاجتماعي.
يرتكز الإطار النظري على نموذج CASEL الذي يُعد المرجعية العالمية للتعلّم الاجتماعي–العاطفي. فقد حدد هذا الإطار خمس كفايات أساسية (الوعي الذاتي، الإدارة الذاتية، الوعي الاجتماعي، مهارات العلاقات الإيجابية، واتخاذ القرار المسؤول). هذه الكفايات ليست مفاهيم منفصلة بل مكونات متكاملة تشكّل الأساس لبناء شخصية الطالب والمعلم على حدٍّ سواء. تُستخدم هذه الكفايات في الدراسة لفهم كيف يمكن للمعلمين العرب ترجمتها إلى ممارسات واقعية في البيئات الرقمية، مثل تنمية التعاطف الرقمي، وتعزيز الانتماء عبر المنصات التعليمية، وبناء ثقافة تواصل وجداني رغم البعد التقني(CASEL, 2023)
وفي سياق متصل، تسند الدراسة تحليلها إلى نظرية الذكاء العاطفي التي طوّرها Goleman (1995)، والتي تفترض أنّ الكفايات العاطفية — كالوعي بالذات وضبط الانفعال والتعاطف — تُشكّل عوامل حاسمة في فعالية المعلم وفي رفاهه المهني. حيث تتكامل هذه النظرية مع نموذج CASEL لتوضيح كيف يمكن للمعلّم أن يوظف مهاراته العاطفية في التعامل مع التحديات التقنية والتواصلية التي تفرضها البيئة الرقمية . (Goleman, 1995)
كما تستند الدراسة إلى نظرية التعلّم الاجتماعي لـ Bandura (1986) التي تؤكد على دور الملاحظة والتفاعل والنمذجة في بناء السلوك الإنساني. في ضوء هذه النظرية، يصبح المعلّم في الصف الرقمي نموذجًا سلوكيًا ووجدانيًا يُحتذى به من قبل الطلبة، إذ يتعلّمون منه ليس فقط المحتوى المعرفي بل أيضًا كيفية إدارة الحوار والانفعال والاحترام المتبادل . (OECD, 2024; Schonert-Reichl, 2019)
أما النظرية البنائية الاجتماعية لـ Vygotsky (1978) فتوفّر إطارًا لفهم التعلّم بوصفه عملية تفاعلية اجتماعية تُبنى من خلال الحوار والدعم داخل “منطقة النمو القريب”. ويُستفاد من هذه النظرية في تفسير كيف يخلق المعلّم الفلسطيني بيئة رقمية تفاعلية تُمكّن الطلبة من التعلّم المشترك والتعبير العاطفي. كما تُبرز دور الثقافة واللغة في تشكيل الممارسات التربوية الرقمية.( Vygotsky,1978)
ويُختتم الإطار النظري بمفهوم التعلّم الاجتماعي–العاطفي الرقمي (Digital SEL) الذي يُعد من الاتجاهات الحديثة في التربية المعاصرة. وفقًا لتقارير UNESCO (2024,2025) وOECD (2025) ، فإن التعليم الرقمي المستقبلي لا يكتمل إلا بدمج المهارات الوجدانية والاجتماعية في بيئة رقمية عادلة وإنسانية. تسعى هذه الدراسة إلى تقديم قراءة فلسطينية عربية لهذا المفهوم، من خلال فهم كيف يُعيد المعلّم العربي بناء هويته التربوية في فضاء رقمي دون أن يفقد حسّه الإنساني والثقافي . (OECD, 2024; Schonert-Reichl, 2019)
ومن خلال هذا الإطار النظري المتكامل، تسعى الدراسة إلى بناء جسر بين التقنية والعاطفة، وبين المعرفي والإنساني، في محاولة لتأسيس رؤية تربوية فلسطينية تُعيد الاعتبار للوجدان في عصر الرقمنة.
دراسات سابقة
يشكّل هذا القسم الأساس المعرفي للدراسة الحالية، إذ يعرض أبرز البحوث التي تناولت موضوع التعلّم الاجتماعي–العاطفي (SEL) والتعلّم الرقمي (Digital Learning) وعمليات الدمج بينهما، سواء في السياقات العربية أو الأجنبية. تهدف المراجعة إلى إبراز الاتجاهات البحثية الحديثة وتحديد موقع الدراسة الحالية ضمنها.
الدراسات السابقة (مرتبة زمنيًا من الأقدم إلى الأحدث )
تُظهر مراجعة الأدبيات التربوية أن الاهتمام بالتعلّم الاجتماعي–العاطفي بدأ بالتبلور بشكل منهجي منذ العقدين الأخيرين، ثم تطوّر لاحقًا ليشمل دور المعلّم، وأخيرًا اندمج مع قضايا التعليم الرقمي والرفاه المدرسي. وقد شكّل هذا التطور المتدرّج أرضية نظرية لفهم العلاقة بين البعد الوجداني والتحولات التربوية المعاصرة.(Durlak et al., 2011)
تُعد دراسة Durlak et al. (2011) من الدراسات التأسيسية في مجال التعلّم الاجتماعي–العاطفي، إذ قدّمت تحليلًا تجميعيًا شمل أكثر من 200 دراسة تناولت أثر برامج SEL في المدارس. وأظهرت نتائج التحليل أن تطبيق هذه البرامج أسهم في تحسين التحصيل الأكاديمي للطلبة، إلى جانب تقليل السلوكيات السلبية وتعزيز مؤشرات الرفاه النفسي والاجتماعي، مؤكدة أن المهارات الاجتماعية–العاطفية تُعد عنصرًا جوهريًا في العملية التعليمية .(Durlak et al., 2011)
وفي السياق العربي، تناولت دراسة الحسين (2020) دور التعاطف في بناء العلاقات الصفية داخل المدارس العربية، حيث ركّزت على أثر العلاقات الوجدانية الإيجابية بين المعلّم والطلبة في تحسين المناخ التربوي ورفع الدافعية للتعلّم. وخلصت الدراسة إلى أن التعاطف يُعد مكوّنًا أساسيًا في الممارسة التربوية الفعّالة، مع التأكيد على ضرورة دمج هذه المهارات ضمن برامج إعداد المعلّمين. (الحسين، 2020(
كما هدفت دراسة عبيدات (2021) إلى الكشف عن مستوى الذكاء العاطفي لدى المعلّمين الأردنيين وعلاقته بالممارسات الصفية وأساليب إدارة الصف. وأظهرت النتائج وجود علاقة إيجابية دالّة بين مستوى الذكاء العاطفي وجودة التفاعل الصفي وتنظيم البيئة التعليمية، ما يعزّز أهمية البعد الوجداني في الأداء المهني للمعلم، رغم اعتماد الدراسة المنهج الكمي. (عبيدات، 2021)
وفي دراسة ركّزت على المعلّم بوصفه محور العملية التعليمية، ناقشت Schonert-Reichl (2019) العلاقة بين التعلّم الاجتماعي–العاطفي ودور المعلّمين، مشيرة إلى أن المعلّمين الذين يمتلكون مستويات مرتفعة من الوعي العاطفي والتعاطف يسهمون في خلق بيئات صفية أكثر دعمًا ودفئًا. وأكدت الدراسة ضرورة إدراج مهارات SEL ضمن برامج إعداد المعلّمين .(Schonert-Reichl, 2019)
وفي سياق فلسطيني حديث، قدّمت قاسم (2024) مراجعة تحليلية تناولت أثر التربية الرقمية على الرفاه النفسي في المدارس الفلسطينية، وخلصت إلى أن الاستخدام المكثف للتكنولوجيا دون مرافقة وجدانية قد يؤدي إلى العزلة وضعف التفاعل الإنساني. واقترحت الدراسة نموذج “التربية الرقمية الإنسانية” الذي يدعو إلى دمج القيم الوجدانية ضمن الممارسات الرقمية. (قاسم، 2024)
ومع تطوّر النقاش العالمي حول التعليم الرقمي، تناول تقرير OECD (2024) التعليم في العصر الرقمي من منظور شامل، مؤكدًا أن التحول الرقمي ينبغي أن يُرافقه تعزيز لكفايات الرفاه والذكاء العاطفي لدى المعلّمين والطلبة. وقد قدّم التقرير مفهوم Digital Well-being بوصفه ركيزة أساسية في السياسات التعليمية المستقبلية. (OECD, 2024)
تعقيب عام على الدراسات السابقة
يتّضح من استعراض الدراسات السابقة أن الأدبيات التربوية أكدت بشكل متزايد أهمية التعلّم الاجتماعي–العاطفي ودور المعلّم في إنجاحه، كما بدأت الدراسات الحديثة بالتركيز على دمج هذه الأبعاد ضمن التعليم الرقمي. ومع ذلك، تُظهر هذه الأدبيات نقصًا في الدراسات النوعية التي تستكشف تجارب المعلمات العربيات في الداخل الفلسطيني بصورة تفسيرية معمّقة، لا سيما فيما يتعلق بدمج البعد الوجداني في التعليم الرقمي ضمن سياق ثقافي وتربوي خاص، وهو ما تسعى الدراسة الحالية إلى معالجته. (Schonert-Reichl, 2019) (قاسم، 2024 (OECD, 2024)
تشير المراجعة التحليلية للدراسات السابقة إلى وجود فجوة معرفية واضحة بين ما تناولته الأبحاث العالمية والعربية. فقد أظهرت الدراسات الأجنبية – خصوصً (Durlak et al., 2011) و (Schonert-Reichl, 2019) و(OECD, 2024) اهتمامًا متزايدًا ببناء نماذج تكاملية بين البعد الوجداني والتعليم التقني، مع تركيزٍ على تدريب المعلّمين ودعم رفاههم المهني كشرطٍ أساسيّ لنجاح الدمج بين العاطفة والرقمنة. في المقابل، تبيّن أن معظم الدراسات العربية اقتصرت على تناول الذكاء العاطفي والعلاقات الصفية كظواهر مستقلة، ولم تتناول بعدُ العلاقة الجدلية بين الوجداني والرقمي أو تحليل التجربة الإنسانية للمعلّم في هذا السياق.
كما يُلاحظ من مراجعة الأدبيات العربية أن غالبية الدراسات التي تناولت قضايا الذكاء العاطفي أو العلاقات الصفية أو المناخ التربوي قد اعتمدت المنهج الكمي الوصفي، وركّزت على قياس المتغيرات وبناء العلاقات الإحصائية بينها، كما يظهر في دراسات مثل عبيدات (2021) والحسين (2020). ورغم أهمية هذه الدراسات في تقديم مؤشرات عامة، إلا أنها تظل محدودة في قدرتها على الكشف عن العمق الإنساني للتجربة التعليمية، ولا تتيح فهماً معمقًا للمعاني التي يبنيها المعلّمون حول ممارساتهم اليومية. وتشير أدبيات البحث التربوي إلى أن الاعتماد المفرط على الاستبيانات والأدوات الكمية قد يُغفل السياق الثقافي والانفعالي الذي تتشكل داخله التجربة التربوية، خاصة في البيئات المعقّدة والمتنوعة ثقافيًا (Creswell & Poth, 2018). وعليه، تبرز حاجة الحقل التربوي العربي إلى دراسات نوعية تفسيرية تسعى إلى فهم التجربة التعليمية من منظور المعلّم نفسه، من خلال الاستماع إلى صوته وتحليل خبراته وسياقاته، لا الاكتفاء بالبيانات الرقمية، وهو ما تسعى الدراسة الحالية إلى الإسهام فيه. (الحسين، 2020؛ عبيدات، 2021؛ Creswell & Poth, 2018)
إضافة إلى ذلك، تشير مراجعة الدراسات الأجنبية إلى أنها، رغم عمقها النظري ومنهجياتها المتقدمة في تناول التعلّم الاجتماعي–العاطفي والتعليم الرقمي، قد أُجريت في سياقات ثقافية غربية تختلف من حيث القيم التربوية، وبنية النظام التعليمي، وأنماط العلاقات بين المعلّم والطالب، عن السياق العربي الفلسطيني. وتؤكد أدبيات البحث التربوي أن السياق الثقافي واللغوي والاجتماعي يؤثر بصورة مباشرة في طبيعة التفاعل التربوي، وفي مفهوم الرفاه المهني للمعلم، وفي كيفية تمثّل الممارسات التعليمية وتفسيرها (Vygotsky, 1978; Creswell & Poth, 2018). كما تشير تقارير دولية حديثة إلى أن نماذج التعليم الرقمي والرفاه المدرسي لا يمكن نقلها بشكل آلي بين السياقات دون مراعاة الخصوصيات الثقافية المحلية (OECD, 2024). وعليه، تأتي الدراسة الحالية لتسدّ هذه الفجوة المعرفية من خلال تحليل أصوات المعلّمين العرب في الداخل الفلسطيني، وتفسير معاني الدمج بين البعد الوجداني والبعد الرقمي في بيئة تعليمية محلية ذات خصوصية ثقافية واجتماعية.(Vygotsky, 1978; Creswell & Poth, 2018; OECD, 2024)
ومن الناحية النظرية، تضيف هذه الدراسة منظورًا نقديًا جديدًا إلى الأدبيات من خلال دمج إطار CASEL للتعلّم الاجتماعي–العاطفي مع نظريات Goleman وBandura و Vygotsky في تفسير السلوك التربوي الرقمي للمعلّم العربي. ومن الناحية التطبيقية، تهدف إلى صياغة نموذج فلسطيني للتربية الرقمية–الوجدانية يمكن أن يُسهم في تطوير برامج إعداد وتدريب مهني أكثر تكاملًا وإنسانية.
بناءً على ما سبق، يُمكن القول إن هذه الدراسة تتميّز عن الدراسات السابقة في ثلاثة أبعاد رئيسية:
- تبنّيها المنهج النوعي التفسيري لفهم التجربة الإنسانية للمعلّم، لا قياسها كمّيًا.
- تناولها للدمج بين التعلّم الاجتماعي–العاطفي والتعلّم الرقمي في سياق عربي فلسطيني، وهو مجال لم يُبحث سابقًا بعمق.
- ربطها بين الأطر العالمية والنظريات التربوية الإنسانية من جهة، والخصوصية الثقافية للمعلّم العربي من جهة أخرى، لتقدّم فهمًا تأويليًا أصيلًا لتجربة التعليم في الداخل الفلسطيني.
منهج الدراسة وتصميمها
انطلاقًا من طبيعة المشكلة البحثية وأهداف الدراسة، التي تسعى إلى استكشاف تصوّرات المعلّمين العرب في الداخل الفلسطيني واتجاهاتهم المستقبلية نحو دمج التعلّم الاجتماعي–العاطفي والرقمي في التعليم، تمّ اختيار المنهج النوعي التفسيري (Qualitative Interpretive Method) بوصفه الإطار الأكثر اتساقًا مع هدف الدراسة وطبيعتها.
فالدراسة لا تهدف إلى قياس الظاهرة بأدوات كمية أو إحصائية، بل إلى فهمها وتأويلها في سياقها الواقعي، انطلاقًا من الخبرات الذاتية والإنسانية للمعلّمين الذين يعيشون هذه التجربة يوميًا في المدارس العربية داخل الخط الأخضر.
المنهج النوعي، كما يؤكد Creswell & Poth (2018)، يقوم على فكرة أن الحقيقة الاجتماعية ليست موضوعًا جامدًا أو قابلاً للقياس العددي، بل هي بناءٌ إنساني يتشكّل من خلال اللغة والثقافة والتفاعل الاجتماعي.
وبما أن موضوع الدمج بين التعلم الوجداني والرقمي يتداخل فيه الجانب التقني بالإنساني، فإن هذا المنهج يمكّن الباحثة من الغوص في عمق التجربة لفهم كيف يفسّر المعلمون معنى “الدمج”، وكيف يعبّرون عن مشاعرهم وتجاربهم أثناء ممارسته.
يرتكز هذا البحث على المنظور الفلسفي التأويلي (Interpretivist Paradigm) الذي ينظر إلى الواقع بوصفه ظاهرة متعددة المعاني تتشكّل من خلال الخبرة الإنسانية والتفاعل الاجتماعي.
يستند هذا المنظور إلى أعمال فلاسفة مثل Dilthey وGadamer الذين أكّدوا أن فهم الظواهر الإنسانية لا يتحقق بالملاحظة الخارجية فحسب، بل بـ “الدخول إلى عالم التجربة الداخلية للفرد” وفهمها من وجهة نظره. وهذا يتقاطع مع رؤية Vygotsky الذي اعتبر أن المعنى يُبنى اجتماعيًا داخل التفاعل الثقافي واللغوي.
في هذا الإطار، تتعامل الباحثة مع المعلّمين لا كمصادر للبيانات، بل كشركاء في بناء المعرفة؛ فكل معلّم يقدّم سردًا لتجربته الخاصة يُسهم في تشكيل الفهم الكلي للظاهرة.
هذه المقاربة تجعل البحث نوعيًا تفسيريًا في جوهره، إذ يسعى إلى كشف المعاني الرمزية والعاطفية التي يربطها المعلمون بممارساتهم المهنية في بيئات التعليم الرقمية.
تقوم فلسفة المنهج النوعي على ما يُعرف بـ “العودة إلى الخبرة الحيّة ” (Lived Experience)، أي محاولة فهم الظواهر كما تُعاش من قبل الأفراد.
ولأن موضوع الدمج بين التعلّم الاجتماعي–العاطفي والرقمي يمسّ تجربة المعلّم في أعمق مستوياتها الوجدانية والمهنية، فإن هذا المنهج يوفّر المجال لاستكشاف التجربة كما هي في وعي المعلّمين وليس كما تُفترض في الأدبيات أو النظريات.
ويسمح كذلك بتتبع البنية الشعورية والانفعالية التي تصاحب عملية التدريس الرقمي، وفهم الطريقة التي يُعيد بها المعلمون بناء هويتهم المهنية ضمن هذا الواقع الجديد.
إضافة إلى ذلك، فإن البحث النوعي يتيح للباحث التفاعل الحي مع المشاركين من خلال المقابلات المتعمّقة، ما يسمح بجمع بيانات ثرية تعكس أصواتهم وخبراتهم.
ولأني كباحثة اعمل في المجال التربوي كمستشارة تنظيمية وأخصائية اجتماعية، فإن موقعي القريب من الميدان يمنحني قدرة فريدة على بناء علاقة ثقة مع المشاركين، وفهم اللغة الثقافية والانفعالية التي يعبّرون بها عن تجاربهم.
التصميم المعتمد للدراسة
تمّ اعتماد التصميم النوعي التفسيري التحليلي (Interpretive–Analytic Design)، وهو تصميم يركّز على بناء معنى الظواهر من خلال تحليل تجارب الأفراد وتفسيرها في ضوء السياق الاجتماعي والثقافي الذي يعيشون فيه.
كما يستفيد البحث من بعض مبادئ المنهج الظاهراتي (Phenomenology) الذي يسعى إلى وصف الخبرة كما تُعاش، مع تجاوز الوصف إلى التأويل الذي يُبرز المعاني الأعمق لهذه التجارب.
في هذا التصميم، تُعَدّ المقابلات شبه المهيكلة الأداة الأساسية لجمع البيانات، حيث يُتاح للمشاركين سرد قصصهم وتجاربهم بحرية، بينما تقوم الباحثة بتوجيه الحوار بأسئلة مفتوحة تكشف عن أبعاد التجربة الفكرية والوجدانية.
بعد ذلك، تخضع البيانات لعملية تحليل موضوعاتي (Thematic Analysis) وفق نموذج Braun & Clarke (2021)، بهدف استخراج الموضوعات الرئيسة التي تعبّر عن الأنماط المشتركة في تجارب المعلّمين.
حدود الدراسة ومحدداتها
تُحدِّد هذه الدراسة الأطر التي عملتُ ضمنها من حيث المكان والزمان والعينة البشرية والمجال الموضوعي والمنهج المتّبع. إنّ تحديد الحدود والمحددات في البحث النوعي لا يهدف إلى تقييد الدراسة بقدر ما يعبّر عن الوعي المنهجي والشفافية العلمية في توصيف سياق البحث ومجاله، ويُظهر إدراكي كباحثة لموقع الدراسة ضمن الحقل الأكاديمي والعملي في التربية.
اولًا: الحدود المكانية
أجريتُ هذه الدراسة في المدارس العربية داخل الخط الأخضر (الداخل الفلسطيني)، وهي بيئات تربوية تعمل في سياق اجتماعي وثقافي فريد تتقاطع فيه اللغة العربية والهوية الفلسطينية مع منظومة تعليمية رسمية ذات مرجعية مختلفة.
اخترتُ هذا السياق انطلاقًا من تجربتي العملية الطويلة كمستشارة تنظيمية ومرافقة طواقم تربوية في برامج “البيسجا”، حيث لاحظتُ وجود فجوة واضحة بين التحوّل الرقمي السريع في المدارس العربية وبين الاهتمام بالأبعاد الوجدانية والإنسانية للتعلّم.
تُتيح هذه البيئة للمعلّم العربي اختبار توازن دقيق بين المحافظة على أصالة القيم الإنسانية والتربوية من جهة، والتكيّف مع الرقمنة ومتطلباتها من جهة أخرى، وهو ما يجعلها حقلًا خصبًا لفهم التفاعل بين التقنية والعاطفة في العملية التعليمية.
وقد شملت الدراسة مدارس من مناطق جغرافية مختلفة (الشمال – الجليل، المثلث، النقب)، مما أتاح لي الاطلاع على تجارب متنوعة من مدارس حضرية وقروية، حكومية وأهلية، تتباين في الموارد التكنولوجية والظروف الاجتماعية. هذا التنوع الجغرافي أغنى التحليل التأويلي، وأبرز الاختلاف في تمثّلات المعلّمين لمفهوم الدمج بين التعلّم الاجتماعي–العاطفي والرقمي تبعًا لسياقهم المحليّ.
ثانيًا: الحدود الزمانية
تم تنفيذ هذه الدراسة خلال العام الأكاديمي 2025–2026، وهي فترة تشهد استمرار التحوّل الرقمي في التعليم بعد جائحة كورونا، وتنامي النقاش العالمي حول رفاه المعلّم والمتعلّم في بيئات التعليم المدمج.
يمتاز هذا التوقيت بأنه مرحلة انتقالية يعيشها الميدان التربوي العربي داخل الخط الأخضر، إذ تزامنت مع تحولات مؤسسية في سياسات وزارة التربية والتعليم نحو رقمنة التعليم والتقييم والتدريب المهني.
من خلال عملي في الاستكمالات التربوية، لاحظتُ أن هذه المرحلة الزمنية كانت مليئة بالتجريب والتحدّي والبحث عن توازن بين المهارة التقنية والاتصال الإنساني. لذا فإن اختيار هذه الفترة لم يكن اعتباطيًا، بل لأنه يوفّر سياقًا ديناميكيًا حيًّا لفهم تجارب المعلّمين ومشاعرهم تجاه الرقمنة والدمج الوجداني في الممارسة الصفية.
كما أن هذا الإطار الزمني يعكس حساسية التحوّل: فالمعلّم العربي اليوم لا يعيش مرحلة “ما قبل الرقمنة” أو “ما بعدها”، بل مرحلة التحوّل المستمر، مما يجعل شهاداته وتجربته ذات قيمة تفسيرية عالية في رسم ملامح التربية المستقبلية.
ثالثًا: الحدود البشرية
اقتصرتُ في هذه الدراسة على عينة قصدية نوعية تكوّنت من (15) معلّمًا ومعلّمة يعملون في مدارس عربية داخل الخط الأخضر، موزعين على المراحل التعليمية الثلاث (ابتدائية – إعدادية – ثانوية).
تمّ اختيار المشاركين بعناية وفق معايير محددة، أهمها:
- امتلاكهم خبرة عملية في استخدام التكنولوجيا التعليمية.
- انخراطهم في برامج تطوير مهني أو استكمالات تربوية.
- استعدادهم للمشاركة في مقابلات متعمقة تعكس تجربتهم الذاتية.
جاء هذا الاختيار بناءً على مبدأ “الغنى المعلوماتي” (Information-Rich Cases) الذي يُعدّ جوهر العينة القصدية في البحوث النوعية (Patton, 2015) .
لم أسعَ إلى تمثيل المجتمع المدرسي إحصائيًا، بل إلى استكشاف عمق التجارب الفردية وتنوّعها حتى الوصول إلى ما يُعرف بـ “التشبّع المعرفي” (Theoretical Saturation)، أي النقطة التي لا تضيف فيها المقابلات الجديدة معاني جديدة إلى التحليل.
تميّزت العينة بتنوّعها المهني والجغرافي والعمري؛ فقد تراوحت سنوات الخبرة بين (3–25 سنة)، وشملت معلمين من تخصّصات مختلفة: اللغة العربية، التربية الإسلامية، العلوم، الرياضيات، والاستشارة التربوية. هذا التنوع أتاح لي فهماً متعدّد الأبعاد للظاهرة، وربطاً بين الخلفية المهنية والوعي العاطفي والرقمي، مما يعمّق القيمة التفسيرية للنتائج.
رابعًا: الحدود الموضوعية
انصبّ تركيزي في هذه الدراسة على تصوّرات وتجارب المعلّمين العرب في الدمج بين التعلّم الاجتماعي–العاطفي والتعلّم الرقمي، ولم أتطرّق إلى الجوانب الكمية مثل قياس التحصيل الدراسي أو المقارنة بين مناهج تعليمية.
جاء هذا التركيز انطلاقًا من قناعتي كباحثة نوعية بأن فهم التجربة الإنسانية من الداخل أهمّ من قياس الظواهر من الخارج.
أردتُ أن أستمع إلى أصوات المعلّمين أنفسهم، لا أن أفرض عليهم أدوات قياس جاهزة. لذلك اقتصرت الدراسة على البعد الوجداني والمهني للمعلّم في الممارسة الصفّية الرقمية، بوصفه محورًا رئيسًا في أي عملية تطوير تربوي حقيقي.
كما حددتُ إطار الدراسة ضمن موضوع الدمج ذاته دون التوسع في قضايا موازية مثل التعليم الافتراضي أو الذكاء الاصطناعي في التعليم، وذلك لتبقى الدراسة مركّزة وذات عمق في الظاهرة قيد البحث.
محددات الدراسة
المحددات تمثل العوامل التي قد تؤثر في قابلية تعميم النتائج أو في تفسيرها، لكنها لا تُنقص من القيمة العلمية للدراسة، بل تُظهر وعيي المنهجي بمواطن القوة والقيود في البحث.
المحددات المنهجية
اتبعتُ في هذا البحث المنهج النوعي التفسيري الذي يستند إلى الفلسفة التأويلية (Interpretivism)، ويهدف إلى فهم الظواهر من خلال المعاني التي يمنحها الأفراد لتجاربهم.
ولأن المنهج النوعي لا يسعى إلى التعميم الإحصائي، بل إلى التعميم التحليلي (Analytical Generalization) ، فإن نتائج هذه الدراسة تعبّر عن عمق التجربة الإنسانية أكثر مما تعبّر عن الاتجاهات العامة في المجتمع التربوي.
ومع ذلك، اتخذتُ إجراءات علمية لضمان المصداقية والاتساق المنهجي، منها:
- التثليث (Triangulation) عبر مقارنة البيانات من مصادر مختلفة (مقابلات، ملاحظات ميدانية، مراجعات أدبيات).
- التحقق من المشاركين (Member Checking) بمراجعة النصوص المفرغة معهم لضمان دقة نقل المعنى.
- مراجعة الأقران (Peer Review) من زملاء أكاديميين في المجال لضمان النزاهة والتحقق من سلامة التحليل.
- الاحتفاظ بدفتر تأملي (Reflexive Journal) يسجّل ملاحظاتي وموقفي كباحثة أثناء سير البحث، مما عزز وعيي الذاتي واحترز من التحيّز المهني أو العاطفي.
أدرك أن عملي كمستشارة تربوية ومحاضِرة قد يفتح لي أفقًا مميزًا لفهم الميدان، لكنه قد يجعلني عرضة لتوقّعات مسبقة؛ لذلك تعاملتُ مع هذا الموقع كمصدر ثراء تأويلي لا كتحيّز، مع ممارسة التأمل الذاتي المستمر في تحليل المعاني.
المحددات السياقية
تتمركز دراستي في سياق خاص هو المدارس العربية داخل الخط الأخضر، وهو سياق يحمل خصوصيات ثقافية وسياسية ولغوية تؤثر في بنية التعليم وتوجّهاته.
هذا الواقع يجعل من الصعب نقل النتائج حرفيًا إلى بيئات عربية أخرى تختلف في بنيتها التنظيمية أو الثقافية.
إلا أنني قدّمتُ وصفًا سميكًا (Thick Description) للسياق والميدان والمشاركين وإجراءات البحث، بحيث يستطيع القارئ تقييم مدى إمكانية نقل النتائج (Transferability) إلى سياقات مشابهة.
لقد تعاملتُ مع هذا المحدد ليس كقيد، بل كميزة؛ فهذه الدراسة تُسهم في إنتاج معرفة محلية فلسطينية يمكن أن تُثري النقاش العربي والعالمي حول الدمج بين الوجداني والرقمي في التعليم.
المحددات الأداتية
استخدمتُ المقابلات شبه المهيكلة (Semi-Structured Interviews) كأداة رئيسة لجمع البيانات، وهي أداة تتيح عمقًا إنسانيًا في فهم التجربة لكنها تعتمد على التفاعل بيني وبين المشاركين.
ولأن التفاعل الإنساني قد يتأثر بعوامل الثقة أو الثقافة أو اللغة، فقد حرصتُ على ما يلي:
- تهيئة جو آمن وغير حُكمِيّ للمقابلة.
- شرح هدف الدراسة للمشاركين قبل المقابلة والحصول على موافقتهم المستنيرة خطيًا.
- منحهم حرية الانسحاب في أي وقت دون أي تبعات.
- استخدام أسئلة مفتوحة مرنة تُشجّع على السرد والتأمل.
- تسجيل المقابلات (بعد الموافقة) وتفريغها بدقة كاملة، ثم مراجعتها لضمان سلامة المعنى.
أدرك أن الطبيعة الحوارية للأداة قد تتأثر بشخصيتي كباحثة، لذلك استخدمت التحليل الموضوعاتي المرن (Braun & Clarke, 2021) الذي يسمح بتتبّع المعاني عبر النصوص وليس عبر افتراضات مسبقة، مما يعزز الموثوقية المنهجية. (Braun & Clarke, 2021)
المحددات الشخصية
كمستشارة تنظيمية ومحاضِرة تربوية، أحمل تجربة غنية في مرافقة الطواقم التعليمية. هذه الخلفية المهنية شكّلت عدسة رؤيتي للبحث؛ فهي منحتني قدرة على فهم اللغة المهنية للمشاركين وقراءة انفعالاتهم، لكنها في الوقت نفسه فرضت عليّ مسؤولية عالية في ضبط موقعي كباحثة وتأمّل تأثيري في التفسير.
لذلك، التزمتُ بالموقعية الواعية (Researcher Positionality) التي ترى أن الوعي الذاتي ليس تهديدًا للحياد، بل شرط للفهم العميق. سجّلت تأملاتي بعد كل مقابلة حول المشاعر، والتحديات، والرؤى التي ظهرت أثناء التفاعل، ما ساعدني على الفصل بين خبرتي المهنية وتحليلي الأكاديمي.
إنّ تحديد هذه الحدود والمحددات يُبرز وعيي الأكاديمي بالسياق والمنهج والأداة، ويمنح القارئ صورة دقيقة عن مجال الدراسة وإمكانيات تطبيق نتائجها. لا أعتبر هذه المحددات قيودًا، بل أراها مكوّنًا من مكونات الصدق النوعي، لأنها تكشف كيف فهمتُ الظاهرة وكيف سعيتُ لتفسيرها من داخل واقعها، لا من خارجه. وبذلك أطمح أن تُمثّل دراستي إسهامًا في تطوير فهمٍ فلسطينيٍّ إنسانيٍّ لدمج التعلّم الاجتماعي–العاطفي والرقمي في التعليم العربي.
فصل النتائج
أظهرت نتائج المقابلات شبه المهيكلة التي أُجريت مع خمسة عشر معلم ومعلمة من مدارس عربية داخل الخط الأخضر درجة عالية من التشابه والتقاطع في التصورات والخبرات المتعلقة بدمج التعلّم الاجتماعي–العاطفي والتعلّم الرقمي. وقد دلّ هذا التقاطع على وجود إجماع نوعي حول مجموعة من القضايا المركزية، لا سيما أهمية التعليم الرقمي كواقع قائم، والحاجة إلى الموازنة بين البعد العاطفي–الاجتماعي والبعد التقني، إضافة إلى توظيف الفضاء الرقمي كأداة لفهم مشاعر الطلبة ودعمهم، وليس فقط كوسيلة لنقل المعرفة. وقد تم التوصّل إلى هذه النتائج من خلال التحليل الموضوعاتي الذي أفرز ثيمات رئيسة مشتركة بين جميع المشاركات.
الثيمة الأولى: التعليم الرقمي كضرورة تربوية وواقع لا يمكن تجاوزه
أجمعت المعلمات المشاركات على أن التعليم الرقمي لم يعد خيارًا بديلًا أو مرحلة عابرة، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من الواقع المدرسي المعاصر. فقد عبّرت المشاركات عن وعي واضح بأن التحول الرقمي فرض نفسه على المدرسة، وعلى دور المعلمة، وعلى أساليب التواصل مع الطلبة. وأكدت المعلمات أن تجاهل هذا الواقع أو مقاومته لا يخدم العملية التعليمية، بل يتطلب إعادة تعريف دور المعلمة داخل هذا العالم الجديد.
وأشارت المعلمات إلى أن التعليم الرقمي أتاح لهن أدوات متنوعة لتنظيم التعلم، والتواصل المستمر مع الطلبة، ومتابعة تقدمهم، خاصة في ظل التحديات الاجتماعية والظروف الطارئة. ومع ذلك، أكّدن أن القيمة الحقيقية للتعليم الرقمي لا تكمن في الأداة بحد ذاتها، بل في كيفية استخدامها.
“التعليم الرقمي مش مرحلة ونعدّيها، صار جزء من المدرسة ومن حياة الطالب” (م1)
“أنا شايفة إنه لازم نطوّر حالنا، لأن الطالب أصلاً عايش بالعالم الرقمي” (م4)
ويعكس هذا التوافق إدراكًا مهنيًا بأن التعليم الرقمي أصبح عنصرًا بنيويًا في الممارسة التربوية، وليس مجرد إضافة تقنية.
الثيمة الثانية: الموازنة بين البعد العاطفي–الاجتماعي والبعد الرقمي كقضية مركزية
برزت هذه الثيمة بوصفها إحدى أقوى الثيمات المشتركة بين جميع المقابلات. فقد شدّدت المعلمات على أن التحدّي الحقيقي في التعليم الرقمي لا يتمثل في إتقان المنصّات أو الأدوات، بل في الحفاظ على البعد الإنساني داخل الصف الرقمي. وأوضحت المشاركات أن التركيز المفرط على الجوانب التقنية قد يؤدي إلى تهميش مشاعر الطلبة واحتياجاتهم الاجتماعية.
وأكدت المعلمات أن العلاقة التربوية لا يمكن أن تُختزل في شاشة أو واجهة رقمية، وأن دور المعلمة يتجاوز تقديم المحتوى ليشمل الاحتواء، والدعم، وبناء الثقة. وقد عبّرت المشاركات عن محاولات واعية لتحقيق هذا التوازن، رغم صعوبة المهمة.
“بحس إنه إذا ركّزت بس على التكنولوجيا بنسى الطالب نفسه” (م2).
“المعادلة صعبة: كيف أكون منظمة رقميًا وموجودة إنسانيًا بنفس الوقت” (م5).
وتكشف هذه الإفادات عن وعي مهني عميق بأهمية الدمج المتوازن بين البعدين، وهو ما شكّل محورًا مشتركًا في جميع المقابلات.
الثيمة الثالثة: الفضاء الرقمي كمساحة للتعبير عن المشاعر والدعم النفسي
أظهرت النتائج أن المعلمات لا ينظرن إلى التعليم الرقمي فقط كأداة تعليمية، بل أيضًا كمساحة يمكن من خلالها الوصول إلى مشاعر الطلبة وفهم حالاتهم النفسية والاجتماعية. فقد أشارت المشاركات إلى أن بعض الطلبة يجدون في العالم الرقمي مساحة أكثر أمانًا للتعبير عن مشاعرهم، خاصة في الرسائل الخاصة أو التفاعلات غير العلنية.
وبيّنت المعلمات أن هذا النوع من التواصل أتاح لهن اكتشاف مشكلات لم تكن ظاهرة في الصف الوجاهي، مثل القلق، أو الانعزال، أو صعوبات اجتماعية مختلفة. وأكدن أن هذا الاكتشاف حمّلهن مسؤولية وجدانية إضافية تتطلب حساسية وتعاطفًا عاليين.
“في طلاب بحكوا لي أشياء بالخاص ما كانوا يحكوها بالصف” (م3).
“العالم الرقمي فتح باب أفهم فيه الطالبات نفسيًا مش بس دراسيًا” (م1).
وتشير هذه النتائج إلى أن الفضاء الرقمي يمكن أن يتحول، في ظل استخدام واعٍ، إلى أداة داعمة للصحة النفسية والعلاقة التربوية.
الثيمة الرابعة: الذكاء العاطفي كشرط لنجاح التعليم الرقمي
اتفقت جميع المعلمات على أن نجاح التعليم الرقمي مرتبط بدرجة كبيرة بامتلاك المعلمة لمهارات الذكاء العاطفي. فقد أكدت المشاركات أن إدارة المشاعر، وضبط الانفعالات، والتعامل مع الضغوط المهنية، تشكّل عناصر أساسية في قدرتها على إدارة الصف الرقمي وبناء علاقة إيجابية مع الطلبة.
وأوضحت المعلمات أن التعليم الرقمي يكشف بشكل أكبر عن قدرة المعلمة على التعامل مع ذاتها قبل تعاملها مع الآخرين، وأن غياب هذه المهارات قد يؤدي إلى توتر العلاقة التربوية وإضعاف أثر التعليم.
“التعليم الرقمي بخلّيك تواجه حالك أولًا” (م4).
“إذا أنا متوترة أو مضغوطة، الطلاب بحسّوا حتى من وراء الشاشة” (م2).
ويبرز من هذه الإفادات أن الذكاء العاطفي ليس مهارة إضافية، بل ركيزة أساسية في الممارسة التعليمية الرقمية.
الثيمة الخامسة: رؤية مشتركة نحو تعليم رقمي–إنساني متوازن
عبّرت المعلمات عن رؤية مستقبلية متقاربة تقوم على ضرورة بناء نموذج تربوي يدمج بين التكنولوجيا والإنسانية. فقد طالبت المشاركات بتطوير برامج تدريبية تركّز على الجوانب الوجدانية إلى جانب المهارات التقنية، وبأن يتم الاعتراف بالدور العاطفي للمعلّمة بوصفه جزءًا أصيلًا من مهنتها.
كما أكّدن أن التعليم الرقمي الناجح هو ذاك الذي يضع الإنسان في المركز، ويستخدم التكنولوجيا كوسيلة داعمة لا كغاية بحد ذاتها.
“بدنا تعليم رقمي بس يكون فيه روح” (م5).
“المستقبل للتعليم اللي بوازن بين العقل والقلب” (م1).
خلاصة موسّعة للنتائج
تُظهر نتائج هذه الدراسة وجود إجماع واضح بين المعلمات المشاركات حول أهمية التعليم الرقمي وضرورة دمجه بوعي مع البعد الاجتماعي–العاطفي. كما كشفت النتائج أن الفضاء الرقمي يمكن أن يشكّل فرصة لبناء علاقة تربوية داعمة والتعامل مع مشاعر الطلبة، شريطة أن تمتلك المعلمة مهارات الذكاء العاطفي اللازمة. وتعكس هذه النتائج حاجة ملحّة إلى إعادة التفكير في التعليم الرقمي بوصفه ممارسة إنسانية قبل أن يكون ممارسة تقنية.
فصل المناقشة
يهدف هذا الجزء إلى مناقشة نتائج الدراسة في ضوء الإطار النظري والدراسات السابقة، وربط ما عبّرت عنه المعلمات المشاركات بالنماذج التربوية والنفسية التي تناولت التعلّم الاجتماعي–العاطفي، والتعليم الرقمي، والذكاء العاطفي، مع مراعاة خصوصية السياق الفلسطيني في المدارس العربية داخل الخط الأخضر. وتُظهر نتائج هذه الدراسة انسجامًا واضحًا مع عدد من التوجهات النظرية المعاصرة، وفي الوقت ذاته تسد فجوات معرفية أشار إليها باحثون سابقون.
أولًا: دمج التعلّم الاجتماعي–العاطفي والتعليم الرقمي في ضوء إطار CASEL
ظهرت نتائج الدراسة أن المعلمات ينظرن إلى دمج التعلّم الاجتماعي–العاطفي مع التعليم الرقمي بوصفه حاجة تربوية أساسية وليست خيارًا إضافيًا، وهو ما ينسجم مع ما توصلت إليه الدراسات التأسيسية في مجال SEL التي أكدت أن تنمية الكفايات الاجتماعية–العاطفية تشكّل عنصرًا جوهريًا في تحسين جودة التعلم، بغض النظر عن شكل البيئة التعليمية (Durlak et al., 2011). ويتقاطع هذا التصور مع إطار CASEL الذي يؤكد أن مهارات الوعي الذاتي، والإدارة الذاتية، والوعي الاجتماعي، وبناء العلاقات، واتخاذ القرار المسؤول تُعد أساسًا لأي بيئة تعليمية داعمة، سواء كانت وجاهية أو رقمية (CASEL, 2021).
كما تشير إفادات المعلمات في هذه الدراسة إلى أن التعليم الرقمي، في غياب البعد الوجداني، قد يتحول إلى ممارسة تقنية تفتقر إلى المعنى الإنساني، وهو ما يتوافق مع تحذيرات الأدبيات الحديثة التي نبّهت إلى مخاطر اختزال التعليم الرقمي في نقل المحتوى دون الاهتمام بالعلاقات التربوية والرفاه النفسي (CASEL, 2023; OECD, 2024). وتنسجم هذه النتيجة مع ما أشارت إليه Schonert-Reichl (2019) حول الدور المحوري للمعلّم في تفعيل التعلّم الاجتماعي–العاطفي، مؤكدة أن نجاح أي نموذج تعليمي، بما في ذلك التعليم الرقمي، يعتمد على قدرة المعلّم على بناء بيئة صفية داعمة وجدانيًا.
وتضيف الدراسة الحالية بعدًا نوعيًا مهمًا إلى هذه الأدبيات، إذ لا تكتفي بتأكيد أهمية الدمج على المستوى النظري، كما في الدراسات السابقة، بل تُظهر كيف تعيش المعلمات هذا التحدّي فعليًا في ممارستهن اليومية داخل الصفوف الرقمية، وكيف يسعين إلى تحقيق هذا الدمج في سياق تربوي وثقافي محلي، وهو جانب لم تحظَ به الدراسات السابقة بعمق تفسيري كافٍ.
(Durlak et al., 2011; Schonert-Reichl, 2019; CASEL, 2021; CASEL, 2023; OECD, 2024)
ثانيًا: الذكاء العاطفي للمعلمة ودوره في إنجاح التعليم الرقمي
تنسجم النتائج التي أبرزت الدور المحوري للذكاء العاطفي لدى المعلمة مع نظرية Goleman التي ترى أن القدرة على فهم الذات وتنظيم الانفعالات والتعاطف مع الآخرين تُعد عناصر حاسمة في الأداء المهني، لا سيما في المهن الإنسانية مثل التعليم (Goleman, 1995). فقد أوضحت المعلمات أن التعليم الرقمي يتطلب جهدًا وجدانيًا مضاعفًا، وأن غياب القرب الجسدي يزيد من أهمية الوعي الذاتي والانتباه للمشاعر . (Goleman, 1995)
وتدعم هذه النتائج ما توصّلت إليه دراسات سابقة أشارت إلى أن رفاه المعلم يرتبط ارتباطًا مباشرًا بجودة التفاعل الصفي، وبقدرة المعلم على إدارة الضغوط المهنية في البيئات الرقمية (Schonert-Reichl, 2019; OECD, 2024). كما تضيف الدراسة الحالية بُعدًا سياقيًا يتمثل في خصوصية التجربة الفلسطينية، حيث تتقاطع التحديات المهنية مع ضغوط اجتماعية وثقافية أوسع.(Schonert-Reichl, 2019; OECD, 2024).
ثالثًا: التعلّم الاجتماعي والنمذجة في الصف الرقمي
تتوافق نتائج الدراسة التي أبرزت أهمية سلوك المعلمة وتواصلها الوجداني مع نظرية التعلّم الاجتماعي لـ Bandura، والتي تؤكد أن الأفراد يتعلّمون من خلال الملاحظة والنمذجة (Bandura, 1986). فقد أظهرت إفادات المعلمات أن الطلبة يتأثرون بطريقة حديث المعلمة، وحدودها، ونبرة تواصلها، حتى في البيئات الرقمية، وهو ما يعكس استمرار دور النمذجة رغم غياب التفاعل الوجاهي. (Bandura, 1986)
وتشير هذه النتائج إلى أن الصف الرقمي لا يُلغي البعد الاجتماعي للتعلّم، بل يعيد تشكيله، ويجعل دور المعلمة كنموذج وجداني أكثر وضوحًا وأهمية.
رابعًا: البنائية الاجتماعية والسياق الثقافي الفلسطيني
تنسجم النتائج أيضًا مع البنائية الاجتماعية لـ Vygotsky التي تؤكد أن التعلّم يحدث داخل سياق اجتماعي وثقافي محدد، وأن بناء المعرفة يرتبط بالتفاعل والدعم داخل المجتمع التعليمي (Vygotsky, 1978). فقد أبرزت المعلمات أهمية اللغة، والثقافة، والعلاقة الإنسانية في الصف الرقمي، وأكدن أن تجاهل هذه العناصر يضعف أثر التعليم الرقمي.
وتضيف هذه الدراسة إسهامًا نوعيًا من خلال إبراز كيف يتجلّى هذا السياق الثقافي في المدارس العربية داخل الخط الأخضر، وهو سياق قلّما تناولته الدراسات السابقة بعمق تفسيري، خاصة فيما يتعلق بدمج البعد الوجداني في التعليم الرقمي (قاسم، 2024).
خامسًا : Digital SEL بين النظرية والممارسة
تتوافق النتائج مع التوجهات الحديثة التي تدعو إلى تطوير Digital SEL بوصفه إطارًا يدمج المهارات الوجدانية داخل البيئات الرقمية (UNESCO, 2023; OECD, 2024). فقد أظهرت المعلمات قدرة على توظيف الفضاء الرقمي كمساحة للتعبير عن المشاعر والدعم النفسي، وهو ما يؤكد أن التكنولوجيا يمكن أن تكون أداة إنسانية إذا استُخدمت بوعي . (UNESCO, 2023; OECD, 2024)
وتسد هذه الدراسة فجوة معرفية أشار إليها باحثون سابقون، إذ تنتقل من الحديث عن Digital SEL كنموذج نظري إلى استكشاف كيف يُمارَس فعليًا من قبل المعلمات في الميدان التربوي.
سادسًا: إسهام الدراسة في الأدبيات التربوية
تُسهم هذه الدراسة في إثراء الأدبيات العربية من خلال تقديم فهم نوعي معمّق لتجربة المعلمات في دمج التعلّم الاجتماعي–العاطفي مع التعليم الرقمي، وتؤكد أن نجاح التحول الرقمي لا يتحقق دون الاستثمار في الإنسان. كما تدعم النتائج الدعوات إلى إعادة تصميم برامج الاستكمال المهني لتشمل البعد الوجداني إلى جانب المهارات التقنية.
التوصيات
في ضوء نتائج الدراسة ومناقشتها، يمكن تقديم مجموعة من التوصيات التي تسهم في تطوير الممارسة التربوية والبحثية في مجال دمج التعلّم الاجتماعي–العاطفي مع التعليم الرقمي:
توصيات على المستوى التربوي التطبيقي
توصي الدراسة بضرورة تطوير برامج استكمال مهني للمعلمات تركّز على تنمية مهارات الذكاء العاطفي إلى جانب المهارات التقنية، بحيث يتم إعداد المعلمة للتعامل مع التحديات الوجدانية في الصفوف الرقمية. كما توصي بتصميم بيئات تعليمية رقمية تراعي الرفاه النفسي للمعلم والطالب، وتتيح مساحات للتواصل الإنساني والتعبير عن المشاعر، بدل الاكتفاء بنقل المحتوى التعليمي.
توصيات على مستوى السياسات التعليمية
تدعو الدراسة صُنّاع القرار التربوي إلى إعادة النظر في سياسات التحول الرقمي، بحيث لا تُختزل في مؤشرات تقنية أو إنجازات رقمية، بل تشمل مؤشرات تتعلق بجودة العلاقة التربوية، ورفاه المعلم، والدعم الوجداني داخل المدرسة. كما توصي بإدراج مفاهيم التعلّم الاجتماعي–العاطفي ضمن خطط التعليم الرقمي الرسمية.
توصيات بحثية مستقبلية
توصي الدراسة بإجراء بحوث نوعية إضافية تستكشف تجارب الطلبة أنفسهم في التعليم الرقمي–الوجداني، وبحوث تجمع بين المنهج النوعي والكمي لفهم الظاهرة من زوايا متعددة. كما توصي بتوسيع نطاق البحث ليشمل سياقات عربية أخرى، بما يتيح المقارنة وفهم أعمق لدور الثقافة في دمج التعلّم الاجتماعي–العاطفي والرقمي.
في ضوء نتائج هذه الدراسة وحدودها، تقترح الباحثة مجموعة من الاتجاهات البحثية المستقبلية التي يمكن أن تسهم في تعميق الفهم العلمي لدمج التعلّم الاجتماعي–العاطفي والتعليم الرقمي. أولًا، توصي الدراسة بإجراء بحوث نوعية تستكشف تجارب الطلبة أنفسهم في البيئات الرقمية، لفهم كيفية إدراكهم للدعم الوجداني والعلاقة التربوية في التعليم الرقمي، وذلك استجابة لدعوات الأدبيات التي تؤكد أهمية تعدد الأصوات في البحث التربوي (Creswell & Poth, 2018). ثانيًا، تقترح الدراسة تنفيذ بحوث مقارنة بين سياقات ثقافية مختلفة، عربية وغير عربية، لفحص أثر الخصوصية الثقافية في تطبيق نماذج Digital SEL، خاصة في ظل التحذيرات من نقل النماذج التربوية الغربية دون تكييف سياقي (OECD, 2024).
كما توصي الدراسة بإجراء بحوث تستخدم مناهج مختلطة تجمع بين الأدوات النوعية والكمية، بهدف الربط بين المعاني التي يبنيها المعلّمون حول تجاربهم الوجدانية الرقمية، والمؤشرات الكمية المرتبطة بالتحصيل أو الرفاه المدرسي، بما يتيح فهمًا أكثر شمولية للظاهرة (Creswell & Plano Clark, 2018). وأخيرًا، تقترح الدراسة التوسّع في دراسة أثر برامج تدريبية قائمة على الذكاء العاطفي للمعلمين، وتحليل انعكاسها على الممارسة الصفية الرقمية وعلى رفاه المعلم المهنية، وهو مجال لا يزال بحاجة إلى مزيد من البحث التجريبي والنوعي في السياق العربي.
(Creswell & Poth, 2018; Creswell & Plano Clark, 2018; OECD, 2024)
قائمة المراجع (References)
مراجع عربية
عبيدات، ع. (2021). الذكاء العاطفي وعلاقته بالمناخ المدرسي لدى معلمي المرحلة الثانوية في الأردن. مجلة العلوم التربوية والنفسية، 12(3)، 115–137.
الحسين، س. (2020). أثر برامج التعلم الاجتماعي العاطفي على مهارات التواصل والانتماء لدى طلبة المدارس الثانوية. مجلة جامعة دمشق للتربية، 36(2)، 45–76.
قاسم، أ. (2024). التربية الرقمية والرفاه التربوي في التعليم الفلسطيني بعد الجائحة. مجلة دراسات تربوية عربية، 8(1)، 21–42.
خليل، ر. (2022). اتجاهات المعلمين نحو الدمج بين التعلم الوجداني والتقنيات الرقمية في التعليم الإلكتروني. مجلة العلوم التربوية والنفسية، جامعة البحرين، 10(4)، 89–111.
الصمادي، ل. (2023). دمج الذكاء العاطفي في إعداد المعلمين وتنمية مهاراتهم القيادية. المجلة العربية للتربية، 43(1)، 55–74.
رابي، ص. (2025). تجارب المعلمين العرب في الداخل الفلسطيني في الدمج بين الرقمنة والتعلّم الإنساني: قراءة نوعية. ورقة بحثية غير منشورة، جامعة النجاح الوطنية، كلية الدراسات العليا.
مراجع أجنبية
Bandura, A. (1986). Social foundations of thought and action: A social cognitive theory. Prentice-Hall.
Braun, V., & Clarke, V. (2021). Thematic analysis: A practical guide. SAGE Publications.
CASEL. (2023). What is SEL? Collaborative for Academic, Social, and Emotional Learning. Retrieved from https://casel.org/what-is-sel
Creswell, J. W., & Poth, C. N. (2018). Qualitative inquiry and research design: Choosing among five approaches (4th ed.). SAGE Publications.
Durlak, J. A., Weissberg, R. P., Dymnicki, A. B., Taylor, R. D., & Schellinger, K. B. (2011). The impact of enhancing students’ social and emotional learning: A meta‐analysis of school‐based universal interventions. Child Development, 82(1), 405–432.
Goleman, D. (1995). Emotional intelligence: Why it can matter more than IQ. Bantam Books.
OECD. (2024). Education for well-being and digital transformation: Policy perspectives. Paris: OECD Publishing.
Schonert-Reichl, K. A. (2019). Social and emotional learning and teachers. In J. A. Durlak et al. (Eds.), Handbook of social and emotional learning: Research and practice (pp. 429–445). Guilford Press.
UNESCO. (2023). Reimagining education: Human-centered approaches in digital learning. Paris: UNESCO.
Vygotsky, L. S. (1978). Mind in society: The development of higher psychological processes. Harvard University Press.
Patton, M. Q. (2015). Qualitative research & evaluation methods (4th ed.). SAGE Publications.
Collaborative for Academic, Social, and Emotional Learning (CASEL). (2021). SEL Framework: Core competencies. Chicago, IL.