السياسة التعليمية بين ثقافة المجتمع ومتطلبات الواقع السياسي وأزمة المواءمة في قطاع غزة
Educational Policy Between Societal Culture and the Demands of Political Reality: The Alignment Crisis in the Gaza Strip
أ. محمد إبراهيم أبو برهم1
1 باحث دكتوراه في فلسفة الإدارة التربوية، فلسطين.
بريد الكتروني: moh.barham@hotmail.com
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj73/16
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/73/16
المجلد (7) العدد (3). الصفحات: 242 - 247
تاريخ الاستقبال: 2026-02-12 | تاريخ القبول: 2026-02-19 | تاريخ النشر: 2026-03-01
المستخلص: تناقش هذه الدراسة إشكالية السياسة التعليمية في قطاع غزة في ظل التداخل المعقد بين ثقافة المجتمع ومتطلبات الواقع السياسي، وما نتج عن ذلك من أزمة مواءمة بين الهوية الوطنية والاعتبارات التنموية والسياسية. تنطلق الدراسة من تحليل أبعاد حركة السياسة التعليمية (الدولي، الإقليمي، الحكومي، والمجتمعي) ومقومات استقرارها، إضافة إلى معايير تقييمها، مع استعراض ملامح السياسات التعليمية الفلسطينية والتحديات الهيكلية التي تواجهها في غزة، لا سيما في سياق الاحتلال، والانقسام السياسي، والحروب المتكررة، والانهيار المؤسسي. وتبرز الدراسة مفهوم “أزمة المواءمة” بوصفه تعبيرًا عن التناقض بين الحفاظ على القيم الدينية والوطنية وبناء رأس المال البشري من جهة، والاستجابة لقيود الواقع السياسي والاقتصادي والأمني من جهة أخرى. وتخلص إلى أن تجاوز هذه الأزمة يتطلب إعادة بناء إطار وطني موحد للسياسة التعليمية، قائم على المرونة والمشاركة المجتمعية، وتعزيز الحوكمة الرشيدة، ودعم البنية التحتية، بما يمكّن التعليم من أداء دوره التنموي والوطني في سياق غير مستقر.
الكلمات المفتاحية: السياسة التعليمية، أزمة المواءمة، ثقافة المجتمع، الواقع السياسي، قطاع غزة.
Abstract: This study examines the dilemma of educational policy in the Gaza Strip within the complex intersection of societal culture and political realities, which has resulted in a profound alignment crisis between national identity and developmental and political imperatives. The study analyzes the dimensions shaping educational policy (international, regional, governmental, and societal), the foundations of policy stability, and the criteria for evaluating educational policies. It also reviews the features of Palestinian educational policy and the structural challenges it faces in Gaza, particularly under conditions of occupation, political division, recurrent wars, and institutional collapse. The study conceptualizes the “alignment crisis” as a manifestation of the tension between preserving religious and national values and building human capital on the one hand, and responding to political, economic, and security constraints on the other. It concludes that overcoming this crisis requires rebuilding a unified national educational policy framework based on flexibility, participatory governance, sound institutional management, and sustainable infrastructure support, enabling education to fulfill its developmental and national role in a context of instability.
Keywords: Educational Policy, Alignment Crisis, Societal Culture, Political Reality, Gaza Strip.
مقدمة:
مما لاشك فيه أن النظام التعليمي يستمد قوّته من السياسات التعليمية التي تعمل على تحديد الإطار الناظم الذي بدوره يحدد الغايات التربوية ،ويساعد في توجيه القرارات والخطط ، وينظم التمويل، ويضبط العلاقة بين المجتمع وسوق العمل والمنظومة السياسية والاقتصادية بالشكل الذي يسهم في تطوير العملية التعليمية، في قطاع غزة هناك ثقافة مجتمعية تحافظ على الدين والهوية والقيم الوطنية مع واقع اقتصادي و سياسي استثنائي يتسم بالحروب المتكررة والحصار المستمر والانقسام الوطني وانهيار القدرة المؤسسية وضعف البنية التحتية ، وتنعكس هذه التقاطعات في وضع يمكن وصفه بأزمةٍ مواءمة أي عجز السياسات التعليمية عن تحقيق توازن مستدام بين ما يتطلبه المجتمع من مقومات أساسية مثل الهوية الوطنية، والقيم الاخلاقية، والوحدة الوطنية وما تفرضه السياسة والاقتصاد في مجالات أبرزها توفير التمويل وضمان الأمن، و الإغاثة، و إدارة الأزمات ، كما تُعد السياسة التعليمية من أهم أدوات بناء المجتمع والدولة ، خصوصًا في السياقات التي تتداخل فيها عوامل الحصار المستمر والاحتلال، والانقسام الداخلي، والحروب المتكررة ،والضغوط الخارجية، فهي نظام مرن يعكس رؤية الجماعة لذاتها كجسم متماسك ، ويتفاعل مع بيئتها الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية. ويعرف الباحث السياسات التعليمية بانها عملية تفكير مخطط ومنظم توجه الأنشطة التربوية، نحو تحقيق تطلعات أفراد المجتمع الفلسطيني في ضوء منظومة القيم الدينية والوطنية والأخلاقية، بما يتوافق مع الظروف الاقتصادية والسياسية والأمنية الاستثنائية التي يشهدها قطاع غزة.
أولًا: أبعاد حركة السياسة التعليمية
لا يتوقف نجاح السياسة التعليمة على إدراك واضعيها لموازين القوى المؤثرة فيها، ويتمثّل هذا في أربعة أبعاد رئيسية:
-البعد الدولي: الذي يظهر في تأثير المصالح الدولية، والتي قد تنظر إلى بعض المضامين المناهجية كتعزيز الروح الوطنية ضد الاستعمار باعتبارها مواقف عدائية تهدد العلاقات الدبلوماسية، كما أن خاصة في الدول النامية التي تعتمد على المعونات الأجنبية تجد نفسها مضطرة أحيانًا إلى تسهيل إنشاء مؤسسات تعليمية أجنبية، أو تشجيع تعليم لغات دول مانحة ، أو إرسال بعثات تعليمية إليها، ما يترك أثر مباشر على محتوى السياسة التعليمية.
-البعد الإقليمي: وهو أبرز ما يميز السياسات التعليمية في الدول العربية، فمنذ تأسيس جامعة الدول العربية، ظهرت اتفاقيات تهدف إلى التقريب التعليمي بين الدول الأعضاء، وعلى الرغم من أن هذا التوجه بدأ يخف في السنوات الأخيرة ، إلا أنه ظهر في تجمعات إقليمية أصغر، مثل دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تم الاتفاق على أهداف مشتركة لمراحل التعليم المختلفة ومناهجه التعليمية، مما فرض تقارب كبير في السياسات التعليمية بين هذه الدول.
-البعد الحكومي: الذي يُعد في الغالب الأقوى في دول العالم النامي، نظراً للدور المتضخم للدولة وأجهزتها والضعف الواضح للمؤسسات غير الحكومية، ونتيجة لذلك، فإن توجه الحكومة سواء كان شمولي أو ليبرالي ينعكس مباشرة على السياسة التعليمية، ففي فترات الهيمنة الشمولية كان التعليم مجاني وخاضع لسيطرة الدولة، بينما مع تحول السياسات العامة نحو الخصخصة بدأ التعليم الخاص في التوسع، والتراجع عن المجانية.
-البعد المجتمعي: الذي يفترض أن يكون متوافق مع البعد الحكومي، لكن غياب الممارسة الديمقراطية في بعض المجتمعات يؤدي إلى التمايز والمفارقة بينهما. ولذلك تحاول السياسات التعليمية إلى الانسجام مع الأعراف والتقاليد السائد. فحيث يوجد فصل بين الذكور والإناث، تُراعى هذه الممارسة في تصميم المدارس والمناهج. وفي المجتمعات ذات التوجه الديني الواضح، يظهر ذلك في انتشار المعاهد الدينية وتركيز المناهج على الثقافة الدينية؛ أما في المجتمعات متعددة الأديان، فينعكس ذلك في تركيب النظام التعليمي نفسه ( البراهيم،2009) . وبناء على ما سبق، يمكن القول إن السياسة التعليمية في غزة لا تُصمم خارج إطار هذه الأبعاد، فهي تتأثر بها ما يجعل مهمة تحقيق المواءمة أكثر تعقيد خاصة حين تفرض الظروف السياسية قيود تتناقض مع الهوية الوطنية والثقافة المجتمعية.
ثانيًا: مقومات الثبات والاستقرار في السياسة التعليمية
لكي تحقق السياسات التعليمية فعاليتها واستمراريتها، لا بد أن تستند إلى مجموعة من المقومات الاساسية أول هذه المقومات أن تعكس بصدق الصورة المرجوة للمجتمع، وأن تتسق مع خطط الدولة للتنمية، وتناسب الإمكانيات المتاحة البشرية والمادية وأن تتفق مع الاتجاهات المستمدة من تاريخ المجتمع وفلسفته وآماله وتقاليده. ثانيها أن تستغل جميع الإمكانات المتاحة في التربية والتعليم والتدريب لأقصى طاقة ممكنة لإنتاج كوادر واعية ومبدعة تخدم الفرد والإنتاج وتنهض بالبيئة والمجتمع. ثالثها أن تدمج في الخطط والمناهج الدراسية المفاهيم الاجتماعية السليمة بكل الوسائل النظرية والتطبيقية. رابعها أن تحقق العدالة والاتزان ومبدأ تكافؤ الفرص، بحيث ينتفع كل مواطن وفق قدراته. خامسها أن تحدد بوضوح وظيفة المدرسة كمؤسسة تربوية اجتماعية ومركز إشعاع للبيئة، وكذلك رسالة المعلم وعلاقته بالمجتمع لتعزيز التعاون في بناء جيل المستقبل. سادسها أن تهتم بكل شريحة في المجتمع، لرفع الوعي، وتقليل الفجوة بين الريف والمدينة، ورفع مستوى القوى العاملة، ودعم الاكتفاء الذاتي وفتح المجال أمام أصحاب المواهب. سابعها أن تظهر أهمية العمل والإنتاج من خلال الاهتمام بالتعليم الفني بمراحله المختلفة لتلبية خطط التنمية. ثامنها أن تتبنى نهج اللامركزية في التنفيذ، بحيث تقتصر مهمة وزارة التعليم على التخطيط العام والمتابعة والتقويم، بينما تقوم الإدارات المحلية بتنفيذ السياسة وفق احتياجات بيئاتها. تاسعها أن تُحقق في مخرجاتها اعتزاز الفرد بالقيم الروحية وتمسكه بدينه، واعتزازه بوطنه والانتماء له، ليُسهم في رفعة وطنه واحترام قيمه والحفاظ على تراثه(المركز القومي للبحوث التربوية والتنمية،2015).وبناءً على ما سبق، يمكن القول أن غياب هذه المقومات خاصة في قطاع غزة، حيث تفتقر السياسات التعليمية إلى الاستقرار المؤسسي والموارد الكافية يُضعف قدرتها على التوفيق بين الثقافة المحلية والمتطلبات الخارجية، مما يزيد من أزمة المواءمة ويُفقدها خاصية الثبات التي تُمكنها من الاستجابة المتوازنة للتحديات.
ثالثًا: ملامح السياسات التعليمية في فلسطين
في فلسطين، تُدار السياسة التعليمية من خلال وزارة التربية والتعليم المسؤولة عن التعليم المدرسي ، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي التي تشرف على التعليم الجامعي، وقد شهدتا حالات دمج وفصل متعددة على مر السنوات ، وتتولى وزارة التربية والتعليم قيادة الجهود الوطنية للتخطيط الاستراتيجي للتعليم، بمشاركة مؤسسات حكومية ومؤسسات مجتمع مدني، ومؤسسات دولية. وتشير المصادر الرسمية إلى أن التعليم يُعتبر قضية أمن قومي والسياسات حركة التربية المستقبلية للمجتمع ، وأن المتعلم هو العنصر الأول في بناء الحضارة، غير أن هذه الرؤية الوطنية تواجه تحديات هيكلية منها: الاحتلال وتداعياته، والانقسام السياسي بين الضفة وقطاع غزة، وضعف تحصيل الطلبة في الاختبارات الدولية، وارتفاع ظاهرة العنف في المدارس، واعتماد نموذج تعليمي متمركز حول المعلم والمنهاج ، وعدم التوازن في الالتحاق بمسارات التعليم الثانوي، وضعف الإقبال على التعليم المهني، وعدم القدرة على توفير أبنية مدرسية ملائمة، وتحديات الحوكمة والإدارة. وقد حاولت الوزارة معالجة هذه التحديات من خلال إعداد الاستراتيجية القطاعية للتعليم 2017–2022 والخطة الاستراتيجية القطاعية 2021–2023، وإقرار قانون التربية والتعليم العام الفلسطيني لعام 2017. وتستند السياسات التعليمية في فلسطين إلى مجموعة من المبادئ والأولويات الوطنية ، تتمحور حول اعتبار التعليم حق أساسي من حقوق الإنسان، وحق تمكيني يُسهم في بناء المجتمع والفرد. ومن أجل إعمال هذا الحق تؤكد السياسات على ضرورة أن يكون التعليم جيد الجودة، متكافئ ومنصف وشامل للجميع، مع تحقيق المساواة بين الجنسين. وينبغي أن يُقدَّم التعليم على أساس الالزامية والمجانية، باعتباره منفعة عامة ومسعى مجتمعي مشترك (الديك ، 2024).وبناء على ما سبق، يمكن القول أن السياسة التعليمية في فلسطين تحمل رؤية وطنية واضحة، لكن تطبيقها في قطاع غزة يواجه اختلالات ناتجة عن غياب السيادة الكاملة والانقسام المؤسسي، مما يحدّ من قدرتها على تحقيق المواءمة بين المبادئ الوطنية والواقع الميداني.
رابعًا: معايير تقييم السياسة التربوية
يُعتبر التعليم في فلسطين ذا قيمة عالية، وهو أحد ركائز الصمود والمواجهة الوطنية، ويشكل تطوير التعليم وسيلةً لتعزيز الإمكانات البشرية، وتحقيق التقدم، ومواجهة السيطرة المباشرة للاحتلال، ويُقاس أداء السياسة التعليمية بمدى قدرتها على تحقيق الأهداف التي وضعت من أجلها وفق معايير محددة ومن أبرز هذه المعايير:
•الديناميكية الاجتماعية: أي أن يكون النظام التعليمي مرجعية مجتمعية، باعتباره جزءًا من المنظومة المجتمعية، يؤثر ويتأثر بتطلعات المجتمع، حيث فاعلية السياسة التعليمية تقاس بمدى انسجامها مع الديناميكية الاجتماعية والثقافية السائدة.
التعامل مع السياسات الأخرى: أي أن تحدد السياسة التعليمية علاقتها بخطط التنمية الشاملة، ومراحل التعليم المختلفة، وبآليات التخطيط الوطني بما يضمن التناسق بين التعليم وأهداف التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
•ديمقراطية السياسة التربوية: إذ تشمل القضية الديمقراطية المجتمع وتنعكس على بنية النظام التعليمي، ويجب أن تكون السياسة التعليمية رافعة لتعزيز الديمقراطية وحافظة لحقوق الإنسان، وتوسيع المشاركة المجتمعية في صنع القرار التعليمي(شهوان،2022).
وبناء على ما سبق، يمكن القول إن غياب هذه المعايير في قطاع غزة خاصة الديمقراطية والتفاعل مع المجتمع يجعل السياسات التعليمية عرضة للانفصال عن الواقع، ويصعب مهمة المواءمة بين الثقافة والمتطلبات السياسية.
خامسًا: الوضع الراهن للتعليم في غزة
يعاني قطاع غزة من ظروف اقتصادية وسياسية صعبة أثرت سلبًا على التعليم، حيث يواجه النظام التعليمي تحديات متراكمة نتيجة لنقص الموارد، وتقييد حركة المعلمين والطلاب، بالإضافة إلى الاكتظاظ الشديد في المدارس، حيث شكّلت الحرب الأخيرة نقطة تحول خطيرة في المنظومة التعليمية، وحولت الأزمة التعليمية إلى كارثة وجودية تهدد مستقبل جيلٍ كامل من الطلبة والمعلمين، فتدمير المؤسسات واغتيال العقول الفلسطينية وحرمان جيل كامل من حقه في التعليم يمثل تهديد وجودي لمستقبل المجتمع الفلسطيني بأكمله (نعيم ، 2025). وحرمان عشرات الآلاف من الطلاب من حقهم الأساسي في التعليم (القطراوي، 2025). و تشير التقديرات إلى أن نسبة كبيرة من المؤسسات التعليمية في قطاع غزة تحتاج إما إلى إعادة بناء كاملة أو أعمال ترميم كبيرة (جابرو على ،2024).ومع ذلك ظهرت مبادرات ومساحات تعليمية بديلة تسعى إلى تقديم دعم و خدمات تعليمية للطلاب، في محاولة للحفاظ على استمرارية التعليم ، وبناء عليه ،فإن ما شهده قطاع غزة من تدمير منهجي سيترك آثارًا عميقة تمتد لتؤثر في أجيالٍ قادمة، مما يفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية ويُضعف قدرة المجتمع على الصمود والنهوض، لذا، فإن ما تعرض له قطاع التعليم في غزة كان استهدافًا مباشرًا للعقول والهوية الفلسطينية، ومحاولةً ممنهجة لتجريد الفلسطينيين من أدوات المعرفة والثقافة. (نعيم ، 2025).
سادسًا: أزمة المواءمة
تشير المواءمة في السياق التعليمي إلى قدرة النظام التعليمي على إنتاج سياسات وممارسات تتوافق مع القيم الثقافية والاجتماعية للمجتمع، و احتياجات التنمية الاجتماعية و الاقتصادية ، والقيود والفرص التي يفرضها الواقع السياسي السائد، وهي حالة ديناميكية تتطلب مرونة مستمرة، وقراءة دقيقة للواقع، وآليات تغذية راجعة، ومن العوامل التي أدت الي أزمة المواءمة في السياسة التعليمية :
-الإبادة المعرفية: يأتي تدمير التعليم والتربية في غزة في إطار ما يصفه البعض بالإبادة المعرفية، حيث يتم استهداف الثقافة الفلسطينية والمعرفة بهدف محو الهوية والوجود الفلسطيني (ناصر، 2024).
-السيطرة على العملية التعليمية: تسعى سلطات الاحتلال إلى إحكام قبضتها على قطاع التعليم من خلال تقليص سيادة الفلسطينيين على نظامهم التعليمي، وإفراغه من محتواه ووظيفته في تعزيز الهوية الوطنية والقيم الإنسانية والانتماء (زهد، 2016، ص. 35).
-تأثير الانقسام: أحدث الانقسام الفلسطيني الداخلي خللاً في إدارة التعليم وتنسيق سياساته في قطاع غزة حيث أدّت ازدواجية المرجعيات وغياب وحدة القرار إلى تآكل القدرة المؤسسية على التخطيط والتنفيذ والمتابعة، وقد تفاقم هذا الخلل بشكل حادّ خلال العدوان الأخير، مع انهيار المؤسسات التعليمية الرسمية في القطاع (الصبّاح وعوّاد ،2025).وبناء علي ما سبق فإن أزمة المواءمة في قطاع غزة تتمثل في التناقض بين ثلاثة مستويات: المستوى الثقافي، الذي يُركز على تعزيز القيم الأخلاقية والإنسانية والمحافظة على الهوية الوطنية في ظل محاولات الاحتلال تفريغ التعليم من مضمونه ؛والمستوى التنموي، الذي يهدف إلى بناء رأس المال البشري كثروة وطنية ،لكنه يصطدم بواقع دمار وانهيار البنية التحتية ؛والمستوى السياسي، الذي يعاني من ازدواجية المرجعيات نتيجة الانقسام، وضعف السيادة الفلسطينية على قطاع التعليم، وتدخل الاحتلال في تقويض أي مشروع تعليمي وطني مستقل، وبالتالي فان أزمة المواءمة نتيجة حتمية لتشظّي الإطار الاجتماعي و السياسي الذي يحتضن النظام التعليمي.
سابعًا: ثقافة المجتمع ومتطلبات الواقع السياسي
في قطاع غزة، ترفع الثقافة المجتمعية من شأن التعليم كوسيلة للكرامة والتحرر، وتدعم أدوار تقليدية وترفض التطبيع، ومن جهة أخرى، يُطالب الواقع السياسي النظام التعليمي بإعداد مواطن قادر على التكيف مع العولمة، وتطوير مهارات رقمية، وفتح آفاق تواصل خارجي خاصة مع الدول المانحة، وبين هذين الاتجاهين ، يجد صانع القرار نفسه أمام أزمة: أيهما يقدم؟ هل يستجيب للواقع أم يرضي المجتمع؟ وهل يمكن الجمع بينهما دون تنازلات مؤلمة؟. وبناء على ما سبق، يمكن القول إن أزمة المواءمة في قطاع غزة هي تناقض بين الهوية والبقاء، لا يمكن حله إلا بإعادة بناء إطار وطني موحد يُمكن السياسة التعليمية من أن تكون مرآة صادقة للمجتمع، ودافعة لتطوير الواقع القائم.
ثامنًا: الخاتمة
أزمة المواءمة في السياسة التعليمية قطاع غزة هي انعكاس مباشر لتشظّي الواقع الاجتماعي و السياسي ، فالأبعاد الدولية والإقليمية والحكومية والمجتمعية، التي تُشكل حركة السياسة التعليمية تتصادم في قطاع غزة بدل أن تتكامل، وغياب مقومات الاستقرار، وضعف آليات التقييم الديمقراطي، وانفصال السياسات عن الاحتياجات الفعلية، كلها عوامل توسّع الفجوة بين ما يُدرس وما يُعاش، وبناء عليه، فإن أي محاولة لإصلاح التعليم في قطاع غزة يجب أن تنطلق من إعادة بناء إطار وطني موحد، حينها، يمكن للتعليم أن يلعب دوره الحقيقي كوسيلة لبناء الواقع، ولتجاوز هذه الأزمة، يتطلب الأمر إعادة تفكيرٍ في السياسات التعليمية بحيث تكون مرنة وتشاركية، ومبنية على فهم دقيق لتفاعل العوامل المؤثرة فيها، إن إعادة تحقيق المواءمة مشروع وطني لاستعادة المعنى والوظيفة للتعليم
تاسعًا: التوصيات
- توفير الحماية للمؤسسات التعليمية عبر تحرك جاد من المجتمع الدولي للضغط من أجل وقف الاعتداءات على المؤسسات التعليمية في غزة.
- إعادة بناء البنية التحتية التعليمية، إلى جانب تقديم الدعم المالي المستدام لإعادة تأهيل قطاع التعليم.
- إعادة صياغة المنظومة التعليمية بما يتوافق مع الظروف المتغيرة ويعزز مرونتها وفعاليتها أمام الصدمات ويعيد تأكيد دورها التنموي والوطني.
- تعزيز برامج الدعم الاجتماعي والنفسي للطلاب والمعلمين في غزة.
- تعزيز منظومة التعليم عن بُعد لضمان استمرارية العملية التعليمية في ظل الظروف الاستثنائية.
- دعم التعليم الشعبي والعمل على إدماجه في النظام التعليمي الرسمي.
- تعزيز ثقافة الانتماء الوطني والهوية الوطنية، بما يسهم في دعم الوحدة المجتمعية وتنمية المسؤولية المجتمعية.
المراجع:
- البراهيم، هيا. (2009). السياسة العامة للتعليم: نماذج وأطر عامة للتحليل، الرياض.
- جابر، فراس، & علي، حلا. (2024). واقع المدارس المواءمة في ظل حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة (ورقة حقائق)، مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية الموحّد؛ جمعية نجوم الأمل.
- الديك ، سامية عمر (2024). دراسة مقارنة لتطوير السياسات التعليمية لنظام التعليم العام في فلسطين في ضوء خبرة فنلندا، مجلة الآداب للدراسات النفسية والتربوية ، 6 (1) ، 389-415
- زهد، رهام. (2016). تأثير السياسة التعليمية الإسرائيلية على الوعي العام للشباب الفلسطيني في مدارس شرق القدس ، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة النجاح الوطنية.
- شهوان ، وفاء. (2022). تقييم سياسات تربوية لوزارة التربية والتعليم أثناء انتشار جائحة فيروس كورونا من وجهة نظر مديري المدارس الثانوية في فلسطين ،رسالة ماجستير ، كلية الدراسات العليا، جامعة النجاح الوطنية، نابلس، فلسطين.
- الصبّاح، رفعت.، & عوّاد، يارا. (2025, 26 يناير). استجابة التعليم في غزّة خلال العدوان: السياسات والخدمات المحليّة والدوليّة في ظلّ التحديّات ،ورقة بحثية مقدمة في المنتدى السنوي لفلسطين 2025، مجلة منهجيّات، الدوحة، قطر.
- القطراوي، إياد. (2025). أعادت الأمل للطلبة.. مساحات تعليمية في غزة رغم الحرب. الجزيرة نت.
- المركز القومي للبحوث التربوية والتنمية. (2015). سياسات التعليم في الوطن العربي: التحديات والتوجهات المستقبلية (ورقة مؤتمر)، المؤتمر الدولي للمركز القومي للبحوث التربوية والتنمية، القاهرة، مصر. بالتعاون مع المؤسسة العربية للاستشارات العلمية وتنمية الموارد البشرية.
- ناصر، خلود. (2024). من فضاءات للتعلم إلى مساحات مستباحة: الحرب والتعليم المدرسي في قطاع غزة. مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
- -نعيم، هدي. (2025, 18 مارس). الإبادة التعليميّة في غزّة: واقع التعليم بعد اتفاق وقف إطلاق النار. مركز رؤية للتنمية السياسية.