صيانة الكرامة الإنسانية في السيرة النبوية وأثرها في تحقيق الاستقرار الاجتماعي: دراسة تحليلية
محمد هلال دروېش1
1 الاستاذ المحاضر في کلیة الشريعة، قسم الثقافة الاسلامية، جامعة ننجرهار- أفغانستان.
Preservation of Human Dignity in the Prophetic Biography and Its Impact on Achieving Social Stability: An Analytical Study
Mohammad Hilal Darwish1
1 Lecturer faculty of Sharia, Department of Islamic Culture, Nangarhar University – Afghanistan.
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj710/25
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/710/25
المجلد (7) العدد (10). الصفحات: 433 - 461
تاريخ الاستقبال: 2026-09-10 | تاريخ القبول: 2026-09-20 | تاريخ النشر: 2026-10-01
المستخلص: تهدف هذه الدراسة إلى بيان مظاهر صيانة الكرامة الإنسانية في السيرة النبوية، وتحليل أثرها في تحقيق الاستقرار الاجتماعي، انطلاقاً من أن الكرامة الإنسانية تمثل أصلاً شرعياً تتفرع عنه جملة من الحقوق والضمانات المتعلقة بحفظ النفس والعِرض والمال والعقل، وتحريم الظلم والإهانة والاعتداء. وتنبع مشكلة البحث من الحاجة إلى الكشف عن الصلة بين التطبيقات النبوية لصيانة كرامة الإنسان وبين ما يترتب عليها من أمن اجتماعي، وسلم، وتماسك، وتعايش، واستقرار. واعتمدت الدراسة المنهج الاستقرائي في جمع النصوص والوقائع ذات الصلة من القرآن الكريم والسنة النبوية ومصادر السيرة، والمنهج الوصفي والتحليلي في تصنيفها ودراسة دلالاتها وآثارها الاجتماعية. وقد تناولت الدراسة التأصيل الشرعي والمفاهيمي للكرامة الإنسانية، ثم أبرز مظاهر صيانتها في تعامل النبي ﷺ مع الضعفاء والفقراء والخدم، والمرأة والطفل وكبار السن، وغير المسلمين، والأسرى وغير المقاتلين، ثم حللت أثر هذه الممارسات في تعزيز الأمن والطمأنينة، والحد من العنف والعداوة، وترسيخ التعايش والثقة والتكافل والعدالة الاجتماعية. وتوصلت الدراسة إلى أن صيانة الكرامة في السيرة النبوية لم تكن توجيهاً أخلاقياً مجرداً، بل كانت منهجاً عملياً أسهم في بناء مجتمع يقوم على حفظ الحقوق، وضبط القوة، ورعاية الضعفاء، وتحقيق العدل والتكافل، وأن هذه العناصر تمثل ركائز أساسية في تحقيق الاستقرار الاجتماعي واستدامته.
الكلمات المفتاحية: الكرامة الإنسانية، السيرة النبوية، الاستقرار الاجتماعي، الأمن الاجتماعي، التعايش، التكافل الاجتماعي.
Abstract: This study examines the preservation of human dignity in the Prophetic Biography (Sīrah( and analyzes its impact on achieving social stability. It proceeds from the premise that human dignity constitutes a fundamental principle in Islam from which numerous rights and protections are derived, including the preservation of life, honor, property, intellect, and the prohibition of injustice, humiliation, and aggression. The research problem centers on identifying the relationship between the Prophet’s practical approach to safeguarding human dignity and the resulting social outcomes, particularly security, peace, cohesion, coexistence, and stability. The study employs an inductive approach to collect relevant Qur’anic texts, Prophetic traditions, and historical incidents from authoritative sources of the Sīrah, alongside descriptive and analytical methods to classify and interpret their social implications. The study first establishes the conceptual and Sharīʿah foundations of human dignity, then examines its practical manifestations in the Prophet’s treatment of the poor, the vulnerable, servants, women, children, the elderly, non-Muslims, prisoners of war, and non-combatants. It further analyzes how these practices contributed to security, social peace, mutual trust, solidarity, justice, and peaceful coexistence. The study concludes that preserving human dignity in the Prophetic Sīrah was not merely an ethical ideal, but a comprehensive practical approach that protected rights, restrained the abuse of power, supported vulnerable groups, and promoted justice and social solidarity. These principles collectively contributed to the establishment and sustainability of social stability.
Keywords: Human Dignity, Prophetic Biography, Social Stability, Social Security, Coexistence, Social Solidarity.
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، الذي كرّم بني آدم، وفضّلهم على كثير ممن خلق تفضيلاً، وأقام شريعته على العدل والرحمة وحفظ الحقوق، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ، الذي بعثه الله رحمةً للعالمين، فجسّد في سيرته أسمى صور الرحمة والعدل وصيانة الإنسان، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
فإن الكرامة الإنسانية من القيم الكبرى التي اعتنى بها الإسلام، وجعل لها أساساً راسخاً في نظرته إلى الإنسان؛ إذ قرر القرآن الكريم أصل التكريم العام بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، وربط هذا التكريم بمنظومة من الأحكام والمبادئ التي تحفظ للإنسان حياته وعرضه وماله وعقله، وتصونه من الظلم والإهانة والاعتداء. وقد جاءت السنة النبوية والسيرة العملية للنبي ﷺ بياناً تطبيقياً لهذه المبادئ، فلم تبق الكرامة مفهوماً نظرياً مجرداً، وإنما ظهرت آثارها في التعامل مع مختلف فئات المجتمع وفي أحوال السلم والنزاع على السواء.
وتكشف السيرة النبوية عن منهج متكامل في صيانة الإنسان؛ فقد شملت عناية النبي ﷺ الفقير والضعيف والخادم، والمرأة والطفل وكبير السن، كما امتدت إلى غير المسلم وصاحب العهد والأسير وغير المقاتل. ولم تكن هذه المعاملة منفصلة عن بناء المجتمع، بل أسهمت في تشكيل علاقات قائمة على الأخوة، والتكافل، والعدل، والوفاء بالعهد، وضبط القوة، والتسامح، ومنع الظلم والاعتداء.
ومن هنا تظهر الصلة الوثيقة بين صيانة الكرامة الإنسانية والاستقرار الاجتماعي؛ لأن المجتمع الذي يشعر أفراده بأن دماءهم وأعراضهم وأموالهم وحقوقهم مصونة يكون أكثر قدرةً على بناء الثقة والتعاون والتضامن، في حين أن الظلم والإهانة والإقصاء وإهدار الحقوق من أبرز العوامل التي تغذي الاحتقان والعداوة والتفكك. ولهذا فإن دراسة الكرامة في السيرة النبوية لا ينبغي أن تقتصر على بيان صور التكريم، بل تحتاج إلى تحليل نتائجها في بناء الأمن والسلم والتماسك والتعايش الاجتماعي.
مشكلة البحث
تتمثل مشكلة البحث في أن الدراسات المتعلقة بالكرامة الإنسانية تناولت في الغالب تأصيل مفهومها وبيان حقوق الإنسان في القرآن والسنة، في حين تناولت دراسات أخرى الأمن الاجتماعي والتعايش والسلم في السنة والسيرة؛ غير أن الحاجة تبقى قائمة إلى دراسة تجمع بين المجالين، فتبحث مظاهر صيانة الكرامة الإنسانية في السيرة النبوية، وتحلل أثر هذه الصيانة في تحقيق الاستقرار الاجتماعي.
وعليه، تتمحور مشكلة البحث حول السؤال الرئيس الآتي: كيف أسهم منهج النبي ﷺ في صيانة الكرامة الإنسانية في تحقيق الاستقرار الاجتماعي؟
ولا يقتصر البحث على إثبات أن السيرة النبوية حفظت كرامة الإنسان، وإنما يسعى إلى الكشف عن العلاقة التحليلية بين حفظ الكرامة وبين الأمن، والسلم، والتماسك، والثقة المتبادلة، والتكافل، والعدل الاجتماعي.
أهمية الموضوع
تنبع أهمية هذا البحث من ارتباطه بقيمتين محوريتين في حياة المجتمعات، هما كرامة الإنسان واستقرار المجتمع؛ إذ لا يمكن بناء مجتمع مستقر إذا كان أفراده عرضةً للظلم أو الإهانة أو التهميش أو ضياع الحقوق. كما تستمد الدراسة أهميتها من اعتمادها على السيرة النبوية بوصفها مجالاً تطبيقياً يبين كيفية انتقال المبادئ الشرعية من مستوى التأصيل النظري إلى واقع العلاقات الإنسانية والاجتماعية.
وتتأكد أهمية الموضوع في الحاجة المعاصرة إلى إبراز المنهج النبوي في معالجة أسباب التوتر الاجتماعي، وإظهار أن الأمن والاستقرار لا يقومان على القوة والردع وحدهما، بل يحتاجان كذلك إلى حفظ الحقوق، وإشاعة العدل، ورعاية الفئات الضعيفة، واحترام الإنسان، وترسيخ الثقة والتكافل. كما تسهم الدراسة في ربط البحث في السيرة النبوية بالقضايا الاجتماعية المعاصرة من خلال تحليل المبادئ القابلة للاستفادة منها في بناء المجتمعات المتماسكة.
أسباب اختيار الموضوع
جاء اختيار هذا الموضوع لعدة اعتبارات علمية؛ من أهمها المكانة المركزية للكرامة الإنسانية في النصوص الشرعية، ووفرة التطبيقات العملية لها في السيرة النبوية، والحاجة إلى دراستها ضمن إطار تحليلي يتجاوز جمع النصوص والوقائع إلى بيان نتائجها الاجتماعية.
كما يرجع اختيار الموضوع إلى ملاحظة أن عدداً من الدراسات ركز على حماية الكرامة الإنسانية في السنة النبوية، في حين انصرفت دراسات أخرى إلى الأمن الاجتماعي والسلم والتعايش؛ ومن ثم ظهرت أهمية الربط بين هذين المسارين في دراسة واحدة تتخذ السيرة النبوية مجالاً تطبيقياً للتحليل. وتؤكد قائمة الدراسات التي سبقت مراجعتها وجود أبحاث مستقلة في الكرامة، وأخرى في الأمن الاجتماعي والتعايش والسلم، وهو ما يوفر أرضية علمية مناسبة لهذه الدراسة.
أهداف البحث
يهدف البحث بصورة رئيسة إلى بيان منهج السيرة النبوية في صيانة الكرامة الإنسانية وتحليل أثره في تحقيق الاستقرار الاجتماعي.
ويتفرع عن هذا الهدف بيان المفهوم الشرعي للكرامة الإنسانية ومكانتها في الإسلام، والكشف عن أهم الأسس والمقاصد الشرعية المتعلقة بصيانتها، واستقراء أبرز مظاهر حفظ كرامة الإنسان في السيرة النبوية، وبيان تعامل النبي ﷺ مع مختلف فئات المجتمع، ثم تحليل أثر هذه الممارسات في تحقيق الأمن والسلم والتعايش والتماسك والتكافل والعدالة الاجتماعية، وصولاً إلى إبراز العلاقة بين احترام الإنسان واستدامة الاستقرار الاجتماعي.
أسئلة البحث
ينطلق البحث من السؤال الرئيس الآتي: ما أثر صيانة الكرامة الإنسانية في السيرة النبوية في تحقيق الاستقرار الاجتماعي؟
ويتفرع عنه عدد من الأسئلة: ما مفهوم الكرامة الإنسانية، وما أسسها الشرعية ومقاصدها في الإسلام؟ وما أبرز مظاهر صيانة الكرامة الإنسانية في السيرة النبوية؟ وكيف حفظ النبي ﷺ كرامة الفئات الضعيفة وغير المسلمين والأسرى وغير المقاتلين؟ وما أثر صيانة الكرامة في إشاعة الأمن والسلم والطمأنينة؟ وكيف أسهمت الأخوة والتكافل والعدل وحفظ الحقوق في تحقيق التماسك والتعايش؟ وما دور العدالة الاجتماعية والاقتصادية في استدامة الاستقرار؟
الدراسات السابقة
تناولت الدراسات السابقة جوانب متعددة ترتبط بموضوع البحث. ومن أكثر الدراسات اتصالاً به دراسة خديجة بنت عبد الحليم تركستاني الموسومة بـ «حماية الكرامة الإنسانية في السنة النبوية»، التي تناولت مظاهر تكريم الإنسان وصيانة حقوقه في السنة النبوية. كما تناول خالد بن جابر الأسمري الموضوع نفسه في دراسة بعنوان «حماية الكرامة الإنسانية في السنة النبوية»، وركز على أصل الكرامة الإنسانية ومظاهر حمايتها، بما في ذلك كرامة الضعفاء وغير المسلمين (تركستاني، 2013م، ص205–280؛ الأسمري، 2021م، ص1–28). وقد عُدَّت هاتان الدراستان من أكثر البحوث السابقة اتصالاً بالجانب الأول من موضوع البحث.
وفي جانب الأمن والاستقرار الاجتماعي جاءت دراسة آثار حمود عبدالله الحرايزة بعنوان «المنهج النبوي في تحقيق الأمن الاجتماعي»، وهي رسالة ماجستير تناولت أسس الأمن الاجتماعي ووسائل تحقيقه في الهدي النبوي. كما تناولت سلمى دميري في دراستها «تحقيق الأمن الاجتماعي في ضوء السنة النبوية» موضوع الأمن الاجتماعي بصورة موسعة، وجاءت رسالة إبراهيم بن عبدالله البلوشي بعنوان «تحقيق الأمن الاجتماعي في ضوء السنة النبوية الشريفة» في الاتجاه نفسه. وهذه الدراسات تسهم بوضوح في تأصيل الجانب المتعلق بأثر المنهج النبوي في تحقيق الأمن والاستقرار.
أما في مجال التعايش والسلم الاجتماعي، فتبرز دراسة رشيد كهوس بعنوان «التعايش السلمي بين الشعوب والأديان: دراسة تأصيلية تطبيقية من خلال السيرة النبوية»، التي تناولت تطبيقات التعايش في السيرة، ودراسة عمران محمد إسماعيل المزوري بعنوان «مؤديات السلم الاجتماعي في السنة النبوية: الأدب مع الناس أنموذجاً»، إلى جانب دراسة زينب مختار أحمد آدم في العناية بالأمن المجتمعي في ضوء السنة النبوية، والتي ربطت الأخلاق والتكافل الاجتماعي بالأمن المجتمعي.
كما توجد دراسات ذات صلة بالجانب الحقوقي؛ منها الدراسات المتعلقة بحقوق الإنسان في السنة النبوية، وحقوق النفس البشرية، ووثيقة المدينة، والكرامة الإنسانية وتطبيقاتها الفقهية، وهي توفر خلفية مفاهيمية وشرعية مهمة للبحث.
ويختلف البحث الحالي عن هذه الدراسات في أنه لا يقتصر على تأصيل الكرامة وحدها، ولا على الأمن الاجتماعي وحده، وإنما يسعى إلى الربط التحليلي بينهما من خلال السيرة النبوية، وذلك باستقراء مظاهر صيانة الكرامة ثم تحليل آثارها المباشرة في الأمن والسلم والتماسك والتعايش والعدالة والاستقرار الاجتماعي. وبحسب مجموعة الدراسات السابقة التي تمت مراجعتها لهذه المقالة، يمثل هذا الربط المحور الرئيس الذي تسعى الدراسة الحالية إلى إبرازه.
حدود البحث
تتحدد الدراسة من الناحية الموضوعية في بحث صيانة الكرامة الإنسانية في السيرة النبوية وأثرها في تحقيق الاستقرار الاجتماعي، ولا تهدف إلى استقصاء جميع مسائل حقوق الإنسان في الفقه الإسلامي أو جميع قضايا الأمن الاجتماعي، وإنما تقتصر على المسائل المرتبطة مباشرة بعنوان البحث.
أما من الناحية المصدرية، فتعتمد الدراسة على القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الثابتة، ومصادر السيرة النبوية المعتمدة، مع الاستفادة من كتب التفسير والفقه والمقاصد، والدراسات المعاصرة المتخصصة في الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان والأمن والسلم والتعايش الاجتماعي.
ومن الناحية الزمنية، ترتبط الدراسة بالمرحلة النبوية من البعثة إلى وفاة النبي ﷺ، مع التركيز على الوقائع التي يظهر فيها أثر صيانة الكرامة في بناء العلاقات الاجتماعية، ولا سيما أحداث المجتمع المدني؛ لما اشتملت عليه من تنظيم للعلاقات بين مختلف الفئات، والمؤاخاة، والتكافل، والعهود، وأحكام السلم والحرب.
منهج البحث
اعتمد البحث بصورة أساسية على المنهج الاستقرائي التحليلي؛ وذلك باستقراء الآيات القرآنية والأحاديث والوقائع الواردة في السيرة النبوية ذات الصلة بالكرامة الإنسانية، ثم تصنيفها بحسب موضوعاتها وتحليل دلالاتها وآثارها الاجتماعية.
كما استفاد البحث من المنهج الوصفي في بيان مفهوم الكرامة الإنسانية ومظاهرها وواقع تطبيقها في السيرة، ومن المنهج الوثائقي أو المكتبي في الرجوع إلى المصادر الأصلية من كتب الحديث والسيرة والتفسير، وإلى الدراسات العلمية المعاصرة ذات الصلة.
ولم يقتصر البحث على جمع النصوص والوقائع، بل سعى إلى تحليل العلاقة بين السبب والنتيجة؛ أي بين صيانة الكرامة من جهة، وتحقيق الأمن والسلم والثقة والتكافل والتعايش والاستقرار من جهة أخرى. وبهذا يكون المنهج التحليلي هو المحور الرئيس في معالجة موضوع الدراسة، بينما تؤدي المناهج الأخرى وظيفة مساندة في جمع المادة العلمية وتأصيلها ووصفها.
المبحث الأول: التأصيل الشرعي والمفاهيمي لصيانة الكرامة الإنسانية
تُعدُّ الكرامة الإنسانية من القيم المركزية التي أقام الإسلام عليها نظرته إلى الإنسان؛ إذ لم ينظر إليه بوصفه مجرد عنصر في الجماعة، أو وسيلة لتحقيق مصالح مادية، وإنما قرر له منزلةً متميزةً ناشئةً عن كونه من بني آدم الذين خصهم الله تعالى بالتكريم. ومن ثم فإن صيانة الكرامة ليست مبدأً أخلاقياً مجرداً، بل هي أصل تتفرع عنه جملة من الحقوق والأحكام المتعلقة بحفظ النفس والعرض والعقل والمال، وتحريم الظلم والإهانة والاعتداء. وقد أكدت الدراسات المعاصرة في السنة النبوية أن مناط الكرامة العامة هو وصف الإنسانية نفسه، وأن اختلاف الدين أو الانتماء لا يسلب الإنسان أصل كرامته الآدمية (الأسمري، 2021م، ص3–6).
المطلب الأول: مفهوم الكرامة الإنسانية ومكانتها في الإسلام
الفرع الأول: تعريف الكرامة الإنسانية لغةً واصطلاحاً
ترجع كلمة الكرامة إلى مادة «ك ر م»، وهي مادة تدور في أصلها حول معاني الشرف والفضل والنفاسة وعلو القدر. وقد بيّن ابن فارس أن هذا الأصل يدل على الشرف في الشيء نفسه، أو الشرف في خلق من الأخلاق (ابن فارس، 1399هـ، ج5، ص171).
وذكر الراغب الأصفهاني أن الكرم إذا وُصف به الإنسان دل على الأخلاق والأفعال المحمودة، وأن كل شيء شرف في بابه جاز وصفه بالكرم، كما عرّف الإكرام والتكريم بأنه إيصال النفع إلى الإنسان على وجه لا تلحقه فيه غضاضة أو مهانة (الراغب الأصفهاني، 1412هـ، ص707).
ويتفق هذا المعنى اللغوي مع المدلول الشرعي للكرامة؛ لأن التكريم في التصور الإسلامي لا ينحصر في إعطاء الإنسان منفعةً مادية، وإنما يتضمن الاعتراف بشرفه الآدمي، وصيانة ذاته عن الاحتقار والإذلال والعدوان. ولذلك يمكن تعريف الكرامة الإنسانية اصطلاحاً – في إطار هذه الدراسة – بأنها: المنزلة التي أثبتها الشرع للإنسان من حيث آدميته، وما يترتب عليها من وجوب صيانة نفسه وعقله وعرضه وماله وحقوقه المشروعة من الإهدار والإهانة والاعتداء.
وهذا التعريف يربط بين أمرين متكاملين: الأول هو أصل التكريم الإلهي للإنسان، والثاني هو الآثار التشريعية المترتبة على هذا التكريم. وهذه التفرقة مهمة؛ لأن الكرامة في أصلها ثابتة للإنسان، أما الأحكام الشرعية المتعلقة بحفظ النفس والمال والعرض وغيرها فهي وسائل وضمانات لحماية تلك الكرامة وتجسيدها في الواقع. وقد نبهت بعض الدراسات الحديثة إلى ضرورة عدم الخلط بين الكرامة ذاتها وبين الأحكام التي تقود إلى حمايتها وصيانتها (الأسمري، 2021م، ص5–6).
الفرع الثاني: مكانة الإنسان وتكريمه في القرآن الكريم والسنة النبوية
قرر القرآن الكريم أصل التكريم الإنساني تقريراً صريحاً في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70].
والتعبير بـ «بني آدم» له دلالة مهمة؛ إذ عُلِّق التكريم في الآية على الانتماء إلى الجنس الإنساني، ولم يُقيد ابتداءً بلون أو نسب أو قوم أو طبقة اجتماعية. وقد ذهب ابن عاشور إلى أن التكريم الوارد في الآية يتضمن ما خُصّ به الإنسان من محاسن وخصائص ومزايا لم تُجعل لغيره على الوجه نفسه، وهو تكريم يتصل بخلقة الإنسان، وقدراته، وما هيأه الله له من أسباب الحياة والتسخير (ابن عاشور، 1984م، ج15، ص165).
كما يظهر التكريم في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4].
فالتكريم الإنساني يجمع بين حسن الخلقة، والعقل، والإدراك، والقدرة على الاختيار والتعلم، وتسخير كثير من مكونات الكون للإنسان. وهذا يعني أن قيمة الإنسان في الإسلام ليست مستمدة من قوته المادية أو مركزه الاجتماعي، وإنما لها أساس أسبق من هذه الاعتبارات، هو خلق الله له وتكريمه إياه.
وقد جاءت السنة النبوية مؤكدةً لهذا المعنى. ومن الشواهد الدالة على الاعتبار الإنساني العام ما ثبت أن جنازة يهودي مرت بالنبي ﷺ فقام لها، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟» (البخاري، 1422هـ، ح1312).
فالسؤال النبوي أعاد الاعتبار إلى أصل الإنسانية، ولفت إلى أن اختلاف المعتقد لا يلغي حقيقة كون الإنسان نفساً لها اعتبارها وحرمتها.
ومن هنا فإن المكانة التي يمنحها الإسلام للإنسان تقوم على مستويين متكاملين: كرامة إنسانية عامة تثبت له بوصفه إنساناً، وكرامة مكتسبة يرتفع بها قدره عند الله بحسب الإيمان والتقوى والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
ولا تعارض بين المستويين؛ فالأولى أصل إنساني يقتضي الحماية والصيانة، والثانية منزلة دينية وأخلاقية تتفاوت بحسب التقوى والاستقامة. وقد أكد الأسمري هذا التفريق، مبيناً أن السنة تقر أصلاً عاماً للكرامة الإنسانية، ثم يضاف إليه ما يختص به المسلم من معاني الأخوة الدينية وحقوقها (الأسمري، 2021م، ص4–6).
الفرع الثالث: خصائص الكرامة الإنسانية في التصور الإسلامي
يمكن استخلاص عدد من الخصائص الأساسية للكرامة الإنسانية في التصور الإسلامي.
أولها: أنها ربانية المصدر؛ فالإنسان لم يمنح نفسه هذه الكرامة، ولم تنشأ أصلاً عن اتفاق بشري أو قرار سياسي، وإنما قررها الله تعالى بقوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. ومن ثم فإن أصلها سابق على الاعتراف الاجتماعي أو القانوني بها، وإن كانت الأنظمة والتشريعات مطالبةً بحمايتها وتنظيم آثارها.
وثانيها: العموم؛ إذ يشمل أصل الكرامة بني آدم، فلا يجوز اتخاذ الاختلاف الديني أو العرقي أو الاجتماعي مبرراً لإهدار إنسانية الإنسان أو استباحة ظلمه. وقد جعلت السنة الإنسانيةَ نفسها مناطاً لعدد من صور الحماية، وهو ما يظهر في حماية المعاهد، وتحريم ظلمه والاعتداء عليه، وفي التعامل النبوي مع غير المسلمين (الأسمري، 2021م، ص3–5).
وثالثها: الشمول؛ فالكرامة لا تتعلق بجانب واحد من الإنسان، وإنما تشمل بدنه ونفسه وعقله وعرضه وماله وخصوصيته ومشاعره. ومن ثم عدّت الدراسات الحديثية من مظاهر حمايتها: تحريم قتل النفس، وحماية الخصوصية، وصيانة الممتلكات، وحفظ كرامة غير المسلمين، وحماية ذوي الحاجات، بل وصيانة حرمة الإنسان بعد موته (الأسمري، 2021م، ص7–8).
ورابعها: أنها مقترنة بالمسؤولية؛ فتكريم الإنسان لا يعني إطلاق إرادته من كل قيد، بل يحمّله في الوقت نفسه مسؤولية احترام كرامة الآخرين وحقوقهم. وبذلك يجمع التصور الإسلامي بين حق الفرد وحق المجتمع، وبين الحرية والمسؤولية، فلا تتحول المطالبة بالكرامة إلى ذريعة للاعتداء على كرامة الغير.
وخامسها: أن أصل الكرامة لا يسقط بمجرد الخطأ أو المعصية؛ فالإنسان قد يعاقب على جريمة ثبتت عليه وفق أحكام الشريعة، غير أن العقوبة لا تعني إباحة إذلاله أو الاعتداء عليه خارج حدود الحق. وقد نبه الأسمري إلى أن تقصير الإنسان في بعض الضروريات أو مخالفته لبعض الأحكام لا يجعله فاقداً لأصل كرامته الإنسانية؛ وإنما يعاقب على موجب العقوبة لا على أساس سقوط إنسانيته (الأسمري، 2021م، ص6).
المطلب الثاني: الأسس الشرعية لصيانة الكرامة الإنسانية
الفرع الأول: حفظ النفس وحرمة الدم والعِرض والمال
يقوم البناء الشرعي لصيانة الكرامة الإنسانية أولاً على حماية الكيان الأساسي للإنسان: نفسه ودمه وعرضه وماله. وقد حرّم القرآن الاعتداء على النفس بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: 33].
كما عظّم شأن الحياة الإنسانية فقال سبحانه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].
فالحق في الحياة يمثل شرطاً سابقاً لممارسة سائر الحقوق، لأن زوال النفس ينهي إمكانية الانتفاع ببقية المصالح والحقوق؛ ولهذا جعلت الشريعة الاعتداء على الحياة من أعظم صور انتهاك الإنسان (الزحيلي، 1418هـ/1997م، ص101).
وجمعت السنة النبوية أهم عناصر الحرمة الإنسانية في خطبة جامعة، فقال النبي ﷺ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ» (البخاري، 1422هـ، ح67).
وهذا النص لا يحمي حياة الإنسان وحدها، بل يقرن بين الدم والمال والعرض، وهي من أكثر الجوانب التصاقاً بكرامته الفردية والاجتماعية.
ويتضح من ذلك أن صيانة الكرامة ليست مجرد منع القتل، بل تشمل حماية الإنسان من التشهير والقذف والاعتداء على السمعة، ومن أخذ أمواله بغير حق. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29].
وعليه، فإن اجتماع حفظ النفس والعرض والمال يكشف عن تصور متكامل للكرامة؛ فالإنسان لا يعيش كريماً بمجرد بقائه حياً، وإنما يحتاج مع الحياة إلى أمن على شخصه وسمعته وممتلكاته.
الفرع الثاني: العدل والمساواة ورفض التمييز والإهانة
يُعد العدل من أقوى الأسس التي تُصان بها الكرامة الإنسانية؛ لأن الظلم في جوهره وضع للإنسان في غير موضعه المستحق، أو إهدار لحقه بسبب القوة أو الهوى أو الانتماء. ولهذا جاء الأمر بالعدل عاماً حتى في حال الخصومة، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135].
والعدل هنا لا يتوقف عند حدود الإنصاف القضائي، بل يشكل قاعدة أخلاقية واجتماعية تمنع أن تتحول الفروق في القوة أو النسب أو المال إلى وسائل لاحتقار الآخرين أو الانتقاص من حقوقهم.
أما المساواة فأساسها وحدة الأصل الإنساني، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
فالاختلاف في الشعوب والقبائل وسيلة للتعارف، لا أساساً للتفاضل في أصل الإنسانية. وتؤكد الدراسات في حقوق الإنسان الإسلامية أن هذا الأصل يقتضي المساواة في الإنسانية والكرامة العامة، مع بقاء الفروق المشروعة المرتبطة بالمسؤوليات والأحكام (الزحيلي، 1418هـ/1997م، ص151).
ومن تطبيقات السنة في مواجهة التمييز ما وقع لأبي ذر رضي الله عنه حين عيّر رجلاً بأمه، فقال له النبي ﷺ: «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ»، ثم أمر بحسن معاملة من يكونون تحت يد الإنسان، وإطعامهم وإلباسهم وعدم تكليفهم ما يغلبهم (البخاري، 1422هـ، ح30).
فالنص لا يكتفي بتحريم الإهانة، بل يعالج أصلها الفكري المتمثل في شعور الإنسان بالتفوق على غيره بسبب النسب أو الوضع الاجتماعي.
كما حرّم القرآن صوراً أخرى تمس الكرامة النفسية والاجتماعية فقال: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ… وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: 11].
فالسخرية واللمز والتنابز ليست مجرد أخطاء لسانية، وإنما اعتداءات معنوية على اعتبار الإنسان ومكانته داخل المجتمع، ولذلك جاء النهي عنها في سياق بناء مجتمع يحفظ لأفراده احترامهم المتبادل.
الفرع الثالث: الحرية وحفظ الحقوق الإنسانية الأساسية
لا تنفصل الكرامة الإنسانية عن قدر معتبر من الحرية؛ لأن إلغاء إرادة الإنسان وتحويله إلى أداة في يد غيره يناقض ما منحه الله من عقل واختيار ومسؤولية. ومن أبرز الدلالات القرآنية في هذا الباب قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256].
ويقرر هذا النص أصلاً في منع الإكراه على الاعتقاد، بما يدل على أن الإيمان الذي يعتد به شرعاً لا يقوم على إجبار الإنسان على مجرد النطق، وإنما يرتبط بالاعتقاد والإرادة.
وتتسع الحماية الشرعية لتشمل حقوقاً أساسية أخرى؛ فحرمة المال مقررة بقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: 29]، وحرمة الخصوصية مقررة بالنهي عن التجسس: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12]، وحرمة المسكن مقررة بقوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النور: 27]. وبهذا تتجاوز الكرامة المستوى النظري لتتحول إلى ضمانات تمس الحياة الخاصة والعلاقات الاجتماعية والممتلكات.
غير أن الحرية في التصور الإسلامي ليست مرادفةً للفوضى أو للتحلل من المسؤولية؛ فهي تمارس داخل إطار يمنع الإضرار بالنفس والغير، ويحفظ الحقوق المتبادلة. ومن ثم تتكامل الحرية مع العدل، كما يتكامل حق الإنسان مع واجبه؛ فلا يصح أن يُطلب حق الكرامة لفرد على حساب إهدار كرامة آخر.
المطلب الثالث: مقاصد الشريعة في صيانة الكرامة الإنسانية
الفرع الأول: علاقة الكرامة بحفظ الضروريات الخمس
تكشف مقاصد الشريعة عن البعد العميق لصيانة الكرامة؛ إذ لم تقتصر الشريعة على تقرير مبدأ التكريم، وإنما أقامت منظومة تشريعية لحماية المصالح التي لا تستقيم حياة الإنسان بدونها. وقد قرر الشاطبي أن الضروريات التي ترجع إليها مصالح الدين والدنيا هي: حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، وأن اختلالها يؤدي إلى اختلال نظام الحياة ومصالحها (الشاطبي، 1417هـ، ج2، ص17–20).
وترتبط هذه الضروريات بالكرامة ارتباطاً وثيقاً؛ فحفظ النفس يصون الوجود الإنساني، وحفظ العقل يحمي أهليته للإدراك والاختيار، وحفظ النسل يصون الأسرة والأنساب، وحفظ المال يحفظ استقلال الإنسان المادي وحقه في الانتفاع المشروع، وحفظ الدين يحمي علاقته بخالقه وقيامه بالتكليف. وباجتماعها يتكون الإطار الذي يمكن للإنسان أن يعيش داخله حياة آمنة ومنظمة وكريمة.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين أصل الكرامة وبين حفظ الضروريات؛ فالكرامة الآدمية ليست جائزة يمنحها المجتمع للإنسان إذا حافظ على الضروريات ثم يسلبها منه إذا خالف، وإنما هذه الضروريات هي من أهم المجالات التي وضعت الشريعة أحكاماً لحمايتها. ولهذا فإن وقوع الإنسان في جريمة لا يسوغ ظلمه أو إهانته خارج العقوبة المشروعة؛ لأنه يعاقب على فعله مع بقاء أصل آدميته مصوناً (الأسمري، 2021م، ص6).
الفرع الثاني: رفع الضرر والمشقة ومنع الإذلال والاعتداء
من المقاصد المرتبطة بصيانة الإنسان أن الشريعة لم تُبن على تعذيبه وإعناته، وإنما راعت قدرته وأحواله، وشرعت من الرخص والتيسير ما يدفع عنه الحرج غير المعتاد. قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].
وقال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78].
وقد جعل علماء المقاصد رفع الضيق والحرج من أبرز معاني الحاجيات التي شرعت للتوسعة على المكلفين ودفع المشقة عنهم (الشاطبي، 1417هـ، ج2، ص10).
ولا يقتصر رفع الضرر على المجال البدني؛ بل يدخل فيه الضرر المعنوي الذي يلحق الإنسان بالإهانة والتحقير والتشهير. ولذلك جاءت الشريعة بمنظومة من النواهي التي تحفظ المشاعر والسمعة والخصوصية، فحرمت السخرية واللمز والتنابز بالألقاب وسوء الظن والتجسس والغيبة في سياق واحد تقريباً في سورة الحجرات [11–12]. ودلالة ذلك أن حفظ الكرامة النفسية والاجتماعية جزء من البناء الأخلاقي للمجتمع، وليس مسألة ثانوية يمكن التساهل فيها.
كما أن منع الاعتداء يشمل الضعيف بصفة خاصة؛ لأن اختلال موازين القوة قد يجعل الضعيف أكثر عرضة لامتهان كرامته. ومن ثم جاءت السنة بحماية الفئات المحتاجة، والخدم، والفقراء، وغيرهم من صور الاستغلال، وعدّت الدراسات المتخصصة ذلك من أبرز مظاهر حماية الكرامة في الهدي النبوي (الأسمري، 2021م، ص7–8).
الفرع الثالث: تحقيق العدالة والمصلحة الإنسانية والاجتماعية
تتجه مقاصد الشريعة في مجموعها إلى جلب المصالح ودرء المفاسد عن الإنسان في دنياه وأخراه. وقد قرر الشاطبي أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل، وهو أصل يوضح أن الأحكام الشرعية لا تنفصل عن غاية إصلاح الإنسان وحفظ نظام حياته (الشاطبي، 1417هـ، ج2، ص8–9).
ويأتي العدل في قلب هذا البناء المقاصدي؛ لأنه يضمن إيصال الحقوق إلى أصحابها، ويمنع القوة من التحول إلى وسيلة للظلم والإذلال. ولذلك لم يجعل القرآن العدل موقفاً اختيارياً مرتبطاً بالمحبة، بل أمر به حتى مع من توجد تجاههم خصومة أو كراهية: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8]. وهذا الربط بين العدل والتقوى يدل على أن العدل في التصور الإسلامي قيمة دينية وإنسانية في الوقت نفسه.
ومن الناحية الاجتماعية، فإن صيانة الكرامة تحقق مصلحة تتجاوز الفرد نفسه؛ إذ إن المجتمع الذي يأمن أفراده على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، ويشعرون فيه بأن حقوقهم محفوظة وأنهم لا يتعرضون للإذلال بسبب الضعف أو النسب أو اللون، يكون أقدر على بناء الثقة والتعاون. وعلى العكس من ذلك فإن انتهاك الكرامة يولد الشعور بالظلم والاحتقان ويضعف الانتماء والثقة بين الأفراد والمؤسسات. ومن هنا تمثل الكرامة حلقة وصل بين المصلحة الفردية والمصلحة الاجتماعية، وهو ما يمهد لتحليل أثرها في الأمن والتماسك والاستقرار الاجتماعي في المبحث الثالث.
وبناءً على ما سبق، يتبين أن صيانة الكرامة الإنسانية في الإسلام ليست حكماً جزئياً منفصلاً، وإنما تقوم على منظومة مترابطة تبدأ بالتكريم الإلهي لبني آدم، ثم تتجسد في حفظ النفس والعقل والعرض والمال والحقوق، وتتعزز بالعدل والمساواة ومنع الإهانة والاعتداء، وتنتهي إلى تحقيق مصالح الإنسان والمجتمع. وبهذا التأصيل يصبح الانتقال إلى دراسة المظاهر التطبيقية لصيانة الكرامة في السيرة النبوية انتقالاً من الأصل النظري إلى الممارسة العملية.
المبحث الثاني: مظاهر صيانة الكرامة الإنسانية في السيرة النبوية
لم تكن صيانة الكرامة الإنسانية في السيرة النبوية مبدأً نظرياً مجرداً، بل تحولت إلى منظومة عملية ظهرت في تعامل النبي ﷺ مع مختلف فئات المجتمع؛ فأحاط الضعفاء والخدم بالعناية، وأوصى بالنساء، ورحم الأطفال، ووقّر كبار السن، وأقام العلاقات بين المسلمين على الأخوة والتكافل، كما نظّم علاقة المجتمع المسلم بغير المسلمين على أسس من العهد والعدل وحفظ الحقوق. ولم تتوقف هذه الصيانة عند حالة السلم، بل ظهرت كذلك في ظروف النزاع والحرب؛ من خلال حسن معاملة الأسرى، والنهي عن قتل النساء والصبيان، وفتح أبواب الأمان عند القدرة والانتصار.
ومن هنا تبرز القيمة العلمية لدراسة الكرامة الإنسانية من خلال السيرة التطبيقية؛ إذ تكشف الوقائع النبوية أن الكرامة لم تكن مرتبطة بالقوة أو الغنى أو الجنس أو السن أو الانتماء الاجتماعي، كما لم تكن الحرب مبرراً لإلغاء كل الضوابط الأخلاقية. وهذا ما يسمح بالنظر إلى السيرة بوصفها نموذجاً عملياً يجمع بين تقرير الحقوق، وتربية الضمير، وتنظيم العلاقات الاجتماعية بما يحفظ الإنسان ويحدّ من أسباب الظلم والاحتقان والتفكك.
المطلب الأول: صيانة الكرامة في التعامل مع أفراد المجتمع المسلم
الفرع الأول: صيانة كرامة الضعفاء والفقراء والخدم
احتلت الفئات الضعيفة في المجتمع مساحة واضحة في الهدي النبوي؛ لأن ضعف الإنسان المادي أو الاجتماعي قد يجعله أكثر عرضة للاحتقار أو الاستغلال أو الإقصاء. ولهذا عمل النبي ﷺ على تصحيح النظرة التي تجعل القوة أو الغنى أساساً للتفاضل الاجتماعي. فقد روى البخاري عن مصعب بن سعد أن سعداً رضي الله عنه رأى أن له فضلاً على من دونه، فقال له النبي ﷺ: «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ» (البخاري، ١٤٢٢هـ، ج٤، ص٣٦، ح٢٨٩٦).
فالحديث ينقل الضعفاء من موقع الهامش الاجتماعي إلى موقع ذي قيمة في حياة الجماعة، ويقاوم نزعة الاستعلاء التي قد تنشأ لدى صاحب القوة أو المال أو المكانة.
وتتضح الدلالة الاجتماعية لهذا التوجيه في أن النبي ﷺ لم يكتف بالمطالبة بالشفقة على الضعفاء، بل أعاد تشكيل معيار النظر إليهم؛ فالضعيف ليس إنساناً ناقص القيمة بسبب ضعفه، ولا يجوز أن تكون قلة المال أو القوة مسوغاً لإهدار اعتباره. وبهذا يصبح احترام الضعفاء جزءاً من بناء مجتمع لا تقاس فيه كرامة الفرد بمقدار ما يملكه من أدوات القوة، وإنما تحفظ له إنسانيته ومكانته داخل الجماعة.
ويظهر هذا المعنى بصورة أكثر تفصيلاً في معالجة النبي ﷺ لعلاقة السيد بمن يكون تحت يده. فلما عيّر أبو ذر رضي الله عنه رجلاً بأمه، أنكر عليه النبي ﷺ ذلك وقال: «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ»، ثم وجّه إلى إطعام من يكون تحت اليد مما يأكل صاحبه، وإلباسه مما يلبس، وعدم تكليفه ما يغلبه، فإن كُلِّف به أُعين عليه (البخاري، ١٤٢٢هـ، ج١، ص١٥، ح٣٠).
وتكشف هذه الواقعة عن عدة أبعاد في صيانة الكرامة. أولها أن الإهانة بسبب الأصل أو النسب عُدّت مظهراً من مظاهر الجاهلية، فلا يقرها الانتساب إلى الإسلام. وثانيها أن العلاقة بالخادم لم تترك لمجرد سلطة الأقوى، بل ضُبطت بحقوق مادية وأخلاقية؛ من الطعام واللباس وعدم التكليف بما يفوق الطاقة. وثالثها أن التعبير النبوي بالأخوة يحدّ من تحويل العلاقة الاجتماعية إلى وسيلة للإذلال، حتى مع بقاء الفروق في المواقع والوظائف.
ولم يكن ذلك توجيهاً قولياً فحسب، بل ظهر في الممارسة اليومية للنبي ﷺ. فقد قال أنس بن مالك رضي الله عنه: «خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ»، ولم يكن يعاتبه على كل فعل أو ترك (البخاري، ١٤٢٢هـ، ج٨، ص١٤، ح٦٠٣٨).
وهذه شهادة صادرة عن شخص عاش تجربة الخدمة المباشرة في بيت النبي ﷺ زمناً طويلاً، ولذلك تمثل دليلاً تطبيقياً مهماً على أن الرفق بالخادم واحترام مشاعره لم يكونا مجرد توجيه للآخرين، وإنما كانا جزءاً من السلوك النبوي نفسه.
وتؤكد عائشة رضي الله عنها هذا الجانب حين ذكرت أن رسول الله ﷺ لم يضرب امرأة ولا خادماً بيده، في وصفها لسيرته العملية (مسلم، د.ت.، ج٤، ص١٨١٤، ح٢٣٢٨).
وبذلك تتكامل الشواهد القولية والعملية لتدل على منهج يضبط استعمال السلطة، ويمنع تحول التفوق الاجتماعي أو الأسري إلى مبرر للمهانة أو الاعتداء.
وعليه، فإن صيانة كرامة الضعفاء والفقراء والخدم في السيرة لا تختزل في الإحسان المادي، بل تقوم على إزالة الاحتقار، وضبط القوة، والاعتراف بالقيمة الإنسانية، وإدماج الفئات الضعيفة في بنية المجتمع. وهذا البعد ذو أثر اجتماعي بالغ؛ لأن المجتمع الذي يشعر فيه الضعيف أنه محل احترام وعناية يكون أبعد عن مشاعر الإقصاء والعداء، وهو ما يمهد بصورة مباشرة لتحقيق التماسك والاستقرار الاجتماعي.
الفرع الثاني: صيانة كرامة المرأة والطفل وكبار السن
أولت السيرة النبوية عناية خاصة بالفئات التي قد تكون أكثر عرضة للضعف أو الإهمال، ومن أبرزها النساء والأطفال وكبار السن. ولا تقوم هذه العناية على مجرد العاطفة، بل تمتزج فيها الحقوق بالرحمة وحسن المعاشرة والاحترام، بما يجعل الكرامة مرتبطة بالحياة اليومية للفرد داخل أسرته ومجتمعه.
ففي شأن المرأة جاءت الوصية النبوية الصريحة: «وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» (البخاري، ١٤٢٢هـ، ج٧، ص٢٦، ح٥١٨٥–٥١٨٦).
وهذه الوصية تضع حسن التعامل مع المرأة ضمن التوجيه النبوي العام، بما يستلزم تجنب الإيذاء والإهانة وسوء العشرة، ومراعاة طبيعة العلاقة الأسرية القائمة على المسؤولية والمعروف.
والأهم من ذلك أن السلوك النبوي نفسه قدم تطبيقاً عملياً لهذه الوصية؛ فقد قررت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ لم يضرب امرأة ولا خادماً بيده (مسلم، د.ت.، ج٤، ص١٨١٤، ح٢٣٢٨).
ودلالة هذا السلوك تتجاوز مجرد الامتناع عن الإيذاء البدني؛ إذ يعكس منهجاً في ضبط القوة داخل العلاقات الخاصة، حيث يكون الإنسان أقدر على ممارسة السلطة وأبعد عن رقابة المجتمع. ومن ثم فإن صيانة كرامة المرأة تبدأ من المعاملة اليومية داخل الأسرة، لا من الشعارات المجردة وحدها.
أما الطفل، فقد رسخت السيرة في التعامل معه قيمة الرحمة والتعبير عن المودة. فقد قبّل النبي ﷺ الحسن بن علي رضي الله عنهما، فلما ذكر الأقرع بن حابس أن له عشرة من الولد لم يقبل منهم أحداً، قال النبي ﷺ: «مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ» (البخاري، ١٤٢٢هـ، ج٨، ص٧، ح٥٩٩٧).
فإظهار المحبة للطفل في الهدي النبوي ليس نقصاً في الهيبة، بل هو مظهر من مظاهر الرحمة التي يحتاج إليها في نموه النفسي والاجتماعي.
ويمكن استنباط بعد مهم للكرامة من هذا الموقف؛ فالطفل مع صغر سنه ليس شيئاً مهملاً داخل البناء الأسري، وإنما هو إنسان له حاجاته النفسية والعاطفية. ولذلك فإن احتضانه وملاطفته والتعبير عن الرحمة تجاهه يسهم في بناء شعوره بالأمن والقيمة، وهو ما يجعل حماية كرامته جزءاً من التربية النبوية.
وكذلك أولت السنة كبار السن مكانة تناسب ضعفهم الجسدي وتقدمهم في العمر. فقد جاء عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ» (أبو داود، د.ت.، ج٤، ص٢٦١، ح٤٨٤٣).
وقد حَسَّن شعيب الأرناؤوط إسناده. فإكرام الكبير لا يقدم في هذا التوجيه باعتباره مجرد عادة اجتماعية، بل رُبط بإجلال الله تعالى، بما يمنحه بعداً دينياً وأخلاقياً راسخاً.
ويكشف الجمع بين المرأة والطفل وكبير السن عن خاصية مهمة في المنهج النبوي، وهي أن صيانة الكرامة لا تعني معاملة جميع الناس بطريقة متماثلة في كل جزئية، وإنما تعني إعطاء كل فئة ما تحتاج إليه من حماية واحترام ورعاية بما يناسب حالها. فالطفل يحتاج إلى الرحمة والتربية، والكبير إلى التوقير والرعاية، والمرأة إلى حسن المعاشرة وصيانة الحقوق؛ وبذلك تتحقق الكرامة من خلال مراعاة الخصائص والحاجات، لا بإلغائها.
الفرع الثالث: صيانة الكرامة من خلال الأخوة والتكافل والمساواة
لم تقتصر السيرة النبوية في صيانة الكرامة على حماية الفرد من الاعتداء، بل أقامت علاقات المجتمع المسلم على روابط إيجابية تحول دون العزلة والإقصاء. ومن أبرز التطبيقات في هذا المجال المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار بعد الهجرة إلى المدينة. فقد أورد ابن هشام عن ابن إسحاق أن النبي ﷺ آخى بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، داعياً إياهم إلى التآخي في الله (ابن هشام، ١٣٧٥هـ، ج١، ص٥٠٥).
وتتجاوز دلالة المؤاخاة مجرد إعلان رابطة معنوية؛ إذ كانت آلية لإعادة بناء النسيج الاجتماعي في المجتمع المدني الجديد. فبدلاً من بقاء المهاجر فرداً منفصلاً عن البيئة الجديدة، ربطته المؤاخاة بعلاقة مباشرة مع أخ من الأنصار. وبهذا أسهمت في نقل الفرد من حالة الغربة إلى الانتماء، ومن الحاجة المنفردة إلى التعاون، ومن العصبية القبلية الضيقة إلى رابطة دينية واجتماعية أوسع.
ويتفق هذا التطبيق مع القاعدة النبوية التي عبّر عنها النبي ﷺ بقوله: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ»، ثم ربط الأخوة بقضاء الحاجة وتفريج الكربة والستر (البخاري، ١٤٢٢هـ، ج٣، ص١٢٨، ح٢٤٤٢).
فالأخوة هنا ليست وصفاً عاطفياً مجرداً؛ وإنما تترتب عليها التزامات عملية تمنع الظلم والتخلي عن المحتاج، وتوجب التعاون في معالجة الكرب والحاجات.
ويكتمل هذا البناء بالتكافل الاجتماعي؛ لأن كرامة الإنسان قد تتعرض للانتقاص عندما يصبح عاجزاً عن حاجاته الأساسية ولا يجد من يقف معه. ولذلك يظهر التكافل في السنة باعتباره أداةً للوقاية من التهميش الاجتماعي، لا مجرد فضيلة فردية. وقد خلصت دراسة معاصرة حول الأمن المجتمعي في السنة إلى أن عموم التكافل الاجتماعي يمثل أحد المحاور الرئيسة في بناء الأمن المجتمعي، إلى جانب التحلي بالفضائل والتشريعات التي تحمي النظام العام (آدم، ٢٠١٧م، ص٨٢–٩٤).
كما أن هذه الأخوة تحمل مضموناً يحد من الاستعلاء الطبقي؛ فالضعيف لا يجوز احتقاره، والخادم يعامل بالرفق، والمحتاج تقضى حاجته، ومن نزلت به كربة لا يترك وحده. وهكذا تتحول المساواة في أصل الكرامة إلى ممارسات اجتماعية، ويصبح التضامن أحد الضمانات العملية لحفظها.
ومن خلال ذلك يتضح أن المؤاخاة والتكافل والمساواة تؤدي وظيفة مزدوجة: فهي من جهة تحفظ كرامة الفرد وتمنعه من الوقوع في العزلة والإذلال، ومن جهة أخرى تصنع شبكةً من العلاقات القائمة على الثقة والنصرة المتبادلة؛ وهي عناصر سيكون لها أثر مباشر في تحقيق الاستقرار الاجتماعي، كما سيأتي في المبحث الثالث.
المطلب الثاني: صيانة كرامة غير المسلمين في السيرة النبوية
الفرع الأول: حفظ حقوق غير المسلمين وحريتهم الدينية
تكشف السيرة النبوية عن أن اختلاف الدين لم يكن بمجرده مبرراً لإباحة النفس أو المال أو إلغاء العهود. بل فرّق المنهج النبوي بوضوح بين المخالف المسالم أو صاحب العهد وبين من دخل في حالة الحرب والعدوان، ورتب على العهد حقوقاً وحرمات يجب الوفاء بها.
ومن أقوى النصوص الدالة على ذلك قول النبي ﷺ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» (البخاري، ١٤٢٢هـ، ج٤، ص٩٩، ح٣١٦٦).
فالوعيد الشديد يدل على أن حياة المعاهد ليست أمراً مباحاً بسبب اختلاف عقيدته، بل هي نفس محمية بالعهد، وأن الاعتداء عليها جريمة ذات تبعة دينية، لا مجرد مخالفة سياسية أو إدارية.
وتتجلى دلالة هذا النص على الكرامة في أن الحماية لم تجعل الإسلام شرطاً لحفظ أصل النفس عند قيام العهد والأمان؛ وإنما ربطت الحكم بالوضع الشرعي للعلاقة. وهذا يبين أهمية الالتزامات والعهود في المجتمع المتعدد، ويمنع أن يتحول الاختلاف الديني إلى فوضى تبيح للأفراد الاعتداء على بعضهم بعضاً.
كما أن صيانة المخالف لم تقتصر على منع الاعتداء عليه، بل شملت استمرار العلاقات الإنسانية والرحمية. فقد قدمت أم أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها عليها وهي مشركة، فسألت أسماء النبي ﷺ هل تصلها، فقال: «نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ» (البخاري، ١٤٢٢هـ، ج٣، ص١٦٤، ح٢٦٢٠).
فالاختلاف الديني لم يلغ حق الأم في البر والصلة، وهو شاهد عملي على أن الاختلاف العقدي لا يلزم منه قطع كل رابطة إنسانية واجتماعية.
أما الحرية الدينية في المجتمع المدني النبوي فقد ظهر جانب مهم منها في صحيفة المدينة، حيث أبقت الجماعات اليهودية المشمولة بها على هويتها الدينية، وجاء فيها: «لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ وَلِلْمُسْلِمِينَ دِينُهُمْ» ضمن منظومة من الحقوق والالتزامات المشتركة (ابن هشام، ١٣٧٥هـ، ج١، ص٥٠١–٥٠٤).
وهذا النص لا يعني انعدام المرجعية العامة أو الواجبات المنظمة للمجتمع، لكنه يدل على أن الدخول في النظام السياسي والاجتماعي للمدينة لم يكن مشروطاً بالتخلي عن الهوية الدينية الخاصة.
ومن ثم فإن صيانة الكرامة الدينية في السيرة تقوم على معادلة دقيقة: الاعتراف بالاختلاف العقدي من جهة، وإقامة العلاقة العامة على العهد والحقوق والواجبات من جهة أخرى. وهذا التفريق يمنع الخلط بين ثبات الموقف العقدي وبين إهدار حقوق المخالف أو إذلاله بسبب دينه.
الفرع الثاني: وثيقة المدينة وأثرها في ترسيخ المواطنة والتعايش
تمثل صحيفة المدينة إحدى أهم الوثائق التي تكشف عن طريقة النبي ﷺ في تنظيم مجتمع متنوع دينياً وقبلياً بعد الهجرة. فقد ضم المجتمع المدني المهاجرين والأنصار، وجماعات يهودية، ومكونات قبلية متعددة، فكان لابد من إطار ينظم الحقوق والالتزامات والعلاقات العامة، ويمنع أن تتحول التعددية إلى صراع دائم.
وقد أورد ابن هشام نص الصحيفة عن ابن إسحاق، ومن أحكامها تقرير التعاون والعدل، وحماية المظلوم، وتنظيم النفقات المشتركة في حالات الدفاع، وإقرار الجماعات اليهودية على دينها، وربط أطراف الصحيفة بالتزامات متبادلة في حماية المدينة وعدم نصرة المعتدي (ابن هشام، ١٣٧٥هـ، ج١، ص٥٠١–٥٠٤).
وتشير الدراسات التطبيقية للسيرة إلى أن الصحيفة نظمت العلاقة بين الفئات المختلفة في المدينة، وأقرت عناصر من العدالة والأمن والتعاون والحقوق الدينية والاجتماعية (كهوس، ٢٠١٦م، ص١٢٣–١٣٠).
وتتجلى صيانة الكرامة في هذه الوثيقة من عدة جهات. فمن جهة أولى، لم تتعامل مع التنوع الديني على أساس الإلغاء القسري، بل أبقت للجماعات هويتها الدينية. ومن جهة ثانية، جعلت العلاقات العامة محكومة بقواعد لا بأهواء القبائل والأفراد. ومن جهة ثالثة، ربطت الحقوق بالمسؤوليات؛ فالحماية يقابلها الالتزام بالعهد، والأمن يقابله عدم نصرة المعتدي، والانتماء إلى المجتمع يقابله التعاون في دفع الأخطار المشتركة.
وقد لاحظت الدراسة التطبيقية للتعايش في السيرة أن الصحيفة جمعت بين الحرية الدينية والعدل والتعاون والتراحم، وربطت بين فئات المجتمع في نظام يرفض الانتقام القبلي والعنف والظلم، ويؤسس لعلاقات قائمة على الحقوق والواجبات (كهوس، ٢٠١٦م، ص١٢٩).
أما استعمال مصطلح «المواطنة» في تحليل هذه الوثيقة، فينبغي أن يكون استعمالاً علمياً منضبطاً؛ لأن اللفظ بمفهومه القانوني الحديث لم يكن مصطلحاً مستعملاً في البيئة النبوية. إلا أن من الممكن الحديث عن معانٍ وظيفية مشتركة مع مفهوم المواطنة، مثل الانتماء إلى مجال اجتماعي وسياسي مشترك، وحماية المقيمين فيه، وتنظيم الحقوق والواجبات، والتعاون في مواجهة الأخطار، مع بقاء الخصوصيات الدينية للجماعات. وبهذا نتجنب إسقاط جميع مفاهيم الدولة الحديثة على مجتمع القرن الأول الهجري، مع الاستفادة من الدلالات التنظيمية الواضحة للصحيفة.
وتتأكد هذه الدلالة بما تضمنته الصحيفة من تقرير حق الجماعات في دينها، ومنع الظلم عنها، وتنظيم التعاون والنصرة بين أطرافها. وقد خلصت دراسة كهوس إلى أن النموذج النبوي في المدينة أرسى قواعد عملية للتعايش بين المسلمين وغير المسلمين، وربط الأمن الاجتماعي باحترام الحقوق والخصوصيات والتعاون العام (كهوس، ٢٠١٦م، ص١٢٩–١٣١).
وعليه، فإن أهمية صحيفة المدينة في موضوع الكرامة لا ترجع إلى كونها مجرد وثيقة تاريخية، وإنما إلى أنها نقلت احترام الإنسان والمخالف من المستوى الأخلاقي الفردي إلى المستوى التنظيمي الجماعي؛ فالحقوق لم تعد متروكة لمزاج الأفراد، بل أصبحت جزءاً من نظام يحكم العلاقة بين مكونات المجتمع. وهذه النقلة تعد من أهم وسائل استدامة الكرامة وتحويلها إلى عامل من عوامل الاستقرار الاجتماعي.
الفرع الثالث: العدل والإحسان في التعامل مع المخالفين
يقوم التعامل النبوي مع المخالف على الجمع بين وضوح الاختلاف العقدي وبين العدل في المعاملة. ولذلك فإن السيرة لا تقدم نموذجاً يلغي الاختلاف، ولا نموذجاً يجعل الاختلاف سبباً لازماً للعداوة والاعتداء؛ وإنما تميز بين المخالف المسالم والمعتدي، وبين حق الإنسان في الحماية وبين الموقف من معتقده.
ومن النماذج البليغة في ذلك موقف النبي ﷺ من جنازة اليهودي. فقد مرت به جنازة فقام لها، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟» (البخاري، ١٤٢٢هـ، ج٢، ص٨٥، ح١٣١٢).
وبصرف النظر عن الخلاف الفقهي المتعلق بحكم القيام للجنازة لاحقاً، فإن لفظ النبي ﷺ في الواقعة يحمل دلالة إنسانية ظاهرة؛ إذ وجّه النظر إلى حقيقة أن الميت «نفس» بشرية، ولم يجعل كونه يهودياً مانعاً من هذا الاعتبار.
كما يظهر الإحسان مع المخالف في قصة أسماء مع أمها المشركة السابقة؛ فصلة الرحم بقيت مطلوبة رغم اختلاف الدين. وهذا يبين أن السيرة لم تجعل المخالفة العقدية حاجزاً يمنع كل صور البر والمعروف، وإنما أبقت للعلاقات الإنسانية والرحمية مجالها المشروع (البخاري، ١٤٢٢هـ، ج٣، ص١٦٤، ح٢٦٢٠).
ويتضح هذا المنهج أيضاً في علاقات النبي ﷺ مع الجماعات اليهودية في المدينة في مرحلة التزامها بالعهد؛ إذ تشير دراسة السيرة التطبيقية إلى أن العلاقة قامت على موادعة تحفظ الدماء والأموال والأعراض ما دام العهد قائماً، وأن صحيفة المدينة أسهمت في إرساء الأمن بين مكونات المجتمع قبل وقوع حالات نقض العهود اللاحقة (كهوس، ٢٠١٦م، ص١٣٠).
ومن التطبيقات الأخرى ذات الدلالة صلح الحديبية؛ فقد قبل النبي ﷺ الدخول في اتفاق يوقف الحرب بين المسلمين وقريش، مع ما تضمنه الاتفاق من شروط رأى بعض الصحابة أنها شديدة على المسلمين. ويظهر من دراسة الحدث أن حقن الدماء وفتح المجال للسلم كانا من النتائج البارزة للصلح، وأنه جسد استعداداً نبوياً لاختيار التسوية السلمية متى أمكن ذلك دون إهدار أصول الدين (كهوس، ٢٠١٦م، ص١٣١–١٣٢).
ويكشف ذلك عن أن صيانة كرامة المخالف لا تعني التسوية بين العقائد أو تعطيل الأحكام الشرعية، وإنما تعني منع الظلم، والوفاء بالعهد، وإبقاء أبواب البر والتواصل المشروع مفتوحة، وضبط الخصومة بقواعد أخلاقية وشرعية. وهذا التوازن هو الذي يسمح ببناء تعايش واقعي لا يقوم على محو الفروق، ولا على تحويلها إلى صراع دائم.
المطلب الثالث: صيانة الكرامة الإنسانية في حالات النزاع والحرب
إذا كانت صيانة الكرامة في حالة السلم أمراً ظاهراً، فإن اختبار قوتها الحقيقي يظهر في حالات النزاع؛ لأن الحرب تضعف عادةً القيود الاجتماعية وتزيد احتمال الانتقام والتجاوز. ولذلك فإن دراسة السيرة في هذا المجال تكشف أن الدخول في حالة الحرب لم يكن يعني رفع جميع الضوابط المتعلقة بحرمة الإنسان؛ بل بقيت هناك قيود تحدد من يجوز قتاله، وكيف يعامل الأسير، ومتى يُمنح الأمان.
الفرع الأول: صيانة كرامة الأسرى
يمثل التعامل مع أسرى بدر نموذجاً مهماً في هذا الباب. فقد أورد ابن إسحاق – كما نقله ابن هشام – أن النبي ﷺ حين أقبل بالأسرى فرقهم بين أصحابه، وأوصاهم بقوله: «اسْتَوْصُوا بِالْأُسَارَى خَيْرًا». وذكر في الخبر أن أبا عزيز بن عمير، وكان من الأسرى، حكى أن الأنصار الذين كان فيهم كانوا يقدمون له الخبز ويأكلون هم التمر امتثالاً للوصية بحسن معاملة الأسرى (ابن هشام، ١٣٧٥هـ، ج١، ص٦٤٥).
ومن جهة التوثيق الحديثي، فإن هذا الخبر يورده ابن هشام عن ابن إسحاق في سياق أخبار السيرة، ولذلك يُستعمل هنا بوصفه خبراً سيرياً، لا على أنه رواية في الصحيحين. وقد وردت للخبر رواية موصولة عند الطبراني، مع وجود تفصيل حديثي في طرقه؛ وهو ما يقتضي المحافظة على هذا التمييز عند الاستدلال العلمي.
وتظهر قيمة هذا النموذج في أن وقوع الإنسان في الأسر لا يجعله خارج دائرة المعاملة الإنسانية. فالأسير في بدر كان من الطرف الذي جاء يقاتل المسلمين، ومع ذلك لم يُجعل أسره مبرراً لتجويعه أو إذلاله، بل وجهت الجماعة إلى حسن معاملته. ومن ثم يمكن القول إن السيرة تفرق بين تقييد حرية الأسير بسبب الحالة الحربية وبين إهدار أصل كرامته الإنسانية؛ فالأول قد تقتضيه الحرب، أما الثاني فليس نتيجة لازمة للأسر.
وتتأكد أهمية هذا التفريق من الناحية الأخلاقية؛ لأن الأسير يكون في أضعف حالاته، وقد فقد القدرة على الدفاع عن نفسه وأصبح تحت سلطة خصمه. ولذلك فإن طريقة معاملته تكشف حقيقة الالتزام الأخلاقي أكثر مما تكشفه المعاملة في حالة توازن القوة. وقدمت السيرة في هذا المجال نموذجاً يجعل السلطة على الأسير مقيدةً بالمعروف، لا مطلقةً للانتقام والإذلال.
الفرع الثاني: حماية غير المقاتلين ومنع الاعتداء عليهم
من أوضح الضوابط النبوية في الحرب التمييز بين المقاتل وغيره. فقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أن امرأة وُجدت مقتولة في بعض مغازي رسول الله ﷺ، فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان (البخاري، ١٤٢٢هـ، ج٤، ص٦١، ح٣٠١٥؛ مسلم، د.ت.، ج٣، ص١٣٦٤، ح١٧٤٤).
وتحمل هذه الواقعة دلالة مهمة؛ فوجود الفرد ضمن الجماعة التي تقع معها الحرب لا يجعله بمجرد ذلك هدفاً مباحاً، وإنما اعتبر النبي ﷺ طبيعة مشاركته في القتال. فالمرأة والصبي المذكوران في النص لم يعاملا معاملة المقاتلين لمجرد انتمائهما إلى الطرف الآخر. وبذلك يظهر أن القوة العسكرية في السيرة ليست سلطة غير محدودة، بل تخضع لضوابط تفرق بين من يباشر القتال ومن لا يباشره.
ولا يلزم من هذا القول إسقاط جميع مصطلحات القانون الدولي الإنساني المعاصر وتفصيلاته على وقائع السيرة؛ فلكل نظام سياقه ومصطلحاته. غير أن النص النبوي يثبت بوضوح مبدأ تقييد القوة وعدم إباحة القتل لمجرد الانتماء إلى مجتمع الخصم. وهذه نتيجة مباشرة في موضوع الكرامة؛ لأن الإنسان غير المشارك في القتال يحتفظ بحماية لا تزول بسبب قيام الحرب بين جماعته والمسلمين.
كما يكشف النهي عن قتل النساء والصبيان أن حماية الكرامة لا تتوقف عند حدود المجتمع المسلم. ففي ظرف الحرب، حيث تكون دوافع الانتقام أقوى، ظل هناك حد فاصل بين القتال المشروع وبين الاعتداء على من لا يدخل في دائرة الاستهداف. وهذا يجعل أخلاقيات الحرب في السيرة جزءاً من منظومة أوسع لصيانة النفس الإنسانية، لا استثناءً منها.
الفرع الثالث: العفو والرحمة واحترام الإنسان عند القدرة والانتصار
تظهر قيمة العفو والرحمة على نحو أوضح عندما يكون الإنسان قادراً على الانتقام؛ لأن الرحمة في حال الضعف قد تفرضها الضرورة، أما ضبط القوة بعد الانتصار فيكشف عن مبدأ أخلاقي أعمق. ويمثل فتح مكة نموذجاً مهماً لهذا المعنى.
ففي الرواية الصحيحة عن أبي هريرة رضي الله عنه في يوم الفتح أعلن النبي ﷺ أبواباً واضحة للأمان، فقال: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ»، وجعل لمن أغلق بابه أماناً كذلك (مسلم، د.ت.، ج٣، ص١٤٠٧، ح١٧٨٠).
وتكتسب هذه الواقعة أهميتها من سياقها؛ فقد جاء فتح مكة بعد سنوات طويلة من الصراع وما تعرض له المسلمون من أذى وإخراج وقتال، ومع ذلك فتح النبي ﷺ مسالك متعددة للأمان لمن كف عن القتال. والنص الصحيح هنا يثبت أن إلقاء السلاح والامتناع عن المواجهة كان سبباً في الحصول على الأمان، وهو ما يحد من استمرار دائرة القتل بعد تحقق الغلبة.
ولا يعني ذلك أن السيرة ألغت المسؤولية عن كل جريمة أو جعلت العفو قاعدة تمنع إقامة العدالة؛ فبين العفو والعدل مجالان متكاملان، ولكل منهما موضعه. وإنما تكمن الدلالة في أن القدرة العسكرية لم تتحول إلى إذن مفتوح بالإهانة والانتقام الجماعي، بل اقترنت بإعلان الأمان لمن خرج من حالة المواجهة.
ويكشف هذا الموقف عن بعد مهم في صيانة الكرامة الإنسانية، وهو منع الخصومة من التحول إلى عداء لا نهاية له. فإذا كان انتهاء القتال لا يعقبه إلا الانتقام والإذلال، بقيت بذور النزاع كامنةً داخل المجتمع؛ أما فتح أبواب الأمان، وضبط السلوك عند الانتصار، وإعطاء الخصم فرصة للعودة إلى حالة السلم، فيسهم في إيقاف دورة الثأر وإعادة بناء العلاقات الاجتماعية.
ومن هنا يمكن النظر إلى الرحمة والعفو عند القدرة باعتبارهما ليسا فضيلتين فرديتين فحسب، بل وسيلتين من وسائل إعادة إدماج المجتمع بعد النزاع. فصيانة كرامة الإنسان المهزوم تقلل من دوافع الانتقام، وتفتح المجال أمام التحول من علاقة الحرب إلى علاقة السلم، وهو ما يتصل اتصالاً مباشراً بمقصد الاستقرار الاجتماعي الذي ستتناوله الدراسة بالتفصيل في المبحث الثالث.
المبحث الثالث: أثر صيانة الكرامة الإنسانية في تحقيق الاستقرار الاجتماعي
تبيّن من المبحثين السابقين أن الكرامة الإنسانية في التصور الإسلامي ليست قيمةً نظرية منفصلة عن الواقع الاجتماعي، وأن السيرة النبوية جسّدتها في جملة من الممارسات التي شملت حفظ النفس والعرض والمال، ورعاية الضعفاء، وتحقيق العدل، وحفظ حقوق المخالف، وحسن معاملة الأسرى وغير المقاتلين. وإذا كانت هذه المظاهر تمثل الجانب التطبيقي لصيانة الكرامة، فإن أهميتها لا تقف عند حماية الفرد في ذاته، بل تمتد آثارها إلى بنية المجتمع كله؛ لأن شعور الإنسان بالأمان على نفسه وحقوقه ومكانته يولّد الثقة، ويحد من دوافع العدوان والثأر، ويقوي الانتماء والتعاون والتكافل.
ومن هذا المنطلق ترتبط صيانة الكرامة الإنسانية بالاستقرار الاجتماعي ارتباط الوسيلة بالغاية؛ إذ لا يتحقق الاستقرار بمجرد غياب الصراع الظاهر، وإنما يحتاج إلى بيئة يشعر فيها الأفراد بالأمن، ويثقون بعدالة العلاقات الاجتماعية، ويطمئنون إلى حفظ حقوقهم، ويتعاملون فيما بينهم على أساس الاحترام والتعاون. وقد انتهت بعض الدراسات المعاصرة في السنة النبوية إلى أن الأمن المجتمعي يقوم على منظومة متكاملة تشمل الفضائل الأخلاقية، والتكافل الاجتماعي، والتشريعات الحامية للمجتمع، كما ربطت دراسات أخرى التعايش السلمي باحترام الكرامة والحقوق والحريات ونبذ العنف والتعصب (آدم، ٢٠١٧م، ص٨٢–٩٤؛ كهوس، ٢٠١٦م، ص١١٢–١١٤).
المطلب الأول: أثر صيانة الكرامة في تحقيق الأمن والسلم الاجتماعي
الفرع الأول: إشاعة الأمن والطمأنينة بين أفراد المجتمع
يُعد الأمن من أهم المقومات التي لا تستقيم حياة الفرد والمجتمع بدونها، ولذلك قرن القرآن الكريم بين الأمن وكفاية الحاجات الأساسية، فقال تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤].
ويكشف هذا الاقتران عن أن الإنسان يحتاج إلى الأمن كما يحتاج إلى الغذاء؛ إذ لا تتحقق حياة مستقرة مع استمرار الخوف على النفس أو المال أو العرض. ومن هنا فإن صيانة الكرامة الإنسانية تسهم في الأمن من جهة أنها تضع حدوداً للاعتداء، وتمنع الإيذاء المادي والمعنوي، وتُشعر الفرد بأن حرماته مصونة داخل المجتمع. وقد وصفت دراسة الأمن المجتمعي الأمن بأنه ضرورة من ضرورات حياة الفرد والمجتمع وأساس لاستمرار العمران وحماية منجزاته، وربطته بالتكافل والأخلاق والتشريعات الحامية للأمن (آدم، ٢٠١٧م، ص٨٢–٩٤).
وهذا المعنى ظاهر في قول النبي ﷺ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» (البخاري، ١٤٢٢هـ، ج١، ص١١، ح١٠).
فالحديث يجعل سلامة الآخرين من الأذى اللفظي والجسدي من علامات كمال الإسلام، وهو توجيه بالغ الأثر في بناء الأمن الاجتماعي؛ لأن مصدر الخوف في المجتمع لا يقتصر على الاعتداء البدني، بل قد يكون في السب والشتم والقذف والتشهير والتهديد والإهانة، وكلها ممارسات تمس كرامة الإنسان وتقلل شعوره بالأمان (البخاري، ١٤٢٢هـ، ج١، ص١١، ح١٠).
ومن الناحية التحليلية، فإن صيانة الكرامة تؤسس لنوعين متكاملين من الأمن: الأمن المادي، ويتمثل في سلامة النفس والمال والبدن؛ والأمن المعنوي، ويتمثل في سلامة العرض والسمعة والمشاعر والاعتبار الاجتماعي. وقد يعيش الإنسان في مجتمع لا يتعرض فيه للقتل، لكنه لا يشعر بالأمن إذا كان عرضة للإذلال أو التنمر أو الظلم أو الاعتداء على حقوقه. ولذلك فإن المنهج النبوي يتجاوز المفهوم الضيق للأمن إلى مفهوم أوسع يجعل سلامة اللسان واليد معاً أساساً في العلاقات الاجتماعية.
كما أن الشعور باحترام الكرامة يرفع مستوى الثقة بين الفرد ومحيطه؛ فالإنسان إذا اطمأن إلى أن حقه لن يُهدر بسبب ضعفه، وأن عرضه لن يُستباح، وأن ماله لن يؤخذ بالباطل، تقل حاجته إلى الدفاع الذاتي القائم على القوة والانتقام، ويصبح أكثر استعداداً للتعاون والاندماج. ومن هنا يمكن القول إن صيانة الكرامة تعمل وقائياً قبل وقوع النزاع، لأنها تقلل من مسببات الخوف والظلم التي تتحول في العادة إلى مصادر للتوتر الاجتماعي.
وبذلك لا يكون الأمن في المنهج النبوي مجرد نتيجة لعقوبات تردع المعتدين، بل هو أيضاً ثمرة للأخلاق التي تمنع الاعتداء ابتداءً. وهذه النظرة الوقائية تتفق مع ما توصلت إليه دراسة العناية بالأمن المجتمعي من أن البناء الأخلاقي والتكافل الاجتماعي يشكلان، إلى جانب التشريع، محاور رئيسة لحماية المجتمع (آدم، ٢٠١٧م، ص٨٢–٩٤).
الفرع الثاني: الحد من العنف والعداوة والانتقام
يعد العنف الاجتماعي في كثير من صوره نتيجةً مباشرة أو غير مباشرة للشعور بالظلم والإهانة وإهدار الحقوق؛ إذ قد تتحول المظالم غير المعالجة إلى أحقاد، ثم إلى خصومات، ثم إلى اعتداء متبادل وثأر مستمر. ولذلك جاءت السنة النبوية بمعالجة جذور العداوة قبل تحولها إلى صراع مفتوح، فنهت عن التباغض والتحاسد والتدابر، ودعت إلى الأخوة وإزالة أسباب القطيعة.
قال النبي ﷺ: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا» (البخاري، ١٤٢٢هـ، ج٨، ص١٩، ح٦٠٦٥).
وهذا النص لا يقتصر على إصلاح المشاعر الفردية، بل يضع أساساً لحماية العلاقات الاجتماعية من العوامل التي تنتج الخصومة والقطيعة؛ فالحسد والبغضاء والتدابر إذا تحولت إلى نمط سائد أضعفت الثقة بين الأفراد وأوجدت مناخاً قابلاً للنزاع (البخاري، ١٤٢٢هـ، ج٨، ص١٩، ح٦٠٦٥).
وتأتي صيانة الكرامة في قلب هذه المعالجة؛ لأن منع السخرية واللمز والسب والتحقير والتعدي يحرم العداوة من كثير من أسبابها الأولية. وقد سبق أن نهى القرآن عن السخرية واللمز والتنابز بالألقاب في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ… وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١]. وليس هذا النهي أدباً لغوياً فحسب، بل هو إجراء وقائي يمنع الاعتداء المعنوي الذي قد يتحول إلى كراهية ومواجهة.
كما قررت السنة قيمة الرفق في مقابل العنف؛ فقال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ»، وبين أن للرفق من الأثر ما ليس للعنف (مسلم، د.ت.، ج٤، ص٢٠٠٣، ح٢٥٩٣).
فالرفق يحفظ للإنسان قدره عند معالجة خطئه أو مخالفته، بينما تؤدي المعالجة القائمة على الإذلال والعنف غير المنضبط إلى تعميق الخصومة وشعور المهانة (مسلم، د.ت.، ج٤، ص٢٠٠٣، ح٢٥٩٣).
ويظهر الأثر الاجتماعي بصورة أوضح في مبدأ العفو عند القدرة؛ إذ يمنع العفو المشروع استمرار سلسلة الانتقام المتبادل. وليس المراد أن العفو يحل محل العدالة في كل حال، بل إن الشريعة توازن بين حق المظلوم في الإنصاف وبين فتح باب الصلح والإصلاح، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]. فالعفو الذي يقترن بالإصلاح يهدف إلى إغلاق باب النزاع لا إلى تشجيع الظلم.
وقد برز هذا المعنى في السيرة عند القدرة والانتصار؛ إذ سبق بيان أن النبي ﷺ فتح يوم مكة أبواباً متعددة للأمان لمن ترك المواجهة وألقى السلاح. وتحليل هذا المنهج يدل على أن صيانة كرامة المهزوم وعدم تحويل النصر إلى انتقام جماعي يساعدان على إنهاء حالة الحرب ونقل الناس إلى حالة السلم. وبذلك تصبح الكرامة عاملاً في كسر دورة العنف، لا مجرد قيمة أخلاقية مستقلة.
الفرع الثالث: نشر ثقافة السلم والتسامح
إن السلم الاجتماعي لا يعني فقط توقف القتال، وإنما يشمل وجود علاقات تسمح للناس بالتعايش والتعاون وإدارة اختلافاتهم دون لجوء دائم إلى العنف. وقد عرف بعض الباحثين السلم في هذا الإطار بوصفه مفهوماً يشمل الأمن والطمأنينة مع حفظ الحقوق والحريات وأداء الواجبات، وجعل التعايش السلمي عيشاً مشتركاً يقوم على التفاهم والتعاون والتسامح بعيداً عن النزاعات والعنف (كهوس، ٢٠١٦م، ص١١٤).
ويسهم احترام كرامة الإنسان في تأسيس هذه الثقافة؛ لأن التسامح لا يمكن أن يستقر في مجتمع يرى بعض أفراده أن مخالفيهم لا يستحقون الاحترام أو الحماية. أما حين تقر حرمة النفس، ويمنع الظلم، وتحفظ الحقوق، وتضبط الخصومة، فإن الاختلاف يفقد كثيراً من قابليته للتحول إلى صراع.
وقد انتهت دراسة تطبيقية للسيرة النبوية إلى أن من أسس التعايش: العدل والمساواة والاحترام والتضامن وحرية المعتقد في إطار النظام العام، كما خلصت إلى أن صحيفة المدينة أسست لنظام اجتماعي يقوم على التعايش والتسامح والتعاون على البر والفضيلة (كهوس، ٢٠١٦م، ص١٣٨–١٣٩).
ويتفق ذلك مع دراسة مؤديات السلم الاجتماعي في السنة النبوية التي جعلت التواد والمحبة والتآلف وحسن التعامل بين الأسرة والأقارب والجيران وأفراد المجتمع، مع اختلاف المذهب والدين والثقافة، من الوسائل المؤدية إلى إزالة البغضاء والشحناء وتحقيق الأمن والسلم (المزوري، ٢٠١٥م، ص٦١–٧٢).
وعلى هذا الأساس، فإن العلاقة بين الكرامة والسلم علاقة بنيوية؛ فاحترام كرامة المخالف يساعد على إبقاء الخلاف داخل دائرة الحوار والتعامل المشروع، بينما يؤدي احتقاره وتجريده من حقوقه إلى توفير بيئة مناسبة للتعصب والعنف. ومن ثم فإن نشر ثقافة السلم لا يتحقق بالمواعظ وحدها، بل يحتاج إلى ممارسات تحفظ الحقوق وتحرم الإهانة وتربي الفرد على قبول وجود الآخر دون أن يعني ذلك التنازل عن معتقده أو مبادئه.
المطلب الثاني: أثر صيانة الكرامة في تحقيق التماسك والتعايش الاجتماعي
الفرع الأول: تعزيز الأخوة والثقة المتبادلة
يقوم التماسك الاجتماعي على وجود روابط تجعل الفرد يرى نفسه جزءاً من جماعة ذات مصالح ومسؤوليات مشتركة. وقد أقام المنهج النبوي هذه الروابط على الأخوة والتراحم والتناصر ومنع الظلم والتخلي عن المحتاج.
قال النبي ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (البخاري، ١٤٢٢هـ، ج١، ص١٢، ح١٣). والحديث ينقل العلاقة من مجرد عدم الاعتداء إلى مرتبة إيجابية أرفع، هي أن يريد الإنسان لغيره الخير الذي يريده لنفسه. وهذه القيمة إذا تحولت إلى سلوك اجتماعي تقلل الأنانية والتنافس الضار، وتزيد الثقة والاستعداد للتعاون (البخاري، ١٤٢٢هـ، ج١، ص١٢، ح١٣).
ويؤكد هذا المعنى قول النبي ﷺ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ»، ثم رتب عليه قضاء الحاجات وتفريج الكرب (البخاري، ١٤٢٢هـ، ج٣، ص١٢٨، ح٢٤٤٢).
والأخوة في هذا النص ليست مجرد انتماء اسمي، وإنما التزام عملي يمنع الظلم ويمنع التخلي عن الإنسان في وقت حاجته).
كما شبّه النبي ﷺ المجتمع المؤمن بالبناء والجسد؛ فقال: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»، وجاء كذلك تشبيه المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم بالجسد الواحد (مسلم، د.ت.، ج٤، ص١٩٩٩، ح٢٥٨٥–٢٥٨٦).
ويبرز في هذين التشبيهين أن قوة الفرد ليست منفصلة عن قوة الجماعة؛ فكل جزء يؤدي وظيفة في حماية الكل، والضرر الذي يصيب فرداً ينبغي ألا يكون شأناً خاصاً لا يعني الآخرين.
وتتصل هذه النصوص بصيانة الكرامة اتصالاً مباشراً؛ لأن الإنسان حين يعلم أن الجماعة لن تظلمه ولن تتركه عند الحاجة، وأن آلامه لا تقابل باللامبالاة، ينمو لديه الشعور بالثقة والانتماء. أما حين يشعر أن المجتمع لا يحترمه إلا إذا كان قوياً أو غنياً، فإن روابط الثقة تضعف ويصبح الانتماء شكلياً.
ومن ثم فإن صيانة الكرامة تخلق رأس مال أخلاقياً واجتماعياً يتمثل في الثقة المتبادلة والتعاون؛ فاحترام حقوق الفرد يدفعه إلى احترام حقوق الآخرين، والشعور بالإنصاف يزيد قابليته لتحمل مسؤولياته تجاه الجماعة. وعلى هذا النحو تتحول الكرامة من حق فردي إلى عامل من عوامل تماسك المجتمع.
الفرع الثاني: تحقيق التعايش بين مختلف فئات المجتمع
المجتمع الإنساني لا يتكون من أفراد متطابقين في الدين أو الأصل أو الثقافة أو الوضع الاجتماعي؛ ومن ثم فإن الاستقرار الحقيقي يحتاج إلى إدارة التنوع بطريقة تمنع الاختلاف من التحول إلى عدوان. وقد قدمت السيرة النبوية نماذج عملية لهذا التعايش، لاسيما في المجتمع المدني الذي ضم المهاجرين والأنصار واليهود ومكونات قبلية متعددة.
وتعد صحيفة المدينة من أبرز النماذج التنظيمية في هذا المجال؛ إذ نظمت علاقة الفئات المختلفة، وأثبتت لكل جماعة جانباً من خصوصيتها، وربطتها في الوقت نفسه بالتزامات عامة تتصل بالأمن والدفاع ومنع الظلم والعدوان. وقد انتهت دراسة كهوس إلى أن الصحيفة أسست لنظام اجتماعي متعدد الجماعات يقوم على التعايش والتسامح والتعاون، وأن السيرة اشتملت على نماذج للتعايش بين المسلمين وغيرهم مع اختلاف الدين والثقافة والانتماء (كهوس، ٢٠١٦م، ص١٣٨–١٣٩).
وتظهر العلاقة بين الكرامة والتعايش في أن الإنسان الذي تُصان نفسه وماله ومعتقده المشروع ولا يعامل بالإهانة لمجرد انتمائه يكون أقدر على الاندماج في النظام الاجتماعي العام. أما التمييز الظالم والإقصاء والإذلال فإنها تقسم المجتمع إلى جماعات متخاصمة وتشجع الانغلاق والاحتقان.
ولذلك فإن التعايش في المنهج النبوي لا يعني إلغاء الفوارق الدينية أو الفكرية، وإنما يعني تنظيم الاختلاف على قاعدة العدل وعدم الاعتداء. وهذا التفريق مهم؛ لأن الاستقرار الاجتماعي لا يتطلب أن يتبنى جميع أفراد المجتمع رأياً واحداً، ولكنه يحتاج إلى اتفاقهم على قواعد تمنع الظلم وتحمي الحقوق وتحدد المسؤوليات.
وقد ربطت دراسة السلم الاجتماعي حسن التعامل بالتواد والمحبة والتآلف بين الناس، سواء في دائرة الأسرة أو الجيران أو المجتمع الأوسع، واعتبرت تجاوز البغضاء والشحناء أساساً للعيش الآمن بين فئات مختلفة في الدين والثقافة (المزوري، ٢٠١٥م، ص٦١–٧٢).
وبهذا يظهر أن صيانة الكرامة توفر للتعايش شرطه النفسي والحقوقي معاً: فالاحترام يهيئ النفوس لقبول التعامل، والحقوق والعهود توفر الإطار الذي يحمي هذا التعامل من أن يخضع لموازين القوة وحدها.
الفرع الثالث: تقوية الانتماء والمسؤولية والتضامن الاجتماعي
الانتماء الاجتماعي لا يتولد بمجرد وجود الفرد داخل إقليم أو جماعة، بل ينمو حين يشعر أنه عنصر معتبر في المجتمع، وأن حقوقه واحتياجاته محل اهتمام، وأن عليه في المقابل مسؤوليات تجاه الآخرين. ومن هنا فإن صيانة الكرامة تعزز الانتماء؛ لأنها تحول الفرد من شخص مهمش إلى عضو له حقوق وعليه واجبات.
وقد أسست السنة لهذا التوازن بين الحق والمسؤولية؛ فكما نهت عن ظلم المسلم والتخلي عنه، حثت على قضاء حاجته وتفريج كربته. وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال إن من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة (البخاري، ١٤٢٢هـ، ج٣، ص١٢٨، ح٢٤٤٢).
فالمطلوب ليس مجرد الامتناع عن إهانة الآخر، بل المشاركة الإيجابية في حفظ كرامته حين يتعرض للضيق والحاجة.
ويؤدي هذا المنهج إلى ترسيخ المسؤولية الاجتماعية؛ لأن الفرد يتعلم أن مصالحه لا تنفصل تماماً عن مصالح الجماعة. فالجار له حق، والفقير له حق، والضعيف له حق، وصاحب الحاجة لا يترك وحده. وفي المقابل، يشعر المستفيد من هذا التضامن بأنه جزء من المجتمع لا عبء خارج عنه.
وقد جعلت دراسة الأمن المجتمعي عموم التكافل الاجتماعي أحد المحاور الثلاثة الرئيسة لتحقيق الأمن إلى جانب الأخلاق والتشريعات الحامية للنظام (آدم، ٢٠١٧م، ص٨٢–٩٤).
ويكشف ذلك عن علاقة دائرية بين الكرامة والانتماء: فالمجتمع الذي يحفظ كرامة الفرد يقوي انتماءه، والفرد الذي يزداد انتماؤه يصبح أكثر استعداداً لتحمل المسؤولية تجاه مجتمعه. أما حين يشعر الإنسان بالتهميش والإقصاء وأن الجماعة لا تحفظ له حقاً، فقد يضعف إحساسه بالمسؤولية نحوها.
ومن هنا تتضح الوظيفة الاجتماعية للتضامن؛ فهو لا يسد الحاجة الاقتصادية فحسب، بل يمنع نشوء طبقات تشعر بأنها متروكة أو محتقرة، ويربط فئات المجتمع بعضها ببعض بعلاقات من التعاون المتبادل.
المطلب الثالث: أثر العدل والتكافل وحفظ الحقوق في استدامة الاستقرار الاجتماعي
الفرع الأول: أثر العدالة والمساواة في منع النزاعات الاجتماعية
العدل من أكثر القيم اتصالاً بالاستقرار؛ لأن كثيراً من النزاعات تنشأ عندما يشعر الأفراد أو الجماعات بوجود معاملة غير عادلة أو تمييز غير مشروع أو استئثار بالحقوق. ولذلك لم يجعل القرآن العدل مرتبطاً بالمودة، بل أوجب المحافظة عليه حتى مع وجود الخصومة، فقال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].
وهذا الأصل ذو أثر مباشر في منع النزاع؛ إذ يطمئن الإنسان إلى أن الخلاف الشخصي أو الديني أو الاجتماعي لا ينبغي أن يؤدي إلى إسقاط حقه. فحين تكون العدالة فوق مشاعر الحب والكراهية تقل حاجة الأفراد إلى حماية مصالحهم بالقوة، وتزداد ثقتهم بالنظام الاجتماعي.
كما ترتبط المساواة في أصل الكرامة بمنع التمييز الذي يغذي الصراع، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣]. فالاختلاف في الأصل والقبيلة ليس سبباً مشروعاً لاستباحة الكرامة، وإنما جعل التعارف غايةً اجتماعية للتنوع.
ومن الناحية التحليلية، لا تعني المساواة إلغاء كل الفروق في الوظائف والمسؤوليات والأحكام، وإنما تعني منع تحويل الفروق غير الاختيارية أو المراكز الاجتماعية إلى مبرر للظلم والإهانة. وهنا تلتقي المساواة بالعدالة؛ فالمساواة تحمي القيمة الإنسانية الأساسية، والعدل يعطي كل ذي حق حقه بحسب ما يقتضيه الشرع.
وقد انتهت دراسة التعايش السلمي في السيرة إلى أن التعامل مع الآخر يقوم على دعائم من العدل والمساواة والاحترام والتضامن، وهي قيم تسهم في تكوين مجتمع قادر على إدارة الاختلاف دون صدام دائم (كهوس، ٢٠١٦م، ص١٣٩).
وعليه، فإن العدالة تؤدي في المجتمع وظيفتين: وقائية بمنع نشوء المظالم، وعلاجية برد الحقوق عند وقوع الاعتداء. وكلما كانت آليات الإنصاف أكثر حضوراً قل احتمال تحول المظالم الفردية إلى نزاعات أوسع تهدد استقرار المجتمع.
الفرع الثاني: أثر التكافل وحماية الفئات الضعيفة في استقرار المجتمع
لا يتحقق الاستقرار في مجتمع يترك فئاته الضعيفة تواجه الفقر والعجز والحاجة دون حماية؛ لأن الفقر الشديد والتهميش لا يمسان الجانب المادي فحسب، بل قد يمسان كرامة الإنسان وشعوره بالانتماء. ولهذا جعل الإسلام للتكافل صوراً متعددة، بعضها واجب كالزكاة والنفقات، وبعضها مندوب كالصدقات والإحسان وقضاء الحاجات.
ويظهر الجانب التنظيمي للتكافل في وصية النبي ﷺ لمعاذ رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن، إذ أمره أن يخبر الناس بأن الله فرض عليهم صدقةً «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» (البخاري، ١٤٢٢هـ، ج٢، ص١٢٨–١٢٩، ح١٤٩٦).
فالنص يوضح أن معالجة حاجة الفقير ليست متروكةً دائماً للمبادرة الفردية، بل جعلت الزكاة التزاماً مالياً تنتقل به نسبة من أموال القادرين إلى المستحقين (البخاري، ١٤٢٢هـ، ج٢، ص١٢٨–١٢٩، ح١٤٩٦).
وتكمن صلة ذلك بالكرامة في أن التكافل يمنع الإنسان من السقوط في العوز الذي قد يدفعه إلى السؤال المذل أو الاستغلال أو الانحراف. كما أن شعور الفقير بأن له حقاً معلوماً في منظومة المجتمع يختلف نفسياً واجتماعياً عن شعوره بأنه يعيش على هامش الجماعة متروكاً لمحض الشفقة.
ولا ينحصر التكافل في المال؛ بل يشمل تفريج الكرب، وقضاء الحاجات، ورعاية الضعفاء، والتعاون في الشدائد. ولذلك اعتبرت دراسة آدم عموم التكافل الاجتماعي محوراً أساسياً من محاور الأمن المجتمعي في السنة النبوية (آدم، ٢٠١٧م، ص٨٢–٩٤).
ومن هنا يمكن تفسير أثر التكافل في الاستقرار من خلال ثلاث حلقات مترابطة: فهو أولاً يسد الحاجة، وثانياً يحفظ الكرامة ويخفف شعور التهميش، وثالثاً يقوي رابطة الانتماء بين القادر والمحتاج. وهذه الآثار مجتمعة تقلل من الفجوة النفسية والاجتماعية بين طبقات المجتمع، وتدعم التضامن بدل الصراع.
ولا يعني ذلك أن التكافل وحده يعالج جميع أسباب عدم الاستقرار؛ فالاستقرار يحتاج كذلك إلى عدالة وتشريع وإدارة رشيدة. إلا أن غياب التكافل يترك فجوة كبيرة في البناء الاجتماعي، لاسيما لدى الفئات التي لا تستطيع حماية مصالحها بنفسها.
الفرع الثالث: أثر العدالة الاقتصادية وحسن إدارة المال في تحقيق الاستقرار
تمثل العدالة الاقتصادية أحد التطبيقات المهمة لصيانة الكرامة؛ لأن المال يرتبط بإشباع حاجات الإنسان الأساسية واستقلاله وقدرته على العيش بصورة كريمة. وإذا أدى سوء توزيع الموارد أو الفساد أو الاستئثار بالمال العام إلى حرمان شرائح واسعة من حقوقها، فإن الضرر لا يقف عند الاقتصاد، بل ينتقل إلى الثقة والانتماء والأمن الاجتماعي.
وقد وضع القرآن قاعدة ذات دلالة في منع انحصار الموارد العامة في دائرة ضيقة من الأغنياء، فقال تعالى في سياق الفيء:﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ [الحشر: ٧].
ودلالة الآية في سياقها أن توزيع الأموال العامة ينبغي ألا يؤدي إلى دورانها بين فئة محدودة، وهو ما يبرز البعد الاجتماعي في إدارة الموارد.
كما يؤكد حديث معاذ رضي الله عنه انتقال الزكاة من القادرين إلى المحتاجين، وهو نموذج من نماذج إعادة التوازن المالي داخل المجتمع (البخاري، ١٤٢٢هـ، ج٢، ص١٢٨–١٢٩، ح١٤٩٦).
وإلى جانب عدالة التوزيع، جاءت النصوص بتحريم الغلول والتعدي على المال العام، لأن الاعتداء عليه لا يضر بفرد واحد، وإنما يضر بحقوق المجتمع كله. ومن هنا فإن الأمانة في المال العام جزء من صيانة الكرامة الاجتماعية؛ إذ إن الموارد التي تستولى عليها فئة بغير حق قد تكون مرتبطة بحاجات عامة من إعانة الفقراء وحماية المجتمع والقيام بمصالحه.
وقد خصص محمد مصلح الزعبي دراسة مستقلة لـ الهدي النبوي في إدارة المال العام وأثره في تحقيق الاستقرار الأمني والاجتماعي، تناول فيها التخطيط المالي، وتوفير الموارد، وتنظيم النفقات، والرقابة على الإنفاق، والعدالة الاجتماعية في التوزيع، وربط الإدارة الجيدة للمال العام بتحقيق الأمن والاستقرار الاجتماعي (الزعبي، ٢٠١٨م، ص٢٨٩–٣٢٠).
ومن الناحية التحليلية، تؤثر العدالة الاقتصادية في الاستقرار عبر عدة مسارات؛ فهي تقلل شعور الحرمان غير العادل، وتزيد ثقة المجتمع في عدالة المؤسسات، وتحمي الفئات الضعيفة من التهميش، وتجعل الثروة العامة وسيلة لخدمة المصالح المشتركة بدلاً من أن تكون سبباً للصراع.
كما أن حسن إدارة المال العام يجمع بين الكفاءة والأمانة والعدالة؛ فليس المقصود مجرد كثرة الإيرادات، وإنما تحصيلها وإنفاقها بما يحقق المصالح المشروعة ويحفظ الحقوق ويمنع الاستئثار. ولذلك يكون الفساد المالي نقيضاً لصيانة الكرامة؛ لأنه ينقل الموارد من أصحاب الحقوق إلى غير مستحقيها، ويضعف الثقة بالمؤسسات، وقد يؤدي إلى اتساع الفوارق والشعور بالظلم.
وبهذا يتضح أن الاستقرار الاجتماعي المستدام يحتاج إلى عدالة لا تقتصر على القضاء والعلاقات الشخصية، بل تمتد إلى المجال الاقتصادي؛ لأن حفظ النفس والكرامة يحتاجان إلى حد معقول من الأمان المعيشي، وإلى نظام مالي لا يحرم الضعيف من حقه ولا يسمح للقوي بالاستئثار بما هو حق للجماعة.
نتائج البحث
توصل البحث إلى جملة من النتائج، من أهمها:
-
أن الكرامة الإنسانية أصل شرعي ثابت في التصور الإسلامي، يقوم على تكريم الله تعالى لبني آدم، ولا يرتبط ابتداءً بالعرق أو اللون أو المكانة الاجتماعية، وإنما يثبت للإنسان من حيث آدميته، مع تفاوت الناس في الفضل الديني بالتقوى والعمل الصالح.
-
أن صيانة الكرامة الإنسانية في الإسلام لا تقتصر على الجانب المعنوي، بل تشمل منظومة متكاملة من الحقوق والمصالح، من أبرزها حفظ النفس والعِرض والمال والعقل والحرية المشروعة، ومنع الظلم والإهانة والاعتداء.
-
أن مقاصد الشريعة تؤدي دوراً أساسياً في حماية الكرامة الإنسانية؛ إذ يرتبط حفظ الضروريات الخمس بحماية وجود الإنسان وحريته وأمنه ومصالحه الأساسية، مما يجعل الكرامة جزءاً أصيلاً من البنية المقاصدية للشريعة.
-
أظهرت السيرة النبوية أن صيانة الكرامة لم تكن مبدأً نظرياً مجرداً، بل تحولت إلى ممارسات عملية في التعامل مع مختلف أفراد المجتمع، ولا سيما الضعفاء والفقراء والخدم والنساء والأطفال وكبار السن.
-
بينت السيرة النبوية أن ضعف الإنسان الاقتصادي أو الاجتماعي لا يسقط كرامته، وأن المنهج النبوي عمل على منع احتقار الفئات الضعيفة واستغلالها، وربط التعامل معها بالرحمة والرفق والمساواة والتكافل.
-
أثبت البحث أن الأخوة والتكافل اللذين أرستهما السيرة النبوية أسهما في تحويل الكرامة من قيمة فردية إلى علاقة اجتماعية متبادلة تقوم على النصرة وقضاء الحاجات وتفريج الكرب ومنع الظلم والتخلي عن المحتاج.
-
أظهر البحث أن صيانة الكرامة في السيرة لم تقتصر على المسلمين، بل شملت غير المسلمين أصحاب العهد والأمان، من خلال حفظ النفس والحقوق، والوفاء بالعهود، وإقرار قدر من الحرية الدينية، وتنظيم العلاقات على أساس العدل وعدم الاعتداء.
-
كشفت صحيفة المدينة عن انتقال مبادئ حفظ الكرامة من المستوى الفردي إلى المستوى التنظيمي والاجتماعي؛ إذ نظمت العلاقة بين مكونات المجتمع المختلفة على أساس الحقوق والواجبات والتعاون والأمن المشترك مع بقاء الخصوصيات الدينية.
-
بينت الدراسة أن الكرامة الإنسانية ظلت معتبرة حتى في ظروف النزاع والحرب؛ وهو ما ظهر في حسن معاملة الأسرى، والنهي عن قتل النساء والصبيان وغير المقاتلين، وضبط استعمال القوة، مما يدل على أن الحرب لا تلغي جميع الضوابط الأخلاقية في المنهج النبوي.
-
أظهرت وقائع السيرة أن العفو والرحمة عند القدرة والانتصار أسهما في الحد من الانتقام الجماعي وكسر دائرة العنف، وفتح المجال للانتقال من حالة الصراع إلى حالة السلم وإعادة بناء العلاقات الاجتماعية.
-
توصل البحث إلى أن صيانة الكرامة تسهم بصورة مباشرة في تحقيق الأمن والطمأنينة؛ لأن شعور الإنسان بأن نفسه وعرضه وماله وحقوقه مصونة يقلل من الخوف ويزيد من ثقته بالمجتمع.
-
أثبتت الدراسة وجود علاقة واضحة بين حفظ الكرامة وبين الحد من العنف والعداوة والانتقام؛ إذ إن منع الإهانة والظلم والسخرية والاعتداء يعالج كثيراً من الأسباب الأولية التي قد تتحول إلى خصومات ونزاعات اجتماعية.
-
تبين أن احترام كرامة المخالف وحفظ حقوقه يوفران أساساً مهماً لـ التعايش السلمي؛ لأن التعايش لا يقوم على إلغاء الاختلاف، وإنما على تنظيمه بالعدل والحقوق والعهود ومنع الاعتداء.
-
أظهر البحث أن صيانة الكرامة تعزز الثقة المتبادلة والتماسك الاجتماعي؛ لأن الفرد حين يشعر بأنه محترم ومحمي ومساند في أوقات الحاجة يزداد انتماؤه واستعداده لتحمل مسؤولياته تجاه المجتمع.
-
توصل البحث إلى أن التكافل الاجتماعي من أهم الوسائل العملية لصيانة كرامة المحتاجين والفئات الضعيفة؛ لأنه لا يكتفي بتخفيف الحاجة المادية، بل يقلل من التهميش ويقوي شعور الفرد بالانتماء إلى الجماعة.
-
أثبتت الدراسة أن العدالة والمساواة من أهم دعائم الاستقرار الاجتماعي؛ لأنهما تمنعان تحول الاختلافات الاجتماعية والاقتصادية إلى أسباب للظلم والتمييز والصراع.
-
ظهر أن العدالة الاقتصادية وحسن إدارة المال العام يسهمان في استدامة الاستقرار من خلال حفظ الحقوق، ومنع الاستئثار والفساد، وتوجيه الموارد إلى المصالح العامة والفئات المحتاجة.
-
خلص البحث إجمالاً إلى أن العلاقة بين الكرامة الإنسانية والاستقرار الاجتماعي علاقة وثيقة ومتكاملة؛ فكلما اتسعت دائرة حفظ الحقوق والعدل والتكافل والاحترام، ازدادت فرص الأمن والتماسك والتعايش، بينما يؤدي الظلم والإهانة والإقصاء وإهدار الحقوق إلى إضعاف الثقة وتهيئة بيئة للنزاع والتفكك.
-
يتضح من مجموع السيرة النبوية أن الاستقرار الاجتماعي لا يتحقق بالقوة والردع وحدهما، وإنما يحتاج كذلك إلى منظومة أخلاقية وحقوقية تحفظ الإنسان، وتوازن بين حقوقه وواجباته، وتربط الأمن بالعدل والرحمة والتكافل.
-
تتمثل إحدى أهم النتائج العامة للدراسة في أن السيرة النبوية تقدم نموذجاً يجمع بين كرامة الفرد ومصلحة المجتمع؛ فلا تجعل حماية المجتمع مبرراً لإهدار الإنسان، ولا تجعل حقوق الفرد منفصلة عن مسؤوليته تجاه الآخرين.
التوصيات
بناءً على نتائج البحث، توصي الدراسة بما يأتي:
-
العناية بإبراز مبدأ الكرامة الإنسانية في السيرة النبوية في المناهج الشرعية والتربوية، وربطه بالتطبيقات العملية في حياة النبي ﷺ، بدلاً من الاقتصار على عرضه بوصفه مفهوماً نظرياً.
-
تشجيع الدراسات المتخصصة التي تبحث العلاقة بين القيم النبوية والقضايا الاجتماعية المعاصرة، ولا سيما الأمن الاجتماعي، والتماسك المجتمعي، والتعايش، والحد من العنف.
-
الإفادة من المنهج النبوي في صيانة كرامة الضعفاء والفقراء والخدم والنساء والأطفال وكبار السن عند وضع البرامج الاجتماعية الموجهة إلى الفئات الأكثر عرضة للتهميش أو الإقصاء.
-
تعزيز ثقافة احترام الإنسان ومنع الإهانة والسخرية والتمييز في المؤسسات التعليمية والدعوية والاجتماعية؛ لما لذلك من أثر وقائي في الحد من العداوة والعنف والتفكك.
-
ترسيخ قيم العدل والمساواة والوفاء بالعهود وحفظ الحقوق في العلاقات الاجتماعية؛ لما لها من أثر مباشر في بناء الثقة وتقليل أسباب النزاع.
-
توسيع برامج التكافل الاجتماعي بما يحفظ كرامة المحتاج، بحيث لا تقتصر على تقديم المساعدة المادية، بل تراعي كذلك دمجه في المجتمع وصيانة مشاعره واستقلاله الإنساني.
-
الإفادة من تجربة صحيفة المدينة في الدراسات المتعلقة بإدارة التنوع الديني والاجتماعي، مع مراعاة الفروق بين السياق النبوي والمفاهيم القانونية والسياسية الحديثة.
-
زيادة العناية بالدراسات المتعلقة بـ أخلاقيات النزاع في السيرة النبوية، وخاصة حماية غير المقاتلين، ومعاملة الأسرى، وضبط استعمال القوة، لما في ذلك من أهمية علمية وتربوية معاصرة.
-
العمل على نشر ثقافة العفو والإصلاح وضبط الانتقام في معالجة النزاعات الاجتماعية متى كان ذلك محققاً للعدل والمصلحة، لما لهذه القيم من دور في كسر دوائر الثأر والعداوة.
-
تعزيز مبادئ الشفافية والأمانة والعدالة في إدارة المال العام، وتوجيه الموارد بصورة تحقق المصالح الاجتماعية وتحد من الفقر والتهميش والفوارق غير العادلة.
-
توجيه الباحثين إلى إجراء دراسات ميدانية تقيس أثر حفظ الكرامة والعدل والتكافل في مستوى الثقة والانتماء والاستقرار داخل المجتمعات المعاصرة، حتى تتكامل الدراسات النصية مع الدراسات التطبيقية.
-
إعداد دراسات مستقلة أكثر تخصصاً في موضوعات فرعية، مثل كرامة غير المسلمين في السيرة، كرامة الأسرى، كرامة المرأة والطفل، أثر التكافل في الأمن الاجتماعي، والعدالة الاقتصادية في المجتمع النبوي؛ لما توفره هذه الموضوعات من مجالات بحثية قابلة للتوسع.
-
الاستفادة من السيرة النبوية في برامج المصالحة المجتمعية وبناء السلام من خلال التركيز على العدل، وحفظ الحقوق، واحترام المخالف، ومنع الإقصاء، وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع.
-
ضرورة ربط الخطاب الدعوي المتعلق بالكرامة الإنسانية بالسلوك العملي، بحيث يظهر أثره في حماية الضعيف، واحترام المخالف، والعدل في الخصومة، والرفق في التعامل، لا أن يبقى في إطار الوعظ النظري فقط.
-
تشجيع المؤسسات الأكاديمية والبحثية على العناية بالدراسات التي تجمع بين علوم السيرة النبوية والعلوم الاجتماعية؛ لأن هذا التكامل يساعد على الكشف عن الأبعاد الاجتماعية والحضارية للهدي النبوي بصورة أعمق.
المصادر والمراجع
-
القرآن الكريم.
The Holy Qur’an.
-
ابن عاشور، محمد الطاهر بن محمد. (1984م). التحرير والتنوير: تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد. تونس: الدار التونسية للنشر.
Ibn ‘Ashur, Muhammad al-Tahir ibn Muhammad. (1984). Al-Tahrir wa al-Tanwir: Elucidating the Sound Meaning and Enlightening the Modern Mind through the Exegesis of the Glorious Book. Tunis: Al-Dar al-Tunisiyyah lil-Nashr.
-
ابن فارس، أحمد بن فارس بن زكريا. (1399هـ/1979م). معجم مقاييس اللغة. تحقيق عبد السلام محمد هارون. بيروت: دار الفكر.
Ibn Faris, Ahmad ibn Faris ibn Zakariyya. (1399 AH/1979). Mu‘jam Maqayis al-Lughah (Dictionary of Linguistic Roots). Edited by ‘Abd al-Salam Muhammad Harun. Beirut: Dar al-Fikr.
-
ابن هشام، عبد الملك بن هشام المعافري. (1375هـ/1955م). السيرة النبوية. تحقيق مصطفى السقا، وإبراهيم الأبياري، وعبد الحفيظ الشلبي، ط2. مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده.
Ibn Hisham, ‘Abd al-Malik ibn Hisham al-Ma‘afiri. (1375 AH/1955). The Prophet’s Biography. Edited by Mustafa al-Saqqa, Ibrahim al-Abyari, and ‘Abd al-Hafiz al-Shalabi. 2nd ed. Egypt: Mustafa al-Babi al-Halabi and Sons Bookshop and Printing Company.
-
أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني. (د.ت.). سنن أبي داود. تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. صيدا–بيروت: المكتبة العصرية.
Abu Dawud, Sulayman ibn al-Ash‘ath al-Sijistani. (n.d.). Sunan Abi Dawud. Edited by Muhammad Muhyi al-Din ‘Abd al-Hamid. Sidon–Beirut: Al-Maktabah al-‘Asriyyah.
-
آدم، زينب مختار أحمد. (2017م). «العناية بالأمن المجتمعي في ضوء السنة النبوية». المجلة العربية للعلوم ونشر الأبحاث، مج3، ع5، ص82–94. وتؤكد بيانات المجلة المؤلف والمجلد والعدد والصفحات المذكورة.
Adam, Zainab Mukhtar Ahmad. (2017). “Promoting Community Security in Light of the Prophetic Sunnah.” Arab Journal of Sciences and Research Publishing, 3(5), 82–94. The journal’s bibliographic records confirm the stated author, volume, issue, and page range.
-
الأسمري، خالد بن جابر بن علي. (2021م). «حماية الكرامة الإنسانية في السنة النبوية». مجلة العلوم الإسلامية، مج12، ع4، ص1–28.
Al-Asmari, Khalid ibn Jabir ibn ‘Ali. (2021). “Protecting Human Dignity in the Prophetic Sunnah.” Journal of Islamic Sciences, 12(4), 1–28.
-
البخاري، محمد بن إسماعيل. (1422هـ). الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه. تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، ط1. دار طوق النجاة.
Al-Bukhari, Muhammad ibn Isma‘il. (1422 AH). The Abridged Collection of Authentic Narrations Concerning the Messenger of Allah, His Practices, and His Life. Edited by Muhammad Zuhayr ibn Nasir al-Nasir. 1st ed. Dar Tawq al-Najah.
-
البلوشي، إبراهيم بن عبد الله. (1433هـ/2012م). تحقيق الأمن الاجتماعي في ضوء السنة النبوية الشريفة. رسالة ماجستير، جامعة الشارقة، الشارقة. وقد ثبت عنوان الرسالة ودرجتها وجامعتها وسنة إنجازها في الفهرس الببليوغرافي المتاح.
Al-Balushi, Ibrahim ibn ‘Abdullah. (1433 AH/2012). Achieving Social Security in Light of the Noble Prophetic Sunnah. Master’s thesis, University of Sharjah, Sharjah. The available bibliographic catalogue confirms the thesis title, degree, university, and year of completion.
-
تركستاني، خديجة بنت عبد الحليم بن إيشان. (1434هـ/2013م). «حماية الكرامة الإنسانية في السنة النبوية». مجلة البحوث الإسلامية، ع100، ص205–280.
Turkistani, Khadijah bint ‘Abd al-Halim ibn Ishan. (1434 AH/2013). “Protecting Human Dignity in the Prophetic Sunnah.” Journal of Islamic Research, (100), 205–280.
-
الحرايزة، آثار حمود عبد الله. (2017م). المنهج النبوي في تحقيق الأمن الاجتماعي. رسالة ماجستير، الجامعة الأردنية، الأردن.
Al-Harayzah, Athar Hammoud ‘Abdullah. (2017). The Prophetic Approach to Achieving Social Security. Master’s thesis, University of Jordan, Jordan.
-
دميري، سلمى. (1445هـ/2024م). تحقيق الأمن الاجتماعي في ضوء السنة النبوية. أطروحة دكتوراه، جامعة الجزائر، الجزائر.
Damiri, Salma. (1445 AH/2024). Achieving Social Security in Light of the Prophetic Sunnah. Doctoral dissertation, University of Algiers, Algeria.
-
الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد. (1412هـ). المفردات في غريب القرآن. تحقيق صفوان عدنان الداودي، ط1. دمشق: دار القلم.
Al-Raghib al-Isfahani, al-Husayn ibn Muhammad. (1412 AH). Al-Mufradat fi Gharib al-Qur’an (A Lexicon of Uncommon Qur’anic Terms). Edited by Safwan ‘Adnan al-Dawudi. 1st ed. Damascus: Dar al-Qalam.
-
الزحيلي، محمد مصطفى. (1418هـ/1997م). حقوق الإنسان في الإسلام: دراسة مقارنة مع الإعلان العالمي والإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان. ط2. دمشق–بيروت: دار الكلم الطيب ودار ابن كثير.
Al-Zuhayli, Muhammad Mustafa. (1418 AH/1997). Human Rights in Islam: A Comparative Study with the Universal Declaration and the Islamic Declaration of Human Rights. 2nd ed. Damascus–Beirut: Dar al-Kalim al-Tayyib and Dar Ibn Kathir.
-
الزعبي، محمد مصلح. (2018م). «الهدي النبوي في إدارة المال العام وأثره في تحقيق الاستقرار الأمني والاجتماعي». مجلة جامعة الشارقة للعلوم الشرعية والدراسات الإسلامية، مج15، ع1، ص289–320.
Al-Zu‘bi, Muhammad Muslih. (2018). “Prophetic Guidance on Managing Public Funds and Its Impact on Achieving Security and Social Stability.” University of Sharjah Journal of Sharia Sciences and Islamic Studies, 15(1), 289–320.
-
الشاطبي، إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي. (1417هـ/1997م). الموافقات. تحقيق أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، ط1. دار ابن عفان.
Al-Shatibi, Ibrahim ibn Musa al-Lakhmi al-Gharnati. (1417 AH/1997). Al-Muwafaqat (The Reconciliations). Edited by Abu ‘Ubaydah Mashhur ibn Hasan Al Salman. 1st ed. Dar Ibn ‘Affan.
-
كهوس، رشيد. (2016م). «التعايش السلمي بين الشعوب والأديان: دراسة تأصيلية تطبيقية من خلال السيرة النبوية». مجلة أصول الدين، مج1، ص111–143.
Kahous, Rachid. (2016). “Peaceful Coexistence among Peoples and Religions: A Foundational and Applied Study Based on the Prophet’s Biography.” Journal of Usul al-Din, 1, 111–143.
-
المزوري، عمران محمد إسماعيل. (2015م). «مؤديات السلم الاجتماعي في السنة النبوية: الأدب مع الناس أنموذجاً». مجلة زانكو للعلوم الإنسانية، مج19، ع6، ص61–72.
Al-Mazuri, ‘Imran Muhammad Isma‘il. (2015). “Factors Promoting Social Peace in the Prophetic Sunnah: Good Manners toward Others as a Model.” Zanco Journal of Human Sciences, 19(6), 61–72.
-
مسلم، مسلم بن الحجاج النيسابوري. (د.ت.). المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله ﷺ. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
Muslim, Muslim ibn al-Hajjaj al-Naysaburi. (n.d.). The Abridged Authentic Collection of Narrations Transmitted by Trustworthy Narrators from One Another to the Messenger of Allah. Edited by Muhammad Fu’ad ‘Abd al-Baqi. Beirut: Dar Ihya’ al-Turath al-‘Arabi.