عسكرياً أم دبلوماسياً: كيف ستنتهي الحرب في السودان؟
عمر بكري محمد علي1
¹ طالب دكتوراه، كلية العلاقات الدولية والشؤون العامة، جامعة شنغهاي للدراسات الدولية، شنغهاي، الصين.
البريد الإلكتروني: omerbakryacademic@gmail.com
Militarily or Diplomatically: How Will the War in Sudan End
OMER BAKRY MOHAMEDALI¹
¹ PhD Candidate, School of International Relations and Public Affairs, Shanghai International Studies University, Shanghai, China.
Email: omerbakryacademic@gmail.com
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj710/11
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/710/11
المجلد (7) العدد (10). الصفحات: 175 - 202
تاريخ الاستقبال: 2026-09-05 | تاريخ القبول: 2026-09-15 | تاريخ النشر: 2026-10-01
المستخلص: يحلّل هذا البحث السيناريوهات المحتملة لنهاية الحرب السودانية التي اندلعت في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، ويسأل عن مدى إمكان الحسم العسكري، وفرص التسوية السياسية والدبلوماسية، ومآلات استمرار الجمود. يعتمد البحث منهجاً تحليلياً مقارناً يستفيد من تطورات الصراع وتجارب السودان والمنطقة، مع مراعاة اختلاف سياقاتها. ويرى التحليل أن تحسّن موقف القوات المسلحة واتساع قاعدة القوى الداعمة لها لا يكفيان وحدهما لضمان إنهاء الحرب، في ظل انتشار التشكيلات المسلحة وتشابك المصالح الداخلية والإقليمية. وتبقى التسوية السياسية المسار الأرجح لإنهاء مستدام، شريطة أن تتجاوز وقف إطلاق النار إلى إصلاح القطاع الأمني، ومعالجة مستقبل قوات الدعم السريع والحركات المسلحة، وتوسيع المشاركة المدنية، وإرساء العدالة والمساءلة. أما استمرار الجمود فينذر بتعميق الأزمة الإنسانية واقتصاد الحرب وتعدد مراكز السلطة، مع مخاطر تفكك الدولة وتصاعد النزعات الانفصالية في دارفور. وتخلص الدراسة إلى أن الجمع بين وقف القتال وتسوية سياسية شاملة وإعادة بناء مؤسسات الدولة هو السبيل الأقدر على منع تجدد الصراع؛ وتظل هذه السيناريوهات تقديرات تحليلية قابلة للتغير بتغير الوقائع الميدانية.
الكلمات المفتاحية: الحرب السودانية؛ الحسم العسكري؛ التسوية السياسية؛ دارفور.
Abstract: This study examines the possible scenarios for ending the war that erupted in Sudan in April 2023 between the Sudanese Armed Forces and the Rapid Support Forces. It assesses the prospects for a decisive military outcome, the opportunities for a political and diplomatic settlement, and the consequences of a prolonged stalemate. The study adopts a comparative analytical approach, drawing on developments in the conflict and experiences from Sudan and the wider region while accounting for differences in context. The analysis suggests that the improved position of the Sudanese Armed Forces and the expansion of their supporting coalition are insufficient, on their own, to bring the war to an end, given the proliferation of armed groups and the interplay of domestic and regional interests. A political settlement remains the most plausible path to a lasting end to the conflict, provided it goes beyond a ceasefire to address security sector reform, the future of the Rapid Support Forces and other armed groups, broader civilian participation, justice, and accountability. A prolonged stalemate, by contrast, risks deepening the humanitarian crisis and the war economy, entrenching competing centres of authority, and increasing the risks of state fragmentation and separatist pressures in Darfur. The study concludes that combining an end to the fighting with a comprehensive political settlement and the rebuilding of state institutions offers the strongest prospect of preventing renewed conflict. These scenarios remain analytical assessments that may change as conditions on the ground evolve.
Keywords: Sudan war; military victory; political settlement; Darfur.
مقدمة:
يعاني السودان منذ أبريل 2023 من حرب واسعة النطاق تعد من أعنف وأخطر الصراعات المسلحة في تاريخ البلاد الحديث، البلد الذي شهد منذ استقلاله سلسلة طويلة من الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة. وقد اندلعت شرارة الحرب الحالية نتيجة المواجهات المسلحة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في العاصمة الخرطوم، قبل أن تتحول خلال فترة قصيرة إلى صراع شامل استخدمت فيه مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والطيران داخل واحدة من أكثر المدن السودانية اكتظاظًا بالسكان ولم تقتصر المواجهات على العاصمة فحسب، بل سرعان ما توسعت رقعة الحرب لتشمل عددًا من الولايات والمناطق الاستراتيجية. وقد أدى اتساع نطاق الصراع جغرافيًا واستمرار العمليات العسكرية إلى جعل هذه الحرب من أكثر الحروب تدميرًا في تاريخ السودان، حيث خلفت آثارًا إنسانية واقتصادية واجتماعية واسعة، شملت انهيار قطاعات كبيرة من الاقتصاد، وتدمير البنية التحتية، ووقوع انتهاكات واسعة ضد المدنيين، إضافة إلى واحدة من أكبر موجات النزوح الداخلي واللجوء في العالم وفق تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.
ومع استمرار الصراع ودخوله عامه الرابع يطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل السودان وطبيعة نهاية هذه الحرب. فلم يعد السؤال يقتصر على إمكانية انتصار أحد الأطراف، بل أصبح يتعلق بكيفية انتهاء الحرب، وما شكل الدولة السودانية بعد توقف القتال، وهل ستكون النهاية عبر انتصار عسكري كامل، أم عبر تسوية سياسية، أم عبر استمرار حالة من الجمود والانقسام؟
وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه الورقة إلى الإجابة عن السؤال الرئيسي التالي: كيف يمكن أن تنتهي الحرب السودانية؟ وذلك من خلال دراسة السيناريوهات المحتملة لنهاية الصراع مثل هل ما زال الحسم العسكري خيارًا واقعيًا بالنسبة لطرفي الحرب؟ وهل تستطيع القوة العسكرية وحدها إنهاء الصراع في ظل طبيعة الحرب الحالية وتزايد التدخلات الإقليمية والدولية؟ أم أن الحل السياسي والدبلوماسي سيكون المسار الأكثر قابلية للتحقق؟ وكيف سيكون وضع السوداني السياسي في حالة فشل الخيار الدبلوماسي.
وتنبع أهمية هذا البحث من أن طبيعة نهاية الحرب السودانية لن تحدد مستقبل الدولة السودانية فقط، بل سيكون لها تأثير مباشر على استقرار منطقة القرن الإفريقي والساحل الإفريقي والبحر الأحمر، نظرًا للموقع الجغرافي للسودان، وتشابك علاقاته الإقليمية، ووجود امتدادات اجتماعية وقبلية مع عدد من دول الجوار.
مشكلة البحث:
تتمثل مشكلة البحث في عدم وضوح المسار الذي يمكن أن تنتهي عبره الحرب السودانية التي اندلعت في أبريل 2023، في ظل تغير السيطرة الميدانية، وتعدد القوى المسلحة، وتداخل المبادرات الدبلوماسية والمصالح الإقليمية. فالتقدم العسكري لأحد الطرفين لا يبيّن وحده ما إذا كان قادراً على إنهاء القتال ومنع تجدده، كما أن إعلان وقف إطلاق النار لا يضمن معالجة أسباب الصراع. ومن ثم يتمحور سؤال البحث حول: كيف يمكن أن تنتهي الحرب في السودان، وما الشروط التي تجعل نهايتها قابلة للاستمرار؟
ويتفرع عن هذا السؤال ثلاثة أسئلة: (1) إلى أي مدى يمكن أن يحقق أحد الطرفين حسماً عسكرياً شاملاً؟ (2) ما فرص التسوية السياسية والدبلوماسية، وما العقبات التي تواجه تنفيذها؟ (3) ما الآثار المحتملة لاستمرار الجمود العسكري على وحدة الدولة والأمن الإقليمي؟
أهداف البحث:
1. تحليل مقومات الحسم العسكري وحدوده في ضوء قدرات أطراف الحرب وتحالفاتها وتطورات الميدان.
2. بيان فرص التسوية السياسية والدبلوماسية وشروط نجاحها، ولا سيما الترتيبات الأمنية والمشاركة المدنية والمساءلة.
3. استشراف تداعيات استمرار الجمود العسكري على الدولة السودانية ودارفور ودول الجوار.
4. مقارنة السيناريوهات الثلاثة لاستخلاص المسار الأكثر قابلية لإنهاء الحرب بصورة مستدامة، مع بيان حدود هذا التقدير.
أهمية البحث:
تنبع الأهمية العلمية من جمع التفسير العسكري والسياسي والإقليمي في إطار مقارن واحد، ومن التمييز بين تحقيق مكسب ميداني وإنهاء أسباب الحرب. وتتمثل الأهمية العملية في تقديم عناصر يمكن أن يستفيد منها الباحثون وصانعو السياسات عند تقييم المبادرات الدبلوماسية وترتيبات وقف القتال وإصلاح القطاع الأمني، مع إدراك أن تقديرات السيناريوهات تتغير بتغير الوقائع.
مصطلحات البحث:
1. الحسم العسكري: قدرة أحد طرفي الحرب على فرض توقف القتال وإخضاع القوة المقابلة أو تحييدها على نطاق الدولة؛ ويميز البحث بين السيطرة الميدانية المؤقتة وإنهاء الصراع بصورة مستدامة.
2. التسوية السياسية والدبلوماسية: اتفاق تفاوضي بين الأطراف المعنية، بمساندة الوساطة عند الحاجة، يعالج وقف القتال وترتيبات الحكم والأمن والعدالة وآليات التنفيذ.
3. الجمود العسكري: استمرار القتال أو توقفه الجزئي من دون قدرة طرف على فرض نهاية شاملة أو اتفاق سياسي قابل للتطبيق، مع بقاء مناطق نفوذ متنافسة.
4. إصلاح القطاع الأمني: إعادة تنظيم المؤسسات والتشكيلات المسلحة وتحديد علاقات القيادة والرقابة المدنية والدمج أو التسريح وإعادة الإدماج ضمن ترتيبات وطنية متفق عليها.
5. اقتصاد الحرب: شبكات الحصول على الموارد والتمويل والسلع والسيطرة عليها أثناء النزاع، بما قد يخلق مصالح في استمرار القتال.
الدراسات السابقة:
1. دراسة فيرهوفن (Verhoeven، 2023): هدفت إلى تفسير موقع القوات المسلحة السودانية في بناء الدولة والتنافس مع أجهزة الأمن والقوى شبه النظامية. استخدمت منظور علم الاجتماع التاريخي، وقراءة الأدبيات التاريخية، وأكثر من مئة مقابلة أُجريت على مدى سنوات مع عسكريين وفاعلين سياسيين. وخلصت إلى أن المصالح المؤسسية للجيش ومخاوفه من التنافس الأمني وهشاشة الدولة تؤثر في سلوكه السياسي. تفيد الدراسة الحالية في تفسير جذور التنافس بين الجيش والقوات الموازية، لكنها تناولت أساساً المرحلة السابقة للحرب الحالية ولم تقارن سيناريوهات نهايتها.
2. دراسة عسل (Assal، 2023): سعت إلى تحليل خلفيات حرب 15 أبريل والتطورات السياسية التي سبقتها، واستشراف سيناريوهاتها. اعتمدت تقريراً تحليلياً للوضع السياسي وترتيبات الانتقال والعلاقات المدنية العسكرية. وأكدت أن إنهاء الحرب يتطلب معالجة أسباب الاضطراب التاريخي والملفات السياسية والأمنية التي تعثرت قبل اندلاع القتال. تستفيد الدراسة الحالية من هذا التأطير المبكر للسيناريوهات، وتضيف إليه قراءة التطورات العسكرية والسياسية اللاحقة.
3. دراسة علي (Ali، 2024): حللت أثر تغير التسليح وشبكات الدعم ومسارات الإمداد في انتقال القتال من الخرطوم إلى مناطق أخرى، مستندة إلى تحليل أنماط القتال وصور الأقمار الصناعية وحركة السلاح وشبكات التهريب. وبينت أن تشعب الفصائل والمصالح المحلية والإقليمية يجعل إنهاء المواجهة الثنائية بين الجيش والدعم السريع غير كافٍ لإنهاء الحرب. تدعم هذه النتيجة تحليل البحث الحالي لحدود الحسم العسكري وصعوبة بناء تسوية تشمل جميع الفاعلين، مع مراعاة أن تقديرها للموازين الميدانية يعكس فترة إعدادها.
4. دراسة سعيد (Saeed، 2024): راجعت ترتيبات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج في اتفاقات السلام السودانية من اتفاق أديس أبابا إلى اتفاق جوبا، وحللت الفجوة بين النصوص والتطبيق. وخلصت إلى أن ضعف التنفيذ المتكرر أضر بفرص السلام المستدام. يستفيد البحث الحالي منها عند بحث مستقبل قوات الدعم السريع والحركات المسلحة، ويؤكد أن النص على الدمج وحده لا يكفي من دون مؤسسات وآليات تنفيذ ومراقبة.
5. دراسة علي وبيرو وإلتايب (Ali et al.، 2025): رصدت تحولات القتال خلال العامين الأولين للحرب باستخدام بيانات النزاع والوقائع الميدانية، وأرجعت تقدم الجيش في وسط السودان إلى توسيع التجنيد والتحالفات المسلحة وتراجع تماسك قوات الدعم السريع. وفي الوقت نفسه أشارت إلى استمرار صعوبة القتال في دارفور واعتماد المسار اللاحق على التحالفات. تستفيد الدراسة الحالية من تفسير تغير ميزان القوى، لكنها تفحص أيضاً ما إذا كان التقدم العسكري يمكن أن يتحول إلى نهاية سياسية مستدامة.
التعقيب على الدراسات السابقة:
تكشف الدراسات السابقة أبعاداً متكاملة للصراع: جذوره المؤسسية، وخلفياته السياسية، وشبكات إمداده، ومشكلة دمج القوات، وتبدل ميزان القوى. وتختلف الدراسة الحالية عنها بتركيزها المباشر على مقارنة ثلاثة مسارات لنهاية الحرب—الحسم العسكري، والتسوية السياسية والدبلوماسية، والجمود الممتد—وربط كل مسار بشروطه ومخاطره على وحدة الدولة. وهذه مقارنة تحليلية لا اختبار تجريبي ولا تنبؤ قطعي.
منهجية البحث:
للإجابة عن أسئلة البحث، تعتمد الورقة على منهج تحليلي مقارن، من خلال دراسة تجارب عدد من الحروب والصراعات الداخلية في المنطقة، إضافة إلى الاستفادة من تجارب السودان السابقة في جنوب السودان ودارفور. ولا تهدف هذه المقارنات إلى افتراض تطابق كامل بين هذه الحالات والحالة السودانية، وإنما استخدامها لفهم مسارات مختلفة انتهت إليها الحروب الداخلية، واستشراف السيناريوهات الأكثر احتمالًا للتكرار في السودان، مع الأخذ في الاعتبار الاختلافات الجوهرية المتعلقة بطبيعة الصراع، وتركيبة المجتمع السوداني، وتوازنات القوى الداخلية والإقليمية.
المبحث الأول: الخيار الأول: الحسم العسكري
منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023، ظل خيار الحسم العسكري حاضرًا بقوة في خطاب طرفي الصراع. فقد أكدت القيادات العسكرية والسياسية لكل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، في مناسبات عديدة، أن إنهاء الحرب لن يتم إلا عبر هزيمة الطرف الآخر أو إجباره على الاستسلام([1])، وأن أي تسوية سياسية لا تسبقها مكاسب عسكرية واضحة قد لا تكون مقبولة.
غير أن استمرار الحرب لأكثر من ثلاث اعوام أعاد طرح سؤال أساسي حول واقعية هذا الخيار: هل ما زال الحسم العسكري ممكنًا؟ وإذا كان ممكنًا، فأي الطرفين يمتلك المقومات العسكرية والسياسية لتحقيقه؟
وللإجابة عن هذا السؤال، لا بد أولًا من دراسة طبيعة القوات المتحاربة، من حيث الحجم، والتسليح، والانتشار الجغرافي، ومصادر القوة والضعف لدى كل طرف، ثم مقارنة ذلك بطبيعة الحروب الداخلية المشابهة، لمعرفة مدى إمكانية إنهاء مثل هذه الصراعات بالوسائل العسكرية وحدها.
القوات المسلحة السودانية
تُعد القوات المسلحة السودانية المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة، وقد تأسست بصورتها الحديثة عقب استقلال السودان عام 1956. وقبل اندلاع الحرب، كان الجيش السوداني يمتلك بنية عسكرية تقليدية تشمل القوات البرية، وسلاح الطيران، والمدفعية، ووحدات الدعم والإسناد المختلفة، وكان يقدر عدد أفراده بنحو 250 ألف فرد بين مقاتلين وإداريين. إلا أن طبيعة الحرب الحالية فرضت تغيرات كبيرة على تركيبة القوات المسلحة وقدراتها البشرية والميدانية، حيث لم تعد تعتمد فقط على قواتها النظامية، بل توسعت قاعدة القوى المقاتلة الداعمة لها نتيجة تطورات الحرب.
أولًا: انضمام الحركات المسلحة والقوة المشتركة إلى جانب الجيش
من أبرز التطورات التي عززت موقف القوات المسلحة السودانية انضمام عدد من الحركات المسلحة إلى جانبها ضمن ما يعرف بالقوة المشتركة، وهي تشكيلات تضم حركات وقوى مسلحة كانت قد وقعت اتفاق جوبا للسلام عام 2020، ومن أبرزها حركة تحرير السودان بقيادة مني مناوي، وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، وحركة جيش تحرير السودان الانتقالي بقيادة مصطفى تمبور، وغيرها من التشكيلات المسلحة([2]).
وكانت معظم هذه الحركات قد اتخذت موقف الحياد في بداية الحرب، قبل أن تبدأ تدريجيًا في إعادة تقييم موقفها والانحياز إلى أحد طرفي الصراع. وقد بررت قيادات هذه الحركات موقفها بالعديد من الأسباب، أبرزها الاتهامات الموجهة إلى قوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، إضافة إلى الاحتكاكات العسكرية معها ومحاولات تقييد حركة هذه القوات في مناطق انتشارها([3]).
إلا أن تفسير هذا التحول لا يرتبط فقط بالعوامل الأمنية والإنسانية، بل توجد أيضًا اعتبارات سياسية مرتبطة بموقع هذه الحركات بعد سقوط نظام عمر البشير. فقد تمكن عدد من قادتها من الاندماج في العملية السياسية خلال المرحلة الانتقالية، وشغل بعضهم مناصب مهمة في مؤسسات الحكم، بما في ذلك مجلس السيادة والمناصب الوزارية. ولذلك فإن استمرار التحالف مع القوات المسلحة قد يمثل بالنسبة لبعض هذه القيادات وسيلة للحفاظ على موقعها السياسي الحالي أو تعزيز نفوذها مستقبلًا.
ومن الناحية العسكرية، شكل انضمام هذه الحركات إضافة مهمة للقوات المسلحة، إذ وفرت مقاتلين يمتلكون خبرة طويلة في الحروب داخل إقليم دارفور والمناطق الطرفية، إضافة إلى معرفتهم بالتضاريس المحلية وطبيعة العمل العسكري في بيئات مشابهة لطبيعة الصراع الحالي. كما تتميز بعض هذه القوات بمرونة أعلى في الحركة مقارنة بالقوات النظامية التقليدية بحكم خبرتها الطويلة في حرب العصابات والقتال غير النظامي.
كذلك أدى انضمام هذه القوات إلى زيادة التنوع في مصادر القوة البشرية والعسكرية للقوات المسلحة، خاصة في المناطق التي كان لقوات الدعم السريع حضور ونفوذ قوي فيها. كما ان انضمام حركات مسلحة من دافور للقوات المسلحة يقطع الطريق امام أي مناورة سياسية مستقبلية للدعم السريع للانفراد بحكم دافور باعتباره الممثل الوحيد لها. إلا أن هذا التطور يطرح في الوقت نفسه أسئلة مهمة حول مستقبل هذه القوات بعد انتهاء الحرب، ومدى إمكانية دمجها ضمن مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، خصوصًا أن أحد أسباب اندلاع الحرب الحالية كان الخلاف حول كيفية دمج قوات الدعم السريع نفسها داخل الجيش السوداني. ولهذا فإن المكاسب العسكرية التي حققها الجيش من خلال انضمام الحركات المسلحة يجب النظر إليها باعتبارها مكاسب مرحلية مرتبطة بظروف الحرب، بينما يبقى مستقبل هذه التشكيلات أحد الملفات الأساسية التي ستواجه أي عملية سياسية أو أمنية بعد انتهاء الصراع.
ثانيًا: الاستنفار الشعبي وتوسيع قاعدة القوى المقاتلة
من التطورات المهمة التي عززت موقف القوات المسلحة السودانية فتح باب الاستنفار الشعبي والانضمام إلى القتال عبر ما يعرف بـ “المقاومة الشعبية”. وقد لقي هذا الأمر استجابة واسعة، خصوصًا بين الشباب في عدد من المناطق([4])، نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة.
أول هذه العوامل هو تصاعد الغضب الشعبي تجاه قوات الدعم السريع بسبب الانتهاكات المنسوبة إليها ضد المدنيين، والتي شملت القتل والنهب والتهجير والعنف الجنسي وفق تقارير حقوقية متعددة([5]). وقد دفع ذلك بعض المواطنين إلى الانضمام للقتال بدافع الانتقام أو الرغبة في حماية مناطقهم أو مواجهة ما اعتبروه تهديدًا مباشرًا لأمنهم.
أما العامل الثاني فهو الخوف من توسع نطاق الحرب ووصولها إلى مناطق جديدة. فقد أدى تمدد قوات الدعم السريع وسيطرتها في مراحل مختلفة على مناطق استراتيجية، مثل مدينة ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة قبل أن تستعيدها القوات المسلحة لاحقًا، إلى زيادة المخاوف لدى قطاعات واسعة من السكان بشأن احتمال انتقال الحرب إلى مناطقهم. ولذلك رأى بعض المواطنين أن دعم الجيش يمثل وسيلة استباقية لمنع توسع نفوذ الدعم السريع كما حدث في الفاشر([6]).
أما العامل الثالث فهو العامل الاقتصادي والاجتماعي. فقد أدت الحرب إلى انهيار واسع في النشاط الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة والفقر، مما جعل بعض الشباب ينظرون إلى الاستنفار باعتباره مصدر دخل في ظل غياب فرص العمل، خاصة مع حصول بعض المستنفرين على مقابل مالي أو دعم مادي خلال فترة القتال.
ولا شك أن سياسة الاستنفار الشعبي ساهمت في زيادة حجم القوى البشرية الداعمة للقوات المسلحة، خصوصًا مع طول أمد الحرب وصعوبة تعويض الخسائر البشرية من القوات النظامية وحدها. إلا أن هذه السياسة تحمل في الوقت نفسه تحديات عسكرية وأمنية، إذ إن جزءًا كبيرًا من المستنفرين لا يمتلك خبرة عسكرية سابقة، وغالبًا ما تقتصر تدريباتهم على استخدام الأسلحة الخفيفة وبعض المهارات الأساسية. وهذا يجعل هذه القوات أكثر ملاءمة للقيام بأدوار المساندة والحماية المحلية، لكنها أقل قدرة على خوض عمليات عسكرية معقدة طويلة الأمد مقارنة بالقوات النظامية المدربة.
كما أعادت ظاهرة الاستنفار الشعبي إلى الواجهة تجربة قوات الدفاع الشعبي التي أنشأها نظام عمر البشير خلال الحرب الأهلية في جنوب السودان، والتي لعبت دورًا مساندًا للجيش في العمليات البرية، لكنها كانت مرتبطة بشكل وثيق بالبنية السياسية للحركة الإسلامية الحاكمة آنذاك.
وفي سياق الحرب الحالية، ظهرت مجموعات ذات طابع أيديولوجي، كان أبرزها كتيبة البراء بن مالك، والتي أصبحت من أكثر التشكيلات المرتبطة بالقتال إلى جانب القوات المسلحة. وقد أثار ظهور هذه المجموعات جدلًا سياسيًا واسعًا؛ إذ ترى بعض القوى المدنية والإقليمية أن حضور الإسلاميين داخل هذه التشكيلات يمثل مؤشرًا على عودة نفوذ الحركة الإسلامية المرتبطة بنظام البشير، بينما يرى الجيش وأنصاره أن هذه المجموعات تمثل جزءًا من تعبئة شعبية للدفاع عن الدولة في مواجهة قوات الدعم السريع([7]).
وعليه، فإن الاستنفار الشعبي يمثل سلاحًا ذا حدين؛ فمن جهة، يوفر للقوات المسلحة عمقًا بشريًا إضافيًا في حرب طويلة، ومن جهة أخرى، يطرح تحديات تتعلق بمستقبل هذه القوات المسلحة غير النظامية، ومدى قدرة الدولة لاحقًا على إعادة احتكار القوة العسكرية بعد انتهاء الحرب.
ثالثًا: الانقسامات داخل قوات الدعم السريع وأثرها على ميزان القوى
من العوامل التي أثرت على الوضع العسكري لقوات الدعم السريع خلال مراحل الحرب حدوث عدد من الانشقاقات داخل صفوفها، وانضمام بعض القيادات والعناصر إلى القوات المسلحة السودانية. ومن أبرز هذه الانشقاقات انضمام قادة ميدانيين مثل أبو عاقلة كيكل، والنور أحمد آدم (النور قبة)، وعلي رزق الله (السافنا)([8])، إلى جانب عدد من القيادات الأخرى التي كانت تمتلك خبرة قتالية وميدانية داخل قوات الدعم السريع.
ورغم أن معظم هذه الانشقاقات لم تشمل الدائرة القيادية الضيقة المحيطة بقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، فإنها مثلت ضربة معنوية وسياسية قوية، كما شكلت إضافة عسكرية للقوات المسلحة السودانية، ليس فقط من خلال انضمام مقاتلين جدد يمتلكون خبرة سابقة في القتال، وإنما أيضًا عبر حصول الجيش على معلومات ميدانية واستخباراتية من أشخاص كانوا يعملون داخل الطرف المقابل.
وتتعدد الأسباب التي تقف خلف هذه الانقسامات. يأتي في مقدمتها العامل العسكري، حيث إن تراجع وضع قوات الدعم السريع في بعض الجبهات والخسائر التي تعرضت لها جعلت بعض القيادات تعيد حساباتها بشأن مستقبل الحرب، خصوصًا مع وجود عفو معلن من قيادة القوات المسلحة تجاه العناصر والقادة الذين ينسحبون من صفوف الدعم السريع. إلى جانب العامل العسكري، تلعب العوامل القبلية والاجتماعية دورًا مهمًا في تفسير بعض الانقسامات داخل قوات الدعم السريع. فطبيعة تكوين القوة، التي ارتبطت تاريخيًا بمكونات قبلية محددة في إقليم دارفور، جعلت بعض العناصر والقيادات من خارج هذه المكونات تشعر بوجود تمييز في توزيع المناصب والنفوذ والامتيازات داخل المؤسسة. كما أن اتهامات تفضيل بعض القيادات المنتمية إلى مكونات قبلية محددة، خصوصًا من بعض فروع الزريقات، على حساب مجموعات أخرى، ساهمت في خلق حالة من التوتر الداخلي([9]). كما توجد عوامل اقتصادية وسياسية مرتبطة بظروف الحرب. فقد أدى طول أمد القتال وتراجع الموارد في بعض مناطق انتشار الدعم السريع إلى ظهور شكاوى تتعلق بالرواتب والإمداد، إضافة إلى شعور بعض القيادات بأن فرصها في الترقية والنفوذ السياسي محدودة داخل قيادة القوة. ولذلك أصبح الانضمام إلى الطرف الآخر بالنسبة لبعض المنشقين خيارًا يوفر لهم وضعًا أفضل سياسيًا وعسكريًا.
ورغم أن هذه الانقسامات تمثل مكسبًا للقوات المسلحة من الناحية العسكرية، فإنها تطرح في الوقت نفسه تحديات مستقبلية مهمة. فدمج هذه العناصر والقوات داخل الجيش السوداني يثير أسئلة معقدة حول آلية الدمج، وطبيعة الأدوار التي ستمنح لها، ومدى الالتزام بالانضباط العسكري والمهني داخل المؤسسة الجديدة. كما يبرز سؤال أكثر حساسية يتعلق بالمساءلة القانونية؛ فبعض العناصر المنشقة قد تكون شاركت في عمليات عسكرية أو انتهاكات خلال فترة وجودها داخل قوات الدعم السريع. وبالتالي فإن أي عملية دمج مستقبلية ستحتاج إلى تحقيق توازن بين متطلبات إعادة بناء المؤسسة العسكرية وبين ضرورة عدم تجاهل قضايا العدالة والمحاسبة([10]).
قوات الدعم السريع: النشأة والتطور وبناء القوة العسكرية
لفهم طبيعة قوات الدعم السريع وقدرتها على خوض حرب طويلة، لا بد من العودة إلى نشأتها وتطورها قبل اندلاع الحرب. فقد ظهرت جذور هذه القوات خلال حرب دارفور منذ عام 2003، عندما اعتمدت حكومة عمر البشير على مجموعات مسلحة محلية عُرفت باسم “الجنجويد” لمواجهة الحركات المسلحة في الإقليم([11]).
ومع مرور الوقت، سعت حكومة الإنقاذ إلى تقنين وضع هذه المجموعات ودمجها ضمن مؤسسات الدولة الأمنية، حيث تم وضعها ضمن قوات حرس الحدود، قبل أن يتم إنشاء قوات الدعم السريع رسميًا عام 2013 ووضعها تحت رئاسة الجمهورية مباشرة بدلًا من تبعيتها المباشرة للقوات المسلحة، في خطوة عكست رغبة النظام آنذاك في إنشاء قوة موازية قادرة على حماية النظام وموازنة نفوذ الجيش.
وخلال هذه المرحلة، حصلت قوات الدعم السريع على دعم سياسي وأمني كبير من حكومة البشير وأجهزتها المختلفة، مما سمح لها بتوسيع نفوذها العسكري والاقتصادي. ومن أبرز مظاهر هذا التمكين سيطرتها على مناطق تعدين الذهب، خصوصًا في جبل عامر، وتأسيس شبكات اقتصادية وتجارية خاصة وفرت لها مصادر تمويل مستقلة نسبيًا عن مؤسسات الدولة الرسمية. كما ساهمت مشاركة قوات الدعم السريع في عمليات خارج السودان، خصوصًا ضمن التحالف العربي في حرب اليمن، وفي ملفات أمنية مرتبطة بالهجرة غير النظامية، في تعزيز خبرتها العسكرية وفتح قنوات اتصال مع أطراف إقليمية مختلفة.
وبعد سقوط نظام عمر البشير عام 2019، اختار قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو الانحياز إلى عملية إطاحة النظام السابق، ثم أصبح نائبًا لرئيس مجلس السيادة خلال المرحلة الانتقالية([12]). وقد أدى هذا التحول السياسي إلى تعزيز مكانة الدعم السريع بصورة كبيرة، إذ انتقلت من قوة شبه نظامية تعمل تحت رعاية النظام السابق إلى قوة عسكرية ذات نفوذ سياسي مباشر داخل الدولة.
وقبيل اندلاع الحرب عام 2023، ارتفع عدد قوات الدعم السريع بصورة كبيرة مقارنة بالفترة السابقة. فبعد أن كان تقدير حجمها عقب سقوط البشير في حدود عشرات الآلاف، تشير تقديرات مختلفة إلى أنها تجاوزت 100 ألف مقاتل قبل بداية المواجهات مع القوات المسلحة.
ويرتبط هذا النمو السريع بعدة عوامل رئيسية:
أولًا: التحول السياسي والقانوني
ساهم حصول قائد الدعم السريع على منصب نائب رئيس مجلس السيادة في تعزيز شرعية القوة سياسيًا، وفتح المجال أمامها للتوسع في التجنيد واستقطاب المزيد من العناصر. فوجود قائدها في موقع رسمي رفيع جعلها تبدو بالنسبة لكثيرين قوة معترفًا بها داخل الدولة وليست مجرد تشكيل مسلح خارج المؤسسات. كما ساعد انخراط قوات الدعم السريع في ملفات إقليمية، مثل حرب اليمن والتطورات الأمنية في ليبيا، على بناء شبكة علاقات خارجية مع عدد من القوى الإقليمية. وبعد صعود حميدتي سياسيًا، توسعت هذه العلاقات وأصبحت عنصرًا مساعدًا في تعزيز مكانة القوة داخليًا.
ثانيا: القوة الاقتصادية والاستقلال المالي
يمثل العامل الاقتصادي أحد أهم أسباب توسع الدعم السريع. فسيطرته على مصادر دخل خاصة، خصوصًا تجارة الذهب وشركات مرتبطة بعائلة دقلو([13])، إضافة إلى مصادر مالية أخرى مرتبطة بأنشطته الإقليمية، منحته قدرة كبيرة على تمويل عملياته وتقديم رواتب وحوافز أعلى من المؤسسة العسكرية الرسمية. وقد ساعد هذا الوضع على جذب أعداد كبيرة من المنتسبين، ليس فقط من أصحاب الخلفية العسكرية، بل أيضًا من الباحثين عن فرص اقتصادية في ظل ظروف اقتصادية صعبة داخل السودان. وبذلك، دخلت قوات الدعم السريع الحرب وهي تمتلك مزيجًا من القوة العسكرية والموارد المالية والنفوذ السياسي، وهو ما جعلها في بداية الصراع خصمًا قادرًا على تهديد مؤسسة عسكرية تقليدية تمتلك تاريخًا طويلًا، رغم اختلاف طبيعة تكوين وقدرات الطرفين.
تسليح قوات الدعم السريع وقدراتها العسكرية
بدأت قوات الدعم السريع، باعتبارها قوة شبه نظامية، بتسليح تقليدي يعتمد بصورة أساسية على الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وهو أمر يتناسب مع طبيعة تكوينها الأول كقوة تعتمد على الانتشار السريع وحرب الحركة وليس على خوض مواجهات تقليدية واسعة.
إلا أن وضعها العسكري تغير بصورة كبيرة بعد سقوط نظام عمر البشير، حيث بدأت في تطوير قدراتها العسكرية ورفع مستوى تسليحها، مستفيدة من الموارد المالية المتوفرة لديها ومن علاقاتها الإقليمية. فقد تمكنت خلال السنوات السابقة للحرب من امتلاك أنواع أكثر تطورًا من الأسلحة، بما في ذلك المدفعية وبعض المعدات العسكرية الثقيلة، كما سعت إلى تطوير قدراتها في مجالات أخرى، من بينها امتلاك قدرات جوية، إلا أن اندلاع الحرب حال دون اكتمال هذا المسار.
وبعد اندلاع الحرب عام 2023، ظهرت تطورات نوعية في تسليح قوات الدعم السريع، تمثلت في امتلاكها وسائل تشويش إلكتروني، وطائرات مسيرة، وتطوير قدراتها المدفعية، إضافة إلى حصولها على وسائل دفاع جوي محدودة. وقد ساهم ذلك في تقليص إحدى أهم ميزات القوات المسلحة السودانية، وهي التفوق الجوي([14])، إذ أصبح استخدام الطيران أكثر صعوبة في بعض المناطق بسبب قدرة الدعم السريع على مواجهة بعض القدرات الجوية أو الاختباء داخل المناطق السكنية.
كما ساعدت طبيعة انتشار قوات الدعم السريع وشبكات الإمداد المرتبطة بها على استمرار قدرتها القتالية، خاصة في المناطق الحدودية مع تشاد وليبيا([15])، حيث وفرت هذه المناطق مسارات مهمة للحصول على الإمدادات العسكرية واللوجستية([16]).
ومع ذلك، فإن امتلاك هذه القدرات لا يعني بالضرورة قدرة الدعم السريع على تحقيق انتصار عسكري شامل، إذ إن طبيعة القوة وتكوينها يختلفان عن الجيش النظامي. فالدعم السريع يمتلك مرونة عالية في الحركة والانتشار، لكنه يواجه تحديات تتعلق بالقيادة والسيطرة، والاعتماد على شبكات الولاء الشخصية والقبلية، وصعوبة إدارة حرب طويلة ضد مؤسسة عسكرية تمتلك بنية تنظيمية أكثر رسوخًا.
هل يمكن إنهاء الحرب عسكريًا؟ وأي الطرفين أقرب إلى الحسم؟
بعد دراسة طبيعة القوات المتحاربة، يصبح السؤال الأساسي: هل يمكن لأي طرف إنهاء الحرب عسكريًا؟ وإذا كان ذلك ممكنًا، فأي الطرفين يمتلك فرصة أكبر لتحقيقه؟
عند النظر إلى الوضع الميداني، يبدو أن قوات الدعم السريع أصبحت أبعد عن إمكانية تحقيق حسم عسكري شامل مقارنة بوضعها في بداية الحرب. فقد دخلت الحرب وهي في وضع أكثر قوة مما هي عليه حاليًا؛ إذ كانت تمتلك انتشارًا واسعًا داخل العاصمة الخرطوم وخارجها، وعددًا كبيرًا من المقاتلين الأكثر خبرة، إضافة إلى عنصر المفاجأة والسيطرة على مواقع استراتيجية.
ففي الأيام الأولى للحرب، تمكنت قوات الدعم السريع من تحقيق تقدم مهم، حيث سيطرت على عدد من المواقع الحيوية داخل الخرطوم، بما في ذلك القصر الجمهوري وعدد من المقار الحكومية، وفرضت ضغطًا كبيرًا على القوات المسلحة داخل مقراتها.
وخلال الأشهر الأولى، امتلك الدعم السريع زمام المبادرة العسكرية، بينما ركز الجيش على الدفاع عن مواقعه واستخدام التفوق الجوي والمدفعية لتعويض صعوبة التحرك البري داخل المدن. إلا أن طبيعة القتال داخل المناطق الحضرية، واستخدام الدعم السريع للمناطق السكنية([17])، قللت من فعالية بعض عناصر التفوق التقليدي للقوات المسلحة.
كما توسع نفوذ الدعم السريع خارج الخرطوم خلال مراحل لاحقة من الحرب، حيث تمكن من السيطرة على عدد من المناطق في دارفور ووسط السودان، ووصل إلى ذروة تمدده العسكري مع سيطرته على مدينة ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة، وتهديده مناطق في شرق السودان.
إلا أن ميزان القوة بدأ يتغير تدريجيًا. فقد تمكنت القوات المسلحة السودانية من إعادة تنظيم صفوفها، وتعزيز قدرتها العملياتية، والاستفادة من انضمام الحركات المسلحة والقوى المساندة، إضافة إلى الاستفادة من التعبئة الشعبية. وأدى ذلك إلى تغير واضح في مسار الحرب، خصوصًا مع استعادة الجيش السيطرة على العاصمة الخرطوم وعدد من المدن المهمة في وسط وشرق السودان، إضافة إلى استعادة مدينة ود مدني.
ورغم تمكن قوات الدعم السريع لاحقًا من تحقيق مكسب مهم بالسيطرة على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، بعد معارك طويلة، فإن هذا التقدم لم يغير الصورة العامة للحرب بصورة جوهرية. فقد أصبح النفوذ الفعلي للدعم السريع يتركز بصورة أكبر في إقليم دارفور وبعض مناطق كردفان، بينما تراجعت قدرته على التوسع باتجاه المركز ومؤسسات الدولة الرئيسية.
وبناءً على التطورات الميدانية، فإن أقصى ما يبدو ممكنًا لقوات الدعم السريع في الوضع الحالي هو تثبيت سيطرتها على مناطق نفوذها والحفاظ على وجود سياسي وعسكري داخل دارفور، سواء تمهيدًا لتسوية سياسية أو محاولة فرض واقع منفصل بحكم الأمر الواقع.
أما القوات المسلحة السودانية، فتبدو من الناحية العسكرية الطرف الأقرب والأكثر قدرة على تحقيق تقدم حاسم، نظرًا لامتلاكها عوامل تفوق مهمة تشمل: مؤسسة عسكرية نظامية ذات تاريخ طويل وهيكل قيادي أكثر تنظيمًا. امتلاك سلاح الجو وقدرات عسكرية ثقيلة. قاعدة بشرية أكبر بعد انضمام قوى مسلحة وتوسع الاستنفار الشعبي([18]). سيطرة أكبر على مؤسسات الدولة ومواردها.
ورغم الدعم الخارجي الذي تحصل عليه قوات الدعم السريع، فإن تطور وضع القوات المسلحة خلال سنوات الحرب يشير إلى اتساع الفارق النسبي في القدرات لصالح الجيش، خصوصًا إذا استمر الصراع لفترة أطول.
لكن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة سهولة تحقيق نصر نهائي. فالتجارب التاريخية للصراعات الداخلية في السودان تشير إلى أن القوة العسكرية وحدها غالبًا ما تفشل في إنهاء النزاعات بصورة مستدامة. ويعد الصراع في جنوب السودان مثالًا واضحًا على ذلك؛ فقد استمرت الحرب لعقود رغم اختلاف موازين القوة في مراحل متعددة، وانتهت في النهاية عبر تسوية سياسية تمثلت في اتفاقية السلام الشامل عام 2005.
كما أن تجربة دارفور نفسها تقدم مثالًا مهمًا؛ فقد فشل الجيش السوداني في إنهاء التمرد هناك عسكريًا بصورة كاملة رغم أن الحركات المسلحة في ذلك الوقت كانت أضعف بكثير من قوات الدعم السريع الحالية، ولم تكن تمتلك نفس مستوى الدعم الإقليمي أو الموارد المالية.
لذلك فإن قدرة الجيش على تحقيق انتصار عسكري لا تعني بالضرورة قدرته على إنهاء جذور الصراع أو منع ظهور تمردات جديدة، خصوصًا في ظل تعقيدات السودان الاجتماعية والسياسية.
فعلى الرغم من التحسن الواضح في الوضع العسكري للقوات المسلحة السودانية مقارنة ببداية الحرب، وامتلاكها عددًا من عناصر التفوق التي تجعلها الطرف الأقرب لتحقيق تقدم عسكري، فإن قدرة الجيش على تحويل هذا التفوق إلى حسم نهائي وسريع تواجه مجموعة من التحديات المرتبطة بطبيعة الحرب نفسها. فالحروب الداخلية لا تُحسم دائمًا بمجرد امتلاك أحد الأطراف تفوقًا عسكريًا. فقوات الدعم السريع، رغم تراجع قدرتها على التوسع والسيطرة مقارنة بالمرحلة الأولى من الحرب، لا تزال تمتلك عوامل تساعدها على الاستمرار، أهمها انتشارها الجغرافي في مناطق واسعة من دارفور وبعض مناطق كردفان، وامتلاكها شبكات محلية وخارجية توفر لها القدرة على التجنيد والإمداد([19]).
في المقابل، تواجه القوات المسلحة السودانية تحديًا يتمثل في تكلفة الحرب الطويلة. فالسودان دخل الحرب وهو يعاني أصلًا من أزمة اقتصادية عميقة نتيجة سنوات من الاضطرابات السياسية، وتراجع الإنتاج، وتأثيرات جائحة كورونا، ثم تفاقمت الأزمة بعد اندلاع الحرب مع توقف العديد من المصانع، وتراجع النشاط التجاري والاستثماري([20])، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة. ويؤثر هذا الوضع بصورة مباشرة على قدرة الدولة على تمويل العمليات العسكرية لفترة طويلة. ومع استمرار تراجع الاقتصاد، تصبح تكلفة استمرار القتال عبئًا متزايدًا على الدولة ومؤسساتها.
كما أن استمرار الحرب لا يؤدي فقط إلى استنزاف الموارد المالية، بل يؤدي أيضًا إلى آثار اجتماعية وأمنية واسعة، مثل ارتفاع معدلات الجريمة، وانتشار اقتصاد الحرب، وتراجع مؤسسات الدولة المدنية، وتعميق أزمة النزوح. وكلما طال أمد الصراع، أصبح من الصعب إعادة بناء الدولة حتى في حال تحقيق انتصار عسكري.
ولهذا قد تجد القوات المسلحة نفسها أمام معضلة استراتيجية: فمن جهة، فإن استمرار الحرب يمنحها فرصة لتحسين موقفها العسكري وإضعاف قوات الدعم السريع تدريجيًا، ومن جهة أخرى، فإن طول الحرب قد يؤدي إلى استنزاف اقتصادي واجتماعي يضعف قدرة الدولة على مواصلة العمليات العسكرية بنفس الكفاءة.
كما أن تسريع العمليات العسكرية بهدف تحقيق حسم سريع يحمل بدوره مخاطر كبيرة، إذ قد يؤدي إلى ارتفاع الخسائر البشرية في بلد عانى بالفعل من موجات واسعة من القتل والنزوح. إضافة إلى ذلك، فإن طبيعة القتال داخل المدن والمناطق المأهولة تجعل تحقيق انتصار عسكري سريع أكثر صعوبة، خصوصًا مع قدرة قوات الدعم السريع على استخدام تكتيكات الحرب غير النظامية والتطور المستمر في عتاده العسكري.
دور القوى الإقليمية والدولية في ميزان القوة العسكري
لا يمكن تحليل إمكانية الحسم العسكري في السودان دون النظر إلى دور القوى الإقليمية والدولية، إذ إن الحرب لم تعد تعتمد فقط على قدرات الأطراف المحلية، بل أصبحت مرتبطة بدرجة كبيرة بشبكات الدعم الخارجي([21]). فالدول الداعمة لأطراف الصراع لا تتحرك بالضرورة وفق مصالح القوى المحلية التي تدعمها فقط، وإنما وفق حساباتها الخاصة المرتبطة بالأمن الإقليمي، والمصالح الاقتصادية، والتنافس الجيوسياسي. ولذلك فإن استمرار أو توقف الدعم الخارجي يمكن أن يؤثر بصورة مباشرة على قدرة أي طرف على مواصلة القتال.
وتوضح تجارب صراعات إقليمية أخرى أن التدخلات الخارجية قد تغير مسار الحروب بصورة كبيرة. ففي الحالة الليبية مثلًا، أدى استمرار الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة إلى إطالة أمد الصراع، كما أدى التدخل العسكري التركي عام 2020 إلى تغيير ميزان القوة ومنع قوات خليفة حفتر من السيطرة على العاصمة طرابلس.
وبالمثل، فإن استمرار تدفق الدعم الخارجي إلى أطراف الحرب السودانية قد يمنحها قدرة إضافية على الصمود والمناورة([22])، حتى في حال تعرضها لخسائر ميدانية. وفي المقابل، فإن حدوث تفاهمات بين القوى الإقليمية أو تغير أولوياتها السياسية قد يؤدي إلى تغير كبير في حسابات الأطراف المحلية.
كما تلعب الضغوط الدولية دورًا متزايدًا في التأثير على مسار الحرب. فان فرض عقوبات على شخصيات وشبكات اقتصادية مرتبطة بأطراف الصراع، يهدف تقليص قدرتها على الحصول على الموارد المالية واستمرار العمليات العسكرية.
ورغم أن العقوبات الدولية لا تؤدي بالضرورة إلى وقف الحرب بشكل مباشر، فإنها قد ترفع تكلفة استمرار القتال، خصوصًا إذا استهدفت مصادر التمويل والشبكات الاقتصادية المرتبطة بالقوى المسلحة. وفي حالة استمرار الحرب لفترة طويلة، فإن الضغوط الاقتصادية قد تصبح عاملًا مؤثرًا في دفع الأطراف نحو البحث عن تسوية سياسية.
خلاصة الخيار العسكري
بناءً على معطيات ميزان القوة الحالي، تبدو القوات المسلحة السودانية الطرف الأقرب لتحقيق تفوق عسكري نهائي مقارنة بقوات الدعم السريع، نتيجة امتلاكها مؤسسة عسكرية أكثر تنظيمًا، وموارد بشرية ومادية أكبر، وقدرتها على استعادة جزء كبير من المناطق التي فقدتها في بداية الحرب.
في المقابل، أصبحت فرص قوات الدعم السريع في تحقيق سيطرة كاملة على الدولة السودانية أقل بكثير مما كانت عليه في بداية الحرب، خصوصًا بعد فقدانها عددًا من المواقع الاستراتيجية وتراجع قدرتها على التوسع خارج مناطق نفوذها التقليدية([23]).
إلا أن ذلك لا يعني أن الحسم العسكري سيكون سهلًا أو سريعًا. فطبيعة الحرب السودانية، واتساع مساحة البلاد، وتركيبة قوات الدعم السريع، والعوامل الاقتصادية والإقليمية، تجعل من الممكن استمرار الصراع حتى مع وجود تفوق نسبي لأحد الأطراف.
كما أن التجارب التاريخية في السودان والمنطقة تشير إلى أن الانتصار العسكري لا يضمن بالضرورة بناء سلام مستدام. فقد تمكنت بعض الأطراف في صراعات سابقة من تحقيق مكاسب عسكرية مهمة، لكنها فشلت في معالجة الأسباب السياسية والاجتماعية التي أدت إلى اندلاع النزاع.
وعليه، فإن الخيار العسكري قد يكون قادرًا على تغيير ميزان القوة وفرض واقع ميداني جديد، لكنه قد لا يكون كافيًا وحده لإنهاء الأزمة السودانية بصورة نهائية. فحتى في حال تمكن أحد الأطراف من تحقيق انتصار عسكري، ستبقى الحاجة قائمة إلى تسوية سياسية تعالج قضايا الحكم، وإصلاح القطاع الأمني، ودمج القوى المسلحة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
المبحث الثاني: الخيار الثاني: الحل الدبلوماسي
إذا كان خيار الحسم العسكري، رغم بقائه احتمالًا قائمًا، يواجه صعوبات كبيرة نتيجة طبيعة الصراع وتعقيداته العسكرية والسياسية، فإن الخيار الآخر يتمثل في البحث عن تسوية دبلوماسية تنهي الحرب عبر التفاوض بين الأطراف المتحاربة. غير أن تجربة الحرب السودانية منذ اندلاعها في أبريل 2023 أظهرت أن الانتقال من الميدان العسكري إلى طاولة المفاوضات لن يكن أمرًا سهلًا، إذ اصطدمت معظم المبادرات السياسية بعقبات عميقة مرتبطة بطبيعة الصراع، وتباين أهداف الأطراف الداخلية والخارجية، وانعدام الثقة بين القوى المتحاربة.
ومنذ بداية الحرب، ظهرت عددًا من المبادرات الدبلوماسية التي قادتها أطراف إقليمية ودولية بهدف الوصول إلى وقف لإطلاق النار أو إطلاق عملية سياسية شاملة. وكان أبرز هذه المسارات محادثات جدة التي رعتها المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، إلى جانب جهود الهيئة الحكومية للتنمية (الإيغاد)، والاتحاد الإفريقي، ومحادثات جنيف، إضافة إلى مبادرات أخرى. ورغم تعدد هذه المسارات، فإنها لم تنجح حتى الآن في تحقيق وقف دائم لإطلاق النار أو الوصول إلى اتفاق سياسي شامل ينهي الحرب.([24]) ويرجع ذلك إلى مجموعة من العوامل:
يأتي في مقدمتها توقيت انطلاق معظم المبادرات، حيث بدأت العديد من محاولات الوساطة خلال الأشهر الأولى للحرب، في وقت كانت فيه العمليات العسكرية في ذروتها، ولم تكن موازين القوة قد اتضحت بشكل كامل. فقد كان كل طرف يعتقد بقدرته على تحقيق انتصار عسكري، وبالتالي لم يكن يرى في التفاوض سوى تنازل غير ضروري أو محاولة من الطرف الآخر لكسب الوقت وإعادة ترتيب صفوفه([25]).
ففي المراحل الأولى من النزاع، تعامل طرفا الحرب مع الصراع باعتباره معركة يمكن حسمها عسكريًا خلال فترة قصيرة، الأمر الذي جعل سقف المطالب مرتفعًا للغاية. فقد اعتقدت القوات المسلحة السودانية أن استعادة السيطرة على المراكز الحيوية للدولة ستؤدي إلى انهيار قوات الدعم السريع، بينما راهنت الأخيرة على قدرتها على تحقيق تقدم عسكري يمكنها من فرض واقع سياسي جديد. ونتيجة لذلك، أصبحت المبادرات الدبلوماسية في تلك المرحلة تصطدم برفض الطرفين تقديم تنازلات حقيقية، باعتبار أن تحقيق النصر العسكري كان لا يزال هدفًا ممكنًا.
ومع مرور الوقت، بدأت صورة الصراع تصبح أكثر وضوحًا، إذ اتضح أن أياً من الطرفين غير قادر على تحقيق حسم عسكري كامل في المدى القريب.
هذا الواقع دفع بعض القوى الإقليمية والدولية إلى إعادة التركيز على خيار التسوية السياسية باعتباره المسار الأكثر واقعية لإنهاء الحرب. إلا أن انتقال الأطراف من منطق الحرب إلى منطق التفاوض لم يعنِ بالضرورة قبولها بتسوية عادلة أو شاملة، بل أدى في كثير من الأحيان إلى محاولة كل طرف تحسين موقعه العسكري والسياسي قبل الدخول في أي اتفاق نهائي. فأصبحت المعارك على الأرض مرتبطة بشكل مباشر بطاولة التفاوض، حيث يسعى كل طرف إلى تحقيق مكاسب ميدانية تمنحه أوراق ضغط أكبر للحصول على شروط أفضل في أي تسوية مستقبلية.
كما أن استمرار الحرب أدى إلى تعقيد الموقف السياسي بسبب تصاعد الانتهاكات الإنسانية، خصوصًا تلك المنسوبة إلى قوات الدعم السريع ضد المدنيين في مناطق مختلفة، والتي شملت عمليات قتل ونهب وعنف جنسي وتهجير قسري وفق تقارير منظمات حقوقية دولية([26]). وقد أدى ذلك إلى تراجع القبول الشعبي بأي تسوية قد تُفسر بأنها تمنح هذه القوات شرعية سياسية دون معالجة قضايا العدالة والمساءلة. بل ظهرت داخل السودان أصوات تطالب بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، حتى في الحالات التي انضمت فيها مجموعات منشقة من الدعم السريع إلى صفوف القوات المسلحة.
ومن جهة أخرى، فإن تعقيد المشهد السوداني الداخلي يمثل عقبة إضافية أمام أي حل دبلوماسي. فالحرب لم تعد محصورة بين طرفين عسكريين فقط، بل أصبحت مرتبطة بشبكة واسعة من القوى السياسية والحركات المسلحة والمكونات الاجتماعية التي تختلف في رؤيتها لمستقبل الدولة السودانية. فإلى جانب القوات المسلحة والدعم السريع، توجد حركات مسلحة وقوى سياسية ومدنية لكل منها مصالح ومخاوف خاصة، الأمر الذي يجعل الوصول إلى اتفاق ثنائي بين طرفي القتال غير كافٍ لضمان استقرار طويل الأمد.
كما لعبت مسألة الثقة بين الأطراف السودانية دورًا رئيسيًا في إفشال العديد من محاولات التفاوض([27]). فالقوات المسلحة السودانية تنظر إلى قوات الدعم السريع باعتبارها قوة متمردة على الدولة ولا يمكن أن تكون شريكًا سياسيًا قبل إنهاء وضعها العسكري، بينما ترى قوات الدعم السريع أن التخلي عن قوتها العسكرية قبل الحصول على ضمانات سياسية وأمنية سيجعلها عرضة للإقصاء أو الانتقام. ولذلك أصبح السلاح بالنسبة لكل طرف ليس مجرد أداة عسكرية، بل ورقة تفاوضية وضمانة للبقاء السياسي.
ومن أبرز أسباب تعثر المسار الدبلوماسي تعدد الوساطات وغياب التوافق بين الوسطاء حول طبيعة الأزمة وطريقة التعامل معها. فبينما ركزت بعض المبادرات على وقف إطلاق النار ومعالجة الجانب الإنساني باعتباره أولوية عاجلة، رأت أطراف أخرى أن الأزمة تتطلب معالجة سياسية وأمنية أوسع تشمل مستقبل المؤسسة العسكرية، ووضع قوات الدعم السريع، وشكل الدولة السودانية بعد الحرب. وقد أدى اختلاف الأولويات بين الوسطاء إلى تعدد المسارات التفاوضية بدل توحيد الجهود في عملية سياسية واحدة ذات قدرة أكبر على الضغط على الأطراف المتحاربة([28]).
وتزداد صعوبة الوصول إلى تسوية بسبب اختلاف مصالح القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الملف السوداني. فبعض هذه القوى ينظر إلى السودان من زاوية أمنية مرتبطة بموقعه الجغرافي على البحر الأحمر والقرن الإفريقي، بينما يهتم آخرون بالموارد الاقتصادية مثل الذهب، والموانئ، والفرص الزراعية، أو يسعون إلى تعزيز نفوذهم السياسي في منطقة تشهد تنافسًا إقليميًا متزايدًا. ولذلك فإن أي اتفاق سياسي داخل السودان لا يعتمد فقط على موافقة الأطراف السودانية، بل يحتاج أيضًا إلى توافق بين القوى الخارجية المؤثرة القادرة على دعم الاتفاق أو تقويضه.
كما أن السياق الإقليمي والدولي الأوسع أثر بصورة مباشرة على الاهتمام الدولي بالحرب السودانية. فقد تزامنت الحرب مع أزمات دولية متلاحقة، بدءًا من الحرب في غزة وتداعياتها الإقليمية، مرورًا بالتوترات في البحر الأحمر، والحرب الامريكية الإسرائيلية على إيران وتوتر سلاسل توريد الطاقة، وهو ما أدى إلى تراجع أولوية الملف السوداني على أجندة المجتمع الدولي. ونتيجة لذلك، فقدت الحرب السودانية جزءًا كبيرًا من الزخم السياسي والإعلامي الدولي، حتى أصبحت توصف في كثير من الأحيان بأنها “الحرب المنسية”.
ومع ذلك، فإن تراجع الاهتمام الدولي لا يعني انتهاء المساعي الدبلوماسية، إذ لا يزال خيار التسوية السياسية يمثل المسار الأكثر واقعية في ظل صعوبة تحقيق انتصار عسكري كامل لأي طرف. غير أن نجاح هذا المسار يتطلب الانتقال من مجرد الدعوة إلى وقف إطلاق النار إلى بناء عملية سياسية أكثر شمولًا، تتعامل مع جذور الأزمة، وتضمن مشاركة مختلف القوى السودانية، وتضع آليات واضحة لتنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه.
ومن هنا تظهر الإشكالية الأساسية: حتى إذا نجحت الوساطات في الوصول إلى اتفاق لوقف الحرب، فإن السؤال الأهم يبقى حول طبيعة التسوية التي ستنشأ بعدها، وهل ستكون قادرة على إنتاج دولة مستقرة، أم أنها ستؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع بصورة جديدة عبر تقاسم السلطة بين القوى المسلحة المتنافسة.
معضلة قوات الدعم السريع ومستقبل الترتيبات الأمنية والسياسية
تمثل قضية مستقبل قوات الدعم السريع المحور الأكثر تعقيدًا في أي تسوية سياسية محتملة للحرب السودانية، إذ لا يتعلق الأمر فقط بإنهاء وجود قوة عسكرية متمردة على الدولة، وإنما يرتبط بسؤال أعمق حول طبيعة الدولة السودانية المستقبلية، وشكل المؤسسة العسكرية، وكيفية التعامل مع قوة مسلحة تمكنت خلال السنوات الماضية من بناء نفوذ سياسي واقتصادي واجتماعي واسع.
وتتمثل رؤية القوات المسلحة السودانية للحل في أن إنهاء الحرب يجب أن يبدأ بإنهاء وجود قوات الدعم السريع كقوة عسكرية مستقلة، باعتبار أن وجود جيشين داخل الدولة يمثل تهديدًا مباشرًا لسيادة الدولة واستقرارها. ولذلك تؤكد المؤسسة العسكرية أن حل قوات الدعم السريع وإعادة هيكلة القطاع الأمني يمثلان شرطًا أساسيًا لأي عملية سياسية مستقبلية([29]).
في المقابل، من غير المرجح أن توافق قوات الدعم السريع على حل نفسها أو تسليم أسلحتها بصورة طوعية دون الحصول على ضمانات سياسية وأمنية قوية. فالقوة العسكرية بالنسبة للدعم السريع ليست مجرد أداة قتالية، وإنما تمثل الضامن الأساسي لبقائها كلاعب سياسي، كما أنها وسيلة ضغط لضمان عدم تعرض قياداتها أو أفرادها للإقصاء أو الملاحقة بعد انتهاء الحرب. وبالتالي فإن مطالبتها بالتخلي عن قوتها قبل التوصل إلى ترتيبات واضحة بشأن مستقبلها قد تُفسر داخلها باعتبارها خطوة نحو إنهائها وليس دمجها في الدولة.
ومن هنا تظهر المعضلة الأساسية: فالقوات المسلحة ترى أن بقاء الدعم السريع كقوة مستقلة يعني استمرار خطر الدولة الموازية، بينما يرى الدعم السريع أن التخلي عن سلاحه قبل ضمانات سياسية وقانونية يعني فقدان الوسيلة الوحيدة التي تحمي وجوده. وهذا التناقض يجعل ملف الترتيبات الأمنية أصعب ملفات التفاوض، لأنه يتعلق بمسألة الثقة وليس فقط بالترتيبات الفنية لدمج القوات.
وهنا تظهر إشكالية العدالة والمساءلة. فهناك مطالب واسعة داخل السودان بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي ارتكبت خلال الحرب، خصوصًا مع التقارير الحقوقية التي وثقت عمليات قتل واسعة ضد المدنيين، وعمليات نهب وتهجير وعنف جنسي نسبت إلى قوات الدعم السريع وعناصر مرتبطة بها. غير أن تصميم آلية للمساءلة يجب أن يراعي في الوقت نفسه خطر تحويل المحاسبة إلى صراع هوياتي أو قبلي، بما قد يؤدي إلى مزيد من الانقسامات داخل المجتمع السوداني.
وقد أظهرت التطورات داخل قوات الدعم السريع نفسها أن العامل القبلي والاجتماعي يمثل عنصرًا مؤثرًا في تماسكها. فالانشقاقات التي حدثت بين بعض القيادات والمجموعات المرتبطة بمكونات قبلية معينة تشير إلى أن مستقبل القوة لا يرتبط فقط بقرار القيادة العليا، وإنما يتأثر أيضًا بعلاقات الولاء المحلية والقبلية([30]). ولذلك فإن أي محاولة لتفكيك الدعم السريع بصورة مفاجئة قد تحمل مخاطر تفجر صراعات داخلية بين مكوناته، بدل أن تؤدي بالضرورة إلى إنهاء التهديد العسكري.
ومع ذلك، فإن حل هذه المعضلة ليس مستحيلًا، لكنه يتطلب اتفاقًا أوسع بين الأطراف السودانية والقوى الإقليمية المؤثرة. ففي حال تم التوصل إلى تفاهمات بين الحكومة السودانية والدول الداعمة أو المؤثرة على قوات الدعم السريع، فقد يصبح من الممكن إقناع قيادات الدعم السريع بقبول ترتيبات تقلص نفوذها العسكري مقابل ضمانات سياسية وأمنية.
ومن المرجح أن أي حل واقعي لن يكون قائمًا على الإلغاء الكامل والفوري لقوات الدعم السريع، وإنما قد يتجه نحو صيغة وسطية تشمل تقليص حجم القوات، وتحديد مناطق انتشارها، وإعادة دمج جزء من عناصرها ضمن المؤسسة العسكرية وفق ترتيبات أمنية دقيقة. وقد تكون هناك نماذج إقليمية يمكن الاستفادة من بعض جوانبها في دمج القوى المسلحة داخل مؤسسات الدولة مع الحفاظ على ترتيبات انتقالية محددة، وإن كانت خصوصية الحالة السودانية تجعل نقل أي نموذج خارجي بشكل كامل أمرًا غير ممكن.
لكن حتى في حال الوصول إلى تفاهم حول مستقبل الدعم السريع، ستبقى إشكالية أخرى مرتبطة بحلفائه داخل ما يعرف بتحالف “تأسيس”، إذ لا تقتصر القوى المناهضة للجيش على الدعم السريع وحده، بل تضم حركات مسلحة وقوى سياسية مختلفة. وهذا يطرح سؤالًا مهمًا حول طبيعة التفاوض: هل سيكون الاتفاق مع قيادة الدعم السريع فقط، أم ستكون هناك مفاوضات منفصلة مع كل مكون من مكونات التحالف؟ وهل سيكون بمقدور قيادة الدعم السريع فرض أي اتفاق على حلفائها العسكريين والسياسيين؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ستكون حاسمة في تحديد شكل المرحلة التالية للحرب، لأن أي اتفاق يتجاهل تعدد الفاعلين قد يؤدي إلى ظهور جماعات مسلحة جديدة خارج إطار التسوية.
ومن هنا، فإن حل معضلة القوة العسكرية للدعم السريع لا يمثل نهاية المشكلة، بل بداية سؤال أكبر يتعلق بشكل النظام السياسي الذي سيلي الحرب: هل سيكون هناك نظام يقوم على دمج جميع القوى المسلحة داخل جيش وطني موحد؟ أم ستنشأ صيغة سياسية تمنح الدعم السريع وحلفاءه نفوذًا سياسيًا مع احتفاظهم بشكل من أشكال القوة العسكرية؟
وهذا يقود إلى مجموعة من السيناريوهات المحتملة التي ستحدد مستقبل السودان بعد أي تسوية سياسية.
سيناريوهات التسوية السياسية ومستقبل العلاقة بين الدولة وقوات الدعم السريع
إذا تم تجاوز معضلة مستقبل قوات الدعم السريع والتوصل إلى صيغة مقبولة بين الأطراف المتحاربة، فإن السؤال التالي سيكون حول شكل النظام السياسي والأمني الذي سيقوم بعد الحرب. فالتجارب السابقة في دول شهدت صراعات مشابهة تشير إلى أن إنهاء المعارك لا يعني بالضرورة نهاية الصراع، إذ قد تنتقل المواجهة من ساحات القتال إلى مؤسسات الدولة، أو تتحول إلى صراع سياسي مستمر بين قوى تحتفظ بقدرات عسكرية مستقل.
ومن هنا، فإن طبيعة التسوية التي ستنشأ بعد الحرب ستكون العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان السودان سيتجه نحو بناء دولة مستقرة ذات مؤسسة عسكرية موحدة، أم نحو نموذج يقوم على تقاسم النفوذ بين قوى مسلحة متعددة داخل الدولة.
أولًا: نموذج القوة السياسية مع الاحتفاظ بجزء من القوة العسكرية
أحد السيناريوهات المحتملة هو أن يتم دمج قوات الدعم السريع وحلفائها في العملية السياسية مع احتفاظهم بشكل من أشكال القوة العسكرية أو الأمنية خارج السيطرة الكاملة للمؤسسة العسكرية، وهو نموذج يشبه في بعض جوانبه تجربة بعض القوى المسلحة في المنطقة، مثل حالة حزب الله في لبنان، حيث شارك الحزب في النظام السياسي مع احتفاظه بقدرات عسكرية مستقلة عن الدولة.
وفي الحالة السودانية، قد يظهر هذا السيناريو من خلال منح الدعم السريع وحلفائه نسبة من المشاركة في مؤسسات الحكم الانتقالي، سواء عبر مقاعد في السلطة التنفيذية أو التشريعية أو ترتيبات خاصة تضمن تمثيلهم السياسي، مقابل تقليص طموحهم في السيطرة على الدولة كاملة.
وقد يتم تبرير هذا النوع من الترتيبات باعتبار أن قوات الدعم السريع تمثل جزءًا من مكونات اجتماعية في دارفور والمناطق الغربية من السودان، وأن استيعابها سياسيًا قد يكون أقل تكلفة من محاولة القضاء عليها عسكريًا. إلا أن هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة، إذ إن منح أي قوة مسلحة شرعية سياسية مع الإبقاء على استقلالها العسكري قد يؤدي إلى تكريس نموذج “الدولة داخل الدولة”، وهو أحد الأسباب الأساسية التي أدت تاريخيًا إلى ضعف مؤسسات الدول.
كما ستظهر مشكلة أكثر تعقيدًا تتعلق بتوزيع السلطة داخل معسكر الدعم السريع نفسه. فالقوة ليست كتلة سياسية واحدة متجانسة، بل تضم قيادات عسكرية ومكونات اجتماعية وحلفاء سياسيين لديهم مصالح مختلفة. وبالتالي فإن الاتفاق على نسبة مشاركة الدعم السريع في الحكم قد يفتح صراعًا داخليًا حول من يمثل القوة، ومن يحصل على المناصب والنفوذ، الأمر الذي قد يؤدي إلى خلافات جديدة حتى داخل المعسكر الواحد.
ثانيًا: نموذج الحكم الإقليمي واسع الصلاحيات في دارفور
السيناريو الآخر يتمثل في منح إقليم دارفور وضعًا سياسيًا خاصًا ضمن دولة سودانية فدرالية، مع حصول القوى المسيطرة على الإقليم على صلاحيات واسعة في الإدارة والأمن والموارد. وقد يشبه هذا النموذج بعض التجارب مثل إقليم كردستان العراق، حيث تتمتع حكومة الإقليم بدرجة كبيرة من الاستقلال الإداري والأمني، أو بعض التجارب التي نشأت فيها سلطات أمر واقع تمتلك مؤسساتها الخاصة.
ويعد هذا السيناريو من الخيارات التي قد تجد قبولًا لدى قوات الدعم السريع وبعض داعميها، لأنه يمنحها القدرة على الحفاظ على نفوذها الجغرافي والسياسي، ويوفر لها السيطرة على موارد مهمة داخل الإقليم، إضافة إلى توفير ضمانات أكبر لقياداتها وعناصرها بعد انتهاء الحرب.
إلا أن إمكانية قبول هذا الخيار من قبل القوات المسلحة السودانية والقوى المتحالفة معها تبدو محدودة للغاية، لأن منح الدعم السريع سيطرة سياسية وأمنية واسعة على دارفور قد يُنظر إليه باعتباره تكريسًا لانقسام الدولة وليس حلًا للحرب.
كما أن هذا السيناريو يواجه تحديات اجتماعية كبيرة داخل الإقليم نفسه. فدارفور ليست منطقة ذات مكون اجتماعي واحد، بل تضم مجموعات قبلية وإثنية متعددة، وقد تعرض بعضها لانتهاكات واسعة خلال الحرب. ولذلك فإن منح قوة واحدة مرتبطة بطرف معين سلطة واسعة على الإقليم قد يؤدي إلى شعور مجموعات أخرى بالتهميش أو التهديد، وهو ما قد يعيد إنتاج الصراعات التي شهدتها دارفور منذ عام 2003 ولكن بصورة أكبر.
وتزداد هذه المخاطر بالنظر إلى وجود حركات مسلحة من دارفور تقاتل إلى جانب القوات المسلحة السودانية، مثل حركة تحرير السودان بقيادة مني مناوي وحركات أخرى. فهذه القوى قد ترى في أي اتفاق يمنح الدعم السريع نفوذًا واسعًا في الإقليم تهديدًا مباشرًا لمصالحها ومناطق نفوذها، خصوصًا أن كثيرًا من قواعدها الاجتماعية تنتمي إلى دارفور نفسها.
ثالثًا: تقليص الدعم السريع إلى قوة سياسية داخل الإقليم
هناك سيناريو آخر يتمثل في إنهاء الطموح الوطني لقوات الدعم السريع وتحويلها إلى قوة سياسية محلية داخل دارفور فقط، مع مشاركتها في إدارة الإقليم إلى جانب بقية الحركات والقوى السياسية.
ورغم أن هذا الخيار قد يبدو أكثر توازنًا من خيار السيطرة المنفردة على الإقليم، فإنه يواجه صعوبات كبيرة. فمن غير المرجح أن تقبل قيادة الدعم السريع، بعد أن أصبحت خلال السنوات الماضية طرفًا رئيسيًا في السلطة المركزية وقائدها كان يشغل منصب نائب رئيس مجلس السيادة، بالعودة إلى دور سياسي محدود داخل إقليم واحد فقط.
كما أن تشكيل سلطة إقليمية تجمع الدعم السريع مع الحركات الأخرى سيكون أمرًا بالغ التعقيد بسبب التاريخ الطويل من الصراعات والانقسامات بين مكونات دارفور المختلفة. فالتوصل إلى تحالف سياسي مستقر بين مجموعات خاضت مواجهات مسلحة ضد بعضها البعض يحتاج إلى ترتيبات وضمانات واسعة، وإلا فإن أي حكومة إقليمية قد تتحول إلى ساحة صراع جديدة.
رابعًا: تحول الدعم السريع إلى حزب سياسي
السيناريو الأخير يتمثل في تخلي قوات الدعم السريع عن العمل العسكري والتحول إلى حزب سياسي أو الاندماج في أحزاب قائمة مؤيدة لها، ثم المشاركة في انتخابات مستقبلية. من الناحية النظرية، يمثل هذا الخيار المسار الأكثر انسجامًا مع فكرة الدولة المدنية، حيث تنتقل المنافسة من ميدان السلاح إلى صندوق الانتخابات. إلا أن تطبيقه في الحالة السودانية يواجه عقبات كبيرة، أهمها حجم الرفض الشعبي لأي مشاركة سياسية مباشرة لقادة الدعم السريع قبل معالجة ملفات الانتهاكات والمساءلة.
كما يثير هذا السيناريو إشكالية مرتبطة بمبدأ العدالة الانتقالية. فإذا سمح لقوة عسكرية متهمة بارتكاب انتهاكات واسعة بالتحول مباشرة إلى لاعب سياسي، فقد يفتح ذلك نقاشًا حول معايير المشاركة السياسية، بما في ذلك مقارنة وضع الدعم السريع بوضع قوى سياسية أخرى تم منعها من المشاركة بعد سقوط نظام البشير.
ومع ذلك، قد تحاول قيادة الدعم السريع تجاوز هذا الرفض عبر العمل من خلال أحزاب أو تحالفات سياسية مدنية متحالفة معها، مع الاحتفاظ بشكل محدود من النفوذ الأمني في مناطق نفوذها. ورغم أن هذا السيناريو قد يكون أسهل من الناحية السياسية، فإنه يطرح سؤالًا جوهريًا: هل ستقبل بنتائج العملية السياسية إذا جاءت ضد مصالحها؟
فإذا شاركت قوة سياسية مرتبطة بقوات عسكرية في انتخابات وخسرت، فهل ستقبل بالنتائج أم ستستخدم قوتها العسكرية للطعن فيها؟ وإذا سمح لقوة واحدة بالاحتفاظ بسلاحها خارج الدولة، فكيف يمكن إقناع بقية الحركات المسلحة بالتخلي عن قواتها والانضمام إلى المؤسسة العسكرية؟
إن السماح لكل فصيل مسلح بالتحول إلى كيان سياسي مع الاحتفاظ بقوته العسكرية قد يؤدي إلى إعادة إنتاج نموذج المحاصصة المسلحة، حيث تصبح كل منطقة أو جماعة مطالبة بتمثيل سياسي مضمون مقابل الاحتفاظ بقوة عسكرية خاصة. وهذا بدوره سيضعف أي حكومة مستقبلية ويجعل بناء دولة مركزية مستقرة أمرًا بالغ الصعوبة.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي أمام أي تسوية سياسية لا يكمن فقط في إنهاء الحرب الحالية، وإنما في منع تحول الاتفاق إلى مجرد هدنة مؤقتة بين قوى مسلحة تستعد لجولة صراع جديدة. كما أن أي تسوية سياسية ستواجه تحديات أخرى من أبرزها:
الأحزاب والقوى المدنية السودانية
لا يمكن اختزال عملية إنهاء الحرب السودانية في التوصل إلى اتفاق بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع فقط، فالأزمة تجاوزت منذ بدايتها كونها مواجهة عسكرية بين طرفين، وأصبحت مرتبطة بسؤال أوسع حول مستقبل الدولة السودانية وشكل نظام الحكم بعد الحرب. ولذلك فإن أي تسوية سياسية تتجاهل القوى المدنية والأحزاب والحركات الاجتماعية سيكون مصيرها مواجهة تحديات كبيرة في مرحلة ما بعد الحرب.
وتكمن أهمية القوى المدنية في كونها تمثل الطرف الذي يفترض أن يقود عملية الانتقال من الحكم العسكري والصراع المسلح إلى بناء نظام سياسي مدني. غير أن هذه القوى نفسها تعاني من انقسامات عميقة نتيجة الخلافات التي ظهرت خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام عمر البشير عام 2019، ثم تفاقمت بعد انقلاب أكتوبر 2021، وأخيرًا مع اندلاع الحرب عام 2023.
فالأحزاب والقوى السياسية التي شاركت في الحكومة الانتقالية لم تكن تمتلك رؤية موحدة حول إدارة المرحلة الانتقالية أو العلاقة بين المكونين العسكري والمدني([31]). وقد انعكس هذا الانقسام على قدرتها في التعامل مع الحرب الحالية، حيث اتخذت بعض القوى مواقف أقرب إلى القوات المسلحة، بينما اتجهت قوى أخرى إلى مواقف أكثر انتقادًا للجيش أو أقرب إلى قوات الدعم السريع، في حين حاولت أطراف أخرى الحفاظ على موقف وسطي يدعو إلى وقف الحرب وعودة المسار المدني.
وتزيد هذه الانقسامات من صعوبة الوصول إلى تسوية شاملة، لأن أي اتفاق بين القوى العسكرية قد يحتاج إلى قبول أو على الأقل عدم معارضة القوى المدنية المؤثرة. فالاتفاق الذي يمنح شرعية سياسية لأحد أطراف الحرب دون توافق مدني واسع قد يواجه أزمة شرعية داخلية، خصوصًا في ظل وجود قطاعات واسعة من المجتمع السوداني التي ترى أن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في صراع الجنرالات، وإنما في فشل بناء دولة مدنية مستقرة بعد سقوط نظام البشير.
ومن التحديات الرئيسية أمام القوى المدنية أيضًا مسألة التعامل مع الأطراف العسكرية بعد الحرب. فهناك تيار واسع داخل المجتمع السوداني يطالب بعدم منح أي طرف متهم بارتكاب انتهاكات واسعة فرصة العودة المباشرة إلى السلطة دون محاسبة. وفي المقابل، يرى بعض الفاعلين السياسيين أن استبعاد جميع الأطراف العسكرية بشكل كامل قد يجعل الوصول إلى السلام أكثر صعوبة، خصوصًا إذا بقيت هذه القوى تمتلك القدرة على عرقلة أي انتقال سياسي.
إضافة إلى ذلك، فإن تعدد الأحزاب والحركات السياسية يجعل من الصعب تحديد ممثل مدني واحد قادر على التفاوض باسم جميع القوى المدنية. فالساحة السياسية السودانية تضم أحزابًا تقليدية، وقوى ثورية ظهرت بعد عام 2019، إضافة إلى تيارات اجتماعية ومهنية مختلفة. وهذا التنوع يمثل ثراءً سياسيًا، لكنه في الوقت ذاته يجعل الوصول إلى رؤية موحدة حول مستقبل السودان أمرًا معقدًا.
وعليه، فإن أي عملية سياسية ناجحة تحتاج إلى إعادة بناء المجال المدني نفسه، وليس فقط إدخاله كطرف إضافي في المفاوضات. فالمطلوب ليس مجرد مشاركة شكلية للأحزاب في حكومة انتقالية جديدة، وإنما بناء توافق واسع حول أسس الدولة السودانية بعد الحرب، بما يشمل طبيعة النظام السياسي، ودور المؤسسة العسكرية، وإصلاح القطاع الأمني، وآليات العدالة الانتقالية، وإعادة الإعمار.
ومن هنا، فإن التحدي أمام السودان لا يتمثل فقط في إنهاء الحرب بين القوات المسلحة والدعم السريع، بل في منع تحول التسوية إلى مجرد اتفاق بين قوى مسلحة يعيد إنتاج أسباب الصراع نفسها. فسلام مستدام يتطلب أن تنتقل عملية صناعة القرار من منطق القوة العسكرية إلى منطق المؤسسات السياسية والقانونية، وهو أمر لن يتحقق دون مشاركة حقيقية وفاعلة للقوى المدنية السودانية.
الحركات المسلحة المساندة للقوات المسلحة معضلة الدمج وإعادة تشكيل موازين القوة
لا تقتصر تحديات التسوية السياسية على الأحزاب والقوى المدنية، بل تمتد أيضًا إلى الحركات المسلحة التي انحازت إلى القوات المسلحة السودانية ضمن ما يعرف بـ “القوة المشتركة”. فبعد سنوات من الحرب، لم يتحقق حتى الآن تقدم ملموس في عملية دمج هذه القوات داخل المؤسسة العسكرية، رغم أن قضية دمج وإعادة هيكلة القوات المسلحة تمثل أصلًا أحد أهم ملفات التسوية في السودان. ومن هنا تبرز معضلة أساسية: إذا لم تتمكن القوات المسلحة من حسم قوات الدعم السريع عسكريًا، فإلى أي مدى ستكون قادرة على إلزام حلفائها المسلحين بالتخلي عن قواتهم والاندماج الكامل في الجيش؟
وتزداد هذه المعضلة تعقيدًا إذا أدركت هذه الحركات أن احتفاظها بقوتها العسكرية يمكن أن يمنحها ورقة ضغط للحصول على مكاسب سياسية وأمنية في أي تسوية مستقبلية. فقد تجد بعض هذه الفصائل أن التخلي عن السلاح قبل ضمان حصتها في السلطة أو نفوذها الإقليمي يمثل مخاطرة، خصوصًا في ظل غياب الثقة بين مختلف القوى السودانية. وفي هذه الحالة، قد تتحول الحركات التي قاتلت إلى جانب الجيش من حليف عسكري مؤقت إلى أطراف تفاوضية مستقلة تسعى إلى تثبيت نفوذها السياسي والعسكري.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري حول شكل الدولة التي قد تنتج عن أي تسوية: هل ستنجح القوات المسلحة في إعادة احتكار القوة ودمج مختلف الحركات المسلحة تحت قيادة عسكرية وطنية موحدة، أم سيتجه السودان إلى نموذج تتعايش فيه عدة قوى مسلحة، يحتفظ كل منها بمناطق نفوذ ودرجة من الاستقلال في القرار السياسي والأمني، على نحو يقترب من تجربة الفصائل المسلحة في ليبيا أو بعض جوانب الحالة العراقية. وفي المقابل، يمكن أن يتجه المسار نحو نموذج أقرب إلى الحالة السورية، حيث يصبح دمج الفصائل المسلحة داخل جيش وطني هدفًا معلنًا، لكنه يواجه صعوبات تتعلق بتعدد القيادات ومصالح الفصائل ومخاوفها من فقدان نفوذها.
وبالتالي، فإن نجاح التسوية السودانية لن يتوقف على حل مشكلة قوات الدعم السريع وحدها، بل سيتطلب أيضًا معالجة مستقبل جميع القوى المسلحة، بما فيها الحركات التي تقاتل إلى جانب القوات المسلحة. فالسماح لأي فصيل بالاحتفاظ بقوة عسكرية مستقلة بعد الحرب قد يدفع فصائل أخرى إلى المطالبة بالمعاملة نفسها، بما يحول السودان إلى نظام تتعدد فيه مراكز القوة المسلحة ويصعب فيه على الدولة استعادة احتكارها الكامل للسلاح. كما أن تجربة السودان السابقة مع اتفاقيات السلام تشير إلى أن الاتفاقات التي تركز على تقاسم السلطة بين النخب المسلحة دون معالجة جذور الأزمة غالبًا ما تكون مؤقتة. فقد أظهرت اتفاقية جوبا للسلام لعام 2020، رغم أهميتها في دمج عدد من الحركات المسلحة في العملية السياسية، أن مجرد منح المناصب السياسية لا يكفي لإنهاء أسباب الصراع، ما لم يصاحب ذلك إصلاح مؤسسات الدولة، ومعالجة قضايا التنمية والتهميش، وضمان مشاركة حقيقية للمجتمعات المحلية.
ولذلك فإن عملية الدمج لا ينبغي أن تكون مجرد إجراء عسكري، وإنما جزءًا من تسوية سياسية وأمنية شاملة تحدد بصورة واضحة مستقبل جميع التشكيلات المسلحة، وضمانات أفرادها وقياداتها، وآليات إعادة دمجهم، بما يمنع تحول الحلفاء الحاليين إلى أطراف جديدة في صراع مستقبلي.
البعد الإقليمي والدولي للتسوية السياسية في السودان
لا يقتصر الوصول إلى حل دبلوماسي للحرب السودانية على التوصل إلى تفاهم بين الأطراف المحلية المتحاربة فقط، إذ إن طبيعة الصراع تغيرت بصورة كبيرة منذ اندلاعه، وانتقل تدريجيًا من كونه مواجهة داخلية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع إلى صراع تتداخل فيه مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة.
فالسودان يمتلك أهمية جيوسياسية كبيرة بسبب موقعه على البحر الأحمر، وامتلاكه موارد طبيعية واسعة، وارتباطه بمنطقة القرن الإفريقي والساحل الإفريقي، وهي مناطق تشهد تنافسًا متزايدًا بين قوى إقليمية ودولية مختلفة. ولذلك فإن الحرب السودانية لم تعد مجرد أزمة أمنية داخلية، بل أصبحت جزءًا من صراعات النفوذ الأوسع في المنطقة.
فقد انخرطت دول الجوار بالإضافة للإمارات والسعودية وتركيا بشكل كبير بدعم طرفي الصراع([32]). ومن هنا فإن أي تسوية سياسية داخل السودان لا يمكن أن تنجح بمعزل عن الوصول إلى تفاهمات مع القوى الخارجية المؤثرة. فالأطراف السودانية أصبحت مرتبطة بدرجات متفاوتة بشبكات دعم إقليمية تمنحها القدرة على الاستمرار في الصراع خصوصا في حالة الدعم السريع([33]). وبالتالي فإن اتفاقًا لا يحظى بقبول أو على الأقل عدم اعتراض القوى الداعمة للأطراف المتحاربة قد يبقى اتفاقًا هشًا، لأن الأطراف الداخلية قد تجد القدرة والموارد للعودة إلى المواجهة عند تغير الظروف.
تحقيق العدالة والمسائلة القانونية
وهنا تظهر المعضلة بين متطلبات السلام ومتطلبات العدالة الانتقالية. فالتجارب الدولية تشير إلى أن تجاهل جرائم الحرب والانتهاكات قد يؤدي إلى إعادة إنتاج العنف، بينما قد يؤدي تطبيق إجراءات إقصائية واسعة دون ترتيبات سياسية وأمنية مناسبة إلى دفع بعض الأطراف نحو مواصلة القتال. ولذلك فإن نجاح أي تسوية سودانية سيتطلب إيجاد توازن بين تحقيق العدالة وضمان عدم انهيار الاتفاق.
وفي النهاية، فإن الخيار الدبلوماسي، رغم صعوباته وتعقيداته، يبقى المسار الأكثر واقعية لإنهاء الحرب السودانية في ظل صعوبة تحقيق انتصار عسكري كامل لأي طرف. إلا أن نجاحه لا يعتمد فقط على توقيع اتفاق سياسي، بل على قدرة هذا الاتفاق على معالجة جذور الأزمة ومنع إعادة إنتاجها بصورة جديدة. فالسؤال الحقيقي ليس فقط كيف تتوقف الحرب، وإنما كيف يمكن بناء دولة سودانية تمنع اندلاع حرب جديدة بعد سنوات قليلة.
الحالة الثالثة: الجمود العسكري والنزاع المتجدد
في حال فشل المسار الدبلوماسي في الوصول إلى تسوية سياسية قابلة للتنفيذ، وفي الوقت ذاته استمرار عجز أي طرف عن تحقيق انتصار عسكري حاسم، فإن السودان قد يدخل في مرحلة جديدة تتمثل في تحول الحرب إلى حالة طويلة من الجمود العسكري والسياسي. وفي هذا السيناريو لا تنتهي الحرب بصورة فعلية، وإنما تنتقل من مرحلة المواجهات العسكرية المفتوحة إلى صراع طويل الأمد تتعايش فيه مراكز نفوذ متعددة داخل الدولة الواحدة، بحيث تسيطر كل جهة على مناطق جغرافية محددة وتمارس فيها وظائف أمنية وإدارية شبه حكومية، رغم استمرار وجود حكومة واحدة تحظى بالاعتراف الدولي.
ويشبه هذا السيناريو، من بعض الجوانب، تجارب إقليمية مثل الحالة اليمنية مع جماعة الحوثي أو الحالة الليبية مع سلطات شرق ليبيا بقيادة خليفة حفتر([34])، حيث أدى استمرار الصراع وعدم قدرة أي طرف على فرض سيطرته الكاملة إلى ظهور سلطات أمر واقع تمتلك مؤسساتها الخاصة وتدير مناطق نفوذها بصورة مستقلة نسبيًا عن الحكومة المركزية. فقد تمكن الحوثيون في اليمن من بناء هياكل إدارية وأمنية داخل المناطق الخاضعة لسيطرتهم، كما استطاعت سلطات شرق ليبيا إنشاء مؤسسات سياسية وعسكرية وإقامة علاقات خارجية بدرجات مختلفة وبالتالي، فإن استمرار الحرب السودانية لفترة طويلة قد يؤدي إلى ظهور واقع مشابه، لا يقوم بالضرورة على تقسيم رسمي للدولة، وإنما على انقسام فعلي للسلطة بين أطراف متنافسة، بحيث تصبح وحدة الدولة قائمة من الناحية القانونية فقط، بينما تكون السيادة موزعة عمليًا بين مراكز ورغم أن هذا السيناريو يبدو من أكثر الاحتمالات قابلية للحدوث في حال استمرار تمسك الأطراف المتحاربة بالخيار العسكري وفشل المساعي السياسية، فإن خطورته في الحالة السودانية قد تكون أكبر من بعض التجارب الإقليمية الأخرى، وذلك بسبب الموقع الجغرافي للسودان، وتركيبته الاجتماعية، وطبيعة دول الجوار المحيطة به.
فاليمن، رغم طول أمد الصراع، يقع ضمن بيئة إقليمية تختلف عن السودان؛ إذ تحده دولتان رئيسيتان هما السعودية وسلطنة عمان، وهما دولتان تتمتعان بدرجة عالية من الاستقرار السياسي والأمني، الأمر الذي حد من احتمالية انتقال الحرب اليمنية إلى أراضي الدول المجاورة. أما السودان، فإن معظم حدوده البرية ترتبط بدول تعاني بدرجات مختلفة من أزمات سياسية وأمنية داخلية، مما يجعل احتمالية انتقال آثار الصراع أكثر ارتفاعًا.
فإثيوبيا في الشرق شهدت خلال السنوات الماضية حرب إقليم تيغراي وما زالت تواجه تحديات أمنية داخلية، بينما يعاني جنوب السودان من هشاشة سياسية وأمنية منذ استقلاله عام 2011، إضافة إلى استمرار التوترات الداخلية بين مكوناته السياسية والعسكرية. كما شهدت تشاد وليبيا اضطرابات وصراعات مسلحة متكررة خلال العقد الماضي، وهو ما يجعل البيئة المحيطة بالسودان أكثر قابلية لتأثرها بأي حالة عدم استقرار طويلة داخله.
ويزداد خطر انتقال تأثيرات الحرب بسبب وجود امتدادات قبلية واجتماعية واقتصادية عابرة للحدود بين السودان ودول الجوار([35]). فقد أظهرت التجارب السابقة أن الأزمات الإقليمية لعبت دورًا مهمًا في تغذية الصراعات داخل السودان، كما حدث عندما ساهمت تداعيات الحرب الأهلية التشادية والصراع التشادي الليبي في خلق بيئة إقليمية ساعدت على تصاعد التوترات في دارفور منذ عام 2003.
وفي المقابل، فإن الحرب السودانية الحالية أظهرت بالفعل قدرتها على التأثير في محيطها الإقليمي، إذ أدى توقف أو اضطراب بعض الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالسودان، ومنها صادرات النفط التي يعتمد عليها جنوب السودان عبر الأراضي السودانية، إلى زيادة المخاوف من تداعيات اقتصادية وأمنية على جوبا واحتمالية تصاعد التوترات الداخلية هناك.
كما يضيف الموقع الجيوسياسي للسودان على البحر الأحمر بعدًا دوليًا إضافيًا للصراع. فاستمرار حالة عدم الاستقرار على الساحل السوداني لا يؤثر فقط على دول الجوار، بل قد يرتبط بأمن طرق التجارة الدولية والمنافسة الإقليمية على الموانئ والنفوذ البحري، خصوصًا في ظل تصاعد أهمية البحر الأحمر كمنطقة تنافس بين القوى الدولية والإقليمية([36]).
إلى جانب المخاطر الأمنية والإقليمية، فإن استمرار الجمود العسكري سيؤدي إلى ترسيخ ما يعرف بـ “اقتصاد الحرب”، حيث تصبح الأطراف المسلحة مرتبطة بشبكات اقتصادية قائمة على السيطرة على الموارد المحلية، والتهريب، وفرض الجبايات، والتحكم في طرق التجارة. ومع مرور الوقت، قد تتحول هذه المصالح الاقتصادية إلى عامل إضافي يعرقل إنهاء الحرب، لأن بعض القوى المسلحة قد تجد في استمرار النزاع وسيلة للحفاظ على نفوذها ومصادر تمويلها.
كما سيؤدي استمرار الحرب إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، خصوصًا أزمة النزوح الداخلي واللجوء إلى دول الجوار. فغياب الأمن والاستقرار سيمنع أعدادًا كبيرة من النازحين من العودة إلى مناطقهم الأصلية، مما يزيد الضغط الاقتصادي والاجتماعي على المجتمعات المضيفة داخل السودان وخارجه، ويعمق من هشاشة الدول المجاورة التي تعاني أصلًا من أزمات داخلية([37]).
ومن العوامل التي قد تزيد من تعقيد هذا السيناريو استمرار تدخلات دول الجوار والقوى الإقليمية في دعم أطراف الصراع المختلفة. فقد شهدت منطقة القرن الإفريقي والساحل الإفريقي تاريخيًا استخدام بعض الدول للجماعات المسلحة والحركات المعارضة كأدوات للتأثير المتبادل، سواء عبر توفير الملاذ السياسي أو تقديم أشكال مختلفة من الدعم العسكري واللوجستي. وبالتالي فإن استمرار الحرب السودانية قد يحول البلاد إلى ساحة تنافس إقليمي طويلة الأمد، مما يزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية نهائية.
احتمالية انفصال إقليم دارفور
يمثل احتمال انفصال إقليم دارفور أو تحوله إلى كيان يتمتع بحكم ذاتي واسع أحد أكثر السيناريوهات خطورة في حال استمرار الحرب وفشل جميع المسارات السياسية والعسكرية. ورغم أن هذا السيناريو يبقى احتمالًا تحليليًا وليس مسارًا حتميًا، فإن حدوثه ستكون له تداعيات عميقة على مستقبل الدولة السودانية وعلى استقرار المنطقة بأكملها.
وقد يسعى هذا السيناريو إلى إعادة إنتاج تجربة انفصال جنوب السودان عام 2011، سواء من خلال إعلان انفصال رسمي أو عبر فرض واقع سياسي وأمني يجعل الإقليم منفصلًا عمليًا عن السلطة المركزية في الخرطوم. إلا أن المقارنة بين دارفور وجنوب السودان تحتاج إلى قدر كبير من الحذر، لأن السياق التاريخي والسياسي لكل حالة مختلف بصورة كبيرة.
فالصراع بين شمال السودان وجنوبه ارتبط لعقود بعوامل تاريخية وسياسية ودينية وثقافية متراكمة، وانتهى إلى اتفاقية سلام شاملة تضمنت حق تقرير المصير، إضافة إلى دعم إقليمي ودولي واسع لمسار الانفصال. أما دارفور، فعلى الرغم من وجود مظالم تاريخية تتعلق بالتهميش السياسي والاقتصادي والصراعات حول الموارد، فإن الإقليم يتميز بدرجة عالية من التداخل الاجتماعي والاقتصادي مع بقية مناطق السودان، مع وجود روابط قبلية وأسرية عميقة تجعل أي عملية فصل سياسي أكثر تعقيدًا وخطورة على النسيج الاجتماعي.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن انفصال دارفور سيمثل خسارة كبيرة للدولة السودانية، نظرًا لما يمتلكه الإقليم من موارد طبيعية وزراعية مهمة تشمل الثروة الحيوانية، وإنتاج الحبوب والمحاصيل الزيتية، والصمغ العربي، إضافة إلى الموارد المعدنية مثل الذهب وبعض المعادن الأخرى. وقد أظهرت تجربة انفصال جنوب السودان حجم التأثير الاقتصادي الذي يمكن أن ينتج عن فقدان جزء كبير من الموارد، خاصة بعد خروج معظم إنتاج النفط من الاقتصاد السوداني عقب الانفصال، وما تبع ذلك من ضغوط اقتصادية كبيرة على الدولة.
كما أن أي محاولة لانفصال دارفور ستواجه تحديات كبيرة تتعلق بالاعتراف الدولي والقبول الإقليمي. فالمجتمع الدولي عادة ما يتعامل بحذر شديد مع تغيير الحدود القائمة، خشية فتح الباب أمام حركات انفصالية جديدة في مناطق أخرى. ولذلك فإن نجاح تجربة جنوب السودان لا يعني بالضرورة إمكانية تكرارها في دارفور.
كما ان الانفصال لن يكون بالضرورة عامل استقرار لدارفور نفسها، إذ قد يؤدي إلى ظهور صراعات جديدة حول السلطة والموارد داخل الإقليم. وتقدم تجربة جنوب السودان مثالًا واضحًا على ذلك؛ فالاستقلال لم يؤدِ تلقائيًا إلى بناء دولة مستقرة ومزدهرة، بل واجهت الدولة الجديدة أزمات اقتصادية وصراعات داخلية مسلحة نتيجة ضعف المؤسسات والتنافس بين النخب السياسية والعسكرية.
وقد تكون المخاطر في دارفور أكثر تعقيدًا بسبب التنوع الاجتماعي الكبير داخل الإقليم، ووجود تاريخ طويل من الصراعات بين مجموعاته المختلفة. فقيام كيان سياسي جديد تحت سيطرة طرف واحد قد يدفع مجموعات أخرى إلى رفض هذا الواقع والشعور بالتهميش أو التهديد، مما قد يؤدي إلى ظهور تمردات وصراعات جديدة تعيد إنتاج الأزمة بصورة مختلفة.
كما أن انفصال دارفور أو ظهور كيان سياسي مستقل فيها سيؤدي إلى إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، وقد يفتح الباب أمام تجدد النزاعات الحدودية القائمة. فالسودان لديه بالفعل ملفات حدودية غير محسومة مع عدد من الدول، مثل منطقة حلايب وشلاتين مع مصر، ومنطقة الفشقة مع إثيوبيا، وقضية أبيي مع جنوب السودان، إضافة إلى وجود ملفات حدودية أقل حدة مع تشاد وليبيا. وأي تغيير جوهري في حدود الدولة السودانية قد يعيد إحياء هذه النزاعات ويزيد من حالة عدم الاستقرار الإقليمي.
وعليه، فإن استمرار الحرب السودانية في صورة جمود عسكري طويل الأمد أو تحولها إلى صراع متعدد المراكز لا يمثل مجرد استمرار للأزمة الحالية، بل يمثل انتقالًا إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تصبح فيها إعادة بناء الدولة السودانية أكثر صعوبة. فالمشكلة لا تكمن فقط في استمرار القتال، وإنما في احتمال نشوء واقع جديد تصبح فيه القوى المسلحة صاحبة النفوذ الحقيقي، بينما تفقد مؤسسات الدولة قدرتها على فرض سيادتها الكاملة.
ومن ثم فإن منع وصول السودان إلى هذا السيناريو يتطلب نجاح المسار السياسي والدبلوماسي في الوصول إلى تسوية شاملة لا تكتفي بإيقاف القتال، بل تعالج جذور الصراع، وتعيد بناء مؤسسات الدولة، وتنهي ظاهرة تعدد مراكز القوة المسلحة داخل البلاد.
الخاتمة
تناول هذا البحث سؤالًا رئيسيًا يتعلق بكيفية انتهاء الحرب السودانية التي اندلعت بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023، وذلك من خلال تحليل ثلاثة سيناريوهات محتملة: الحسم العسكري، التسوية السياسية والدبلوماسية، واستمرار حالة الجمود العسكري.
أظهر تحليل الخيار العسكري أن القوات المسلحة السودانية تمتلك حاليًا أفضلية نسبية من حيث التنظيم، والقدرات العسكرية، والسيطرة على مؤسسات الدولة، إضافة إلى توسع قاعدة القوى الداعمة لها. في المقابل، تراجعت قدرة قوات الدعم السريع مقارنة بالمرحلة الأولى من الحرب نتيجة الخسائر العسكرية والانقسامات الداخلية. إلا أن البحث خلص إلى أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على إنهاء الحرب بصورة نهائية، إذ أثبتت تجارب السودان والمنطقة أن النزاعات الداخلية غالبًا ما تحتاج إلى حلول سياسية لمعالجة جذور الصراع.
أما الخيار الدبلوماسي، فقد أظهر البحث أنه المسار الأكثر واقعية لإنهاء الحرب، رغم التحديات الكبيرة التي تواجهه، وفي مقدمتها الخلاف حول مستقبل قوات الدعم السريع، وضعف الثقة بين الأطراف، وتضارب مصالح القوى الإقليمية والدولية، وتعقيد المشهد السياسي الداخلي. كما أن نجاح أي تسوية يتطلب تجاوز مجرد وقف القتال إلى معالجة قضايا إعادة بناء الدولة، وإصلاح القطاع الأمني، وتحقيق العدالة الانتقالية.
وفي المقابل، يمثل استمرار الجمود العسكري السيناريو الأكثر خطورة، لأنه قد يحول الحرب إلى صراع طويل الأمد يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب، وتفاقم الأزمة الإنسانية، وظهور سلطات متنافسة داخل الدولة، وربما تصاعد احتمالات ظهور واقع مشابه للحالة الليبية أو محاولة انفصال إقليم دارفور.
وبناءً على ذلك، يرى البحث أن احتمالية الحسم العسكري الكامل تبدو محدودة، وأن التسوية السياسية تبقى الخيار الأكثر قابلية لتحقيق نهاية مستدامة للحرب، رغم صعوبة الوصول إليها. فمستقبل السودان لن يتحدد فقط بنتيجة المواجهات العسكرية، وإنما بقدرة الأطراف السودانية والداعمين الإقليميين والدوليين على بناء صيغة سياسية تمنع إعادة إنتاج الصراع.
النتائج
1. يتمتع الجيش السوداني بأفضلية نسبية في التنظيم والقدرات المؤسسية واتساع القوى المتحالفة معه، لكن هذه الأفضلية لا تعني إمكان إنهاء الصراع عسكرياً بصورة حاسمة ومستدامة.
2. تواجه التسوية السياسية عقبات رئيسية، منها الخلاف حول مستقبل قوات الدعم السريع، ودمج التشكيلات المسلحة، وضعف الثقة بين الأطراف، وتعارض المصالح الداخلية والإقليمية.
3. لا يكفي وقف إطلاق النار وحده لتحقيق سلام مستدام؛ إذ يرتبط نجاح التسوية بإصلاح القطاع الأمني وبناء مؤسسات الدولة وإقرار العدالة والمساءلة.
4. قد يرسّخ الجمود العسكري اقتصاد الحرب وتعدد مراكز السلطة، ويعمّق النزوح والأزمة الإنسانية ويزيد مخاطر تفكك الدولة والنزعات الانفصالية في دارفور.
5. تظل السيناريوهات المطروحة احتمالات تحليلية تتأثر بتغير موازين القوى والتدخلات الخارجية، ولا تمثل تنبؤات حتمية.
التوصيات
1. إعطاء الأولوية لوقف إطلاق نار قابل للتحقق، مع ضمان حماية المدنيين ووصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
2. إطلاق عملية سياسية سودانية شاملة تضم القوى المدنية والأطراف المسلحة، وتضع ترتيبات واضحة للانتقال وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
3. وضع برنامج مرحلي لإصلاح القطاع الأمني ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، مع معالجة وضع قوات الدعم السريع والحركات المسلحة ضمن إطار مؤسسة وطنية موحدة.
4. ربط أي اتفاق بآليات للعدالة الانتقالية والمساءلة وجبر الضرر، وبإجراءات لعودة النازحين وإعادة الإعمار.
5. تنسيق الجهود الإقليمية والدولية لدعم التسوية والحد من تدفق السلاح والتدخلات التي تطيل أمد الحرب، مع متابعة مخاطر التفكك في دارفور.
6. تحديث تقييم السيناريوهات دورياً بالاعتماد على بيانات موثوقة حول التغيرات الميدانية والإنسانية والاقتصادية.
حدود البحث ومجالات التطوير
رغم محاولة البحث تقديم تحليل شامل للسيناريوهات المحتملة لنهاية الحرب السودانية، إلا أنه يواجه عددًا من القيود، أبرزها استمرار الحرب وتغير موازين القوة بصورة مستمرة، إضافة إلى صعوبة الحصول على معلومات دقيقة حول القدرات العسكرية والدعم الخارجي للأطراف المتحاربة. كما أن المقارنات مع تجارب إقليمية أخرى، رغم فائدتها التحليلية، تبقى محدودة بسبب اختلاف الظروف التاريخية والاجتماعية والسياسية لكل حالة.
ويمكن تطوير هذا البحث مستقبلًا عبر دراسة أكثر تفصيلًا لاقتصاد الحرب، ودور القوى الإقليمية، ومستقبل إصلاح القطاع الأمني، إضافة إلى تحليل مرحلة ما بعد الحرب وقضايا إعادة الإعمار والعدالة الانتقالية وبناء الدولة السودانية.
المراجع
المراجع العربية وترجماتها
إدريس، أ.، ودقاش، م. (6 أغسطس 2024). تعثّر مبادرات الوساطة في إنهاء الحرب في السودان: قراءة في أسباب تعثر مبادرتَي جدة والإيغاد. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. https://www.dohainstitute.org/ar/Lists/ACRPS-PDFDocumentLibrary/mediation-breakdown-in-sudan-a-reading-of-the-failed-jeddah-and-igad-initiatives.pdf
Idris, A., & Dagash, M. (6 August 2024). The failure of mediation initiatives to end the war in Sudan: An examination of why the Jeddah and IGAD initiatives faltered. Arab Center for Research and Policy Studies. https://www.dohainstitute.org/ar/Lists/ACRPS-PDFDocumentLibrary/mediation-breakdown-in-sudan-a-reading-of-the-failed-jeddah-and-igad-initiatives.pdf
الانشقاقات وتآكل النواة الصلبة يُعمّقان أزمة الدعم السريع. (19 مايو 2026). سودان تربيون. https://sudantribune.net/article/314145
Sudan Tribune. (19 May 2026). Defections and erosion of the core deepen the Rapid Support Forces’ crisis. https://sudantribune.net/article/314145
إسماعيل، م. ع. (3 مارس 2025). كيف يمكن وقف نزف انقسامات الأحزاب السودانية. إندبندنت عربية. https://www.independentarabia.com/node/618909/
Ismail, M. A. (3 March 2025). How can the divisions among Sudanese parties be stopped? Independent Arabia. https://www.independentarabia.com/node/618909/
ديميرتاش، ت. (2024). فهم الحرب الأهلية السودانية 2023: الجذور التاريخية والديناميات الحالية والآفاق المستقبلية. رؤية تركية، 13(3).
Demirtaş, T. (2024). Understanding the 2023 Sudanese civil war: Historical roots, current dynamics, and future prospects. Turkish Vision, 13(3).
عسل، منذول أ. م. (2023). حرب السودان في 15 أبريل 2023: الخلفيات والتحليل والسيناريوهات. المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات. https://doi.org/10.31752/idea.2023.60
Assal, M. A. M. (2023). War in Sudan 15 April 2023: Background, analysis and scenarios. International IDEA. https://doi.org/10.31752/idea.2023.60
فريد، أ. (16 مايو 2024). سيناريوهات إنهاء الحرب في السودان. المجلة. https://www.majalla.com/node/316736/
Farid, A. (16 May 2024). Scenarios for ending the war in Sudan. Al Majalla. https://www.majalla.com/node/316736/
فيرهوفن، هاري. (2023). البقاء عبر الثورة والتحول الديمقراطي: القوات المسلحة السودانية، وهشاشة الدولة، والتنافس الأمني. مجلة الدراسات الإفريقية الحديثة، 61(3)، 413–437. https://doi.org/10.1017/S0022278X23000174
Verhoeven, H. (2023). Surviving revolution and democratisation: The Sudan armed forces, state fragility and security competition. The Journal of Modern African Studies, 61(3), 413–437. https://doi.org/10.1017/S0022278X23000174
المقابلة | السودان بين الحرب والتسوية.. مالك عقار يكشف فرص إنهاء الصراع ومخاطر المرحلة المقبلة. (24 أغسطس 2026). قناة الجزيرة. https://www.youtube.com/watch?v=kMGjRgMH7YI
Al Jazeera. (24 August 2026). Interview: Sudan between war and settlement—Malik Agar discusses prospects for ending the conflict and the risks of the next phase. https://www.youtube.com/watch?v=kMGjRgMH7YI
محمد، م. س. (2010). السودان: حروب الموارد والهوية. دار عزة للنشر والتوزيع.
Mohammed, M. S. (2010). Sudan: Wars of resources and identity. Dar Azza for Publishing and Distribution.
محمد زكريا خميس. (29 ديسمبر 2024). «كتائب المستنفرين».. مدنيون يحملون السلاح للدفاع عن الفاشر. الجزيرة نت. https://www.aljazeera.net/politics/2024/12/29/كتائب-المستنفرين-مدنيون-يحملون
Mohammed Zakaria Khamis. (29 December 2024). “Volunteer battalions”: Civilians take up arms to defend El Fasher. Al Jazeera. https://www.aljazeera.net/politics/2024/12/29/كتائب-المستنفرين-مدنيون-يحملون
نزار عبد الله بشير. (6 نوفمبر 2025). «المقاومة الشعبية» بالسودان تعلن التعبئة العامة واستنفار الشعب. الجزيرة نت. https://www.aljazeera.net/politics/2025/11/
Nizar Abdullah Bashir. (6 November 2025). Sudanese “popular resistance” announces general mobilization. Al Jazeera. https://www.aljazeera.net/politics/2025/11/6/المقاومة-الشعبية-بالسودان-تعلن
صديق، أ. (2026). الجيش السوداني يضم قادة منشقين من قوات الدعم السريع في دارفور. رويترز. https://www.reuters.com/ar/world/QP5GQDMOHBIBJCWO2TW2GUJSDQ-2026-06-22/
Siddig, A. (2026). Sudanese army incorporates defecting Rapid Support Forces leaders in Darfur. Reuters. https://www.reuters.com/ar/world/QP5GQDMOHBIBJCWO2TW2GUJSDQ-2026-06-22/
صحيفة الخليج. (13 يوليو 2019). «الانتقالي» السوداني: انحيازنا للثورة حقيقي. https://uncatenated10.rssing.com/chan-6580459/article105003.html?nocache=0
Al Khaleej. (13 July 2019). Sudanese Transitional Council: Our support for the revolution is genuine. https://uncatenated10.rssing.com/chan-6580459/article105003.html?nocache=0
المراجع الأجنبية
Abbas, R. (2023, July 26). Money is power: Hemedti and the RSF’s paramilitary industrial complex in Sudan. The Tahrir Institute for Middle East Policy.
Ali, A. M., Birru, J. G., & Eltayeb, N. (2025, April 15). Two years of war in Sudan: How the SAF is gaining the upper hand. ACLED. https://acleddata.com/report/two-years-war-sudan-how-saf-gaining-upper-hand
Ali, H. (2024). The war in Sudan: How weapons and networks shattered a power struggle. GIGA Focus Middle East, 2. https://doi.org/10.57671/gfme-24022
De Waal, A. (2022). The conflict in Darfur, Sudan: Background and overview. Fletcher School of Law and Diplomacy, Tufts University.
Flint, J. (2009). Beyond “Janjaweed”: Understanding the militias of Darfur. Small Arms Survey, Geneva.
Hamza, M. M. (2024). Darfur’s armed movements: Evolution of roles and relations with actors in light of the April 15 war. The Journal of Social Encounters, 8(2), 159–182.
Igboke, S., Joseph, A., Ojo, I., & Chukwuma, O. (2026). Evolving Sudanese crises and maritime security in the Red Sea and its implications on Northeast Africa. Social Science Reports, 26, 113–125. https://doi.org/10.51470/SSR.2026.10.01.125
International Crisis Group. (2025, January 21). Sudan’s calamitous war: Finding a path toward peace. https://www.crisisgroup.org/sites/default/files/2025-01/b204-sudan-calamitous-war.pdf
Johnson, D. H. (2003). The root causes of Sudan’s civil wars. Indiana University Press.
Key Darfur groups join Sudanese army in its war against RSF paramilitary forces. (2023, November 16). Sudan Tribune. https://sudantribune.com/article/279446
Lechner, J. (2025). A history of outsourced violence: The rise of the Rapid Support Forces, Libyan National Army, and Wagner Group.
Saeed, S. A. (2024). Disarmament, demobilization and reintegration initiatives in Sudan: A brief summary. International IDEA. https://doi.org/10.31752/idea.2024.27
Shea, J. (2026, June 18). Why isn’t the EU calling out the UAE for its role in the Sudan crisis? Human Rights Watch. https://www.hrw.org/news/2026/06/18/why-isnt-the-eu-calling-out-the-uae-for-its-role-in-the-sudan-crisis
Studies, A. C. f. S. (2024). Mapping the armed actors in the Sudan conflict. National Defense University. https://africacenter.org/spotlight/sudan-conflict-armed-actors/
United Nations Human Rights Council. (2026). Fuelling Sudan’s conflict: Weapons, fighters and external support networks. Report of the Independent International Fact-Finding Mission for the Sudan (A/HRC/63/23). https://www.ohchr.org/sites/default/files/documents/hrbodies/hrcouncil/sessions-regular/session63/advance-versions/a-hrc-63-23-auv.pdf
United Nations Security Council, Panel of Experts on the Sudan. (2024, January 15). Letter dated 15 January 2024 from the Panel of Experts on the Sudan addressed to the President of the Security Council. https://digitallibrary.un.org/record/4039195?v=pdf
Dr. Mohammed Abdulrahman Hamad, Y. (2025). The war in Sudan (April 2023): Its local and international effects and repercussions. Humanities & Natural Sciences Journal, 6(12). https://doi.org/10.53796/hnsj612/47
الهوامش:
- () حميدتي : استسلام البرهان وعصابته شرط لوقف الاشتباكات. الجريدة. 22.4.2023 https://www.aljarida.com/article/21973 ↑
- () U. P. o. E. E. p. t. S. C. R. (15 Jan. 2024). Letter dated 15 January 2024 from the Panel of Experts on the Sudan addressed to the President of the Security Council. https://digitallibrary.un.org/record/4039195?v=pdf (page 2/52) ↑
- () Key Darfur groups join Sudanese army in its war against RSF paramilitary forces. Sudan Tribune. (16 NOV 2023). https://sudantribune.com/article/279446 ↑
- () نزار عبدالله بشير. “المقاومة الشعبية” بالسودان تعلن التعبئة العامة واستنفار الشعب. الجزيرة. 6.11.2024 ↑
- () U. P. o. E. E. p. t. S. C. R. (15 Jan. 2024). Letter dated 15 January 2024 from the Panel of Experts on the Sudan addressed to the President of the Security Council. https://digitallibrary.un.org/record/4039195?v=pdf (page 20/52) ↑
- () م.ز.خ. “كتائب المستنفرين”..مدنيون يحملون السلاح للدفاع عن الفاشر. الجزيرة 30.12.2024 ↑
- () المقابلة | السودان بين الحرب والتسوية.. مالك عقار يكشف فرص إنهاء الصراع ومخاطر المرحلة المقبلة. قناة الجزيرة. 24 أغسطس 2026 ↑
- () الطيب صديق. الجيش يضم قادة منشقين من قوات الدعم السريع في دارفور. رويترز 22 يونيو 2026 ↑
- () الانشقاقات وتآكل النواة الصلبة يعمقان ازمة الدعم السريع. سودان تربيون. 19 مايو 2026 ↑
- () المقابلة | السودان بين الحرب والتسوية.. مالك عقار يكشف فرص إنهاء الصراع ومخاطر المرحلة المقبلة. قناة الجزيرة. 24 أغسطس 2026 ↑
- () Flint, J. (2009). Beyond’Janjaweed’: Understanding the Militias of Darfur. Small Arms Survey, Geneva. Page 18 ↑
- () “الانتقالي” السوداني: انحيازنا للثورة حقيقي. صحيفة الخليج. 13 يوليو 2019 ↑
- ()(15 Jan. 2024). Letter dated 15 January 2024 from the Panel of Experts on the Sudan addressed to the President of the Security Council. (page 2/52) ↑
- () (15 Jan. 2024). Letter dated 15 January 2024 from the Panel of Experts on the Sudan addressed to the President of the Security Council. (Page 13/52) ↑
- () Council, H. R. (7 September–9 October 2026). Fuelling Sudan’s conflict: weapons, fighters and external support networks. Report of the independent international fact-finding mission for the Sudan(Annual report of the United Nations High Commissioner for Human Rights and reports of the Office of the High Commissioner and the Secretary-General Issue. Page 11 ↑
- () (15 Jan. 2024). Letter dated 15 January 2024 from the Panel of Experts on the Sudan addressed to the President of the Security Council. (Page 14/52) ↑
- () Mat Nashed. Sudan residents describe raids, evictions by RSF soldiers. 7 May 2023. Aljazeera https://www.aljazeera.com/news/2023/5/7/sudan-residents-describe-looting-evictions-by-rsf ↑
- () Ali, A. M., Birru, J. G., & Eltayed, N. (15 April 2025). Two years of war in Sudan: How the SAF is gaining the upper hand. ACLED. https://acleddata.com/report/two-years-war-sudan-how-saf-gaining-upper-hand ↑
- () Council, H. R. (7 September–9 October 2026). Fuelling Sudan’s conflict: weapons, fighters and external support networks. Report of the independent international fact-finding mission for the Sudan(Annual report of the United Nations High Commissioner for Human Rights and reports of the Office of the High Commissioner and the Secretary-General Issue. Page 11 ↑
- () Dr. Mohammed Abdulrahman Hamad, Y. (2025). The war in Sudan (April 2023): its local and international effects and repercussions. Humanities & Natural Sciences Journal, 6(12) page 713 ↑
- () Council, H. R. 7 September–9 October 2026 Annual report of the United Nations High Commissioner for Human Rights and reports of the Office of the High Commissioner and the Secretary-General Issue. Page 15 ↑
- () Council, H. R. 7 September–9 October 2026 Annual report of the United Nations High Commissioner for Human Rights and reports of the Office of the High Commissioner and the Secretary-General page 10 ↑
- () فريد, ا. (16.5.2024). سناريوهات انهاء الحرب في السودان. موقع المجلة ↑
- () Group, I. C. (21 January 2025). Sudan’s Calamitous War: Finding a Path toward Peace. Page 7-9 ↑
- () ادريس, ا., & دقاش, م. (6.8.2024). تعرّث مبادرات الوساطة في إنهاء الحرب في السودان قراءة في أسباب تعثر مبادريَتي جدة والايغاد. المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات ↑
- () Council, H. R. (7 September–9 October 2026). Fuelling Sudan’s conflict: weapons, fighters and external support networks. Report of the independent international fact-finding mission for the Sudan(Annual report of the United Nations High Commissioner for Human Rights and reports of the Office of the High Commissioner and the Secretary-General Issue page 7 ↑
- () https://sudantribune.net/article/278989#googlevignette حميدتي يقول انه لن يقبل بسلام يكمن الجيش من الاستعداد لحرب أخرى. سودان تربيون. 3 نوفمبر 2023 ↑
- () ادريس, ا., & دقاش, م. (6.8.2024). تعرّث مبادرات الوساطة في إنهاء الحرب في السودان قراءة في أسباب تعثر مبادريَتي جدة والايغاد. المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات ↑
- () المقابلة | السودان بين الحرب والتسوية.. مالك عقار يكشف فرص إنهاء الصراع ومخاطر المرحلة المقبلة. قناة الجزيرة. 24 أغسطس 2026 ↑
- () الانشقاقات وتآكل النواة الصلبة يعمقان ازمة الدعم السريع. سودان تربيون. 19 مايو 2026 ↑
- () إسماعيل م.ع.3 مارس 2025 كيف يمكن وقف نزف انقسامات الأحزاب السودانية. اندبندت عربية ↑
- () DEMİRTAŞ, T. (Aug,5,2024). “فهم الحرب الأهلية السودانية 2023: الجذور التاريخية والديناميات الحالية والآفاق المستقبلية.” رؤية تركية السنة 13 العدد3 الصفحات 180-187 ↑
- () H. R. Watch. Shea, J. (June 18, 2026 ). Why Isn’t the EU Calling Out the UAE for Its Role in the Sudan Crisis? ↑
- () Dr. Mohammed Abdulrahman Hamad, Y. (2025). The war in Sudan (April 2023): its local and international effects and repercussions. Humanities & Natural Sciences Journal, 6(12) page 719 ↑
- () Dr. Mohammed Abdulrahman Hamad, Y. (2025). The war in Sudan (April 2023): its local and international effects and repercussions. Humanities & Natural Sciences Journal, 6(12) page 715 ↑
- () Igboke, S., Joseph, A., Ojo, I., & Chukwuma, O. (2026). Evolving Sudanese Crises and Maritime Security in the red Sea and its implications on Northeast Africa. Social Science Reports, 26, 125- 113 ↑
- () DEMİRTAŞ, T. (Aug,5,2024). “فهم الحرب الأهلية السودانية 2023: الجذور التاريخية والديناميات الحالية والآفاق المستقبلية.” رؤية تركية السنة 13 العدد 3 ↑