المقاصد الحجاجية للغرض الواحد عند شرف الدين الأنصاري

The Argumentative Purposes of a Single Poetic Theme in the Poetry of Sharaf al-Din al-Ansari

تمارة أحمد عويز حسوني1، أ. د. زينة عبد الجبار محمد1

1 الجامعة المستنصرية كلية التربية، العراق.

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj71/42

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/71/42

المجلد (7) العدد (1). الصفحات: 662 - 682

تاريخ الاستقبال: 2025-12-10 | تاريخ القبول: 2025-12-17 | تاريخ النشر: 2026-01-01

Download PDF

المستخلص: يتناول البحث المقاصد الحجاجية التي يحققها الشاعر شرف الدين الأنصاري (ت 662هـ) حين يلتزم غرضًا واحدًا في شعره هو المديح، بوصفه اختيارًا أسلوبيًا مقصودًا لا مجرد موضوع شعري. وتنطلق الدراسة من تحديد المفاهيم المؤسسة للبحث عبر محورٍ أول يعرّف الغرض والقصد لغةً واصطلاحًا، ثم تنتقل في محورٍ ثانٍ إلى بيان المقاصد النصية وصلتها بالسياق وبعناصر التخاطب (المخاطِب/المخاطَب) في بناء الدلالة وتوجيه التأويل. أما المحور الثالث فخصّص للتطبيق على نماذج من قصائد الأنصاري، ولا سيما مدائحه للملوك والأمراء والمديح النبوي، لإظهار كيف يوظّف الشاعر أدوات البلاغة (التشبيه، الكناية، المبالغة، والتقديم والتأخير…) ضمن بنية حجاجية تستهدف الإقناع والتأثير وكسر أفق توقع المتلقي. وتخلص الدراسة إلى أن “الغرض الواحد” في مديح الأنصاري لا يعني محدودية فنية، بل يتيح بناء خطاب متماسك تتساند فيه الحجج: حجة السلطة وربط الممدوح بالقدر والزمن، وحجة الدليل التاريخي عبر ذكر الوقائع والفتوح، وحجة الإجماع بتعميم الثناء وشيوعه، والشرعنة الدينية عبر إسناد الأفعال إلى مقاصد نصرة الدين، بما يُنتج صورة “القائد المثالي” الجامع بين القوة والكرم والحكمة، ويجعل المدح وسيلةً لإثبات المشروعية وتثبيت المكانة أكثر من كونه ثناءً تقليديًا.

الكلمات المفتاحية: الحجاج، المديح، شرف الدين الأنصاري، البلاغة، المقاصد النصية.

Abstract: This study examines the argumentative purposes achieved by the poet Sharaf al-Din al-Ansari (d. 662 AH) through his deliberate commitment to a single poetic theme—praise—as a conscious stylistic and rhetorical choice rather than a mere conventional subject. The research begins by defining the foundational concepts of purpose and intent from linguistic and terminological perspectives, then moves to clarify textual intentions and their relationship to context and the communicative roles of speaker and addressee in shaping meaning and guiding interpretation. The applied section analyzes selected poems by al-Ansari—particularly his panegyrics for kings and princes as well as prophetic praise—to demonstrate how he employs rhetorical devices such as simile, metaphor, hyperbole, and syntactic manipulation within an argumentative structure aimed at persuasion and influence, often disrupting the reader’s horizon of expectations. The study concludes that al-Ansari’s adherence to a single poetic purpose does not reflect artistic limitation; rather, it enables the construction of a coherent, tightly woven discourse in which multiple argumentative strategies—authority, historical evidence, consensus, and religious legitimation—converge to produce an idealized image of leadership that fuses power, generosity, and wisdom, transforming praise into a means of asserting legitimacy and consolidating status.

Keywords: Argumentation, Panegyric, Sharaf al-Din al-Ansari, Rhetoric, Textual Intentions.

المقاصد الحجاجية للغرض الواحد عند الأنصاري

تعريف الغرض لغةً:

هي من المفردات التي تنوعت معانيها في المعاجم من تلك المعاني: “(الغْرْضُ): حزام الرَّحْل, والْغُرْضَةُ بالْغَرْضِ, والجمعُ غُرْضٌ, وقيل الْغَرْضُ: الْبِطانُ لِلْقَتَبِ..”([1]), وجاءت بمعنى: “(الغَرْضُ): حِزام الرَّحْل, و(الغَرَضُ) الهدف الذي يُرمى إليه, والبغية والحاجة والقصد, ويُقال: فهمتُ غَرَضكَ: قَصْدَكَ. والجمع: أغراض”([2]).

تعريف الغرض اصطلاحاً:

الغرض في البلاغة العربية هو الهدف أو الغاية التي يرمي إليها المتكلم من خلال كلامه، وهو ما يُعرف بالمقصد الذي يسعى إلى تحقيقه عبر الخطاب, يُعرّف الدكتور محمد أمين المؤدب الغرض بأنه “الفكرة الأساسية التي اتخذها الشاعر لإيصال رسالته، وليس مجرد الموضوع الذي تتناوله القصيدة”([3]), وفي السياق البلاغي، يرتبط الغرض بمطابقة الكلام لمقتضى الحال، حيث يختار المتكلم الأسلوب والألفاظ التي تناسب غرضه ومقامه, وهو “الوظيفة التواصلية التي يؤديها النص في سياق معين، والتي تحدد اختيار الوسائل اللغوية والبلاغية المناسبة”([4]), وهذا المفهوم يتجاوز التقسيم التقليدي للأغراض الشعرية ليشمل البعد الوظيفي والتأثيري للخطاب.

تعريف القصد لغةً:

جاء لفظ القصد بمعاني مختلفة في المعاجم العربية منها : “(القَصْدْ): استقامة الطريق, قَصَد يَقْصِدُ قَصْداً, فهو قاصِدٌ, مثل قولهِ تعالى: “وَعَلَى الله قَصْدُ السَّبِيل”([5]), أي على الله تبيين الطَّريقِ المستقيم, وقال ابن عرفة: سفراً قاصِداً, أي غير شاق, والقَصْدُ: العَدْلُ…”([6]) “(قَصَدَ): بمعنى الطريق, (قَصْداً): بمعنى استقام, والشاعر: أنشأَ القصائد لهُ وإليهِ: توجَّه إليه عمداً, ويقال: قصدهُ, و(القَصْدُ): يقال: هو على القَصْدِ, وعلى قصد السبيل, أذا كان راشداً, واستقامة الطريق”([7])

تعريف القصد اصطلاحاً:

القصد في الاصطلاح البلاغي واللساني هو “توجه النفس إلى الشيء أو انبعاثها نحو ما تراه موافقًا”([8]) , وهو مرادف للنية في السياق التواصلي, وفي اللسانيات التداولية، يُعرّف القصد بأنه “حالة واعية تتملك المتكلم فتدفعه إلى إنتاج سلسلة لغوية بدافع الدخول في عملية تواصل لغوي”([9]) , ويشير القصد إلى “الخاصية الأساسية للوعي بأن يكون دائمًا موجهًا نحو شيء ما، فكل فعل ذهني هو بالضرورة قصد لموضوع معين”([10]) , هذا المفهوم يربط بين النية الداخلية للمتكلم والتجسيد اللغوي لهذه النية في الخطاب، مما يجعله محوريًا في فهم العملية التواصلية وتحليل النصوص.

نستنتج من ذلك أن العلاقة بين القصدية والغرض الواحد تتجلى في الشعر من خلال عدة جوانب متداخلة ومعقدة, فالقصدية، كما رأينا، هي نية المتكلم أو الشاعر في إيصال معنى معين أو تحقيق غاية محددة من خلال نصه الشعري, أما الغرض الواحد، فيشير إلى تركيز القصيدة على موضوع واحد أو فكرة رئيسية واحدة، بعيدًا عن التشتت وتعدد الأغراض الذي اتُهمت به القصيدة العربية القديمة في بعض الأحيان, يتضح أن مفهوم الغرض الواحد يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالقصدية. فعندما يكون الشاعر قاصدًا لغرض واحد في قصيدته، فإن ذلك يعكس نية واضحة ومحددة لديه. هذه القصدية الواضحة تساهم في بناء قصيدة متماسكة ومترابطة، حيث تتجه جميع أجزاء القصيدة نحو تحقيق هذا الغرض الواحد.

ويرتكز دور المقصد، بشكل أساسي “على بلورة المعنى كما هو عند المرسل، إذ يستلزم منه مراعاة كيفيّة التعبير عن قصده، وانتخاب الإستراتيجيّة التي تتكفّل بنقله مع مراعاة العناصر السياقيّة الأخرى, وتكمن وظيفة اللغة هنا في تحقيق التفاعل بين طرفي الخطاب، بما يناسب السياق بمجمله، فتتّضح المقاصد بمعرفة عناصره”([11]) ، فإن استعمال التلميحات والتضمين في النصوص الشعرية أو النثرية بغية إضافة لمسة جمالية أو للفت انتباه وفكر المتلقي ليستنتج الغاية والمضمون من نص الشاعر أو الكاتب, قد توقِع المتلقي في اللبس أو فهم قصد مخالف لقصد صاحب النص, وبذلك “تتضح أهمية استثمار عناصر السياق لنقل قصد المرسل عند إنتاج الخطاب”([12]), فإن هوية المتكلم ومقصده والوضعية التي هو عليها, جميعها عوامل تساعد في تعديل المعنى, وتحوله من المعنى الحرفي إلى معنى أكثر اكتمالية يساعد على فهم حقيقة النص وغاية المتكلم.

لقد عرف الباحثون أهمية المقاصد في الخطاب, وعدوها لُبّ العملية التواصلية بين المرسل والمرسل إليه, ومن أهم الركائز في الخطاب وغاية المتلقي الوصول إليها بتواصلهِ مع صاحب النص, فلا وجود لأي تواصل عن طريق العلاقات من دون وجود قصدية وراء فعل التواصل, وبذلك تعد المقاصد هي غاية المرسل وهدفه من النص هو إفهام المرسل إليه ما يريد أن يوصلهُ إليه, واشترطوا لتحقيق ذلك هو أن يمتلك المرسل اللغة في مستوياتها المعروفة, وتحديداً المستوى الدلالي بمعرفته العلاقة بين الدوال والمدلولات, فضلاً عن معرفتهِ بقواعد تركيبها وسياقات استعمالاتها, ومعرفة جميع ما يساعده في تنظيم إنتاج الخطاب([13]), وهنا “يصبح القصد معياراً أساسياً للتفريق بين النصوص, بوصف إن كل نص يجري إلى غاية, والاختلاف يكمن في الغاية والوظيفة التي يجري إليها, إذ يلعب القصد دوراً محورياً في تأويل ملفوظات النصوص”([14]).

ولما كان النص عملية تفاعلية بين ذوات متخاطبة معه معطيات أخرى, فأصبح من الضروري معرفة الذوات المشكلة للنصوص لنتعرف على مقاصدها وغاياتها, إذ تفترض العملية القصدية بدءاً احتواءها على طرفين إنسانيين هما مرسل ومتلق([15]) , وهنا لابد من الحديث عن عنصرين مهمين في العملية الخطابية وهما (المخاطِب و المخاطَب) اللذان يمثلان طرفي عملية الحجاج في النص الشعري أو أي نص أدبي آخر, وقبلها يجب أن نبدأ بمفهوم الخِطاب وعلاقته بالحجاج أولاً.

الخطاب:

يوصَف الخطاب بأنه يجمع بين القول والعمل (هذهِ هي سمته الأصلية), وقد وردت لفظة الخطاب عند العرب قديماً, كما وردت عند الغربيين([16]), فقد أجمعت التعريفات اللغوية على أنّ الخطاب ” لا يخرج عن صيغتهِ التخاطبية بين شخصين, إذ تستوجب المخاطبة الإجابة وردة فعل, تستدعي الإجابة تحويل الكلام من متلقي إلى المرسل, وذلك يعني تبادل الكلام”([17]), وهذا يعني أن للغة وظيفة رئيسية وهي (التواصل) ولتحقيق التواصل هناك عدة طرق منها(الخطاب) الذي يعد وسيلة اتصال, لأنه كلام بين اثنين من متكلم إلى مستمع([18]).

وقدم لهُ الآمدي تعريفاً بيناً إذ يرى بأن الخطاب “هو اللفظ المتواضع عليه “([19]), المقصود بهِ إفهام من هو متهيء لفهمه, وقريب منه ما قاله الجوينيّ, بقوله: “العبارة المستعملة فيما وضعت له بأصل الوضع”([20]), وعرفهُ إميل بنفينيست, بقوله: “كل تلفظ يفترض متكلماً ومستمعاً, عند الأول هدف التأثير على الثاني بطريقة ما”([21]), ولتحقيق هدف (التأثير) يجب تطبيق استراتيجية الإقناع لكونه يعد من أهم الأهداف التي يسعى الإنسان إلى تحقيقها, وهذا يرتبط بصورة جلية بالحجاج الذي غايتهُ الاساسية هي الإقناع([22]), وبذلك يكون الخطاب “مجموعة من الجمل يتم إنتاجها من طرف المرسل مع عدم إغفال الإطار غير اللغوي (السياق), فهو من جهة يحقق عملية اتصالية, ومن جهة أخرى ينتج خطاباً, نية المخاطَب فيه إقناع المخاطب والتأثير فيه”([23]).

المخاطِب:

هو صاحب النص ومنتجه, “فهو الذات المحورية في إنتاج الخطاب, أنه هو الذي يتلفظ بهِ, من أجل التعبير عن مقاصد معينة”([24]), وهناك نوعان من المخاطِب هما(مخاطب ضمني) وهو الذي يظهر على سطح الكتاب, و(المخاطِب الحقيقي) وهو منتج النص وما تحال إليه خاصية اسناد تلك النصوص التي تسبق عرض المتن, وهذا بدورهِ يحيلنا إلى خاصية تعدد متلفظي النصوص, فضلاً عن تمتعهم بسلطات متفاوتة, ولسلطة المتلفظ ومكانتهِ وأهليتهِ علاقة بالمقصد النصي, إذ تختلف المقاصد باختلاف مرتبة المرسل فضل تفاوت القصد مطرداً مع تفاوت سلطة المرسل, فالإنجاز الفعلي لتلك النصوص يرتكز على أهلية المخاطِب إذ هي المحرك الحقيقي للإنجاز([25]), وبهذا كانت سلطة الكلام معياراً في تصنيف الأفعال اللغوية الإنجازية للخطاب ومعززة لدور المرسل (المخاطِب) في مدى تأثيرهِ على المرسل إليه (المخاطَب) ومدى جودة الخطاب, فإن انعدام السلطة سوف يؤدي بخطاب المرسل إلى فشلهِ في عدم انجاز شيء من خلال خطابهِ, فمن الشروط المهمة التي يجب توافرها في المخاطِب هي سلطة الكلام التي يعكسها في خطابهِ وعلى حسن توظيفها في الخطاب ليحقق التأثير والإقناع الذي هو الغاية من الخطاب([26]). “فالشاعر المحاجج يضع هدفاً يسعى للوصول إليه, والغاية من الشعر الحجاجي تختلف بإختلاف غرض القصيدة: مدح, وصف, هجاء, ورثاء….الخ, وباختلاف المتلقي المقصود: ملك, محبوب, أم قوم….الخ, وغالباً ما يكون الهدف في الشعر الحجاجي استثارة الشعور والوجدان أو استثارة العقول والخيال, فالأولى غاية نفسية والثانية غاية تعليمية, ويرجع هذا الهدف وهذهِ الغاية بالنظر إلى طبيعة الشعر الحجاجي والموضوع المنظوم فيه “([27]), وهذا ينطبق على شاعرنا شرف الدين الأنصاري صاحب الغرض الواحد في المديح.

المخاطَب:

هو الطرف الآخر الذي يوجَه إليه المرسل خطابهُ عمداً, وقد أولى البلاغيون اهتماماً خاصاً بالمرسل إليه (المخاطَب) “فبناء الخطاب, وتداوله مرهون, إلى حد كبير, بمعرفة حاله, أو بافتراض ذلك الحال, والافتراض المسبق ركن ركين في النظام البلاغي العربي, إ العناية في المقام الأول موجهة إليه”([28]), كما إن استحضار المخاطِب لمخاطبهِ في ذهنه امر ضروري عند إنتاج الخطاب “سواء كان حضوراً عينياً, أم استحضاراً ذهنياً, وهذا الشخوص أو الاستحضار للمرسل إليه, هو ما يسهم في حركية الخطاب, بل يسهم في قدرة المرسل التنويعية, ويمنحهُ افقاً لممارسة اختيار استراتيجية خطابه”([29]), وينقسم التلقي إلى:

1_ المخاطب الافتراضي (غير المباشر): نقصد به هو “التلقي الذي يكون خارج زمن الإنتاج, ومتأخراً عنه لاحقاً به, وهو ما يحصل حين قراءة خطاب ما في زمن آخر قد يقترب, أو يبتعد عن زمن الإنتاج”([30])

2_ المخاطَب الحاضر (المباشر): أو المتزامن مع الفترة الزمنية لفترة انتاج الخطاب, ونقصد بهِ هو المتلقي الذي يكون معاصراً لزمن النص والمؤلف([31]), وهو ينقسم بدورهِ إلى قسمين:

أ_ المخاطبون من الطبقة الخاصة: ونقصد بها الطبقة العليا في المجتمع, وتتألف من الأسياد والملوك والوزراء والكتاب والأمراء وقادة الجيوش والقضاة والعلماء, ويقول الجاحظ في هذهِ الطبقة “أن الخاصة تتفاضل في طبقات أيضاَ”([32]), وهذا ما يوضحه ابن رشيق عندما يبين أن هناك شروط ينبغي أن تتوافر في الخطاب الموجه إلى الملوك غير شروط الخطاب الموجهة إلى الكتّاب, وخلاصة القول بأن “المخاطَب الخاص هو الذي من يمتلك كفاية خاصة لا نجدها عند كل الناس, أي كفاية تؤهله إلى أن يتلقى الخطاب كيفما كان مستواه التخييلي والشعري, والمخاطب الخاص هو كل من يمتلك أعلى كفايات التلقي وأرقاها, وما يهمنا هنا أكثر من غيره ليس المستوى الاجتماعي, بل هو بالمستوى الأول مستواه اللغوي والأدبي والفكري”([33]).

ب_ المخاطبون من الطبقة العامة: لا نعني بهم الناس جميعاً, أي كل الأمم والاجناس والطبقات ولا نعني بها العرب كلهم, بل نعني بها طبقة وسطى تتألف من كل المكونات الاجتماعية التي لها كفايات الإقبال على العلم والأدب, تكون أمة تمتلك من المؤهلات ما يجعلها قادرة على استقبال الخطاب, وفي هذهِ الطبقة يقول الجاحظ: “وإذا سمعتموني أذكر العوامّ, فإني لستُ أعني الفلاحين والحشوة والصناع والباعة, ولستُ أعني أيضاً الأكراد في الجبال, وسكان الجزائر في البحار, ولست أعني من الأمم مثل البير والطيلسان, ومثل موقان وجيلان, ومثل الزنج وأشباه الزنج, وإنما الأمم المذكورة في جميع الناس أربع: العرب, وفارس, والهند والروم, وأما العوامّ من أهل ملتنا ودعوتنا, ولغتنا وأدبنا وأخلاقنا, فالطبقة التي عقولها وأخلاقها فوق تلك الأمم, ولم يبلغوا منزلة خاصة منا”([34]), علماً أن المخاطبون عند شرف الدين الأنصاري هم الملوك والأمراء فضلاً عن القصائد في المديح النبوي التي أشتهر بها.

المقاصد النصية:

تتعد مقاصد الخطاب اللغوي مع تعدد سياقات التلفظ, فقد لا يكون ذا دلالة مستقرة تلازمهُ دوماً, فكل المقاصد كانت مبنية في اساسها على الخطاب اللغوي أولاً, ثم على معرفة عناصر السياق التي سيوظفها المتكلم بهدف التأثير في متلقيه([35]), ومعنى ذلك أن “السياق هو الرابط بين الملفوظ والقصد, وبالتالي فأن القصد يتعدد بتعدد السياق”([36]), والخطاب كي يوصل المتلقي غلى فهم غاية المتكلم قد يتضمن مؤشراً أو منبهاً يدل على ذلك القصد الذي يريد المرسل أن يوصلهُ إلى متلقيه, وقد تكون عن طريق ادوات لغوية تنبيهية أو ادوات بلاغية تؤدي نفس الهدف, وقد لا يكون المؤشر أو المنبه في أي اداة لغوية أو بلاغية, فيكون الرابط وقتها هو ما يربط بين اللفظ والقصد عن طريق قدرة استدلالية ذهنية يستنتجها المتلقي([37]), وفي صدد ذلك يقول الغزالي: “وطرق الاستثمار هي وجوه دلالة الأدلة, وهي أربعة: إذ الأقوال إمّا أن تدلّ على الشيء بصيغتها ومنظومها, أو بفحواها ومفهومها, أو باقتضائها وضرورتها, أو بمقولها ومعناها المستنبط منها”([38]), وبهذا تعد هذهِ الطرق الأربعة أليات يستثمر المرسل بها ما يناسبه منها في التعبير عن قصده, وتتنوع المقاصد مع تنوع السياقات وطبيعة المناسبة التي يقال بها النص الشعري ومن أهم لك المقاصد هي:

1_ المقصدية الفكرية: وتتكون هذهِ المقصدية من ثلاث مكونات هي التعليمية والحجاجيية والأخلاقية, وهذهِ المكونات ليست منفصلة عن بعضها, بل هي متداخلة مع بعضها على الدوام([39]), وجاءت في النصوص الشعرية كذلك كما يأتي:

  1. الغرض التعليمي: ويهتم هذا الغرض بإخبار المتلقي بواقع ما دون استدعاء العواطف, ويتولى هذا الغرض الجانب الأخباري والتقديم الموضوعي([40]), وقد سلكت النصوص الأدبية الشعرية والنثرية على سواء منهجاً تعليمياً فيه سلسلة من الإرشادات والتعليمات الي تستهدف التأثير في المتلقي, ويكون المقصد التعليمي واضحاً جداً وذلك لان المتلقي يستنتج من النصوص الشعرية التعليمية إنها وظِفت في القصية بغية نقل العبرة أو الموعظة, أو للاستفادة والتعليم([41]).
  2. الغرض الأخلاقي: يتم توظيفها في القصائد بغية نقل القيم الأخلاقية, وهو يتضمن عناصر تعليمية ومقاصد حجاجية ,كما يتضمن دعوة إلى العقل لان معظمها يدور في فلك الأخلاق الذي يتناول موضوعات الأمانة والصدق والسر, والوعد…الخ, وتوظيفها في النصوص يمثل استخلاصاً للدروس والعِبر التي تعلم الانسان وترشدهُ إلى النجاح بحيادية ولكن بتأثير حجاجي إقناعي, لأنها تركز على الجانب التعاملي فتستشعر منها المنحى الاصلاحي الذي يدعو إلى الفضيلة والأخلاق وينهي عن الرذيلة, ويكثر في هذا النوع اسلوب الوعظ والتوجيه الإرشادي فضلاً عن اسلوب الاقناع التي هي من مكونات البنية العامة للنصوص([42]).
  3. الغرض الحجاجي: يتمثل في جعل موضوع النص الشعري ممكناً في الرجوع إلى العقل عن طريق استعمال مختلف انواع الحجج([43]), وقد حفلت النصوص الشعرية بالغرض الحجاجي, وإن أنشئت في سياقات فكرية متنوعة, فقد جمع هذا الغرض شتات المقامات التي ألفت في أوقات متباعدة بانتمائها لعصور مختلفة, ويسري تأثير هذا الغرض على المتلقي المباشر والمتلقي غير مباشر, لأنها تؤسس لواقع جديد من خلال دفاعها عن اطروحتها وأفكارها باستعمال اساليب الاستدلال لمختلفة التي تُبت افكارها([44]).

2_ المقصدية الامتاعية والفكاهية: وتستدعي هذهِ الوظيفة “إمتاع المتلقي والترفيه عنه, وإثارة الضحك عنده من دون تغييب مقاصدها، وغاياتها الأدبية، والإجتماعية، والفكرية التي أنشئت من أجلها, ويلجأ إليها الشاعر والكاتب على سواء بهدف ألا يصاب القارئ بالملل، والسأم فضلاً عمّا ترمي إليه من تحقيق مقاصد أخلاقية، أو تعليمية، فهذا يعني أن قصد الإمتاع لا يتحقق بالهزل، وإنما يتحقق بالفائدة، وأسلوب التشويق، وسلاسة العبارة، وانتقاء الألفاظ، وحسن صياغتها”([45])، وهذا ما حفلت به الكثير من الأشكال التعبيرية الشعرية التي لجأ إليها الشعراء, ولكن هذا الغرض غير موجود في ديوان شرف الدين الأنصاري.

قصيدة يمدح فيها الملك المظفر ويهنئهُ بفتح (آمد) وقدومهِ, يقول فيها([46]):

قُدومٌ بِما أَمضاهُ مِنْ حُكْمِكَ الدَّهْر

 

يَتِمُّ بِعُقْبَاهُ لَكَ الفَتْحُ والنَّصْرُ

وغُرُّ مساع. لم يَجُزْها مَلَّكْ

 

لَكَ الْحَمْدُ، بعدَ اللهِ فيهنَّ، والشُّكرُ

دَعاكَ سميِّ المصطَفَى ونَصيرُه

 

لإعزاز دينِ اللهِ ، إذْ كادَهُ الكُفْرُ

فلبَّيْتهُ بالنَّصِر قَبْلَ دُعائِه

 

وأَوْفَيْتَ ، لا عذْرُ هُناكَ ولا غَدْرُ

بلغتَ مَدَى علياءَ مِنْ فَتْحِ آمِدٍ ”

 

يُغَنِّي بِها حَضْرُ ، ويَحْدو بها سَفْرُ

أَدَلْتَ بها للكامل المَّلْكِ دولةً

 

فكانَ لهُ إِحرازُها ، ولَكَ الفخْرُ

تَلاقَى عليها كاملٌ ومُظَفْرُ

 

كَما يَتَلاقَى الهُنْدُوانِيُّ والنَّصْرُ

تحليل البيت الأول:

قُدومٌ بِما أَمضاهُ مِنْ حُكْمِكَ الدَّهْرُ يَتِمُّ بِعُقْبَاهُ لَكَ الفَتْحُ والنَّصْرُ

يفتتح الشاعر قصيدته بمدح مباشر للممدوح، مصورًا إياه كشخصية ذات تأثير مطلق على مجريات الزمن والأحداث, كلمة “قُدومٌ” هنا تحمل معنى المجيء بقوة وعظمة، أو التقدم نحو هدف محدد بإصرار وثبات, يربط الشاعر هذا القدوم بـ“حُكْمِكَ”، أي حكم الممدوح وسلطته، ويصف هذا الحكم بأنه “أَمضاهُ الدَّهْرُ”، وهي عبارة بلاغية قوية تحمل في طياتها معاني متعددة, فـ“إمضاء الدهر” تعني أن الزمن نفسهُ قد أقر وأنفذ حكم الممدوح، وكأن الدهر ليس مجرد وعاء للأحداث، بل هو خادم مطيع لإرادة الممدوح., هذا التعبير يرفع من شأن الممدوح إلى مستوى يتجاوز البشر، ويمنحه صفة شبه إلهية في التحكم بالزمن ومجرياته, إنه إقرار ضمني بأن إرادة الممدوح هي التي تشكل الأحداث وتصوغ المستقبل، وأن الزمن لا يملك إلا أن ينفذ ما يقرره.

يأتي الشطر الثاني من البيت ليؤكد على نتيجة هذا الحكم المطلق: “يَتِمُّ بِعُقْبَاهُ لَكَ الفَتْحُ والنَّصْرُ”, كلمة “عُقْبَاهُ” تعني عاقبتهُ أو نتيجتهً, فبفضل حكم الممدوح وإرادته النافذة، يتحقق الفتح والنصر, هنا، لا يُقدم الفتح والنصر كإنجازات عسكرية عادية، بل كنتائج حتمية لإرادة الممدوح وقدرته على التحكم في مصير الأحداث, هذا الربط بين حكم الممدوح والفتح والنصر يمثل حجة قوية لإثبات جدارة الممدوح بالقيادة والثناء, إنها حجة تقوم على السببية: بما أن حكم الممدوح هو الذي يمضيه الدهر، فإن الفتح والنصر هما النتيجة الطبيعية والحتمية لهذا الحكم, هذا الأسلوب يهدف إلى ترسيخ فكرة أن الممدوح هو صانع النصر، وأن وجوده بحد ذاته يضمن الفوز والتقدم.

من الناحية الحجاجية، يستخدم الشاعر في هذا البيت أسلوب “حجة السلطة” أو “حجة القوة”، حيث يربط الممدوح بقوة مطلقة (الدهر) لتعزيز مكانته وإقناع المتلقي بعظمته([47]). كما أنه يستخدم “حجة النتيجة”، حيث يقدم الفتح والنصر كدليل لا يقبل الشك على صحة وفعالية حكم الممدوح([48]), هذا الافتتاح القوي للقصيدة يضع الممدوح في مكانة عالية جدًا، ويؤسس لجو عام من الإعجاب والتبجيل الذي سيسود القصيدة بأكمله, إنها محاولة لإبهار المتلقي منذ البداية، وجعله يتقبل كل ما سيأتي بعد ذلك من مدح ومبالغة، بناءً على هذه المقدمة التي تضع الممدوح فوق مستوى البشر العاديين.

وغُرُّ مساع. لم يَجُزْها مَلَّكْ لَكَ الْحَمْدُ، بعدَ اللهِ فيهنَّ، والشُّكرُ([49])

يواصل الشاعر في هذا البيت مدح الممدوح، مركزًا على “غُرُّ مساعيه”، وهي تعبير بلاغي يعني الأعمال الجليلة والمآثر العظيمة التي قام بها الممدوح, كلمة “غُرُّ” هنا تشير إلى البياض في جبهة الفرس، وتستخدم مجازًا للدلالة على الشرف والتميز والوضوح, فمساعي الممدوح ليست مجرد أعمال عادية، بل هي أعمال بارزة ومشرقة، لا يمكن لأحد أن يتجاهلها أو ينكرها, يؤكد الشاعر على تفرد هذه المساعي بقوله: “لم يَجُزْها مَلَّكْ”، أي لم يسبقه أو يتجاوزه فيها أي ملك آخر, هذا التعبير يحمل في طياتهِ معنى التحدي والمقارنة، حيث يضع الشاعر الممدوح في منزلة أعلى من جميع الملوك الآخرين، مؤكدًا على تفرده وتميزه في إنجاز هذه المآثر العظيمة, إنها حجة “المقارنة والتفضيل”، حيث يتم رفع شأن الممدوح من خلال مقارنتهِ بالآخرين وتبيان تفوقه عليهم([50]).

في الشطر الثاني، ينتقل الشاعر إلى التعبير عن الامتنان والثناء: “لَكَ الْحَمْدُ، بعدَ اللهِ فيهنَّ، والشُّكرُ”, هذا التعبير يكشف عن عمق التقدير الذي يكنه الشاعر للممدوح، ويضعه في منزلة تلي منزلة الله مباشرة في استحقاق الحمد والشكر, استخدام عبارة “بعدَ اللهِ” ليس مجرد ترتيب زمني، بل هو ترتيب للمكانة والفضل, فبعد شكر الله على نعمه، يأتي شكر الممدوح على مساعيهِ الجليلة, هذا الربط بين شكر الله وشكر الممدوح يضفي على الممدوح نوعًا من القداسة، ويجعل أعمالهُ تبدو وكأنها جزء من الإرادة الإلهية أو أنها تحظى بمباركة إلهية, إنها حجة “الربط بالقداسة”، حيث يتم تعزيز مكانة الممدوح من خلال ربطه بالمقدس([51]).

من الناحية الحجاجية، يهدف هذا البيت إلى ترسيخ فكرة أن الممدوح هو الأجدر بالثناء والتقدير، ليس فقط بسبب إنجازاته، بل أيضًا بسبب تفوقه على الآخرين ومكانتهِ شبه الإلهية, الشاعر هنا لا يكتفي بوصف الممدوح، بل يحاول إقناع المتلقي بضرورة حمد وشكر هذا الممدوح، وكأن هذا الحمد والشكر واجب ديني أو أخلاقي, هذا الأسلوب يعزز من سلطة الممدوح المعنوية، ويجعل المتلقي يشعر بأنه ملزم بتقديره وتبجيله, إنها دعوة صريحة للمتلقي للانضمام إلى صفوف المادحين والمعترفين بفضل الممدوح، مما يخدم غرضًا حجاجيًا يتمثل في حشد الدعم والتأييد للممدوح.

دَعاكَ سميِّ المصطَفَى ونَصيرُهُ لإعزاز دينِ اللهِ ، إذْ كادَهُ الكُفْرُ([52])

يُدخل الشاعر في هذا البيت بعدًا دينيًا مهمًا لمدحه، حيث يربط الممدوح بشخصية دينية مرموقة، وهو “سمي المصطفى ونصيره”, “المصطفى” هو لقب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، و“سميه” يعني من يحمل نفس اسمهِ، وهو غالبًا ما يكون الخليفة أو القائد الذي يحمل اسم محمد أو أحمد, أما “نصيره” فيعني من يدعم ويؤازر هذا السمّي, هذا الربط ليس مجرد إشارة عابرة، بل هو توظيف حجاجي يهدف إلى إضفاء الشرعية الدينية على الممدوح وأفعاله, فإذا كان الممدوح قد استجاب لدعوة شخصية بهذه المكانة الدينية، فإن أفعاله تصبح مبررة ومقدسة في نظر المتلقي المتدين, هذا يرفع من شأن الممدوح من مجرد قائد عسكري إلى مدافع عن الدين وحامٍ له، مما يعزز من مكانته في قلوب الناس ([53]).

يحدد الشاعر الغاية من هذه الدعوة والاستجابة لها: “لإعزاز دينِ اللهِ ، إذْ كادَهُ الكُفْرُ”, هنا، يصور الشاعر الدين الإسلامي وكأنه في خطر، وأن الكفر قد “كادَهُ”، أي أوشك على النيل منه أو إضعافه, في هذا السياق، يصبح دور الممدوح حيويًا ومنقذًا، فهو الذي استجاب لنداء الواجب الديني، ونهض لإعزاز دين الله, هذا التصوير يخلق حالة من الاستقطاب بين الحق (دين الله) والباطل (الكفر)، ويضع الممدوح في خانة المدافع عن الحق, إنها حجة “الضرورة الدينية”، حيث يتم تبرير أفعال الممدوح ورفع شأنها بكونها استجابة لتهديد وجودي يواجه الدين([54]).

من الناحية الحجاجية، يستخدم الشاعر في هذا البيت أسلوب “حجة الخوف” أو “حجة التهديد”، حيث يصور خطر الكفر على الدين، ثم يقدم الممدوح كمنقذ وحيد لهذا الخطر, هذا الأسلوب يهدف إلى تحفيز المتلقي عاطفيًا ودينيًا، وجعله يرى في الممدوح بطلاً دينيًا يستحق كل الدعم والثناء, كما أنه يستخدم “حجة الغاية النبيلة”، حيث يربط أفعال الممدوح بغاية سامية وهي إعزاز دين الله، مما يضفي عليها قيمة أخلاقية ودينية عالية, هذا البيت يعمق البعد الديني للقصيدة، ويجعل المدح يتجاوز الإنجازات الدنيوية إلى الدفاع عن المقدسات، مما يزيد من قوة الحجة الإقناعية للشاعر.

فلبَّيْتهُ بالنَّصِر قَبْلَ دُعائِه وأَوْفَيْتَ ، لا عذْرُ هُناكَ ولا غَدْرُ([55])

يستكمل الشاعر في هذا البيت فكرة الاستجابة لدعوة “سمي المصطفى”، ولكنه يضيف إليها عنصرًا جديدًا يرفع من شأن الممدوح بشكل كبير:“فلبَّيْتهُ بالنَّصِر قَبْلَ دُعائِه”, هذه العبارة تحمل في طياتها مبالغة عظيمة، حيث تصور الممدوح وكأنهُ يمتلك بصيرة نافذة وقدرة على استباق الأحداث، فهو لم ينتظر حتى تُرفع إليه الدعوة، بل كان النصر حليفًا له حتى قبل أن يُطلب منه ذلك, هذا يعني أن الممدوح كان مستعدًا دائمًا للجهاد والدفاع عن الدين، وأن النصر ملازم له بطبيعته, إنها حجة “الاستباقية والجاهزية”، حيث يظهر الممدوح كقائد لا يحتاج إلى تحفيز أو طلب، بل هو دائمًا في أتم الاستعداد لتحقيق النصر ([56]).

يؤكد الشاعر على وفاء الممدوح والتزامه بقوله: “وأَوْفَيْتَ ، لا عذْرُ هُناكَ ولا غَدْرُ”, كلمة “أَوْفَيْتَ” تعني أن الممدوح قد أتم وعده وعهده، ولم يتخلف عن نصرة الدين, النفي القاطع “لا عذْرُ هُناكَ ولا غَدْرُ” ينفي أي احتمال للتقصير أو الخيانة من جانب الممدوح, فليس هناك أي مبرر يمكن أن يقدمه لعدم الوفاء، كما أنه لم يغدر أو ينكث بعهده, هذا التأكيد على الوفاء وعدم وجود العذر أو الغدر يعزز من صورة الممدوح كشخصية أخلاقية عالية، تتمتع بالصدق والأمانة، وهي صفات تزيد من ثقة المتلقي به وتجعله أكثر إقناعًا ([57]).

من الناحية الحجاجية، يستخدم الشاعر في هذا البيت أسلوب “حجة الكمال”، حيث يصور الممدوح كشخصية لا تشوبها شائبة، فهو لا يحتاج إلى دعوة لتحقيق النصر، وهو دائمًا وفيّ لعهوده, هذا الأسلوب يهدف إلى إزالة أي شكوك قد تراود المتلقي حول قدرة الممدوح أو أخلاقه, كما أنه يستخدم “حجة النفي”، حيث ينفي وجود أي عذر أو غدر، مما يقوي من الحجة الإيجابية حول وفاء الممدوح, هذا البيت يساهم في بناء صورة الممدوح كقائد مثالي، يجمع بين القوة العسكرية والفضائل الأخلاقية، مما يجعله نموذجًا يحتذى به ويستحق كل التقدير.

بلغتَ مَدَى علياءَ مِنْ فَتْحِ “آمِدٍ ” يُغَنِّي بِها حَضْرُ ، ويَحْدو بها سَفْرُ([58])

ينتقل الشاعر في هذا البيت إلى ذكر إنجاز عسكري محدد للممدوح، وهو “فتح آمد”, “آمد” هي مدينة تاريخية تقع في ديار بكر، وقد شهدت العديد من الفتوحات والمعارك عبر التاريخ الإسلامي, ذكر هذا الفتح بالاسم يضفي على المدح طابعًا واقعيًا وملموسًا، ويجعلهُ أكثر مصداقية, يصف الشاعر هذا الفتح بأنه قد بلغ “مَدَى علياءَ”، أي وصل إلى أقصى درجات العظمة والرفعة, هذا التعبير يدل على أن فتح آمد لم يكن مجرد انتصار عادي، بل كان إنجازًا عظيمًا رفع من شأن الممدوح إلى مستويات عليا من المجد والشرف, إنها حجة “الدليل المادي”، حيث يقدم الشاعر حدثًا تاريخيًا ملموسًا كدليل على عظمة الممدوح ([59]).

يصف الشاعر تأثير هذا الفتح على الناس بقوله: “يُغَنِّي بِها حَضْرُ ، ويَحْدو بها سَفْرُ”, “الحضر” هم المقيمون في المدن والقرى، و“السفر” هم المسافرون والرحالة, هذا يعني أن خبر فتح آمد قد انتشر في كل مكان، وأن الناس في الحضر والسفر يتغنون بهذا الإنجاز العظيم, “يغني بها” و“يحدو بها” تعبيران يدلان على الفرح والاحتفال والاعتراف بهذا النصر, هذا التصوير يوضح مدى تأثير هذا الفتح على العامة، وكيف أصبح حديث الناس ومصدر فخرهم, إنها حجة “الإجماع الشعبي”، حيث يظهر الشاعر أن هذا الإنجاز قد حظي بقبول واعتراف واسع النطاق من جميع فئات المجتمع ([60]).

من الناحية الحجاجية، يستخدم الشاعر في هذا البيت أسلوب “حجة الشهرة والانتشار”، حيث يبرز مدى انتشار خبر فتح آمد وتغني الناس به، مما يعزز من قيمة هذا الإنجاز ومكانة الممدوح, كما أنه يستخدم “حجة الواقع”، حيث يقدم حدثًا تاريخيًا حقيقيًا كدليل على عظمة الممدوح, هذا البيت يربط الممدوح بإنجازات ملموسة ومعروفة، مما يجعل المدح أكثر إقناعًا ويصعب دحضه, إنه يهدف إلى ترسيخ صورة الممدوح كبطل قومي وديني، حقق نصرًا تاريخيًا لا ينسى، وأصبح حديث الركبان.

أَدَلْتَ بها للكامل المَّلْكِ دولةً فكانَ لهُ إِحرازُها ، ولَكَ الفخْرُ([61])

يواصل الشاعر في هذا البيت الحديث عن فتح آمد، ولكن هذه المرة يركز على نتائجه السياسية والعسكرية, يقول الشاعر: “أَدَلْتَ بها للكامل المَّلْكِ دولةً”, “أدلتَ” تعني جعلتَ الدولة تدور وتنتقل من يد إلى يد، أو جعلتَ الغلبة والنصر لدولة معينة, هنا، يشير الشاعر إلى أن الممدوح قد حقق النصر في آمد، ليس لنفسه فقط، بل لـ“الكامل الملك”, هذا التعبير قد يشير إلى ملك آخر كان الممدوح يعمل تحت إمرته، أو قد يكون لقبًا للممدوح نفسه، أو لشخصية أخرى ذات مكانة ملكية, في كل الأحوال، فإن الممدوح هو الفاعل الرئيسي الذي أحدث هذا التغيير السياسي والعسكري، وجعل الدولة تنتصر وتترسخ ([62]).

يأتي الشطر الثاني ليحدد المستفيد من هذا الإنجاز ومن ينسب إليه الفخر: “فكانَ لهُ إِحرازُها ، ولَكَ الفخْرُ”, “إحرازها” يعني تحقيقها أو امتلاكها, فالدولة التي تم إذالتها (جعلها تنتصر) كانت من نصيب “الكامل الملك”، فهو الذي حازها واستفاد منها, ولكن الشاعر يؤكد أن الفخر الحقيقي يعود إلى الممدوح: “ولَكَ الفخْرُ”. هذا الفصل بين من يحرز الدولة ومن يستحق الفخر هو نقطة بلاغية وحجاجية مهمة, فالشاعر هنا لا ينسب الفضل للملك الذي استفاد من النصر، بل ينسبه إلى الممدوح الذي كان السبب المباشر في تحقيق هذا النصر, هذا يرفع من شأن الممدوح ويجعله في منزلة أعلى من الملك نفسه، فالفخر الحقيقي هو لمن يصنع النصر، وليس لمن يجنيه([63]).

من الناحية الحجاجية، يستخدم الشاعر في هذا البيت أسلوب “حجة الفضل والأصالة”، حيث يبرز أن الممدوح هو صاحب الفضل الأصيل في تحقيق النصر، حتى لو كان المستفيد النهائي شخصًا آخر, هذا الأسلوب يهدف إلى ترسيخ فكرة أن الممدوح هو القوة الدافعة وراء الإنجازات العظيمة، وأنه يستحق التقدير الأكبر, كما أنه يستخدم “حجة التمييز”، حيث يميز بين الإحراز (الاستفادة المباشرة) والفخر (الاستحقاق المعنوي)، ويجعل الفخر من نصيب الممدوح, هذا البيت يعزز من صورة الممدوح كقائد لا يسعى للمجد الشخصي بقدر ما يسعى لتحقيق النصر للدولة، ولكنه في الوقت نفسه يستحق كل الفخر والثناء على جهوده.

تَلاقَى عليها كاملٌ ومُظَفْرُ كَما يَتَلاقَى الهُنْدُوانِيُّ والنَّصْرُ([64])

يصف الشاعر في هذا البيت مشهدًا حماسيًا يبرز فيه الممدوح وقوته في المعركة, يقول الشاعر: “تَلاقَى عليها كاملٌ ومُظَفْرُ”, “عليها” تعود على “آمد” أو على المعركة التي دارت هناك, “كامل” قد يكون لقبًا للممدوح نفسه، أو لشخصية أخرى ذات مكانة رفيعة، أو قد يكون وصفًا للممدوح بأنه كامل الصفات, أما “مُظَفْرُ” فهو وصف للممدوح بأنه دائم النصر والظفر, هذا التلاقي بين “كامل” و“مظفر” يوحي بأن الممدوح يجمع بين الكمال في الصفات والقدرة على تحقيق النصر، مما يجعله شخصية لا تُقهر في ساحة المعركة ([65]).

يأتي الشطر الثاني ليقدم تشبيهًا بلاغيًا قويًا يوضح مدى قوة هذا التلاقي: “كَما يَتَلاقَى الهُنْدُوانِيُّ والنَّصْرُ”, “الهندواني” هو السيف المصنوع في الهند، ويشتهر بجودته وحدته, “النصر” هنا ليس فقط الفوز، بل قد يشير أيضًا إلى الرمح أو السلاح الذي يحقق النصر, التشبيه هنا يصور تلاقي الممدوح مع خصومه في المعركة كتلاقي السيف الحاد مع النصر، أي أن الممدوح عندما يلتقي بأعدائه، فإن النصر يكون حليفه حتمًا، وكأن السيف والنصر لا ينفصلان, هذا التشبيه يبرز قوة الممدوح وبأسهِ في القتال، ويجعله رمزًا للنصر الحاسم ([66]).

من الناحية الحجاجية، يستخدم الشاعر في هذا البيت أسلوب “التشبيه البليغ”، حيث يربط الممدوح بالسيف والنصر، مما يضفي عليه صفات القوة والحدة والحسم, هذا التشبيه يهدف إلى ترسيخ فكرة أن الممدوح هو تجسيد للنصر، وأن وجودهُ في المعركة يعني الفوز المؤكد, كما أنه يستخدم “حجة القوة المطلقة”، حيث يصور الممدوح كقوة لا يمكن مقاومتها، وأن لقاءهُ بالخصوم يعني هزيمتهم الحتمية, هذا البيت يعزز من صورة الممدوح كبطل عسكري لا يُضاهى، ويجعل المتلقي يقتنع بقدرتهِ على تحقيق الانتصارات الحاسمة في كل المواجهات.

والمقطع الأخير لنفس القصيدة يقول فيها الشاعر([67]):

وقد عَلمُوا في يَوم “أَفيُونَ”، ما تَحَتْ

 

قَنَاكَ، ولا زيدٌ هناكَ ، ولا عمْرُو

عَمَمْتَ الرَّعايا والبِلادَ فواضِلاً

 

بِها كُلُّ ثَغْرٍ عن ثَنائكَ مُفْتَرُ

لَكَ اللهُ مِنْ مَلْكٍ كريمِ مُظفَّر

 

بِشِدِّنِهِ والِّينِ يُستَعْبَدُ الحُرْ

يُنِيلُ ، فلا مالٌ يُقِلُّ ، ولا علا

 

ويسطو ، فلا بر يُقِلُ ، ولا بَحْرُ

عَليمٌ بِقَدْرِ المالِ والنَّفْسِ ، باذلُ

 

لَدَى الجُودِ والهَيْجاءِ ما يَبْذُلُ الغِرُّ

تُرَى خيلُهُ دُهماً وشُقْراً إذا غَزا

 

مِن الدَّمِ حتى تُجْهَلَ الدُّهْمُ والشُقْرُ

وما فَرَّقَتْ بَيْنَ الظّلبَا وغمُودِها

 

سَراياهُ إلّا والْتَقَى الذُنْبُ والنَّسْرُ

يُقَصِّرُ عنهُ الغَيث واللَّيثُ نائلاً

 

وَبأساً ، وعن أَوصافهِ النَّظمُ والنَّثرُ

فإنْ كانَ مَدْحِي ليسَ مَبْلَغَ مُنْتَهى

 

عُلاهُ ، فمَبْسوطُ لِقائِلِهِ العُذْرُ

في قولهِ:

وقد عَلمُوا في يَوم “أَفيُونَ”، ما نَحَتْ قَنَاكَ، ولا زيدٌ هناكَ ، ولا عمْرُو

يستمر الشاعر في ذكر إنجازات الممدوح العسكرية، وينتقل إلى معركة أخرى وهي “يوم أفيون”, “أفيون” هي قرية بالقرب من حماة على طريق (بارين) وقعت فيها معركة بين المسلمين والفرنجة, ذكر هذا اليوم بالاسم يضفي على المدح طابعًا واقعيًا وملموسًا، ويجعله أكثر مصداقية، تمامًا كما فعل في “فتح آمد”, يقول الشاعر: “وقد عَلمُوا في يَوم ”أَفيُونَ“، ما نحَتْ قَنَاكَ”, “علموا” تعني أدركوا وتيقنوا, “ما نحت قناك” تعني ما يفعله رمحك أو سلاحك, هذا يعني أن الأعداء قد علموا وتيقنوا في يوم أفيون من قوة الممدوح وبأسه في القتال، وما يفعله سلاحه من فتك وتدمير, هذا التصوير يبرز الممدوح كفارس لا يُشق له غبار، وأن سلاحه هو أداة للنصر الحاسم([68]).

يأتي الشطر الثاني ليؤكد على تفرد الممدوح في هذه المعركة: “ولا زيدٌ هناكَ ، ولا عمْرُو”, “زيد وعمرو” هما اسمان شائعان في اللغة العربية، ويستخدمان كناية عن أي شخص أو أي مقاتل آخر, هذا يعني أنه في يوم أفيون، لم يكن هناك أحد غير الممدوح قادرًا على تحقيق هذا النصر، وأن لا أحد من المقاتلين الآخرين (زيد أو عمرو) يمكن أن يضاهيه في قوتهِ وشجاعته, هذا التأكيد على التفرد يبرز الممدوح كبطل أوحد في ساحة المعركة، وأن النصر يعود إليهِ وحده دون مشاركة من أحد, إنها حجة “التفرد والبطولة المطلقة”، حيث يظهر الممدوح كبطل لا مثيل له([69]).

من الناحية الحجاجية، يستخدم الشاعر في هذا البيت أسلوب “حجة الدليل التاريخي”، حيث يقدم يوم أفيون كدليل ملموس على قوة الممدوح وبسالتهِ, هذا الأسلوب يهدف إلى ترسيخ فكرة أن الممدوح هو بطل تاريخي، وأن إنجازاته موثقة ومعروفة, كما أنه يستخدم “حجة النفي”، حيث ينفي وجود أي مقاتل آخر يمكن أن يضاهي الممدوح في قوتهِ، مما يعزز من تفرد الممدوح وبطولته, هذا البيت يكمل صورة الممدوح كقائد عسكري لا يُقهر، حقق انتصارات حاسمة بمفرده، وأصبح رمزًا للنصر في المعارك الكبرى.

عَمَمْتَ الرَّعايا والبِلادَ فواضِلاً بِها كُلُّ ثَغْرٍ عن ثَنائكَ مُفْتَرُ([70])

ينتقل الشاعر في هذا البيت إلى الحديث عن فضل الممدوح وكرمه على الرعايا والبلاد, يقول الشاعر: “عَمَمْتَ الرَّعايا والبِلادَ فواضِلاً”, “عممت” تعني شملت وأحطت, “الرعايا والبلاد” تشير إلى جميع الناس والأوطان التي يحكمها الممدوح أو التي وصل إليها نفوذه, “فواضلاً” تعني فضائل وإحسانات ونعم, هذا يعني أن الممدوح قد شمل جميع رعاياه وبلاده بفضائلهِ وإحساناتهِ، وأن كرمه وعطاءه قد وصلا إلى كل مكان, هذا التصوير يبرز الممدوح كحاكم كريم وعادل، يهتم بشؤون رعيته ويسعى إلى رفاهيتهم([71]).

يأتي الشطر الثاني ليصف رد فعل الناس على هذا الكرم: “بِها كُلُّ ثَغْرٍ عن ثَنائكَ مُفْتَرُ”, “ثغر” هنا تعني فم أو حدود البلاد, “مفتر” تعني مبتسم أو مبتهج, هذا يعني أن كل فم في البلاد يبتسم ويتهلل ثناءً على الممدوح، وأن كل حدود البلاد تشهد على فضله وكرمه, هذا التصوير يوضح مدى حب الناس للممدوح وتقديرهم له، وأنهم يعبرون عن هذا الحب بالثناء والمدح, إنها حجة “الإجماع الشعبي والثناء العام”، حيث يظهر الشاعر أن الممدوح قد حظي بحب وتقدير جميع رعاياه([72]).

من الناحية الحجاجية، يستخدم الشاعر في هذا البيت أسلوب “حجة الإحسان والكرم”، حيث يبرز أن الممدوح قد عم جميع رعاياه بفضائله، مما يجعله محبوبًا ومقدرًا من الجميع, هذا الأسلوب يهدف إلى ترسيخ فكرة أن الممدوح هو حاكم عادل وكريم، وأن حكمه يجلب الخير والرخاء للجميع, كما أنه يستخدم “حجة الثناء العام”، حيث يصور جميع الناس وهم يثنون على الممدوح، مما يعزز من مكانته وشعبيته, هذا البيت يكمل صورة الممدوح كحاكم مثالي، يجمع بين القوة العسكرية والكرم والإحسان، مما يجعله يستحق كل الحب والتقدير من رعيته.

لَكَ اللهُ مِنْ مَلْكٍ كريمِ مُظفَّر بِشِدِّتِهِ والِّينِ يُستَعْبَدُ الحُرْ([73])

يستمر الشاعر في مدح الممدوح، ويصفه بصفات متناقضة تجمع بين القوة واللين, يقول الشاعر: “لَكَ اللهُ مِنْ مَلْكٍ كريمِ مُظفَّر”, “لك الله” هي عبارة تعجبية تفيد التعظيم والثناء، وكأن الشاعر يدعو الله أن يحفظ الممدوح أو يبارك فيه, يصفه بأنه “ملك كريم مظفر”، أي ملك يتمتع بالكرم والنصر الدائم, هذه الصفات الثلاث (الملك، الكريم، المظفر) تجمع بين السلطة، والفضيلة، والنجاح، مما يبرز الممدوح كشخصية متكاملة تجمع بين أفضل الصفات ([74]).

يأتي الشطر الثاني ليصف كيفية تأثير الممدوح على الناس: “بِشِدِّتِهِ والِّينِ يُستَعْبَدُ الحُرْ”, “شدته” تعني قوته وصرامته، و“اللين” تعني رفقته وسهولته, “يستعبد الحر” تعني أن الممدوح بقوته ولينه يستطيع أن يجعل الأحرار يخضعون له طواعية، ليس بالقوة القاهرة، بل بالجمع بين الصرامة والرفق, هذا يعني أن الممدوح يمتلك حكمة في التعامل مع الناس، فهو يستخدم القوة عند الحاجة، واللين عند الاقتضاء، مما يجعله قادرًا على كسب ولاء حتى الأحرار الذين لا يخضعون عادة لأحد, إنها حجة “الجمع بين المتناقضات”، حيث يظهر الممدوح كقائد يمتلك صفات متضادة ولكنهُ يوظفها بذكاء لتحقيق أهدافه([75]).

من الناحية الحجاجية، يستخدم الشاعر في هذا البيت أسلوب “حجة التوازن والاعتدال”، حيث يبرز أن الممدوح يجمع بين القوة واللين، مما يجعله قادرًا على التعامل مع جميع المواقف والناس بفعالية, هذا الأسلوب يهدف إلى ترسيخ فكرة أن الممدوح هو قائد حكيم، لا يعتمد على القوة وحدها، بل يستخدم الحكمة واللين أيضًا, كما أنه يستخدم “حجة التأثير الطوعي”، حيث يصور الممدوح بأنه يستطيع أن يجعل الأحرار يخضعون له طواعية، مما يعزز من مكانته وقدرته على القيادة, هذا البيت يكمل صورة الممدوح كحاكم ذكي وحكيم، يمتلك القدرة على التأثير في الناس وكسب ولائهم بأساليب متنوعة.

يُنِيلُ ، فلا مالٌ يُقِلُّ ، ولا عُلاً ويسطو ، فلا بَرٌّ يُقِلُ ، ولا بَحْرُ([76])

يصف الشاعر في هذا البيت كرم الممدوح وشجاعته، ويبرز مدى عظمته في العطاء والقتال, يقول الشاعر: “يُنِيلُ ، فلا مالٌ يُقِلُّ ، ولا علا”, “ينيل” تعني يعطي ويمنح, “لا مال يقل” تعني أن عطاءه لا ينقص المال، بل يزيده أو لا يتأثر به, “ولا علا” تعني ولا يرتفع عليه أحد في العطاء, هذا يعني أن الممدوح كريم جدًا، وعطاءه لا ينضب، ولا يوجد من يضاهيه في كرمه, هذه المبالغة في وصف الكرم تبرز الممدوح كشخصية سخية لا حدود لعطائها([77]).

يأتي الشطر الثاني ليصف شجاعته في القتال: “ويسطو ، فلا بر يُقِلُ ، ولا بَحْرُ”, “يسطو” تعني يهجم ويقاتل بشجاعة, “لا بر يقل ولا بحر” تعني أن قوته وشجاعته لا يحدها بر ولا بحر، أي أنه يقاتل في كل مكان ولا يوجد ما يوقفه, هذه المبالغة في وصف الشجاعة تبرز الممدوح كفارس لا يُقهر، وأن قوته تمتد لتشمل جميع الميادين, إنها حجة “الشمولية المطلقة”، حيث يظهر الممدوح كشخصية لا حدود لقدراتها في العطاء والقتال([78]).

من الناحية الحجاجية، يستخدم الشاعر في هذا البيت أسلوب “المبالغة”، حيث يصور كرم الممدوح وشجاعته بأنهما لا حدود لهما, هذا الأسلوب يهدف إلى ترسيخ فكرة أن الممدوح هو شخصية استثنائية في جميع المجالات، وأنه يمتلك قدرات خارقة, كما أنه يستخدم “حجة النفي”، حيث ينفي وجود أي حدود لقدرات الممدوح في العطاء والقتال، مما يعزز من عظمته, هذا البيت يكمل صورة الممدوح كبطل شامل، يجمع بين الكرم المطلق والشجاعة الفائقة، مما يجعله يستحق كل التقدير والإعجاب.

عَليمٌ بِقَدْرِ المالِ والنَّفْسِ ، باذلُ لَدَى الجُودِ والهَيْجاءِ ما يَبْذُلُ الغِرُّ([79])

يصف الشاعر في هذا البيت حكمة الممدوح في التعامل مع المال والنفس، وكرمه وشجاعته, يقول الشاعر: “عَليمٌ بِقَدْرِ المالِ والنَّفْسِ”, “عليم بقدر المال والنفس” تعني أن الممدوح يدرك قيمة المال وأهميته، ولكنه في الوقت نفسه يدرك قيمة النفس البشرية وأهميتها, هذا يدل على حكمة الممدوح وتوازنه، فهو ليس بخيلاً ولا مسرفًا، وليس جبانًا ولا متهورًا، بل يضع كل شيء في نصابه الصحيح, هذه الحكمة تبرز الممدوح كقائد متوازن يمتلك بصيرة نافذة في تقدير الأمور([80]).

يأتي الشطر الثاني ليصف كرمه وشجاعته بطريقة فريدة: “باذلُ لَدَى الجُودِ والهَيْجاءِ ما يَبْذُلُ الغِرُّ”, “باذل” تعني معطٍ وسخي, “الجود” هو الكرم, “الهيجاء” هي المعركة, “ما يبذل الغر” تعني ما يبذله الشخص الجاهل أو قليل الخبرة, هذا يعني أن الممدوح في كرمه وشجاعته يبذل كل ما يملك، تمامًا كالشخص الغر الذي لا يدرك قيمة ما يبذله, هذه المبالغة تبرز كرم الممدوح وشجاعته بأنهما يتجاوزان الحدود الطبيعية، وكأنه لا يبالي بما يبذله في سبيل الكرم أو النصر, إنها حجة “التضحية المطلقة”، حيث يظهر الممدوح كشخصية مستعدة للتضحية بكل شيء في سبيل أهدافها([81]).

من الناحية الحجاجية، يستخدم الشاعر في هذا البيت أسلوب “حجة التناقض الظاهري”، حيث يصف الممدوح بأنه عليم بقدر المال والنفس، ولكنه في الوقت نفسه يبذل ما يبذله الغر, هذا التناقض يهدف إلى إبراز عظمة الممدوح، فهو يدرك قيمة الأشياء ولكنه يتجاوزها في سبيل الكرم والشجاعة, كما أنه يستخدم “حجة المبالغة”، حيث يصور كرم الممدوح وشجاعته بأنهما يتجاوزان الحدود الطبيعية, هذا البيت يكمل صورة الممدوح كقائد حكيم وشجاع وكريم، يمتلك القدرة على التضحية بكل شيء في سبيل تحقيق أهدافه السامية.

تُرَى خيلُهُ دُهماً وشُقْراً إذا غَزا مِن الدَّمِ حتى تُجْهَلَ الدُّهْمُ والشُّقْرُ([82])

يصف الشاعر في هذا البيت شدة المعارك التي يخوضها الممدوح، وكيف أن الدماء تغطي ساحة القتال, يقول الشاعر: “تُرَى خيلُهُ دُهماً وشُقْراً إذا غَزا”, “خيله” تعني خيول الممدوح وجيشه, “دهماً وشقراً” هي ألوان الخيل (الدهم: سوداء، الشقر: حمراء), هذا يعني أن خيول الممدوح كانت متنوعة الألوان، ولكن هذا التنوع يختفي في المعركة([83]).

يأتي الشطر الثاني ليصف سبب اختفاء الألوان: “مِن الدَّمِ حتى تُجْهَلَ الدُّهْمُ والشُّقْرُ”, هذا يعني أن الدماء التي تسيل في المعركة تكون غزيرة جدًا لدرجة أنها تغطي الخيل وتجعل ألوانها الأصلية (الدهم والشقر) غير معروفة أو غير مميزة, هذا التصوير يبرز مدى شراسة المعارك التي يخوضها الممدوح، وكثرة القتلى والجرحى فيها, إنها حجة “الواقعية المروعة”، حيث يصف الشاعر مشهدًا دمويًا يبرز قوة الممدوح وبأسه في القتال ([84]).

من الناحية الحجاجية، يستخدم الشاعر في هذا البيت أسلوب “المبالغة الحسية”، حيث يصور الدماء وهي تغطي الخيل وتغير ألوانها، مما يخلق صورة ذهنية قوية ومروعة في ذهن المتلقي, هذا الأسلوب يهدف إلى ترسيخ فكرة أن الممدوح هو قائد لا يرحم في المعركة، وأن قوته تؤدي إلى دمار شامل, كما أنه يستخدم “حجة الدليل البصري”، حيث يصف مشهدًا يمكن تخيله بسهولة، مما يجعل الحجة أكثر قوة وإقناعًا, هذا البيت يعزز من صورة الممدوح كقائد عسكري لا يُضاهى، يحقق الانتصارات بأي ثمن، ويترك وراءه دمارًا هائلاً.

وما فَرَّقَتْ بَيْنَ الظّبَا وغمُودِها سَراياهُ إلّا والْتَقَى الذُنْبُ والنَّسْرُ([85])

يصف الشاعر في هذا البيت سرعة وحسم سرايا الممدوح في القضاء على الأعداء, يقول الشاعر: “وما فَرَّقَتْ بَيْنَ الظّبَا وغمُودِها سَراياهُ”, “سراياه” تعني جيوشه أو كتائبه التي تتحرك بسرعة, “الظبى” هي الأضلاع أو الجوانب، و“غمودها” هي أغماد السيوف, هذا التعبير قد يكون كناية عن سرعة السرايا في الفتك بالأعداء، بحيث لا يبقى وقت لإعادة السيوف إلى أغمادها، أو قد يكون كناية عن شدة القتال لدرجة أن السيوف لا تفارق أغمادها إلا لتقطع الأضلاع([86]).

يأتي الشطر الثاني ليصف النتيجة الحتمية لعمليات سرايا الممدوح: “إلّا والْتَقَى الذُنْبُ والنَّسْرُ”, “الذئب” و“النسر” هما حيوانان مفترسان يرمزان إلى الموت والهلاك, هذا يعني أن سرايا الممدوح عندما تتحرك، فإن النتيجة الحتمية هي الموت والهلاك للأعداء، وكأن الذئاب والنسور تجتمع على جثثهم, هذا التصوير يبرز مدى فتك سرايا الممدوح وقدرتها على القضاء على الأعداء بشكل كامل, إنها حجة “النتائج الحتمية والدمار الشامل”، حيث يظهر الممدوح كقائد لا يترك مجالًا للنجاة لخصومهِ([87]).

من الناحية الحجاجية، يستخدم الشاعر في هذا البيت أسلوب “الكناية”، حيث يشير إلى سرعة الفتك بالعدو دون التصريح بذلك مباشرة, هذا الأسلوب يهدف إلى إثارة خيال المتلقي وجعله يتصور مدى شراسة سرايا الممدوح, كما أنه يستخدم “حجة الرمزية”، حيث يوظف رمزي الذئب والنسر للدلالة على الموت والهلاك، مما يعزز من قوة الحجة, هذا البيت يكمل صورة الممدوح كقائد عسكري لا يُضاهى، يمتلك جيوشًا قادرة على الفتك بالأعداء بشكل كامل، ولا تترك لهم أي فرصة للنجاة.

يُقَصِّرُ عنهُ الغَيث واللَّيثُ نائلاً وَبأساً ، وعن أَوصافهِ النَّظمُ والنَّثرُ([88])

يصف الشاعر في هذا البيت عظمة الممدوح التي تتجاوز كل الحدود، حتى الطبيعية منها, يقول الشاعر: “يُقَصِّرُ عنهُ الغَيث واللَّيثُ نائلاً”, “يقصر عنه” تعني يعجز عن الوصول إلى مستواه, “الغيث” هو المطر، ويرمز إلى الكرم والعطاء, “الليث” هو الأسد، ويرمز إلى الشجاعة والقوة, “نائلاً” تعني عطاءً, هذا يعني أن كرم الممدوح يتجاوز كرم المطر، وأن شجاعته تتجاوز شجاعة الأسد, هذه المبالغة تبرز الممدوح كشخصية استثنائية لا مثيل لها في الكرم والشجاعة، حتى الكائنات الطبيعية التي ترمز إلى هذه الصفات تعجز عن الوصول إلى مستواه([89]).

يأتي الشطر الثاني ليؤكد على صعوبة وصف الممدوح: “وَبأساً ، وعن أَوصافهِ النَّظمُ والنَّثرُ”, “بأسًا” تعني قوة وشجاعة, “النظم” هو الشعر، و“النثر” هو الكلام العادي, هذا يعني أن وصف الممدوح يتجاوز قدرة الشعر والنثر على التعبير عنه، وأن أي محاولة لوصفه ستكون قاصرة عن إيفائه حقه, هذه المبالغة تبرز عظمة الممدوح التي لا يمكن حصرها في الكلمات، وأنه يتجاوز حدود اللغة والتعبير, إنها حجة “العظمة المطلقة”، حيث يظهر الممدوح كشخصية لا يمكن وصفها بالكامل([90]).

من الناحية الحجاجية، يستخدم الشاعر في هذا البيت أسلوب “المبالغة المطلقة”، حيث يصور الممدوح بأنه يتجاوز كل الحدود في الكرم والشجاعة، وأن وصفه يتجاوز قدرة اللغة, هذا الأسلوب يهدف إلى ترسيخ فكرة أن الممدوح هو شخصية فريدة من نوعها، لا يمكن مقارنتها بأي شيء آخر, كما أنه يستخدم “حجة العجز عن الوصف”، حيث يعترف الشاعر بعجزه عن وصف الممدوح بالكامل، مما يزيد من عظمة الممدوح في ذهن المتلقي, هذا البيت يكمل صورة الممدوح كشخصية أسطورية، تتجاوز قدراتها حدود الطبيعة واللغة، مما يجعله يستحق كل التقدير والتبجيل.

فإنْ كانَ مَدْحِي ليسَ مَبْلَغَ مُنْتَهى عُلاهُ ، فمَبْسوطُ لِقائِلِهِ العُذْرُ([91])

يختتم الشاعر قصيدته بتواضع ظاهري، ولكنه في الحقيقة يعزز من عظمة الممدوح, يقول الشاعر: “فإنْ كانَ مَدْحِي ليسَ مَبْلَغَ مُنْتَهى عُلاهُ”, “مبلغ منتهى علاه” تعني أقصى درجات عظمته ورفعته, هذا يعني أن الشاعر يعترف بأن مدحه، على الرغم من كل المبالغات التي استخدمها، لا يمكن أن يصل إلى أقصى درجات عظمة الممدوح, هذا الاعتراف الظاهري بالقصور في المدح هو في الحقيقة مبالغة أخرى في عظمة الممدوح، فإذا كان هذا المدح العظيم لا يكفي لوصفه، فكم هي عظيمة مكانته الحقيقية([92]).

يأتي الشطر الثاني ليقدم عذرًا للشاعر: “فمَبْسوطُ لِقائِلِهِ العُذْرُ”, “مبسوط لقائله العذر” تعني أن العذر مقبول وممدود لمن يقول هذا المدح, هذا يعني أن الشاعر يطلب العذر لنفسهِ إذا كان مدحهُ قاصرًا عن وصف الممدوح، وذلك لأن عظمة الممدوح تتجاوز قدرة أي شاعر على الوصف, هذا التواضع الظاهري يعزز من مصداقية الشاعر، ويجعله يبدو وكأنهُ لا يبالغ، بل يعترف بحقيقة أن الممدوح أعظم من أن يوصف بالكلمات, إنها حجة “التواضع المبالغ فيه”، حيث يستخدم الشاعر تواضعه لتعزيز عظمة الممدوح([93]).

من الناحية الحجاجية، يستخدم الشاعر في هذا البيت أسلوب “حجة الاعتراف بالقصور”، حيث يعترف بعجزه عن وصف الممدوح بالكامل، مما يزيد من عظمة الممدوح في ذهن المتلقي, هذا الأسلوب يهدف إلى ترسيخ فكرة أن الممدوح هو شخصية لا يمكن حصرها في الكلمات، وأن عظمته تتجاوز قدرة البشر على التعبير, كما أنه يستخدم “حجة طلب العذر”، حيث يطلب الشاعر العذر لنفسه، مما يجعله يبدو صادقًا وموضوعيًا, هذا البيت يختتم القصيدة بتأكيد على عظمة الممدوح التي لا يمكن وصفها، ويترك المتلقي في حالة من الإعجاب والتبجيل لهذه الشخصية الأسطورية.

الأغراض والمقاصد الحجاجية في القصيدة

تتجاوز القصيدة الشعرية غرض المدح التقليدي لتشمل أبعادًا حجاجية عميقة، يسعى الشاعر من خلالها إلى إقناع المتلقي بجملة من الأفكار والمقاصد. يمكن تصنيف هذه الأغراض والمقاصد إلى فكرية، تعليمية، وحجاجية بالدرجة الأولى، مع غياب شبه تام للغرض الفكاهي الذي لا يتناسب مع طبيعة المدح الجاد والموضوعات المطروحة.

1. الغرض الفكري: ترسيخ صورة القائد المثالي

يسعى الشاعر بشكل أساسي إلى بناء وترسيخ صورة ذهنية للقائد الممدوح كنموذج مثالي للحاكم. هذه الصورة لا تقتصر على الجانب العسكري أو السياسي فحسب، بل تتعداها لتشمل أبعادًا أخلاقية ودينية. تتجلى هذه الفكرة في عدة مواضع:

•القائد ذو السلطة المطلقة: يفتتح الشاعر القصيدة ببيت قوي يربط حكم الممدوح بالدهر نفسه: “قُدومٌ بِما أَمضاهُ مِنْ حُكْمِكَ الدَّهْرُ / يَتِمُّ بِعُقْبَاهُ لَكَ الفَتْحُ والنَّصْرُ”. هذا الربط يمنح الممدوح سلطة تتجاوز حدود البشر، ويجعله وكأنه يتحكم في مجريات الزمن. هذه الفكرة تعزز من مكانة الممدوح كقوة لا يمكن ردها، وأن إرادته هي التي تصنع الأحداث. إنها محاولة لإقناع المتلقي بأن الممدوح هو صانع النصر، وأن وجوده بحد ذاته يضمن الفوز والتقدم ([94]).

•القائد المدعوم إلهيًا: يضفي الشاعر على الممدوح شرعية دينية قوية من خلال ربطه بالدين والنصر الإلهي. ففي البيت الثالث، يذكر أن الممدوح استجاب لدعوة “سمي المصطفى ونصيره” لإعزاز دين الله، “إذْ كادَهُ الكُفْرُ”. هذا التصوير يضع الممدوح في خانة المدافع عن الحق والمنقذ للدين، مما يرفع من مكانته في قلوب المتلقين المتدينين. كما يؤكد في البيت الحادي عشر أن أمر الممدوح نافذ في كل الخلائق، وأن هذا قضاء من الله: “لكَ الأَمرُ في كلّ الخلائقِ نافذُ / قضاءُ قضاهُ مَنْ لهُ الخلْقُ والأمرُ”. هذا الربط المباشر بين سلطة الممدوح والسلطة الإلهية يجعله حاكمًا بأمر الله، ويضفي على حكمه قداسة لا يمكن الطعن فيها([95]).

•القائد المتفوق على الجميع: يحرص الشاعر على إبراز تفوق الممدوح على جميع الملوك والقادة الآخرين. ففي البيت الثاني، يؤكد أن مساعي الممدوح لم يسبقه إليها ملك: “وغُرُّ مساع. لم يَجُزْها مَلَّكْ”. وفي البيت الثاني عشر، يدعوه إلى الافتخار على الأملاك لأنه صان ديارًا لم يصن ملكها بكر: “فتِيهاً على الأَملاكِ يابْنَ مُحمَّدٍ / بصَوْنِ دِيارٍ ، لم يَصُنْ مُلْكَهَا بِكْرُ”. هذه المقارنات تهدف إلى ترسيخ فكرة أن الممدوح هو شخصية فريدة لا مثيل لها في التاريخ، وأنه الأجدر بالقيادة والحكم ([96]).

•القائد الحكيم والكريم والشجاع: يجمع الشاعر للممدوح بين صفات متناقضة تبرز حكمته وتوازنه. ففي البيت السابع عشر، يصفه بأنه “ملك كريم مظفر / بِشِدِّنِهِ والِّينِ يُستَعْبَدُ الحُرْ”. هذا يعني أنه يجمع بين القوة واللين، ويستخدمهما بذكاء لكسب ولاء الناس. كما يصف كرمه الذي لا ينضب وشجاعته التي لا يحدها بر ولا بحر في البيت الثامن عشر: “يُنِيلُ ، فلا مالٌ يُقِلُّ ، ولا علا / ويسطو ، فلا بر يُقِلُ ، ولا بَحْرُ”. هذه الصفات المتكاملة تهدف إلى تقديم الممدوح كنموذج للقائد الشامل الذي يمتلك جميع مقومات النجاح والقيادة ([97]).

2. الغرض التعليمي: بيان مقومات النصر والقيادة

على الرغم من أن القصيدة مدحية في جوهرها، إلا أنها تحمل في طياتها رسائل تعليمية ضمنية حول مقومات النصر والقيادة الفعالة. فالشاعر، من خلال إبرازه لصفات الممدوح وإنجازاته، يقدم للمتلقي دروسًا في فن القيادة وإدارة الدولة:

•أهمية الحسم والاستباقية: يظهر الممدوح كقائد حاسم ومستبق للأحداث، فهو “لبَّيْتهُ بالنَّصِر قَبْلَ دُعائِه” (البيت الرابع)، و“سَبَقْتَ إِليها العَسْكرَ المجْرَ فارعاً” (البيت الثامن). هذه الصفات تعلم المتلقي أن القيادة الفعالة تتطلب سرعة في اتخاذ القرار والتحرك، وعدم انتظار الأوامر أو الدعوات ([98]).

•الصبر والثبات في مواجهة التحديات: يبرز الشاعر صبر الممدوح وثباته في المعارك الطاحنة، حيث “صابَرْتَها بالزّحفِ يوماً ولَيْلَةً” (البيت التاسع). هذا يعلم المتلقي أن النصر لا يأتي إلا بالصبر والمثابرة في مواجهة الصعاب، وعدم اليأس أو التراجع أمام التحديات ([99]).

•العدل والإحسان إلى الرعية: يصف الشاعر الممدوح بأنه “عَمَمْتَ الرَّعايا والبِلادَ فواضِلاً” (البيت السادس عشر)، وأن حكمه يستحكم به النفع والضر (البيت العاشر). هذا يرسخ فكرة أن الحاكم الناجح هو الذي يهتم بشؤون رعيته، ويشملهم بفضائله وإحساناته، ويقيم العدل بينهم، مما يؤدي إلى حب الناس له وثناءهم عليه ([100]).

•الجمع بين القوة والحكمة: يوضح الشاعر أن الممدوح يجمع بين القوة العسكرية (السطو في البر والبحر) والحكمة في تقدير الأمور (عليم بقدر المال والنفس). هذا يعلم المتلقي أن القيادة المثلى تتطلب توازنًا بين القوة التي تفرض الهيبة، والحكمة التي توجه القرارات، والكرم الذي يكسب القلوب ([101]).

3. الغرض الحجاجي: إقناع المتلقي بعظمة الممدوح وشرعية حكمه

القصيدة بأكملها هي بناء حجاجي متكامل يهدف إلى إقناع المتلقي بعظمة الممدوح وشرعية حكمه، وذلك من خلال توظيف مجموعة متنوعة من الحجج:

•حجة السلطة والقدرة المطلقة: يستخدم الشاعر في البيت الأول حجة السلطة من خلال ربط حكم الممدوح بالدهر، مما يضفي عليه قدرة مطلقة على التحكم في الأحداث. هذه الحجة تهدف إلى إبهار المتلقي وجعله يتقبل عظمة الممدوح كأمر واقع ([102]).

•حجة الدليل المادي والتاريخي: يعتمد الشاعر على ذكر إنجازات عسكرية ملموسة مثل “فتح آمد” (البيت الخامس) و“يوم أفيون” (البيت الخامس عشر) كأدلة قاطعة على قوة الممدوح وبسالته. هذه الأدلة التاريخية تزيد من مصداقية المدح وتجعله أكثر إقناعًا، حيث يصعب دحض الأحداث التاريخية ([103]).

•حجة الإجماع الشعبي والثناء العام: يبرز الشاعر أن إنجازات الممدوح قد حظيت بقبول واعتراف واسع النطاق من جميع فئات المجتمع، وأن الناس في الحضر والسفر يتغنون بها (البيت الخامس)، وأن كل ثغر يثني عليه (البيت السادس عشر). هذه الحجة تهدف إلى إقناع المتلقي بأن الممدوح محبوب ومقدر من الجميع، مما يعزز من شرعية حكمه ([104]).

•حجة المبالغة البلاغية: يستخدم الشاعر المبالغة بشكل مكثف لتعزيز عظمة الممدوح، مثل وصف الشمس والبدر وهما يعجبان من أفعاله (البيت التاسع)، أو أن كرمه يتجاوز الغيث وشجاعته تتجاوز الليث (البيت الثاني والعشرون). هذه المبالغات تهدف إلى إبهار المتلقي وجعله يرى في الممدوح شخصية استثنائية تتجاوز حدود البشر ([105]).

•حجة التمييز والتفرد: يؤكد الشاعر على تفرد الممدوح وتميزه عن الآخرين، سواء في مساعيه التي لم يسبقه إليها ملك (البيت الثاني)، أو في قدرته على حماية الديار التي لم يصنها بكر (البيت الثاني عشر)، أو في عدم وجود من يضاهيه في المعارك (البيت الخامس عشر). هذه الحجة تهدف إلى ترسيخ فكرة أن الممدوح هو الأجدر بالقيادة والثناء لأنه لا مثيل له ([106]).

•حجة الشرعية الدينية: يربط الشاعر أفعال الممدوح بالدفاع عن الدين وإعزازه، ويصور سلطته كقضاء إلهي. هذه الحجة تهدف إلى إضفاء هالة من القداسة على الممدوح وجعل طاعته واجبًا دينيًا ([107]).

المصادر والمراجع

    1. ابن منظور، محمد بن مكرم. لسان العرب. تحقيق: عبد الله علي الكبير، محمد أحمد حسب الله، هاشم محمد الشاذلي. القاهرة: دار المعارف؛ د.ت.
    2. مجمع اللغة العربية بالقاهرة. المعجم الوسيط. إشراف: شوقي ضيف. ط4. القاهرة: مكتبة الشروق الدولية؛ 1425هـ/2004م.
    3. المؤدّب محمد أمين. مفهوم الغرض في الشعر العربي (نحو بناء جديد للمفهوم). مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق. 2005؛80(1):112–130.
    4. شبكة الألوكة. الخبر ومتعلقاته في البلاغة العربية. 2020. متاح على: https://www.alukah.net
    5. القرآن الكريم. سورة النحل، الآية 9.
    6. المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية. موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة. إعداد: عويسيان التميمي البصري. القاهرة: المكتبة الشاملة؛ د.ت.
    7. أبو المجد محمد نورة سيد. القصدية والإشاريات: دراسة تداولية. مجلة كلية الآداب – جامعة بني سويف. 2020؛56:1–25.
    8. القصدية من فلسفة العقل إلى فلسفة اللغة. مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية. 2010؛(عدد خاص):1–30.
    9. الشهري عبد الهادي بن ظافر. استراتيجيات الخطاب: مقاربة لغوية تداولية. ط1. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة؛ 2004.
    10. عباس سهام مظلوم. الحجاج في النص النثري في كتب التذكرة الحمدونية [رسالة ماجستير]. العراق؛ د.ت.
    11. مفتاح محمد. تحليل الخطاب الشعري: استراتيجيات النص. ط1. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي؛ 1985.
    12. حشّاني عباس. خطاب الحجاج والتداولية: دراسة في نتاج ابن باديس الأدبي. ط1. إربد: عالم الكتب الحديث؛ 2014.
    13. الآمدي علي بن محمد. الإحكام في أصول الأحكام. تعليق: عبد الرزاق عفيفي. بيروت: المكتب الإسلامي؛ د.ت. ج1.
    14. الجويني عبد الملك بن عبد الله. الكافية في الجدل. تحقيق: فوقية حسين محمود. القاهرة: مطبعة عيسى البابي الحلبي؛ 1399هـ/1979م.
    15. مجموعة مؤلفين. الحجاج: مفهومه ومجالاته (دراسات نظرية وتطبيقية في البلاغة الجديدة). الدار البيضاء: إفريقيا الشرق؛ 2005.
    16. الجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر. الرسائل. تحقيق: عبد السلام هارون. بيروت: دار الجيل؛ 1991. ج1.
    17. الغزالي أبو حامد محمد بن محمد. المستصفى من علم الأصول. تحقيق: محمد عبد الكريم. بيروت: دار الكتب العلمية؛ 1417هـ/1997م. ج1.
    18. بليت هنريش. البلاغة والأسلوبية: نحو نموذج سيمائي لتحليل النص. ترجمة: محمد العمري. الدار البيضاء: إفريقيا الشرق؛ 1999.
    19. جامعة تيارت – كلية الآداب واللغات. نظرية الحجاج: دروس في مادة. الجزائر؛ د.ت.
    20. العمراني محمد. الحجاج والشعر في البلاغة العربية القديمة: دراسة تأصيلية ونماذج تطبيقية. مجلة بوابة الباحثين للدراسات والأبحاث. 2018؛(عدد خاص):138–170.
    21. بن عمارة محمد. بلاغة الحجاج في الشعر العربي القديم: قراءة حجاجية في لامية أبي طالب. مجلة الموروث. 2016؛(عدد 12):145–175.
    22. الأنصاري شرف الدين. ديوان شرف الدين الأنصاري. تحقيق: ـــــــــــــ. بيروت: دار صادر؛ د.ت.

الهوامش:

  1. () -لسان العرب, لابن منظور, تحقيق: عبد الله علي الكبير, محمد أحمد حسب الله, هاشم محمد الشاذلي, منشورات دار المعارف, القاهرة, د ط, مادة (غ ر ض).

  2. () -معجم الوسيط, أشرف على إخراج هذهِ الطبعة كُلٌ من: شعبان عبد العاطي عطية, أحمد حامد حسين, جمال مراد حلمي, وعبد العزيز النجار, بتكليف من شوقي ضيف رئيس مجمع اللغة العربية, من منشورات مجمع اللغة العربية (الإدارة العامة للمجمعات وإحياء التراث), مكتبة الشروق الدولية, جمهورية مصدر العربية, ط4, 1425هـ_2004م, باب (الغين) مادة (غ ر ض), ص649-650.

  3. () – “مفهوم الغرض في الشعر العربي (نحو بناء جديد للمفهوم)”, المؤدب، محمد أمين, مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، مج 80، ج 1، ص112.

  4. () -الخبر ومتعلقاته في البلاغة العربية. شبكة الألوكة، 2020.

  5. () -سورة النحل: آية :9.

  6. () -لسان العرب, مادة (ق ص د).

  7. () -معجم الوسيط, باب (القاف) مادة (ق ص د), ص738.

  8. () -موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة. المؤلف: مجموعة مؤلفين للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية, إعداد: عويسيان التميمي البصري, من منشورات: المكتبة الشاملة، مصر, د ط, د ت, ص 528.

  9. () -ينظر: دراسة تداولية: القصدية والإشاريات. أ/ نورة سيد أبو المجد محمد (باحثة دكتوراه), من منشورات: مجلة كلية الآداب جامعة بني سويف, العدد: 56, 2020م, ص7.

  10. () -ينظر: “القصدية من فلسفة العقل إلى فلسفة اللغة”. مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية، 2010.

  11. () -استراتيجيات الخطاب مقارية لغوية تداولية, عبد الهادي بن ظافر الشهري, دار الكتاب الجديد المتحدة, بيروت لبنان, ط1, 2004, 180.

  12. () -المصدر نفسه, 182.

  13. () -ينظر: استراتيجيات الخطاب مقارية لغوية تداولية, المصدر نفسه, 183.

  14. () -الحجاج في النص النثري في كتب التذكرة الحمدونية (اطروحة), للطالبة: سهام مظلوم عباس, ص61.

  15. () – ينظر: تحليل الخطاب الشعري (استراتيجيات النص), محمد مفتاح, المركز الثقافي العربي, ط1, 1985م, 164.

  16. () -ينظر: استراتيجية الخطاب مقاربة لغوية تداولية, ص34.

  17. () -خطاب الحجاج والتداولية دراسة في نتاج ابن باديس الأدبي, للدكتور: عباس حشاني, جامعة محمد خضير بسكر, عالم الكتب الحديث, إربد, الاردن, ط1, 2014م, 119.

  18. () -ينظر: المصدر نفسه, الصفحة نفسها.

  19. () – الإحكام في اصول الأحكام, للإمام العلامة علي بن محمد الآمدي, علق عليه: الشيخ العلامة عبد الرزاق عفيفي, المكتب الاسلامي, د ط, ج1, ص28.

  20. () -الكافية في الجدل, للجويني إمام الحرمين, تقديم وتحقيق وتعليق: د. فوقية حسين محمود, مطبعة عيسى البابي الحلبي, مصر – القاهرة, 1399هـ – 1979م, د ط, ص36.

  21. () – المصدر نفسه, 37, وقد ورد التعريف نفسه في: خطاب الحجاج والتداولية دراسة في نتاج ابن باديس الأدبي, المصدر نفسه, 119.

  22. () -ينظر: خطاب الحجاج والتداولية دراسة في نتاج ابن باديس الأدبي, 120, وينظر: مقدمة كتاب الحجاج مفهومه ومجالاته دراسات نظرية وتطبيقية في البلاغة الجديدة, تأليف مجموعة من المؤلفين, 1/8.

  23. () – خطاب الحجاج والتداولية دراسة في نتاج ابن باديس الأدبي, المصدر نفسه,119.

  24. () -استراتيجية الخطاب مقاربة لغوية تداولية, المصدر نفسه, 45.

  25. () -ينظر: المصدر نفسه, 46.

  26. () -ينظر: المصدر نفسه, 233.

  27. () -خطاب الحجاج والتداولية (دراسة في نتاج ابن باديس الأدبي), د. عباس حشاني, ص239.

  28. () – خطاب الحجاج والتداولية (دراسة في نتاج ابن باديس الأدبي), د. عباس حشاني, 47.

  29. () -المصدر نفسه, 48.

  30. () – الحجاج في النص النثري في كتب التذكرة الحمدونية (اطروحة), 65.

  31. () -المصدر نفسه, 66.

  32. () -دور المخاطب في إنتاج الخطاب الحجاجي (بحث), الدكتور: حسن المودن, ضمن كتاب الحجاج مفهومه ومجالاته دراسات نظرية وتطبيقية في البلاغة الجديدة, تأليف مجموعة من المؤلفين, 1/230.

  33. () – دور المخاطب في إنتاج الخطاب الحجاجي (بحث), الدكتور: حسن المودن, ضمن كتاب الحجاج مفهومه ومجالاته دراسات نظرية وتطبيقية في البلاغة الجديدة, تأليف مجموعة من المؤلفين, 1/230.

  34. () – الرسائل, لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (255هـ), تحقيق عبد السلام هارون, دار الجيل, بيروت- لبنان, مج1, الرسالة السابعة عشرة( رسالة الحنين إلى أهل بغداد, د ط, ص947.

  35. () -ينظر: استراتيجيات الخطاب مقاربة لغوية تداولية, 78-79.

  36. () -المصدر نفسه, 380.

  37. () -ينظر: استراتيجيات الخطاب مقاربة لغوية تداولية, 381.

  38. () -“المستصفى من علم الأصول” لأبي حامد الغزالي (ت 505 هـ)، تحقيق محمد عبد الكريم، دار الكتب العلمية، بيروت، مج1, 1417هـ/1997م, ص8.

  39. () -البلاغة والاسلوبية نحو نموذج سيمائي لتحليل النص, هنريش بليت: ترجمة محمد عمري, افيقيا الشرق, المغرب, د ط, 1999, 25.

  40. () -المصدر نفسه, 25.

  41. () -ينظر: الحجاج في النص النثري في كتب التذكرة الحمدونية (اطروحة), 70.

  42. () -المصدر نفسه, 70, وينظر ايضاً: البلاغة والاسلوبية نحو نموذج سيمائي لتحليل النص,26.

  43. () -ينظر: البلاغة والاسلوبية نحو نموذج سيمائي لتحليل النص, 26.

  44. () -ينظر: الحجاج في النص النثري في كتب التذكرة الحمدونية (اطروحة), 72.

  45. () – الحجاج في النص النثري في كتب التذكرة الحمدونية (اطروحة), 73.

  46. () -ديوان شرف الدين الأنصاري, 224.

  47. () – نظرية الحجاج: دروس في مادة، كلية الآداب واللغات، جامعة تيارت، ص. 7.

  48. () – الحجاج والشعر في البلاغة العربية القديمة: دراسة تأصيلية، ونماذج تطبيقية، محمد العمراني، مجلة بوابة الباحثين للدراسات والأبحاث، ص. 138.

  49. () -ديوان شرف الدين الأنصاري, 224.

  50. () – بلاغة الحجاج في الشعر العربي القديم (قراءة حجاجية في لامية أبي طالب)، بن عمارة محمد، الموروث، ص. 145.

  51. () – نظرية الحجاج: دروس في مادة، كلية الآداب واللغات، جامعة تيارت، ص. 8.

  52. () -ديوان شرف الدين الأنصاري, 224.

  53. () – نظرية الحجاج: دروس في مادة، كلية الآداب واللغات، جامعة تيارت، ص9.

  54. () – الحجاج والشعر في البلاغة العربية القديمة: دراسة تأصيلية، ونماذج تطبيقية، محمد العمراني، مجلة بوابة الباحثين للدراسات والأبحاث، ص 140 .

  55. () -ديوان شرف الدين الأنصاري, 224.

  56. () – بلاغة الحجاج في الشعر العربي القديم(قراءة حجاجية في لامية أبي طالب(، بن عمارة محمد، الموروث، ص.148.

  57. () – نظرية الحجاج: دروس في مادة، كلية الآداب واللغات، جامعة تيارت، ص. 10.

  58. () -ديوان شرف الدين الأنصاري, 224.

  59. () – الحجاج والشعر في البلاغة العربية القديمة: دراسة تأصيلية، ونماذج تطبيقية، محمد العمراني، مجلة بوابة الباحثين للدراسات والأبحاث، ص. 142.

  60. () – بلاغة الحجاج في الشعر العربي القديم (قراءة حجاجية في لامية أبي طالب)، بن عمارة محمد، الموروث، ص. 150.

  61. () — ديوان شرف الدين الأنصاري, 224.

  62. () – نظرية الحجاج: دروس في مادة، كلية الآداب واللغات، جامعة تيارت، ص. 11.

  63. () -الحجاج والشعر في البلاغة العربية القديمة: دراسة تأصيلية، ونماذج تطبيقية، محمد العمراني، مجلة بوابة الباحثين للدراسات والأبحاث، ص. 144.

  64. () – ديوان شرف الدين الأنصاري, 224.

  65. () – بلاغة الحجاج في الشعر العربي القديم (قراءة حجاجية في لامية أبي طالب)، بن عمارة محمد، الموروث، ص. 152.

  66. () – نظرية الحجاج: دروس في مادة، كلية الآداب واللغات، جامعة تيارت، ص. 12.

  67. () – ديوان شرف الدين الأنصاري, 225.

  68. () – نظرية الحجاج: دروس في مادة، كلية الآداب واللغات، جامعة تيارت، ص. 17.

  69. () – الحجاج والشعر في البلاغة العربية القديمة: دراسة تأصيلية، ونماذج تطبيقية، محمد العمراني، مجلة بوابة الباحثين للدراسات والأبحاث، ص. 156.

  70. () – ديوان شرف الدين الأنصاري, 225.

  71. () – بلاغة الحجاج في الشعر العربي القديم (قراءة حجاجية في لامية أبي طالب)، بن عمارة محمد، الموروث، ص. 164.

  72. () – نظرية الحجاج: دروس في مادة، كلية الآداب واللغات، جامعة تيارت، ص. 18.

  73. () -ديوان شرف الدين الأنصاري, 225.

  74. () – الحجاج والشعر في البلاغة العربية القديمة: دراسة تأصيلية، ونماذج تطبيقية، محمد العمراني، مجلة بوابة الباحثين للدراسات والأبحاث، ص. 158.

  75. () – بلاغة الحجاج في الشعر العربي القديم (قراءة حجاجية في لامية أبي طالب)، بن عمارة محمد، الموروث، ص. 166.

  76. () – ديوان شرف الدين الأنصاري, 225.

  77. () – نظرية الحجاج: دروس في مادة، كلية الآداب واللغات، جامعة تيارت، ص. 19.

  78. () – الحجاج والشعر في البلاغة العربية القديمة: دراسة تأصيلية، ونماذج تطبيقية، محمد العمراني، مجلة بوابة الباحثين للدراسات والأبحاث، ص. 160.

  79. () – ديوان شرف الدين الأنصاري, 225.

  80. () – بلاغة الحجاج في الشعر العربي القديم (قراءة حجاجية في لامية أبي طالب)، بن عمارة محمد، الموروث، ص. 168.

  81. () – نظرية الحجاج: دروس في مادة، كلية الآداب واللغات، جامعة تيارت، ص. 20.

  82. () – ديوان شرف الدين الأنصاري, 225.

  83. () – الحجاج والشعر في البلاغة العربية القديمة: دراسة تأصيلية، ونماذج تطبيقية، محمد العمراني، مجلة بوابة الباحثين للدراسات والأبحاث، ص. 162.

  84. () – بلاغة الحجاج في الشعر العربي القديم (قراءة حجاجية في لامية أبي طالب)، بن عمارة محمد، الموروث، ص. 170.

  85. () – ديوان شرف الدين الأنصاري, 226.

  86. () – نظرية الحجاج: دروس في مادة، كلية الآداب واللغات، جامعة تيارت، ص. 21.

  87. () – الحجاج والشعر في البلاغة العربية القديمة: دراسة تأصيلية، ونماذج تطبيقية، محمد العمراني، مجلة بوابة الباحثين للدراسات والأبحاث، ص. 164.

  88. () – ديوان شرف الدين الأنصاري, 226.

  89. () – بلاغة الحجاج في الشعر العربي القديم (قراءة حجاجية في لامية أبي طالب)، بن عمارة محمد، الموروث، ص. 172.

  90. () – نظرية الحجاج: دروس في مادة، كلية الآداب واللغات، جامعة تيارت، ص. 22.

  91. () – ديوان شرف الدين الأنصاري, 226.

  92. () – الحجاج والشعر في البلاغة العربية القديمة: دراسة تأصيلية، ونماذج تطبيقية، محمد العمراني، مجلة بوابة الباحثين للدراسات والأبحاث، ص. 166.

  93. () – بلاغة الحجاج في الشعر العربي القديم (قراءة حجاجية في لامية أبي طالب)، بن عمارة محمد، الموروث، ص. 174.

  94. () -نظرية الحجاج: دروس في مادة، كلية الآداب واللغات، جامعة تيارت، ص. 7

  95. () -الحجاج والشعر في البلاغة العربية القديمة: دراسة تأصيلية، ونماذج تطبيقية، محمد العمراني، مجلة بوابة الباحثين للدراسات والأبحاث، ص. 150.

  96. () -المصدر نفسه، ص. 150.

  97. () -نظرية الحجاج: دروس في مادة، كلية الآداب واللغات، جامعة تيارت، ص. 18

  98. () -الحجاج والشعر في البلاغة العربية القديمة: دراسة تأصيلية، ونماذج تطبيقية، محمد العمراني، مجلة بوابة الباحثين للدراسات والأبحاث، ص. 140

  99. () -بلاغة الحجاج في الشعر العربي القديم (قراءة حجاجية في لامية أبي طالب)، بن عمارة محمد، الموروث، ص. 156.

  100. () -نظرية الحجاج: دروس في مادة، كلية الآداب واللغات، جامعة تيارت، ص. 18.

  101. () -الحجاج والشعر في البلاغة العربية القديمة: دراسة تأصيلية، ونماذج تطبيقية، محمد العمراني، مجلة بوابة الباحثين للدراسات والأبحاث، ص. 160

  102. () -نظرية الحجاج: دروس في مادة، كلية الآداب واللغات، جامعة تيارت، ص. 7.

  103. () -الحجاج والشعر في البلاغة العربية القديمة: دراسة تأصيلية، ونماذج تطبيقية، محمد العمراني، مجلة بوابة الباحثين للدراسات والأبحاث، ص. 142

  104. () -بلاغة الحجاج في الشعر العربي القديم (قراءة حجاجية في لامية أبي طالب)، بن عمارة محمد، الموروث، ص. 150

  105. () -نظرية الحجاج: دروس في مادة، كلية الآداب واللغات، جامعة تيارت، ص. 13

  106. () -الحجاج والشعر في البلاغة العربية القديمة: دراسة تأصيلية، ونماذج تطبيقية، محمد العمراني، مجلة بوابة الباحثين للدراسات والأبحاث، ص. 145.

  107. () -بلاغة الحجاج في الشعر العربي القديم (قراءة حجاجية في لامية أبي طالب)، بن عمارة محمد، الموروث، ص. 158