نظرية المعرفة عند أبي حامد الغزالي

Epistemology in Abu Hamid Al-Ghazali’s Thought

د. يوسف موسى على عبدالله ابوعليقة1

1 قسم الفلسفة، كلية الآداب والعلوم ، جامعة غريان، ليبيا.

بريد الكتروني: yousifmousa99@yahoo.com

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj69/12

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/69/12

المجلد (6) العدد (9). الصفحات: 189 - 197

تاريخ الاستقبال: 2025-08-07 | تاريخ القبول: 2025-08-15 | تاريخ النشر: 2025-09-01

Download PDF

المستخلص: يتناول هذا البحث نظرية المعرفة عند أبي حامد الغزالي، من خلال دراسة مصادرها، طبيعتها، حدودها، ومعيار الحقيقة فيها، مع إبراز دور الحس والعقل والقلب في تكوين الأفكار. فقد اعتبر الغزالي أن المعرفة الحسية هي الخطوة الأولى في إدراك العالم الخارجي لكنها محدودة وخاضعة للأوهام، أما المعرفة العقلية فهي أكثر وثوقاً لكنها غير كافية وحدها للوصول إلى الحقيقة المطلقة. ومن هنا اتجه إلى مفهوم المعرفة الحدسية والكشف الباطني، حيث رأى أن النور الإلهي الذي يقذفه الله في قلب المؤمن هو السبيل الأعمق لتحقيق اليقين وتجاوز حدود الحس والعقل. وقد اعتمد الغزالي في طرحه على منهج وصفي تحليلي واستقرائي، انطلق فيه من نقد المعطيات الفلسفية والحسية، وصولاً إلى رؤية متكاملة تجعل معرفة الله الغاية الأسمى للإنسان. وأكد أن العقل والشرع متكاملان، فالعقل يمثل الشرع الباطن والشرع يمثل العقل الظاهر، وكلاهما يقودان إلى إدراك الحقيقة، في حين أن القلب يمثل مركز المعرفة ووسيلتها للترقي من التقليد إلى التجربة الذاتية الحية. وانتهى البحث إلى أن نظرية الغزالي في المعرفة جمعت بين العقلانية والتجربة الصوفية، وأرست أسساً لمفهوم اليقين المبني على الحدس والإلهام، وهو ما يميزها عن نظريات الفلاسفة المسلمين الذين اقتصروا على العقل أو الحس. وبذلك قدم الغزالي رؤية فلسفية وصوفية أصيلة، جعلت من المعرفة رحلة عقلية وروحية غايتها معرفة الله والوصول إلى الحقيقة المطلقة.

الكلمات المفتاحية: المعرفة الحسية، المعرفة العقلية، اليقين، الكشف الباطني، الغزالي.

Abstract: This study explores Abu Hamid Al-Ghazali’s theory of knowledge by examining its sources, nature, limits, and the criteria of truth, with emphasis on the roles of sense perception, reason, and the heart in the formation of ideas. Al-Ghazali viewed sensory knowledge as the initial step in perceiving the external world, yet he considered it limited and subject to illusions. Rational knowledge, though more reliable, was also deemed insufficient to attain absolute truth. Consequently, he turned to intuitive and inner revelatory knowledge, asserting that divine illumination cast into the believer’s heart represents the deepest path to certainty, transcending the boundaries of sense and reason. Employing descriptive, analytical, and inductive methods, Al-Ghazali critiqued philosophical and sensory data to construct an integrated vision in which the knowledge of God constitutes the ultimate aim of human inquiry. He affirmed the complementarity of reason and revelation, regarding reason as the inner law and revelation as the external law, both leading to the realization of truth. Moreover, he placed the heart at the center of knowledge, enabling the ascent from imitation to authentic personal experience. The study concludes that Al-Ghazali’s epistemology harmonized rationality with the Sufi experience, establishing certainty on the basis of intuition and divine inspiration, thereby distinguishing his theory from those of other Muslim philosophers who confined knowledge to reason or sense perception. Ultimately, Al-Ghazali presented an original philosophical and mystical vision in which knowledge is both an intellectual and spiritual journey whose ultimate goal is the knowledge of God and the attainment of absolute truth.

Keywords: Sensory knowledge, Rational knowledge, Certainty, Inner revelation, Al-Ghazali.

مقدمة:

أولى الغزالي اهتماماً كبيراً بمشكلة المعرفة، حيث تعد نظريته في المعرفة نموذجاً يُحتذى به لعقلانية عميقة تعكس عمق فكره، وقد جاءت نظريته في المعرفة بعد بحث طويل وشك محير حتى شفاه الله منه، كان بحثه في المعرفة أصيلاً وخالياً من التقليد، يسعى إلى معرفة الله والتقرب إليه والتفكر في مخلوقاته.

يرى الغزالي أن الحقيقة لا يمكن أن تؤخذ تقليداً عن الآخرين، بل يجب أن يدركها المرء بنفسه من خلال تفكيره الخاص، تماماً كما لا يمكن للمرء أن يبصر بعين الآخرين، بل يجب عليه أن يستخدم عينه الخاصة إذا أراد أن يبصر شيئاً، يقول الغزالي: “واطلب الحق بطريق النظر … ولا تكن في صورة اعمي … فلا خلاص إلا في الاستقلال” (زقزوق،1983 م، ص 76).

بالنظر الى النص الذي ذكره الغزالي وعمقه وتحليل مغزاه؛ نجده يؤكد على أن: ” بصفاء التقوى وكمال الزهادة يصير العبد راسخاً في العلم، فالراسخون في العلم هم الذين رسخوا بأرواحهم في غيب الغيب في سر السر، فعرفهم ما عرفهم، وخاضوا في بحر العلم بالفهم لطلب الزيادات فانكشف لهم من مدخور الخزائن ما تحت كل حرف من الكلام من الفهم وعجائب الخطاب، فنطـقوا بالحِكَم”(زقزوق،1983 م،ص 59).

الجدير بالذكر أن الغزالي لا ينفي وجود الأشياء الحسية أو يقلل من شأنها، بل يثبتها ويقر بدورها ودور العقل، ولكن الغزالي لا يحصر المعرفة في الحس والعقل فقط، بل أضاف إلى ذلك الكشف والإلهام الأمر الذي ميَّز نظرية المعرفة عنده ورسم لها سمات واضحة ميزتها عما قاله كثير من الفلاسفة والعلماء.

المبحث الأول: حياة الغزالي ومؤلفاته

حياته.

ولد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي الطوسي. في عام 450هـ (1058) في مدينة طوس في خراسان في حدود عام 450 هـ. وهو عالم وفقيه ومتصوِّف إسلامي، و أحد أهم أعلام عصره. (ابن عساكر،1996م، 55/200) (زقزوق،1983 م: ص 83).

درس علم الفقه، وأصول الديانات، والمنطق، وقرأ الحكمة، والفلسفة، وأحكم كل ذلك، له تصانيف كثيرة منها: “إحياء علوم الدين”، “معيار العلم”، “المستصفى”، “تهافت الفلاسفة “،و”المنقذ من الضلال”(ابن خلكان، د.ت، ص 216.)،(الحنبلي ، 1350هـ، ص 10-12). ويُعرَف بـ (الغَزَالي) نسبة إلى صناعة الغزل (الحنبلي ، 1350هـ، ص 12) ؛ حيث كان أبوه يعمل في تلك الصناعة، ويُنسب أيضاً إلى (الغَزَالي) نسبة إلى بلدة غزالة وهي قرية في طوس، كما يُعرف بـ”الطوسي” نسبة إلى بلدة طوس الموجودة في خراسان، وتعرف الآن باسم مدينة مشهد في إيران ( معوض و اخرون، 1997م.). تُوفي يوم الاثنين 14 جمادى الآخرة 505 هـ، الموافق 19 ديسمبر 1111م، في الطابران في مدينة طوس عن عمر بلغ خمساً وخمسين عاما. (الحموي، ص 216-219).

 شيوخه: 

أخذ الغزالي علمَه عن عدد من الأعلام الكبار، فأخذ الفقه عن الإمام أحمد الرزكاني في طوس، وأخذ عن الإمام أبي نصر الإسماعيلي، وأخذ أصول الفقه عن إمام الحرمين أبي المعالي الجويني، وكان الجويني لا يخفي إعجابه به، بل كان دائم الثناء عليه والمفاخرة به حتى إنه وصفه بـ ( بحر مغرق)، (الجميلي،1976م، ص38).

وأخذ كذلك عن الفضل بن محمد الفارمذي، تلميذ أبي القاسم القشيري، والذي اشتهر في زمانه حتى صار مقصد طالبي التصوف وقد أخذ عنه الغزالي التصوف، كما أخذه عن الشيخ يوسف النساج(الجميلي،1976م، ص38).

مؤلفاته وآثاره العلمية:

عاش الغزالي خمس وخمسين سنة، ورغم قصر حياته نسب له عدد كبير من الكتب، شملت مختلف المعارف وصنوف العلم، حتى قيل إن تصانيفه لو وزعت على أيام عمره أصاب كل يوم كتاب؛ فقد كان الغزالي مؤلفاً غزير المادة لا يمل من كثرة التأليف، فقد ترك لنا تراثاً صوفياً وفقهياً وفلسفيا ًكبيراً.

الجدير بالذكر أنه بسبب شهرة الغزالي وعلمه الغزير وتصانيفه الجمة، نُسبت إليه الكثير من الكتب والرسائل، وأصبح من الصعب تحديد صحة نسبتها إليه. فقد ذكر العلماء والباحثين للإمام الغزالي أكثر من أربعمائة مصنف، بعضها مطبوع، وبعضها مخطوط، وبعضها مفقود، إلا إن عبد الرحمن بدوي صنف في كتابه (مؤلفات الغزالي) أبرز كتب الغزالي المنسوبة إليه.(الجميلي،ص:55-56، ومفتاح السعادة 2/51، 191-210 )

  • الأجوبة المسكتة عن الأسئلة المبهتة.
  • إحياء علوم الدين، مطبوع.
  • أخلاق الأبرار والنجاة من الأشرار.
  • أربعين الغزالي، وهو قسم من كتابه المسمى: (جواهر القرآن) وقد أجاز أن يكتب مفردا، فكتبوه وجعلوه كتابا مستقلا.
  • أسرار الأنوار الإلهية بالآيات المتلوة، وهو كتاب مرتب على ثلاثة فصول.
  • أسرار الحج، مطبوع.
  • ـ أسرار الحروف والكلمات.
  • أسرار المعاملات.
  • الإشارة المعنوية والأسرار الخفية.
  • إلجام العوام عن علم الكلام.
  • أيها الولد، مطبوع.
  • الاقتصاد في الاعتقاد، مطبوع.
  • تهافت الفلاسفة، مطبوع.
  • المنقذ من الظلال.
  • مقاصد الفلاسفة.
  • معيار العلم.
  • محك النظر.
  • ميزان العمل.
  • المستصفى في علم أصول الفقه.
  • الوسيط في المذهب.
  • الوجيز في فقه الإمام الشافعي.
  • فضائح الباطنية.
  • القسطاس المستقيم.
  • فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة.
  • التبر المسبوك في نصيحة الملوك.
  • أيها الولد المحب.
  • كيمياء السعادة (بالفارسية مثل كتاب الإحياء(.
  • شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل.
  • المنخول في علم الأصول.

المبحث الثاني: أنواع المعرفة عند الغزالي

لا شك إن البحث في قضية المعرفة قديم جداً، وقد أشتغل بها المفكرون على اختلاف عصورهم ونحلهم، بل هي من أهم القضايا التي يعني بها علم ما وراء الطبيعة وأحدي دعائمه الأساسية، وهذه العناية لم تمنع الفلاسفة المسلمين من التساؤل والبحث في مصادر المعرفة الإنسانية فالإنسان لم يشعر بوجود مشكلة المعرفة إلا عندما لاحظ تناقصا في معطيات العلم أجبره علي الشك فيها وبالتالي صار لا يطمئن ألي ما توصل إليه من نتائج.

أولاً: أنواع المعرفة عند الغزالي

قسم الغزالي المعرفة إلى معرفة حسية، ومعرفة عقلية: –

1- المعرفة الحسية:

من المؤكد أن الغزالي لم يستطيع التواصل إلى إجابة كافية في سؤاله عن (حقائق الأشياء) أو معرفة أصل الاشياء، ولهذا تحول هذا السؤال إلى سؤال أخر عن ماهية العلم، فقدم المعارف الحسية على أنها علم مباشر؛ بل أن هذا هو ما قاله قدماء المناطقة: ” الإنسان يولد كالصفحة البيضاء ليس له من العلم و المعرفة إلا المقدار الذي نقلته له حواسه : وفقدان الإحساس مرادف للموت وفقدان بعضه جهل لجانب من المعارف” ( عزوز ، 1983، ص93).

فالحواس هي الأداة المعرفية الأولى عند الإنسان، ويعد الإحساس عند علماء النفس الظاهرة الأولية في الحياة العقلية، ذلك لان الإنسان عاجز عن أدراك أية حقيقية لا تصل إليها حواسه، فعلمه كله متوقف على الحواس الخمس.

لكن الغزالي يؤكد على إن العلوم المباشرة بحقائق الأشياء وسهولة فهمها- كما تبدو في الظاهر- يتضح خداعها عند النظرة القريبة، ليس هذا فحسب بل إن التجربة تبين أن المعرفة الحسية خاضعة لأوهام وخيالات، قائلاً: ” أقبلتُ أتأمل في المحسوسات والضروريات، وأنظر هل يمكنني أنْ أشكك نفسي فيها؟! فانتهى بي طول التشكيك إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات، وأخذ يتسع هذا الشك فيها ويقول: من أين الثقة بالمحسوسات وأولها حاسة البصر، وهى تنظر إلى الظل فتراه واقفاً غير متحرك، وتحكم بنفي الحركة، ثم بالتجربة والمشاهدة نعرف أنه متحرك وأنه لم يتحرك دفعة بغتة، بل على التدرُّج ذرة ذرة حتى لم تكن له حالة وقوف؟! وننظر إلى الكوكب فنراه صغيراً في مقدار دينار، ثم الأدلة الهندسية تدلُّ على أنه أكبر من الأرض في المقدار؟! هذا وأمثاله من المحسوسات يحكم فيها حاكم الحس بأحكامه، ويكذبه حاكم العقل تكذيباً لا سبيل إلى مدافعته” ( الغزالي ، 1960،ص 15) .

هذا ما أكده ايضا في كتابه (معيار العلم) بقوله:” أن الحواس تدرك الشمس علي أنها قرص صغير جداً، و تبدو لها الكواكب وكأنها دنانير منثورة علي بساط أزرق وفي حين أن العقل ببراهينه يعرف أن قرص الشمس أكبر من الكرة الأرضية…” ( ابو حامد، 1961م ،ص 92).

فإذا قارنا بين ما ذكره الغزالي في كتابه (معيار العلم) وكتابه (المنفذ من الضلال) فإننا لا نجد اختلاف كثير فيما ذكر من أمثلة لخداع الحواس، بل يبين لنا – زيادة علي ذلك –كيف أن خداع الحواس قد أدي به إلى الشك في المعرفة الإنسانية بصفه عامه.

فالغزالي عندما تحدث عن مشكلة المعرفة، بدا ببيان وسائلها ومصادرها التي هي الحواس الخمس: السمع والبصر، والشم، والذوق، واللمس، تم ذكر مصادر الحس الباطنية وهي الحس المشترك وخزانته الخيال، تم الوهم، وخزانته الذاكرة أو الحافظة وأخيرا المتخيلة (الكمالي،1998م، ص263-264).

بل وقبل أن يتجه الغزالي في بحثه عن الحقيقة حدد لنفسه معياراً ثابتاً لدراسة وتحليل تلك المعرفة الحسية التي هي أساس العلم مباشر؛ وهو البحث عن ماهية العلم اليقيني ؛ وقد ظهر له إن العلم اليقيني ” هوا الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقي معه ريب ولا يقارنه مكان الغلط والواهم” ( الغزالي ، 1960،ص 34)

أذن لاشك أن هذا المعيار الذي وضعه الغزالي في بحثه عن العلم اليقيني مستند بالدرجة الأولي علي قانون عدم التناقص و هو القانون الذي لا يجتمع فيه الإثبات والنفي في أن واحد الحار أو البارد وغيرها من المتناقصات الأخرى، والباحث في كتب الغزالي يتبين له تطبيق هذا المعيار على كل علومه ومعارفه لا سيما المعرفة الحسية و العقلية وهو ما يؤكده بقوله:” ثم فتشت عن علومي فوجدت نفسي عاطلا من علم موصوف بهذه الصفة إلا في الحسيات والضروريات”(الغزالي، 1960م،ص 34).

ولقد تبين للغزالي ما تنطوي عليه المعارف الحسية من خداع وشكوك، فهو يؤكد على أن المعارف الحسية لا يمكن أن تقدم لنا حقيقة العلم اليقيني الذي نبحث عنه، لان مجالها محدود ومعرفتها قاصرة وغير مكتملة ولا تستطيع أن تتجاوز هذا العالم المحسوس .

وبالتالي رفضه بصفة مبدئية مؤكداً على عدم الاخذ به في عملية البحث عن الحقيقية؛ موضحا ذلك بقوله: ” أنّ كل ما لا أعلمه على هذا الوجه ولا أتيقنه هذا النوع من اليقين، فهو علم لا ثقة به، ولا أمان معه، وكل علم لا أمان معه، فليس بعلم يقيني”( الغزالي، 1960م،ص 34).

وبالرغم أن الغزالي فقد الثقة بالمعرفة الحسية؛ الا إنه يقر ويعترف بأهميتها، ويعتبرها وسيلة من وسائل المعرفة التي لا يمكن الاستغناء عنها؛ ذلك لأن الحواس وسيلة العقل للاتصال بالعالم الخارجي وهي مهمة شريطه ألا تتجاوز هذه المعرفة مجالها الخاص.

2-المعرفة العقلية:

بعد أن رفض الغزالي المعرفة الحسية بصورة مبدئية وعدم الاعتراف بها في عملية بحته عن الحقيقية والوصول اليقين؛ انتقل الى المعرفة العقلية، رفضاً التقلید بكل صوره، مسنداً الأمر كله للعقل، فقال : ” اعلم یا أخي متى كنت ذاهباً لتعرف الحق بالرجال من غیر أن تتكل على بصیرتك فقد ضل سعیك، فإن العالم من الرجال إنما هو كالشمس، أو كالسراج يعطى الضوء، ثم انظر ببصرك فإن كنت أعمى فما یغني عنك السراج والشمس، فمن عول على التقلید هلك …” . ومن هنا ” أراد أن يختبر المبادئ العقلية “( زقزوق،1983 م:ص 88)

من خلال فسح المجال للعقل في شتى مجالات الفكر الإنساني و الديني على السواء، متبعاً في دراسته لهذه المعرفة نفس السياقة الذي أتبعه في دراسته وتحليله للمعرفة الحسية ؛ متسائلاً : “من يستطيع جاداً أن يشك مثلاً في الحقائق الرياضية و المنطقية مثلا أن الخمسة أكثر من الثلاثة ، و أن الشيء لا يمكن أن يتصف بصفيتين متضادين في وقت واحد ” (الغزالي، زقزوق،1983 م:ص 88).

مؤكداً على أن العقل منبع المعرفة ومطلعها وأساسها؛ لهذا ليس للعقل حد لأن: ” الموجودات كلها مجال للعقل، إذ یُدرك هذه الموجودات التي عددناها ومالم نعدها، وهو الأكثر” (أبو حامد الغزالي،1994م، ص48).

فإن العقل إذا تجرد عن غشاوة الوهم و الخیال، لم یتصور أن یغلط، بل يرى الاشياء على ما هي عليه في الواقع. وغاية الإمام الغزالي ربط جميع الحواس الباطنة و الظاهرة فيه أطلقا عليها حواسيس القلب مبيناً أن العلاقة بين المعرفة الحسية و المعرفة العقلية يتوجها القلب الذي جعله مركز المعرفة الحسية والمعرفة عموماً لأنه:” رأي حواس جنود للقلب تتلقي أوامرها منه في جميع حركتها” (الكمالي،1998 م،ص275).

ومع ذلك فإن الحقائق العقلية لم تسلم من هجوم الغزالي في بحثه عن المعرفة ويصور ذلك قائلا :” فقالت المحسوسات : بم تأمن أن تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات ، وقد كنت واثقاً بي فجاء حاكم العقل فكذبتني ، ولولا حاكم العقل لكنت مستمر علي تصديقي ” ( زقزوق،1983م،ص 75).

موضحاً هذا بقوله: إذا غلب نور العقل على أوصاف الحس يستغني الطالب بقليل التفكير عن كثرة التعلُّم، فإنَّ نفس القابل تجد من الفوائد بتفكُّر ساعة ما لا تجد نفس الجامد بتعلُّم سنة” (الغزالي ، د.ت. ص 113) .

ثانيا: الوصول إلى اليقين

بعد أن شكك الغزالي في المحسوسات، أكد أن الضروريات العقلية أكثر وثوقاً وأماناً في الوصول إلى المعرفة. لم يكن ذلك من خلال نظم الأدلة وترتيب الكلمات، بل جاء عن طريق الثقة والنور الذي ألقاه الله في قلبه، حيث أن نور الله هو مفتاح المعرفة. وقد أشار الى ذلك محمد عبدالرحمن بقوله:” وهذا النور الإلهي الذي أفاض الله به عليه أرجع إليه إيمان في المحسوسات والمعقولات، وزال شكه وعادت إليه طمأنينة نفسه.” (مرحبا،2008 م، ص626).

ويؤكد عبد الرحمن مرحبا بإن هذا النور الذي ألقاه الله في قلب الغزالي، لا يكون بطلب والكشف لأن:” النور ينقذف من الوجود الإلهي في بعض الأحيان، ويجب الترصد له” (مرحبا،2008م، ص627). وهكذا وصل الغزالي إلي اليقين بعد أن فتح الله في قلبه وقذف فيه النور؛ وهو منة من الله وفضل وهبة لا يحصل عليها إلا من صفت مرآة قلبه.

نستنتج من ذلك أنه لولا الحدس (النور) لما تمكن الغزالي من الانتقال من الشك إلى اليقين. ومع ذلك، فإن فكرة الحدس هذه لم تكن أساساً لمذهب الغزالي، بل استخدمها لتحديد نطاق العقل وبيان عجزه عن حل جميع المعضلات بالنسبة له، لا يمكن أن يكون العقل مصدر العقيدة الدينية، لأن الإيمان يرتبط بالكشف الباطني. وبالتالي يمكن القول بإن الغزالي قد اقتبس فكرة الكشف هذه من الطريقة الصوفية؛ فأنه امتاز على غيره بجعلها مفتاح العلوم ومصدر العقائد الدينية.

خلاصة القول تمكن الغزالي من التغلب على الشك والوصول إلى اليقين بفضل فكرة الحدس، أوضح بشكل جلي أن تأسيس المعرفة والوصول إلى الحقيقة يتم عبر النور الذي يقذفه الله في قلب المؤمن، وهذا النور يمثل المعرفة الحدسية.

المبحث الثالث: معرفة الله عند الغزالي

يؤكد الغزالي على أن المعرفة الحقيقية للأشياء والغاية الإنسانية تبدأ بمعرفة الله أولاً، لأن معرفة الله فطرية عند كل إنسان، فهي أول كل المعارف وشروطها؛ فالله سبحانه هو الموجود الحق:” فأن كل شيء سواه إذا اعتبر ذاته من حيث ذاته فهو عدم محض ،وإذا اعتبر من الوجه الذي يسرى إليه الوجود من الأول الحق رؤى موجوداً لا في ذاته ،ولكن من الوجه الذي يلي موجده”( الغزالي، 1964 ،ص 33).

وبالتالي فمعرفة الله تعالى، هي غاية المعرفة: “فلو عرف (الإنسان) كل شيء ولم يعرف الله عز وجل فكأنه لم يعرف شيئاً”(زقزوق،1983م، ص 110).

فكل علم غير الله يمكن البرهنة عليه: ” لأن العلم يخضع لقوانين محددة بالتجربة كما هو الشأن في الفيزياء، أو بقيل البرهنة والاستدلال كما هو الأمر بالنسبة للرياضيات، بينما لا تدخل نظرية المعرفة تحت واحد من هذان القياسين وليس بها قياس يخصها”(عزوز، 1983م، ص76).

فالإنسان يستطيع معرفة الله بالفطرة مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾‏ الروم: 30 ؛فإذا ما اعمل الفكر في خلق السماء والأرض ،وفي عجائب مخلوقاته، وتتبع الأسباب والعلل، وأمعن النظر فيما حوله من هذا الكون :”من بدائع الخلق، وعجائب الصنع ،وما ظهر في مخلوقاته الحكم آيات بينات وبراهين واضحة ودلائل دالات على جلال بارئيها وقدرته… وما حواه العالم من الملائكة وما فيها من الخلق العظيم”(الفاخورى ، الجر، 1993م ، ص 273) اثبت وجود الله الذي لا يوجد على الحقيقة شيء غير الله وأفعاله، أي مخلوقاته.

من هنا ساق لنا الغزالي براهين عدة على وجود الله : شرعية وعقلية ، أما البراهين الشرعية :فأخذها من كتاب الله لأنه : ” معرفة وجوده تعالى وأول ما يستضاء به من الأنوار، ويسلك عن طريق الاعتبار ، ما أرشد إليه القرآن ، فليس بعد بيان الله سبحانه بيان …فليس يخصه على من معه أولى….من العقل ،واذا ما تأمل بأدنى فكرة مضمون هذه الآية: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير﴾‏ . الشورى الاية ، 111

واذا ما تأملت في عجائب خلق الله في الأرض والسموات ،وبدائعه تبين لك :” أن هذا الأمر العجيب والترتيب المحكم ،لا يستغنى عن صانع يدبره، وفاعل يحكمه وقادر يقدره بل تكاد فطرة النفوس تشهد بكونها مقصورة تحت تسخيره ومعرفة بمقتضى تدبيره” ( الفاخورى ،الجر، 1993م ، ص 275 ).

أما البراهين العقلية : فقد أكد الغزالي على أن ماهية الإنسان تتمثل في طبيعته العقلية: بقوله ” وأنها خاصته التي لأجلها خلق قوة العقل ودرك حقائق الأشياء”( زقزوق،1983م:ص 114).

حيث يرى الغزالي أن ماهية الإنسان الحقيقية تتجلى في قدرته على تحقيق معرفته الفطرية بالله. ومع ذلك، توجد عقبات تحول دون تحقيق هذه الغاية، وتعود هذه العقبات إلى الطبيعة الحسية للإنسان. وبالتالي يؤكد الغزالي على أن العقل لا يمكنه الوصول إلى الهداية إلا من خلال الشرع، وأن الشرع لا يتضح إلا من خلال العقل.

فالعقل يمثل الأساس، بينما يمثل الشرع البناء. فالشرع هو العقل الخارجي، والعقل هو الشرع الداخلي، وكلاهما متعاضدان بل متحدان. نظراً لأن الشرع هو عقل خارجي، فقد سلب الله تعالى اسم “العاقل” عن الكافر، وبما أن العقل هو شرع داخلي، فقد قال تعالى في وصف العقل: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾‏ (الروم الآية 30)، مما يجعل العقل دينا.ولأنهما متحدان، قال الله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٌ﴾‏ (النور الآية 35) مشيراً إلى نور العقل ونور الشرع.

وقد عالج الغزالي الي قضيته علاقة الصفات بالذات، الآراء المختلفة في هذا الموضوع، فالأشاعرة يقولون :”الحق سبحانه وتعالى حي بحياة، عالم بعلم، قادر بقدرة مريد بإرادة ،سميع بسمع ،بصير ببصره، متكلم بكلام. ومذهب القدرية انه حي بذاته، عالم بذاته…متكلم بذاته ومذهب القدرية انه حي بذاته، عالم بذاته …متكلم بذاته ، وهو خطاء… وهي ثابتة الأعيان والإحكام ،ومعنى ثبوت الأعيان انها لا ليست نفس الذات وإلا خارجة عنها” ( الغزالى،1974م، ص 211).

وتعتمد هذه المعرفة على الاعتراف بأن” جوهر الإنسان يكمن في طبيعته العاقلة، و إن جسمه ما هو إلا أداة زواله لنفسه ” موضحا ذلك بقوله : “اعلم أن الجوهر الإنساني بالحقيقة هو النفس الناطقة العاقلة المدركة العاملة” (زقزوق،1983 م، ص114)

فالنفس ليست جسماً وليست أيضا موجودة في ارض الجسم أو في جزء منه، وهذا يتضح مثلا من انه لو فقد جزء من الجسم فأن النفس لا يعتريها بسبب ذلك أي نقصان.

وأما جسم الإنسان فانه ينتمي إلي عالم المادة ،أو عالم الغلاف كما يسمه الغزالي وهو مثل كل مادة : ممتدة وقابلة الانقسام في حين إن النفس تنتهي إلى عالم الألوهية، أو عالم الأمر كما يسميه الغزالي ؛ من حيث أنها غير ممتدة وغير قابلة للانقسام بقول الغزالي: “فكل شيء يجوز عليه المساحة والمقدار والكيفية فهو من عالم الخالق ،وليس للقلب مساحة والمقدار ولهذا إلا يقبل القسمة .ولو قبل القسمة لكان من عالم الخلق، وكان من جانب الجهل جاهلا ومن جانب العلم عالما، و كل شيء يكون فيه علم وجهل وهو محال” ( زقزوق،1983 م:ص 114-115).

ملخص القول إن المعرفة تستلزم حصول طرفين ولا غني عن إحداهما وهما الذات العارفة والوجود الخارجي، حيث بين الغزالي أن إدراك الوجود الخارجي على حقيقته يتم حسب ما تتصوره الذات العارفة التي قد نشوه حقيقتها.

الخاتمة:

تعد نظرية المعرفة عند الغزالي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بنظريته في الوجود، حيث اعتبر الغزالي أن الحس أول مراحل المعرفة، لأن الحس يقوم بإدراك صور المحسوسات من خلال اتصاله بالعالم الخارجي، ولكن الحس لا يؤدي إلى تحصيل معرفة يقينية، لأن المعرفة اليقينية عند الغزالي لا تحصل إلا على أساس الاتصال بين النفس والعقل الفعال، من ثم يقوم العقل بتحليل المدركات الحسية إلى معارف متنوعة، وفي مرحلة تكوين المعاني الكلية يتم جمع هذه المعاني المدركة ليؤلف منها معنى عاماً.

كما أن هذا الاتصال بين النفس والعقل الفعال لا يكون إلا بحسب استعداد هذه النفس لقبول هذه المعرفة التي تشرق عليها بأنوار العقل الفعال و التي وصلتها عن طريق الحس، الا أن الغزالي يفرق بين طريق العلماء الذين يصلون إلى حقائق الأشياء من خلال النظر العقلي، وطريق الأولياء الذين يصلون إلى هذه الحقائق عن طريق المشاهدة والذوق .

النتائج:

1- تعد نظرية المعرفة لدى الغزالي منهجًا فلسفيًا قوياً في التصدي للشك المطلق، حيث أنها توفر ضمانًا للأوليات العقلية والحسية، مما يجعلها موثوقة كأسس للبرهان.

2- شكّ الغزالي في جميع العلوم غير اليقينية، وأكد أن اليقين هو معيار حقائق الأشياء، وبالتالي لا يصبح العلم حقيقيًا إلا إذا كان يقينيًا بصورة قاطعة.

3- أوضح الغزالي أن المعرفة تستلزم وجود طرفين هما الذات العارفة والوجود الخارجي، ولا يمكن الاستغناء عن أي منهما. فإدراك الوجود الخارجي على حقيقته يعتمد على تصور الذات العارفة، التي قد تتعرض لتشويه حقيقتها.

4 – يرى أبو حامد الغزالي أن معرفة الله هي الأساس لتحقيق المعرفة الحقيقية والهدف الإنساني الأسمى.

5 -أكد الغزالي أن المعرفة الحقيقية تأتي من النور الذي يقذفه الله في قلب المؤمن، ويعتبر هذا النور أساس الإيمان والمعرفة الحدسية التي تتجاوز المعرفة العقلية والحسية.

6- يرى الغزالي أن العقل البشري وحده غير قادر على حل جميع المعضلات والوصول إلى الحقيقة المطلقة، لذلك يعتمد على الحدس كوسيلة لتجاوز حدود العقل.

7- أكد الغزالي على أهمية التجربة الصوفية والكشف الباطني في الوصول إلى معرفة الله، وأن من خلال الزهد والتأمل والتفكر يمكن للإنسان تحقيق معرفة أعمق بوجود الله وصفاته.

المصادر:

  1. أبو حامد الغزالى ، مشكاة الانوار ، تحقيق ابو العلا عفيفي ، القاهرة 1964م
  2. أبو حامد الغزالي، مشكاة الأنوار في توحيد الجبار، تحقيق، سمیح دغیم ، دار الفكر، بیروت ،لبنان ،ط1 ،1994م .
  3. أبو حامد الغزالى ميزان العمل تحقيق د. سليمان دينا ،القاهرة 1974م.
  4. أبو حامد الغزالي ،المنقذ إلي الضلال ، تحقيق كامل عياد ، دمشق ، ط6، 1960م.
  5. أبو حامد الغزالي: المنقذ من الضلال، تحقيق مصطفى أبو العلا ومحمد محمد جابر، مطبعة الحسين، مصر، د.ت.
  6. أبو حامد الغزالي: الرسالة اللدُّنية، شركة الطباعة الفنية، د.ت. .
  7. أبو حامد الغزالي، معيار العلم تحقيق د. سليمان دنيا ، القاهرة 1961م.

المراجع:

  1. أبو الفلاح عبد الحي بن العماد الحنبلي: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، القاهرة، 1350هـ.
  2. حامد درع عبد الرحمن الجميلي، الإمام الغزالي وآراؤه الكلامية ، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان،1976م.
  3. حنا الفاخورى ، خليل البحر ، تاريخ الفلسفة العربية ، ج2 ،(بيروت : دار الجبل 1993 ، ط2
  4. سامي نصر لطف، الحرية و المسؤولية في الفكر الفلسفي الاسلامي ، دار مكتبة الحرية ، القاهره .
  5. علي معوض وعادل عبد الموجود، مقدمة تحقيق كتاب الوجيز في الفقه، الإمام الغزالي، دار الأرقم، بيروت، ط1، 1997م.
  6. محمد الحاج الكمالي، (علاقة المعرفة الذوقية بالحس و العقل عند الإمام الغزالي)، مجلة الدعوة الإسلامية ، العدد الخامس عشر ،1998 م.
  7. محمد عبد الرحمن ، من الفلسفة اليونانية الى الفلسفة الإسلامية ، بيروت ، منشورات عويدات 2008 ،ج2
  8. محمد على ايوريان، تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، دار النهضة العربية ،بيروت ،لبنان،ط8.
  9. محمود حمدي زقزوق، المنهج الفلسفي بين الغزالي وديكارت، جامعة الازهر. ط3، 1983 م.
  10. محمود قاسم: نظرية المعرفة عند ابن رشد، مكتبة الأنجلو المصرية، د.ت.
  11. محي الدين عزوز، اللامعقول وفلسفة الغزالي ، دار العربية للكتاب، 1983م.