الحماية القانونية للتراث الثقافي غير المادي أثناء النزاعات المسلحة: منظور تحليلي

Legal Protection of Intangible Cultural Heritage during Armed Conflicts: An Analytical Perspective

أنسام عبد الواحد ناصر1، حيدر جمعة منجي النصراوي2، حسام هاتف مسلم3، محمد جبار جدوع العبدلي4

1 مدرس مساعد، جامعة الكوفة، كلية الرياضيات وعلوم الحاسوب، العراق. بريد الكتروني: ansama.banizuhra@uokufa.edu.iq

2 مدرس مساعد، جامعة الكوفة، قسم الشؤون القانونية، العراق. بريد الكتروني: Hayderj.alnasrawi@uokufa.edu.iq

3 مدرس مساعد، جامعة الكوفة، قسم الشؤون القانونية، العراق. بريد الكتروني: Hussamh.shareef@uokufa.edu.iq

4 أستاذ مشارك، جامعة الكوفة، أمانة مجلس الجامعة، العراق. بريد الكتروني: mohammedj.jaddoa@uokufa.edu.iq

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj68/21

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/68/21

المجلد (6) العدد (8). الصفحات: 330 - 344

تاريخ الاستقبال: 2025-07-07 | تاريخ القبول: 2025-07-15 | تاريخ النشر: 2025-08-01

Download PDF

المستخلص: تتناول هذه الدراسة الحماية القانونية للتراث الثقافي غير المادي أثناء النزاعات المسلحة، من خلال تحليل الإطار المفاهيمي والقانوني المرتبط به وتقييم فعالية الاتفاقيات الدولية ذات الصلة. تبدأ الدراسة بتعريف التراث الثقافي غير المادي وفق اتفاقية اليونسكو لعام 2003 وأهم عناصره مثل اللغة، التقاليد الشفوية، والممارسات الاجتماعية، ثم تستعرض دور اتفاقية لاهاي لعام 1954 والبروتوكولات الإضافية لعام 1977 في حماية التراث، مع التركيز على أوجه القصور في حماية المكونات غير المادية مقارنة بالممتلكات المادية. كما يتم تحليل السوابق القضائية للمحاكم الدولية، خاصة محكمة يوغوسلافيا السابقة، لتوضيح مدى انطباق النصوص القانونية على هذا النوع من التراث. وتبرز الدراسة التحديات العملية مثل صعوبة التوثيق وخطر الاندثار غير المرئي نتيجة النزوح أو الاستهداف المتعمد. وتختتم الدراسة باقتراح آليات لتعزيز الحماية، منها تحديث الأطر القانونية الدولية، التوثيق الرقمي، وتفعيل التعاون الثقافي والمؤسساتي على المستوى العالمي، إضافة إلى تعزيز دور العدالة الدولية في ملاحقة الانتهاكات الموجهة ضد التراث الثقافي غير المادي.

الكلمات المفتاحية: التراث الثقافي غير المادي، النزاعات المسلحة، الحماية القانونية، اليونسكو، القانون الدولي الإنساني.

Abstract: This study addresses the legal protection of intangible cultural heritage during armed conflicts by analyzing its conceptual and legal framework and assessing the effectiveness of relevant international agreements. It begins by defining intangible cultural heritage according to the 2003 UNESCO Convention and its main elements, such as language, oral traditions, and social practices, then reviews the role of the 1954 Hague Convention and the 1977 Additional Protocols in heritage protection, with a focus on the shortcomings in safeguarding intangible components compared to tangible property. The study also examines judicial precedents of international courts, particularly the International Criminal Tribunal for the former Yugoslavia, to clarify the applicability of legal provisions to this type of heritage. It highlights practical challenges such as documentation difficulties and the risk of invisible loss resulting from displacement or deliberate targeting. The study concludes by proposing mechanisms to enhance protection, including updating international legal frameworks, promoting digital documentation, strengthening cultural and institutional cooperation globally, and reinforcing the role of international justice in prosecuting violations against intangible cultural heritage.

Keywords: Intangible Cultural Heritage, Armed Conflicts, Legal Protection, UNESCO, International Humanitarian Law.

مقدمة

الثقافة هي جوهر هوية الشعوب وتشكل التراث الثقافي غير المادي جزءًا أساسيًا من هذا الإرث يضم هذا النوع من التراث العادات والتقاليد، التقاليد الشفوية، الممارسات الاجتماعية، الفنون التعبيرية، والمعارف المتوارثة التي تنعكس في حياة الأفراد والمجتمعات على مر العصور، في سياق النزاعات المسلحة يصبح هذا التراث عرضة لخطر التدمير أو الإهمال مما يهدد بفقدان جزء كبير من الهوية الثقافية للشعوب المتأثرة وبالرغم من وجود مجموعة من القوانين والمعاهدات الدولية التي تهدف إلى حماية التراث الثقافي المادي وغير المادي إلا أن الحماية الفعلية لهذا التراث خلال النزاعات المسلحة لا تزال محدودة وغير فعّالة في كثير من الأحيان.

منذ بداية القرن العشرين تطورت القوانين الدولية المتعلقة بحماية التراث الثقافي بشكل ملحوظ ومع ذلك ركزت هذه القوانين في الغالب على حماية الممتلكات الثقافية المادية مثل الآثار والمباني التاريخية، ومع مرور الوقت بدأ الاهتمام يتزايد بالجانب غير المادي للتراث الثقافي خاصة مع إدراك أهمية دوره في تعزيز الهوية الثقافية واستدامة المجتمعات ، يظل التراث غير المادي أقل حماية من نظيره المادي، حيث أن القوانين الدولية القائمة غالبًا ما تفتقر إلى الوضوح والآليات التنفيذية التي تضمن حماية فعّالة لهذا النوع من التراث (Johannot-Gradis, 2015).

ونرى ان الموضوع ذو اهمية من خلال النظر إلى تأثير النزاعات المسلحة على التراث الثقافي غير المادي، في العديد من الحالات اذ تؤدي الحروب والصراعات إلى اندثار الممارسات الثقافية التقليدية نتيجة لتهجير السكان، تدمير البنية الاجتماعية، أو حتى التهديد المباشر للممارسين أنفسهم، علاوة على ذلك، فإن التدمير المتعمد للتراث الثقافي سواء كان ماديًا أو غير مادي غالبًا ما يُستخدم كوسيلة لإضعاف هوية الجماعات المستهدفة، وعليه فإن حماية التراث الثقافي غير المادي لا تقتصر على الحفاظ على الهوية الثقافية فحسب، بل تمتد لتشمل دعم السلام والاستقرار في المجتمعات المتأثرة بالنزاعات. (Chainoglou, 2017)

الكلمات المفتاحية: التراث الثقافي غير المادي، النزاعات المسلحة، الحماية القانونية، اليونسكو، القانون الدولي، الهوية الثقافية، القانون الدولي الإنساني.

مشكلة البحث:

تتمثل مشكلة البحث في ان التراث الثقافي غير المادي لا يحظى بالحماية القانونية الكافية أثناء النزاعات المسلحة، بالرغم من وجود اتفاقيات دولية تهدف إلى حماية التراث الثقافي عمومًا، والتي تركز غالبًا على الممتلكات الثقافية المادية، مما يخلق فجوة قانونية ويجعل التراث غير المادي عرضة للاندثار أو الطمس المتعمد أو غير المقصود.

فرضية البحث:

على الرغم من وجود أطر قانونية دولية لحماية التراث الثقافي، فإن هذه الأطر غير كافية لحماية التراث الثقافي غير المادي خلال النزاعات المسلحة، مما يتطلب تطوير قواعد قانونية وآليات تنفيذية تراعي خصوصية هذا النوع من التراث.

أهداف البحث:

جاءت أهداف الدراسة واضحة في المقدمة، وهي:

  • تحليل القوانين والمعاهدات الدولية المتعلقة بحماية التراث الثقافي غير المادي خلال النزاعات المسلحة.
  • تقييم فاعلية هذه القوانين في تحقيق الحماية المطلوبة، مع التركيز على الحالات العملية من النزاعات المعاصرة.
  • اقتراح آليات وحلول قانونية وعملية لتعزيز الحماية القانونية للتراث الثقافي غير المادي، خاصة في ظل التحديات التي تواجهها المجتمعات المتأثرة بالنزاعات.

منهجية البحث:

تعتمد الدراسة على المنهج التحليلي من خلال مراجعة الأدبيات القانونية والدراسات السابقة، إضافة إلى دراسة حالات عملية لنزاعات مسلحة معاصرة لفهم تأثيرها على التراث الثقافي غير المادي، وتقييم مدى فعالية القوانين الدولية في توفير الحماية له.

المبحث الأول: الإطار المفاهيمي والقانوني للتراث الثقافي غير المادي

المطلب الأول: مفهوم التراث الثقافي غير المادي وأهميته

التراث الثقافي غير المادي يمثل أحد المكونات الأساسية للهوية الثقافية للأمم والمجتمعات ويعكس التقاليد والعادات والقيم التي تنتقل من جيل إلى جيل، وفقًا لاتفاقية اليونسكو لعام 2003 بشأن صون التراث الثقافي غير المادي يُعرّف هذا النوع من التراث على أنه “الممارسات، التمثيلات، التعبيرات، المعارف، المهارات، وما يرتبط بها من آلات وأشياء ومصنوعات وأماكن ثقافية، التي تعتبرها المجتمعات والمجموعات، وأحيانًا الأفراد، جزءًا من تراثهم الثقافي”. اذ يعتبر هذا التعريف هو الافضل من حيث الاحاطة الكاملة بالموضوع اضافة الى انه يعتبر تعريف شامل ومرن بذات الوقت ، لانه يصور التراث الثقافي غير المادي من خلال الطبيعة الحية له ودينامكيتها عند مقارنتها بالتراث المادي الذي يعنى بالاثار والمواقع التاريخية .

حيث يعد هذا التعريف الاساس في فهم التراث الثقافي وخط الشروع للعالم للانتقال من التركيز على حماية الاثار والمعالم ومادياتها الى التوجه الى الجانب الاخر المتمثل بحماية المعارف والقيم الثقافية المتجسدة في المجتمعات على اختلاف انواعها واعراقها ، وكما بين ( (C. Johannot-Gradis,2015,p. 1257ان هذا الانتقال يمثل بداية التطور في القانون الدولي من جانب التراث الثقافي ليمتد شموله الى شريحة كبيرة من القواعد التي تهدف إلى حماية التراث الثقافي في مختلف الظروف بما في ذلك النزاعات المسلحة.

يتألف التراث الثقافي غير المادي من عناصر عدة وامور رئيسية تتمثل باللغة، التقاليد الشفوية، الممارسات الاجتماعية، الفنون الأدائية، المعارف التقليدية، الحرف اليدوية ، الى اخره وكل واحدة من هذه العناصر لها دور مهم في تألييف الهوية الثقافية للمجتمعات ولو حاولنا الاطلاع والتعمق في فهمها لامكننا تعزيز الجهود الرامية إلى حماية هذا النوع من التراث.

تُعد اللغة الوسيلة الأساسية لنقل التراث الثقافي غير المادي من جيل إلى آخر فهي تحمل في طياتها معارف المجتمعات، وأساطيرها، وحكاياتها الشعبية ، التقاليد الشفوية، مثل الحكايات الشعبية والأمثال، تمثل جزءًا لا يتجزأ من التراث الثقافي غير المادي، وكما تعد حماية اللغة والتقاليد الشفوية يُعد أمرًا جوهريًا، حيث يمكن أن يؤدي فقدان اللغة إلى تدمير كامل للهوية الثقافية للمجتمع. ( (K. Chainoglou,2017,p. 115

تشمل هذه الفئة العادات والتقاليد التي تُمارَس في المناسبات الخاصة أو الأحداث اليومية، مثل الاحتفالات والطقوس الدينية والاجتماعية هذه الممارسات تُعبّر عن الفلسفة الحياتية والقيم التي تتبناها المجتمعات، وفقًا لرأي احد الفقهاء فإن الممارسات الاجتماعية تعكس التفاعل اليومي بين الأفراد مما يجعلها عرضة للخطر أثناء النزاعات المسلحة حيث يمكن أن تتعرض للتدمير أو التهميش. ( (J. Blake,2017,p. 38

وتشمل الفنون الأدائية الموسيقى، والرقص، والمسرح التقليدي التي تعبر عن الاحساس الابداعي وتنقل جمالية المجتمع وسيلة لبيان الاحداث التاريخية ونقلها عبر الاجيال ، وكما ان تلك الفنون المؤداة او الادائية تتعرض الى العديد من التهديد أثناء النزاعات منها فقدان الأداء الحي وتدمير البنية التحتية الثقافية ( (W.A. Qureshi,2017,p. 154

تعد المعارف التقليدية والحرف اليدوية الجزء الاساس من التراث الثقافي غير المادي لانه يرتبط بالمهام والانشطة اليومية مثل الزراعة، والطب التقليدي، والصناعات اليدوية فتلك المهام تمثل جزءًا من الهوية الثقافية وأنها في الغالب تتعرض للاندثار بسبب التطور أو النزاعات المسلحة. ( (J. Blake,2023,p. 64

تتمثل الاهمية المرجوة من التراث الثقافي غير المادي في التعزيز من الهوية الثقافية وتحقيق التنمية الشاملة الدائمة وتعزيزتعميق التفاهم بين الثقافات، لذا فأن التراث الثقافي غير المادي له الدور الاول في اسهامه بزيادة الروابط الاجتماعية لانه يُعتبر رمزًا للانتماء والهوية الجماعية. ( (M. Lostal,2017,p. 16

ان التراث الثقافي غير المادي يُعزز من شعور الأفراد بالانتماء إلى مجتمعاتهم حيث يعكس القيم والعادات التي تُميزهم عن غيرهم، في السياق ذاته ن حماية التراث الثقافي غير المادي تُعتبر وسيلة للحفاظ على التنوع الثقافي في العالم مما يُسهم في تعزيز التعددية الثقافية.( (Y. Alhunieti & O. Almakhzoumi,2025,p. 3

التراث الثقافي غير المادي يلعب دورًا مهمًا في تحقيق التنمية المستدامة حيث يُسهم في تعزيز الاقتصاد المحلي من خلال السياحة الثقافية، والحرف اليدوية، والفنون التقليدية ،كما أن الحفاظ على المعارف التقليدية يُسهم في تعزيز الأمن الغذائي والصحة العامة، والتنمية البيئية.

التراث الثقافي غير المادي يُعتبر وسيلة لتعزيز الحوار والتفاهم بين الثقافات المختلفة من خلال الاحتفاء بالتقاليد والفنون المشتركة و يُمكن تعزيز الروابط بين المجتمعات المختلفة مما يُسهم في بناء السلام والتعايش السلمي، وكما يمكن الإشارة الى ان التراث الثقافي غير المادي يُمكن أن يُشكل جسورًا بين الثقافات خاصةً في فترات النزاعات.( (J. Brosché et al,2017,p. 10

رغم أهمية التراث الثقافي غير المادي إلا أن الموضوع يواجه تحديات عديدة تتطلب اهتمامًا خاصًا من المجتمع الدولي من بين هذه التحديات، قضايا التوثيق والاندثار غير المرئي والتهديدات المرتبطة بالنزاعات المسلحة، الا ان أن صعوبة توثيق التراث الثقافي غير المادي تُشكل تحديًا كبيرًا حيث يتطلب هذا النوع من التراث وسائل خاصة لحمايته.( (D. Viejo-Rose & M.L.S. Sørensen,2015,p. 21

المطلب الثاني: القواعد العامة لحماية التراث الثقافي في القانون الدولي

تعد حماية التراث الثقافي في القانون الدولي أحد المواضيع البارزة التي أثارت اهتمام المجتمع الدولي منذ منتصف القرن العشرين وذلك نظرًا لدوره الحيوي في حفظ هوية الشعوب وتعزيز التنوع الثقافي ومن خلال القواعد القانونية والمبادئ المعتمدة تم وضع إطار قانوني يهدف إلى حماية الممتلكات الثقافية لا سيما خلال النزاعات المسلحة والتي تشكل تهديدًا كبيرًا لهذا التراث في هذا السياق تبرز اتفاقية لاهاي لعام 1954 كأحد المعالم الأساسية في هذا المجال إلى جانب دور منظمة اليونسكو في تعزيز هذه الجهود.

تعتبر اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح أول وثيقة قانونية دولية مخصصة لحماية التراث الثقافي أثناء النزاعات المسلحة جاءت هذه الاتفاقية كرد فعل مباشر على الدمار الهائل الذي لحق بالممتلكات الثقافية خلال الحرب العالمية الثانية حيث أصبحت الحاجة ملحة إلى وضع إطار قانوني دولي يعترف بأهمية حماية الممتلكات الثقافية باعتبارها جزءًا من التراث الإنساني المشترك.

تحدد الاتفاقية الممتلكات الثقافية بأنها تشمل المباني التاريخية والمجموعات الفنية والمواقع الأثرية إلى جانب المكتبات والأرشيفات التي تحمل قيمة ثقافية وعلمية وعلى الرغم من أن الاتفاقية تركز بشكل أساسي على الممتلكات الثقافية المادية إلا أنها تعكس اعترافًا ضمنيًا بأهمية الجوانب غير المادية المرتبطة بها مثل المعرفة والعادات والتقاليد التي تشكل جزءًا من الهوية الثقافية للمجتمعات (Johannot-Gradis,p 1259. 2015).

تتضمن اتفاقية لاهاي لعام 1954 مجموعة من الأحكام التي تهدف إلى ضمان حماية الممتلكات الثقافية خلال النزاعات المسلحة

أولًا : تفرض الاتفاقية التزامًا على الدول الأطراف باتخاذ تدابير وقائية في وقت السلم لضمان حماية الممتلكات الثقافية مثل توثيق هذه الممتلكات وتحديد مواقعها ووضع علامات تعريفية عليها

ثانيًا: تنص على التزام الأطراف المتنازعة بتجنب استهداف الممتلكات الثقافية أثناء العمليات العسكرية ما لم تكن هناك ضرورة عسكرية قاهرة كما تفرض الاتفاقية حظرًا على استخدام الممتلكات الثقافية لأغراض عسكرية قد تعرضها للخطر.

في إطار تطوير أحكام الاتفاقية تم اعتماد بروتوكولين إضافيين لتعزيز الحماية البروتوكول الأول لعام 1954 يركز على منع تصدير الممتلكات الثقافية من المناطق المحتلة وإعادتها إلى أصحابها الشرعيين بعد انتهاء النزاع أما البروتوكول الثاني لعام 1999 فيهدف إلى توسيع نطاق الحماية ليشمل الممتلكات الثقافية ذات الأهمية الكبرى كما يشدد على ضرورة مساءلة الأفراد المتورطين في انتهاكات الاتفاقية. (Chainoglou,2017,p. 112)

لعبت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) دورًا محوريًا في تعزيز الجهود الدولية لحماية التراث الثقافي، فمن خلال دورها كمنظمة دولية متخصصة ساهمت اليونسكو في صياغة واعتماد العديد من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالتراث الثقافي بما في ذلك اتفاقية لاهاي لعام 1954 كما أنشأت برامج ومبادرات تهدف إلى توثيق الممتلكات الثقافية وتعزيز الوعي بأهميتها (Blake, 2017,p.47).

في ظل النزاعات المسلحة الحديثة كان لليونسكو دور ريادي في تنسيق الجهود الدولية لحماية التراث الثقافي على سبيل المثال قامت المنظمة بإطلاق مبادرات للتوثيق الرقمي للمواقع التراثية المهددة وتوفير الدعم الفني للدول المتضررة كما قامت بتطوير شراكات مع المؤسسات الدولية والمحلية لتعزيز استجابة المجتمع الدولي للتهديدات التي تواجه التراث الثقافي لا سيما تلك التي تستهدف التراث غير المادي (Qureshi, 2017,p .158).

ترى منظمة اليونسكو أن حماية التراث الثقافي ليست مجرد مسألة قانونية بل ترتبط أيضًا بالتنمية المستدامة وتعزيز التماسك الاجتماعي من هذا المنطلق أطلقت المنظمة مبادرات تهدف إلى تعزيز الروابط بين حماية التراث الثقافي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة مع التركيز على إشراك المجتمعات المحلية في جهود الحماية (Blake, 2023,p 71).

وبالرغم من أهمية اتفاقية لاهاي لعام 1954 ودور اليونسكو إلا أن التركيز كان محدودًا على الممتلكات الثقافية المادية دون إيلاء الاهتمام الكافي للتراث الثقافي غير المادي فالتقاليد والعادات والمعارف المرتبطة بالمجتمعات غالبًا ما تكون عرضة للاندثار أثناء النزاعات المسلحة لكن الإطار القانوني الدولي الحالي لا يوفر حماية كافية لهذه العناصر (Lostal, 2017, p. 19).

تشكل النزاعات المسلحة الحديثة تحديًا كبيرًا لتنفيذ أحكام اتفاقية لاهاي والقواعد الدولية الأخرى. فالصراعات غير المتكافئة وظهور الجماعات المسلحة غير الحكومية قد يزيدان من صعوبة ضمان حماية الممتلكات الثقافية بالإضافة إلى ذلك فإن استخدام التكنولوجيا الحديثة في الحروب قد يؤدي إلى استهداف غير مقصود للمواقع التراثية (Alhunieti & Almakhzoumi, 2025,p .5).

يعتبر التعاون الدولي أمرًا حاسمًا لتعزيز حماية التراث الثقافي ومع ذلك فإن الاختلافات السياسية والثقافية بين الدول قد تعيق تنفيذ الجهود المشتركة كما أن نقص التمويل والموارد يشكل عقبة أخرى أمام تعزيز الحماية خاصة في الدول النامية التي تعاني من نزاعات مسلحة (Brosché et al., 2017,p.12).

يتطلب تعزيز حماية التراث الثقافي بما في ذلك التراث غير المادي تطوير الإطار القانوني الدولي ليشمل أحكامًا صريحة تركز على حماية هذا النوع من التراث يمكن أن يتم ذلك من خلال اعتماد بروتوكولات إضافية لاتفاقية لاهاي أو صياغة اتفاقيات جديدة تعترف بأهمية التراث غير المادي (Viejo-Rose & Sørensen, 2015,p .24).

يمثل التوثيق الرقمي أداة فعالة لحماية الممتلكات الثقافية يمكن لليونسكو والمؤسسات الدولية الأخرى أن تلعب دورًا أكبر في دعم المشاريع التي تهدف إلى توثيق المواقع التراثية والتقاليد الثقافية باستخدام التكنولوجيا الحديثة مما يساهم في الحفاظ على هذه العناصر حتى في حالة تعرضها للدمار (Stone, 2015,p .186).

يمكن تعزيز حماية التراث الثقافي من خلال زيادة الوعي بأهميته على المستوى المحلي والدولي يتطلب ذلك تنفيذ حملات تثقيفية تشجع على احترام التراث الثقافي وتبرز دوره في تعزيز التفاهم والتعايش بين الشعوب.

المبحث الثاني: الحماية القانونية للتراث غير المادي في زمن النزاعات المسلحة

المطلب الأول: تحليل نصوص البروتوكولين الإضافيين لعام 1977

تتسم النزاعات المسلحة بتأثيراتها الواسعة والكارثية على مختلف جوانب الحياة بما في ذلك التراث الثقافي بشقيه المادي وغير المادي ولتخفيف هذه الآثار جاءت البروتوكولات الإضافية لعام 1977 الملحقة باتفاقيات جنيف لعام 1949 لتوفير إطار قانوني يعزز حماية المدنيين والأعيان غير العسكرية أثناء النزاعات المسلحة وفيما يتعلق بالمجال الثقافي تفتح هذه البروتوكولات الباب أمام تساؤلات متعددة حول مدى شموليتها لحماية التراث الثقافي غير المادي وهو جانب غالبًا ما يتم تجاهله مقارنة بالتركيز التقليدي على التراث المادي.

وفقًا للبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 يتمثل أحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي الإنساني في التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية ينص هذا المبدأ على ضرورة تجنب استهداف الأعيان المدنية أو استخدامها في عمليات عسكرية لضمان تقليل الأضرار الجانبية للمدنيين والبنية التحتية المدنية، ولكن في ظل هذا التركيز على الأعيان المادية يبرز تساؤل حول كيفية تطبيق هذا المبدأ على التراث غير المادي الذي لا يتخذ شكلًا ماديًا ملموسًا ولكنه يمثل جوهر الهوية الثقافية للمجتمعات. (Johannot-Gradis, 2015,p .1260)

إن التراث غير المادي كما عرفته اتفاقية اليونسكو لعام 2003 يشمل العناصر الثقافية التي تنتقل من جيل إلى آخر مثل التقاليد الشفوية، الفنون الأدائية، الممارسات الاجتماعية، والمعارف المرتبطة بالطبيعة، وفي سياق النزاعات المسلحة، يتعرض هذا التراث لخطر الإبادة أو الطمس سواء بشكل متعمد أو كأثر جانبي للعمليات العسكرية وهنا تكمن المعضلة: كيف يمكن حماية شيء غير ملموس ضمن إطار قانوني صُمم أصلاً لحماية الأعيان المادية؟

رغم أن النصوص القانونية للبروتوكولين الإضافيين لعام 1977 لا تقدم تعريفًا مباشرًا أو حماية صريحة للتراث الثقافي غير المادي إلا أن هناك إمكانيات لتأويل بعض البنود لتشمل هذا الجانب على سبيل المثال ينص البروتوكول الأول في المادة 52 على حماية “الأعيان المدنية” ويمكن تفسير هذا المصطلح بشكل موسع ليشمل البنى الاجتماعية والثقافية التي تشكل جزءًا من التراث غير المادي، لكن هذا التفسير يظل إشكاليًا في ظل غياب توجيه واضح أو سوابق قانونية تدعمه(Chainoglou, 2017,p .119).

علاوة على ذلك يمكن النظر إلى المادة 53 من البروتوكول الأول التي تحظر أي عمل عدائي موجه ضد “الأماكن ذات الأهمية الثقافية أو الروحية” كمدخل لتوسيع الحماية القانونية لتشمل التراث غير المادي المرتبط بهذه الأماكن على سبيل المثال إذا كانت تقاليد معينة مثل الاحتفالات الدينية أو الطقوس الاجتماعية مرتبطة بموقع معين فإن تدمير هذا الموقع قد يؤدي إلى فقدان هذه التقاليد ، ومع ذلك يظل السؤال قائمًا حول كيفية إثبات هذا الارتباط الوثيق في سياق قانوني معقد(Blake, 2017,p .52).

بالمقارنة مع الأعيان المادية التي يمكن توثيقها بسهولة من خلال الصور أو الخرائط أو السجلات التاريخية يشكل التراث غير المادي تحديًا فريدًا بسبب طبيعته الديناميكية وغير الملموسة هذه الطبيعة تجعل من الصعب توثيق هذا التراث بشكل كافٍ مما يعيق الجهود القانونية لحمايته أثناء النزاعات المسلحة، كذلك قد يتم تبرير استهداف التراث غير المادي أو تجاهله باعتباره غير ضروري من الناحية العسكرية وهو ما يعكس نقص الوعي بأهميته الثقافية والإنسانية (Qureshi, 2017,p .161).

تشير الدراسات إلى أن النزاعات المسلحة قد تؤدي إلى فقدان التراث غير المادي بطرق مختلفة فمن ناحية قد يُجبر السكان على النزوح مما يعطل عملية نقل التقاليد والمعارف من جيل إلى آخر ومن ناحية أخرى قد تسعى الأطراف المتنازعة إلى طمس هوية ثقافية معينة كجزء من استراتيجية للإبادة الثقافية، مما يؤدي الى ان التراث غير المادي قد يصبح هدفًا غير مرئي ولكنه مؤثر يستدعي استراتيجيات جديدة ومبتكرة لحمايته (Lostal, 2017,p .22).

وعند النظرالى التحليل السابق يمكن القول إن البروتوكولين الإضافيين لعام 1977 يوفران أساسًا قانونيًا يمكن بتفسيره بشكل موسع ليشمل حماية التراث الثقافي غير المادي ومع ذلك يظل هذا الأساس غير كافٍ بسبب غياب التوضيحات الصريحة والتوجيهات العملية إن الحاجة إلى تطوير إطار قانوني أكثر تحديدًا ومرونة لحماية التراث غير المادي أصبحت ملحة في ظل التحديات المتزايدة التي تفرضها النزاعات المسلحة الحديثة.

و يمكن أن تلعب المنظمات الدولية مثل اليونسكو والمحاكم الدولية دورًا حيويًا في سد هذه الفجوة القانونية ومن خلال تعزيز التوثيق الرقمي للتراث غير المادي وتطوير مبادئ قانونية جديدة تستند إلى الأطر الحالية يمكن تحقيق حماية أكثر شمولًا لهذا الجانب الحيوي من الهوية الثقافية للإنسانية (Brosché et al., 2017,p .15).

إن الدراسة المعمقة للنصوص القانونية الدولية تُظهر أن مفهوم التراث الثقافي غير المادي لم يحظَ بالاهتمام الكافي في السياق القانوني للنزاعات المسلحة ولعل هذا يعود إلى الطبيعة غير الملموسة لهذا التراث التي تجعل من الصعب تحديده وتوثيقه مقارنة بالتراث المادي ومع ذلك فإن أهمية هذا التراث لا تقل عن أهمية نظيره المادي إذ يمثل جزءًا لا يتجزأ من الهوية الثقافية والإنسانية.

تتطلب حماية التراث غير المادي أثناء النزاعات المسلحة نهجًا متعدد الأبعاد فمن ناحية يجب تطوير الأطر القانونية القائمة لتشمل تعريفات أكثر وضوحًا وشمولية للتراث غير المادي ومن ناحية أخرى يجب تعزيز التعاون الدولي لتوثيق هذا التراث ونشر الوعي بأهميته كما يمكن استخدام التكنولوجيا الرقمية كوسيلة لتسجيل ونقل العناصر غير المادية مما يضمن الحفاظ عليها حتى في ظل الظروف الصعبة (Viejo-Rose & Sørensen, 2015,p .26).

المطلب الثاني: تقييم فاعلية الاتفاقيات الدولية الأخرى ذات الصلة

تلعب الاتفاقيات الدولية دورًا حيويًا في حماية التراث الثقافي غير المادي خاصة أثناء النزاعات المسلحة حيث يكون هذا النوع من التراث عرضة للخطر بسبب الاضطرابات والصراعات التي تؤدي إلى تدمير القيم الثقافية غير المادية والذاكرة الجماعية للشعوب ومن بين هذه الاتفاقيات تبرز اتفاقية اليونسكو لعام 2003، واتفاقيات جنيف، وتوصيات لجنة القانون الدولي، بالإضافة إلى الاجتهادات القضائية الدولية الصادرة عن هيئات مثل محكمة يوغوسلافيا السابقة ومحكمة العدل الدولية، في هذا القسم سيتم تحليل فاعلية هذه الأدوات الدولية ومدى قدرتها على حماية التراث الثقافي غير المادي من المخاطر الناجمة عن النزاعات المسلحة.

تعتبر اتفاقية اليونسكو لعام 2003 بشأن صون التراث الثقافي غير المادي أحد الأدوات القانونية الرئيسية التي تهدف إلى حماية التراث الثقافي غير المادي من خلال تشجيع الدول على تحديد وتوثيق وحماية هذا النوع من التراث، وفقًا لهذه الاتفاقية يُعرّف التراث الثقافي غير المادي على أنه “الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات، بالإضافة إلى الأدوات والأشياء والمصنوعات الثقافية والأماكن التي تعتبر جزءًا من التراث الثقافي للشعوب”، تشمل هذه العناصر اللغة، والتقاليد الشفوية، والممارسات الاجتماعية، والمعارف التقليدية، والفنون الأدائية، وغيرها. (Blake, 2023,p .66)

من الناحية النظرية توفر الاتفاقية إطارًا شاملًا لتوثيق التراث غير المادي وحمايته من الانقراض ومع ذلك يبرز التحدي الرئيسي في سياق النزاعات المسلحة حيث لا توفر الاتفاقية آليات مباشرة للتعامل مع المخاطر التي تنشأ بسبب الحروب على الرغم من وجود التزامات عامة على الدول الأعضاء بحماية التراث الثقافي غير المادي إلا أن الاتفاقية تفتقر إلى نصوص واضحة ومحددة تتناول السيناريوهات الخاصة بالنزاعات المسلحة وبالتالي فإن فاعليتها في هذه الظروف تعتمد إلى حد كبير على مدى التزام الدول بتنفيذ بنوده (Johannot-Gradis, 2015,p .1261) .

تشكل اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولات الإضافية لعام 1977 الأساس القانوني لحماية المدنيين والممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة رغم أن هذه الاتفاقيات تركز بشكل رئيسي على الممتلكات الثقافية المادية إلا أنها تتضمن مبادئ يمكن أن تُطبَّق على التراث غير المادي أيضًا على سبيل المثال ينص البروتوكول الإضافي الأول على ضرورة التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية وهو مبدأ يمكن أن يشمل التراث الثقافي غير المادي باعتباره جزءًا من الهوية الثقافية للشعوب (Chainoglou, 2017,p .118).

تشير توصيات لجنة القانون الدولي إلى أن حماية التراث الثقافي أثناء النزاعات المسلحة يجب أن تأخذ في الاعتبار العناصر غير المادية التي تسهم في بناء الهوية الثقافية ومع ذلك فإن هذه التوصيات غالبًا ما تكون ذات طبيعة إرشادية وليست ملزمة قانونًا مما يحد من فعاليتها في ظل غياب آليات تنفيذ صارمة على الرغم من ان تلك التوصيات تؤكد على أهمية توثيق التراث الثقافي غير المادي كوسيلة للحفاظ عليه، فإن تطبيقها يعتمد على استعداد الدول والمؤسسات الدولية لتوفير الموارد اللازمة للتوثيق والحماية. (Blake, 2017,p 55.)

من جانبه يُعتبر الاجتهاد القضائي الدولي أداة مهمة لفهم كيفية تطبيق القانون الدولي لحماية التراث الثقافي غير المادي أثناء النزاعات المسلحة، اذ ان من أبرز القضايا التي تسلط الضوء على هذه المسألة الأحكام الصادرة عن محكمة يوغوسلافيا السابقة في إحدى القضايا المتعلقة بتدمير الممتلكات الثقافية في البوسنة والهرسك فقد أكدت المحكمة على أن الهجمات على الممتلكات الثقافية تشكل انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني رغم أن القضية ركزت على الممتلكات الثقافية المادية إلا أن التحليل القانوني يمكن أن يمتد ليشمل التراث الثقافي غير المادي نظرًا لأنه يتشارك مع الممتلكات المادية في كونه جزءًا من الهوية الثقافية للشعوب. (Qureshi, 2017,p 164 .)

أما محكمة العدل الدولية فقد تناولت في بعض القضايا مسائل تتعلق بحماية التراث الثقافي في سياقات النزاع على سبيل المثال، في قضية مالي وتدمير الأضرحة في تمبكتو أشارت المحكمة إلى أن تدمير الممتلكات الثقافية يمثل جريمة حرب ورغم أن التراث غير المادي لم يكن محور التركيز المباشر إلا أن هذه القضايا تسلط الضوء على الحاجة إلى توسيع نطاق الحماية القانونية ليشمل العناصر غير المادية من التراث الثقافي. (Lostal, 2017,p .25)

على الرغم من وجود هذه الأدوات القانونية الدولية إلا أن هناك تحديات كبيرة تعيق تطبيقها على حماية التراث الثقافي غير المادي أثناء النزاعات المسلحة أحد التحديات الرئيسية هو صعوبة توثيق التراث غير المادي على عكس الممتلكات المادية التي يمكن تحديد موقعها وحمايتها فعليًا فإن التراث غير المادي يعتمد على المعارف والممارسات التي تنتقل شفهيًا أو من خلال التقالي مما يجعلها عرضة للاندثار في حالة تعرض المجتمعات التي تحمل هذه التقاليد للتهجير أو الإبادة. (Viejo-Rose & Sørensen, 2015,p .27)

اضافة الى ذلك تفتقر العديد من الدول إلى الموارد اللازمة لتوثيق التراث غير المادي خاصة في مناطق النزاع كما أن التعاون الدولي في هذا المجال محدود بسبب الاختلافات الثقافية والسياسية بين الدول وكذلك فإن النزاعات المسلحة غالبًا ما تؤدي إلى تدمير البنية التحتية الثقافية مما يعقد الجهود المبذولة لحماية التراث غير المادي (Stone, 2015,p .189).

ولتعزيز فاعلية الاتفاقيات الدولية في حماية التراث الثقافي غير المادي يجب اتخاذ خطوات إضافية لتطوير الأطر القانونية والمؤسسية على سبيل المثال يمكن توسيع نطاق اتفاقية لاهاي لعام 1954 لتشمل التراث غير المادي بشكل صريح كما يمكن تعزيز التعاون بين الدول والمؤسسات الدولية لتوثيق التراث غير المادي بطرق مبتكرة مثل استخدام التكنولوجيا الرقمية لتخزين المعارف والتقاليد (Alhunieti & Almakhzoumi, 2025,p .9).

كذلك يمكن للمحاكم الدولية أن تلعب دورًا أكبر في تعزيز الحماية القانونية للتراث غير المادي من خلال توسيع نطاق الاجتهادات القضائية لتشمل هذا النوع من التراث كما أن تعزيز الوعي الدولي بأهمية التراث الثقافي غير المادي يمكن أن يسهم في زيادة الالتزام بتنفيذ الاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

على الرغم من التقدم الذي تحقق في مجال حماية التراث الثقافي غير المادي من خلال الاتفاقيات الدولية والاجتهادات القضائية إلا أن هناك حاجة ملحة لتعزيز هذه الجهود في ضوء التحديات الحالية إن حماية التراث الثقافي غير المادي أثناء النزاعات المسلحة ليست مجرد مسألة قانونية بل هي أيضًا جزء أساسي من الجهود المبذولة للحفاظ على الهوية الثقافية والذاكرة الجماعية للشعوب وبالتالي يجب على المجتمع الدولي أن يواصل العمل على تطوير أطر قانونية ومؤسسية أكثر شمولاً وفعالية لضمان حماية هذا النوع من التراث في مواجهة التهديدات المتزايدة.

المبحث الثالث: التحديات العملية والآليات المقترحة لتعزيز الحماية

المطلب الأول: التحديات العملية في حماية التراث غير المادي أثناء النزاعات

تُعد حماية التراث الثقافي غير المادي خلال النزاعات المسلحة واحدة من أكثر التحديات تعقيدًا التي تواجه المجتمع الدولي إذ يتعرض هذا النوع من التراث الذي يشمل اللغة، التقاليد الشفوية، الممارسات الاجتماعية، الطقوس، الحرف التقليدية، وغيرها، لتهديدات جدية سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة على الرغم من الجهود الدولية المبذولة لتوثيق هذا التراث وحمايته إلا أن طبيعة النزاعات المسلحة والمخاطر المرتبطة بها تجعل من هذه الجهود أمرًا بالغ الصعوبة، يناقش هذا القسم التحديات العملية لحماية التراث غير المادي أثناء النزاعات المسلحة مع التركيز على صعوبة التوثيق من جهة وخطر الاندثار غير المرئي سواء كان مقصودًا أو عرضيًا من جهة أخرى.

تعد عملية توثيق التراث الثقافي غير المادي واحدة من أعقد المهام التي تواجه المجتمعات المتضررة من النزاعات المسلحة إذ يتسم هذا التراث بطبيعته الديناميكية وغير الملموسة مما يجعل من الصعب تحديده بدقة وتوثيقه بالشكل الذي يضمن حمايته ، ويعتبر القانون الدولي الإنساني رغم توسعه غير قادر على معالجة الفجوة المتعلقة بحماية التراث غير المادي أثناء النزاعات المسلحة لان تركيزه الأساسي ينصب على التراث المادي مثل المواقع الأثرية والآثار. (Johannot-Gradis, 2015,p .1263)

تشير الأدبيات إلى أن التوثيق يتطلب موارد بشرية وتقنية كبيرة قد لا تتوفر في ظل النزاعات المسلحة فعلى سبيل المثال في النزاعات التي تشهدها مناطق مثل سوريا أو العراق تم تدمير العديد من المعالم التاريخية ولكن الأضرار التي لحقت بالتراث غير المادي مثل الحكايات الشعبية أو الطقوس الدينية لم تحظَ بالاهتمام الكافي ، هذا النقص في التوثيق لا يقتصر فقط على الجهود المحلية، بل يشمل أيضًا ضعف الدعم الدولي الموجه لهذا المجال (Chainoglou, 2017,p .122).

من جانب اخر يواجه التراث غير المادي تحديات إضافية تتمثل في طبيعته الشفوية والزائلة فالعديد من عناصر هذا التراث يتم تناقلها شفهيًا عبر الأجيال مما يعني أن فقدان الأفراد الذين يحملون هذه المعرفة يؤدي إلى اختفاء هذا التراث بشكل نهائي ، لأن حماية التراث غير المادي تتطلب نهجًا متعدد الأبعاد يشمل ليس فقط التوثيق بل أيضًا التعليم ونقل المعرفة بين الأجيال (Blake, 2017,p .58 ).

إلى جانب صعوبة التوثيق يواجه التراث الثقافي غير المادي خطر الاندثار غير المرئي وهو تحدٍ آخر يبرز بشكل واضح أثناء النزاعات المسلحة يمكن أن يكون هذا الاندثار عرضيًا نتيجة للدمار العام الناجم عن الحرب أو مقصودًا كجزء من سياسات تهدف إلى محو هوية ثقافية معينة ، لكون أن النزاعات المسلحة غالبًا ما تُستخدم كوسيلة للقضاء على تراث ثقافي معين بهدف فرض سيطرة سياسية أو أيديولوجية (Qureshi, 2017,p .166).

على سبيل المثال خلال النزاعات في البوسنة والهرسك تعرض التراث الثقافي غير المادي للمسلمين البوسنيين للتدمير المنهجي بما في ذلك الأغاني الشعبية والرقصات التقليدية ، أن مثل هذه التهديدات تتجاوز الجانب المادي للتراث لتشمل الجوانب الرمزية التي تمثل الهوية الثقافية للشعوب. (Blake, 2023,p .78)

من الناحية العملية يمكن للاندثار العرضي أن يحدث نتيجة لتشتيت المجتمعات المحلية والنزوح القسري حيث تفقد هذه المجتمعات الروابط التي تربطها بتراثها الثقافي على سبيل المثال النزاعات في مناطق مثل دارفور أو جنوب السودان أدت إلى تفرق المجتمعات المحلية وفقدان العديد من عناصر التراث الثقافي غير المادي التي كانت تعتمد على التجمعات المجتمعية لإحيائها (Lostal, 2017,p .29).

تُعتبر الأطر القانونية الحالية رغم التطورات التي شهدتها غير كافية لحماية التراث الثقافي غير المادي أثناء النزاعات المسلحة فمع أن اتفاقية لاهاي لعام 1954 وبروتوكولي جنيف الإضافيين لعام 1977 يوفران بعض الحماية للتراث الثقافي إلا أن تركيزهما الأساسي ينصب على الممتلكات الثقافية المادية، مع الاشارة إلى أن التراث غير المادي يحتاج إلى معايير خاصة للحماية تأخذ بعين الاعتبار طبيعته غير الملموسة. (Alhunieti & Almakhzoumi, 2025, 11).

ومع ذلك فإن غياب آليات تنفيذ فعالة يجعل من الصعب ضمان الامتثال لهذه الاتفاقيات فعلى سبيل المثال لم يتمكن المجتمع الدولي من محاسبة الأطراف المسؤولة عن تدمير التراث الثقافي في العراق وسوريا رغم الأدلة الواضحة على الانتهاكات (Brosché et al., 2017, p. 16).

يشير ستون إلى أن حماية التراث الثقافي سواء كان مادياً أو غير مادي تتطلب تعزيز التعاون الدولي وتطوير آليات قانونية أكثر قوة (Stone, 2015, p. 191).

إلى جانب التحديات التقنية والقانونية تؤثر النزاعات المسلحة بشكل كبير على المجتمعات المحلية التي تعتبر الحاضنة الأساسية للتراث الثقافي غير المادي فالضغوط النفسية والاجتماعية الناجمة عن الحرب تؤدي إلى تراجع الاهتمام بالحفاظ على التراث، لأن النزاعات المسلحة تؤدي إلى تحول أولويات المجتمعات من الحفاظ على التراث إلى البقاء على قيد الحياة. (Viejo-Rose & Sørensen, 2015, p. 30)

على سبيل المثال في النزاعات التي تشهدها مناطق النزوح واللجوء يتعرض التراث الثقافي غير المادي لخطر الاختفاء بسبب فقدان البيئة الاجتماعية التي تدعمه، و الحفاظ على هذا التراث يتطلب جهودًا إضافية لضمان استمراريته في ظل الظروف القاسية. (Blake, 2017, p. 61).

على الرغم من التحديات الكبيرة التي تواجه حماية التراث الثقافي غير المادي أثناء النزاعات المسلحة إلا أن التكنولوجيا الحديثة توفر بعض الأدوات التي يمكن أن تسهم في التخفيف من هذه المشكلات على سبيل المثال يمكن استخدام تقنيات التوثيق الرقمي لتسجيل عناصر التراث الثقافي غير المادي وحمايتها من الاندثار، اذ أن استخدام التكنولوجيا يمكن أن يسهم في توثيق التراث بطرق مبتكرة تضمن استمراريته للأجيال القادمة. (Alhunieti & Almakhzoumi, 2025, p. 13)

لمواجهة هذه التحديات يجب على المجتمع الدولي أن يتبنى نهجًا شاملًا لحماية التراث الثقافي غير المادي أثناء النزاعات المسلحة، يؤدي تطوير إطار قانوني دولي محدد لحماية التراث غير المادي يمكن أن يسهم بشكل كبير في تعزيز الجهود الحالية علاوة على ذلك يجب تعزيز التعاون بين الدول والمنظمات الدولية لضمان توفير الموارد اللازمة لتوثيق هذا التراث وحمايته. (Blake, 2023, p. 83)

المطلب الثاني: سبل تعزيز الحماية الدولية

تُعتبر حماية التراث الثقافي غير المادي أثناء النزاعات المسلحة إحدى القضايا الملحّة في القانون الدولي حيث يعكس هذا التراث الهوية الثقافية للشعوب ويشكل إرثًا إنسانيًا مشتركًا ومع تصاعد وتيرة النزاعات المسلحة تتزايد الحاجة إلى تطوير آليات قانونية وإجرائية تتناسب مع طبيعة هذا التراث الذي غالبًا ما يكون مهددًا بالاندثار، تتناول هذه الفقرة السبل المقترحة لتعزيز الحماية الدولية للتراث الثقافي غير المادي مع التركيز على تطوير قواعد اتفاقية لاهاي، وتعزيز التوثيق الرقمي، وتفعيل التعاون الثقافي الدولي، ودور المحاكم الدولية والآليات الوقائية.

تُعتبر اتفاقية لاهاي لعام 1954 واحدة من أهم الأدوات القانونية الدولية لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة ومع ذلك فإن هذه الاتفاقية تُركز بشكل رئيسي على حماية الممتلكات الثقافية المادية (Johannot-Gradis, 2015, p. 1260).

لم تتضمن الاتفاقية أو بروتوكولاتها نصوصًا واضحة تتعلق بالتراث الثقافي غير المادي مثل التقاليد الشفوية أو الممارسات الاجتماعية مما يشكل فجوة قانونية تستدعي المعالجة.

كما وان الحاجة إلى تضمين التراث الثقافي غير المادي في إطار اتفاقية لاهاي ينبع من الدور الحيوي الذي يلعبه هذا التراث في الحفاظ على الهوية الثقافية أثناء النزاعات المسلحة يمكن تحقيق ذلك من خلال تعديل الاتفاقية لإدراج تعريف شامل للتراث غير المادي إلى جانب وضع آليات خاصة لحمايته من التدمير أو التلاشي على سبيل المثال يمكن إدراج نصوص تُلزم أطراف النزاع بعدم استهداف العناصر غير المادية للثقافة ضمن استراتيجياتهم العسكرية (Chainoglou, 2017, p. 120).

ويمكن تفعيل آليات مراقبة دولية لضمان الالتزام بهذه النصوص، أشار,من خلال توسيع نطاق اتفاقية لاهاي ليشمل التراث غير المادي يتطلب تعاونًا بين الهيئات الدولية المعنية بالتراث الثقافي مثل اليونسكو وبين الدول الأطراف في الاتفاقية ومن الأمثلة العملية لهذا التعاون إنشاء لجان دولية لتقييم تأثير النزاعات المسلحة على التراث غير المادي وتقديم توصيات مباشرة للدول المعنية (Blake, 2017, p. 56).

يُعتبر التوثيق الرقمي أحد الأدوات الفعّالة لحماية التراث الثقافي غير المادي حيث يتيح حفظ هذا التراث في أشكال يمكن الوصول إليها بسهولة حتى في ظل ظروف النزاعات المسلحة، ذكر، لأن التوثيق الرقمي يمكن أن يلعب دورًا محوريًا في الحفاظ على التراث الثقافي غير المادي عبر إنشاء قواعد بيانات تضم ممارسات وتقاليد وأغاني ورقصات وغيرها من عناصر الثقافة (Qureshi, 2017, p. 162).

أحد الأمثلة العملية على ذلك هو مشروع “الذاكرة الرقمية” الذي أطلقته اليونسكو والذي يهدف إلى توثيق التراث الثقافي غير المادي في المناطق التي تواجه النزاعات المسلحة يتيح هذا المشروع للمنظمات الدولية والدول المعنية استخدام الموارد الرقمية لتوثيق التراث بطريقة تضمن استمرارية وجوده حتى في حالة تعرضه للخطر.

ويعد التوثيق الرقمي وسيلة لا غنى عنها لحماية التراث الثقافي غير المادي إذ يساهم في خلق سجل يمكن استخدامه كدليل قانوني في المحاكم الدولية لتحديد المسؤولية عن تدمير أو إهمال هذا التراث ولكن على الرغم من ذلك فإن التحديات التقنية مثل نقص التمويل وعدم وجود خبراء متخصصين في الرقمنة تُعتبر عوائق رئيسية أمام تحقيق هذا الهدف (Lostal, 2017, p. 31).

يُعتبر التعاون الثقافي الدولي إحدى الأدوات الأساسية لتعزيز حماية التراث الثقافي غير المادي أثناء النزاعات المسلحة، من خلال الاشارة إلى أن التعاون بين الدول والمنظمات الدولية يمكن أن يسهم في بناء قدرات الدول على توثيق وحماية تراثها الثقافي غير المادي (Alhunieti & Almakhzoumi, 2025, p. 14).

يمكن تعزيز التعاون الثقافي الدولي من خلال إنشاء برامج مشتركة لتبادل الخبرات والمعارف بين الدول خاصة تلك التي تعاني من نزاعات مسلحة والدول المستقرة كما يمكن لليونسكو بالتعاون مع المؤسسات الثقافية المحلية أن تُنظم ورش عمل دولية لتدريب العاملين في مجال التراث على أساليب الحماية والتوثيق الحديثة.

من الأمثلة العملية على التعاون الدولي المبادرات الثقافية المشتركة بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي حيث يتم تمويل مشاريع تهدف إلى حماية التراث الثقافي غير المادي في المناطق المتأثرة بالنزاعات فقد تعد هذه المبادرات نموذجًا فعّالًا يمكن تطبيقه على نطاق أوسع لضمان حماية التراث في المناطق التي تواجه تحديات ثقافية (Brosché et al., 2017, p. 18).

تُعتبر المحاكم الدولية مثل محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية أدوات قانونية فعّالة لتطبيق الحماية القانونية للتراث الثقافي غير المادي أثناء النزاعات المسلحة لأنها تلعب دورًا مهمًا في محاسبة الأطراف المسؤولة عن تدمير أو إهمال التراث الثقافي غير المادي (Viejo-Rose & Sørensen, 2015, p. 33).

يمكن لهذه المحاكم أن تعتمد على الأدلة الرقمية والشهادات الموثقة لتحديد المسؤولية القانونية للأطراف المتورطة على سبيل المثال إذا تم تدمير عنصر من التراث الثقافي غير المادي مثل الأغاني التقليدية أو الممارسات الاجتماعية نتيجة لقصف عسكري يمكن استخدام سجلات التوثيق الرقمي كدليل لتقديم الدعوى أمام المحاكم الدولية.

أن الآليات الوقائية تُعتبر جانبًا آخر مهمًا من جوانب الحماية الدولية تشمل هذه الآليات وضع خطط استباقية لحماية التراث الثقافي غير المادي في المناطق التي يُحتمل أن تكون معرضة للنزاعات المسلحة يمكن تحقيق ذلك من خلال إنشاء فرق دولية مختصة تعمل على تقييم المخاطر ووضع استراتيجيات وقائية للحماية مثل إنشاء مناطق حماية خاصة حول المواقع الثقافية أو توفير التمويل اللازم لتوثيق التراث غير المادي (Stone, 2015, p. 193).

إن تعزيز الحماية الدولية للتراث الثقافي غير المادي أثناء النزاعات المسلحة يتطلب جهودًا مشتركة من المجتمع الدولي، تشمل تطوير الأطر القانونية القائمة، وتفعيل أدوات التوثيق الرقمي، وتعزيز التعاون الثقافي الدولي، وتفعيل دور المحاكم الدولية والآليات الوقائية، ومع التحديات التي تواجه هذه الجهود، يبقى الأمل في أن تسهم هذه المبادرات في ضمان استمرارية التراث الثقافي غير المادي كجزء من الهوية الإنسانية المشتركة.

الخاتمة

يمثل التراث الثقافي غير المادي أحد أعمدة الهوية الحضارية والإنسانية للشعوب، حيث يجسد القيم والتقاليد والمعارف التي تنتقل من جيل إلى آخر، وتمنح المجتمعات خصوصيتها واستمراريتها. وقد أظهر هذا البحث أن هذا النوع من التراث يظل عرضة للإهمال أو الاندثار أثناء النزاعات المسلحة، نظرًا لغياب الحماية القانونية الصريحة والفعّالة التي تراعي طبيعته غير الملموسة.

فبينما وضعت الاتفاقيات الدولية مثل اتفاقية لاهاي لعام 1954 والبروتوكولين الإضافيين لعام 1977 قواعد مهمة لحماية الممتلكات الثقافية، إلا أن تركيزها كان منصبًا على الجانب المادي من التراث، ما خلق فجوة قانونية واضحة تجاه الجانب غير المادي. كما أن اتفاقية اليونسكو لعام 2003، رغم أهميتها، لا تتضمن آليات فعالة للتعامل مع حالات النزاع المسلح، ولا توفر أدوات تنفيذ ملزمة أو خطط استباقية للحماية.

وقد بينت الدراسة أن التحديات التي تواجه حماية التراث غير المادي تشمل صعوبة التوثيق، الاندثار غير المرئي، والاستهداف المتعمد كأداة للإبادة الثقافية، فضلًا عن نقص التنسيق الدولي والموارد المتاحة. وتُعد هذه العوامل مجتمعة تهديدًا خطيرًا للهوية الثقافية للمجتمعات المتأثرة بالنزاعات.

ومن هذا المنطلق، تؤكد الدراسة على الحاجة الملحة لإعادة النظر في الإطار القانوني الدولي، وتطوير آليات حماية أكثر شمولًا وتخصصًا، تأخذ في الاعتبار الخصوصيات الثقافية لكل مجتمع، وتضمن توثيق هذا التراث ونقله وحمايته في أحلك الظروف.

إن حماية التراث الثقافي غير المادي في أوقات السلم والحرب لا يعد من قبيل الترف الثقافي ، بل هو ضرورة إنسانية تُسهم في تعزيز السلام، وترسيخ التفاهم، وبناء مستقبل مشترك قائم على احترام التنوع وحماية الذاكرة الجماعية للبشرية.

النتائج

    • اغلب الاتفاقيات مثل لاهاي 1954 والبروتوكولات 1977 الملحقة تنصب على حماية المباني والآثار، بينما تبقى الممارسات الشفهية والمعارف التقليدية خارج نطاقها الرئيسي، رغم دورها المحوري في صون الهوية الجماعية.
    • اغلب الأطر القانونية الدولية الحالية تفتقر إلى بنود تُلزم الدول باتخاذ خطوات عملية لحماية التراث غير المادي في أثناء النزاع، مما يُضعف قدرتها على التطبيق الفعلي.
    • ان التراث غير المادي يقوم على اللغة والروايات والطقوس، لذا يصعُب إدراجه ضمن تعريفات قانونية جامدة أو حصره في سجلات مادية، فيزداد عُرضة للإزالة المتعمّدة أو الضياع التدريجي.
    • من الاخطار التي تواجه التراث غير المادي التهجير القسري وتفتيت المجتمعات الذي يقطع حلقة النقل الشفهي بين الأجيال، فيهدّد بفقدان المعارف والممارسات التي لا تقوم إلا على تواصل الأفراد.
    • ضعف جهود اليونسكو والهيئات القضائية التي تُعيقها قلة التمويل، التعقيدات السياسية، ونقص الكوادر المتخصصة، ما يجعلها غير قادرة على سد الفجوات الحالية.
    • على الرغم من بعض الأحكام المتفرقة، لا تزال المحاكم العالمية بلا سابقة قضائية واضحة أو إطار موحّد يعالج الانتهاكات الموجهة إلى التراث الثقافي غير المادي.

التوصيات

  1. إعادة صياغة المنظومة القانونية الدولية: من الضروري تحديث اتفاقية لاهاي لعام 1954 أو إقرار بروتوكول ملحق يُقدّم تعريفًا دقيقًا للتراث الثقافي غير المادي ويعترف صراحة بضرورة حمايته أثناء النزاعات المسلحة.
  2. تعزيز الأرشفة الرقمية: تمويل مبادرات رقمية—على غرار مشروع “الذاكرة الرقمية” التابع لليونسكو— لتوثيق الممارسات، والطقوس، والفنون الشفوية، بما يكفل بقاءها رغم تداعيات الحرب والخراب.
  3. تمكين العدالة الدولية: المطالبة بتوسيع نطاق اختصاص المحاكم الدولية لمحاكمة المتورطين في إتلاف التراث الثقافي غير المادي، مع إدماج الأدلة الرقمية كوسيلة إثبات في الدعاوى القضائية.
  4. إنشاء منظومة استباقية للحماية: تشكيل فرق دولية مهمتها رصد المخاطر المستقبلية ورسم خرائط طوارئ مخصصة لصون التراث الثقافي غير المادي قبل وقوع النزاعات.
  5. تعزيز التعاون الثقافي الدولي: توسيع التعاون بين الدول عبر برامج تبادل ثقافي وتدريب العاملين في مجال التراث، خاصة في الدول المتأثرة بالنزاع.
  6. تعزيز الاعتراف بالقيمة الحيوية للتراث غير المادي: إطلاق مبادرات توعية وتثقيف على المستويين المحلي والعالمي تُبرز دور هذا التراث في دعم الهوية الثقافية، وتحقيق التماسك الاجتماعي، وحفظ التنوع الثقافي.

المصادر

Alhunieti, Y., & Almakhzoumi, O. (2025). Protection of Cultural Properties During Armed Conflicts. In Intelligence-Driven Circular Economy: Regeneration Towards Sustainability and Social Responsibility-Volume 2 (pp. 167-178). Cham: Springer Nature Switzerland.

Blake, J. (2017). Protection of intangible cultural heritage in the event of armed conflict: an imperative for cultural heritage, humanitarian and human rights law. europa ethnica-Zeitschrift für Minderheitenfragen, 74(3+4), 73-81.

Blake, J. (2023). Responding to the Destruction of Intangible Cultural Heritage in Situations of Armed Conflict: What International Law to Apply? In Heritage Destruction, Human Rights and International Law (pp. 142-164). Brill Nijhoff.

Brosché, J., Legnér, M., Kreutz, J., & Ijla, A. (2017). Heritage under attack: motives for targeting cultural property during armed conflict. International Journal of Heritage Studies, 23(3), 248-260.

Chainoglou, K. (2017). The Protection of Intangible Cultural Heritage in Armed Conflict: Dissolving the Boundaries Between the Existing Legal Regimes? Santander Art and Culture Law Review, 3(2), 109-134.

Johannot-Gradis, C. (2015). Protecting the past for the future: How does law protect tangible and intangible cultural heritage in armed conflict? International Review of the Red Cross, 97(900), 1253-1275.

Lostal, M. (2017). International cultural heritage law in armed conflict. Cambridge University Press.

Stone, P. G. (2015). The challenge of protecting heritage in times of armed conflict. Museum International, 67(1-4), 40-54.

Viejo-Rose, D., & Sørensen, M. L. S. (2015). Cultural heritage and armed conflict: New questions for an old relationship. In The Palgrave handbook of contemporary heritage research (pp. 281-296). London: Palgrave Macmillan UK.