منهج التفسير النصي بين الضعف والقوة

The Method of Textual Exegesis: Between Weakness and Strength

م.م احمد صاحب مهدي عباس الجبوري1

1 مديرية العامة لتربية كربلاء المقدسة، العراق.

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj67/26

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/67/26

المجلد (6) العدد (7). الصفحات: 411 - 424

تاريخ الاستقبال: 2025-06-07 | تاريخ القبول: 2025-06-15 | تاريخ النشر: 2025-07-01

Download PDF

المستخلص: يتناول هذا البحث منهج التفسير النصي من منظور علمي وتحليلي في إطار الرؤية الشيعية الإمامية، مركزًا على أسسه المعرفية ومصادره وممارساته التطبيقية وموقعه ضمن الاتجاهات التفسيرية المعاصرة. وينطلق المنهج من التفسير بالقرآن والسنة وروايات أهل البيت (عليهم السلام)، مع اعتماد صارم على النقل الموثوق والابتعاد عن التأويلات الذاتية، إلا أنه يعاني من عدد من الإشكالات أبرزها ضعف التفاعل مع القضايا المعاصرة، وتهميش السياق الروائي، والاعتماد الجزئي على مناهج حداثية لا تنسجم مع قدسية النص القرآني. ويبرز البحث جوانب القوة في هذا المنهج، مثل التمسك بالثوابت العقدية والانسجام مع المرجعية المعصومة، لكنه يشير أيضًا إلى محدودية أثره ما لم يتم تأصيله داخل الإطار الإمامي، وتطوير أدواته بما يحقق توازنًا بين أصالة النقل وانفتاح العقل. ويوصي البحث بإعادة بناء المنهج على أسس علمية تجمع بين التحليل اللغوي والسياق الروائي الموثوق، والحذر من الإفراط في توظيف المناهج الغربية، مع التأكيد على دور المؤسسات العلمية في مراجعة وتحديث المناهج التفسيرية بما يضمن سلامة الفهم وعمقه في ضوء مقاصد الشريعة وروح النص القرآني.

الكلمات المفتاحية: التفسير النصي، أهل البيت، المنهج الإمامي، الروايات، التحليل القرآني.

Abstract: This study explores the method of textual exegesis from a scholarly and analytical perspective within the framework of the Shi’a Imami school of thought. It focuses on the epistemological foundations, sources, practical applications, and position of this method in contemporary interpretive trends. The approach is grounded in interpreting the Qur’an through the Qur’an itself, the Prophetic traditions, and the narrations of the Ahl al-Bayt (peace be upon them), with a strict emphasis on reliable transmission and a rejection of subjective interpretations. However, the method faces several methodological challenges, most notably its limited engagement with modern issues, marginalization of transmitted narrations, and partial reliance on modern analytical tools that do not align with the sanctity of the Qur’anic text. The study highlights strengths such as its commitment to doctrinal authenticity and adherence to the infallible religious authority, while also acknowledging its limited impact unless restructured within the Imami framework and supported by updated tools that balance tradition with intellectual openness. The research recommends re-establishing the method on solid scholarly grounds by integrating linguistic analysis with verified narrations and avoiding excessive reliance on Western methodologies. It also calls on academic institutions to revise and modernize interpretive curricula to ensure a sound and profound understanding of the Qur’anic message in accordance with the spirit of Islamic law and revelation.

Keywords: Textual exegesis, Ahl al-Bayt, Imami methodology, narrations, Qur’anic analysis.

المقدمة

يُعدّ التفسير من أهم العلوم الإسلامية التي ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بفهم الدين وتشريعاته، واحتلّ موقعًا مركزيًّا في منظومة الفكر الإسلامي. ومع تنوّع المناهج التفسيرية وتطوّرها عبر العصور، ظهر ما يُعرف بـ “منهج التفسير النصي”، والذي حاول أن يُعيد قراءة النصّ القرآني بمعزل عن الموروث التفسيري، معتمدًا على التحليل الداخلي للنص وسياقاته اللفظية والموضوعية، مستندًا في بعض مراحله إلى المناهج الحديثة كالسيميائية، والتأويل البنيوي، والنقد التفكيكي.

هذا المنهج -على ما فيه من محاولة للخروج من أسر التفسير التقليدي- لم يكن بمنأى عن الإشكالات المنهجية والانزلاقات المعرفية، خاصة حين يُفصل النصّ عن سياقاته الروائية والروحية التي وردت عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام)، ويُتعامل معه بوصفه نصًا مجردًا يمكن تحليله وفق مناهج أدبية أو فلسفية معاصرة، دون اعتبار لطبيعة النصّ القرآني ككلام إلهي يتجاوز البنية اللفظية إلى المقصد التشريعي والبعد الغيبي.

من هنا برزت الحاجة إلى دراسة هذا المنهج دراسة علمية تحليلية نقدية، للكشف عن مواطن القوة فيه، وتحديد مظاهر الضعف التي تُحدّ من قدرته على تقديم فهم صحيح للنصّ القرآني، لا سيما في ضوء الرؤية الشيعية الإمامية التي تؤكّد على محورية السنة المتمثلة في روايات أهل البيت (عليهم السلام) في فهم كتاب الله تعالى.

ولتحقيق هذا الهدف، انقسم البحث إلى أربعة مباحث رئيسية، تناول الأول منها البنية المعرفية لهذا المنهج، والثاني مصادره وعلاقته بالتراث الروائي، والثالث نقاط القوة والضعف فيه، أما المبحث الرابع فكان دراسة نقدية لمسارات هذا المنهج ضمن الواقع التفسيري المعاصر. وقد خُتم البحث بخلاصة تتضمن أهم النتائج والتوصيات التي يُمكن أن تسهم في إعادة توجيه مسار هذا المنهج ليكون أكثر اتساقًا مع أصول العقيدة ومنهج التلقي الصحيح في المدرسة الإمامية.

المبحث الأول: البنية المعرفية لمنهج التفسير النصي

المقدمة:

إن دراسة منهج التفسير النصي تحتل موقعًا مركزيًا في علوم القرآن الكريم، لا سيما في التراث الشيعي الذي يُعلي من شأن النقل الصحيح عن أهل البيت عليهم السلام كأساس في تفسير النص القرآني. فالتفسير النصي لا يكتفي بجمع الأقوال أو الآراء، بل ينطلق من فهم دقيق للنصوص الشرعية، متسلحًا بالسند الصحيح، ومجتنبًا التأويلات المجازية أو العقلية التي تخرج عن النص أو تُغيّب معناه الأصلي.

وقد عرّف العلامة الطباطبائي منهج التفسير النصي بأنه (الطريقة التي تعتمد النصوص النقلية المعتبرة التي تفسر القرآن وتبين معانيه بشكل مباشر، بعيدًا عن التأويلات العقلية غير المثبتة بسند موثوق)([1]). وهذا التعريف يوضح صراحة أن المنهج يرتكز على النصوص الموثقة ويضع الخطوط الحمراء أمام الاستطرادات والتأويلات الذاتية غير المستندة.

ويمكن فهم أهمية هذا المنهج عبر ما يميز النص القرآني من إعجاز بياني وعلمي، ما يحتم على المفسر أن يكون محايدًا وأمينًا في تفسيره، متجنبًا الانجراف نحو الاجتهادات التي تخرج النص عن ظاهره، أو تضيف إليه ما ليس فيه. لذا فإن منهج التفسير النصي يمثل عمودًا فقريًا في تراثنا الإسلامي، خصوصًا في الطرح الشيعي الذي يُعلي من مكانة أهل البيت عليهم السلام كأفضل المفسرين للنص القرآني.

المطلب الأول: تعريف ومفهوم منهج التفسير النصي

يرتكز منهج التفسير النصي على عدة ركائز، أهمها تفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالسنة النبوية والروايات المعتبرة عن أهل البيت عليهم السلام، مع الالتزام التام بسند الحديث وتوثيقه.

ففي تفسير القرآن بالقرآن، يُؤخذ من الآيات ما يُفسر غيرها، كما قال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّـهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)([2])، وهذا تأكيد على ضرورة الربط بين نصوص القرآن لفهم المعاني بشكل متكامل.

أما تفسير القرآن بالسنة، فقد أشار الإمام الخميني إلى أن (الحديث النبوي الشريف هو المصدر الثاني بعد القرآن في بيان الأحكام وتفسير الآيات)([3])، وهذا يعكس أهمية السنة كمصدر تفسير لا يمكن الاستغناء عنه.

ولا يقل أهمية تفسير القرآن بآثار أهل البيت عليهم السلام، فهم الورثة الشرعيون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في تفسير الدين، كما ورد في الحديث القدسي: (أنا مدينة العلم وعلي بابها)([4])، مما يجعلنقلهم وتفسيرهم للنصوص القرآنية أمرًا مركزيًا في المنهج النصي.

أولاً : أركان منهج التفسير النصي

يشكل منهج التفسير النصي أساسًا متينًا بفضل أركانه التي يرتكز عليها في عملية استنباط معاني القرآن الكريم، وهذه الأركان أربعة رئيسة:

1. تفسير القرآن بالقرآن: كما بيّنا سابقًا، يعتمد هذا الركن على الاستدلال بآيات قرآنية أخرى لفهم الآيات المتشابهة أو المتصلة في المعنى. قال تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّـهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)([5]) ، حيث يشير هذا النص إلى أن تفسير بعض الآيات يتطلب علوماً خاصة وهو ما يوفره منهج التفسير النصي بالاعتماد على النصوص المرتبطة.

2. التفسير بالسنة النبوية: وهي الاستعانة بأحاديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي تشرح أو توضح معاني الآيات، مع أهمية التحقق من صحة الحديث وسنده. يقول العلامة المجلسي: (السنة النبوية هي المفتاح الذي يفتح على القرآن أبوابه، وبدونها تظل النصوص غامضة)([6]).

. التفسير بآثار أهل البيت عليهم السلام: وهذا الركن لا يختلف عن الركن السابق، ولكنه يخص أهل البيت عليهم السلام الذين لهم مكانة خاصة في التفسير، كما ثبت عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: (ما أنزل الله عز وجل من شيء في كتابه إلا وأنزل لنا منه مفاتيح وأبوابا نفهم بها معانيه)([7]).

4. الاعتماد على النقل الموثوق: لا يكتفي المنهج بجمع الروايات بل يشترط توثيقها عبر علم الرجال وعلوم الحديث، فبدون هذا الشرط يُخشى وقوع الخطأ أو التزييف، وقد قال شيخ الطائفة الكليني: (الحديث الصحيح هو الذي تثبت عدالة راوِيه وعدله وضبطه)([8]).

ثانياً : مميزات منهج التفسير النصي

لمنهج التفسير النصي مزايا عديدة جعلته من أبرز مناهج التفسير في التراث الإسلامي الشيعي، منها:

الاعتماد على السند الموثوق، مما يقلل من الأخطاء في النقل ويزيد من موثوقية النتائج.

تفسير القرآن بالقرآن، حيث يُبرز الترابط النصي والتكامل بين الآيات.

الحفاظ على المعنى الأصلي للنصوص، وتجنب الانحرافات العقلية أو الفلسفية التي قد تعطي معانٍ مخالفة للمقصود.

اعتماد المرجعية المعصومة، فالأئمة عليهم السلام هم أهل التفسير والعصمة، وقد قال الشيخ الصدوق: (تفسير أهل البيت هو تفسير الحق الذي لا يحيد عن مقاصد النصوص)([9]).

التركيز على السياق اللغوي والشرعي، ما يساعد في فهم النصوص ضمن إطارها الأصلي.

ثالثاً : نقاط الضعف والتحديات التي تواجه منهج التفسير النصي

رغم ما يتمتع به منهج التفسير النصي من متانة وقوة، إلا أن له تحديات ونقاط ضعف يستدعي التعامل معها بحذر وموضوعية:

تعقيد التحقق من صحة السند: أشار العلامة الميرزا النراقي إلى أن (عملية تصحيح أو ضعف السند تحتاج إلى علم الرجال وعلم الجرح والتعديل، وهذه العلوم لم تكن متوفرة دائمًا لدى كل المفسرين، مما قد يؤدي إلى قبول بعض الروايات الضعيفة)([10]).

وجود تعارضات بين الروايات: كما أوضح السيد الخوئي (حين تواجهنا روايات متضاربة في تفسير آية معينة، فإن اختيار الرواية الأقرب للقرآن أو للأحاديث الموثوقة يمثل تحدًا جادًا)([11]).

الاعتماد الزائد على النقل دون الاجتهاد العقلي: قال الأستاذ الطباطبائي: (لا يكفي النقل وحده في فهم النصوص، بل لابد من اجتهاد عقلي وفهم لغوي دقيق لإزالة الالتباس في بعض الآيات)([12]).

رابعاً : توصيات لتعزيز منهج التفسير النصي

لمواجهة التحديات المذكورة، يقترح الباحثون والمفسرون مجموعة من التوصيات التي من شأنها تقوية المنهج وتطويره، منها:

  • تعميق دراسة علم الرجال لضمان صحة السندات واعتمادها.
  • الموازنة بين النقل والعقل بحيث لا يُتخلى عن النقل، ولا يهمل الاجتهاد العقلي.
  • تطوير مناهج التفسير لتشمل الفهم العلمي واللغوي المعاصر دون مخالفة الثوابت الدينية.
  • تشجيع الحوار بين مدارس التفسير المختلفة لإثراء المناهج والاستفادة من تنوع الآراء.

المبحث الثاني: موثوقية وارتباط المنهج النصي مع مدرسة أهل البيت (ع)

المقدمة

يعد فهم أدوات ومنهجية التفسير النصي أمرًا جوهريًا لضمان قدرة المفسر على استنباط المعاني الصحيحة للنص القرآني، إذ يعتمد المنهج بشكل أساسي على النقل الموثوق والفهم المتسلسل للنصوص دون الخروج على ظاهرها. وفي هذا المبحث، سوف نتناول بالتفصيل أهم الأدوات المنهجية المستخدمة، ونبرز دور كل منها في تحقيق التفسير العلمي الصحيح.

اولاً : النقل الموثوق كأداة أساسية في التفسير النصي

يمثل النقل الموثوق الأساس الذي يقوم عليه التفسير النصي، حيث يُعتبر السند الصحيح شرطًا لا غنى عنه لقبول أي تفسير أو رواية تخص القرآن الكريم، إذ يقول العلامة المجلسي: (لا يصح تفسير لا سند له)([13]) ولذلك، تتطلب هذه الأداة دراسة عميقة لعلم الرجال والجرح والتعديل، للتأكد من عدالة الضبط في نقل الحديث.

وتعدّ روايات أهل البيت عليهم السلام المصدر الأهم في هذا السياق، إذ قال الإمام الصادق عليه السلام : (ليس لنا تفسير إلا ما نقلناه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)([14])، ما يرسخ أهمية النقل الموثوق كقاعدة ثابتة لا يجوز الخروج عنها في المنهج النصي.

ثانياً : التتابع النصي والسياق القرآني

إن فهم النص القرآني لا يكون فقط عبر الجمع بين الآيات المرتبطة، بل يشمل أيضًا دراسة السياق العام والخاص لكل آية. فالتتابع النصي يُساعد على فهم المقاصد القرآنية بصورة شاملة، كما يؤكد ذلك الطباطبائي بقوله : (لا بد من فهم الآيات ضمن السياق القرآني الكامل حتى لا تُفهم آيات منقطعة أو معزولة)([15])

ويُعتبر ربط الآيات وفقًا للسياق من أهم أدوات التفسير النصي، لأن القرآن كلام متكامل، وتفسير جزء منه يتطلب فهم أجزاء أخرى مرتبطة به، دون الاعتماد على اجتهادات شخصية قد تزيغ المعنى.

ثالثاً : اللغة العربية وأصولها في التفسير النصي

تُعد اللغة العربية وأصولها من الأدوات الجوهرية في منهج التفسير النصي، إذ يركز المفسر على دلالات الكلمات وجذورها، وأوجه الإعراب، والألفاظ اللغوية الخاصة التي تُغير معنى النص، كما أوضح الطباطبائي : (اللغة العربية هي مفتاح فهم القرآن، وأي تجاهل لفنونها يؤدي إلى سوء التفسير)([16])

وبالتالي، يلتزم المفسر النصي بدراسة النحو والصرف والبلاغة العربية، لضمان فهم النصوص بعمق، دون الانزلاق إلى التفسيرات المجازية أو الخيالية التي قد لا تثبت بسند صحيح.

رابعاً : الاستقراء والمقارنة بين النصوص

يستخدم المنهج النصي أداة الاستقراء من خلال مقارنة النصوص القرآنية مع بعضها، إضافة إلى مقارنتها مع النصوص النقلية عن النبي وأهل البيت، بهدف الوصول إلى التفسير الأكثر دقة وملائمة. هذا الأسلوب يُساعد على كشف التناقضات الظاهرية وتحليلها، كما يقول السيد الخوئي: (لا يجوز أن نتوقف عند آية واحدة بمعزل عن بقية النصوص ذات الصلة)([17])

كما تسهم هذه المقارنات في إظهار التناغم بين النصوص، وهذا دليل على صدقها وتناسقها، وهو أحد دلائل الإعجاز القرآني الذي يثبته منهج التفسير النصي.

خامساً : حدود الاجتهاد في التفسير النصي

على الرغم من أن النقل هو الأساس، إلا أن الاجتهاد له دور محدود ومقيد، إذ يرى الطباطبائي أن : (الاجتهاد جائز في حدود اللغة والشرع، ولا يجوز الخروج عن الثوابت أو إضافة ما لا أصل له في النصوص)([18])

وهذا التقييد يهدف إلى حفظ النص من التأويلات الخاطئة أو الزيادات التي قد تغير المعنى أو تفسده، ويبرز أهمية النقل الموثوق كمصدر رئيسي، مع اجتهاد عقلي ضيق ومقنن.

سادساً : التفسير النصي في مواجهة التفسير بالرأي

من أبرز ما يميز التفسير النصي هو رفضه للتفسير بالرأي غير المستند إلى نقل معتبر، وهو ما ورد النهي عنه في روايات متعددة، منها قول النبي صلى الله عليه وآله: (من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار)([19]) وهذا المبدأ يحصن المنهج النصي من التأويلات الذاتية التي تنطلق من الهوى أو الثقافة الشخصية للمفسر، ويجعله منضبطًا بالنصوص الثابتة.
إن التفسير بالرأي يؤدي غالبًا إلى تضارب في الفهم وتناقض في النتائج، بخلاف التفسير النصي الذي يربط كل جزء من القرآن بمنظومته الكلية وبما ورد عن المعصومين عليهم السلام. ومن هنا تنبع قوة هذا المنهج في توفير تفسير متجانس يخلو من التناقضات الداخلية.

سابعاً: أثر منهج التفسير النصي في بناء العقيدة

يرتبط التفسير النصي بعقيدة المسلم ارتباطًا وثيقًا، إذ أنه يرسخ المفاهيم الاعتقادية بناءً على نصوص صحيحة موثوقة، ولا يفسح المجال لابتداع معانٍ لا أصل لها.

فمثلاً، العقيدة بالإمامة تُفهم من خلال الآيات المتعلقة بالولاية، حين يُفهم السياق الكامل للآية، ويُعرض على ما ورد عن أهل البيت عليهم السلام، كما في قوله تعالى : ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا))([20]).

وهو ما يظهر أن التفسير النصي لا يكتفي بالتناول السطحي أو التجزيئي للآيات، بل يسعى إلى بناء تصور عقائدي متماسك من خلال الربط بين النصوص المختلفة وتفسيرها وفق نهج أهل البيت عليهم السلام.

المبحث الثالث : مواطن القوة والضعف في منهج التفسير النصي

المقدمة

بعد أن استعرضنا في المبحثين السابقين أساسيات المنهج النصي وأدواته، ننتقل في هذا المبحث إلى تقويم هذا المنهج من حيث مواطن القوة والضعف فيه. فالبحث في هذه المظاهر ضروري لتحديد مدى قدرة هذا المنهج على مجابهة التحديات المعرفية والتفسيرية في الساحة الإسلامية، وقياس مدى صموده أمام المناهج الحديثة وتنوع الاتجاهات الفكرية.

المطلب الاول: مواطن القوة في منهج التفسير النصي

أولاً: الالتزام الحرفي بالنصوص النقلية

يُعد هذا المنهج قوياً من حيث تمسكه الحرفي بالنصوص الشرعية، دون الميل إلى التأويل أو التحليل العقلي الذي قد يُخرج المعنى عن سياقه. حيث يُبنى التفسير على روايات معصومة، مما يجعل المتن في منأى عن التقول على الله بغير علم. وقد أشار الإمام الباقر عليه السلام إلى هذا الأصل بقوله: (إنما يعرف القرآن من خُطِب به)([21]) أي أن المعصوم هو المخوّل ببيان معانيه، وهو ما يلتزم به المنهج النصي بشكل دقيق.

ثانيًا: الحذر من التفسير بالرأي

أظهر المنهج النصي قوة في إغلاق باب التفسير بالرأي، الذي أدى عبر العصور إلى تشتت في الفهم وتضارب في التأويلات. فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله: (من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار)([22]) ، مما يُبرز قيمة المنهج النصي في تحصين النص من الإفساد بالرأي الشخصي.

ثالثًا: الانضباط المنهجي في التعامل مع النصوص

من نقاط القوة الواضحة لهذا المنهج هو التزامه بمنهجية دقيقة في قراءة النصوص، فهو لا يعزل آية عن السياق، ولا يفسر آية دون العودة إلى ما ورد عن أهل البيت عليهم السلام بشأنها، ما يوفر حماية من القطع والتأويل المبتور للنص القرآني.

المطلب الثاني: مواطن الضعف في منهج التفسير النصي

أولاً: محدودية التفاعل مع الواقع المتغير

أحد أبرز الانتقادات التي وُجهت لهذا المنهج، هو ضعف تفاعله مع مستجدات الواقع. فبسبب اعتماده التام على الروايات، قد يعجز أحيانًا عن معالجة قضايا العصر التي لم يُصرّح بها في النصوص أو الروايات، مما يجعل المنهج النصي محدودًا في مقاربة الظواهر الحديثة.

ثانيًا: قلة الاستقلال التحليلي لدى المفسر

يُلاحظ على المنهج النصي أنه لا يمنح المفسر مساحة كبيرة للاجتهاد أو التحليل، مما يُضعف من القدرة على التفاعل الفكري مع النص. فالمفسر ليس إلا ناقلًا وشارحًا لما ورد من روايات، وهو ما قد يُعد نقطة ضعف أمام المناهج التي تسمح بتوظيف العقل والبيئة لفهم النصوص.

ثالثًا: احتمالية اعتماد روايات ضعيفة دون تمحيص كافٍ

رغم تركيزه على النقل، إلا أن بعض التفاسير النصية اعتمدت روايات لم تُدرس دراسة رجالية دقيقة، مما يفتح الباب أمام الاستشكالات على مستوى المضمون. وقد نُبّه إلى هذه الإشكالية بعض علماء الإمامية، كالسيد الخوئي، الذي أشار إلى (ضرورة تمحيص كل ما يُروى حتى لو ورد في كتب معتبرة)([23])

مطالب مُتفرقة

إنّ المنهج النصي، رغم ما فيه من ثبات وأصالة، إلا أنه بحاجة إلى مراجعة منهجية دقيقة تُمكنه من تجاوز نقاط الضعف دون أن يُفرّط في مصادره النصيّة. ومن هنا جاءت بعض الدعوات لتجديد هذا المنهج من الداخل، عبر تفعيل أدوات فهم النصوص دون كسر حرمة الرواية، أو عبر تنقيح مصادر النقل بدقة علمية أكبر.

ولعل أبرز مسار في هذا التجديد هو الذي أشار إليه السيد محمد باقر الصدر، حين قال: (المنهج النقلي لا يعني السكون والانغلاق، بل يعني العودة الدائمة إلى النص بتجدد فكري ومعرفي)([24])، ما يدل على إمكان الموازنة بين الأصالة والانفتاح دون المساس بالمصادر.

اولاً : الأثر العلمي والاجتماعي لتطبيق المنهج النصي في التفسير

إن تطبيق المنهج النصي في التفسير له انعكاسات علمية واجتماعية عميقة، تظهر في الحفاظ على الثوابت الشرعية، وتعزيز المرجعية العلمية لأهل البيت عليهم السلام، وتقوية مناعة الأمة من الانحرافات الفكرية.

فمن الناحية العلمية، يؤدي اعتماد هذا المنهج إلى استقرار الرؤية التفسيرية للنص القرآني، ويمنع التسيب في الفهم، لأن كل تفسير يخضع لمعيار النقل الموثوق. ومن الناحية الاجتماعية، يسهم المنهج في توحيد المرجعية الدينية حول المعصوم عليه السلام، مما يحد من الفوضى التأويلية التي تنتج عن التعدد المذهبي والتفسيرات الشخصية. وقد أشار الشيخ المفيد إلى أن (في الاعتماد على النقل الموثوق سلامة للدين من التحريف والتبديل)([25])

ثانياً : علاقة المنهج النصي بالمنهج العقلي

قد يُظن أن المنهج النصي يتناقض جذريًا مع المنهج العقلي، غير أن النظر الدقيق يكشف أن العلاقة بينهما ليست بالضرورة علاقة تضاد، بل قد تكون علاقة تكامل. فالمعصوم حين يفسر النص، لا يلغي دور العقل، بل يوجهه ويوفر له البنية التحتية للانطلاق.

وقد أكد السيد الطباطبائي أن(الاعتماد على النص لا يعني تعطيل العقل، بل ضبطه بقيد الشرع)([26])، مما يفتح المجال لفهم أكثر توازنًا للنصوص، بعيدًا عن الغلو العقلي أو الجمود النقلي. لذا، فإن دمج المنهجين ضمن إطار منضبط قد يعزز من قدرة المفسر على استيعاب معاني القرآن دون الخروج عن الثوابت.

ثالثاً: إمكانات تطوير المنهج النصي في ضوء التحديات الحديثة

مع تطور العلوم الإنسانية والدراسات القرآنية، يواجه المنهج النصي تحديات متعددة، أبرزها: الحاجة إلى مواجهة الإشكاليات الحداثية، والانفتاح المعرفي، وتزايد الأسئلة العقائدية والفلسفية.

ولمواجهة ذلك، لا بد من فتح باب الاجتهاد في إطار النص، بحيث يُعاد إنتاج المعرفة القرآنية بوسائل حديثة، مع الحفاظ على مرجعية الرواية. وقد أشار الشيخ شمس الدين إلى ذلك بقوله(إن تطوير منهج التفسير النصي لا يعني تجاوزه، بل يعني استثماره بمنهج علمي محدث)([27]) وهذا يتطلب أدوات جديدة كالدراسات الموضوعية، والتحليل البنيوي للنص، إضافة إلى العناية بعلوم اللغة والمقارنة بين التفاسير.

رابعاً : دور المنهج النصي في ضبط الهوية المذهبية

يُعدّ المنهج النصي أحد أهمّ الأدوات في الحفاظ على الهوية المذهبية الشيعية، إذ أنه يربط تفسير القرآن بما صدر عن الأئمة المعصومين عليهم السلام، ويُقصي أي تأويل لا يمتُّ إلى مدرستهم بصلة. وبذلك، يُسهم في تشكيل عقل جماعي منضبط، لا يتأثر كثيرًا بالمذاهب الأخرى أو التيارات الفكرية الوافدة.

وقد نبّه السيد عبد الحسين شرف الدين إلى أن(في الرجوع إلى نصوص أهل البيت حفظ للدين من الانصهار في ثقافات الغالب)([28])، ما يؤكد أن هذا المنهج لم يكن مجرد أسلوب في التفسير، بل سياجًا لهوية الطائفة وامتدادًا لرؤية أهل البيت عليهم السلام في التعامل مع الوحي.

خامساً : التفسير النصي وجدلية التعدد التفسيري

رغم تمسكه بالنقل، لم يمنع المنهج النصي ظهور تعددية تفسيرية داخل المدرسة الواحدة، وذلك بسبب اختلاف الروايات أو فهمها بين العلماء. وهذه التعددية ليست بالضرورة ضعفًا، بل قد تكون غنى معرفيًا، إذا أُديرت بمنهجية رصينة.
فالمفسرون من علماء الإمامية – كالعياشي والصفار والطبرسي – قد اختلفوا في عرض بعض الآيات، ولكنهم لم يخرجوا عن حدود ما ورد عن الأئمة عليهم السلام. وهذا يدل على أن المنهج النصي لا يُلغي الاجتهاد، بل يضعه ضمن حدود الرواية. وقد علّق الشيخ محمد جواد مغنية على ذلك بقوله: (التعدد في ظل النص لا يعني الفوضى، بل المرونة المنضبطة)([29])

سادساً : الحاجة إلى قراءة تأصيلية حديثة للمنهج النصي

إن التحديات الفكرية والعقدية المعاصرة تدفعنا إلى إعادة تأصيل المنهج النصي، لا بإلغاء مرجعيته، بل بتجديد آلياته ومفاهيمه. فالعصر الحديث يتطلب تجاوز مجرد النقل السطحي، والدخول في بناء نسق معرفي منضبط يستند إلى الرواية ويدمج معها أدوات التحليل النصي الحديثة.

وقد دعا العلامة السيد كمال الحيدري إلى ضرورة (فتح باب الاجتهاد في المفاهيم التفسيرية، على ضوء منهج أهل البيت، وبالاستفادة من المنجزات الحديثة في فهم النص)([30]) فبهذا يمكن أن يبقى المنهج النصي في قلب الحياة العلمية، دون أن يفقد أصالته أو يُحاصَر بالجمود.

المبحث الرابع: تحليل نقدي متعمّق لمألات منهج التفسير النصي

المقدمة

يُعد الخطاب التفسيري أحد أبرز ملامح الإنتاج المعرفي داخل الحوزات العلمية والمدارس القرآنية الشيعية، وقد خضع هذا الخطاب لتطورات وتحديات متعددة عبر الزمن. وكان للمنهج النصي أثرٌ واضحٌ في تشكيل توجهات هذا الخطاب، سواء في ما يتعلّق بأدوات الفهم أو بثوابت المرجعية الدينية. هذا المبحث يتناول أثر هذا المنهج في توجيه التفسير داخل الساحة الشيعية المعاصرة، من خلال أربعة مباحث تحليلية، تكشف عن عمق حضوره وتحدياته.

اولاً المرجعية الروائية كركيزة في الخطاب التفسيري الشيعي

إن التفسير النصي في السياق الشيعي يقوم على مبدأ أساسي، وهو الاعتماد على ما ورد عن النبي وأهل بيته عليهم السلام في تفسير الآيات. وقد أصبحت هذه المرجعية، مع مرور الزمن، ليست فقط وسيلة تفسيرية بل هوية مذهبية. فحين يُعرض المفسر عن مصادر المخالفين ويُقبل على روايات المعصومين، فهو يؤكد بذلك انتماءه العقدي والمعرفي.
وقد جاء عن الإمام الصادق عليه السلام: (إنما يعرف القرآن من خُوطب به)([31]) وهو نص يشير إلى حصر صلاحية تفسير القرآن فيمن نزل فيهم الكتاب، أي المعصومين. وهذا الإطار المرجعي حدّد معالم الخطاب التفسيري وجعل المنهج النصي محوره المركزي في أغلب المدونات التفسيرية الشيعية.

ثانياً : الحفاظ على الثوابت العقدية من خلال التفسير النصي

ساهم المنهج النصي في تحصين التفسير الشيعي من الذوبان في مناهج التأويل العقلي أو الإسقاطات الفلسفية، خصوصًا تلك الوافدة من مدارس فكرية أخرى. وقد استخدم المفسرون النصيون أدوات الرواية في الدفاع عن المفاهيم العقائدية، كالإمامة، والولاية، والعصمة، وبدت هذه الأدوات واضحة في تفسير الآيات ذات الحمولة العقدية.

فعند تفسير آية الولاية: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ…”، تم التركيز على الروايات التي تُثبت نزول الآية في علي عليه السلام)([32]) ، واعتُمدت كحجّة تفسيريّة وعقائدية في آنٍ معًا. وهكذا يظهر أن التفسير النصي لم يكن محايدًا أو معرفيًا فحسب، بل كان سلاحًا عقديًا في الحفاظ على الهوية الشيعية.

ثالثاً : تحديات التفسير النصي في ظل المدارس التفسيرية الحداثية

مع صعود المدارس التفسيرية الحديثة، التي تميل إلى تحليل النصوص وفق مناهج لغوية أو فلسفية أو اجتماعية، وُوجه التفسير النصي بتحدٍّ كبير يتمثل في وصفه بالجمود والانغلاق. فبعض المفكرين يرون أن التفسير النصي لا يُجاري تعقيدات النص القرآني الحديث، ولا يُقدّم أدوات جديدة للفهم.

غير أن المدافعين عن هذا المنهج يرون أن ما يُسمى بالجمود هو في الواقع حفاظ على المرجعية الشرعية للنصوص. وقد أشار الشيخ محمد هادي معرفة إلى أن (المنهج النقلي ليس انعزالًا عن الواقع، بل التزامًا بمرجعية النص قبل أي اجتهاد بشري)([33]) وهذا يدفع إلى ضرورة تطوير أدوات هذا المنهج لا تغييره، وهو ما بدأت به بعض المشاريع التفسيرية المعاصرة.

رابعاً : مستقبل الخطاب التفسيري في ظل تجديد المنهج النصي

إذا أراد المنهج النصي أن يبقى حاضرًا في الساحة المعرفية، فعليه أن يتجه إلى تطوير أدواته التفسيرية دون المساس بجوهره. ومن أبرز ما يُقترح في هذا السياق: الجمع بين المنهج الموضوعي والمنهج النصي، والانفتاح على العلوم المساعدة كاللسانيات، والتاريخ، دون أن يؤثر ذلك على مركزية الرواية.

وقد دعا العلامة السيد محمد حسين فضل الله إلى ضرورة (فهم النص الديني في ضوء سياقاته الزمنية مع الحفاظ على قدسية النقل)([34])، وهو طرح يجمع بين الأصالة والانفتاح. ومن هنا تتبلور الحاجة إلى مشروع تفسيري معاصر، ينطلق من المنهج النصي، لكن يُعيد صياغته ليواجه الأسئلة المعاصرة والمناهج المنافسة، لا بالصدام، بل بالحكمة والاجتهاد المنضبط.

خامساً : أثر المنهج النصي في بناء مناهج تفسير المستقبل

إنَّ استحضار المنهج النصي لا يعني إعادة إنتاج التقليد فقط، بل قد يكون ركيزة في صناعة مناهج مستقبلية في التفسير تقوم على أُسس الجمع بين النص والواقع. فمع التراكم المعرفي في الدراسات القرآنية، يمكن أن يصبح المنهج النصي مركزًا لمشروع تفسيري يعتمد الرواية بوصفها أساسًا، ويستفيد من تحليل الخطاب، والقراءات التاريخية واللغوية.

وقد أشار السيد منير الخباز إلى أن (التحول من التلقي السطحي إلى إنتاج فهم قرآني مؤصّل يستدعي تفعيل الرواية وفق رؤية منضبطة معرفيًا)([35]) وهذا ما يجعل من المنهج النصي ليس فقط موقفًا من الماضي، بل بوابة نحو الاجتهاد المعاصر القائم على النص.

سادساً : المنهج النصي كأداة في مقاومة التأويلات الباطنية والباطنية الحديثة

إن إحدى التحديات الكبرى التي تواجه الخطاب التفسيري الشيعي المعاصر تتمثل في التيارات التأويلية التي تتجاوز ظاهر النصوص دون مرجعية معصومية. وهذا ما يجعل المنهج النصي ضرورة لحماية النص من التوظيفات الأيديولوجية أو الفلسفية البعيدة عن سياق الرواية.

وقد نبّه السيد الخوئي إلى أن (الاعتماد على الظواهر الواردة عن المعصومين يمنع دخول الأهواء في تفسير الكتاب)([36]) ، وهو تعبير صريح عن وظيفة هذا المنهج في مقاومة الانزلاقات الفكرية التي قد تُنتج تفسيرات متضادة باسم الحداثة أو الانفتاح العقلي. ولهذا، يعدّ المنهج النصي صمام أمان في الحقول الفكرية التفسيرية.

سابعاً : دور المنهج النصي في تحقيق الوحدة داخل المذهب

رغم التعدد في المدارس التفسيرية داخل الطائفة الإمامية، إلا أن المنهج النصي يمثّل القاسم المشترك في المدوّنة التفسيرية الشيعية، وهو ما يعزز إمكانيات الوحدة الفكرية والمنهجية. إذ يُمكن اعتبار التفسير القائم على روايات أهل البيت قاعدةً جامعةً تلتقي عندها مختلف الاجتهادات والمدارس، مما يخفف من حدة الانقسامات.

وقد أشار السيد محمد باقر الصدر إلى هذه النقطة حين قال: (إن وحدة المنهج تخلق أرضية خصبة لوحدة الوعي، مهما اختلفت الاجتهادات)([37]) وبذلك، يُمكن اعتبار المنهج النصي عاملاً موحّدًا لا معطّلاً للاجتهاد، بشرط أن يُفهم ضمن آلياته العلمية والروائية الدقيقة.

ثامناً : المنهج النصي في التفسير ومرجعيته في بناء الفقه الاجتماعي

لم يقتصر تأثير المنهج النصي على المسائل العقدية أو المعرفية فقط، بل تجاوزه إلى بناء منظومة من الفقه الاجتماعي، تُستقى من الآيات المرتبطة بالمجتمع والحياة العامة. فالروايات التفسيرية شكّلت خلفية مهمة في استنباط الأحكام المرتبطة بالمعاش، والعدالة، والعلاقات الاجتماعية.

ومن الأمثلة البارزة، ما ورد عن الإمام الباقر عليه السلام في تفسير آية: “وتعاونوا على البر والتقوى”، حيث قال:(البرّ هو ولاية أهل البيت، والتقوى اجتناب أعدائهم)([38]) وهذا التفسير يكشف بوضوح كيف يتداخل الفهم التفسيري مع بناء مفاهيم اجتماعية وفق المرجعية المعصومة.

تاسعاً : نحو مشروع تفسيري نهضوي برؤية نصية

إن الإشكال الجوهري الذي يُطرح اليوم في ميدان التفسير هو غياب المشروع المتكامل القادر على مواجهة الأزمات المعرفية والتحديات الثقافية، ولهذا تظهر الحاجة إلى بناء مشروع تفسيري نهضوي يتأسس على المنهج النصي ولكن بروح علمية نقدية ومنفتحة.

هذا المشروع يجب أن يتجاوز التفسير التجزيئي والسطحي، نحو تفسير مقاصدي ومنهجي، يُبرز فيه صوت المعصوم كمرجعية معرفية وراهنة. وقد اقترح السيد مصطفى الخميني هذا التوجه في مشروعه التفسيري حين قال: (القرآن لا يُفسّر إلا بمن نزل في بيتهم، ومن عرف أسراره لا من استعارها)([39])

الخاتمة

بعد استعراض مفصّل لموضوع منهج التفسير النصي بين الضعف والقوة، وبيان أبعاده النظرية وممارساته التطبيقية، من خلال رؤية تحليلية نقدية تعتمد على المنهج الإمامي في تفسير القرآن الكريم، توصّل البحث إلى عدد من النتائج المهمة التي تسهم في فهم أعمق لطبيعة هذا المنهج، وموقعه من الاتجاهات التفسيرية المعاصرة.

أولًا: النتائج

1. إن منهج التفسير النصي يمثل توجهًا حديثًا يركّز على البنية الداخلية للنصّ القرآني، ويهدف إلى الكشف عن المعاني عبر تحليل العلاقات اللفظية والسياقية، بعيدًا عن التأثيرات الخارجية أو الموروث التفسيري.

2. يعاني هذا المنهج من قصور معرفي واضح، يتمثل في تهميش الروايات المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام)، وعدم مراعاة السياقات العقدية والروحية التي تشكّل جزءًا جوهريًا من فهم النصّ القرآني في الرؤية الشيعية.

3. هناك مظاهر من القوة في هذا المنهج، منها اهتمامه بالتحليل الدقيق للنصّ، ومحاولته تجاوز الانطباعات المسبقة، غير أن هذه الإيجابيات تبقى محدودة دون التأسيس على مناهج التلقي الأصيلة في الإسلام.

4. أظهر البحث أن كثيرًا من الدارسين الذين تبنّوا هذا المنهج قد وقعوا في الانتقائية المنهجية، فأخذوا من المناهج الغربية ما يتناسب مع رؤيتهم الحداثية، دون ضبط ذلك بمنهج أهل البيت في التفسير.

ثانيًا: التوصيات

1. ضرورة إعادة تأصيل هذا المنهج ضمن الإطار العقدي والمعرفي للمدرسة الإمامية، من خلال دمج التحليل النصي بالمعطى الروائي الموثوق.

2. التأكيد على أن التفسير لا يُمكن أن ينفصل عن المرجعية المعصومة، لأن عزل النصّ عن هدي المعصوم يؤدي إلى نتائج قد تُخالف مقاصد الشريعة.

3. دعوة الباحثين في مجال التفسير إلى الاستفادة من أدوات التحليل الحديثة دون الوقوع في أسرها، وبما لا يتعارض مع قدسية النصّ القرآني ووظيفته التشريعية.

4. حثّ المؤسسات العلمية والحوزات على تطوير مناهج تعليم التفسير لتتضمن دراسة نقدية لمناهج التفسير الحديثة، مع إبراز الموقف الإمامي منها بشكل علمي رصين.

5. الدعوة إلى مزيد من الدراسات المقارنة بين المنهج التفسيري النصي والمناهج التفسيرية الإمامية الكلاسيكية، للكشف عن الفروق الجوهرية في النتائج والمضامين.

وبهذا، فإن هذا البحث قد حاول أن يسلّط الضوء على أحد أهم الإشكاليات المنهجية في حقل التفسير المعاصر، مع التأكيد على ضرورة الجمع بين التحليل العلمي للنصّ والالتزام بمنهج أهل البيت (عليهم السلام)، لتحقيق فهم متكامل ينسجم مع روح الإسلام ومقاصد القرآن الكريم.

قائمة المصادر والمراجع

  • القرآن الكريم
  • الطبرسي، فضل بن الحسن. مجمع البيان في تفسير القرآن. تحقيق: لجنة من العلماء. ط 2. بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1415هـ / 1995م.
  • العاملي، زين الدين بن علي (الشهيد الثاني). الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية. تحقيق: مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث. ط 2. قم: مؤسسة آل البيت، 1415هـ.
  • المفيد، محمد بن محمد بن النعمان. أوائل المقالات. ط 3. قم: مؤتمر الشيخ المفيد، 1413هـ.
  • الأمين، محسن. أعيان الشيعة. ط 5. بيروت: دار التعارف للمطبوعات، 1403هـ / 1983م.
  • الصدر، محمد باقر. المدخل إلى علم أصول التفسير (ضمن دروس الحوزة). ط 1. النجف الأشرف: مكتبة الإمام الحكيم، 1390هـ.
  • سبحاني، جعفر. منهج التفسير عند الشيعة الإمامية. ط 1. قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1422هـ.
  • الموسوي، محمد حسين فضل الله. قضايانا على ضوء الإسلام. ط 1. بيروت: دار الملاك، 1419هـ / 1998م.
  • الطوسي، محمد بن الحسن. التبيان في تفسير القرآن. تحقيق: أحمد حبيب قصير. ط 1. بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1420هـ / 1999م.
  • الكاشاني، محسن بن مرتضى. تفسير الصافي. تحقيق: لجنة من المحققين. ط 1. قم: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1404هـ.
  • الطباطبائي، محمد حسين. الميزان في تفسير القرآن. تحقيق: مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية. ط 5. قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، 1417هـ.
  • معرفت، محمد هادي. التمهيد في علوم القرآن. ط 2. قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، 1416هـ / 1996م.
  • سبحاني، جعفر. مفاهيم القرآن. ط 1. قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1426هـ.
  • الحسني، محمد باقر. تفسير النصوص القرآنية في المدرسة الإمامية. ط 1. قم: دار الزهراء، 1430هـ.
  • النراقي، الملا أحمد. عوائد الأيام. ط 1. قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1418هـ.
  • بحر العلوم، محمد مهدي. الفوائد الرجالية. ط 2. النجف: المطبعة الحيدرية، 1385هـ.

الهوامش:

  1. 1 العلامة الطباطبائي، تفسير الميزان، ج1، ص15، دار الكتب الإسلامية، ط1، قم، 1409 هـ.

  2. سورة النساء، الآية 82.

  3. الإمام الخميني، فقه القرآن، ص27، مؤسسة الإمام الخميني، ط1، قم، 1406 هـ.

  4. الكافي، الشيخ الكليني، ج1، ص45، مؤسسة آل البيت، ط3، بيروت، 1412 هـ.

  5. سورة آل عمران، الآية 7

  6. المجلسي، بحار الأنوار، ج2، ص78، مؤسسة الوفاء، ط4، بيروت، 1404 هـ.

  7. الكافي، ج1، ص52، مؤسسة آل البيت، ط3، بيروت، 1412 هـ.

  8. الكليني، اصول الكافي، ج1، ص15، مؤسسة الأعلمي، ط2، النجف، 1411 هـ.

  9. الشيخ الصدوق، التفسير، ص102، دار الغدير، ط1، قم، 1415 هـ.

  10. النراقي، مستند الحديث، ص123، دار النشر الإسلامي، ط2، قم، 1420 هـ.

  11. السيد الخوئي، أصول التفسير، ص78، دار النجف، ط1، النجف، 1415 هـ.

  12. الطباطبائي، فقه القرآن، ج3، ص210، دار الإسلام، ط1، قم، 1402 هـ.

  13. 13 المجلسي، بحار الأنوار، ج2، ص112، مؤسسة الوفاء، ط4، بيروت، 1404 هـ.

  14. 14 الكافي، الشيخ الكليني، ج1، ص65، مؤسسة آل البيت، ط3، بيروت، 1412 هـ.

  15. 15 الطباطبائي، تفسير الميزان، ج1، ص38، دار الكتب الإسلامية، ط1، قم، 1409 هـ.

  16. 16 الطباطبائي، فقه القرآن، ج1، ص105، دار الإسلام، ط1، قم، 1402 هـ.

  17. 17 السيد الخوئي، أصول التفسير، ص89، دار النجف، ط1، النجف، 1415 هـ.

  18. 18 الطباطبائي، تفسير الميزان، ج2، ص123، دار الكتب الإسلامية، ط1، قم، 1409 هـ.

  19. 19 الصدوق، عيون أخبار الرضا، ج2، ص204، منشورات مكتبة الصدوق، ط1، قم، 1404 هـ.

  20. 20 سورة المائدة، الآية 55..

  21. 21 الشيخ الصدوق، التوحيد، ص253، مؤسسة النشر الإسلامي، ط1، قم، 1413 هـ.

  22. 22 الشيخ الطوسي، التهذيب، ج4، ص150، دار الكتب الإسلامية، ط2، طهران، 1390 هـ.

  23. 23 السيد الخوئي، معجم رجال الحديث، ج1، ص35، مؤسسة الإمام الخوئي، ط1، قم، 1413 هـ.

  24. 24 محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، ص112، مركز الأبحاث العقائدية، ط2، قم، 1425 هـ.

  25. 25 الشيخ المفيد، أوائل المقالات، ص55، مؤسسة النشر الإسلامي، ط2، قم، 1414 هـ.

  26. 26 الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص21، دار الكتب الإسلامية، ط1، قم، 1403 هـ.

  27. 27 الشيخ محمد مهدي شمس الدين، تفسير التنوع، ص87، دار التعارف، ط1، بيروت، 2001 م.

  28. 28 السيد عبد الحسين شرف الدين، أجوبة مسائل جار الله، ص113، منشورات دار الأضواء، ط2، بيروت، 1982م.

  29. 29 الشيخ محمد جواد مغنية، التفسير المبين، مقدمة الكتاب، دار العلم للملايين، ط1، بيروت، 1980م.

  30. 30 السيد كمال الحيدري، مناهج فهم النص، ص74، دار فراقد، ط1، النجف، 2010م.

  31. 31 الشيخ الكليني، الكافي، ج1، ص62، دار الكتب الإسلامية، ط3، طهران، 1407هـ.

  32. 32 الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج3، ص264، مؤسسة الأعلمي، ط5، بيروت، 1995م.

  33. 33 محمد هادي معرفة، التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب، ج1، ص89، مؤسسة النشر الإسلامي، ط1، قم، 1418هـ.

  34. 34 محمد حسين فضل الله، الحوار في القرآن، ص45، دار الملاك، ط1، بيروت، 2001م.

  35. 35 السيد منير الخباز، القراءات المتعددة للقرآن، ص71، دار المحجة البيضاء، ط1، بيروت، 2015م.

  36. 36 السيد أبو القاسم الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ص132، مؤسسة الأعلمي، ط2، بيروت، 1991م.

  37. 37 السيد محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، ص84، دار التعارف، ط1، بيروت، 1992م..

  38. 38 الشيخ الصدوق، معاني الأخبار، ص154، مؤسسة النشر الإسلامي، ط1، قم، 1415هـ.

  39. 39 السيد مصطفى الخميني، التفسير الموضوعي، ج1، ص17، دار النشر الإسلامي، ط1، طهران، 1983م.