جريمة الإبادة الجماعية وسلطة المحكمة الجنائية الدولية في العقاب
Genocide and the Authority of the International Criminal Court to Impose Punishment
مها مؤيد نجيب العابري1
1 كلية الحقوق، الجامعة الإسلامية في لبنان.
إشراف الاستاذ الدكتور موسى ابراهيم: تدريسي في الجامعة الاسلامية في لبنان
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj612/49
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/612/49
المجلد (6) العدد (12). الصفحات: 745 - 756
تاريخ الاستقبال: 2025-11-10 | تاريخ القبول: 2025-11-18 | تاريخ النشر: 2025-12-01
المستخلص: تتناول هذه الدراسة جريمة الإبادة الجماعية بوصفها أخطر الجرائم الدولية التي تمثل انتهاكًا منهجيًا وجسيمًا للحق في الحياة والوجود الإنساني، لما تنطوي عليه من استهداف مقصود لجماعات بشرية محمية على أسس قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية. وتهدف الدراسة إلى بيان الإطار المفاهيمي والقانوني لجريمة الإبادة الجماعية في القانون الدولي الجنائي، وتحليل سلطة المحكمة الجنائية الدولية في معاقبة مرتكبيها وفقًا لأحكام نظام روما الأساسي. اعتمدت الدراسة المنهج التحليلي في تناول النصوص الدولية ذات الصلة، ولا سيما اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية ونظام روما الأساسي، إلى جانب المنهج الوصفي في تتبع التطور التاريخي والقانوني للجريمة، والمنهج النقدي في تقييم فعالية السلطة العقابية للمحكمة الجنائية الدولية. وتوصلت الدراسة إلى أن جريمة الإبادة الجماعية تقوم على أركان قانونية مشددة، وفي مقدمتها القصد الجنائي الخاص المتمثل في نية التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة محمية، الأمر الذي يميزها عن غيرها من الجرائم الدولية ويجعل إثباتها من أعقد المسائل القضائية. كما بيّنت أن المحكمة الجنائية الدولية تمثل آلية قانونية متقدمة في مكافحة الإفلات من العقاب، غير أن فاعلية سلطتها العقابية ما تزال مقيدة بضوابط الاختصاص، واعتمادها على تعاون الدول، وتأثير الاعتبارات السياسية ومبدأ السيادة الوطنية على عملها. وخلصت الدراسة إلى أن تعزيز دور المحكمة الجنائية الدولية في مواجهة جريمة الإبادة الجماعية يقتضي دعم التعاون الدولي، وتطوير آليات الإثبات، ومواءمة التشريعات الوطنية مع نظام روما الأساسي، بما يسهم في ترسيخ العدالة الجنائية الدولية وحماية الجماعات البشرية من أخطر أشكال الجرائم الدولية.
الكلمات المفتاحية: الإبادة الجماعية؛ المحكمة الجنائية الدولية؛ نظام روما الأساسي؛ القصد الجنائي الخاص؛ الجريمة الدولية.
Abstract: This study examines the crime of genocide as one of the most serious international crimes, constituting a systematic and grave violation of the right to life and human existence through the deliberate targeting of protected human groups on national, ethnic, racial, or religious grounds. The study aims to clarify the conceptual and legal framework of genocide in international criminal law and to analyze the authority of the International Criminal Court (ICC) to punish its perpetrators in accordance with the provisions of the Rome Statute. The research adopts an analytical approach in examining relevant international legal texts, particularly the Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide and the Rome Statute of the ICC, alongside a descriptive approach to tracing the historical and legal development of the crime, and a critical approach to assessing the effectiveness of the Court’s punitive authority. The study concludes that genocide is characterized by stringent legal elements, foremost among them the special intent to destroy, in whole or in part, a protected group, which distinguishes it from other international crimes and renders its proof particularly complex. It further finds that while the International Criminal Court represents an advanced legal mechanism in combating impunity, the effectiveness of its punitive authority remains constrained by jurisdictional limitations, reliance on state cooperation, and the influence of political considerations and national sovereignty. The study concludes that strengthening the ICC’s role in addressing genocide requires enhanced international cooperation, improved evidentiary mechanisms, and the harmonization of national legislation with the Rome Statute, in order to reinforce international criminal justice and protect human groups from the gravest international crimes.
Keywords: Genocide; International Criminal Court; Rome Statute; Special Criminal Intent; International Crimes.
المقدمة
تمثل جريمة الإبادة الجماعية أقصى درجات الانتهاك المنهجي والمنظم للحق في الحياة والوجود الإنساني، إذ لا تقف عند حدود الاعتداء على أفراد متفرقين بل تستهدف جماعات بشرية محددة بقصد إزالتها أو تدميرها جزئياً أو كلياً على أساس قومي أو إثني أو ديني أو عرقي، وقد كشفت التجارب التاريخية، ولا سيما خلال القرن العشرين، أن هذه الجريمة لا تُرتكب في سياق عفوي أو فردي، وإنما تُنفذ غالبًا في إطار سياسات رسمية أو ممارسات منظمة، ما يجعلها تعبيرًا صارخًا عن إساءة استعمال السلطة وتحوّل الدولة أو الجماعات المسيطرة إلى أداة للفناء بدلًا من الحماية.
وقد أسهمت الفظائع الجماعية التي شهدها العالم بدءً من المحرقة النازية وصولًا إلى الجرائم المرتكبة في رواندا والبوسنة وغيرها في بلورة وعي دولي متزايد بخطورة الإبادة الجماعية، وضرورة إخضاع مرتكبيها للمساءلة الجنائية الفردية، بصرف النظر عن مناصبهم أو صفاتهم الرسمية، وعلى هذا الأساس، لم تعد هذه الجريمة شأنا داخليا يخضع لمبدأ السيادة المطلقة، بل غدت مسألة ذات اهتمام دولي مشترك، ترتبط مباشرة بحماية السلم والأمن الدوليين وبصون القيم الإنسانية العليا التي يقوم عليها النظام القانوني الدولي المعاصر.
وفي هذا الإطار شهد القانون الدولي الجنائي تطورا نوعيا تمثل في الانتقال من المعالجة الاتفاقية والأخلاقية لجريمة الإبادة الجماعية إلى إقرار آليات قضائية دولية قادرة على فرض العقاب، وقد شكل اعتماد نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية سنة 1998 محطة مفصلية في هذا المسار إذ أُنشئت محكمة جنائية دولية دائمة تختص بمحاكمة الأفراد عن أخطر الجرائم الدولية، وفي مقدمتها جريمة الإبادة الجماعية، بما يعكس تحولًا في فلسفة العدالة الدولية من منطق الإفلات من العقاب إلى منطق المحاسبة والمسؤولية الجنائية الشخصية.
غير أن إسناد سلطة العقاب للمحكمة الجنائية الدولية في مواجهة جريمة بهذا الحجم لم يكن بمنأى عن إشكالات قانونية وسياسية معقدة، فاختصاص المحكمة مقيد بضوابط موضوعية وشخصية وإقليمية، كما أن مباشرتها لوظيفتها القضائية تظل رهينة تعاون الدول، التي قد تتذرع بمقتضيات السيادة أو المصالح السياسية لعرقلة إجراءات التحقيق أو التنفيذ، وإلى جانب ذلك يثير تفعيل الاختصاص في جريمة الإبادة الجماعية تساؤلات دقيقة تتعلق بإثبات القصد الخاص وبحدود المسؤولية الجنائية لمرتكبي الجرائم الجماعية وبمدى كفاية الجزاءات المقررة لتحقيق الردع والإنصاف للضحايا.
ومن ثم فإن البحث في جريمة الإبادة الجماعية وسلطة المحكمة الجنائية الدولية في العقاب لا يقتصر على بيان الأحكام القانونية المجردة، بل يتجاوز ذلك إلى تحليل مدى فاعلية العدالة الجنائية الدولية في مواجهة أخطر الجرائم التي تهدد الوجود الإنساني، كما يفتح المجال لتقييم التجربة العملية للمحكمة، والكشف عن مواطن القوة والقصور في نظامها القانوني، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات العدالة، واعتبارات السيادة، وضغوط الواقع السياسي الدولي، في سبيل ترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب وحماية الجماعات البشرية من جرائم الإبادة.
اولاً_ أهمية الدراسة
تنبع أهمية البحث في جريمة الإبادة الجماعية وسلطة المحكمة الجنائية الدولية في العقاب من خطورة هذه الجريمة على السلم والأمن الدوليين، ومن كونها تمثل انتهاكًا جسيمًا للقيم الإنسانية الأساسية ولقواعد آمرة في القانون الدولي. كما تتجلى الأهمية في الدور المحوري الذي تضطلع به المحكمة الجنائية الدولية في تحقيق الردع العام والخاص، وتعزيز ثقافة المساءلة الدولية، فضلًا عن الكشف عن مدى فاعلية النظام القضائي الجنائي الدولي في مواجهة الجرائم الجماعية، وحدود قدرته على إنفاذ العدالة في ظل اعتبارات السيادة والتجاذبات السياسية الدولية.
ثانياً_ أهداف الدراسة
يهدف هذا البحث إلى بيان الإطار المفاهيمي والقانوني لجريمة الإبادة الجماعية في القانون الدولي الجنائي، وتحليل الأساس القانوني لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية في ملاحقة مرتكبيها. كما يسعى إلى توضيح طبيعة السلطة العقابية للمحكمة وحدودها، وبيان الإشكالات العملية والقانونية التي تعترض ممارسة هذه السلطة، فضلًا عن تقييم مدى إسهام المحكمة الجنائية الدولية في مكافحة الإفلات من العقاب وتعزيز العدالة الجنائية على الصعيد الدولي.
ثالثاً_ إشكالية الدراسة
تتمحور إشكالية البحث حول مدى كفاية وفاعلية سلطة المحكمة الجنائية الدولية في معاقبة مرتكبي جريمة الإبادة الجماعية، في ظل القيود المرتبطة باختصاصها القضائي، واعتمادها على تعاون الدول، وتأثير الاعتبارات السياسية على عملها، وما يثيره ذلك من تساؤلات حول قدرة العدالة الجنائية الدولية على تحقيق الردع والإنصاف للضحايا على نحو فعّال ومستدام.
رابعاً_ منهج الدراسة
يعتمد البحث على المنهج التحليلي في دراسة النصوص القانونية الدولية، ولا سيما نظام روما الأساسي، والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بجريمة الإبادة الجماعية. كما يستعين بالمنهج الوصفي لعرض التطور التاريخي والقانوني للجريمة واختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وبالمنهج النقدي لتقييم فعالية السلطة العقابية للمحكمة، والكشف عن أوجه القصور والتحديات العملية التي تواجهها في التطبيق.
خامساً_ هيكلية الدراسة
المبحث الأول: الأركان التي تقوم عليها جريمة الإبادة الجماعية.
المطلب الأول: الركنين المادي والمعنوي لجريمة الإبادة الجماعية.
المطلب الثاني: ركن الشرط المسبق والركن الدولي لجريمة الإبادة الجماعية .
المبحث الثاني: سلطة المحكمة الجنائية الدولية الدائمة في توقيع العقاب.
المطلب الأول: ماهية العقوبات المحددة في نظام المحكمة .
المطلب الثاني: تنفيذ العقوبات المقررة في نظام المحكمة.
المبحث الأول
الأركان التي تقوم عليها جريمة الإبادة الجماعية
حتى تقوم جريمة الإبادة الجماعية يجب أن تتوافر أركانها الممتازة في كل جريمة دولية أي ركن الشرط المسبق والركنين المادي والمعنوي إضافة إلى الركن الدولي وهذا الركن فيه خلاف ولكن يدرج ضمن أركان الجريمة قياساً إلى الركن الشرعي في القانون الداخلي.
وجريمة الإبادة الجماعية تتحقق عن طريق أفعال الإبادة المادية كأفعال القتل أو الاعتداء الجنائي أو إعاقة التناسل، وقد تتم عن طريق الإبادة المعنوية أو الاستئصال المعنوي كالاعتداء النفسي أو الإخضاع لظروف معيشية معينة تؤدي إلى نفس النتائج وهذه الجريمة إلى جانب أنها جريمة عمدية تقوم على القصد الجنائي العام كأنها تستلزم قصداً خاصاً وهو نية الإبادة الجماعية. ذلك أنه يشترط إلى جانب القصد العام وهو قصد الإفناء أو الإبادة([1]).
وبناءً على ما تقدم سأتناول في هذا المبحث الحديث عن الركنين المادي والمعنوي لجريمة الإبادة الجماعية في المطلب الأول، ثم الحديث عن ركن الشرط المسبق والركن الدولي لهذه الجريمة في المطلب الثاني.
المطلب الأول
الركن المادي والمعنوي لجريمة الإبادة الجماعية
تعد جريمة الإبادة الجماعية من الجرائم الدولية التي تتسم ببنية قانونية معقدة، نظراً لخطورتها الاستثنائية وطبيعتها المركبة التي تجمع بين أفعال مادية جسيمة وقصد إجرامي خاص يتجاوز النية الجنائية التقليدية، فهذه الجريمة لا تقوم بمجرد تحقق سلوك إجرامي معاقب عليه، وإنما تفترض توافر عناصر محددة ومشددة، تجعل منها نموذجاً فريداً في القانون الدولي الجنائي، سواء من حيث الركن المادي أو من حيث الركن المعنوي.
أولاً: الركن المادي:
يقع الركن المادي لجريمة الإبادة الجماعية بإتيان أحد الأفعال المكونة للسلوك الجرمي والتي نصت عليها على سبيل الحصر المادة الأولى من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، والمادة السادسة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ويلاحظ عدم وجود اختلاف بين المادتين السابقتين من حيث الأفعال التي يتكون منها الركن المادي لتلك الجريمة كما لا يشترط لقيام هذه الجريمة أن يؤدي الفعل المرتكب إلى التدمير الكلي أو الجزئي للجماعة فعلاً يكفي أن تتوافر النية الجريمة عند مرتكب الفعل للحصول على هذه النتيجة ويتمثل الركن المادي لجريمة الإبادة الجماعية من سلوك إجرامي معين يأتيه الجانب على أن يكون من شأن هذا السلوك إبادة جماعية “قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية”([2])، وبناء على ذلك يمكن القول أن الأعمال التي من شأنها تحقيق الإبادة الجماعية طبعاً للإتفاقية المذكورة أعلاه مجسدة فيما يلي:
1- قتل أفراد أو أعضاء الجماعة، ويقصد بهذا الفعل ضرورة وقوع القتل الجماعي فالقتل يكون موجها للقضاء على الجماعة كلها أو بعضها، وعلى ذلك فإن هذه الجريمة هي جريمة جماعية دائماً وإن كان لا يشترط لقيامها عدد معين من القتلى كما لا يشترط أن يكونوا من نوعية خاصة فالإبادة جريمة موجهة إلى الجنس سواء الكبار أو الصغار زعماء أم عامة الناس، رجالاً أم نساء([3]) فمتى تتوافر أركان جريمة الإبادة عن طريق فعل القتل فلا بد أن يقع القتل على أشخاص ينتمون إلى جماعة قومية ضمن قوميات متعددة في دولة واحدة أو عدة دول.
وتعتبر قضية أدولف ايخمان تطبيقاً حديثاً لجريمة الإبادة في صورة القتل الجماعي([4]) وقد يكون الصراع دينياً كما هو الحال في النزاعات المسلحة بين دولتي الباكستان والهند بشأن إقليم كشمير.
2- إلحاق أذى جسدي أو عقلي خطير أو جسيم بأعضاء الجماعة، يأخذ هذا الفعل صورة الاعتداء الجسيم على السلامة الجسدية أو العقلية لأعضاء الجماعة، ويتحقق هذا العقل بكل وسيلة مادية أو معنوية بها تأثير مباشر على أعضاء الجماعة مثل الضرب، الجرح، التشويه الذي قد يفضي إلى إحداث عاهات مستديمة والتعذيب، الحجز الذي يؤثر على ملكاتهم العقلية أو تعريضهم للإصابة بالأمراض المعدية أو بإعطائهم أدوية فاسدة وضارة أو تعريضهم إلى مواقف قاسية ومرعبة. فمثل هذه الأفعال تعتبر مقدمة للإبادة الحقيقية للجماعة وتعتبر بمثابة إبادة بطيئة، إذ تفقد أعضاء الجماعة القدرة على ممارسة وظائفهم الطبيعية في الحياة الاجتماعية مما يفقدها هويتها ويشوه شخصيتها.
3-إخضاع الجماعة لظروف أو أحوال حقيقية قاسية، تتضمن هذه الصورة عدداً من الأفعال التدميرية التي لا تؤدي فوراً أو مباشرة إلى موت أعضاء الجماعة المعرضة لهذه التدابير لكن تهدف في النهاية إلى التدمير المادي لهذه الجماعة، ومن الأمثلة على هذه التدابير: الإبعاد المنظم للأشخاص المنتمين للجماعة عن مساكنهم ومواطنهم، ومثل الإقامة في أماكن خالية من كل سبل الحياة، وحرمانهم من المعوقات والخدمات الطبية لمدة طويلة أو حرمانهم من الغذاء([5]).
4- فرض تدابير ترمي إلى منع أو إعاقة النسل داخل الجماعة أي إبادة بيولوجية للجماعة إذ يترتب عليه إبادة تدريجية وبطيئة لأعضائها لأنه يمنع من التناسل والتكاثر والتوالد بين أعضاء الجماعة ويتحول دون نموهم وتزيدهم، ويتمثل هذا الفعل في خضوع أعضاء الجماعة لعمليات إعاقة النسل والتوالد لتسميم النساء وخصي الرجال.
5- نقل الأطفال الصغار قهراً وعنوة من جماعتهم إلى جماعة أخرى، بالرغم من أن اتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948 لم تتضمن تجريماً للإبادة الثقافية للجماعات واقتصر نطاقها على الإبادة الجماعية المادية لعدد من الجماعات ولكنها وفرت حماية الهوية الثقافية للجماعات واعتبرت الحيلولة بينهم وبين أن يكونوا نماذج لبيئتهم ولغتهم صورة من صور الإبادة الجماعية، ونقلهم إلى جماعة أخرى يعني وقف الاستمرار التقاني والاجتماعي لتلك الجماعة ويعرضها للانقراض لأن المستقبل للجماعة واستمرارها يكمن في صغارها ونقلهم إلى جماعة أخرى يعني مستقبلاً تدميراً لوجود الجماعة أو لبقائها بصفتها تلك.
ثانياً: الركن المعنوي
جريمة الإبادة الجماعية جريمة مقصودة يتخذ ركنها المعنوي صورة الخصم الجنائي والذي يتكون من العلم والارادة ولكن لا يكفي لتوافر هذا القصد تحقق القصد العام فقط وإنما يجب أن يتوافر إلى جانبه قصد خاص وهو قصد الإبادة، فيجب أن يعلم الجانب أن فعله ينطوي على قتل أو إيذاء جسدي أو عقلي جسيم وأن يعلم أنه يقع على مجموعة ترتبط بروابط قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية ويجب أن تتجه إرادة الفاعل إلى ذلك الفعل مع السلم أن هذا الفعل محظور ومعاقب عليه.
وإلى جانب القصد العام “العلم والارادة” يجب أن يتوافر لدى الجانب القصد الخاص وهو قصد الإبادة وهو ضابط أساسي يميزها عن باقي الجرائم الدولية ويعني قصد الإبادة أي قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة معينة إذ يجب أن ينصرف عمله وإرادته أيضاً أثناء ارتكاب الأفعال المادية إلى إبادة تلبية أو جزئية لأعضاء تلك الجماعة ولذلك يمكن تصور وقوع جريمة الإبادة حتى ولو لم يتحقق الإبادة بالفعل طالما أنه صدر عن الجاني الأفعال المادية السابقة وكان قصده مركزاً على إبادة تلك الجماعة فإذا لم يتوافر هذا القصد الخاص لا تقع جريمة الإبادة وإن يمكن أن تتوافر جريمة دولية أخرى، بمعنى آخر وإن الركن المعنوي يكون مدفوعاً بفرض محدد وتحركه أسباب معينة تربطه بعوامل دينية أو عنصرية أو جنسية وعليه فالقتل الجماعي لا يعد جريمة إبادة إلا إذا كان بدافع من هذه الدوافع وهذا ما جعل القصد الجنائي هنا قصداً خاصاً([6]).
المطلب الثاني
ركن الشرط المسبق والركن الدولي لجريمة الإبادة الجماعية
لا يقتصر التكييف القانوني لجريمة الإبادة الجماعية على توافر أركانها المادية والمعنوية فحسب، بل يفترض قيام شروط إضافية تمنحها وصفها الدولي وتُخرجها من نطاق الجرائم الجنائية العادية. ويأتي في مقدمة هذه الشروط ما يُعرف بركن الشرط المسبق المتمثل في وجود جماعة بشرية محمية قانونًا تكون هي محل الاستهداف الإجرامي، فضلًا عن الركن الدولي الذي يضفي على الجريمة طابعها العابر للحدود الوطنية ويبرر إخضاعها للاختصاص الجنائي الدولي، وتُسهم دراسة هذين الركنين في توضيح الأساس الذي تقوم عليه المسؤولية الجنائية الدولية عن جريمة الإبادة الجماعية، وتحديد نطاق تدخل القضاء الجنائي الدولي في ملاحقة مرتكبيها.
أولاً: ركن الشرط المسبق لجريمة الإبادة الجماعية
جريمة الإبادة الجماعية تفترض شرطاً مسبقاً، وهو كون الضحية جماعة، من قومية أو أصل أو عرق أو دين آخر، وسواء أن يطال الاعتداء الجماعة كلها أو قلة منها، وسواء أكانوا من النساء أم الرجال أم الأطفال أم الكبار أم الشيوخ، الزعماء فيها أو الأشخاص العاديين، ولا تقوم هذه الجريمة اذا وقع الفعل على فرد في الجماعة، وإن كان يمكن اعتباره في هذه الحالة جريمة ضد الإنسانية أو جريمة داخلية على حسب الأحوال، ويترتب على إقرار الشرعية النصية عدة نتائج ألا وهي([7]):
أ- النص على حصرية الجرائم الدولية المنصوص عليها: وهذه النتيجة تعني عدم إمكانية فرض أية عقوبة على فعل ما لم يكن هنالك نص قانوني مكتوب يجرمه (المادة (22) من نظام روما، ” لا جريمة إلا بنص”، فضلاً عن أن نظام كان قد حدد الجرائم الدولية التي تختص المحكمة الجنائية الدولية بنظرها وذلك على سبيل الحصر لا المثال، وحصرها في الجرائم الآتية: (جرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجرائم العدوان)، وهذا يعني أنه لا يجوز أن نزيد على نظام روما أي جريمة أخرى غير منصوص عليها فيه.
ب- عـدم رجعية النصوص الجـديـدة الأشـد على الماضي وصلاحية الأخف، وتعني هذه النتيجة أن جميع النصوص الجديد التي تنشأ جريمة جديدة أو تقرر جزاء أشد لا يجوز أن تطبق بأثر رجعي على الأفعال التي كانت قد ارتكبت قبل نفاذه، على عكس ما هو الحال لو كانت هذه النصوص الجديد أصلح للمدعى عليه فهنا الرجعية لهذا النصوص تكون جائزة، وهذا ما أكدته المادة (23) من نظام روما لعام 1998 إذ إنها نصت على: ” لا يسأل الشخص جنائياً بموجب هذا النظام عن سلوك سابق لبدء نفاذ هذا النظام، وفي حالة حدوث تغيير في القانون المعمول به في قضية معينة قبل صدور الحكم النهائي، يطبق القانون الأصلح للشخص وكل ذلك عملاً بمبدأ (القانون الأصلح للمتهم)([8]).
ج- اعتماد التفسير الضيق لنص التجريم الدولي، والمقصود بهذه النتيجة المترتبة على مبدأ الشرعية عدم جواز التوسع في تفسير نصوص التجريم والجزاء، لأنه من الممكن أن يؤدي هذا الأمر إلى خلق جرائم وجزاءات لا وجود لها، وهذا ما يشكل خرقاً واضحاً للمبدأ الذي جاءت فيه كل من المادتين (22) و (23) من نظام روما واللتين تقتضيان بأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص.
د- منع اللجوء الى القياس لنص التجريم الدولي، وهذا المنع قرره نظام روما في نص المادة (22) منه وذلك عن طريق إضافته لعبارة ” ولا يجوز – تأويل النص – بتوسيع نطاقة بطريق القياس “،وبهذا النص يكون نظام روما قد الغي المواثيق الدولية السابقة عليه، والتي كانت تقرر صراحة أو ضمناً الأخذ بالتفسير الواسع والقياس.
ه- انعقاد الاختصاص العالمي للمحكمة من حيث المكان، ومن النتائج التي تترتب على مبدأ ” شرعية النص بالتجريم والجزاء أيضاً “، وجوب تطبيق قاعدة التجريم في المكان الذي اقترف فيه الفعل المكون للجريمة، حتى يتحقق بذلك خضوعه لهذه القاعدة.
ويخضع تحديد نطاق نص التجريم في القانون الداخلي لمبدأ إقليمية القانون الجزائي، وما يرد عليه من استثناءات يتجه بعضها إلى امتداد سلطانه إلى جرائم ارتكبت خارج حدود إقليم الدولة، كالصلاحية الذاتية أو العينية أو الصلاحية الشخصية، والصلاحية الشاملة أو العالمية لمحاكمة المجرمين الأجانب الذي لهم محل إقامة أو تواجدوا في الداخل، ولم يطلب استردادهم، وإذا كانت قاعدة الإقليمية والتوفيق بينها، وبين الاستثناءات التي ترد عليها تثير إشكالات، فهذا الأمر لا مجال له في القانون الدولي، إذ ليس لسلطانه حدود مستمدة من إقليم معين لأن الجريمة الدولية قد ترتكب في أكثر من دولة، وبالتالي فأن المبدأ الأساسي الذي يحكم قاعدة التجريم الدولية هو الصفة العالمية للجريمة الدولية، وليس القاعدة الإقليمية.
وهذا ما أكد عليه نظام روما بنصه على أنه « للمحكمة – الجنائية الدولية – أن تمارس وظائفها وسلطاتها، على النحو المنصوص عليه في نظامها الأساسي، وذلك في إقليم أية دولة طرف، ولها بموجب إتفاق خاص مع دولة أخرى أن تمارسها في اقليم تلك الدولة ».
ثانياً: الركن الدولي لجريمة الإبادة الجماعية
ويقصد به ارتكاب جريمة الابادة بناء على خطة جديرة من الدولة ينفذها المسؤولين الكبار فيها أو تشجع على تنفيذها من قبل الموظفين أو الأفراد العاديين ضد الجماعة التي يربط بين أفرادها روابط قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية([9])، وهذا يعني أنه لا يشترط صفة معينة في الجانب ولا يشترط أن يكون المجني عليهم تابعين لدولة أخرى أم تابعين لذات الدولة كما أن الجدية قد تقع في زمن السلم أو في زمن الحرب وتستمد هذه الجريمة صفتها الدولية في الأمور التالية:
1- أن لمرتكبها سلطة فعلية قائمة أو يرتبط بسلطة فعلية قائمة.
2- موضوعها يتمثل في وجوب حماية الإنسان لذاته بغض النظر عن جنسيته أو دينه أو العنصر الذي ينسب إليه وفي هذا الأمر مصلحة دولية.
3- مصدر هذه الجريمة في الوثائق والمعاهدات الدولية التي نصت عليها تلك الوثائق والمعاهدات أو جرفها([10]).
وبناءً على هذا يمكن أن نستنتج أن جريمة إبادة الجنس البشري يتم تنفيذها بطرق ووسائل مختلفة تتمثل في:
أولاً: الإبادة الجسدية: وهي الاعتداء على الحقوق اللصيقة بشخص الإنسان كالحياة والسلامة الجسدية وذلك بقتل الجماعات بالغازات السامة أو الأسلحة الكيماوية أو الإعدام أو الدفن وهم أحياء أو القصف بالطائرات أو بأية وسيلة أخرى تزهق الروح.
ثانياً: الإبادة البيولوجية: وتنصب على قطع مصادر الحياة والنمو البشري وذلك بطرق تعقيم الرجال وإجهاض النساء.
ثالثاً: الإبادة الثقافية: تقع على المنظومة الفكرية والسلوكية والعقائدية المتمثلة بتحريم اللغة الوطنية والاعتداء على التقاليد الدينية غير أن الأسرة الدولية لم تتجه إلى اعتبار هذا النوع من الإبادة جدباً وخطراً ويؤدي إلى الفناء على الرغم من أن هذا النوع هو إبادة معنوية تدمر البشر وهو عمل غير مشروع لأن اللغة هي بمثابة هوية الجماعة ولا يجوز حرمان أحد من التحدث بها مطلقاً.
المبحث الثاني
سلطة المحكمة الجنائية الدولية الدائمة في توقيع العقاب
حددت المادة (77) من نظام روما الأساسي العقوبات الواجبة التطبيق من طرف المحكمة وهي تتراوح بين السجن والغرامة والمصادرة بحسب جسامة الجرم والظروف الخاصة بالشخص المدان، وبذلك استبعد نظام المحكمة عقوبة الإعدام، إلا أنّه ضمن من ناحية عدم تأثير نصوصه على القوانين الوطنية للدول، حيث للدولة أن تطبق العقوبات الخاصة بها عند ممارستها للاختصاص الوطني، ويقضي المدان فترة السجن في الدول التي تختارها المحكمة من لائحة الدول التي أعربت قبولها سجن المحكومين([11])، أما إذا لم تختر المحكمة دولة يقضي فيها الجاني محكوميته، تتولى المؤسسات العقابية في الدولة المضيفة ذلك.
وأما الالتزامات التي يرتبها النظام الأساسي بخصوص تنفيذ الغرامات وإجراءات المصادرة، فتنطبق على جميع الدول الأطراف وليس كما في حالة تنفيذ الحكم بالسجن التي تنطبق فقط على الدول الأطراف المعنية بتنفيذ عقوبة السجن في إقليمها، وعليه سنقوم بتقسيم هذا المبحث إلى مطلبين سنتناول في المطلب الأول الحديث عن ماهية العقوبات المحددة في نظام المحكمة، في حين سنتناول في المطلب الثاني الحديث عن تنفيذ العقوبات المحددة في نظام المحكمة.
المطلب الأول
ماهية العقوبات المحددة في نظام المحكمة
يعتبر الجزاء في القانون الداخلي التدبير القانوني الذي يرتبه المشرع على مخالفة أمر أو نهي تنص عليه القاعدة الجنائية، والذي يمثل ضرورة حماية النظام القانوني الذي انتهكه الجاني.
ويتميز الجزاء في هذه الحالة بالوضوح والتحديد، في حين أن الجزاء في القانون الدولي لا يحظى بذلك الوضوح والتحديد وهو نتيجة لحداثة أحكامه([12]).
ويدور المفهوم الحالي للجزاء الدولي لدى الفقه الدولي حول فكرة مفادها أن الجزاء الدولي من يرتكب فعلاً غير مشروع، فهناك من عرّفه على أن: الجزاء يشتمل على أي لون من ألوان الضرر توقعه الفئة المسيطرة على الجماعة بعضو من أعضائها بسبب إخلاله بإحدى قواعد القانون التي تلزمه بالانصياع لأحكامها، ويستوي في هذا المجال أن ينصرف الضرر إلى الكيان الذاتي للمخاطب بالقاعدة أو إلى ذمته المالية أو إلى ما قد يجريه من تصرفات قانونية”([13]).
وكقاعدة عامة، تعدّ العقوبة هي الصورة النموذجية للجزاء الجنائي الدولي، وهي الأثر المترتب على انتهاك أحكام القانون الدولي الجنائي، أو هي قدر من الألم يوقعه المجتمع الدولي على من يثبت إدانته بارتكاب إحدى الجرائم الدولية، وقد تضمن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة، على نظام الجزاءات في الباب السابع منه، حيث قررت المادة (77) منه، أنّه يجوز للمحكمة توقيع الجزاء على الشخص المدان بارتكاب جريمة منصوص عليها في المادة الخامسة، وذلك بإحدى العقوبات التالية:
- السجن لمدة أقصاها (30) سنة.
- السجن المؤبد حينما تكون هذه العقوبة مبررة بالخطورة البالغة للجريمة وبالظروف الخاصة بالشخص المدان، حيث تتوقف جسامة الجرم على عدّة معايير، منها: عدد الضحايا وعدم قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم، وحجم الضرر وظروف ارتكاب الجرم والقسوة التي انطوى معها إحدى العقوبتين الماليتين التكميليتين:
- فرض الغرامات.
- مصادرة العائدات والممتلكات والأصول المتأتية بصورة مباشرة أو غير مباشرة من الجرائم التي يدان بها الشخص، بشرط عدم المساس بحقوق الأطراف الثالثة بحُسن النيّة.
والحقيقة أن الجرائم المنصوص عليها في المادة (5) من النظام الأساسي للمحكمة هي أشد الجرائم خطورةً موضع الاهتمام الدولي، حيث تتسم بالفظاعة والقسوة، الأمر الذي يجعل العقوبة الرادعة عليها حتى في إطار القوانين الداخلية، وهي عقوبة الإعدام. إلا أن عدم إدراج هذه العقوبة من ضمن العقوبات التي يجوز للمحكمة فرضها على من يثبت اركابهم لجرائم دولية، يشكل ثغرة في النظام الردعي للمحكمة، ويعود سبب عدم إدراج عقوبة الإعدام في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة يعود لمجموعة من الأسباب، أبرزها:
1- وجود معارضة شديدة أثناء المؤتمر الدبلوماسي للعديد من الدول، وخاصةً دول الاتحاد الأوروبي ودول أمريكا اللاتينية، حول إمكانية إدراج عقوبة الإعدام ضمن الجزاءات المقررة في النظام الأساسي، وهذا يتماشى مع الاتجاهات الحديثة لتلك الدول، والمتمثلة في الدعوة المستمرة للوصول إلى إلغائها نهائياً من قوانينها الوطنية. وهذا على خلاف الدول العربية والإسلامية، والتي فتحت النقاش في المؤتمر الدبلوماسي حول عقوبة الإعدام وطالبت بإدراجها، كونها واردة في تشريعاتها الوطنية([14]).
2- تأثير المنظمات غير الحكومية وخاصةً المنظمات الإنسانية وجمعيات حقوق الإنسان وضغطها على الدول والحكومات من أجل إلغاء عقوبة الإعدام من أنظمتها القانونية الداخلية، وخاصةً الدور الذي مارسته من خلال مؤتمر روما المعني بإنشاء المحكمة، الأمر الذي أدى إلى عدم إدراج هذه العقوبة القاسية ضمن العقوبات الواردة ضمن نظام المحكمة الجنائية الدولية الدائمة.
وعليه، يمكن القول بأن عدم إدراج عقوبة الإعدام ضمن الجزاءات التي يمكن للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة توقيعها على من تتم إدانتهم لارتكابهم إحدى الجرائم المنصوص عليها في هذا النظام، سيضعف حتماً من فعالية المحكمة والطابع القمعي والردعي لها مثل ما تم تضعيف دورها بحصر اختصاصها وتحديد نطاقه وإشراك مجلس الأمن في سلطاتها، خصوصاً وأنها تختص بجرائم ذات جسامة بالغة، ومنه فليس من العدالة أن يرتكب شخص جريمة إبادة أو جرائم حرب وتثبت إدانته بها، ولا يوقع عليه جزاء مناسب للجريمة المرتكبة، يكون رادعاً ويكفل حماية المصلحة القانونية التي اعتدى عليها الشخص المدان، وفي الوقت ذاته تحقيق العدالة، ويتضح ممّا سبق، أن عدم إدراج عقوبة الإعدام ضمن الجزاءات المقررة في النظام الأساسي للمحكمة يُعتبر أهم المآخذ على هذا النظام، والذي تم التوصل إليه وإقراره بعد جهود كبيرة طال بها الزمن وتنازلات من جانب الدول في حق سيادتها على أقاليمها ورعاياها بهدف تحقيق العدالة الدولية وصيانة المصلحة العالمية للجماعة الدولية.
وبغية تقريب مواقف الدول والآراء المتعارضة في هذا الشأن، فقد تقرر إيراد حكم جاء بالمادة (80) من النظام الأساسي للمحكمة، حيث نصت أنّه: ” ليس في هذا الباب من النظام الأساسي ما يمنع الدول من توقيع العقوبات المنصوص عليها في قوانينها الوطنية أو يحول من دون تطبيق قوانين الدول التي لا تنص على العقوبات المحددة في هذا الباب”، وبذلك تكون الدول التي تنص تشريعاتها الوطنية على عقوبة الإعدام، وقد ضمنت اعتراف النظام الأساسي بحقها في النص على هذه العقوبة والإبقاء عليها، ومن دون أن يؤدي التطبيق المتواتر للنظام الأساسي، والذي لم ينص على هذه العقوبة مستقبلاً إلى تكوين عرف دولي قد يؤدي إلى اتهام هذه الدول بأن تشريعاتها الداخلية تخرق مبدأ عدم اعتماد النظام الأساسي لهذه العقوبة.
المطلب الثاني
تنفيذ العقوبات المقررة في نظام المحكمة
تعدّ مسألة تنفيذ العقوبات الدولية على الأفراد والدول ذات أهمية كبرى، كما أن تنظيم تنفيذ هذه العقوبات بأدوات وشروط واضحة يساهم في إقرار العدالة الدولية، وبالتالي توفير الحماية للمصلة القانونية. وفي هذا الإطار تناول النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة موضوع تنفيذ العقوبات في الباب العاشر. وهناك نوعين من التنفيذ حسب طبيعة ونوع العقوبة المفروضة.
أولاُ: تنفيذ أحكام السجن:
يقع تنفيذ العقوبات بالسجن على عاتق أي دولة من الدول الأطراف التي تعينها المحكمة من الدول التي تكون قد أبدت استعدادها أو رغبتها لقبول الأشخاص المحكوم عليهم في أقاليمها طبقاً للفقرة (1/أ) من المادة (11) من نظام روما الأساسي، ويجوز للدولة التي أبدت استعدادها لقبول المحكوم عليهم، أن تقرن إعلان قبولها هذا بشرط لقبولهم، توافق عليها المحكمة، وتتفق مع أحكام الباب العاشر طبقاً للفقرة (1/ب) من المادة (103) من نظام روما الأساسي([15]).
كما أن الفقرة الثانية من القاعدة (200) من القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات، بينت أنه لا تدرج هيئة الرئاسة دولة من الدول في القائمة المنصوص عليها في الفقرة (1) من المادة (103) في حال عدم موافقتها على الشروط التي تقرن بها هذه الدولة قبولها، وتأخذ المحكمة في اعتبارها عند قيامها بتعيين الدولة التي ستنفذ الحكم بالسجن بموجب الفقرة الأولى من المادة (103) مبدأ وجوب تقاسم الدول الأطراف مسؤولية تنفيذ أحكام السجن وفقاً لمبادئ التوزيع العادل، كما يجب على دولة التنفيذ المعنية باستقبال المحكوم عليهم في أية حالة، أن تبلغ المحكمة فوراً بما إذا كانت تقبل الطلب، وهذا استناداً للفقرة (1/جـ) من نفس المادة سالفة الذكر([16]).
وبموجب الفقرة (2/أ) من المادة (103) السابقة الذكر، وجب على دولة التنفيذ قيامها بإخطار المحكمة بأية ظروف، بما في ذلك تطبيق أية شروط يتفق عليها بموجب الفقرة الأولى من هذه المادة يمكن أن تؤثر بصورة كبيرة في شروط السجن أو مدته، ويتعين منح المحكمة مهلة لا تقل عن (45) يوماً من موعد إبلاغها بأية ظروف معروفة أو منظورة من هذا النوع، كما لا يجوز للدولة خلال تلك الفترة بمقتضى التزاماتها بتنفيذ جزاءات المحكمة اتخاذ أية إجراءات مخلة بالتزاماتها كالفصل في الأمور المتعلقة بالإفراج عن الأشخاص قبل انقضاء مدة العقوبة أو تخفيف الأحكام الصادرة ضدهم، وهذا ما أكدت عليه المادة (110) من نظام روما الأساسي([17]).
وحيثما لا تستطيع المحكمة الجنائية الدولية الدائمة الموافقة على الظروف المشار إليها في الفقرة الفرعية (2/أ)، تقوم المحكمة بإخطار دولة التنفيذ، وتتصرف وفقاً للفقرة الأولى من المادة (104)، بما في ذلك نقل الشخص المحكوم عليه إلى سجن تابع لدولة أخرى، وذلك طبقاً للفقرة (2/ب) من المادة (103) من نظام المحكمة.
أضافت الفقرة (4) من المادة (103) من النظام الأساسي للمحكمة، أنه في حالة عدم تعيين أي دولة لتنفيذ الجزاء المقرر بموجب الفقرة الأولى من المادة ذاته، أو أن أياً من الدول لم تبدِ استعدادها لقبول الأشخاص المحكوم عليهم، فإنّ الحكم الذي تصدره المحكمة ينفذ في السجن الذي توفره الدولة المضيفة وفقاً للشروط المنصوص عليها في اتفاق المقر، المشار إليه في الفقرة (2) من المادة (3) من نظام المحكمة، وفي هذه الحالة، تتحمل المحكمة التكاليف الناشئة عن تنفيذ حكم السجن.
وتنص القاعدة (202) من القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات، بأنه لا يتم تسليم الشخص المحكوم عليه من المحكمة الجنائية الدولية الدائمة إلى الدولة المعنية للتنفيذ، ما لم يكتسب القرار المتعلق بالإدانة والقرار المتعلق بالعقوبة الدرجة القطعية. كما تنص المادة (104) والقاعدة (209) من القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات، على إمكانية تغيير الدولة المعنية للتنفيذ من قبل المحكمة وفي أي وقت، وذلك بناءً على قرار نابع من هيئة رئاسة المحكمة، أو بناءً على طلب كتابي مسبّب من الشخص المحكوم عليه أو المدعي العام، وتتحمل دولة التنفيذ التكاليف العادية لتنفيذ العقوبة في إقليمها، بينما تتحمل المحكمة التكاليف الأخرى كتكاليف نقل الشخص المحكوم عليه، وذلك طبقاً للقاعدة (208) من القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات([18]).
وينص نظام روما الأساسي على بعض الشروط التي يجب على دولة التنفيذ احترامها لضمان تنفيذ أحكام السجن على أحسن وجه، ولعل أول هذه الشروط، هو أن الدولة تكون ملزمة بتنفيذ حكم السجن كما أصدرته المحكمة، ورهناً بالشروط التي تكون الدولة قد حددتها وفقاً للفقرة (1/ب) من المادة (103) من النظام الأساسي، ويجب على دولة التنفيذ الالتزام بما تقرره المحكمة، كما لا يجوز لدولة التنفيذ أن تعوق الشخص المحكوم عليه عن تقديم أي طلب من هذا القبيل، وذلك تأكيداً لمبدأ حق المحاكمة العادلة المؤكد عليها في النظام الأساسي للمحكمة، وفي المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان([19])، ومن بين الشروط الأخرى التي وضعها النظام الأساسي للمحكمة في المادة (106) منه، هو ضرورة أن يكون تنفيذ حكم السجن خاضعاً لإشراف المحكمة ومتفقاً مع المعايير التي تنظّم معاملة السجناء والمقررة في المعاهدات الدولية.
الخاتمة
تجسد جريمة الإبادة الجماعية أخطر أشكال الاعتداء المنهجي على الكيان الإنساني الجماعي، لما تنطوي عليه من إنكار كامل للحق في الوجود، واستهداف مقصود لجماعات محمية بموجب القانون الدولي، وقد شكّل إدراج هذه الجريمة ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية خطوة متقدمة في مسار تطوير العدالة الجنائية الدولية، بما يعكس توجهاً دولياً نحو إخضاع مرتكبي أخطر الجرائم للمساءلة الجنائية الفردية، وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
غير أن التطبيق العملي لأحكام نظام روما الأساسي أظهر أن فاعلية المحكمة الجنائية الدولية في ملاحقة مرتكبي جريمة الإبادة الجماعية ما تزال تواجه تحديات قانونية وسياسية، تتصل بإثبات القصد الخاص، وبقيود الاختصاص، وبمدى تعاون الدول في تنفيذ أوامر القبض والأحكام القضائية. ومن ثم فإن نجاح العدالة الجنائية الدولية في مواجهة هذه الجريمة يظل مرهوناً بتطوير الإطار القانوني للمحكمة وتعزيز الإرادة الدولية الداعمة لعملها، بما يضمن حماية الجماعات البشرية من خطر الإبادة وتحقيق العدالة للضحايا.
اولاً_ الاستنتاجات
- تعد جريمة الإبادة الجماعية جريمة دولية ذات طبيعة استثنائية، تقوم على أركان مشددة تميزها عن غيرها من الجرائم الدولية، ولا سيما من حيث القصد الجنائي الخاص المتمثل في نية التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة محمية.
- أسهم نظام روما الأساسي في إرساء أساس قانوني واضح لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية في ملاحقة مرتكبي جريمة الإبادة الجماعية، مع تكريس مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية دون اعتبار للصفة الرسمية.
- يواجه إثبات جريمة الإبادة الجماعية صعوبات عملية وقانونية، خاصة في ما يتعلق بإثبات القصد الخاص والربط بين الأفعال الفردية والسياسات أو الأنماط الإجرامية العامة.
- ما تزال فاعلية سلطة المحكمة الجنائية الدولية في العقاب محدودة نسبياً بسبب اعتمادها الكبير على تعاون الدول، وتأثر عملها بالاعتبارات السياسية ومبدأ السيادة الوطنية.
ثانياً_ التوصيات
- ضرورة تعزيز التعاون الدولي مع المحكمة الجنائية الدولية، ولا سيما في مجالات تسليم المتهمين وتنفيذ أوامر القبض والأحكام القضائية الصادرة عنها.
- العمل على تطوير آليات الإثبات أمام المحكمة الجنائية الدولية، بما يسهم في تسهيل إثبات القصد الخاص في جريمة الإبادة الجماعية من خلال الاستعانة بالقرائن والسياق العام للجرائم.
- تشجيع الدول على مواءمة تشريعاتها الوطنية مع أحكام نظام روما الأساسي، بما يسمح بممارسة الاختصاص التكميلي بصورة فعّالة ويحد من الإفلات من العقاب.
- تعزيز الدور الوقائي للقانون الدولي الجنائي من خلال تفعيل آليات الإنذار المبكر والرصد الدولي، للحد من وقوع جرائم الإبادة الجماعية قبل اكتمال أركانها.
قائمة المصادر والمراجع
أولاً_ الكتب
- أشرف شمس الدين، مبادئ القانون الجنائي الدولية، ط 1، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، 1999.
- حسنين إبراهيم صالح عبيد، الجريمة الدولية، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، 1999.
- سفيان حمروش، النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، رسالة ماجستير، كلية الحقوق والعلوم الإدارية، جامعة الجزائر، الجزائر، 2003.
سمير عالية، القانون الدولي الجزائي، الطبعة الأولى، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، 2022.
- شريف سيد كامل، اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، 2006.
- الطاهر مختار علي سعيد، القانون الدولي الجنائي، الجزاءات الدولية، ط1، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، 2000.
- عبد الله سليمان سليمان، المقدمات الأساسية في القانون الدولي الجنائي ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1992.
- عبد الوهاب حومد، الاجرام الدولي،ج 1، مطبوعات جامعة الكويت، الكويت، 1987.
- علي عبد القادر قهوجي، القانون الدولي الجنائي، منشورات الحلبي الحقوقية، ط 1، بيروت، لبنان، 2001.
- عمر سعد الله، تطور تدوين القانون الدولي الجنائي، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، مصر، 2001.
فتوح الشاذلي، القانون الجنائي الدولي، الكتاب الأول، درار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، مصر، 2001.
- محمد طلعت الغنيمي، ومحمد السعيد الدقاق، القانون الدولي العام، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، مصر، 1991.
- وليم نجيب نصار، مفهوم الجرائم ضد الإنسانية في القانون الدولي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 2، بيروت، لبنان، 2014.
ثانياً_ المواثيق الدولية
-
-
-
- ميثاق الأمم المتحدة 1945.
- نظام روما الأساسي 1998.
-
-
الهوامش:
-
() عبد الوهاب حومد، الاجرام الدولي،ج 1، مطبوعات جامعة الكويت، الكويت، 1987، ص 244. ↑
-
() شريف سيد كامل، اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، 2006، ص 64. ↑
-
() عبد الله سليمان سليمان، المقدمات الأساسية في القانون الدولي الجنائي ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1992، ص 286. ↑
-
() أشرف شمس الدين، مبادئ القانون الجنائي الدولية، ط 1، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، 1999، ص 198 وما بعدها. ↑
-
() علي عبد القادر قهوجي، القانون الدولي الجنائي، منشورات الحلبي الحقوقية، ط 1، بيروت، لبنان، 2001، ص 133. ↑
-
() عبد الله سليمان سليمان، المرجع السابق. ↑
-
() فتوح الشاذلي، القانون الجنائي الدولي، الكتاب الأول، درار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، مصر، 2001، ص 252-253. ↑
-
() سمير عالية، القانون الدولي الجزائي، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، 2022، ص 86- -87. ↑
-
() سمير عالية، القانون الدولي الجزائي، المرجع السابق، ص 120-121. ↑
-
() عبد الله سليمان سليمان، المرجع السابق. ↑
-
() أنظر: المادة (103/1/أ) من نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة. ↑
-
() حسنين إبراهيم صالح عبيد، الجريمة الدولية، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، 1999، ص 135. ↑
-
() محمد طلعت الغنيمي، ومحمد السعيد الدقاق، القانون الدولي العام، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، مصر، 1991، ص66. ↑
-
() الطاهر مختار علي سعيد، القانون الدولي الجنائي، الجزاءات الدولية، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2000، ص 224. ↑
-
() عمر سعد الله، تطور تدوين القانون الدولي الجنائي، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، مصر، 2001، ص 231. ↑
-
() علي عبد القادر القهوجي، مرجع سابق، ص 461. ↑
-
() أنظر: المادة (110) من نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة. ↑
-
() سفيان حمروش، النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، رسالة ماجستير، كلية الحقوق والعلوم الإدارية، جامعة الجزائر، الجزائر، 2003، ص 161- 163. ↑
-
() أنظر: المادة (105) من نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة. ↑