دور وسائل التواصل الاجتماعي في تكوين الرأي العام

The Role of Social Media in Shaping Public Opinion

د. عادل بن عبد الرحمن الخضيري1

1 جامعة الملك سعود -كلية الآداب والعلوم الإنسانية، المملكة العربية السعودية

البريد الإلكتروني adelalkhudiri@gmail.com

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj611/28

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/611/28

المجلد (6) العدد (11). الصفحات: 462 - 480

تاريخ الاستقبال: 2025-10-07 | تاريخ القبول: 2025-10-15 | تاريخ النشر: 2025-11-01

Download PDF

المستخلص: تناولت الدراسة دور وسائل التواصل الاجتماعي في تكوين الرأي العام، لما للرأي العام من دور محوري في صناعة القرار وتوجيهه عبر الوسائل التكنولوجية الحديثة، ويعد الرأي العام من أبرز الموضوعات التي يوليها علم الاجتماع السياسي اهتماماً بالغاً، لما له من أهمية في بناء النظامين السياسي والاجتماعي، وكذلك في دعم استقرار أنظمة الحكم داخل المجتمعات، فالرأي العام يُعبّر عن توجهات أفراد المجتمع تجاه قضية أو قرار يمس مصالحهم ويعكس تطلعاتهم، سواء كانت هذه القضايا اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية، وتنبع أهمية الدراسة من الحاجة إلى توعية أفراد المجتمع بما يسهم في تحقيق نقلة ثقافية ومعرفية. وتصنف هذه الدراسة ضمن الدراسات الوصفية التي تهدف إلى تحليل أبعاد الرأي العام وأهميته لدى الأفراد والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، من خلال جمع البيانات والحقائق المتعلقة بالظاهرة، وتفسير عوامل تكوين الرأي العام وطرق قياسه. وقد اعتمدت الدراسة على المنهج الوثائقي، وهو أحد المناهج المتبعة في البحوث الاجتماعية، عبر مراجعة وتحليل المصادر والمراجع والدراسات السابقة ذات الصلة، بهدف الوصول إلى فهم علمي وعملي لموضوع الدراسة. وقد توصَّلت الدراسة لعدة نتائج أبرزها: أن الرأي العام يتشكل لتحقيق أهداف مجتمعية تسهم في رقي المجتمع، وأن تأثير منصات التواصل الاجتماعي قد تجاوز التوقعات، وأصبحت من أهم أدوات تشكيل وحشد الرأي العام، كما أكدت الدراسة على ضرورة التعامل الواعي مع الرأي العام، وعلى أهمية احتوائه من قبل صناع القرار، ودراسة المطالب السياسية والاجتماعية، وبينت النتائج أن تزايد الاهتمام بالرأي العام في عصرنا الحديث هو نتيجة تعدد وسائل الاتصال والأحداث الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الواقعة في المجتمعات العربية والغربية، وضرورة تأهيل متخصصين لإدارة الأزمات الناتجة عن التأثيرات السلبية للرأي العام واحتوائه بطرق علمية، وضرورة تدريب كوادر مؤهلة تجيد التعامل مع التقنيات الحديثة لمراقبتها للحد من مخاطر الشائعات.

الكلمات المفتاحية: علم الاجتماع السياسي، وسائل التواصل الاجتماعي، الرأي العام.

Abstract: The study examined the role of social media in shaping public opinion, given the central role that public opinion plays in influencing and guiding decision-making through modern technological means. Public opinion is one of the most prominent topics that political sociology pays great attention to, due to its significance in building both political and social systems and in supporting the stability of governance within societies. Public opinion reflects the attitudes of individuals toward issues or decisions that affect their interests and express their aspirations, whether these issues are social, political, or economic. The importance of the study stems from the need to raise public awareness in ways that contribute to achieving cultural and intellectual transformation. This research is classified as a descriptive study that aims to analyze the dimensions of public opinion and its significance for individuals and governmental and non-governmental institutions. It does so by collecting and interpreting data and facts related to the phenomenon and by explaining the factors that shape public opinion and the methods of measuring it. The study adopted the documentary approach, one of the recognized methods in social research, by reviewing and analyzing relevant sources, references, and previous studies to reach a scientific and practical understanding of the subject. The study reached several key findings, the most important of which are: public opinion is formed to achieve societal goals that contribute to the advancement of society; the influence of social media platforms has exceeded expectations and has become one of the main tools for shaping and mobilizing public opinion; the study emphasized the need for conscious engagement with public opinion and the importance of addressing it by decision-makers through examining political and social demands. The findings also indicated that the growing interest in public opinion in the modern era is a result of the multiplicity of communication means and the ongoing social, economic, and political events in both Arab and Western societies. Finally, the study highlighted the necessity of training specialists to manage crises arising from the negative impacts of public opinion and to address them scientifically, as well as training qualified personnel capable of using modern technologies to monitor and reduce the risks of misinformation and rumors.

Keywords: Political Sociology, Social Media, Public Opinion.

مقدمة الدراسة:

يُعد الرأي العام عنصرًا بالغ الأهمية لجميع أنظمة الحكم حول العالم، سواء في الدول المتقدمة أو النامية، ديموقراطية الحكم أو ديكتاتورية الحكم، ففي الأنظمة الديمقراطية، يُشكّل الرأي العام مصدرًا رئيسيًا للقوة والشرعية، إذ يعكس حرية التعبير والتقدم السياسي، ويُعزز مكانة النظام بين الشعوب، أما في الأنظمة الديكتاتورية، فرغم اختلاف طبيعة الحكم، فإنها تولي اهتمامًا كبيرًا بالرأي العام، وتحرص على مراقبة أدواته لضمان استمرار السيطرة على السلطة، وغالبًا ما تسعى هذه الأنظمة إلى إظهار تأييد شعبي واسع لها، بهدف تعزيز قوتها أمام الدول الأخرى أو الخصوم.

ومن هنا، يتضح أن الرأي العام يمثل ركيزة أساسية لا غنى عنها في مختلف أشكال الحكم.

تتألف هذه الدراسة من أربعة فصول رئيسية، خصص الفصل الأول لعرض مشكلة الدراسة، وأهميتها، وأهدافها، وتساؤلاتها، بالإضافة إلى توضيح المفاهيم الأساسية المرتبطة بها، وسيتم في هذا الفصل تناول المفاهيم الواردة في الدراسة كما وردت في الأدبيات والمراجع العلمية، مع استعراض تعريفات الباحثين لها، كما سيتم تقديم تعريف إجرائي لمفهوم “الرأي العام” مستندًا إلى واقع المجتمعات المعاصرة والأحداث الجارية، مع إبراز ما يمثله هذا المفهوم من أهمية سياسية واجتماعية واقتصادية، حيث يُنظر إلى الرأي العام بوصفه أحد الحقوق الأساسية للإنسان، إذ يُتيح له التعبير عن آرائه بما ينسجم مع تحقيق طموحاته وتطلعاته في مختلف مجالات الحياة.

يتناول الفصل الثاني من هذه الدراسة الإطار النظري، حيث يتم استعراض أبرز النظريات التي تفسر مفهوم الرأي العام، إلى جانب مراجعة الدراسات السابقة ذات الصلة. أما الفصل الثالث فيُخصص لتقديم لمحة شاملة عن الرأي العام، تشمل نشأته، أنواعه، طرق قياسه، العوامل المؤثرة في تكوينه، وأوجه تأثيره في مختلف المجالات.

وفي الفصل الرابع، يتم عرض الإجراءات المنهجية المتبعة في الدراسة، بما في ذلك نوع الدراسة والمنهج المستخدم في الدراسة. بينما سيتضمن الفصل الخامس عرض للنتائج التي تم التوصل إليها من خلال مراجعة الأدبيات العلمية والدراسات السابقة، بالإضافة إلى تقديم مجموعة من التوصيات المتعلقة بالرأي العام، تُسهم في تطوير الفهم والممارسة في هذا المجال، ويُختتم الفصل بذكر المراجع التي تم الاعتماد عليها، راجياً أن تُسهم هذه الدراسة في إثراء المعرفة العلمية حول موضوع الرأي العام.

الفصل الأول

أولاً: مشكلة الدراسة:

يكتسب الرأي العام أهمية في تقرير المصير للأمم كافة والأنظمة الحاكمة خاصة فلا وجود لحاكم أو نظام بدون الرأي العام والذي هو تأييد الشعب، حيث تحدد الشعوب وتختار أنظمتها وحكامها، وذلك ما هو سائر في الدول الديموقراطية حيث تعتمد على أصوات شعبها في تكوين القرار السياسي والانتخابي.

وقد أقر الاسلام حقوقاً للإنسان في السياسة والاقتصاد والاجتماع وتمثل ذلك بالمشاركة بالرأي والاستشارة والتكافل الاجتماعي والتعاون (الجوهري،2001 : 322-326).

ولأهمية الرأي العام في المجتمعات البشرية فقد تم تناول العديد من الدراسات منذ القدم حول الرأي العام مثل كتابات جيمس برايس James Bryce في الكومنولث الأمريكي، عام 1881م، وكتاب( كارل فون جيرنر دورف) فكرة الرأي العام وطبيعته، وكذلك كتاب (لويس جورج كورنوبل) عن السلطة والرأي العام، وكذلك اهتمام العديد من العلماء والمفكرين للرأي العام (الانترنت).

ولأهمية الرأي العام ظهرت أول مجلة تبحث في شؤون الرأي العام في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1937م، وأنشأت العديد من مراكز قياس الرأي العام مثل معهد “جالوب” الأمريكي، كما كان للثورة الفرنسية تأثير في وضوح الرأي العام والاهتمام به من قبل الحكام والمفكرين والعلماء والسياسيين.

ومن الاهتمامات حول الرأي العام ما تضمنه الإعلان العالمي لحقوق الانسان عام1984، بأن الرأي حق من حقوق الانسان وقد تضمن الاعلان التالي:

1- لكل إنسان الحق في حرية الرأي والتعبير.

2- لكل إنسان الحق في حرية الاشتراك في الجماعات الانسانية والمجتمعات.

3- لكل إنسان الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده مباشرة أو عن طريق ممثلين يختارون اختياراً حراً.

4- لكل فرد الحق في أن يشترك حراً في حياة المجتمع الثقافية.

وقد شهد القرن العشرون تطورًا ملحوظًا في وسائل الاتصال الحديثة، مما أسهم في تقليص الفوارق المكانية والزمانية بين الشعوب، وسهّل انتقال المعلومات بسرعة وفعالية غير مسبوقة، وقد انعكس هذا التطور بشكل مباشر على تنامي الاهتمام بالرأي العام، سواء على المستوى المحلي، أو على الصعيد العالمي، حيث أصبح للرأي العام دور متزايد في التأثير على السياسات والقرارات، وفي تشكيل الاتجاهات العامة في مختلف القضايا داخل المجتمعات.

ثانياً: أهمية الدراسة:

الأهمية العلمية:

كل إنسان يهتم بالرأي العام؛ لأنه قوة ذات أثر كبير في حياة الناس اليومية فهو الذي يبني الشهرة ويهدمها، ويضع القوانين ويلغيها ويراعي التقاليد الاجتماعية والمبادئ الأخلاقية.

ومما لاشك فيه بأن الرأي العام يُعد من المؤثرات الأساسية في حياة الإنسان اليومية، إلا أن قلة من الأفراد قد أولوه اهتمامًا عميقًا أو سعوا لفهم آليات تشكّله وتأثيره، ولا يقتصر الاهتمام بالرأي العام على الزعماء وقادة الجماعات فحسب، بل يشمل أيضًا العاملين في مجالات الصحافة، والسياسة، وعلم الاجتماع، والأخلاق، والاقتصاد، ومن خلال دراسة الرأي العام وتحليل اتجاهاته، يمكن اكتساب معرفة واسعة ومتنوعة حول ثقافات متعددة وقضايا شاملة، تمتد عبر مستويات اجتماعية وسياسية واقتصادية مختلفة، مما يُسهم في تعزيز الفهم العام وتوسيع الأفق المعرفي لدى الأفراد والمجتمعات.

الأهمية العملية:

للرأي العام أهمية عملية في جوانب الحياة المختلفة تتمثل فيما يلي:

  1. يساعد في تنمية أفراد المجتمع وتعلمهم والحصول على الفائدة العملية وتحقيق المصلحة للمجتمع والمساهمة في الجهود الحكومية الخدمية.
  2. يساهم بالمحافظة والاهتمام بالمال العام والمصالح العامة وإحداث التغييرات اللازمة للتطور ومواكبة الاحتياجات والمشروعات المتعلقة بالتنمية وغيرها من مواضيع مختلفة اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية.
  3. كل ما من شأنه إحداث نقله ثقافية ومعرفة عملية وخبرة في الحياة.

ثالثاً: أهداف الدراسة:

  1. التعرف على أهمية الرأي العام لأفراد المجتمع.
  2. التعرف على طريقة تكوين الرأي العام في المجتمع.
  3. التعرف على تأثير الرأي العام على النظام والقوانين وصنع القرار السياسي.
  4. التعرف على دور الرأي العام في المجتمع وعوامل تأثيره.
  5. التعرف على طرق قياس الرأي العام.
  6. التعرف على وظائف الرأي العام وأساليبه.
  7. التعرف على أنواع الرأي العام ومدى تأثير كل منها.

رابعاً: تساؤلات الدراسة:

  1. ما مدى أهمية الرأي العام لأفراد المجتمع؟
  2. ما هي طريقة تكوين الرأي العام في المجتمع؟
  3. ما هي تأثيرات الرأي العام على النظام والقوانين وصنع القرار السياسي؟
  4. ما هو دور الرأي العام في المجتمع؟
  5. ما هي طرق قياس الرأي العام؟
  6. ما هي وظائف الرأي العام وأساليبه؟
  7. ما هي أنواع الرأي العام ومدى تأثير كل منها على أفراد المجتمع؟

خامساً: مفاهيم الدراسة:

مفهوم الرأي العام: حظي الرأي العام باهتمام الكثير من العلماء والمفكرين والباحثين وقد اختلفوا في تعريف الرأي العام وقدموا تعريفات مختلفة، منها:

– أن الرأي العام هو: تلك الآراء التي يعتقدها ويحملها أشخاص معينون والتي يرى أن من الحكمة الانتباه لها.

– عرفه “وليم البيج Albig”: بأنه تعبير حول موضوع جدلي تُرجم إلى كلمات وهو نِتاج التفاعل بين الأفراد بعضهم مع بعض في أي شكل من أشكال الجماعات المختلفة والتي قد يتراوح عددها بين اثنين فأكثر، ويظهر الرأي العام في صورة أفكار ويمكن أن تعرف الأفكار من خلال بعض وسائل الاتصال وعلى ضوء هذه الأفكار يمكن افتراض اتجاهاته وقوانينه.

– عرفه “يونج kimbail young”: بأنه المعتقدات والاقتناعات أو آراء الأفراد حول أمور واسعة الانتشار أو مصلحة عامة، وقد يدرس الرأي العام في نطاق الاقتناع الخالص بالمسائل في لحظة معينة من الزمن أو قد ينظر إليها حركياً في إطار عمليات التفاعل التي ينطوي عليها في تكوين اتفاق ما أو رأي مشترك.

– كما عرفه “دوب Doob”: بأنه اتجاهات الناس إزاء قضية معينة حينما يكونون أعضاء في نفس الفصيلة الاجتماعية أو الجماعة المحلية.

– ويرى “سمير حسن”: أن الرأي العام في مجتمع ما هو الرأي الغالب أو الاعتقاد السائد أو إجماع الآراء أو الاتفاق الجماعي لدى غالبية فئات الشعب أو الجمهور تجاه أمر أو ظاهرة أو قضية أو موضوع معين يثور حوله الجدل وهذا الاجماع له قوة وتأثير على القضية أو الموضوع الذي يتعلق به(عوض،1985: 120).

كما عُرف الرأي العام بأنه: موقف الجماهير نحو القضايا السياسية العامة التي تمس حياتها مباشرة أو بطريقة غير مباشرة في فترة معينة (الكفارنة،2011 :186).

وذكر (الحسن،2008)، في تفسيره للرأي العام، أنه عند دراسة الرأي العام لابد أن نعرف مفهوم (الرأي) ومفهوم (العام)، فاصطلاح الرأي يعني فكرة أو عقيدة أو مذهب لم تبرهن صحته في الوقت الحاضر ولم تثبت فرضياته وحججه، لذا يحتاج إلى براهين وأدلة وتجارب تؤيد صحته وتعزز مبادئه وتثبت فرضياته ليصبح حقيقه لا تشوبها الشكوك ولا تتأثر بالقيم.

واصطلاح العام يعني الأشياء والأحداث التي لا تتعلق بأفراد كثيرين وجماعات مختلفة وجماهير متعددة ومجتمعات محلية متباينة بصفاتها الموضوعية والذاتية، وعند دمج المصطلحين الرأي العام فيكون معناه الشامل هو: مجموعة من الأفكار والآراء والمعتقدات المنتشرة بين الناس حول حادثة أو ظاهرة معينة لن تثبت صحتها ولن تؤيد شرعيتها وقانونيتها لكونها تتعلق بالجوانب الذاتية للأفراد والجماعات ولم تتيسر لهم الوقت الكافي لبرهان طموحاتها ومبادئها (الحسن،2008 : 119-120).

والرأي العام أعرفه إجرائياً: بأنه حالة من التوافق الجماعي بين أفراد يُشكّلون الأغلبية داخل مجتمع معين، وفي سياق زمني ومكاني محدد، تجاه فكرة أو موقف أو حدث يُنظر إليه على أنه ذو أهمية خاصة بالنسبة لهم، بغض النظر عن طبيعة الموضوع، وينبع هذا التوافق من وجود أهداف وغايات مشتركة يسعى هؤلاء الأفراد إلى تحقيقها، بما يعكس تطلعاتهم ويخدم مصالحهم في مختلف جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

استعمالات الرأي العام:

يستعمل في معنيين مختلفين كما يلي:

الأول: يتميز بالثبات والاستقرار، أي جامد وغير مُحرك للجماهير ولا يمكن إثبات صحته وشرعيته.

الثاني: يتميز بالحركة والديناميكية، أي كون الرأي قادراً على دفع الناس لاتخاذ مواقف وقرارات تشبع حاجاتهم وتحقق طموحاتهم القريبة والبعيدة (الحسن،2008 :121).

  • ومن هذه التعاريف نصل إلى مجموعة من القواعد الأساسية المرتبطة بالرأي العام والمؤثرة فيه، وهي:
  1. أنه مجموعة من الآراء ووجهات النظر للناس في الحياة العامة.
  2. الرأي العام متعدد الوجهات والتيارات والأفكار والحجج المختلفة لكل تيار.
  3. الرأي العام له تأثيره في الحياة السياسية.
  4. يتميز الرأي العام بالحساسية تجاه الأحداث الهامة.
  5. يتأثر الرأي العام بمؤثرات خارجية وعوامل ثقافية واقتصادية وتربوية وحياة الجماعة وموقف الفرد منها.
  6. الرأي العام ديناميكي أي دائم الحركة والتبدل والتطور.
  7. الرأي العام هو الظاهرة الفكرية الناجمة عن الحشد الذهني للجماعات التي يترتب عليها أقوى العلاقات الاجتماعية والنفسية للفرد ثم الجماعة، وتوجه الأفراد جماعياً.
  8. الرأي العام نتاج اجتماعي لعملية اتصال وتأثير متبادل بين والاتفاق ضرورة على الموضوع ومناقشة وجوه الاختلاف.

وقد كتب “ميكافيللي” عن الرأي العام في كتابه ” الأحاديث” قائلاً: لا يستطيع إنسان واعٍ أن يُغفل الرأي العام في مسائل معينة كتوزيع الوظائف وإجراء الترقيات.

وعرف “بيرنارد هينس” الرأي العام أنه: رأي من بين الآراء العديدة حول موضوع عام له أهميته، وقال أن الرأي العام كالإعلام إلا أنه تطور وأصبح هو الأداة المهيمنة على الرأي العام، وأصبح الإعلام من بعد صورة للرأي العام والتأثير في الرأي العام وخداع الرأي العام وتوجيهه(عوض،1985: 120-124).

الفصل الثاني: الإطار النظري للدراسة

يُعد الرأي العام من القضايا الجوهرية التي يوليها علم الاجتماع السياسي اهتمامًا بالغًا، نظرًا لما له من تأثير مباشر في تشكيل القرارات والسياسات العامة. وقبل الخوض في الإطار النظري المتعلق بالرأي العام، من الضروري تقديم عرض موجز للعلاقة بين علم الاجتماع وعلم السياسة، لما لهذه العلاقة من أهمية في فهم السياقات التي يتشكل فيها الرأي العام.

فعلم الاجتماع يهتم بدراسة البُنى الاجتماعية، والسلوك الجمعي، والتفاعلات داخل المجتمع، بينما يركّز علم السياسة على تحليل السلطة، والحكم، وصنع القرار، وتكمن أهمية العلاقة بين العلمين في أن الظواهر السياسية لا تنفصل عن السياق الاجتماعي، بل تتأثر به وتؤثر فيه، ومن خلال هذا الترابط، يمكن فهم كيف يتشكل الرأي العام ضمن بيئة اجتماعية معينة، وكيف يُسهم في توجيه السياسات العامة وصياغة القرارات السياسية.

وتكمن أهمية دراسة علم الاجتماع السياسي لارتباطه بالعلوم الاجتماعية متمثلة بالعلاقات الاجتماعية والثقافية والسلوك الاجتماعي والعادات والتقاليد، كما تطورت دراسات التنشئة السياسية التي اهتمت بالأسرة والمدرسة والجماعة وتأثيرها على التفاعلات السياسية، وتطور علم الاجتماع السياسي باهتمامه بالبعد الاجتماعي لسلوك الانسان السياسي(الكفارنه،2011: 18-19).

وقد أكد “سارتوري” على أن علم الاجتماع السياسي هو الفرع الذي يدرس العلاقة بين السياسة والمجتمع أي بين البناءات السياسية والاجتماعية، بين السلوك السياسي والسلوك الاجتماعي، ويوضح الارتباط بين علم الاجتماع وعلم السياسة السلوك الانتخابي وقضايا المشاركة السياسية والأحزاب السياسية، وجميع هذه القضايا لها جذورها الاجتماعية وترتبط بالنظام الاجتماعي في المجتمع كما ترتبط بأنظمة الحكم والرأي العام(الجوهري، 2001: 20).

كما أن العالم الاجتماعي السياسي يعتمد على دراسات علم الاجتماع في فهم العلاقة المتفاعلة بين مؤسسات المجتمع وأثر الإنسان فيها واستعمال المصطلحات المنهجية والنظريات المختلفة في علم الاجتماع التي تدرس الظواهر والعمليات والتفاعلات الاجتماعية والسياسية التي يتخصص فيها العالم الاجتماعي السياسي(الحسن،2005: 40).

وهناك علاقة مميزة لعلم الاجتماع السياسي افتراضه بأن النظام السياسي لا يمكن إدراكه كمجموعة من القواعد والمؤسسات القانونية بل ينبغي النظر له باعتباره النظام الاجتماعي بأكمله الذي يتفاعل في بعد من أبعاده المتعددة، حيث هناك علاقة بين القيم ونظام الحياة في المجتمع(عوض،1985 :18).

وبناء على ما سبق ذكره فإنه لا يمكن تفسير ظاهرة سياسية أو حدث سياسي ظهر في أي مجتمع باستخدام علم الاجتماع أو علم السياسية على حده بل لا بد من الاستفادة من العلمين في تفسير الظاهرة تفسيراً وافياً لجميع الجوانب والأحداث.

ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى أن الرأي العام يحظى باهتمام بالغ في إطار علم الاجتماع السياسي، نظرًا لما يمثله من صلة وثيقة ومؤثرة بالسلطات الثلاث في الدولة: التشريعية، والقضائية، والتنفيذية. فالرأي العام يُعد أداة فاعلة في توجيه السياسات العامة، وصياغة التشريعات، ومراقبة أداء المؤسسات، كما يُسهم في تعزيز الشفافية والمساءلة ويُعزز من التفاعل بين المواطن والدولة، مما يجعله عنصرًا محوريًا في فهم طبيعة العلاقة بين المجتمع والنظام السياسي.

أولاً: النظريات المُفسِّرة للدراسة:

النظرية البنائية الوظيفية:

ظهرت النظرية في القرن التاسع عشر على يد العالم البريطاني “هربرت سبنسر” وطورها كل من ( تالكوت بارسونز وروبرت ميرتون وهانز كيرث وسي رايت ميلز)، وقد ظهرت كرد فعل للتراجع الذي وصلت إلية النظرية البنائية والنظرية الوظيفية كل على حده، حيث تنظر النظرية البنائية الوظيفية إلى الظاهرة الاجتماعية على أنها وليدة الأجزاء وأن لها وظيفة اجتماعية مباشرة أو غير مباشرة مع الأجزاء الأخرى للبناء الاجتماعي، والنظرية تعترف ببناء الكيانات الاجتماعية وترتكز البنائية الوظيفية على مبادئ منها:

  1. أن المجتمع يتكون من أجزاء وهذه الأجزاء مترابطة ومتساندة ومتجاوبة مع الأخرى.
  2. أن المجتمع أو المؤسسة أو الجماعة لكل منهم له وظيفة أساسية.
  3. أن لكل جزء من الأجزاء دور ومكانة ووظيفة وكل جزء مكمل للآخر وبذلك يحدث التكامل وعملية التغير الاجتماعي.
  4. أن الوظيفة التي تؤديها الجماعة أو المؤسسة تشبع الحاجات(الانترنت).

وبناء على ما ذكر حول النظرية البنائية الوظيفية فإنها تفسر أهمية الرأي العام من جانب أن أفراد المجتمع باعتبارهم أنساق وأن لكل نسق دور وعند تكامل هذه الأنساق واتحادها فهي تقوم بتحقيق أهدافها ومصالحها وذلك بتكوينها رأي عام يحقق طموحاتهم وغاياتهم، وهذا الرأي العام يقوم به كل فرد من أفراد المجتمع، كون هذا الفرد ذا أهمية في تقديم ما فيه منفعة له ولمجتمعه باعتباره نسق.

النظرية التفاعلية الرمزية:

تدرس النظرية الأفراد في المجتمع ومفهومهم عن المواقف والمعاني والأدوار وأنماط التفاعل، وكان من أبرز ممثلي النظرية التفاعلية الرمزية العالم “جورج هربرت ميد” الذي يعد من أشهر الرواد المؤسسين في الاتجاه التفاعلي والذي ركز على فهم التفاعل المتبادل والذات الاجتماعية داخل المجتمع، كما ركز على الوحدات الصغرى للسلوك الاجتماعي.

ومن علماء التفاعلية الرمزية ” تشارلز كولي وهربرت بلومر، والعالم الألماني ماكس فيبر” الذي اهتم بتحليل الأنساق أو الوحدات الاجتماعية الصغرى، وقد أكد فيبر أن المجتمعات الإنسانية يمكن دراستها من خلال فحص المعاني الفردية وفهم معاني السلوك للأفراد اللذين يتفاعلون مع بعضهم البعض وقد أطلق عليها (الفهم).

تدور فكرة التفاعلية الرمزية على أساسين هما: الرموز والمعاني في صورة للتفاعل في المجتمع وتشير التفاعلية الرمزية على أن الرموز هي القدرة التي يمتلكها الكائن للتعبير عن الأفكار باستخدام الرموز في تعاملاتهم مع بعضهم البعض، ولهذه الرموز أهمية في تبادل الأفكار والمعلومات والاتصال فيما بينهم ومن أهم تلك الرموز اللغة المستخدمة في عملية التفاعل الاجتماعي.

ويشير “هربرت بلومر” إلى فرضيات التفاعلية، بالتالي:

  1. أن البشر يتصرفون حيال الأشياء على أساس ما تعنيه تلك الأشياء لهم.
  2. هذه المعاني هي نتاج للتفاعل الاجتماعي في المجتمع الانساني(الانترنت).

ومن هذا الطرح يمكن أن نفسر أن النظرية التفاعلية الرمزية تشرح طريقة تكوين الرأي العام في أي مجتمع وذلك بالتبادل للرموز والمعاني والمحادثات والحوار بين طرف وآخر لتحقيق هدف ما، وبذلك التبادل بين الأفكار يحصل هناك تكوين للرأي العام الذي من شأنه إحداث تفاعل يقود إلى سلوك معين.

نظرية الرأي العام:

إن النظرية مشتقه من الديموقراطية كشكل للحكومة، حيث أن الرأي العام يحظى باهتمام الحكومات الديموقراطية التي تعتمد على الرأي العام أكثر من القوة، وهناك مجموعة افتراضات تستند إليها هذه النظرية تتلخص في التالي:

  1. أن الجمهور يهتم بالمسائل السياسية المتعلقة بالحكومة.
  2. أن الجمهور يعرف بدقة ما هي حاجاته ومتطلباته.
  3. أن الجمهور لديه القدرة على التعبير عن حاجاته ومطالبه.
  4. أن إرادة الجمهور يتعين أن تصاغ في قوانين نافذة المفعول.

فالرأي العام يقيم الأحداث ويتضمن عنصر الإرادة أي توجيه السلوك وجهة معينة، حيث يقول “فاينر” إن السياسة تهتم بعنصر الإرادة المتضمن في الرأي العام، بينما يرى “برايس” أن الرأي العام يمثل القوة المطلقة النهائية في كافة الأمم خلال كل العصور، والخاصية المميزة للديموقراطية هي اعتمادها على رأي الأغلبية الي يتولى مراقبة الحكومة(محمد،1977: 386-387).

ومن نظرية الرأي العام يمكن فهم أن الرأي العام عبارة عن قوة متمثلة بالشعب وأن الشعوب هي التي تصنع القرار باتخاذها موقف موحداً وحازماً تجاه مصالح الأفراد وحاجياتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها.

ونظرًا لأهمية موضوع الرأي العام في علم الاجتماع السياسي، فإن من الضروري التطرق إلى أبرز مناهج البحث المستخدمة في هذا المجال، والتي تُسهم في تحليل الظواهر السياسية والاجتماعية المرتبطة بالرأي العام. وتشمل هذه المناهج مجموعة متنوعة من الأساليب العلمية التي تساعد الباحثين على فهم كيفية تشكّل الرأي العام، والعوامل المؤثرة فيه، وطرق قياسه، بالإضافة إلى دوره في التأثير على السياسات العامة والقرارات السياسية، وهي:

  1. المنهج التاريخي: يدرس تطور الظواهر السياسية عبر الزمن بالنظر في مجريات التاريخ وأحداث الماضي.
  2. المنهج المقارن: يُستخدم لمقارنة الظواهر بين مجتمعات أو أنظمة سياسية مختلفة، بالمقارنة بين حالتين والتعرف على عناصر الظاهرة.
  3. المسح الاجتماعي: وذلك بمسح آراء الناس واتجاهاتهم الاجتماعية والسياسية(الجوهري،2001: 226-232).

كما يمكن استخدام مناهج أخرى في تحليل الظواهر السياسية والاجتماعية المرتبطة بالرأي العام كالمنهج الوصفي ومنهج دراسة الحالة والمنهج التجريبي ومنهج تحليل المضمون والمنهج الإحصائي الذي يُعتمد في تحليل البيانات الكمية مثل نتائج الاستبيانات واستطلاعات الرأي، ويُوفر مؤشرات دقيقة حول توجهات المجتمع.

ثانياً: الدراسات السابقة:

الدراسة الأولى: للدكتور محي الدين عبدالحليم (2009) بعنوان: الرأي العام، مفهومه وأنواعه، عوامل تشكيله، وظائفه وقوانينه، طرق قياسه وأساليب تغييره.

وقد تناول الباحث في الدراسة نشأة ومراحل تطور الرأي العام وأنواعه ووظائفه وطرق قياسه وعوامل تكوينه وأساليبه، واستعرض الباحث فيها أهمية الرأي العام في المجتمعات منذ القدم وبعد الثورة الفرنسية وتطور مفهوم الرأي العام واستخداماته بين الجماهير وتعدد أساليب استخدام الرأي العام في تحقيق المطالب والأهداف.

الدراسة الثانية: للدكتور حسان بصفر، والدكتور حامد القداح (2009) بعنوان: الرأي العام.

وتناول الباحث في الدراسة نشأة الرأي العام ومفهومه وأهميته ووظائفه وخصائصه وأنواعه ووظائفه وعوامل تكوين الرأي العام وتماثلت الدراسة مع البحث من ناحية الرأي العام الإلكتروني وأهميته في تكوين رأي جماهيري وتحدث الباحث في الدراسة عن الرأي العام العربي واستخداماته.

الدراسة الثالثة: للدكتور عبدالكريم الدبيسي (2011) بعنوان: الرأي العام، عوامل تكوينه وطرق قياسه.

واستعرض الباحث في دراسته نشأة الرأي العام ومفهومه وتقسيمات الرأي العام وأنواعه وخصائص الرأي العام ووظائفه ومظاهره الايجابية والسلبية وعوامل تكوينه وطرق قياس الرأي العام واستطلاعات الرأي العام في المجتمع.

وتشابهت الدراسة مع البحث في معظم فصولها ونتائج البحث حول أهمية الرأي العام في المجتمعات وتأثيراتها المختلفة سواء الايجابية أم السلبية.

حيث أشار الباحث في دراسته لعدة مظاهر ايجابية للرأي العام ومنها:

  1. استخدام وسائل الاتصال الجماهيري دون عوائق.
  2. عقد الندوات والاجتماعات العامة دون قيود.
  3. الانتخابات الحرة ورسائل التأييد وبرقيات التعبير عن الرأي.

والمظاهر السلبية للرأي العام:

  1. الإضرابات السلمية.
  2. تفشي السلبية واللامبالاة.
  3. المقاطعة.

وتلتقي الدراسات السابقة مع هذه الدراسة في المفاهيم والإطار النظري وفي بعض النتائج التي أكدت أهمية الرأي العام في المجتمعات وتأثيراتها المختلفة سواء الايجابية أم السلبية.

الفصل الثالث: لمحة عن الرأي العام

نشأة الرأي العام:

يُعد الرأي العام من المفاهيم الراسخة في تاريخ المجتمعات الإنسانية، إذ حظي باهتمام بالغ منذ أقدم العصور، حيث أولت المجتمعات الإنسانية اهتمامًا كبيرًا بآراء الناس ومواقفهم بهدف الوصول إلى قرارات رشيدة تعبّر عن إرادة الجماعة. وقد تجلّى هذا الاهتمام في حضارات عريقة مثل حضارة وادي الرافدين ووادي النيل، وكذلك لدى السومريين، الذين نظموا المجالس الشعبية، وعقدوا المؤتمرات والاجتماعات الجماهيرية الكبرى، في مسعى من الحكّام لكسب رضا الشعوب، وهو ما تؤكده الشواهد التاريخية.

كما ظهرت مفاهيم مشابهة للرأي العام لدى اليونانيين والمسيحيين، وإن كانت تختلف في المصطلحات المستخدمة، مثل الاتجاهات الجماعية، الإجماع، الاتفاق، والاطلاع، ولكن كلها تعكس أهمية مشاركة الناس في اتخاذ القرار، حيث عرفت المدن اليونانية الرأي العام عن طريق المناقشات والحوارات والخطب السياسية أو الدينية أو الحربية، بهدف تحفيز الشباب وكسب تأييدهم حول قضية ما.

ومع تطور الفكر السياسي والاجتماعي، بدأ مصطلح “الرأي العام” يأخذ شكله الحديث في أواخر القرن الثامن عشر، متأثرًا بأحداث مفصلية مثل الثورة الفرنسية واستقلال الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أصبح التعبير عن رأي الجماهير عنصرًا أساسيًا في الحياة السياسية وصياغة السياسات العامة

وفي السياق الإسلامي، برز مفهوم الرأي العام من خلال مبدأ الشورى، الذي يُعد من أسس الحكم الرشيد، حيث أُخذ برأي الناس في القضايا العامة، بما يعكس احترامًا لتوجهات الجماعة ومشاركتها في صنع القرار.

ويشير (الدبيسي،2011) أن التشريعات السماوية كانت انطلاقة نحو الرأي العام، فقد عرفت المسيحية عبارة الاتفاق العام وهي مبنية على فكرة الشعور الجمعي والتي تستعمل لاتجاهات الرأي العام، كما عرف في الإسلام منهج الشورى وهي منهج للتعبير والتشارك بالرأي وذلك من أهمية الرأي العام، وكما ظهر اهتمام الرأي العام في كثير من الحضارات حيث كان لأفلاطون وسقراط وأرسطو تخمينات حول الرأي العام ويعني ذلك وجود ظاهرة الرأي العام قبل القرن الثامن عشر والذي عرف فيه مصطلح الرأي العام (الدبيسي،2011: 15-19).

كما أن ميكا فللي حث في كتابه (الأمير) على ضرورة الاهتمام بما يتفاعل داخل المجتمع كأساس للتعامل معها ولضمان التفوق والاستمرار والسطوة (بصفر، القداح،2009: 15).

أهمية الرأي العام:

للرأي العام أهمية كبرى لدى المنظمات الدولية أو الإقليمية أو الوطنية ولدى المنشآت الحكومية والمؤسسات المختلفة، حيث يشير “هارود” إلى أهمية الرأي العام والعوامل التي ساعدت على ازدياد الاهتمام بالرأي العام هو ازدهار الديموقراطية وانتشارها وازدياد عملية التصويت وانتشار التعليم واتاحته أما مختلف طبقات الشعب، والنمو الكبير في الاتصال بين الجماهير، والتطورات الاقتصادية التي كان لها التأثير الكبير على الرأي العام ومحاولة كسب الرأي العام في المجال الدولي.

أنواع الرأي العام:

ينقسم الرأي العام إلى أقسام عديدة تختلف باختلاف المعايير التي يضعها الباحثون والعلماء للتمييز بين أنواع مختلفة من الرأي العام، من حيث الظهور والمكان والنضج، مثل:

  1. الرأي العام الظاهر، وهو المصرح به غير الخفي وتسمح به النظم الديموقراطية.
  2. الرأي العام الكامن، وهو الخفي ولا يسمح بظهوره.
  3. الرأي العام الإقليمي.
  4. الرأي العام المحلي.
  5. الرأي العام الدولي.
  6. الرأي العام المستنير، ويقصد به المثقف والواعي ويكون معتدل وأكثر استقراراً.
  7. الرأي العام المنقاد أو المتقلب أو العفوي، وهو يميل إلى التطرف ويصدق كل ما يقال له دون التأكد من صحة المعلومة.
  • قسم “اميل دوفيفات” الرأي العام إلى: عام – كلي – مؤقت – يومي.
  • كما هناك تقسيمات أخرى للرأي العام مثل:

1- الرأي العام النابه أو القائد ويمثله الصفوة والعلماء والساسة.

2- الرأي العام القارئ والمثقف ويمثله المتعلمون

3- الرأي العام المنقاد وتمثله الأكثرية من الأميين والعمال وغير المثقفون (عوض،1985: 126-127).

  • وهناك باحثون قسموا الرأي العام إلى:
  1. رأي الأغلبية أو الأقلية.
  2. رأي الأقليات مجتمعة.
  3. الرأي الساحق.
  4. الرأي الجامع(عوض،1985: 127-128).
  • كما قسم (حامد ربيع) الرأي العام إلى:
  1. الرأي العام القومي أو الوطني.

2- الرأي العام المحلي أو الإقليمي.

3- الرأي العام النوعي.

4- الرأي العام العادي تجاه مجتمع آخر موقف عدائي.

  • وقسم الرأي العام حسب التصنيفات إلى:

التصنيف الجغرافي:

  1. رأي عام وطني أو قومي، مرتبط هذا الرأي بالدولة أو الوطن
  2. رأي عام محلي.
  3. رأي عام خارجي.
  4. رأي عام عالمي(عبدالحليم،2009: 62).

التصنيف الزمني:

  1. رأي عام يومي.
  2. رأي عام مؤقت.
  3. رأي عام دائم.

التصنيف الكيفي :

  1. رأي عام قائد.
  2. رأي عام منقاد.
  3. رأي عام مثقف.

التصنيف الكمي :

  1. رأي الأغلبية.
  2. رأي الأقلية.
  3. الرأي الساحق.
  4. الرأي الائتلافي.

التصنيف الفكري:

  1. رأي عام عاطفي.
  2. رأي عام عقلاني(عبدالحليم،2009: 65-69).

وظيفة الرأي العام:

  1. الرأي العام يسن القوانين ويلغيها.
  2. الرأي العام سندا للهيئات والمؤسسات الاجتماعية.
  3. الرأي العام يرعى المثل الاجتماعية .
  4. الرأي العام يمنح الروح المعنوية العامة الحيوية(عوض،1985: 132-133).

عناصر الرأي العام:

  1. تسجيل الواقع، أي ما هو كائن بالفعل في الحياة الاجتماعية.
  2. الاعتقاد، ويقصد به الايمان باتجاه معين في المستقبل ويقيم الأحداث.
  3. الإرادة، أي توجيه السلوك والأحداث وجهة معينة(محمد،1977: 387).

مراحل تكوين الرأي العام:

  1. مرحلة الاحساس والإدراك، وهذه من الفرد ذاته واحساسه بما حوله إدراك عقله لجميع اتجاهات الحياة المختلفة.
  2. مرحلة الرأي الفردي، ويقصد به تعبير الفرد عن رأيه وتصوراته تجاه حدث ما في الحياة.
  3. مرحلة صراع الفرد مع آراء الجماعة، وذلك نتيجة النقاش والجدل المتبادل مع أفراد المجتمع حول قضية أو فكرة.
  4. مرحلة تحول آراء الأفراد إلى آراء الجماعة، وبذلك يصبح رأياً عاماً يمثله أغلب أعضاء الجماعة(الانترنت).

طرق دراسة ومعرفة الرأي العام:

  1. إجراء استقصاء أو استفتاء.
  2. سؤال ذوي الرأي وممثلي الاتجاهات المختلفة.
  3. طريقة المقابلات الشخصية.
  4. طريقة المناظرات والمناقشات وإشراك العدد من الجمهور تكشف حقيقة اتجاهات الرأي العام.
  5. الدراسة الإحصائية التاريخية، وجمع الحقائق التاريخية(الكفارنة،2011 :187).

التأثير في الرأي العام:

يتأثر الرأي العام بنوع الأخبار المنشورة و وطريقة عرضها والتميز بها، حيث يكون للإعلام المقدرة على تكوين الرأي العام في التالي:

  1. في حالة استخدام الأمانة والنزاهة والصدق.
  2. أن تتوفر حرية الرأي العام(الكفارنة،2011 :187).

عوامل تشكيل الرأي العام:

  1. الزعماء والقادة والمصلحون.
  2. المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية اليومية.
  3. النشأة الاجتماعية والضغوط النفسية.
  4. حملات الهمس والشائعات.
  5. التربية والتعليم.
  6. العوامل الجغرافية.
  7. الجماعات الأولية.
  8. العقيدة الدينية.
  9. الأوضاع السياسية للدولة أو في الإقليم.
  10. جماعات التأثير والضغط.
  11. الدعاية والإعلام(عبدالحليم، 2009: 70-80).

العوامل المؤثرة في تكوين الرأي العام:

  1. العوامل الذاتية: وهي تصور الفرد وقيمه ومعتقداته التي تجعله يؤمن برأي معين.
  2. الجماعات المرجعية: التي ينتمي لها الفرد في مجتمعه سواء حزب أو عائلة أو تجمع ديني أو اجتماعي، له وظائف وطموحات وأهداف محدده.
  3. أثر الطبقة الاجتماعية: حيث تأثر الطبقة الاجتماعية التي تتميز بالملكية والمال والمستوى العلمي والمهني في أفراد المجتمع وتغير من أفكارهم وميولهم واتجاهاتهم السياسية.
  4. عامل القيادة: حيث يلعب القائد الثوري أو الجماهيري الدول الحاسم في تكوين الرأي العام، كما يمكنه تغيير الرأي العام والأحكام عند تسلمه للسلطة وبذلك يحدد سلوك الأفراد وأفكارهم ومواقفهم السياسية.
  5. وسائل الإعلام الجماهيرية: مثل التلفزيون والراديو والمجلات والكتب والأفلام، حيث تعمل هذه الوسائل في تغيير أفكار الأفراد وسلوكهم ومواقفهم لسياسية(الحسن،2008 : 124-131).

عوامل الاهتمام بدراسة الرأي العام:

  1. نمو وانتشار التعليم، حيث أن الفئة المثقفة هي التي تنادي بالتغيير والاهتمام بالوضع الاجتماعي.
  2. تطور الوسائل الفنية، متمثلاً ذلك بوسائل الاتصال والتواصل الحديثة.
  3. محاولة الحصول على تأييد الرأي العام، وذلك من الأحزاب أو جماعات معنية داخل إقليم الدولة.
  4. زيادة ارتباط الرأي العام بالسياسة الخارجية، ويظهر ذلك أوقات الأزمات والحروب والدفاع عن الأمة(مهنا،2006 :176).

الرأي العام وعلاقته بالحرية:

يرى “جون ستيورات ميل” أن الحكومة لا تمثل كل الشعب بل تمثل الرأي العام للأغلبية وأن قوة الرأي العام يهدد حقوق الأقلية في المجتمع، ودعا إلى قيام رأي عام متسامح ويقدر الاختلافات في وجهات النظر.

ورأى أن الرأي العام يُقيد المجتمع ويَحد من تطوره ويقف عائقاً أمام الأقلية مما يجعلهم يتلونون بلون مجتمعهم حسب الأغلبية.

كما يقرر “جون ستيوارت ميل” بأن هناك حريات ضرورية للفرد لا يجوز الحد منها وقسمها إلى :

  1. حرية الضمير: وهي حرية العقيدة والتفكير وإبداء الرأي.
  2. حرية الذوق والعمل: وذلك بما يلائم شخصية الفرد وتكيفه.
  3. حرية التجميع بين الأفراد: بمعنى تكوين الأحزاب والجمعيات بدون الإضرار بالآخرين، وأن تلك الأفعال التي تضر بالآخرين من حق الحكومة السيطرة عليها وحصرها.

وقد أكد “جون ستيوارت ميل” بأن الحرية خير للفرد والمجتمع وتحقق رفاهيته (ابراهيم،2011 :202-205).

الرأي العام والأحزاب والمواقف السياسية:

أثر الأحزاب في الرأي العام: الأحزاب من الجماعات المرجعية المهمة التي تشارك مشاركة فعالة في تكوين الرأي العام وتبديل الآراء والمواقف وبلورتها لدى أبناء الشعب إزاء قضايا وأمور سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية معينة تهم المجتمع، وتقوم تلك الأحزاب بدورها من خلال الاحتكاك والتفاعل مع أفراد المجتمع، كما أن الأحزاب تكونت من الجماهير ولخدمة الجماهير وتلبية رغباتهم وطموحاتهم وهي الصوت لمعاناتهم لدى الدولة، وتختلف مكانة الحزب حسب قربه من السلطة وقوة السيطرة لديه على الإعلام ووسائله المختلفة التي تصل إلى كافة الجماهير أو الأغلب منهم والمطلع على وسائل الإعلام.

حيث تستطيع الأحزاب السياسية التأثير في أفكار ومواقف الجماهير إذا توفرت الشروط التالية:

  1. أن يكون هدف الحزب خدمة الجماهير وممثلاً له ليحقق أهدافه.
  2. أن يسيطر الحزب على وسائل الإعلام المختلفة ويصل إلى الجماهير المختلفة.
  3. أن لا يكون هناك انقسامات سياسية واجتماعية ودينية في المجتمع.
  4. أن لا يكون لدى الجماهير آراء متعصبة ومتطرفة لا يستطيع الحزب تغييرها.
  5. أن تكون أهداف الجماهير والأحزاب متوافقة لتحقيق المصالح العامة.
  6. أن تكون الآراء المتفق عليها مع الأحزاب لا تتعارض مع المجتمع ومعتقداته(الحسن،2008 :185-187).

تتجلى أهمية الرأي العام في المواقف المصيرية التي تواجهها الدولة، كإعلان الحروب أو عقد الاتفاقيات الدولية، حيث تسعى الحكومات إلى استقطاب دعم المواطنين وضمان اصطفافهم خلف قراراتها في مواجهة التحديات الخارجية. ومن خلال هذا التفاعل، تعمل الدولة على تعبئة الرأي العام وتوجيهه بما يخدم مصالحها، فتُسهم مشاركة المواطنين في تعزيز شرعية السياسات المتبعة، وتمنح الدولة قوة معنوية وسياسية تمكّنها من تحقيق أهدافها الوطنية وطموحاتها الاستراتيجية.

الرأي العام وجماعات الضغط:

جماعات الضغط هم أفراد لهم مصالح وأهداف مشتركة ومتقاربة وقد تكون هذه الجماعات دينية أو حقوقية تسعى للضغط على الحكومة.

  • أنواع الجماعات الضاغطة:
  1. جماعات المصالح.
  2. جماعات الأفكار(مهنا،2006: 182-184).
  • أساليب عمل الجماعات الضاغطة:
  1. التنظيم.
  2. المناقشة.
  3. الاستمالة والاقناع.
  4. النشر والترويج(مهنا،2006: 182-184).

وسائل التعبير عن الرأي العام:

  1. بطريقة مباشرة: مثل الاستفتاء الشعبي.
  2. بطريقة غير مباشرة: مثل البرلمان أو معهد غامب بأمريكا(مهنا،2006 :185-187).

الرأي العام ووسائل التأثير في الجماهير:

  1. الإعلام: حيث يستخدم كوسيلة للتأثير في اتجاهات الجماهير عن طريق الأخبار والأحداث وإذاعتها دون تعقيب عليها.
  2. العلاقات العامة: حيث تعمل على تحقيق التقارب بين الرأي العام والمسؤولين ويمكن تحقيق ذلك بوسائل النشر والدعاية.
  3. الدعاية السياسية: بتوجيه الناس نحو فكر معين وذلك بنشر الآراء التي تؤثر على الرأي العام.
  4. الحرب النفسية: وذلك بالتأثير على نفسية العدو وتثبيط همته والقضاء على روح المقاومة فيه.
  5. غسيل المخ: بالسيطرة على عقل الانسان وتفكيره وسلوكه(مهنا،2006 :185-187).

طرق قياس الرأي العام:

  1. الاستفتاء: بالتعرف على رأي اتجاهات الرأي العام في المجتمع.
  2. المسح: بالمقابلة والملاحظة.
  3. تحليل المضمون: وتستخدم في قياس الرأي العام الأجنبي في دولة معينة(مهنا،2006: 190-194).

الفصل الرابع: الإجراءات المنهجية للدراسة:

أولاً: نوع الدراسة:

تندرج هذه الدراسة ضمن البحوث الوصفية، حيث تسعى إلى تحليل أبعاد موضوع الرأي العام، وتسليط الضوء على أهميته لدى الأفراد والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية. وتهدف الدراسة إلى جمع البيانات والحقائق المتعلقة بهذه الظاهرة، مع محاولة تفسير العوامل المؤثرة في تكوين الرأي العام، وبيان أساليب قياسه، بما يسهم في فهم دوره الحيوي في الحياة السياسية والاجتماعية، ويعزز من إمكانات توظيفه في خدمة التنمية والاستقرار المجتمعي.

ثانياً: منهج الدراسة:

تُعد هذه الدراسة من البحوث المكتبية التي تعتمد على المنهج الوثائقي، وهو أحد المناهج المعتمدة في البحوث الاجتماعية، ويقوم على جمع وتحليل المعلومات من المصادر المكتوبة ذات الصلة بموضوع الدراسة. ومن خلال هذا المنهج، سيتم استعراض المراجع والدراسات السابقة، ومقارنتها وتحليلها، بهدف الوصول إلى فهم معمّق لموضوع الرأي العام، وتحديد أهميته العلمية والعملية، بما يسهم في بناء إطار معرفي متكامل يدعم أهداف الدراسة ويعزز من نتائجها.

ويُعد المنهج الوثائقي من المناهج الفاعلة في تحليل الظواهر الاجتماعية والسياسية، إذ يتيح للباحث استقراء المفاهيم وتفسيرها من خلال مراجعة الأدبيات والنصوص العلمية ذات الصلة، ومن خلال هذا المنهج يمكن بناء تصور معرفي متكامل حول موضوع الرأي العام، يستند إلى تحليل نقدي للمصادر المتاحة، ومقارنة الاتجاهات الفكرية المختلفة، مما يُسهم في تعزيز الفهم النظري والتطبيقي للظاهرة المدروسة، ويمنح الدراسة عمقًا علميًا يثري نتائجها ويُعزز من موثوقيتها.

الفصل الخامس: نتائج الدراسة:

  1. يمثل الرأي العام مجموع الأفكار والمواقف التي يتبناها الأفراد تجاه قضية معينة تمسهم بشكل مباشر أو غير مباشر، سواء كانت ذات طابع اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي أو غير ذلك من مجالات الحياة العامة، ويُعد هذا الرأي انعكاسًا لتفاعل الأفراد مع محيطهم، وتعبيرًا عن وعيهم الجمعي، مما يجعله عنصرًا فاعلًا في تشكيل السياسات وتوجيه القرارات داخل أي مجتمع.
  2. يتشكّل الرأي العام غالبًا بهدف تحقيق أهداف وطموحات جماعية، قد تسهم في رقي المجتمع وتقدّمه، أو تؤدي في بعض الحالات إلى نتائج سلبية إذا انحرفت توجهاته عن المسار البناء، ويعتمد أثر الرأي العام على طبيعة القضايا المطروحة، ومدى وعي الأفراد، والوسائل التي تُستخدم في تشكيله وتوجيهه، مما يجعل من الضروري التعامل معه بوعي ومسؤولية لضمان توظيفه في خدمة المصلحة العامة.
  3. أصبح تأثير منصات التواصل الاجتماعي مثل/ فيسبوك وإكس (تويتر سابقًا) وغيرها من الوسائط الرقمية في تشكيل الرأي العام ظاهرة لا يمكن تجاهلها، فقد تحولت هذه المنصات إلى فضاءات لتكوين الرأي العام، وتجميعه، وحشده حول قضايا معينة، فضلًا عن دورها الحيوي في نقل المعلومات وتداول الأخبار بين أفراد المجتمع بسرعة وانتشار غير مسبوق، مما جعلها أحد أبرز المؤثرات في الاتجاهات الجماهيرية وصناعة القرار العام.
  4. يُعد الرأي العام من الركائز الأساسية في بناء المجتمعات الحديثة، نظرًا لما يتمتع به من تأثير بالغ في توجيه السياسات العامة وصناعة القرار، ومن هذا المنطلق يتبين ضرورة العناية بالرأي العام ومراعاته والتعامل معه بوعي ومسؤولية، من خلال تبني أطر علمية منهجية وآليات حوكمة فعّالة، فالتفاعل المدروس مع الرأي العام لا يسهم فقط في تعزيز الاستقرار المجتمعي، بل يُعد أيضًا مؤشرًا على نضج المؤسسات وشفافيتها، وقدرتها على الاستجابة لتطلعات المواطنين وتحقيق التوازن بين السلطة والإرادة الشعبية.
  5. الرأي العام يمكن تشكيله وتوجيهه نحو قضايا معينة من خلال أدوات متعددة، إلا أن هذا التشكيل لا يُعد دائمًا أو ثابتًا، إذ سرعان ما يتأثر بالوعي المجتمعي والثقافة العامة ومستوى الاطلاع لدى الأفراد، فالرأي العام بطبيعته ديناميكي ومتغير، يتبدل بتبدل المعطيات والمعلومات، مما يستدعي التعامل معه بمرونة وفهم عميق لطبيعة التحولات الفكرية والاجتماعية التي تؤثر في اتجاهاته.
  6. شهد العصر الحديث تناميًا ملحوظًا في الاهتمام بالرأي العام، نتيجة للتطور المتسارع في وسائل الاتصال والتواصل، وتعدد المنصات الإعلامية التقليدية والرقمية، إلى جانب تصاعد وتيرة الأحداث السياسية في كل من المجتمعات العربية والغربية، وقد أسهم هذا التداخل بين الإعلام والسياسة في تعزيز دور الرأي العام كفاعل مؤثر في توجيه السياسات العامة، وصياغة المواقف الجماهيرية، ومراقبة أداء المؤسسات، مما جعله محورًا أساسيًا في الدراسات الاجتماعية والسياسية المعاصرة.
  7. تُعد محاولة كسب الرأي العام من قبل صُنّاع القرار السياسي هدفًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، إذ تمثل وسيلة فعّالة لاحتواء المواقف والمطالبات ذات الطابع السياسي أو الاجتماعي، وتوجيهها ضمن إطار يخدم الاستقرار العام.
  8. تتطلب الأزمات الناتجة عن تأثيرات الرأي العام السياسي السلبي تجاه السلطة السياسية استجابة مدروسة ومهنية، مما يستدعي تأهيل متخصصين في إدارة الأزمات وتكوين فرق عمل قادرة على التعامل مع هذه التحديات وفق أسس علمية ومنهجية، ويُعد هذا التأهيل ضرورة لضمان احتواء التوترات المجتمعية، وتحقيق التوازن بين حرية التعبير والاستقرار السياسي، من خلال تحليل اتجاهات الرأي العام، وتقديم حلول استراتيجية تضمن التفاعل الإيجابي مع المطالب الجماهيرية دون الإخلال بالنظام العام.
  9. تُعد عملية تدريب الكفاءات المؤهلة على التعامل مع أنظمة التقنية الحديثة والتكنولوجيا المتقدمة ومنها الذكاء الاصطناعي أمرًا بالغ الأهمية، لا سيما في ظل التحديات التي يفرضها انتشار الشائعات السلبية والفتن عبر الوسائط الرقمية، فالرأي العام غير الواعي أو غير المثقف قد ينجرف بسهولة خلف التيارات المغرضة، مما يُشكل تهديدًا للاستقرار المجتمعي، ومن هنا يتضح الحاجة إلى إعداد كوادر متخصصة قادرة على مراقبة هذه المنصات وتحليل محتواها، واتخاذ التدابير الوقائية اللازمة للحد من آثار التضليل الإعلامي، بما يضمن حماية المجتمع وتعزيز ثقافة الوعي والمسؤولية الرقمية.

التوصيات:

انطلاقًا من أهمية الرأي العام في بناء المجتمعات، توصي هذه الدراسة بعدد من الإجراءات التي من شأنها تعزيز دور الرأي العام الإيجابي وضمان توظيفه بما يخدم الصالح العام:

  1. إنشاء مراكز بحثية متخصصة تُعنى بدراسة الرأي العام، وتحليل اتجاهاته، وتقديم آليات علمية لاحتوائه والتفاعل معه بفعالية.
  2. وضع خطط واستراتيجيات تنظيمية تهدف إلى إدارة الرأي العام الجماهيري باحترافية، بما يضمن الاستجابة السريعة لتقلباته وتوجيهه نحو المشاركة البناءة.
  3. تطبيق منظومة حوكمة للرأي العام ضمن إطار علمي منظم، يحقق التوازن المجتمعي، ويعزز مبادئ الشفافية والمساءلة في التعامل مع القضايا العامة.
  4. تعزيز الوعي المجتمعي بمخاطر الشائعات المغرضة، خاصة تلك التي تحرض على مخالفة الأنظمة أو تهدد مقدرات الوطن والمواطنين، وذلك من خلال حملات إعلامية توعوية وتربوية مستمرة، واستباقية لأي حدث.
  5. تأهيل كوادر متخصصة في إدارة الأزمات المرتبطة بالرأي العام، لا سيما في الحالات التي تنشأ فيها توجهات جماهيرية سلبية تجاه السلطة السياسية أو المؤسسات العامة، وذلك من خلال برامج تدريبية تعتمد على أسس علمية واستراتيجيات تواصل فعّالة، لضمان احتواء تلك الأزمات وتحويلها إلى فرص للحوار والتصحيح.

الخاتمة:

بعد استعراض الفصول السابقة التي تناولت مفهوم الرأي العام، وأهميته، وأنواعه، وطرق قياسه، إلى جانب عدد من القضايا المرتبطة به، تبيّن لنا مدى مركزية هذا المفهوم في الحياة السياسية والاجتماعية، وما يحظى به من اهتمام واسع لدى الأفراد، من علماء وباحثين ومفكرين، وكذلك لدى المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، والسلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية.

فقد أظهرت الدراسة أهمية الرأي العام في علم الاجتماع السياسي بوصفه قوة فاعلة ومؤثرة في تشكيل السياسات وتوجيه القرارات، وهذا ما يؤكد الحاجة إلى العناية بما يصدر عن الرأي العام، والحرص على دراسة الظواهر الجديدة والغريبة التي تظهر فيه، بما يضمن فهمًا أعمق وتحليلًا أدق لتوجهات المجتمع.

وأنه في ظل التحولات السياسية والاجتماعية المتسارعة، بات الرأي العام يشكل عنصرًا حاسمًا في توجيه السياسات العامة وصياغة القرارات المصيرية، إذ لم يعد مجرد انعكاس لتوجهات المواطنين، بل أصبح قوة ضاغطة ومؤثرة في مراكز صنع القرار، وقد ساهم تطور وسائل الإعلام والاتصال، ولا سيما المنصات الرقمية، في توسيع نطاق التعبير الجماهيري، مما أتاح للأفراد إيصال آرائهم ومطالبهم بشكل مباشر وفعّال، وهذا ما يفرض على المؤسسات الرسمية وغير الرسمية ضرورة الإنصات للرأي العام، والتفاعل معه بوعي ومسؤولية، لضمان تحقيق التوازن بين متطلبات السلطة وتطلعات المجتمع، وتعزيز الاستقرار والتنمية المستدامة.

ولا شك أن تعزيز الوعي والاهتمام بالرأي العام يسهم في بناء مجتمع مثقف ومدرك، قادر على التفاعل الإيجابي مع مختلف القضايا، ويحقق لأفراده مستويات متقدمة من التنمية والارتقاء، ويمنحهم مكانة مرموقة بين الأمم.

وفي الختام، أحمد الله على التمام، وأسأله سبحانه أن ينفع بما كتبت، وأرجو أن تسهم هذه الدراسة في إثراء المعرفة حول الرأي العام، وأن تشكل منارة علمية يستفيد منها الباحثون والمهتمون بما يعود بالنفع على المجتمع، ويعزز وعي أفراده.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

المراجع العلمية

أولاً: المراجع العربية:

  1. ابراهيم، موسى(2011م)، الفكر السياسي الحديث والمعاصر، دار المنهل اللبناني للنشر، الطبعة الأولى، بيروت.
  2. بصفر، حسان و القداح، حامد(2009م)، الرأي العام، دار حافظ للنشر والتوزيع، جده
  3. الجوهري، عبدالهادي(2001م)، دراسات في العلوم السياسية وعلم الاجتماع السياسي، الطبعة الثامنة، المكتبة الجامعية، الاسكندرية.
  4. الحسن، إحسان محمد(2008م)، علم الاجتماع السياسي، دار وائل للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، عمان.
  5. الدبيسي، عبدالكريم(2011م)، الرأي العام، عوامل تكوينه وطرق قياسه، دار المسيرة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن.
  6. عوض، السيد حنفي(1985م) علم الاجتماع السياسي، مدخل إلى الاتجاهات والمجالات، الطبعة الأولى، دار التوفيق النموذجية، مصر.
  7. عبدالحليم، محي الدين(2009م)، الرأي العام، مفهومه وأنواعه – عوامل تشكيله، وظائفه وقوانينه – طرق قياسه وأساليب تغييره، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة.
  8. الكفارنة، أحمد عارف ارحيل(2011م) مقدمة في العلوم السياسية، الطبعة الأولى، دار قنديل للنشر والتوزيع، الأردن.
  9. محمد، محمد علي(1977م)، دراسات في علم الاجتماع السياسي، دار الجامعات المصرية، الاسكندرية.
  10. مهنا، محمد(2006م)،تطور النظريات والمذاهب السياسية، دار الفجر للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، القاهرة.

ثانياً: المصادر الإلكترونية (الإنترنت):

  1. http://www.scribd.com/doc/45226877/%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D9%85%D8%A7%D8%AC%D8%B3%D8%AA%D9%8A%D8%B1
  2. http://etudiantdz.net/vb/t34472.html
  3. http://etudiantdz.net/vb/t34472.html
  4. http://www.ejtemay.com/showthread.php?t=21615
  5. http://thiqaruni.org/policy/77.pdf