أثر الموروث في اللاوعي الجمعيّ ودورهما في تلقي النصّ
The Impact of Cultural Heritage on the Collective Unconscious and Their Joint Role in Literary Text Reception
د. أمل محمود أبو عون1
1 وزارة التربية والتعليم العالي/ مديرية التربية والتعليم قباطية، فلسطين.
بريد الكتروني: amal10111973@gmail.com
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj610/14
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/610/14
المجلد (6) العدد (10). الصفحات: 209 - 221
تاريخ الاستقبال: 2025-09-07 | تاريخ القبول: 2025-09-15 | تاريخ النشر: 2025-10-01
المستخلص: بحث هذا العمل في أثر الموروث الثقافي في تشكّل «اللاوعي الجمعي» ودورهما معًا في توجيه تلقي النص الأدبي. اعتمدت الدراسة إطارًا نظريًا يستند إلى تصور كارل يونغ لللاوعي الجمعي ونماذجه البدئية، ثم قاربت علاقة الموروث بهذا اللاوعي بوصفه الوعاء الحيّ للذاكرة الجمعية وما تختزنه من أساطير ورموز وسلوكيات متوارثة. وفي التطبيق، اختيرت «لوحة الأفعى» عند النابغة الذبياني نموذجًا لقراءة فاعلية الرمز الأسطوري في الشعر الجاهلي، مع تتبّع جذوره في الموروثات الشرقية القديمة (الخلق، الحراسة، التجدد/طول العمر، الشرّ، الحكمة). تُظهر النتائج أن الموروث يحافظ على الذاكرة الجمعية ويعيد تدوير الرموز البدئية في الوجدان الفردي، ما يخلق أرضية مشتركة بين المُنشئ والمتلقي تسهِّل التأويل والاستجابة الوجدانية للنص. كما تكشف قراءة لوحة الأفعى عن تقاطعات دلالية واسعة مع مخزون الموروث (الأفعى الحارسة والحكيمة والوفيّة/العهد) بما يتجاوز الصورة النمطية للفتك والشرّ، ويُبرز قدرة الشعر الجاهلي على توظيف الرمز لتشييد معنى أخلاقي-اجتماعي يتصل بتجربة المتلقي المعاصر. وتخلص الدراسة إلى أن تفاعل الموروث مع اللاوعي الجمعي يفعّل استقبال النص عبر تنشيط رموز ضاربة في القدم، فتغدو القراءة فعلاً تأويليًا يستدعي ذاكرة ثقافية مشتركة ويعزّز جمالية التلقي.
الكلمات المفتاحية: اللاوعي الجمعيّ، الذاكرة الجمعية، الموروث الثقافي، رمز الأفعى، تلقي النص، الشعر الجاهلي.
Abstract: This study examines how cultural heritage shapes the “collective unconscious” and how both, together, guide the reception of literary texts. The theoretical framework draws on Carl Jung’s conception of the collective unconscious and its archetypes, then explores heritage as the living vessel of collective memory—carrying myths, symbols, and inherited practices. For application, the study analyzes the “Snake Tableau” in al-Nābigha al-Dhubyānī’s pre-Islamic poetry as a model of archetypal symbolism in Jāhili verse, tracing its roots across ancient Near Eastern traditions (creation, guardianship, renewal/longevity, evil, wisdom). Findings indicate that heritage preserves collective memory and recycles archetypal symbols within individual affect, creating a shared ground between author and reader that facilitates interpretation and emotional response. Reading the Snake Tableau reveals far-reaching semantic intersections with inherited lore (the snake as guardian, wise, and oath-keeping), which move beyond the narrow stereotype of ferocity and evil, and foreground the capacity of Jāhili poetry to mobilize symbol for constructing an ethical–social meaning legible to the contemporary reader. The study concludes that the interplay of heritage and the collective unconscious activates text reception by reanimating age-old symbols; thus, reading becomes an interpretive act that summons a shared cultural memory and enhances the aesthetics of reception.
Keywords: Collective unconscious; collective memory; cultural heritage; snake symbol; text reception; Jāhili poetry.
المقدّمة:
الحمد لله الذي أكرمنا بالعلم، وهدانا بنوره إلى الصراط المستقيم، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، محمد، صلّى الله عليه وسلّم، أمّا بعد،
يهدف هذا البحث إلى دراسة أثر الموروث في تكوين اللاوعي الجمعيّ، وانعكاسه على الأدب، من خلال الوقوف على صورة الأفعى في الأساطير، وصورتها في لوحة من الشعر الجاهليّ، وذلك بهدف الإجابة عن الأسئلة الآتية: ما العلاقة بين الموروث واللاوعي الجمعيّ؟ وكيف يؤثّر كلّ منهما في الآخر؟ وما دور اللاوعي الجمعيّ في تلقي الأدب؟
من أجل الإجابة عن هذه الأسئلة جاء البحث في ثلاثة مطالب: الأوّل لمناقشة أثر نظريّة اللاوعي الجمعيّ في الأدب، والثاني لبيان أثر الموروث في تكوين اللاوعي الجمعيّ، أمّا الثالث فتناول مثالا تطبيقيّا حول العلاقة بين الموروث واللاوعي الجمعيّ وأثرهما في الأدب، وفيه اختارت الباحثة لوحة الأفعى لأنّ الأفعى تقدّم دليلا واضحا على ظاهرة اللاوعي الجمعيّ؛ فالحلم بها شائع وسط أشخاص لا تربطهم علاقة مباشرة بالأفاعي. أمّا اختيار النصّ من العصر الجاهليّ فيعود إلى كون الشعر الجاهليّ أقدم ما وصلنا من الأدب العربيّ.
ولم تتبّع الدراسة صورة الأفعى في الشعر الجاهليّ عامّة؛ فقد كتب في ذلك أبحاث ورسائل جامعيّة، بل اقتصرت الدراسة على قراءة لوحة الأفعى عند النابغة الذبيانيّ، والوقوف على مدى تقاطعها مع صورة الأفعى كما تسرّبت إلى اللاوعي الجمعيّ عبر الموروث العربيّ والأساطير.
التزمت الباحثة خلال الدراسة حدود المنهج العلميّ، فاعتمدت على المنهج الاستقرائيّ في الجانب النظريّ من الدراسة، والمنهج الوصفيّ التحليليّ في التطبيق، مع تحري الرجوع إلى المصادر الرئيسة، ومراعاة التنويع في المراجع؛ لتقديم صورة أشمل حول قضيّة البحث.
يبقى هذا البحث جهدا يسيرا حاول الوقوف على مشارف القضيّة، ليفتح أفقا أعمق للدراسة الموسّعة، وأسأل الله أن يكون خطوة في الاتّجاه القويم.
المطلب الأوّل: اللاوعي الجمعيّ، وأثره في الأدب
نظريّة اللاوعي الجمعيّ
تعود نظريّة اللاوعي الجمعيّ للمفكّر (كارل غوستاف يونغ)، وهو طبيب نفسيّ سويسريّ الجنسيّة، التقى (فرويد) عام 1907م، وأعجب به فعملا معا، واستفاد يونغ من نظريّة فرويد في اللاوعي أو اللاشعور، ولكنّهما افترقا بعد مقال نشره (يونغ) انتقد فيه نظرية (فرويد) في اللاوعي (جاكوبي، 1993).
رفض يونغ أن يقصر تكوّن اللاوعي على الكبت الجنسيّ، ورفض الربط بين الإبداع والكبت الجنسيّ كما ذهب فرويد؛ لأنّ مناقشة العقد النفسيّة عند الأديب يبعد المتلقي عن العمل الأدبيّ، ويجعله يصرف جهده للبحث في الإنسان. وكان يرى أنّ حياة الفنان تساعد المتلقي في فهم العمل الأدبيّ، أو تحليل بعض العبارات، لكنّها لا تجعله يقف على العلّة التي جعلته يبدع العمل، فتلك العقد التي تناولها فرويد تتعلّق بحياة الفنّان لا عمله (عصّار، 1982). أمّا يونغ فتناول في نظريته اللاوعي والأحلام، لكنّه تحدّث فيها عن اللاوعي الجمعيّ، وربط الإبداع بالنماذج العليا المرتبطة بالتجارب البدئيّة أو الأوليّة للإنسان (يونغ، 1997).
تقوم نظريّة يونغ في اللاوعي على أنّ النفس (الأنا) مكوّنة من منطقتين: منطقة الوعي، ومنطقة اللاوعي، ثمّ تشكّل هذه (الأنا) جزءا ضئيلا يطفو على سطح واسع يمثّل اللاوعي الجمعيّ. ومنطقة الوعي تشكّل السبب الذي يؤدي إلى تمايز الأشخاص، لكنّه يبقى تمايزا ضمن إطار مرجعيّ مشترك مع الجميع، فيكون الوعي بذلك أشبه بجزيرة صغيرة تطفو على سطح واسع، ولكي تفهم ما يدور حولها لا بدّ من وجود مرجع مشترك، لكلّ (أنا) ضمن ذلك السطح. وهذه السمة هي الركيزة التي تجعل من الممكن فهم سبب مشاركة الأشخاص الذين ينتمون إلى ثقافات مختلفة على ما يبدو في بعض الخصائص النفسيّة (جاكوبي، 1993).
تميّز نظريّة يونغ، بناء على ذلك الأساس، بين نوعين من اللاوعي: اللاوعي الشخصيّ، واللاوعي الجمعيّ. فاللاوعي الشخصيّ هو “المواد التي يكون مصدرها أو ظهورها أو فعاليتها ناشئا عن علاقة ما مع الماضي الفرديّ للشخص” (يونغ، جدليّة الأنا واللاوعي، 1997، صفحة 25)، حيث يتكوّن هذا النوع من اللاوعي في مرحلة الطفولة وما بعدها، نتيجة لخبرات الفرد الخاصّة في الحياة. أمّا منطقة اللاوعي الجمعيّ فهي تلك الأمور المتعلّقة بنموذج بدئيّ، في وعي كائن معاصر، يتمثّل بطريقة التفكير البدائيّة والقياسيّة القديمة التي لا تزال حيّة في أحلامنا (يونغ، جدليّة الأنا واللاوعي، 1997).
إضافة إلى تشكّل الأنا من الوعي الشخصيّ، واللاوعي الشخصيّ، واللاوعيّ الجمعيّ، فهناك مكوّن رابع أشار إليه يونغ أطلق عليه اسم الوعي الجمعيّ، وهو مجموع التقاليد، والأعراف، والعادات، والأحكام المسبقة، والمعايير الجماعيّة التي توجه حياة الجماعة أو يعيشون وفقها دون أن يفكّروا بها. وبالمقارنة بين الوعي الجمعيّ واللاوعي الجمعيّ نجد أنّ اللاوعي يعود “إلى زمن أقدم بكثير من الوعي، فهو يتمثّل في المعلومات أو المعطيات البدئية التي تؤدي إلى نشأة الوعي من جديد، أمّا الوعي فهو ظاهرة ثانويّة تشيّد على الفعالية النفسيّة الأساسيّة التي تدعو اللاوعي إلى تأدية وظيفته” (جاكوبي، 1993، صفحة 21).
يتكوّن اللاوعي الجمعيّ من جميع التجارب الإنسانيّة البدئيّة، المنبثقة من الغرائز البشريّة المختلفة، وكلّ ما ارتبط بها من الشعائر والأساطير التي كانت تلعب دورا رئيسا في الحياة الاجتماعيّة والدينيّة للشعوب البدائيّة، فهو أشبه بمركّب نواته الخبرات البدئيّة، التي تتراكم بفعل التجارب المتعاقبة، وكلّما مرّ الإنسان بتجربة يختزنها في لاوعيه كالكبسولة، وهذه الكبسولة تنفجر عندما يتعرّض لموقف أليم أو مثير يستدعي تلك الأنماط البدئيّة، فتظهر تلك الأنماط على شكل رموز ومجازات لغويّة (جاكوبي، 1993)، فعندما يحتاج قوة عظيمة يلجأ إليها يستدعي قوّة الإله فيبدو له بصورة ملك أو الأب أو من يقف على رأس أعلى سلطة يدركها في وعيه.
أمّا طريقة تكوّن اللاوعيّ عند الإنسان فذلك ناتج عن كبت المشاعر الناشئ عن النمط الذي يختاره الشخص في التعاطي مع الوظائف النفسيّة، وقد قسّمها (يونغ) إلى “أربع وظائف رئيسة، تتواجه اثنين لاثنين، هي: (الفكر والعاطفة – والإحساس والحدس)، تصبح إحداها بحسب طبيعة الفرد أداته المفضّلة أثناء الطفولة والمراهقة، وبمؤازرة ذلك تتنحّى في لاوعي الشخص الوظيفة المضادّة” (يونغ، جدليّة الأنا واللاوعي، 1997، الصفحات 29 – 30).
تلك المشاعر المكبوتة منذ الطفولة تتحوّل إلى أحلام ورموز غير مفهومة للشخص، لكنّها تجد تفسيرا في موروثه، أو المعطيات الحضاريّة السابقة. وبذلك تندمج الأنا متحولة من الجزئيّ إلى الكليّ في حركة جدليّة، وديناميكيّة وفق اندماج إنسانيّ على مدى بعيد غير منظور وغير متوقّع (البياتي، 1986).
العلاقة بين اللاوعي الجمعيّ والأدب
انطلاقا من كون “النفس الإنسانيّة هي الرحم الذي يحتضن جميع العلوم والفنون” (يونغ، علم النفس التحليليّ، 1997، صفحة 159) كان هناك ارتباط وثيق بين الأدب ونظريّة اللاوعي الجمعيّ التي ترى أنّ الفنّ شبيه بالحلم “الناشئ عن رواسب نفسيّة للطفولة البشريّة، وتبقى كامنة في نفوس المتحضّرين، وتبدو في مظاهر عديدة من مظاهر المجتمعات الحضاريّة، على شكل أحلام ورؤى في المخيّلة، وعند اصطدام الإرادة بالمخيّلة ينتج عنه تغليب لتلك المخيّلة (الإيحاء واللاوعي، 1994).
هذا التداخل بين الحاضر والماضي دفع علماء الأنثروبولوجيا إلى القول “بوجود نسق فكريّ، بنيت عليه الثقافة الإنسانيّة، وبوجود أنماط ثقافيّة تتوارث وتختزن، وإن اختلفت في مضمونها” (الديك، تراتيل عشتار وأثرها في الشعر الجاهليّ صورة المرأة نموذجا، 2012، صفحة 23)، وهذه الأنماط تشكّل “النماذج العليا” التي انحدرت إلينا عبر أجدادنا وأسلافنا على شكل عنصر وراثيّ، مثل الخوف من الظلام الذي يرجع إلى عصور سحيقة حين كان أسلافنا يعيشون في الكهوف والغابات المملوءة بالأخطار. وهي مصدر الخيال والصور والرموز والتعبيرات المجازيّة في الأدب (ضيف، 1972)، وذلك عندما ينشّط الأديب الرموز الأبديّة التي تهجع في لا وعيه فيعيد صياغتها ويطوّرها بفعل قدراته الخاصّة (جاكوبي، 1993).
في المقابل فإنّ المتلقي لا يعتمد على الموجودات في عالم النصّ الخارجيّ، بل على طريقة التفاعل مع ذلك العالم الذي أوجده النصّ، والطريقة التي يدرك المتلقي فيها لذلك العالم، إلى جانب طريقة تفاعله مع العالم الواقعيّ (مفتاح، 1994)، وهو “يستجيب إلى مثيرات النصّ بوساطة ثوابت من تجربته الخاصّة، وما دام المتلقي بعيدا عن العالم الخارجي للنصّ، فإنّ هذه الأوهام المكوّنة ذاتيّا تبدو كلّها محتملة وواقعيّة إلى حدّ بعيد” (كروسمان، 2007، صفحة 109).
بناء على ما تقدّم يمكن القول: إنّ اللاوعيّ الجمعيّ يشكّل أرضيّة مشتركة بين منشئ النصّ والمتلقي، بحيث يعبّر المنشئ عن مشاعر المتلقي وهمومه من خلال تعبيره عن تجربته الخاصة، من جهة، ويمكّن المتلقي من الوصول إلى مقصديّة النصّ، أو التأثّر به، من جهة أخرى.
تلك الأرضيّة المشتركة قوامها الأساطير، فهي الشكل الأوليّ الذي عبّر فيه الإنسان عن فهمه للطبيعة وعلاقته معها، وكانت النسق الذي ضبط معظم فعاليات التخيّل عبر العصور ووحّدها، لذلك فقد وجد الأدباء والفنّانون فيها أرضا خصبة استقوا منها الرموز والصور، والدلالات المختلفة، كما لجأ إليها بعض النقّاد في تأويل النصّ، وقراءة ما يحمله من دلالات ورؤى، استنادا إلى نظريّة اللاوعي الجمعيّ (الصالح، 2001).
على أنّ هناك فرقا بين عالم النفس والناقد الأدبي في رؤيتهم إلى قيمة معرفة الأديب بتلك الأساطير؛ إذ يرى يونغ أنّ العلاقة بين الوعي بالأسطورة أو اللاوعي وقيمة الأدب تكون عكسيّة، فكلّما قلّت خبرة الأديب باللاوعيّ أسفرت عن صورة صافية لا تشوبها شائبة؛ لأنّه يكشف عن مكنونات نفسه على طبيعتها، لكن إذا زادت خبرته فإنّه يحاول كبت تلك المشاعر حفاظا على الصورة المثاليّة أمام المجتمع (يونغ، علم النفس التحليليّ، 1997).
وقد يتورّط الأديب المطّلع على علم النفس في تأويل سلوك شخصيّاته، أو يثقل النصّ بالإشارات الرمزيّة، فينتج الأدب السيكولوجيّ (النفسيّ)، الذي لا يحتاج إلى تحليل؛ لأنّ الأديب نفسه يتولى ذلك، من خلال ما يضمّنه من تفسيرات في النصّ. يقابله الأدب الرؤيويّ (الكشفيّ) الغنيّ برموزه ودلالاته. أمّا الناقد فيرى أنّ خبرة الأديب باللاوعي تغذي النصّ بالعديد من الصور الجماليّة، وتكسب الأديب القدرة على التصرّف في فنون القول (يونغ، علم النفس التحليليّ، 1997).
يمكن تلخيص نظريّة يونغ في اللاوعي الجمعيّ بأنّ لدى كلّ شخص في لاوعيه الجمعيّ مجموعة من الأفكار والمشاعر المكبوتة، تعود إلى الإنسان البدائيّ، وتشكّل “النماذج العليا” للبشريّة. تظهر على شكل أحلام، وتخيّلات، ورموز، تشكّل جزءًا كبيرًا من العقل الباطن للشخص، وهي التي تفسّر التشابه بين الناس في مجتمعات مختلفة الثقافات والرؤى.
تلك النماذج تتسرّب من جيل إلى آخر عبر الجينات الوراثيّة، بحيث تظهر آثارها في تشكيل نفسيّة الإنسان العالميّ، نظرا لامتداد السلالات البشريّة وتشعّبها؛ ولذلك فإن مفهوم اللاوعي الجمعيّ ساعد في صياغة تفسيرات حول التجارب البشريّة المختلفة التي لم يتمكّن العلم العقلانيّ من تبريرها أو اكتشافها، مثل أفكار الصوفيّة، وعالم الأحلام، والهلوسات، وبعض الخبرات الفنيّة، والصور البلاغيّة…
المطلب الثاني: الموروث وأثره في تكوين اللاوعي الجمعيّ
مفهوم الموروث
الموروث لغة: هو اسم مفعول من وَرِثَ. ووَرِثَهُ مالَهُ، ومجدَه أي انتقل إليه بعد موته. قال تعالى إِخبارًا عن زكريا –عليه السلام- في دعائه: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا¤ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ (مريم: 5، 6)، فهو يريد وريثا يُعمَّر بعده فيصير إليه إرث آل يعقوب من النبوّة، فالموروث وفق هذا السياق هو الشيء المتوارث من السلف إلى الخلف (ابن منظور، 1955).
الموروث اصطلاحا: هو ما وصل من الماضي إلى الحضارة السائدة، وما زال يمتدّ في الحضارات عبر الأجيال المتلاحقة. يحضر بأشكال متعدّدة في المخيّلة، ويتجلى بصور مختلفة في التصرّفات والتعبير وطرائق التفكير (يقطين، 2006)، وهو ما يعرف بطبقة الوعي الجمعيّ عند (يونغ).
فالموروث بذلك “الجزء الحي من التراث الذي يتجلى في سلوك الناس وعاداتهم وتقاليدهم، في الوقت الذي يمكن أن يعود في جذوره التاريخيّة إلى مئات السنين، بل آلاف السنين في كثير من الأحيان، ويصعب تلمّس بداياته الأولى في تاريخ المجتمع، فاستخدام اللغة يدل على أنّ أفراد المجتمع يعتمدون في تواصلهم مع بعضهم على موروث ثقافيّ موغل في القدم، […] وما يقال في اللغة يقال أيضاً في التقاليد، والعادات، وأنماط التفكير، والقيم وحتى الأشكال السائدة في تطبيق العقائد الدينيّة، التي تختلف بين المجتمعات باختلاف ثقافاتها، وخصوصيّاتها التاريخيّة والحضاري” (الموسوعة العربيّة، 2003، صفحة 883).
ولمّا كان الموروث جزءا من التراث، ومشارك له في الاشتقاق اللغويّ، فقد استخدم بعض الدارسين أحدهما مكان الآخر، أو جمعوا بينهما في الاستخدام (الحربي، 2024). ويبقى الفرق بين الموروث والتراث في استمرار تأثير الموروث في المجتمع متمثّلا في “البقايا السلوكيّة والقوليّة التي بقيت عبر التاريخ، رغم الانتقال من بيئة إلى بيئة، ومن مكان إلى مكان لدى الفرد، ومن هنا فهو مصطلح يضمّ البقايّا الأسطوريّة أو الموروث الميثولوجيّ القديم” (الصعب، 2011). أمّا التراث فهو باقٍ ولكن يملك الفرد الخيار في أن يتركه أو يستخدم منه ما كان صالحا لزمانه، ومناسبا له، كطريقة حراثة الأرض، والآلات الزراعيّة القديمة على سبيل المثال (محمود، 1993).
لا يقتصر الموروث على المكتسبات المتوارثة من الأجداد في منطقة ما، بل يشمل جميع الممارسات التي بقيت حيّة في المنطقة سواء من الممارسات التي عرفتها شعوب المنطقة نفسها وأنتجتها حضارتها، أم ما وصل إليها من الحضارات الأخرى، فبقيت رواسبه ماثلة فيهم (خورشيد، 1992).
أثر الموروث في اللاوعي الجمعيّ
عند التسليم بأنّ الموروث يشمل منجزات الحضارة التي بقيت حيّة في الثقافة الحاضرة للأمّة، سواء تلك التي وصلت إليها من أسلافها، أو ما انتقل إليها من الأمم الأخرى، فأثّر فيها وأصبح جزءا من ثقافتها- يصبح من اليسير تلمّس أثر الموروث في تكوين اللاوعي الجمعيّ؛ إذ إنّ ذلك الموروث يختزل ماضي الأمم وخبراتهم الحياتيّة، فيسهم في توحيد الرؤى، وتكوين أرضيّة مشتركة للحوار والتفاعل بين أفراد الأمّة.
وفي الوقت نفسه، فإنّه يشكّل قنوات متشعّبة تتسلّل عبرها الرؤى والمشاعر المتعلّقة بتلك التجارب التي كوّنت الموروث إلى الأجيال. ومع التقادم فإنّ تلك الرؤى والمشاعر تصبح طيفا من الذكريات، إذ يستمرّ السلوك الموروث ولكن يتبدّد السبب الذي كان باعثا له عند تكوّنه، فتصبح ممارسة الأجيال اللاحقة له عفويّة، راسخة في الوجدان، ولكنّهم يفقدون القدرة على تبريرها.
يمكن تشبيه أثر الموروث في اللاوعي الجمعيّ بحال الأمثال؛ فالأمثال قيلت في مواقف محدّدة، ولكلّ منها قصّة، ولكن الأجيال تداولت المثل دون القصّة، ومع مرور الوقت نشأ جيل على استخدام تلك الأمثال دون معرفتهم بالقصّص الحقيقيّة لها، فقدروا بعضها، وأعادوا صياغة البعض في كتب الأمثال (الضبيّ، 1983). وهذا حال الموروث، فهو عبادات أو عادات نشأت الأجيال عليها، تقليدا لأسلافهم غالبا دون معرفتهم بالبواعث الحقيقيّة لها: ﴿بَلْ قَالُوٓاْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍۢ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 22).
كلّما تقادم الزمن تصبح صلة المجتمع مع الأصول الأولى (البدئيّة) لتلك الموروثات ضعيفة، وقد تختفي ظاهريّا بفعل مقاومة الشخص لها أو كبتها… لكنّها تبقى راسخةً في مكان ما في إحدى طبقات العقل (يونغ، جدليّة الأنا واللاوعي، 1997)، وسرعان ما تظهر على السطح عندما يمرّ الشخص بتجربة أو موقف يستدعيها. وقد تظهر له في عالم الأحلام، أو يجد نفسه يمارس طقسا غير مبرّر، أو يألف شعورا لا تفسير له، أو يتلفظ بكلمات لا يدرك بعدها، أو غير ذلك من الإشارات التي يلتقطها علماء النفس.
وبذلك تبدو قيمة الموروث في دوره في استمرار تدفّق تلك المشاعر الإنسانيّة المرتبطة بالنماذج البدئيّة عبر الأجيال التي تعين المؤوّلين على تفسير تلك الإشارات.
على صعيد آخر فإنّ التنوّع الحضاري الذي نلمحه في الموروث، والتشابه النسبيّ بين الأمم فيه، أكّد للباحثين الأصول المشتركة لتلك الموروثات، أو التلاقح فيما بينها بفعل الصلات المكانيّة أو التجاريّة…، مما ساعد على تفسير المشاعر أو الرموز، التي قد تبدو غريبة في عالم الأحلام أو اللاوعي، من خلال القياس على موروثات الأمم الأخرى أحيانا. وهذا ما جعل الميثولوجيين والأنثروبولوجيين يتوجّهون لدراسة القبائل البدائيّة، والأقلّ تحضّرا في دراساتهم المتعلّقة بالأساطير أو طبائع الإنسان.
المطلب الثالث: صدى اللاوعي في الأدب الجاهليّ: مثال تطبيقيّ
الأديب ابن بيئته يصدر عن الموروثات السائدة فيها، ويعبّر عنها، سواء بإعادة صياغتها، أم من خلال تسرّب تلك الموروثات إلى عمله الأدبيّ عن طريق اللاوعي، فهو شاهد حيّ على ذلك المجتمع، بما يعتمر في نفسه في مشاعر، أو يدور في عقله من أفكار ورؤى.
لذلك فقد اختارت الباحثة لوحة أدبيّة لتوضيح الفكرة التي طرحت خلال البحث حول أثر الموروث في تكوين اللاوعي الجمعيّ، فوقفت على صورة الأفعى لأنّ (يونغ) كان يرى أنّ حلم الأفعى “يكشف جانبا من الفعاليّة النفسيّة، لا علاقة لها بصاحب الحلم من حيث هو إنسان حديث” (يونغ، البنية النفسيّة عند الإنسان، 1994، الصفحات 43-45)، كما اختارت العصر الجاهليّ لأنّه يمثّل أقدم عصور الأدب العربيّ.
صورة الأفعى في اللاوعي الجمعيّ
ترتبط الصورة الرمزيّة للأفعى بالأساطير القديمة، وباستقراء تلك الأساطير يتّضح أنّ لتلك الصورة عدّة أبعاد يمكن إجمالها في خمسة أبعاد رئيسة. يبدو الأوّل في ارتباط الأفعى بأسطورة الخلق والتكوين في بعض الحضارات، ومن ذلك ما ورد في أسطورة الخلق المصريّة على لسان الإلهة الأمّ (السواح، 2002):
ستعود الأرض محيطا بلا نهاية كما في البدء
وحدي، أنا، أبقى
فأستحيل إلى أفعى كما كنت
خفيّة عن الأفهام
فالأمّ الأولى –وفق المعتقدات البدئيّة- هي الأفعى الكونيّة، التي أنتجت العالم من خلال تزاوجها مع نفسها، وعنها نتج السالب والموجب، متمثّلا في المذكّر والمؤنّث، فالليل والنهار، فالسماء والأرض… وتظهر الأفعى في تلك الأسطورة وهي مستديرة على نفسها وتعض على ذيلها واصلة مبتدأها بمنتهاها. وتبقى الأفعى حاضرة في أسطورة الخلق الأورفيّة، ومثلها البابليّة، وإن لم يشر إليها صراحة في الأسطورة البابليّة لكنها تفهم من السياق (السواح، 2002).
يندرج في السياق ذاته اعتقاد بعض القبائل البدائيّة بأنّها تنحدر من الحيوانات، وكان لكلّ قبيلة حيوان تعتقد أنّه سلفها الخاص فيبجّلونه ويقدّسونه، ولا يسمحون بقتله آملين أن يحفظهم ويحميهم من الأخطار. ومن أمثلة حضور الأفعى في تلك المعتقدات البدائيّة اعتقاد أهل أستراليا الأصليين بأنّ أسلافهم القدماء هم العظّاءة والأفعى وأفعى البواء والديك التركي، وقدّست بعض قبائل الهند القديمة الأفعى المجنّحة، وقدّس سكان بوليفيا والبيرو أفعى أسطوريّة تدعى قمر (Amar) (ديمتري، 1993).
البعد الثاني يمثّل الحماية والحراسة؛ فقد كانت الأفعى رمزا من رموز الآلهة الحامية والمدافعة لمنع الاختلاط بين العالمين: العلويّ والسفليّ. ومن ذلك ما نجده في الحضارة السومريّة حيث كان الإله (ننكشزيدا)، وهو من آلهة العالم السفليّ ويسمّى حامل العرش، يمثّل بجسد إنسان له ثلاثة رؤوس اثنان منها لثعبان، والثالث لإنسان، ورمزه أفعوانان ملتفّان على غصن شجرة. وهذا الرمز يمثّل جذر الرمز الطبيّ اليونانيّ للإله (اسكلابيوس)، ولا غرابة في ذلك فهو ابن (ننازو) الإله الطبيب (الماجدي، 1997). ثمّ انتقل رمز (ننكشزيدا) من سومر إلى المصريّين القدماء، فاتّخذوا الأفعى رمزا في التاج لحماية السلالات الملكيّة، وانتقل من مصر إلى الإغريق، ومنهم إلى الرومان (المغربي، 2017).
ونظرا لارتباط الأفعى بحرّاس العالم السفليّ، حيث كان الموتى يدفنون بزينتهم، وحليهم، أصبحت مهمّة حراسة الكنوز توكل لشياطين العالم السفليّ، وفي هذا المعنى عثر على ختم لإلهة العالم السفلي (أرشكيجال)، وفيه ظهرت محاطة بالثعابين. وكان رمز (نيراح) على صورة ثعبان، وهو من شياطين العالم السفليّ، وظيفته أيضا حماية حياة الحدود (الماجدي، 1997).
أمّا البعد الثالث للأفعى فارتبط بأسطورة جلجامش في رحلة بحثه عن نبات الحياة، ومنها أخذت الأفعى رمز التجدّد في العقليّة الجمعيّة، وباتت رمزا لطول الحياة، وتسرّبت هذه الصورة إلى الموروث الإنسانيّ، وعبره إلى الأجيال المعاصرة حتّى يومنا هذا؛ فعندما نجح جلجامش في الحصول على نبات الحياة لم يطلب الخلود لنفسه، بل أراد أن يصحب ذلك النبات معه ليعيد صديقة أنكيدو إلى الحياة، تقول الأسطورة كما وردت في اللوح الحادي عشر (حنّون، 2006):
يقول جلجامش له، لأور- شنب، الملّاح
يا أور- شنب، إنّ هذا النبات هو “نبات دقّة القلب”
به يعود الإنسان لطاقته السابقة
لأحمله إلى قلب أوروك ذات الأسوار
لكنّ جلجامش خسر ذلك النبات في طريق عودته، حيث خطفه ثعبان لنفسه:
بعد مسيرة ثلاثين ساعة مضاعفة توقفا لحين
رأى جلجامش بركة ماؤها بارد
نزل إلى وسطها ليستحمّ
شمّ ثعبان رائحة النبات
يتسلّق بصمت وحمل النبات
في عودته نزع جلده
عندئذ جلس جلجامش يبكي
وعلى وجنتيه تسيل دموعه
وهكذا سلبت الأفعى جلجامش النبات، واكتسبت القدرة على التجدّد، فتبدّل جلدها، وهي الصورة التي عرفت بها عند الإغريق (المغربي، 2017)، فهذا النبات يجدّد الشباب، كما جاء في الأسطورة (حنّون، 2006):
إذا وصلت يداك لهذا النبات
ستكون ثانية كما كنت في صباك
انبثق البعد الرابع من أسطورة جلجامش أيضا، إذ أصبحت الأفعى رمزا من رموز الشرّ باستيلائها على نبات الحياة؛ فقد حالت بين جلجامش وإتمام مهمّته، من جهة، ومن جهة ثانية لأنّها أرادت الخير لنفسها دون سائر المخلوقات في الوقت الذي آثر فيه جلجامش صديقه على نفسه.
وهذا البعد عزّزته قصّة خروج آدم وحوّاء من الجنّة، فقد ورد في سفر التكوين أنّ الأفعى هي التي أغرت حوّاء بالأكل من الشجرة، فاستجابت لها حوّاءـ وأكلت من الشجرة وأطعمت آدم معها، فعوقبت الأفعى معهما بأن جعلت تمشي على بطنها فوق التراب (وكان لها قوائم قبل ذلك)، وأن تكون هناك عداوة بينها وبين نسل المرأة، فهو يسحق رأسها، وهي تسحق عقبه (فكري، 2016). وبذلك أصبحت الأفعى رمزا للشرّ، والعداوة، والشيطان. وقد تكون تلك الرواية نتيجة لتأثّر التوراة بقصّة جلجامش السابقة (الديك، علاقة المعلّقات بجلجامش، 2012).
أمّا البعد الخامس فهو الحكمة والتعقّل، ورد في الكتاب المقدّس: “ها أنا أرسلكم كغنم في وسط ذئاب، فكونوا حكماء كالحيّات بسطاء كالحمائم” (متّى، الإصحاح العاشر: 16(. وقد ذهب البعض إلى أنّ ملازمة الأفعى للأرض جعلتها تتطّلع على أسرارها، ومن هنا اكتسبت صفة الحكمة (المغربي، 2017).
الأفعى في الموروث الجاهليّ
لم يظهر ما يشير إلى عبادة الأفعى في البلاد العربيّة أو تقديسها، ولم تحظ بمكانة خاصّة، بل كان الجاهليّ ينظر إليها خطرا يتّقي منه، ويصطادها للانتفاع بها، فهذا تأبّط شرّا سمّي بذلك لأنّه كان يحمل جرابا فيه حيّات، وروي أنّه كان يأكل شحوم الحيّات، ومما روي في ذلك أنّه عندما قتل ترك في الخلاء، فوُجدت الوحوش التي أكلت من لحمه ميتة حوله لأنّها تسمّمت من لحمه، وقيل: كان في حياته إذا عضّ شخصّا مات الآخر مسموما (ابن منبّه، 1979). ولكن ذلك لا ينفي تسرّب الدلالات المتعلّقة بالأساطير التي تدور حول الأفعى إلى الموروث العربيّ ولا سيّما الشعريّ.
ولم يذكر الشعراء الجاهليّون جلجامش أو أحدا من الآلهة الذين اتّخذوا الأفعى شعارا لهم فيما وصلنا من الشعر، ومع ذلك نجد صورة الأفعى، بأبعادها الأسطوريّة المختلفة ماثلة في الصور التي رسمها الشعراء لها، أو في سائر ما أثر عن العرب من أمثال، وحكايات…
لكن ذلك لا ينفي حضور الأفعى في الفكر الجاهليّ فقد ورد ذكرها في الأمثال فقيل: “أظلم من حيّة”، وفسّر الميداني ذلك بأنّ الأفعى تستولي على جحر غيرها بعد أن تأكل بيضه (الميداني، 1995)، وقد يكون ذلك واقعا، لكنّ الباحثة ترى أنّ هذا المثل يعود في جذوره إلى أسطورة جلجامش، لأنّ الأفعى ظلمته بالاستيلاء على ذلك النبات رغم تضحيته، وتعريض نفسه للخطر، فظلمته في فعلها، كما ظلمت صديقه أنكيدو الذي كان أحوج منها للنبات.
أبرز دليل على تسرّب الموروث الأسطوريّ حول الأفعى إلى العرب أنّ اسمها مأخوذ من الحياة، وهو فضلا عن ذلك اسم يدلّ على المذكّر والمؤنّث معا على أغلب الاستخدام، فإن كانت أنثى فهي أفعى، وإن كانت ذكرا فهي ثعبان، أمّا حيّة فهو اسم دالّ على الجنس مذكّرا ومؤنّثا (ابن منظور، 1955). وفي ذلك توظيف للبعد الأوّل للحيّة وهو كونها الأمّ الكونيّة الكبرى، فهي من جهة أوّل الحياة وسببها بدليل الاسم، ومن جهة ثانية مثناة الجنس، بدلالة استخدام لفظ (حيّة) للمذكّر والمؤنّث معا.
وورد ذكر الأفعى في القصص العربيّة التراثيّة بوصفها حارسة للكنوز والعالم السفليّ، ومن ذلك ما جاء في كتاب التيجان في تاريخ اليمن القديم حيث ذكرت الأفعى وفق هذه المهمّة في قصّة شداد بن عاد فكانت الأفاعي تظهر على أبواب المغارة التي دفن فيها شدّاد مع كنوزه، فعلى كلّ باب منها كان الصعاليك واللصوص يجدون مجموعة من الأفاعي، إلى أن دخلوا المغارة فإذا بالكنز محروسا بتنين ضخم أحمر العينين (ابن منبّه، 1979).
تكرّر هذا الدور في قصّة (الحارث بن مضاض) فعندما دخل الحارث بصحبة (إياد بن نزار) سربا تحت صخرتين ليريه مدينة الموت، سمعا صفير الأفاعي في السرب عن اليمين والشمال، فقد كانت تلك الأفاعي تحرس أبواب المغارة التي أخفي فيها الكنز (ابن منبّه، 1979). وما زال نقش الأفعى رمزا يبحث عنه صيّادو الكنوز حتّى يومنا هذا (فكري، 2016).
وفي صورة العدوّ والشرّ تناقل العرب قصّة خروج آدم وحوّاء من الجنّة نقلا عن الكتب المقدّسة، ولكن مع تغيير في دور الأفعى، الذي أسند في القرآن الكريم إلى إبليس، فجاء في رواية أنّ إبليس تمثّل لآدم بصورة أفعى، وفي رواية أخرى أنّ آدم –عليه السلام- عندما ذهب للأكل من الشجرة ركب الأفعى وكان لها قوائم كالحصان، فلعنت وسلبت قوائمها حين طردت من الجنّة (ابن منبّه، 1979).
وضُرب في الحيّة المثل بطول الحياة، فيقال للرجل إذا طال عمره ما هو إلّا حيّة، وللمرأة إذا طال عمرها ما هي إلا حيّة. فإذا بلغ الرجل غايته في التعقّل والحكمة والدهاء، قيل هو حيّة الوادي، أو حيّة الأرض (ابن منظور، 1955). أمّا طول العمر فهو يستدعي بعد التجدّد والخلود الذي اكتسبته الأفعى من أسطورة جلجامش، وقد يكون بعد الحكمة نابع من طول العمر؛ فالحكمة تؤخذ من المعمَّرين، أو لصلة العرب مع الديانة النصرانيّة، حيث وصفت الأفعى بالحكمة في كتبهم المقدّسة.
توظيف النابغة الذبيانيّ للموروث في لوحة الأفعى:
لقيت لوحة الأفعى عند الذبيانيّ اهتماما لما فيها من العنصر الحكائيّ أو السرديّ، إلى جانب الحكمة المستمدّة من مضمونها، وكونها تروي قصّة مثل كان متداولا بين العرب.
تقول الحكاية إنّ حيّة تدعى (ذات الصفا) اتّخذت محميّة لها في أحد الوديان، وذات يوم أقدم أحد أخوين على الرعي في ذلك الوادي فلدغته الأفعى ومات، فذهب أخوه لقتل الأفعى ثأرا له، لكنّها عرضت عليه أن تعطيه دية أخيه كلّ يوم دينارا، ويكفّ عن طلبها. وبعد مدّة شعر بالندم، فعزم على قتلها، فأخذ فأسا وانتظرها فلمّا مرّت به ضربها فأصاب ذيلها ودخلت جحرها، ومنعت عنه الدينار، ثمّ ذهب إلى جحرها ثانيةً وحيّاها، ولمّا أطلّت ضرب رأسها فأخطأه ثانية، فاعتلّ عليها بقطع الدينار، والطلب العودة للحلف خوفا من شرّها، فقالت: ليس بيني وبينك إلا العداوة (الميداني، 1995).
بالوقوف على توظيف الذبيانيّ للحكاية (الذبياني، د. ت) يتبيّن أنّه جعل حال الأفعى مع حليفها مماثلا لحاله مع بني مرّة، فهم مستمرّون في المكيدة والحقد رغم عدم إساءته لهم، وفي ذلك يقول:
وإنّي لألقى من ذوي الضغن منهم، وما أصبحت تشكو من الوجد ساهرهْ
كما لقيت ذات الصفا من حليفها؛ وما انفكّت الأمثال قي الناس سائرهْ
فلم يوظّف الصورة التي شاعت للحيّة، من الشرّ والظلم، ولم يشبّه نفسه بقوتها وفتكها، بل اختار صورة وفائها، وحكمتها، ولمّا كانت تلك القصّة سائرة في الأمثال كما قال، فهذا دليل على تسرّب تلك الصورة للأفعى في اللاوعي الجمعي، وترسيخ الموروث لها بتناقل ما يحمل دلالتها من حكايات، وأشعار.
وهذه القصّة تحمل في مضمونها صورة الأفعى الحكيمة العاقلة، فهي وإن قتلت الأخّ فإنّما قتلته عقابا له لاعتدائه على حماها، ثمّ إنّها عرضت دفع دية القتيل وهي القادرة على إيقاع الأذى بطالب الثأر، والتزمت بعهدها بدفع الدينار اليومي وهي قادرة على التملّص منه، يقول:
فقالت له: أدعوك للعقل، وافيا ولا تــغـشــــــــينّي منـك بالظـلم بــــــادرهْ
فواثــــــقها بـالله ، حـيـن تــــراضيــا فـكانت تـــــديه المال غِبــّــا، وظاهره
وهذا يؤكّد أنّ صورة الأفعى في الحكاية لم تكن تلك الصورة الدارجة لها في الواقع، لما أظهرته من الحكمة والتعقّل، والوفاء بالعهد.
والحكاية كما أوردها الذبيانيّ فيها حضور للبعد الإيجابيّ للأفعى. وأوّل ما يظهر في ذلك هو اتّخاذ الأفعى حمى خاصّا؛ ؛ فقد عرف العرب في الجاهليّة نوعين من الحمى: حمى الملوك، وحمى الإله، والحمى عادة مكان خصيب يحرّم ما فيه من حيوان ونبات على سائر الخلق غير صاحب الحمى (الخطيب، 2004)، وهذا يصدق على الوادي، الذي بقي مخصبا رغم الجدب. فهل كانت الأفعى صاحبة الحمى أم حارسة له؟
يفهم من الحكاية، كما تخيّلها العرب والذبياني في الاوعي، أنّ الأفعى هي التي حمت الوادي، ولم تكن حارسة فحسب، دليلنا على ذلك أنّها كانت تملك حقّ القرار والتصرّف في ذلك الحمى، وفي المال الذي تحرسه، وهذا لا يمكن أن يصدر عن حارس مكلّف ممن هو أعلى منه كالملك أو الإله، مما يستدعي صورة الأفعى بوصفها من آلهة العالم السفليّ.
وأيّا كان دور الأفعى فهي تحرس كنزا في ذلك الحمى، فكانت تعطي الرجل كلّ يوم دينارا منه، حتّى “ثمّر الله ماله، وأثّل موجودا، وسدّ مفاقره”، دون أن تشتكي الأفعى، أو ينضب كنزها. وهي من الصور الإيجابيّة الموروثة للحيّة، المرتبطة بحراسة الكنوز.
يكمل الشاعر لوحته لتشفّ عن بعد آخر، فهذه الأفعى عصيّة على الموت؛ فالرجل يكيد لها، ويكمن وينفّذ، لكنّ الله وقاها. وممّا ورد في ذلك أنّ ذيل الأفعى قطعت لكنّها لم تمت، يقول:
أكــــبّ على فـــأس يحدّ غرابـــها مــذكّــــرة مــن المعاول بــــاتــــرة
فقام لها من فوق جحر مشيّد ليقتلها، أو تخطئ الكف بادرة
فلمّا وقاها الله ضربة فأسه؛ وللبرّ عين لا تغمّض ناظرة
وهذه الصورة من أكثر الصور تداولا للحيّة رمز التجدّد، فهي التي حصلت على نبتة الحياة، فأصبحت رمزا للتجدّد، ولها عدّة رؤوس قد تصل إلى سبعة مما يساعدها على طول البقاء.
لم يكن اختيار الذبياني للمعول الذكر إلا صدى لما رسخ في اللاوعي من الصراع بين الذكر والأنثى، فالأفعى في صورتها الأولى وفق الأسطورة المصريّة كانت تمثّل الأمّ الكونيّة، التي أنتجت الحياة من تزاوجها مع نفسها، وهي تحمل هذه الدلالة (الأنوثة والذكور) في تسميتها، ولذلك فقد رأى الشاعر -دون قصد منه- أنّ المعول الذكر سيكون أقدر على قتلها، وحسم الصراع.
ويظهر في اللوحة صدى لصورة الأفعى المرتبطة بقصّة خروج آدم وحوّاء من الجنّة، فيما يتعلّق بالعداء بين نسل حواء وتلك الأفعى، فالعداء سيبقى بين الأفعى والرجل قائما؛ لأنّ الرجل لن ينسى قتلها لأخيه، ولأنّ آثار غدره ستبقى ماثلة لها في بيتها وجسدها، يقول:
فـقالت يميــن الله أفعل ، إنّني رأيتك مســـــــحورا، يميــنــــك فاجرهْ
أبى لي قبر، لا يزال مقابلي، وضربة فأس، فوق رأسي، فاقره
يضاف إلى ذلك أنّ الأفعى لم تمت لأنّ الرجل لم يضرب رأسها، بل وقعت الفأس في ذيلها فقطعته، والحية لا تموت إلا إذا سُحق رأسها وفق قصّة الخروج من الجنّة في سفر التكوين.
الخاتمة:
بعد الوقوف على صورة الأفعى عند النابغة الذبيانيّ، تبيّن مدى ارتباطها بأبعاد صورة الأفعى التي سادت في الموروث الجاهليّ، وما فيها من تقاطع مع أبعاد صورتها في الفكر الإنسانيّ، وهذا يؤكّد مدى الارتباط الثقافيّ أو الفكريّ بين الحضارات، ممّا يرجّح وحدة الأصل البدئيّ الذي انبثقت عنه تلك الحضارات.
ومن جهة ثانية فإنّها تؤكّد أثر الموروث في الحفاظ على الذاكرة الجمعيّة أو الوعي الجمعيّ، ومن ثمّ تحقيق الوحدة الثقافيّة للأمّة، والتشابه الثقافيّ مع الأمم الأخرى من خلاله التقاطع بين الموروث الشعبيّ لتلك الأمم. وهو إلى جانب ذلك يساعد على استمرار تدفّق المشاعر التي رافقت الطفولة البشريّة، وما أنتجته من النماذج العليا.
ومع بقاء تلك المشاعر حيّة في النفوس يتكوّن اللاوعيّ الجمعيّ، الذي يمكّن الأدباء من الإبداع في التعبير وملامسة الوجدان الشعبيّ، والإنساني معا، ويشكّل أرضيّة مشتركة بين الأديب والمتلقي مما يساعد المتلقي على التأثر بالنصّ أو تلقّف المشاعر التي يثيرها لأنّها تعبّر عن مكان ما في نفسه، وتساعده على فهم ما يعتمر نفسه من تلك المشاعر إزاء التجارب ذاتها.
قائمة المصادر والمراجع
القرآن الكريم
إنجيل متّى
أبو الفضل أحمد بن محمّد الميداني. (1995). مجمع الأمثال. بيروت: دار مكتبة الحياة للطباعة والنشر.
أبو بكر المغربي. (15 6, 2017). رمز الحيّة، تاريخه ـ معانيه ـ تحليلاته التكنيزيّة. تاريخ الاسترداد 1 7, 2025، من كنوز ودفائن: https://n9.cl/d85ba
إحسان الديك. (2012). تراتيل عشتار وأثرها في الشعر الجاهليّ صورة المرأة نموذجا. المؤتمر الدولي الثالث بعنوان التأثير والتأثّر بين الحضارات القديمة (الصفحات 23 – 33). القاهرة: مركز الدراسات البردية والنقوش – جامعة عين شمس.
إحسان الديك. (2012). علاقة المعلّقات بجلجامش. مجلة مجمع اللغة العربيّة/ أكاديميّة القاسمي(6)، الصفحات 1 – 32.
الإيحاء واللاوعي. (1994). بيروت: دار الآفاق الجديدة.
المفضّل الضبيّ. (1983). أمثال العرب (المجلد 2). (إحسان عبّاس، المحرر) بيروت: دار الرائد العربي.
الموسوعة العربيّة. (2003). القاهرة: دار الفكر العربيّ.
النابغة الذبياني. (د. ت). ديوان النابغة الذبياني. (كرم البستاني، المحرر) بيروت: دار صادر.
أنطونيوس فكري. (2016). تفسير سفر التكوين. القاهرة: كنيسة السيدة العذراء.
جمال الدين ابن منظور. (1955). لسان العرب. بيروت: دار صادر.
حسن حنفي. (1981). التراث والتجديد (المجلد 1). بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر.
خبر الله عصّار. (1982). مقدّمة لعلم النفس الأدبيّ (المجلد 1). بيروت: مطابع الكرمل الحديثة.
خزعل الماجدي. (1997). متون سومر، الكتاب الأوّل. (المجلد 1). عمّان: الأهليّة للنشر.
زكي نجيب محمود. (1993). تجديد الفكر العربيّ (المجلد 9). القاهرة: دار الشروق.
سعيد يقطين. (2006). الرواية والتراث السردي (المجلد 1). القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع.
سوزان روبين سليمان ، وإنجي كروسمان. (2007). القارئ في النصّ، مقالات في الجمهور والتأويل (المجلد 1). (حسن ناظم، وعلي حاكم صالح، المترجمون) بيروت: دار الكتب الجديدة.
شوقي ضيف. (1972). البحث الأدبيّ، طبيعته ـ مناهجه ـ أصوله ـ مصادره. القاهرة: دار المعارف.
عادل البياتي. (1986). دراسات في الأدب الجاهليّ. الدار البيضاء: مكتبة الأدب المغربيّ.
عبد العزيز الصعب. (11 5, 2011). العلاقة بين التراث الثقافيّ والموروث الشعبيّ. صحيفة الرياض(15661). تاريخ الاسترداد 15 6, 2025، من https://www.alriyadh.com/631594
فاروق خورشيد. (1992). الموروث الشعبيّ (المجلد 1). القاهرة: دار الشروق.
فراس السواح. (2002). لغز عشتار، الألوهة المؤنّثة وأصل الدين والأسطورة (المجلد 8). دمشق: دار علاء الدين.
محمد الخطيب. (2004). الدين والأسطورة عند العرب (المجلد 1). دمشق: دار علاء الدين.
محمد حسن الحربي. (26 6, 2024). الخلط بين التراث والموروث. تم الاسترداد من البيان: https://www.albayan.ae/opinions/by-the-way/2024-06-26-1.4895340
محمد مفتاح. (1994). التلقي والتأويل، مقاربة نسقية (المجلد 1). بيروت: المركز الثقافي العربي.
نائل حنّون. (2006). ملحمة جلجامش، ترجمة النصّ المسماري (المجلد 1). دمشق: دار الخريف للنشر والتوزيع.
نضال الصالح. (2001). النـزوع الأسـطوري فــي الروايـة العربيـة المعاصـرة. دمشق: اتّحاد الكتب العرب.
وهب ابن منبّه. (1979). كتاب التيجان في ملوك حمير. صنعاء: مركز الدراسات والأبحاث اليمنيّة.
يوري ديمتري. (1993). الإنسان والحيوان عبر التاريخ، من الأسطورة والتقديس إلى الواقع المعاش (المجلد 1). (محمد سليمان عبود، المترجمون) دمشق: دار النمير للطباعة والنشر.
يولاند جاكوبي. (1993). علم النفس اليونغي (المجلد 1). (ندرة اليازجي، المترجمون) دمشق: مطبعة الأهالي.
يونغ. (1994). البنية النفسيّة عند الإنسان. (نهاد خيّاطة، المترجمون) اللاذقيّة: دار الحوار للنشر والتوزيع.
يونغ. (1997). جدليّة الأنا واللاوعي (المجلد 1). (نبيل محيسن، المترجمون) اللاذقية: دار الحوار للنشر والتوزيع.
يونغ. (1997). علم النفس التحليليّ (المجلد 2). (نهاد خياطة، المترجمون) اللاذقية: دار الحوار للنشر والتوزيع.