تفكيك الذاكرة الثقافية وإعادة ترميز الهامش: مقاربة مندمجة لرواية "سبع رسائل إلى صالح بن طريف" لشعيب حليفي
عثماني الميلود1
1 المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين،جهة البيضاء-سطات، المغرب.
بريد الكتروني: atmani50@yahoo.fr
Deconstructing Cultural Memory and Re-encoding the Margin: An Integrated Approach to Chouaib Halifi’s Novel Seven Letters to Saleh ibn Tarif
Othmani El Miloud1
1 Regional Center for Education and Training Professions, Casablanca-Settat Region, Morocco.
Email: atmani50@yahoo.fr
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj74/15
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/74/15
المجلد (7) العدد (4). الصفحات: 215 - 227
تاريخ الاستقبال: 2026-03-07 | تاريخ القبول: 2026-03-15 | تاريخ النشر: 2026-04-01
المستخلص: تهدف هذه الدراسة إلى تحليل رواية «سبع رسائل إلى صالح بن طريف» لشعيب حليفي(2022) وفق مقاربة متعددة المستويات تجمع بين سيميائيات الثقافة عند يوري لوتمان، والتفكيك عند جاك دريدا، والتحليل التداولي للخطاب الرسائلي. تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن الرواية لا تستعيد حدثًا تاريخيًا فحسب، بل تعيد بناءه ضمن نظام دلالي جديد يعيد توزيع القيم الثقافية بين المركز والهامش. ويكشف التحليل أن النص يشتغل بوصفه جهازا ثقافيا يعيد إدماج الذاكرة المقصية داخل السيميوسفير المغربي، ويفكك الثنائيات الميتافيزيقية المؤسسة للتاريخ الرسمي، كما يبني حوارًا رسائليًا يقوم على مساءلة تداولية للحقيقة والسلطة. وتخلص الدراسة إلى أن الرواية تمثل نموذجًا للرواية التاريخية النقدية التي تحوّل التاريخ إلى فضاء للتأويل المستمر. وهي تنقسم إلى قسمين كبيرين؛ ماكرو-تحليل وميكرو-تحليل.
الكلمات المفتاحية: سيميائيات الثقافة، التفكيك، التحليل التداولي، الرسائل،الماكروتحليل، الميكروتحليل.
Abstract: This study aims to analyze Seven Letters to Saleh ibn Tarif by Chouaib Halifi (2022) through a multi-level approach that combines Yuri Lotman’s semiotics of culture, Jacques Derrida’s deconstruction, and the pragmatic analysis of epistolary discourse. The study is based on the hypothesis that the novel does not merely reconstruct a historical event, but rather reconfigures it within a new semantic system that redistributes cultural values between the center and the margin. The analysis reveals that the text functions as a cultural apparatus that reintegrates marginalized memory into the Moroccan semiosphere, deconstructs the metaphysical binaries underlying official history, and constructs an epistolary dialogue grounded in a pragmatic interrogation of truth and power. The study concludes that the novel represents a model of critical historical fiction that transforms history into a space of continuous interpretation. It is divided into two major parts: macro-analysis and micro-analysis.
Keywords: Semiotics of culture, deconstruction, pragmatic analysis, letters, macro-analysis, micro-analysis.
- مقدمة
شهدت الرواية المغربية المعاصرة تحولات عميقة تمثلت في انتقالها من استعادة الماضي بوصفه مرجعًا ثابتًا إلى مساءلته بوصفه بناءً سرديًا خاضعًا للسلطة والتأويل. وفي هذا السياق تندرج رواية «سبع رسائل إلى صالح بن طريف»، التي تستعيد تجربة برغواطة وشخصية صالح بن طريف، لا لإعادة سردها، بل لإعادة مساءلتها داخل أفق ثقافي معاصر.
تسعى هذه الدراسة إلى تحليل البنية الدلالية العميقة للرواية، من خلال مقاربة نظرية مركبة تستثمر أدوات سيميائيات الثقافة، والتفكيك، والتحليل التداولي: كيف تعيد الرواية بناء الذاكرة التاريخية المهمشة عبر جهاز سيميائي يفكك مركزية الخطاب الرسمي ويؤسس لحوار تداولي مع الماضي؟ كيف تشتغل الرواية داخل السيميوسفير الثقافي المغربي؟ بأي معنى تفكك الرواية الثنائيات المؤسسة للتاريخ الرسمي؟ كيف يُنتج الشكل الرسائلي أثرًا تداوليًا يقوم على مساءلة الحقيقة؟
رواية” سبع رسائل” تمثل نصًا حدوديًا يعيد إدماج الهامش داخل المركز الثقافي، فهو نص يفكك البنية الثنائية (التزمت/الهرطقة) ويزعزع تراتبيتها. كما أنه خطاب رسائلي يقوم على أفعال كلام رغبة في مساءلة تؤسس لحوار افتراضي مع التاريخ. وعليه، فإن الهدف من هذا الدراسةِ الكشفُ عن البنية السيميائية العميقة للرواية وتحليل تمثلات المركز والهامش وإبراز البعد التفكيكي في زعزعة الحقيقة التاريخية ودراسة الأبعاد التداولية للشكل الرسائلي.
3-المنهجية المعتمدة
يعتمد البحث منهجًا تحليليًا تأويليًا يقوم على:
- سيميائيات الثقافة (لوتمان) لتحليل تموقع النص داخل النظام الثقافي؛
- التفكيك (دريدا) لتحليل زعزعة الثنائيات الدلالية؛
- المعالجة التداولية قصد تحليل أفعال الكلام والبنية الحوارية للرسائل.
المقاربة تكاملية، لا تستعمل النظريات منفصلة، بل متداخلة.
1. الرواية داخل السيميوسفير [1](مقاربة لوتمان)
-
- المركز والهامش الثقافي
تقدم الرواية شخصية صالح بن طريف بوصفها علامة على الهامش الديني والسياسي. داخل السيميوسفير المغربي، يمثل الإسلام الرسمي والتاريخ المنتصر مركزًا دلاليًا، بينما تُقصى تجربة برغواطة إلى الهامش. الرواية تعيد إدخال هذا الهامش إلى الفضاء التداولي، فتقوم بعملية “ترجمة ثقافية داخلية”، تنقل خطابًا مقصيًا إلى شفرة معاصرة. فالسيميوسفير الثقافي المغربي هو بمثابة نظرية سيميائية للتداخلات الثقافية داخل البيئة المغربية، من خلال العصور والتواريخ. وداخله تتلاشيى تراتبية اللغات والنصوص وتتفاعل كما لو كانت على نفس المستوى(سيدّا في لوتمان، 2006: 44).
2.1. آلية الانفجار الثقافي
إعادة طرح تجربة برغواطة داخل النص السردي تخلق لحظة “انفجار” دلالي، لأن الثقافة تضطر إلى إعادة إرساء منظومتها الرمزية لاستيعاب هذا العنصر المقلق.
-
- الذاكرة وإعادة الترميز
النص لا يسترجع الماضي كما هو، بل يعيد ترميزه داخل خطاب أدبي معاصر، ما يحول الرواية إلى جهاز لإعادة توزيع الذاكرة.
2- التفكيك وزعزعة الثنائيات [2](دريدا)
-
- تفكيك ثنائية التزمت/الهرطقة
التاريخ الرسمي يقوم على تراتبية تجعل التزمت أصلًا والهرطقة انحرافًا. الرواية تكشف أن هذه التراتبية نتاج خطاب سلطوي، لا حقيقة مطلقة.
2.2. تأجيل المعنى (Différance)
الرسائل لا تقدم جوابًا نهائيًا، بل تؤجل المعنى. الحقيقة تظل معلّقة، ما ينسجم مع فكرة الاختلاف الدريدي.
-
- الحضور والغياب
صالح بن طريف حاضر بوصفه أثرًا، لا بوصفه حضورًا فعليًا. غياب الوثائق الأصلية يؤسس حضورًا تخييليًا، يؤكد أن المعنى ينتج من الأثر لا من الأصل.
4.2. أسبقية الكتابة
الرواية تؤكد مركزية الكتابة بوصفها فضاء لإنتاج المعنى، لا مجرد نقل لخطاب سابق.
3- التحليل التداولي للحوار الرسائلي[3]
-
- البنية التواصلية
الرسالة تفترض مرسلًا ومرسلًا إليه، لكن المخاطَب هنا غائب تاريخيًا، ما يخلق وضعًا تداوليًا خاصًا: خطاب بلا إمكانية رد.
2.3. أفعال الكلام
هناك، في نص الرسائل، ثلاثة أفعال كلامية قارة ومرتبة ومتدرجة؛ هي الاستفهام باعتباره فعلا لإثارة الشك، والاستدعاء بوصفه فعلا لإحياء الذاكرة، والمحاسبة بوصفها فعلا لإعادة تقييم التاريخ.
-
- القارئ بوصفه شريكًا تداوليًا
القارئ يصبح المتلقي الفعلي، ويشارك في بناء المعنى عبر ملء الفراغات التأويلية.
-
- البعد الحواري[4]
الرواية متعددة الأصوات، إذ تتجاور أصوات المؤرخين والسارد وصالح المتخيل، ما يخلق حوارية مؤجلة.
فمن نتائج البحث، على المستوى الماكرو-تحليل توصلنا إلى النتائج الآتية:
- الرواية تعمل بوصفها نصا حدوديًّا يعيد إدماج الهامش في المركز؛
- النص يفكك بنية الثنائية المؤسسة للتاريخ الرسمي؛
- المعنى في الرواية مؤجل وغير مكتمل؛
- الشكل الرسائلي يؤسس لحوار افتراضي يجعل القارئ شريكًا في إنتاج الدلالة؛
- الرواية تحول التاريخ من يقين إلى سؤال.
-خاتمة الماكرو-تحليل
تكشف المقاربة السيميائية-التفكيكية-التداولية أن «سبع رسائل إلى صالح بن طريف» ليست رواية تاريخية بالمعنى التقليدي، بل نصًا يعيد بناء الذاكرة الثقافية داخل أفق نقدي. فهي تزعزع مركزية الحقيقة الواحدة، وتعيد توزيع القيم الرمزية بين المركز والهامش، وتؤسس لحوار مفتوح مع الماضي. وبذلك تمثل الرواية نموذجًا للرواية المغربية التي تجعل من التاريخ مادة للتفكير لا مادة للتلقين.
ثانيا: الميكرو-تحليل
- الرسالة الأولى: خطاب الاستدعاء وبناء الأثر
“سلاما، بويا الأكبر، صالح بن طريف المصمودي الذي رسم للحياة خزائنها المليئة بالأسرار والحكمة”.[5]
أول ما يلاحظه القارئ، في الرسالة الأولى وغيرها من الرسائل السبع، هيمنة الجمل الفعلية وهو ما يرفع من دينامية الاستدعاء، أما توظيف الأفعال الدالة على المضارع فقرين استمرارية حضور صالح بن طريف حضورا دائما وأبديا. كما يلاحظ القارئ كثافة ضمائر المخاطب “أنتَ” وهو ما يوهم بالحضور المعنوي والرمزي. وإلى جانب المعطيات التركيبية السالفة الذكر، نجد المعجم وهو يؤكد المعنى ويرسخه، مع غلبة معجم الذاكرة (أتذكرك، أستدعيك، أبحث عنك…) وبموازاة ذلك نجد معجم المسافة بين السارد وصالح (بيننا، عبر القرون، خلف الغبار…). وهذا التوتر بين القرب والبعد ينتج بنية تترجم حضور متخيل داخل غياب تاريخي.
توظيف الرسالة، دون أن تكون الرواية تراسلية، عنصر نصي ونوعي يؤسس لفعل”إعادة الإدخال” داخل ما اصطلح عليه لوتمان بالسيميوسفير، مما يجعل صالح يتحول من عنصر هامشي، بل ومنسي أو متناسى، في التاريخ والذاكرة الجمعية، إلى مركز الخطاب السردي. المخاطَب حاضر لغويًا وغائب تاريخيًا، وبالتالي، فإنه يتحول إلى أثر دريدي، أي حضور قائم على الغياب. فعل الكلام المركزي هو الاستدعاء، كما ورد في الجملة الاستهلالية بغرض إحداث وضعية حوار افتراضي بين السارد (الحاضر) وصالح( الغائب).
- الرسالة الثانية: مساءلة التاريخ الرسمي
“بويا صالح الغالي الصامد المصمود، عزيز في الأرض وفي السماء” [6].
الصفات الواردة في المثال، إيحاء بأن صالح بن طريف هو ضحية لسلطة عمياء تكرر القول وتزكيه (قالوا، اتهموك، زعموا). ومعجم السلطة هذا جاء، في الرواية، بصيغة الجمع الغائب، مما يشير إلى سلطة جماعية غير محددة، وإن كانت معروفة لدى المؤرخين الموضوعيين. فالتراكيب المبنية للمجهول تشي بإضمار الفاعل الحقيقي للاتهام. وهنا نجد أنفسنا أمام تقابل خطابين إثنين؛ خطاب المؤرخين (الشفرة المركزية) وخطاب السارد (الشفرة التفكيكية). تكشف الرواية عن أن “الحقيقة التاريخية” ليست معطى، بل حصيلة خطاب، مما يحوِّل نص الرسائل إلى محاسبة رمزية، نص يحاكم التاريخ الرسمي دون إعلان مباشر.
- الرسالة الثالثة: سؤال العقيدة والاختلاف
“أنت ابن عصرك وزمنك. تتنفس هواءه وتنطق لغته، وتدرك العطب واحتمالات محاصرته. هل كان ادعاء النبوة أو المهدوية هاجسا ساخنا لمواجهة أمر جلل والعبور إلى السلام الروحي في غمرة الانفجار؟”[7] .
يواجهنا هذا المقطع بكثافة معجمية قوية (تدرك، احتمالات، هل كان، هاجسا، لمواجهة، السلام الروحي). فالفعل المضارع “يدرك” حاملٌ لقوة معرفية تحيل إلى الوعي التأويلي لا إلى الإدراك الحسي فقط، بينما “احتمالات” يفتح أفق التعدد الدلالي، وهو عنصر جوهري في التفكير التأويلي. وأتت صيغة الاستفهام لترسي أفقا تأويليا إشكاليا، لا لمجرد استفهام معلوماتي، وتؤكد لفظة “هاجس” ذلك لدلالتها على دافع باطني تأويلي (الحاجة إلى تفسير الواقع أو تجاوزه)، في حين أتت لفظة “عبور”، وهي استعارة تأويلية، للدلالة على الانتقال من وضع إلى آخر، أي للدلالة على حركة المعنى. وقد اختتم هذا المقطع بمقصد تأويلي/ وجودي” السلام الروحي” لا للدلالة على واقعة مادية. فالمعجم التأويلي يتمحور حول الوعي(وعي صالح بن طريف)، والاحتمال والتساؤل والتحول، والغاية الوجودية.
وفي مقابل المعجم التأويلي، يحضر معجم نصي(ابن، عصرك، زمنك، هواءه، لغته، العطب، أمر جلل، الانفجار)يدل على الفاعل” ابن طريف”؛ فهو مؤسس لمبدأ السياقية التاريخية (ابن عصرك وابن زمنك) والراسخ داخل البنية الثقافية المحلية(هواءه، لغته) وهما استعارتان تؤكدان الاندماج النصي، بينما يدل “العطب” أمر جلل”، “الانفجار”، تباعا، على تشخيص الواقع وسياق الأزمة(الكارثة). وظيفة المعجم النصي هي تحديد الإطار المرجعي للنص: سياق، أزمة، واقع تاريخي. أما حقل الاختلاف (العطب، محاصرته، ادعاء، النبوة، المهدوية، مواجهة، العبور، الانفجار) فيتكون من ألفاظ دالة على الاختلاف الذي نجمت عنه الكارثة والانفجار. فمن الخلل/الاختلال إلى الانشقاق الرمزي عن النظام القائم إلى الصراع والمواجهة والقطيعة والفراق الحاد. معجم الاختلاف يؤسس لبنية توتر حاد (أزمة يليها ادعاء، الخلاص يليه العبور ثم السلام). وبهذا يصير الادعاء النبوي/المهدوي، في النص، من حدث ديني إلى آلية رمزية لمواجهة الانفجار التاريخي والبحث عن خلاص روحي. فالمعجم الأخير دال، من وجهة نظر تفكيكية، على الانقطاع والتشظي وهشاشة المركز واللانهائية الدلالية وصراع المركز والهامش وانهيار البنية الدلالية لا حلا لها. ومن زاوية نظر فوكوية، لا يُقرأ الادعاء النبوي/المهدوي باعتباره مجرد تعبير روحي عن أزمة تاريخية، بل بوصفه أثراً من آثار اشتغال شبكة السلطة داخل الحقل الاجتماعي. فالسلطة، في تصور فوكو، ليست جهازاً قمعياً مركزياً، بل هي شبكة علاقات تنتج الذوات وتحدد مواقع التلفظ داخل نظام الحقيقة[8]. ومن ثمّ يغدو الادِّعاء النبوي تمظهراً لذات متشكّلة داخل نظام خطابي يضبط شروط القول المشروع، ويعيد توزيع مواقع المركز والهامش. فالذات المدّعية لا تنشأ خارج النظام، بل تتكوّن داخله، إذ تمارس السلطة فعلها الإنتاجي عبر الخطابات التي تُنشئ أنماطاً مخصوصة من التذويت.
وإذا ما انتبهنا إلى البنية التركيبية، فسنجد أن المقطع يتكون من ثلاث حركات دلالية متصاعدة؛ تقرير وجودي(أنت ابن عصرك وزمنك)، وتوصيف إدراكي/ وجودي(تتنفس، تنطق، تدرك..) واستفهام إشكالي تأويلي(هل كان ادعاء النبوة..) مما يعني بأن الانتقال من الجملة الخبرية إلى الجملة الاستفهامية يشكل تحولا من توصيف الوضع إلى مساءلة آلياته الرمزية. وينكشف كل ذلك من خلال غلبة ضمير المخاطب “أنت” مما يحقق تشخيصا مباشرا للذات وإشراكا تداوليًّا للقارئ ونقل القضية من العام إلى الشخصي. إلى جانب ذلك، تحضر حقول دلالية متقابلة (العطب/الانفجار؛ السلام الروحي/ العبور) لترسي لبنية توتر بين واقع مأزوم وأفق خلاص. إن الإنسان تبعا لهذا المقطع مشروط بزمنه، لكنه في لحظة الأزمة قد يميل إلى إنتاج خطاب خلاصي.
- الرسالة الرابعة: الذاكرة والنسيان
“إن التاريخ لا يكون تاريخاً إلا بالأحداث الكبرى التي يصنعها الإنسان الأسمى، وطريف واحد من هؤلاء، لذلك، حفظ له المؤرخون مقامه مما أنجز، وحينما جاء مؤرخون آخرون من الموالين لجهات أخرى، ذات عداوة مع البرغواطيين، وبعد أزيد من قرنين، قاموا يشككون في نسبه من أجل التشكيك في البرغواطيين وألحقوا نسبه إلى ما ليس منهم، زورا وتلفيقا، وهي تهمة سياسية لا غير”[9].
يؤسس هذا المقطع، من الرسالة الرابعة، لأطروحة واضحة: التاريخ تصنعه الشخصيات الكبرى، وطريف واحد منها، والتشكيك في نسبه كان بدافع سياسي. فنحن إذًا، أمام بنية دفاعية تعيد الاعتبار لشخصية تاريخية عبر نزع الشرعية عن خطاب خصومها، لهذا يجد القارئ نفسه أمام بنية حجاجية، الشيء الذي يجعل النص يتحرك تبعا لتسلسل منطقي (تعريف معياري للتاريخ (الأحداث الكبرى، الإنسان الأسمى)؛ إدراج طريف ضمن هذا النموذج؛ إثبات اعتراف المؤرخين به؛ إدانة مؤرخين لاحقين؛ تفسير التشكيك بوصفه فعلا سياسيا). المحاججة هنا سببية؛ فالتشكيك في النسب عداء سياسي لما يتسم به من تلفيق. هذا التحليل الدلالي لن يتم إلا إذا انتبهنا إلى ما يتميز به من ثنائيات استقطابية (إيجابية وسلبية (الإنسان الأسمى/ الموالون؛ الأحداث الكبرى/العداوة؛ حفظ المقام/التشكيك؛ الإنجاز/الزور والتلفيق)) وهو ما يجعل النص يَبني مشهدا قطبيا أخلاقيا. أما على صعيد المعجم فيتأسس على ثلاثة أنواع:
- معجم التعظيم (الأحداث الكبرى، الإنسان الأسمى، حفظ مقامه، مما أنجز)؛
- ومعجم الاتهام والإدانة (الموالين، عداوة، يشككون، زورا، تلفيقا، تهمة سياسية)؛
- ومعجم الزمن (بعد أزيد من قرنين، وهي إشارة زمنية توظف لإضعاف مصداقية الخصوم).
نستطيع بناء على المعطيات الدلالية والتركيبية والمعجمية أن نؤسس لبنية عاملية قوامها:

والخطاطة أعلاه تخضع لمنطق علاقات عاملية كما فيما يلي:
-الإنجاز التاريخي يمنح الشرعية للسعي نحو الاعتراف؛
طريف بن صالح يسعى إلى اكتساب الاعتراف التاريخي؛
المؤرخون الموالون يعرقلون تحقق الاعتراف؛
البرغواطيون يستفيدون من تحقق الشرعية التاريخية؛
إن الصراع بين صالح بن طريف وخصومه لا يدور حول “الاعتراف”، بوصفه قيمة مجردة، مادام أن الطرفين لم يعودا موجودين واقعيا، وإنما الصراع قائمٌ حول احتكار إنتاج خطاب تاريخي مغاير. وإذا ما انتقلنا من سلطة البنية السردية إلى بنية السلطة، فإننا وجدون بأنَّ الاعتراف ليس توصيفا محايدا للماضي، فهو آلية إدماج داخل نظام الحقيقة السائد، فمن يملك سلطة الاعتراف، يملك، بالضرورة، سلطة تعريف الشرعية. ومن نلاحظ بأن البنية تنتقل من سرد (المطالبة بقيمة) إلى صراع على سلطة التصنيف التاريخي. وإذا ما رغبنا في تمثيل البنية الخطابية، مع تفكيك شبكتها، نستطيع أن نقول بأن السلطة تحتكر التأويل، والتأويل هو إنتاج الشرعية والشرعية هي اعتراف، والاعتراف هو بمثابة إعادة توزيع للهوية الجماعية. الصراع ليس بين ذات ومعيق، بل بين خطابين متنافسين؛ خطاب يسعى إلى إعادة كتابة التاريخ من الداخل، وخطاب مؤسسي يرغب في الحفاظ على سردية مهيمنة.
فالصراع هنا يتحول إلى صراع حول رأس المال الرمزي (الشرعية التاريخية). واضح أن النص يبئر السرد حول شخصية بطولية، لكن هذا التمركز يخفي تعددية الفاعلين وتعقيد السياق وإمكانية القراءة المضادةّ ذلك أن المقطع استهل بمسلمة معيارية “التاريخ لا يكون تاريخًا إلا بالأحداث الكبرى…”وهي عبارة إقصائية، من زاوية تفكيكية، تقصي التاريخ الاجتماعي واليومي. التفكيك يكشف أن هذا التعريف نفسه أيديولوجي. كما أننا نلاحظ، على مستوى علاقة السياسة بالمعرفة، القول بأن الأمر يتعلق بتهمة” سياسية لا غير” يتضمن مفارقة؛ فهو ينفي السياسة عن الخطاب الأول ويثبتها على الخطاب الثاني، لكن كل كتابة تاريخية مشروطة بموقع سلطة، إذًا الخطاب المدافع ذاته ليس خارج السياسة.
خلاصة القول، فإن الرسالة الرابعة تنتج ثلاثة مستويات دلالية متداخلة:
1-مستوى تعظيمي (بناء صورة بطل تاريخي)؛
2-ومستوى صراعي (تحويل الخلاف إلى عداء سياسي)؛
3-ومستوي هوياتي (الدفاع عن جماعة عبر الدفاع عن نسب قائدها)
مما يجعل القضية المحورية لا تتمثل في النسب في حد ذاته، بل كامنة فيمن يملك حق إنتاج السرد(الحدث) التاريخي.
وإذا ما أخضعنا الدلالات السابقة لمعالجة تداولية، سنجد بأن القول هنا، يتمثل في أطروحات تاريخية حول: شرعية صالح بن طريف، وطبيعة الإنجاز التاريخي ومشروعية البرغواطيين. على هذا المستوى يبدو الخطاب وكأنه تقرير موضوعي لوقائع تاريخية، لكن هذا مجرد مستوى سطحيّ، لأنه لا يكشف عن شروط إنتاج هذا القول: فمن يتكلم؟ وباسم من؟ وداخل أية سلطة؟ وبأية سلطة رمزية؟ في حالتنا، هناك جهازان تلفظيان:
1.تلفظ رسمي (المؤرخون الموالون) الذين يتحدثون باسم “الموضوعية”، تسندهم المدرسة التاريخية والسلطة السياسية، ولا يكف عن ادعاء الحياة المعرفي، لكنه يمارس إقصاء من خلال إعادة توصيف الحدث. هذا التلفظ ينتج أثر الموضوعية ويخفي ذات المتكلم الحقيقي خلف خطاب علميّ ظاهري؛
2.تلفظ مضاد (خطاب إعادة الاعتراف): ومن سماته الكشف عن الطابع الإقصائي للسردية الرسمية، مع إعادة تأطير الإنجاز التاريخيّ، والمطالبة بالاعتراف بوصفه تصحيحا للذاكرة. وهذا الخطاب، هو الآخر ليس محايدا لأنه يتموضع داخل صراع سردي، أي بمثابة صراع داخل حقل[10]، حيث يحتل المؤرخون موقعا مهيمنا داخل هذا الحقل.
- الرسالة الخامسة: إعادة بناء الصور[11]ة
” الشك النابع من قلق السؤال هو ما يقوي إيماني. لماذا يعيش الناس حياة طويلة لا تنتهي ولو غابوا؟”[12]
“لكن زمنك لم يكن زمنا عاديا كأن شمسا جديدة، خلف باب السماء، ستشرق وسط ضباب كثيف”[13]
هاتان العبارتان تحتاجان تحليلا خاصا ومفردا؛ فالعبارة الأولى هي جملة تقريرية ذات بناء إسمي تتميز بطابع تأملي معرفي (المبتدأ=الشك النابع من قلق السؤال؛ الخبر=هو ما يقوي إيماني). أما الجملة الثانية فاستفهامية وجودية”لماذا يعيش الناس..؟” ما ينقلنا من التقرير إلى السؤال الذي يولد التوتر المعرفي. في مقابل ما جئنا عليه من تحليل للعبارة، وعلى الصعيد الأسلوبي، نجد أن هناك مفارقة بلاغية مركزية” الشك يقوي الإيمان”وهي مفارقة تقويضية للثنائية التقليدية (الشك ضد الإيمان)، وهو ما نجده على الصعيد المعجمي (الشك، القلق، السؤال، الإيمان، يعيش، لا تنتهي، غابوا) حيث المعجم يجمع بين الحقل المعرفي والحقل الوجودي. وتزداد حيرة القارئ حينما يتأمل البنية العاملية حيث يتحول القلق إلى مساعد (الذات=السارد؛ الموضوع=الإيمان؛ المحفز= الشك؛ المعيق الظاهري=القلق). الشك، كما يتضح للقارئ، علامة معرفية في حين يأتي الإيمان بمثابة علامة روحية والعلاقة بينهما ليست تضادية بل توليدية. والعبارة” يعيش الناس حياة طويلة لا تنتهي ولو غابوا”، في مجملها، تشير إلى الخلود الرمزي والأثر الاجتماعي والرسوخ في الذاكرة؛ فالغياب لا ينفي الحضور. كما أن العبارة تكشف عن” ذات”(سارد) ليست دوغمائية بل ذات في وضعية صيرورة، لأن السؤال لا يهدد الهوية بل يشيدها( قلقة، متسائلة، غير يقينية، لكنها لا تنفصل عن الإيمان). زد على ذلك أن العبارة تفكك الثنائية التقليدية (الشك ضد الإيمان) حيث يصبح الإيمان مولدا للشك والغياب ضد الحضور تتعرض للتقويض فتصبح هكذا: الغياب لا يعني الفناء. ويصبح المعنى بذلك غير مستقر: الإيمان ليس يقينا مطلقا بل صيرورة دائمة. الإيمان الأصيل لا يقوم على الطمأنينة الساذجة بل على عبور الشك.
أما العبارة الثانية” لكن زمنك لم يكن زمنا عاديا كأن شمسا جديدة، خلف باب السماء، ستشرق وسط ضباب كثيف” فتتضمن حقولا رمزية:
|
العلامة |
الدلالة |
|
الشمس |
النور/الحقيقة/الوحي |
|
باب السماء |
العلو/القداسة/الماوراء |
|
الضباب |
الغموض/الالتباس |
|
زمنك |
لحظة تاريخية استثنائية |
جلي أن العبارة، (ومن خلالها الرسالة الخامسة)، تبني سيناريو سيميائيا واضحا: أزمة (ضباب) ضد أفق كشف(شمس). النص الكلي يوجه الخطاب، كما علمنا، إلى “ذات” تعيش استثناء تاريخيا تشعر بأن لحظتها ليست عادية وتتوقع تحولا كبيرا. إنها ذات تعيش توتر الانتظار، أو هي تبعا للتوصيف التفكيكي ترى أن النور لا يظهر إلا عبر الضباب فالشمس مشروطة بالكثافة المعتمة، والوضوح لا يفهم إلا بضده(الالتباس) والاستثناء لا يدرك إلا بالاعتياد مما يقلب التقابل والتضاد بين العادي والاستثنائي، فيولد الاستثناء من قلب العادي وهو ما يجعلنا نقرأ العبارة ( ومقصدية محدثها) بأن هناك توقعا لحدث تحولي( نبوي/خلاصي) واقتراب انكشاف بعد مرحلة غموض طويلة.
- الرسالة السادسة: تفكيك اليقين
“يا صالح..يا صاحب السر المكمول. لو نتأمل كل شيء بعقل لا حجاب دونه، سنراك حكيما، عاش الحياة ببلاغة صافية، مقطرة، واختار ما يلائم هذه الحياة في امتدادها البعيد، في لحظتها القصيرة”[14](ص.82)”.
تتكون العبارة من ثلاث وحدات دلالية كبرى؛ نداء مزدوج(يا صالح..يا صاحب السر المكمول) وجملة شرطية(لو نتأمل كل شيء بعقل لا حجاب دونه) وجواب شرط(نتيجة تقويمية)( سنراك حكيما) مما يجعل البنية العامة لهذه العبارة مصوغة كما يلي: نداء شرط معرفي حكم قيمي، مع ثنائيات الحجاب والانكشاف( عقل لا حجاب دونه؛ السر المكمول) مما يجعل من ثنائية الستر/الكشف تمثيلا للبنية العميقة للرسالة السابعة، وثنائية الظاهر/الباطن( صالح(اسم العلم) وصاحب السر المكمول( هوية باطنية) فالعبارة، كما نص الرسائل، تبْني شخصية صالح بن طريف على مستويين؛ مستوى اجتماعي ومستوى رمزي. السر يحتاج إلى عقل بلا حجاب كي ينتج الحكمة، والحياة قصيرة آنيا لكنها ممتدة وجوديا. وشخصية صالح تتموقع عند نقطة التقاء البعدين. والذات المتكلمة تداوي جرح البعد من خلال فعل تقويمي”سنراك حكيما” مما يجعلها تمارس سلطة تأويلية على الشخصية.
- الرسالة السابعة: الانفتاح التأويلي
“بويا صالح. الشامخ القدر: سمعتك تقول لي”أوصيك بالدقة لا بالوضوح. ليست هناك نهاية..لأنه لا توجد بداية، وأنا لا امتلك مثل ما ملكت من علوم، ولست مؤهلا للجدل في خزائن الغيب. فقط، أفيض هدبا بحجم شفر العين أقلب فيه لأنه يرى ويسمع ويحس”[15].
هذه العبارة تقوم على بنية خطابية مضاعفة: نداء/استحضار ثم وصية/ إقرار ذاتي. المنادى” بويا صالح..الشامخ القدر” يحيل إلى شخصية ذات سلطة روحية ومعرفية، يحتمل أن تكون شخصية مرجعية أبوية صوفية أو رمزية. يقوم الخطاب على علاقة عمودية، ذات متكلمة تعترف بنقصها، في مقابل مرجع متعالٍ يمتلك “علوما” و”خزائن الغيب”. والعبارة مشحونة بمفاهيم مركزية (الدقة مقابل الوضوح؛ نفي البداية والنهاية؛ العلم مقابل الجهل؛ الغيب مقابل الإمكان البشري المحدود؛ العين/الهدب بوصفهما وسيطين إدراكيين). فالرسالة السابعة والأخيرة، من مؤلف شعيب حليفي، تتحرك في أفق معرفي-وجودي، تناقش طبيعة المعرفة وحدودها وتفكك التصور الخطي (بداية/نهاية. وإذا تأملنا الجانب المعجمي سنجد الكلام ينتقل من المجرد إلى الحسي( معجم ذي حمولة ميتافيزيقية/روحية(الشامخ القدر/علوم/خزائن الغيب/بداية ونهاية/ أفيض هدبا)قوامه التعالي القيمي والمعرفي الغيبي والزماني الوجودي والصورة الشعرية الحسية. فالانتقال المشار إليه يتم من “الغيب” إلى” هدب بحجم شفر العين”. هذه الاستراتيجية المعجمية تولد قوة بلاغية، من صورها:
- المفارقة المفهومية فالدقة قرينة الوضوح غالبا، لكن الرسالة السابعة فصلت بينهما فصلا مثيرا للانتباه؛
- توظيف استعارة مركبة في قوله” أفيض هدبًا بحجم شفر العين” مما ينقل الهدب من مجرد عضو جسدي، إلى أداة رؤية روحية؛
- توظيف كناية في “خزائن الغيب” كناية عن العلم الإلهي المطلق. نجد أن الإيقاع، في الرسالة السابعة يتميز بالبطء التأملي وهو ما ينسجم مع خطاب الوصية الروحية.
وإذا تدبرنا أكثر وتعمقنا كيفية تشييد الدلالات حضور مجموعة من الثنائيات الدلالية (الدقة/الوضوح؛ البداية/النهاية؛ العلم/الجهل؛ الغيب/الإدراك الحسي؛ الامتلاك/العجز). هذه الثنائيات لا تشتغل، في الرسالة، بوصفها تقابلات مستقرة، بل تشتغل بوصفها توترات مفتوحة. فخطاب الرسالة الأخيرة، يؤكد أن الحقيقة ليست في الامتلاك الكلي، بل تكمن في دقة التماس الجزئي(هدب بحجم شفر العين)، مع استمرار الصوغ التذويتي حيث غلبة الضمير” أنا” وهو يعترف بأحوالها( وأنا لا أملك، ولست مؤهلا) كذات واعية بحدودها، مقرة بعدم امتلاك سلطة الجدل في أمور الغيب، مع انتقال ملموس من الطموح المعرفي، الذي ميز الرسائل السابقة، إلى الرغبة في خوض تجربة حسية-داخلية. تمت تحول من الذات الجدلية إلى الذات الشهودية، بإحداث تحول يعكس نزعة عرفانية، حيث المعرفة ليست برهانا بل كشفا ورؤيا. كما يسير نص الرسالة على نهج بقية الرسائل الست السالفة الذكر، فيقوض ثوابت عدة:
1-تقويض الزمن الخطي” ليست هناك نهاية..لأنه لا توجد بداية؛
2-تقويض مفهوم الوضوح” حين يقدم الدقة بوصفها أسمى من الوضوح، يزعزع التصور التقليديَّ الذي يجعل الوضوح غاية الخطاب؛
3-تناقض ضمني ” الذات تنفي قدرتها على الجدل في الغيب، لكنها تنتج خطابًا ميتافيزيقيًا حول البداية والنهاية.
هنا يظهر أثر ما يسميه التفكيك بـ”لا-قصدية المعنى”: الخطاب يقول ما ينفيه.
ثمرة هذا التقويض فتح الباب، على مصراعيه، أمام أفقين تأويليين:
- تأويلي صوفي ( نفي البداية والنهاية يشير إلى تصور وجودي دائري أو إلى أزلية الحقيقة.؛ الهدب رمز للبصيرة؛ التخلي عن الجدل في الغيب هو اعتراف بحدود العقل.)؛
- تأويل معرفي-فلسفي (الدقة تعني الاقتصاد في الادعاء؛ الوضوح قد يكون تبسيطا مخلا وساذجا؛ الحقيقة ليست مطلقة بل جزئية، تُعلم بوسائل محدودة). المعنى المطلق والنهائيُّ لا يحسم؛ الرسالة تترك القارئ في منطقة بين الرؤية والعمى بين العلم والعجز.
-تركيب
تؤكد نتائج الماكرو-تحليل والميكرو-تحليل معًا أن رواية “سبع رسائل إلى صالح بن طريف” لشعيب حليفي تمثل نموذجًا متقدمًا للرواية التاريخية النقدية، حيث تتحول الذاكرة الثقافية إلى مادة تأويلية قابلة لإعادة الترميز. على المستوى الماكرو-تحليل، كشفت المقاربة السيميائية-التفكيكية-التداولية أن الرواية تعيد إدماج الهامش في المركز، وتزعزع الثنائيات المؤسسة للتاريخ الرسمي، وتؤسس لحوار مفتوح مع الماضي، بحيث يصبح التاريخ فضاءً للتساؤل والاختلاف لا للتلقين واليقين.
أما على المستوى التطبيقي، فقد أظهر الميكرو-تحليل كيف تتحقق هذه الاستراتيجيات عبر التفاصيل الأسلوبية والدلالية: فالأفعال الكلامية في الرسائل، واختيار الضمائر، والمعاجم المتنوعة، والتراكيب الإشكالية، وبنية الجمل المتدرجة، كل ذلك يؤسس لشخصية صالح بن طريف بوصفها أثرًا مركزيًا داخل غياب تاريخي، كما يخلق للقارئ دورًا تداوليًا في إنتاج المعنى. كذلك، فإن الثنائيات الدلالية (الشك/الإيمان، الغياب/الحضور، الدقة/الوضوح) لا تعمل بوصفها متقابلات ثابتة، بل تولد توترات مفتوحة تؤكد استحالة الامتلاء الدلالي وتجعل النص فضاءً للانفتاح التأويلي.
إن الجمع بين المنظورين التحليليين الماكروي والميكروي يظهر أن الرواية ليست مجرد إعادة سرد تاريخي، بل جهازا ثقافيا يحرك الذاكرة التاريخية، ويعيد توزيع السلطة الدلالية بين المركز والهامش، ويتيح إنتاج المعرفة ضمن أفق تفكيكي وتأويلي مستمر. وهكذا، تتحول “سبع رسائل” إلى نموذج سردي يعكس وعيًا نقديًا عميقًا بمحددات التاريخ والثقافة والذاكرة، ويجعل من النص مسرحًا للحوار بين الذات والغائب، بين اليقين والشك، وبين المركز والهامش.
قائمة المراجع:
- باختين، ميخائيل. (1986). شعرية دوستويفسكي (ترجمة: جميل نصيف التكريتي). الدار البيضاء، المغرب: دار توبقال للنشر.
Bakhtin, Mikhail. (1986). The Poetics of Dostoevsky (Trans. Jamil Nasif al-Tikriti). Casablanca, Morocco: Toubkal Publishing House.
- باختين، ميخائيل. (2009). الخطاب الروائي (ترجمة: محمد برادة). القاهرة، مصر: رؤية للنشر والتوزيع.
Bakhtin, Mikhail. (2009). The Novelistic Discourse (Trans. Mohammed Berrada). Cairo, Egypt: Ru’ya for Publishing and Distribution.
- قطوس، بسام. (1998). استراتيجيات القراءة: التأصيل والإجراء النقدي. إربد، الأردن: دار الكندي للنشر.
Qatous, Bassam. (1998). Reading Strategies: Theoretical Foundation and Critical Procedure. Irbid, Jordan: Dar al-Kindi for Publishing.
- دريدا، جاك. (2005). الكتابة والاختلاف (ترجمة: كاظم جهاد). الدار البيضاء، المغرب: دار توبقال.
Derrida, Jacques. (2005). Writing and Difference (Trans. Kadhim Jihad). Casablanca, Morocco: Toubkal Publishing House.
- دريدا، جاك. (2008). في علم الكتابة (ترجمة: أنور مغيث، ومنى طلبة). القاهرة، مصر: المركز القومي للترجمة.
Derrida, Jacques. (2008). Of Grammatology (Trans. Anwar Mughith & Mona Talba). Cairo, Egypt: National Center for Translation.
- فوكو، ميشيل. (1987). أركيولوجيا المعرفة (ترجمة: سالم يفوت). المغرب: المركز الثقافي العربي.
Foucault, Michel. (1987). The Archaeology of Knowledge (Trans. Salim Yafut). Morocco: Arab Cultural Center.
- فوكو، ميشيل. (1990). إرادة المعرفة: تاريخ الجنسانية (الجزء الأول) (ترجمة: جورج طرابيشي). لبنان: دار الطليعة.
Foucault, Michel. (1990). The Will to Knowledge: The History of Sexuality (Vol. 1) (Trans. جورج طرابيشي / George Tarabishi). Lebanon: Dar al-Tali‘a.
- فوكو، ميشيل. (2005). نظام الخطاب (ترجمة: محمد سبيلا). المغرب: دار توبقال.
Foucault, Michel. (2005). The Order of Discourse (Trans. Mohammed Sabila). Morocco: Toubkal Publishing House.
- حليفي، شعيب. (2022). سبع رسائل إلى صالح بن طريف. الدار البيضاء، المغرب: منشورات نادي القلم المغربي.
Halifi, Chouaib. (2022). Seven Letters to Saleh ibn Tarif. Casablanca, Morocco: Publications of the Moroccan Pen Club.
- Lotman, Y. (1990). Universe of the Mind. Indiana University Press.
- Lotman, Y. (2009). Culture and Explosion. Mouton de Gruyter.
- Lotman Jurij (1973), La structure du texte artistique, Gallimard, Paris.
- LOTMAN Youri(1999), La Sémiosphère, Presses universitaires de Limoges.
- LOTMAN Youri(2004), L’Explosion de la culture, Presses universitaires de Limoges.
- Monique de saint Martin(2022), « La notion de champ chez Bourdieu »,Revista Brasileira de Sociologia.voir le lien :
https://doi.org/10.20336/rbs.910fr
- Searle, J. (1969). Speech Acts. Cambridge University Press.
- Sémiotique de la culture et théorie des textes. Études littéraires, 21(3), 157–175. https://doi.org/10.7202/500878ar
- (1977), Sémiotique et esthétique du cinéma, trad. du russe par Sabine Breuillard, Éd. sociales, Paris. — (1994), Lekcii po struktural’noj poetike, Gnosis, Moscou.
- (1999), Sémiosphère, traduit du russe par Anka Ledenko, Pulim, Limoges.
- WENGER Isabelle(2013), (Les notions de “sémiosphère” et de “frontière” selon Youri Lotman), Séminaire : L’histoire du signe dans la culture russe 22.04.2013. Disponible sur : https://crecleco.seriot.ch/cours/a12- 13/MA/P13/8LOTMAN/res.pdf
الهوامش::
-
السينيوسفير هو مفهوم مركزث بلوره السيميائي الروسي يوري لوتمان، خاصة في عوالم الذهن (1990). يشير المفهوم إلى الفضاء السيميائي العام الذي تصبح الدلالات، داخلة، ممكنة الوجود.وبتعبير آخر، يقصد به المحيط الثقافي الذي تتحرك فيه العلامات تترجم وتولد المعاني(مارّوني، 2010: 65) ↑
-
”ما الذي لا يكون التفكيك؟ لاشيء”، في مؤلفه: الكتابة والاختلاف (2000: 63) ويضيف” ليس التفكيك منهجا” بسام قطوس (1998: 23): استراتيجيات القراءة-التأصيل والإجراء النقدي، دار الكندي للنشر، أربد، الأردن. ↑
-
Searle, J. (1969). Speech Acts. Cambridge University Press. ↑
-
و”تعدد الأصوات” مفهوم يشير إلى تعدد الإيديولوجيات في الرواية، يضاهيه مفهوم آخر عند باختين هو “الحوارية” Dialogisme، إذ يخلق “رواية متعددة الأصوات” هي نفسها “الرواية الحوارية/ الديالوجية”. أما النقيض من ذلك والذي ترفضه نظرية باختين، هو مفهوم “أحادية الصوت”، الذي يشير إلى إيديولوجيا واحدة سائدة في الرواية، ويماثله مفهوم “المناجاتية” Monologisme، حيث يخلق “رواية أحادية الصوت”، هي نفسها “الرواية المناجاتية/ المونولوجية”: ميخائيل باختين: شعرية دوستويفسكي، ترجمة: جميل نصيف التكريتي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء- المغرب، 1986، ص: 11؛ ميخائيل باختين: الخطاب الروائي، ترجمة: محمد برادة، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2009، ص: 28 ↑
-
شعيب حليفي(2022)، سبع رسائل إلى صالح بن طريف، منشورات نادي القلم المغربي، الدار البيضاء، المغرب، ص.49. ↑
-
الرواية، ص.56 ↑
-
ص.63 ↑
-
فوكو، ميشيل. (1987). أركيولوجيا المعرفة (ترجمة: سالم يفوت). المركز الثقافي العربي، المغرب
- فوكو، ميشيل. (1990). إرادة المعرفة: تاريخ الجنسانية (الجزء الأول) (ترجمة: جورج طرابيشي). دار الطليعة، لبنان.
- فوكو، ميشيل. (2005). نظام الخطاب (ترجمة: محمد سبيلا). دار توبقال، المغرب.
-
الرواية، ص.70 ↑
-
مفهوم الحقل(champ) تمت بلورته من قبل بيير بورديو، بكيفية متدرجة، انطلاقا من بحوث أجريت على المثقفين والكتاب أو العالم العلمي، بتأثير من كتابات ماكس فيبر حول الديانات. وظف بورديو هذا المفهوم “لإدراك علاقات القوة والهيمنة بين المثقفين والكتاب والعلماء، بين المتدينين والعلمانيين، مما أتاح له فهم أشكال التضامن بين المتنافسين والرهانات الخاصة بكل حقل من الحقول المدروسة”( مترجم عن مقال مونيك دو سان مارتن(2022). لتنظر البيبليوغرافيا. ↑
-
الرواية، ص.72 ↑
-
الرواية، ص.73 ↑
-
الرواية، ص.82 ↑
-
الرواية، ص.94 ↑