سرد تجارب مربيات رياض الأطفال حول دمج أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصّة في التعليم العادي
عرين علي الصالح1، نورا كبها2
1 جامعة النجاح الوطنية، نابلس، فلسطين. بريد الكتروني: Areenas33@gmail.com
2 جامعة النجاح الوطنية، نابلس، فلسطين. بريد الكتروني: Nurakabaha@gmail.com
Narrating the Experiences of Kindergarten Teachers on Integrating Children with Special Needs into Regular Education
Areen Ali Al-Saleh1 Nura Kabaha2
1 An-Najah National University, Nablus, Palestine.
Email: Areenas33@gmail.com
2 An-Najah National University, Nablus, Palestine.
Email: Nurakabaha@gmail.com
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj74/11
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/74/11
المجلد (7) العدد (4). الصفحات: 138 - 160
تاريخ الاستقبال: 2026-03-07 | تاريخ القبول: 2026-03-15 | تاريخ النشر: 2026-04-01
المستخلص: هدفت هذه الدراسة إلى استكشاف تجارب مربيتين في رياض الأطفال حول دمج أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصّة في التعليم العادي، من خلال منهج البحث السردي، وذلك لفهم المعاني التي تبنيها المربيات حول تجربة الدمج في سياقها التربوي والإنساني. أُجريت الدراسة على مربيتين من رياض الأطفال في شمالي الداخل الفلسطيني، تم اختيارهما اختيارًا قصديًا، واعتمدت على مقابلات سردية معمّقة جرى تحليلها تحليلًا تفسيريًا للكشف عن الثيمات الرئيسة التي شكّلت مسارات تجربة الدمج. أظهرت النتائج أن الدمج التربوي يُمثّل تجربة معيشة مركّبة تتداخل فيها الأبعاد المهنية والانفعالية والمؤسسية، وأن المربية تؤدي دورًا محوريًا في صياغة مسار الدمج داخل الصف، رغم التحديات المرتبطة بتوقيت التدخل، والتعاون الأسري، والدعم المؤسسي. كما كشفت النتائج عن أهمية البعد العاطفي وبناء العلاقات الآمنة في تعزيز تفاعل الأطفال ونجاح تجربة الدمج، إلى جانب أثر السياق المحلي في تشكيل ممارسات الدمج ومعانيه. تسهم الدراسة في إثراء الأدب التربوي العربي من خلال تقديم قراءة سردية معمّقة لتجارب مربيات رياض الأطفال، وتسليط الضوء على أصواتهن بوصفها مصدرًا معرفيًا لفهم واقع الدمج في سياق محلي محدد، بما يدعم تطوير ممارسات وسياسات دمج أكثر حساسية للسياق الإنساني والتربوي.
الكلمات المفتاحية: دمج تربوي، ذوي الاحتياجات الخاصّة، مربيات رياض الأطفال، المقابلة السرديّة.
Abstract: This study aimed to explore the experiences of two kindergarten teachers regarding the inclusion of children with special needs in mainstream education, using a narrative research approach, in order to understand the meanings that teachers construct around the inclusion experience within its educational and human context. The study was conducted with two kindergarten teachers from the northern region of the Palestinian interior, selected purposefully, and relied on in-depth narrative interviews, which were analyzed interpretively to uncover the main themes shaping the trajectories of the inclusion experience. The findings revealed that educational inclusion represents a complex lived experience, intertwining professional, emotional, and institutional dimensions. The teacher plays a pivotal role in shaping the course of inclusion within the classroom, despite challenges related to timing of intervention, family collaboration, and institutional support. The results also highlighted the importance of the emotional dimension and the establishment of safe relationships in enhancing children's engagement and the success of the inclusion experience, alongside the influence of the local context in shaping inclusion practices and their meanings. The study contributes to enriching the Arab educational literature by providing an in-depth narrative reading of kindergarten teachers' experiences and highlighting their voices as a knowledge source for understanding the reality of inclusion in a specific local context, thereby supporting the development of more context-sensitive inclusive practices and policies.
Keywords: Educational inclusion, special needs, kindergarten teachers, narrative interview.
المُقدمة
إن دمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في الصفوف العادية يُعد من الممارسات التربوية الهامة التي تهدف إلى تعزيز التعلم الفردي والاجتماعي للأطفال، وتحفيز قدراتهم على التفاعل مع أقرانهم العاديين، مما يسهم في رفع مستويات الأداء الوظيفي لديهم (حاج يحيى، 2006؛ شنبور، 2013). وتعود أسباب رفض الأطفال المختلفين في بعض المجتمعات إلى انطباعات خاطئة وممارسات سلوكية واجتماعية تؤدي إلى وصم هؤلاء الأطفال بالعار، مما يفاقم صعوبة إدماجهم (فايد، 2003).
وتكمن أهمية موضوع الدمج في قدرته على توفير بيئة تعليمية طبيعية تحفز النمو الاجتماعي للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، من خلال بناء علاقات وروابط جديدة تؤثر إيجابيًا في سلوكهم النفسي والاجتماعي. إذ يعاني هؤلاء الأطفال أحيانًا من قصور في مهارات التواصل اللفظي، ويستخدمون لغة خاصة مثل لغة الإشارة، والتي قد يصعب على الأشخاص العاديين فهمها، مما يبرز أهمية دور المربية كحلقة وصل لتسهيل التفاعل بين الأطفال العاديين وذوي الاحتياجات الخاصة (إسماعيل، 2021؛ مبارك، 2021).
كما يبرز الدور المحوري للمربية في تعزيز الدمج من خلال توجيه الأطفال، والتوسط بين احتياجات الأطفال ذوي الإعاقات وبيئة الصف، وتوظيف أساليب تربوية ملائمة تشجع المشاركة والتفاعل (أبو عرّار، 2023؛ العربي، 2012؛ عواد، 2024). وتستند أهمية الدراسة الحالية إلى رصد تجربة حية لمربية تتعامل مع دمج طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة في الصف العادي، وفحص تأثير هذا الدمج على باقي الأطفال، وطبيعة تعامل المربية مع التحديات المصاحبة لذلك (الصقر، 2025).
ومن هنا، تنبثق أهمية البحث الحالي من خلال تمكين المربيات في رياض الأطفال من الإسهام في تطوير البيئة التعليمية للطفل ذي الاحتياجات الخاصة، وتسهيل دمجه بشكل فعّال في المجتمع، وتحقيق التفاعل الإيجابي بين جميع الأطفال داخل الصف (إسماعيل، 2021؛ أبو عرّار، 2023).
قانون الاحتواء والدمج للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصّة
يُعَدّ قانون التعليم الخاص (التعديل رقم 7) لعام 1988، أحد أهم التشريعات التي أسهمت في ترسيخ مبدأ الدمج التربوي للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة داخل منظومة التعليم العام. إذ أقرّ هذا القانون بحقّ كل طفل من أطفال ذوي الإعاقة في التعلّم ضمن أطر التعليم العادي، متى ما توفرت الظروف التي تتيح ذلك، مع ضمان توفير الدعم التربوي والمهني اللازم لتمكينه من الاندماج الكامل في البيئة الصفّية والاجتماعية. ويُبرز القانون أهمية الاعتراف بحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة في الحصول على تربية خاصة مجانية وإلزامية تمتد من سنّ الثالثة حتى الحادية والعشرين، ضمن مؤسسات تربوية معترف بها رسميًا من قبل وزارة التربية والتعليم. كما يشدّد على ضرورة إعداد طاقم مهني مؤهل، وتطوير خطة تعليمية فردية تراعي الفروق الفردية وتستجيب لاحتياجات كل طالب على نحوٍ شمولي. ويهدف القانون في جوهره إلى تعزيز كفايات ومهارات الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة بما يسهّل اندماجهم في المجتمع ومجالات العمل، ويعزّز إحساسهم بالانتماء والمشاركة الفاعلة في الحياة العامة (Nevo, 2023).
مفهوم ذوي الاحتياجات الخاصّة
يشير مصطلح “ذوي الاحتياجات الخاصة” إلى الأطفال الذين تتباين قدراتهم النمائيّة، التعليميّة أو السلوكيّة عن أقرانهم في نفس المرحلة العمرية، بحيث يحتاجون إلى دعم تربوي إضافي أو بيئة تعليمية مكيّفة لضمان تعلم فعّال ومشاركة مجتمعية (عواد، 2024). من هذا المنطلق، تُعدّ رياض الأطفال أحد المراحل الحاسمة في التعرف على هذه الاحتياجات المبكرة وتوفير التدخّلات المناسبة. ومن جهة أخرى، توضح الدراسات أن الرغبة في الدمج تبدأ بفهم هذه الفئة واستيعاب ما تحتاجه من إعداد بيئي وتربوي، حيث إن احترام الحقوق وتذليل الحواجز هما من الأسس الجوهرية لاعتبار الطفل ذي الاحتياجات الخاصة عضوًا فعّالاً في نظام التعليم (العربي، 2012).
يُعرّف الدمج التربوي بأنه عملية تُمكّن الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة من التعلم ضمن أطر التعليم العام إلى جانب أقرانهم، مع ضمان توافر الدعم والتعديلات المناسبة التي تتيح مشاركتهم الفعلية في الأنشطة الصفية والاجتماعية. ويشير الباحثون إلى أن الدمج ليس مجرد وجود مادي داخل الصفّ، بل يشمل المشاركة والتفاعل الفعلي، وتكافؤ الفرص، ويعزز الشعور بالانتماء والعدالة التربوية. كما يُعتبر الدمج فضيلة تربوية واجتماعية ينبغي تجسيدها من خلال سياسات وممارسات تربوية واضحة تضمن استفادة جميع الطلاب من بيئة تعليمية شاملة (عبد الموجود، 2018).
ولقد ظهر مصطلح الدمج لأول مرة في أواخر الثمانينات ليعبر عن شمولية التعليم العام، بحيث تشمل فصول التعليم جميع الطلاب بغض النظر عن درجة الذكاء، أو الموهبة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي، أو الخلفية الثقافية، مع ضرورة أن تعمل المؤسسة التعليمية على دعم الاحتياجات الخاصة لكل طالب (حاج يحيى، 2006). وبناءً على ذلك، فإن الدمج التربوي لا يعود بالنفع على الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة فقط، بل يثري منظومة التعليم ككل ويعزز بيئة تعليمية أكثر عدالة وشمولا لجميع الطلبة (مبارك، 2021).
وتشير الدراسات إلى أن نجاح الدمج يتطلب تخطيطًا دقيقًا وبرامج مدروسة بعناية، بحيث يحصل الأطفال ذوو الاحتياجات الخاصة على مستوى تعليمي يعادل أو يوازي ما يُقدّم في المؤسسات الخاصة، دون أن يشكّل عبئًا على المعلم. كما يجب مراعاة تهيئة الطفل نفسيًا، وتأهيل الطاقم التربوي، وتوفير الكوادر البشرية والإمكانيات المادية اللازمة، لضمان تنفيذ برنامج دمج فعّال ومستدام (الوقفي، 2014).
دور المربية في تربية ودمج ذوي الاحتياجات الخاصة
تلعب مربيات رياض الأطفال دورًا محوريًا في تنفيذ سياسات الدمج التربوي على أرض الواقع، من خلال تصميم الأنشطة اليومية، وبناء علاقات تفاعلية بين الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة وأقرانهم، وضمان بيئة صفّية مساندة تلبّي احتياجاتهم التعليمية والاجتماعية والنفسية (إسماعيل، 2021؛ الصقر، 2025).
ويشير براون لوفينشوهن (Braun-Lewensohn, 2015) إلى أن دمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة يمكن أن يحفز عمليات التعلم لديهم ويرفع مستويات وظائفهم، مؤكدًا أن ظاهرة رفض المختلف تنبع غالبًا من انطباعات خاطئة ووصفه بأوصاف سلبية بهدف عزله.
وللروضة دور مهم في عملية التأهيل، إذ تقوم بعملية التعليم والتدريب المهني، وتشارك في تلبية الاحتياجات العقلية والنفسية والاجتماعية للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، مما يسهم في دمجهم الفعلي في المجتمع. وهذه الأهداف لا تتحقق إلا من خلال تعاون الأسرة مع أعضاء الطاقم التربوي، وتوافر الإمكانات المادية، والكفاءات البشرية من مربيات وأخصائيين واجتماعيين (Katchergin, 2012).
كما توضح شنبور (2013) أن الروضة هي المكان الذي يقضي فيه الأطفال معظم أوقاتهم، وهو الإطار الذي يمارسون فيه اتصالاتهم الاجتماعية. فإذا شعر الطفل ذو الاحتياجات الخاصة بعدم الانتماء، أو أن الروضة لا تلبي حاجاته الاجتماعية والنفسية، فلن يتمكن من الوصول إلى أقصى إمكانياته التعليمية. لذلك، يعدّ إعداد بيئة صفية مناسبة ومهيئة للطفل ذي الاحتياجات الخاصة أمرًا حيويًا لتحقيق أهداف الدمج التربوي، ويستلزم ذلك برامج تدريبية مهنية مستمرة للمربيات، وفرص تطوير، وبيئة مؤسسية داعمة (إسماعيل، 2021؛ الصقر، 2025).
ولقد تطرقت العديد من الدراسات السابقة، العربية والاجنبية، إلى موضوع الدمج التربوي واحتياجات الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، مما يوفر أساسًا معرفيًا لفهم نتائج البحث الحالي وتحليلها، فقد دفت دراسة رحاحلة (2025) الى استكشاف متطلبات التعليم الدامج للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد في رياض الأطفال بمنطقة عسير. والتي اتبعت المنهج الوصفي التحليلي، وشارك فيها مجتمع الدراسة من معلمات رياض الأطفال، حيث بلغت عينة البحث (45) مربية. كما استخدمت أداة الاستبانة والمقابلات شبه المهيكلة لجمع البيانات. وتوصلت النتائج أن المعلمات يواجهن تحديات متعددة، تشمل ضعف التدريب العملي، ونقص الدعم الفني، وصعوبات التواصل مع أولياء الأمور. كما أوصت الدراسة بضرورة تقديم برامج تدريبية ميدانية منتظمة ودعم نفسي وتربوي متكامل لضمان نجاح الدمج.
وهدفت دراسة عبد الفتاح (2025) إلى تحديد معوقات معلمات الروضة في دمج الأطفال ذوي الإعاقة العقلية البسيطة. والتي اتبعت المنهج الوصفي التحليلي، وكان مجتمعها (60) مربية، تم اختيار عينة تمثيلية منهم. كما استخدمت استبانة تحليلية ومقابلات شخصية لجمع البيانات. وكشفت النتائج عن أبرز المعوقات: ضعف التجهيزات المادية، وزيادة الأعباء التدريسية، وغياب الدعم الإداري والنفسي. وأوصت الدراسة بتقليص أعداد الأطفال في الصف، تزويد الروضات بمعينات تعليمية ملائمة، وتعزيز المتابعة الإدارية المستمرة.
أما دراسة شاهين (2024) فهدفت إلى تقييم أثر برنامج تدريبي للوالدين على تنمية المهارات الحياتية لدى الأطفال المدمجين في رياض الأطفال. والتي اعتمدت على المنهج شبه التجريبي بمشاركة (50) طفلًا و(50) ولي أمر، مع استخدام اختبار قبلي وبعدي لتقييم المهارات الحياتية. وقد أظهرت النتائج فعالية البرنامج في تحسين مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي لدى الأطفال، وأكدت على أهمية الشراكة بين الأسرة والمؤسسة التربوية لتعزيز استدامة الدمج.
ومن زاوية أخرى، هدفت دراسة الودعاني (2023) إلى استكشاف تصورات معلمات قبل الخدمة حول دمج الأطفال ذوي الإعاقة في مرحلة الطفولة المبكرة. والتي استخدمت المنهج النوعي التأملي مع إجراء مقابلات معمقة مع (20) طالبة معلمة. وقد أبرزت النتائج وجود حماس مبدئي لدى الطالبات، مقابل قلق من ضعف الإعداد العملي وضبابية الدور المهني. كما أوصت الدراسة بإعادة النظر في برامج إعداد المعلمات لتضمين مهارات التعامل مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.
وهدفت دراسة حسن وآخرون (2022) الى تطوير الممارسات المهنية لتربية المعاقين القابلين للتعلم في ضوء أبعاد النمو المهني للمعلم. والتي اتبعت المنهج الوصفي التحليلي، وشاركت فيها (40) معلمة دمج، باستخدام استبانات وتحليل وثائق رسمية. وقد أظهرت النتائج قصورًا في الممارسات المهنية المتعلقة بالتخطيط الفردي والتقويم البنائي للأطفال ذوي الإعاقات، وأوصت بإنشاء وحدات تدريب ميدانية متخصصة لتطوير كفايات المعلمات.
وهدفت دراسة عبد الموجود (2018) الى تحليل آليات تطوير تربية الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في مرحلة رياض الأطفال في ضوء الدمج التربوي. والتي اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، مع مشاركة (30) معلمة وأخصائيًا تربويًا، واستخدمت مقابلات وملاحظات ميدانية. وقد أظهرت النتائج ضعف التنسيق والتكامل بين الجوانب الأكاديمية والاجتماعية في برامج الدمج، وأكدت على ضرورة تفعيل الشراكة بين المربية والأسرة والأخصائي لتحقيق بيئة تعليمية دامجة متكاملة.
وبذلك يتضح أن الدراسات العربية مجتمعة ترسم مسارًا تطوريًا متدرجًا يبدأ من معالجة البنية المؤسسية والإدارية للدمج، ثم ينتقل إلى تحديد الاحتياجات المهنية للمربية، وصولًا إلى التركيز على التجربة الذاتية والشراكة مع الأسرة. هذا التسلسل يؤكد نضوج الاتجاه البحثي العربي نحو رؤية شمولية للدمج بوصفه ممارسة تربوية وإنسانية معقدة تتطلب تعاون جميع الأطراف داخل منظومة الطفولة المبكرة.
أما في السياق الأجنبي فقد هدفت دراسة سايمونديو ولويزو (Symeonidou, Loizou & Recchia, 2023) الى استكشاف تجربة المعلمات والممارسين في رياض الأطفال بقبرص فيما يتعلق بدمج الأطفال ذوي الإعاقات في التعليم المبكر. واعتمدت الدراسة المنهج النوعي، وشملت مجتمع الدراسة مربيات وممارسين في خمس رياض أطفال، وبلغ عدد العينة (30) مربية، مع استخدام المقابلات شبه المهيكلة كأداة أساسية لجمع البيانات. وقد أظهرت النتائج وجود فجوة بين القيم التربوية التي تتبناها المعلمات والممارسات الفعلية داخل الصف، حيث واجهن عقبات مادية وتنظيمية، مثل كبر حجم الصفوف، قلة الكوادر المتخصصة، وضيق الوقت المخصص للأنشطة الفردية. وأوصت الدراسة بضرورة توفير دعم مؤسسي مستمر لتسهيل تطبيق قيم الدمج عمليًا.
وفي سياقٍ متقارب، هدفت دراسة العلاتاوي (Aalatawi, 2023) إلى تسليط الضوء على التحديات التي تواجه المعلمات في تطبيق الدمج في مرحلة الطفولة المبكرة. واستخدم الباحث المنهج النوعي التحليلي، وكان مجتمع الدراسة مكونًا من (25) مربية في رياض أطفال سعودية، وجُمعت البيانات عبر المقابلات. وكشفت النتائج عن ضعف التدريب المتخصص، وقصور تجهيز البيئة الصفية، ونقص الدعم الإداري والتربوي. وأوصت الدراسة بضرورة تعزيز التدريب الميداني وتوفير الدعم المؤسسي لضمان نجاح الدمج.
وهدفت دراسة المالكي والوهابي (Almalky & Alwahbi, 2023) إلى دراسة العلاقة بين التجربة الذاتية للمربية ومؤشرات الأداء المهني في بيئة الدمج. واعتمد الباحثان المنهج المختلط (نوعي-كمّي)، وكان مجتمع الدراسة (40) مربية في رياض أطفال سعودية، واستخدموا استبانات ومقابلات شبه مهيكلة لجمع البيانات. وأظهرت النتائج أن المعلمات يمتلكن اتجاهات إيجابية نحو الدمج، لكنهن يعانين من إرهاق مهني بسبب عبء العمل ونقص الدعم الأسري والكوادر المتخصصة. وأوصت الدراسة بتوفير مختصين متنقلين لدعم الروضات، وتطوير قنوات تواصل فعالة مع أولياء الأمور.
وهدفت دراسة تان وآخرون (Tan et al., 2022) إلى قياس اتجاهات معلمات رياض الأطفال في أوروبا نحو الدمج والعوامل المؤثرة فيها، مثل التدريب والخبرة الميدانية. واعتمدت الدراسة المنهج الكمي، وبلغ عدد المشاركات (120) مربية من عدة دول أوروبية، واستخدمت استبانات مصممة خصيصًا لقياس الاتجاهات التربوية. وأظهرت النتائج أن الخبرة السابقة والتدريب المتخصص هما العاملان الأكثر تأثيرًا في تكوين الاتجاهات الإيجابية، فيما أظهرت المعلمات غير المدربات مواقف أكثر حيادًا أو سلبية. وأكدت الدراسة على أهمية الإعداد المهني المسبق لدعم نجاح سياسات الدمج.
أما دراسة دانيلز وبايل (Danniels & Pyle, 2022) فقد ركّزت على استخدام اللعب كمدخل لدمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في رياض الأطفال الكندية. واتبعت الدراسة المنهج التطبيقي الوصفي، وشملت (20) مربية و(60) طفلًا ضمن صفوف مدمجة، وجُمعت البيانات عبر الملاحظة والمقابلات. وأظهرت النتائج أن اللعب وسيلة فعالة للتفاعل الاجتماعي، وأن المرونة في المنهج الدراسي تسهم في تيسير الدمج أكثر من التعليم التقليدي المباشر. وأوصت الدراسة بتبني ممارسات تعليمية قائمة على اللعب لتعزيز التفاعل الاجتماعي والمشاركة الفاعلة للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.
وهدفت دراسة دانيلز وبايل (Danniels & Pyle, 2021) إلى دراسة دور المعلمة في تسهيل اللعب للأطفال ذوي الإعاقات النمائية ضمن الصفوف الدامجة. واستخدمت الدراسة المنهج النوعي، واشتملت على (15) مربية و(50) طفلًا في مدارس كندية، مع استخدام الملاحظة والمقابلات شبه المهيكلة. وقد أظهرت النتائج أن نجاح الدمج عبر اللعب يعتمد على توفير الوقت الكافي والمواد التعليمية والدعم البشري. وأكدت الدراسة على ضرورة الإدارة التربوية المرنة لضمان استدامة الدمج.
وفي السياق ذاته، تبنّت دراسة مانشان (Munchan, 2020) المنهج الظاهراتي لدراسة التجربة المُعاشة للمربية في بيئة الدمج بأستراليا. وشملت العينة (12) مربية، مع جمع البيانات عبر المقابلات المتعمقة والملاحظات الصفية. وكشفت النتائج عن أبعاد وجدانية عميقة للعمل التربوي، حيث عبّرت المربيات عن صعوبات يومية في الموازنة بين احتياجات الأطفال الفردية والجماعية، والتعامل مع الضغط الزمني والعاطفي. وأكدت الدراسة أهمية الدعم الزملائي والمؤسسي للحفاظ على توازن المربية النفسي والمهني.
ومن خلال هذا التسلسل الزمني والفكري، يتضح أن الدراسات الأجنبية مجتمعة تقدّم إطارًا متكاملاً لتطور التفكير في الدمج في مرحلة الطفولة المبكرة. فهي تبدأ من البعد المؤسسي الذي ركزت عليه دراسة سايمونديو ولويزو (Symeonidou et al., 2023) ، مرورًا بالتحديات المهنية والإدارية كما في الدراسات الخليجية الحديثة، وصولًا إلى المقاربات التربوية والوجدانية التي أبرزتها دراسات دانيلز وبايل (Danniels & Pyle, 2022) ومانشان (Munchan, 2020) هذا الترابط يؤكد أن الدمج في سياقه العالمي يُنظر إليه بوصفه منظومة متعددة الأبعاد تجمع بين التنظيم الإداري، والممارسة الصفية، والبعد العاطفي للمربية، مما يمنح بحثك إطارًا مقارنًا غنيًا يمكن من خلاله تحليل سرديات المربيات في ضوء التجارب الدولية الحديثة.
تعقيب على الدراسات السابقة
يتّضح من مجمل الدراسات العربية والأجنبية حول دمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في مرحلة رياض الأطفال أنّ هناك مسارًا فكريًا ومنهجيًا متدرّجًا يجمع بين التجربة المحلية والعالمية، ويعكس تطورًا ملحوظًا في تناول قضية الدمج من زوايا مختلفة. فالدراسات العربية خلال الفترة الممتدة بين عامي (2018) و (2025) أظهرت تحوّلًا جوهريًا من الطرح النظري والإداري العام إلى التحليل الميداني والسردي لتجارب المربيات ومعاناتهن الواقعية داخل الصفوف الدامجة. ففي المراحل الأولى من هذا المسار، كما في دراسة عبد الموجود (2018)، كان التركيز منصبًا على تطوير البنية المؤسسية والإدارية دون منح المربية مساحة للتعبير عن تجربتها الذاتية. غير أنّ البحوث الحديثة، ولا سيما دراسات رحاحلة (2025) وعبد الفتاح (2025) وأبو عرار والودعاني (2023)، كشفت عن تحوّل نوعي في الاهتمام نحو صوت المربية نفسها، بوصفها شريكة في بناء بيئة الدمج ومصدرًا للمعرفة التربوية وليس مجرد أداة تنفيذية داخل النظام التعليمي.
هذا التحوّل المنهجي في الدراسات العربية ترافق مع تطور في أدوات البحث، إذ انتقلت من الاعتماد شبه الكامل على الاستبانات المحكّمة والأساليب الكمية إلى توظيف المقابلات شبه المهيكلة والتحليل الموضوعي في الدراسات الأحدث، مما سمح بفهم أعمق لتفاعلات المربية مع الطفل والأسرة والنظام التربوي. وبالرغم من تنوع الأدوات والمنطلقات، فقد توافقت النتائج على أن التحديات التي تواجه المربيات تكاد تكون متكررة في جميع الدراسات، من ضعف التدريب المهني إلى نقص الكوادر المتخصصة، مرورًا بغياب التنسيق بين الجهات المسؤولة وازدياد الأعباء النفسية والمهنية داخل الصفوف. كما اتفقت معظم الدراسات على أنّ نجاح الدمج يرتبط بثلاثة مرتكزات أساسية هي الإعداد المهني المستمر، والدعم المؤسسي الفاعل، والشراكة مع الأسرة والمجتمع المحلي، ما يجعل الدمج في جوهره تجربة إنسانية معيشة تتجاوز المفهوم الإداري إلى البعد التربوي والاجتماعي العميق.
وعند الانتقال إلى الدراسات الأجنبية بين عاميّ (2020) و (2023)، يتضح أن هذا التيار العالمي يتّسم بعمق منهجي ودقة وصفية أكبر في تناول التجربة الميدانية للمربية داخل الصف الدامج. فقد أكدت أبحاث سايمونديو ولوزو (Symeonidou et al., 2023) والمالكي والوهابي (Almalky & Alwahbi, 2023) والعلاتاوي (Aalatawi, 2023) أنّ المربية تشكّل المحور الرئيس في نجاح الدمج، وأنّ ما تحتاجه لا يقتصر على التدريب الأكاديمي بل يشمل أيضًا دعمًا نفسيًا ومهنيًا مستدامًا. وتنوّعت المناهج بين النوعي والمختلط، ما أتاح فهماً أكثر اتساعًا للعوامل التي تؤثر في أداء المربية وتفاعلها مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة. كما تبلورت ثلاث اتجاهات فكرية رئيسة في هذه البحوث: الاتجاه السلوكي التنفيذي الذي ركز على استراتيجيات اللعب بوصفها أداة فعالة للدمج كما في دراسات دانيلز وبايل (Danniels & Pyle, 2021-2022) والاتجاه الظاهراتي الإنساني الذي أبرز البعد العاطفي والنفسي للمربية كما في دراسة مانشان (Munchan, 2020) والاتجاه المؤسسي السياساتي الذي اعتبر المعلمة وسيطًا بين السياسة التعليمية والممارسة اليومية كما ظهر في دراسة سايمونديو ولوزو (Symeonidou et al., 2023).
تؤكد نتائج الدراسات الأجنبية أن التدريب والخبرة الميدانية من أهم العوامل المؤثرة في بناء الاتجاهات الإيجابية نحو الدمج، كما شددت على أهمية التعاون بين المعلمة والأسرة لتشكيل منظومة دعم متكاملة للطفل. وتبيّن أن السياق الغربي يربط نجاح الدمج بجودة الممارسة المهنية والمرونة التنظيمية أكثر من ارتباطه بنقص الموارد، بخلاف السياق العربي الذي ما زال يواجه تحديات مادية وإدارية واضحة. ومع ذلك، يلتقي الاتجاهان في الإقرار بأن المعلمة تواجه عبئًا انفعاليًا ومعرفيًا كبيرًا يستوجب رعاية مهنية مستمرة وبرامج دعم متكاملة للحفاظ على توازنها النفسي والوظيفي.
ومن خلال المقارنة بين السياقين العربي والأجنبي، يظهر تباين واضح في بؤر التركيز. فالدراسات العربية تميل إلى معالجة الدمج من منظور إداري ومؤسسي، مع إبراز المعوقات البنيوية والمادية، بينما تركز الدراسات الأجنبية على التجربة الذاتية للمربية وسلوكها التربوي داخل الصف، بما في ذلك الأبعاد العاطفية والاجتماعية للعلاقة بين المربية والطفل. ويكشف هذا التباين عن فجوة بحثية تحتاج إلى دراسات عربية نوعية حديثة توثّق التجربة السردية للمربية بشكل واقعي، مستخدمة أدوات تحليل نوعية متقدمة بدل الاعتماد على الأساليب الكمية التقليدية. كما أن المنهجية الغربية أكثر صرامة وتنوعًا في اختبار الصدق والثبات باستخدام أساليب مثل التحقق الثلاثي والتحقق العضوي، في حين تعتمد الدراسات العربية غالبًا على الصدق الظاهري والتحكيم، مما يدعو إلى تبنّي معايير منهجية أكثر دقة في البحوث العربية المستقبلية.
ويُضاف إلى ذلك أنّ الدراسات الأجنبية قدّمت تصورًا متقدمًا لمفهوم الدمج لا يقتصر على البعد الأكاديمي بل يشمل الدمج العاطفي والاجتماعي، بينما ركزت البحوث العربية غالبًا على الجوانب التنظيمية والإجرائية، دون الغوص في عمق التجربة الإنسانية لكل من المربية والطفل. ويؤكد هذا الاختلاف الحاجة إلى بناء إطار مفاهيمي عربي جديد للدمج يراعي هذه الأبعاد المتعددة.
ومن هذا المنطلق، تتبلور مجموعة من الدلالات البحثية المهمة التي تفتح آفاقًا للدراسات اللاحقة. إذ تتضح الفجوة المنهجية التي تستوجب تبنّي مقاربات سردية نوعية تعكس الخبرات الواقعية للمربيات بشكل أكثر عمقًا، مع ضرورة الاعتراف بأن الدمج في الطفولة المبكرة ظاهرة متعددة الأبعاد لا يمكن الإحاطة بها من خلال أداة واحدة أو زاوية محددة. كما يبرز مطلب توحيد المفاهيم التربوية للدمج في السياق العربي بما ينسجم مع الاتجاهات الدولية، إلى جانب تطوير برامج إعداد المعلمات لتشمل وحدات تطبيقية حول الدمج العملي وأساليبه. والأهم من ذلك، أنّ الاتجاهات الحديثة في كل من السياقين العربي والأجنبي تجمع على أن المربية ليست موضوعًا للبحث فحسب، بل هي فاعل باحث يملك الخبرة والمعرفة التي يجب الإصغاء إليها وتوظيفها في صياغة السياسات والممارسات التربوية المستقبلية، وهو جوهر الرؤية التي يستند إليها بحثك الحالي في سرده لتجارب المربيات ومعايشتهن لواقع الدمج في رياض الأطفال.
التعقيب التحليلي – موقع الدراسة الحالية ضمن الأدبيات
يتضح من الدراسات العربية والأجنبية أن هناك مسارًا فكريًا ومنهجيًا متدرّجًا يعكس تطورًا ملحوظًا في تناول قضية الدمج. الدراسات العربية تحركت من التركيز على البنية المؤسسية والإدارية إلى التحليل الميداني والسردي لتجارب المربيات، بينما ركزت الدراسات الأجنبية على التجربة الذاتية للمربية، والعوامل المؤثرة في أدائها، والبعد العاطفي والاجتماعي للأطفال.
تتفق كل الدراسات على أن نجاح الدمج يعتمد على الإعداد المهني المستمر، الدعم المؤسسي الفاعل، والشراكة مع الأسرة والمجتمع المحلي. كما تؤكد الدراسات الأجنبية على أهمية التنوع المنهجي واستخدام أدوات نوعية دقيقة مثل التحقق الثلاثي والتحقق العضوي، بينما تميل الدراسات العربية إلى الصدق الظاهري والتحكيم، مما يستدعي رفع مستوى الصرامة المنهجية في البحوث العربية المستقبلية. من هذا المنطلق، تكمن أهمية الدراسة الحالية في سد الفجوة المعرفية والمنهجية عبر توثيق السرديات الواقعية لمربيات رياض الأطفال حول تجاربهن في دمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، واستجلاء المعاني التي تمنحها المربيات لتجاربهن، وفهم طبيعة التحديات المهنية والانفعالية التي يواجهنها، واستكشاف سبل الدعم الممكنة من منظورهن.
هذا التوجّه النوعي السردي يضيف قيمة للبحوث السابقة عبر إبراز التجربة التربوية كما تُعاش داخل الصفوف، وتقديم توصيات عملية لتعزيز برامج إعداد معلمات رياض الأطفال وجودة التعليم الدامج في السياق العربي المعاصر.
مشكلة الدراسة
تنبع مشكلة الدراسة من الحاجة إلى فهم كيفية تعامل مربيات رياض الأطفال مع عملية دمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة ضمن التعليم العادي، والتحديات التي تواجهها في هذا السياق. على الرغم من وجود قوانين وتشريعات داعمة لحق الطفل ذي الاحتياجات الخاصة في الدمج التربوي (نحو تعزيز مشاركته الفعلية في الصف)، إلا أن الدراسات تشير إلى أن الكثير من المربيات يواجهن صعوبات في التعامل مع اختلاف قدرات الأطفال، والتواصل مع الأطفال الذين يمتلكون لغة خاصة كاللغة الإشارية، وإيجاد استراتيجيات مناسبة للدمج الفعّال (Braun-Lewensohn, 2015؛ حاج يحيى، 2006).
ولذلك، تهدف هذه الدراسة إلى الإجابة على السؤال الرئيس التالي: ما القصص التي واجهت مربيات رياض الأطفال حول دمج طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة في التعليم العادي؟
وتنبثق منه الأسئلة الفرعية التالية:
- كيف تروي المربية تجربتها في دمج طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة داخل الصف العادي؟
- ما المواقف أو الأحداث المركزية التي برزت في قصة المربية خلال تجربة الدمج؟
- كيف تصف المربية تفاعل الأطفال العاديين مع الطفل المدمج كما ظهر في قصتها؟
- ما الدروس أو الاستنتاجات التي استخلصتها المربية من تجربتها السردية حول الدمج؟
أهداف الدراسة
- التعرف على تجارب المربيات في دمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة ضمن التعليم العادي.
- فهم تأثير دمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة على سلوكيات وأداء الأطفال الآخرين في الصف.
- استكشاف دور المربية في تهيئة بيئة صفية داعمة للدمج التربوي وتعزيز التفاعل الاجتماعي بين الأطفال.
- تقديم توصيات عملية تساعد المربيات على تحسين استراتيجيات الدمج وتحقيق مشاركة فعالة للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.
أهمية الدراسة
تنبع أهمية هذه الدراسة من الدور المحوري للمربية في نجاح عملية الدمج التربوي، إذ تساهم في تنمية القدرات التعليمية والاجتماعية والنفسية للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وتساعد الأطفال الآخرين على فهم واحترام الاختلاف. كما تسهم الدراسة في:
- تعزيز المعرفة العملية حول استراتيجيات الدمج الفعّالة في رياض الأطفال.
- تقديم توصيات علمية لمربيات الطفولة المبكرة لتسهيل الدمج وتقليل التحديات المرتبطة به.
- دعم تطوير السياسات التربوية المتعلقة بالتعليم الشامل في المجتمع العربي، بما يعزز العدالة والمساواة في فرص التعلم.
حدود الدراسة
- حدود مكانية: ستقتصر الدراسة على رياض الأطفال في البلدات العربية في الداخل الفلسطيني.
- حدود بشرية: ستشمل الدراسة مربيات حاصلات على اللقب الأول على الأقل في الطفولة المبكرة، مع خبرة عملية.
- حدود زمنية: ستُجرى المقابلات في فترة ما بعد انتهاء الدوام الرسمي، خلال الفصل الدراسي الثاني من العام الأكاديمي 2025–2026. وستستغرق كل مقابلة ما بين 30–45 دقيقة، على أن يتم تحليل البيانات خلال فترة إعداد البحث.
- حدود موضوعية: ستركز الدراسة على تجارب المربيات المتعلقة بدمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في الصفوف العادية، دون تناول الجوانب الطبية أو التشخيصية للأطفال.
مصطلحات الدراسة
- دمج تربوي:
اصطلاحيًا: هو وضع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في الفصول الدراسية العادية مع أقرانهم العاديين، بحيث يُتيح لهم فرصَ الحضور والمشاركة والإنجاز، وتقليص الفوارق الاجتماعية والنفسية بينهم وبين أقرانهم، وتحقيق مبدأ المساواة والعدل بين جميع الطلبة على اختلاف فئاتهم (مراد، 2019).
إجرائيًا: يُقصد به مجموعة الأنشطة والإجراءات التي تنفذها المربية لتمكين الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة من المشاركة الفاعلة مع أقرانهم العاديين داخل الصف، ويُقاس نجاحه بمستوى التفاعل والمشاركة والتواصل بين جميع الأطفال.
- ذوي الاحتياجات الخاصّة:
اصطلاحيًا: يُعرَّف ذوو الاحتياجات الخاصة بأنهم الأفراد الذين يواجهون صعوبات دائمة أو مستمرة جسدية أو عقلية أو حسية، تؤثر على قدرتهم في المشاركة الفعّالة في المجتمع، مما يستلزم توفير دعم خاص لضمان دمجهم على قدم المساواة مع الآخرين (فايد، 2003، ص. 296).
إجرائيًا: هم الأطفال الذين يواجهون صعوبات تعليمية أو عقلية أو جسدية أو اجتماعية تؤثر على قدرتهم على التعلم والمشاركة الفعّالة، ويُحددون في هذه الدراسة وفق التشخيص الرسمي أو توصية أخصائي التربية الخاصة.
- مربيات رياض الاطفال:
اصطلاحيًا: هنّ العاملات اللواتي يُشرفن على بيئة التعليم والرعاية في مؤسسات الطفولة المبكرة، ويقمن بتنفيذ الأنشطة التربوية، والرعاية النفسية والاجتماعية، وتنظيم اللعب والتفاعل مع الأطفال ضمن ما قبل المدرسة، إذ تشارك في تنمية الجوانب المعرفية والوجدانية والجسدية للطفل بما يتناسب مع مرحلة رياض الأطفال. (أبو عرّار، 2023، ص. 527).
إجرائيًا: هنّ العاملات المسؤولات عن تنظيم البيئة التعليمية والرعاية التربوية والنفسية والاجتماعية للأطفال في مؤسسات الطفولة المبكرة، ويُقاس دورهن من خلال خبراتهن العملية وتجاربهن في دمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.
- المقابلة السرديّة:
اصطلاحيًا: هي أداة بحثية نوعية يتيح فيها الباحث للمشارك سرد تجاربه الشخصية وقصصه الحياتية ضمن سياق اجتماعي محدد، مع التركيز على فهم المعاني الذاتية والتفاعل بين الباحث والمشارك بطريقة مرنة ومفتوحة (المخلوفي، 2024).
إجرائيًا: هي أداة بحث نوعية تُتيح للمربيات سرد تجاربهن الشخصية حول دمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في الصفوف العادية، مع التركيز على فهم الاستراتيجيات المتبعة والتحديات التي تواجهها، وتحليل مستوى التفاعل والتأثير على الأطفال الآخرين.
يعتمد هذا البحث على المنهج النوعي الذي يستند إلى المقابلات السردية مع مربيات الأطفال ممن لديهن خبرة في التعامل مع طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة داخل الصف العادي. وتتمحور المقابلات حول سؤال سردي مفتوح يدعو المربية إلى رواية تجربة مهنيّة مرّت بها في سياق دمج الطفل، بما يسمح بالكشف عن المعاني التي تُنشئها المربية أثناء تفسيرها للموقف التربوي.ويمتاز المنهج النوعي بقدرته على دراسة الظواهر الإنسانيّة والاجتماعيّة بعمق، من خلال تحليل الخبرات الشخصيّة للمشاركات، وفهم تصوراتهن ومواقفهن وسلوكياتهن في سياقها الطبيعي. ويتيح هذا النهج الوصول إلى تفسيرات أكثر عمقًا ومرونة للواقع التربوي، خصوصًا في موضوعات حساسة مثل دمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث تعدّ الخبرات الميدانية مصدرًا أساسيًا للمعرفة. وتشير الأدبيات الحديثة إلى أن الأبحاث النوعية تُعد خيارًا مناسبًا عندما يكون الهدف هو فهم الخبرة الإنسانية في سياقها الواقعي وتفسيرها بصورة معمّقة (الخلف، 2025).
مجتمع البحث
يتكوّن مجتمع البحث من جميع مربيات رياض الأطفال الاتي يعملن في بلدات عربية شمالي الداخل الفلسطيني، ويتمتعن بخبرة عمليّة في التعامل مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة ضمن الصفوف العادية. ويشمل المجتمع جميع المربيات اللواتي يمتلكن خبرة عملية تسمح لهن بتقديم سرد عميق لتجاربهن المهنية.
تكونت عينة البحث من مربيات رياض الأطفال، حاصلات على اللقب الأول في الطفولة المبكرة، مع خبرة عملية طويلة؛ 16 سنة للمربية رقم (1) و31 سنة للمربية رقم (2). كلتاهما مقبلتان على إنهاء اللقب الثاني في الطفولة المبكرة، وتعملان في رياض أطفال في بلدات شمالي الداخل الفلسطيني. تم اختيار المربيتين بشكل مقصود نظرًا لخبرتهن الطويلة ومعرفتهن العملية بموضوع دمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة. تبلغ المربية رقم (1) 53 عامًا، والمربية رقم (2) 52 عامًا، وتم استخدام أرقام بدل الاسماء لضمان سرية هويتهن وحمايتهن ضمن البحث.
اعتمدت الباحثتان على المقابلة السردية كأداة رئيسة لجمع البيانات النوعية. وتميزت هذه المقابلة بإتاحة الحرية للمربيات لسرد تجربتهن كاملة ضمن سياقها الواقعي، متضمّنة الأبعاد التربوية، النفسية، الاجتماعية، والعاطفية. وتتيح هذه الأداة تحليلًا متعمّقًا لتجربة الدمج من خلال استعراض مسار الأحداث، تفاعل المربية مع البيئة الصفية، واستجابتها للمواقف المتنوعة، مما يمكّن الباحث من الوصول إلى المعاني والدلالات التي تمنحها المربية لهذه التجربة (Moenandar et al., 2024).
صدق وثبات الأداة
لضمان صدق الأداة البحثية، تم التحقق من صدق المحتوى والصدق الظاهري من خلال عرض أسئلة المقابلات على مجموعة من الخبراء المتخصصين في مجال التربية الخاصة، وذلك بهدف التأكد من ملاءمتها لأهداف الدراسة ووضوح صياغتها، كما تم تعزيز الصدق من خلال تطبيق التحقق من الأعضاء بحيث تم ارسال تفريغ المقابلات الى المربيات المشاركات للاطلاع عليها والتأكد من دقة أقوالهن وصحة تمثيل آرائهن.
أما ثبات الأداة، فقد تم دعمه من خلال تحقيق ثبات الإجراء عبر توحيد إجراءات إجراء المقابلات وتوثيقها صوتيًا، بالإضافة الى تفريغ المقابلات بدقة ومراجعتها للتحقق من استقرار البيانات واتساقها، مما يسهم ذلك في تعزيز ثبات البيانات ومصداقية النتائج المستخلصة، بما يتوافق مع معايير الثبات في البحوث النوعية.
إجراءات جمع البيانات
تمت عملية جمع البيانات بعد تحديد موضوع البحث ودراسة الأدبيات السابقة. وتم التواصل مع المربيات المشاركات لتنسيق مكان وزمان إجراء المقابلات، والتي أُجريت في الروضة بعد انتهاء الدوام لتوفير بيئة هادئة ومناسبة للسرد التفصيلي، وذلك خلال الفصل الدراسي الثاني لعام 2025-2026.
كما وأُجريت إحدى المقابلات عبر تطبيق الزووم (Zoom) بناءً على طلب المربية، بهدف توفير مناخ ملائم يتيح التركيز على السرد التفصيلي. تراوحت مدة المقابلات بين 30 و40 دقيقة، وتم تسجيلها صوتيًا بعد الحصول على الموافقة المسبقة والواعية من المشاركات، مع التأكيد على السرية التامة وحفظ البيانات لأغراض البحث العلمي فقط. وبعد ذلك، جرى تفريغ المقابلات بدقة تمهيدًا لمعالجة البيانات وتحليلها.
تحليل البيانات
تم تحليل البيانات بطريقة نوعية تفسيرية استنباطية، دون الاعتماد على الأساليب الإحصائية، بهدف استخراج الموضوعات والفئات الرئيسة من السرد، وتقديم صورة شاملة وواقعية لتجارب المربيات (Creswell & Poth, 2018) وشملت خطوات التحليل:
- تفريغ المقابلات تفريغًا حرفيًا، سواء تلك التي أجريت حضوريًا أو عبر تطبيق الزووم (Zoom).
- تقسيم المقابلات إلى مبنى ومضمون، وتسجيل الملاحظات الهامة على الهامش.
- ترميز الأحداث المركزية وتصنيفها تحت ثيمات رئيسية للإجابة عن أسئلة البحث.
- مقارنة المعطيات المستخلصة مع الدراسات السابقة بهدف بناء فهم متكامل للموضوع.
تعتمد هذه الخطوات على مبدأ التحليل النوعي التفسيري الذي يتيح للباحث الكشف عن المعاني والدلالات التي تمنحها المربيات لتجاربهن، وفهم السياق الواقعي للأحداث، مع إمكانية تطوير موضوعات وفئات جديدة تعكس الخبرات الواقعية والمهنية للمشاركات (Moen, 2006).
عرض النتائج ومناقشتها
مُلخص القصة الأولى
تبدأ أحداث القصة عندما استقبلت المربية رقم (1) في رياض الأطفال في السنة الدراسية 2022 طفل يبلغ من العمر 3 سنوات، وقد لاحظت المربية أن الطفل الأول في القصة الأولى ذو سلوكيات مختلفة عن باقي الأطفال فهو لا يتكلم ولا يسأل ولا يشارك الأطفال الآخرين اللعب واستمر الحال لعدة أيام حتى أسابيع، مما جعل المربية تراقب تصرفاته وسلوكياته ثم التواصل مع الأم بعد مشاهدتها للطفل وإدراكها أن هنالك خطب ما واستدعتها لجلسة بهدف فهم وضع الطفل ومعالجة المشكلة، لكن في بداية الجلسة رفضت الأم الإفصاح عن وضع ابنها واتسمت بالغموض وذلك يعود الى المشاكل العائلية والاقتصادية التي تمر بها الأم. لذا قامت المربية بطرح أسئلة تتعلق بالطفل وسلوكياته وذكرت مزاياه الحسنة وما لاحظته من صعوبات لديه في النطق والتعبير وإذ بالأم تتأثر وتبكي وتصف إهمال الأب ووضعه النفسي الصعب الذي يؤثر سلبًا على نمو الطفل. بالمقابل تجاوبت الأم مع المربية وقدمت التقرير الذي يصف حالة أحمد بأنه يعاني من مشاكل في النطق. تعاون الأم كان نقطة الانطلاق للبدء في خطة العمل وتقديم الطفل الى لجنة الدمج قبل فوات الأوان. وقد حصل الطفل خلال السنة التعليمية على مساعدات داخل الصف شملت الاحتواء العاطفي اليومي، والتعزيز الإيجابي، والتدريب اللغوي التدريجي القائم على تجزئة الكلمات، وإشراك الطفل في مجموعات صفيّة مصغّرة لتعزيز التفاعل الاجتماعي. كما شمل التدخل التعاون مع الأسرة وتوجيه الوالدين الى جلسات إرشاد أسري، الأمر الذي أسهم في تحسن ملحوظ في نطق الطفل، وزيادة مشاركته الصفية، وقدرته على التفاعل والعمل التعاوني مع أقرانه خلال السنة التعليمية.
نوع القصة: القصة تُحاكي تجربة مهنيّة مرت بها المربية خلال سنوات عملها مع الأطفال، حيث سردت المعلمة حدث ذو صلة بمجالها التربوي.
هوية الراوي: المربية رقم (1) تبلغ من العمر 52 عام التحقت بالتعليم العالي بعمر متقدم، وهي معلمة في رياض الاطفال في منطقة الشمال. حصلت على شهادة اللقب الأول في الطفولة المبكرة وفي الوقت الحالي تكمل مسيرتها في اللقب الثاني في الطفولة المبكرة. المربية رقم (1) لديها خبرة 16 سنة في العمل مع الأطفال حيث مرت بتجارب مختلفة والتقت أطفال عاديين ومنهم ذوي احتياجات خاصة. على الصعيد المهني تملك سنوات طويلة من الخبرة مما يعزز الإحساس بالمهنية والموضوعية (أي الصدق الظاهر) للحبكة.
أحداث ومحطات مركزية: تمركزت القصة حول دعم ودمج طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة في التعليم العادي، الطفل يعاني من تأخر في النطق وصعوبات في التعبير عن نفسه واحتياجاته. لذا عملية دمجه تتيح له فرصة في التعرف على الأطفال العاديين ومشاركتهم الفعاليات التربوية من اجل رفع مستوى وظائفه وتحسين أدائه المعرفي والاجتماعي ومساعدته في التغلب على التأخر اللغوي.
شخصيات مركزية: تضمنت القصة شخصية مركزية ألا وهي المربية رقم (2) والطفل، وشخصيات ثانوية: أم الطفل وأباه.
مبنى الرواية
المحور الزمني: السنة الدراسية 2022/ 2023 أي من شهر أيلول حتى حزيران، في الفصل الأول كانت هنالك جلسات ولقاءات بين الأهل والمربية والمفتشة. وقبل نهاية الفصل الأول تم بناء خطة عمل مفصلة تشمل فعاليات متنوعة واستراتيجيات للتعامل مع طفل ذو احتياجات خاصّة، وفي الفصل الثاني والثالث عملت المربية بشكل مكثف لتنفيذ الخطة ودعم الطفل. يمكن القول أن أحداث القصة وتطورها مرتبطة بالزمن والفصول الدراسية.
المحور المكاني: دارت أحداث القصة في رياض الأطفال، حيث تعمل المربية مع الأطفال وتعد لهم الفعاليات والاشغال اليدوية والمواد التعليمية الهادفة والحوار الفعال.
في الأيام الأولى من السنة الدراسية داخل غرفة الصف بدأت المربية بمراقبة ومشاهدة تصرفات وسلوك الطفل والمشكلة التي يعانيها من حيث النطق والكلام وجلوسه لوحده طيلة اليوم وعدم تفاعله مع الأطفال الآخرين وعدم تجاوبه مع المربية، بعد أسبوعين من دخول الطفل الى الروضة بقي الحال كما هو ولم يطرأ أي تغيير. لذا شعرت المعلمة بالقلق وانتابها خوف شديد كونها لم تتلقى معلومات أو تشخيص عن وضع الطفل. بالتالي قررت المربية استدعاء الأم لفهم المشكلة ووصف الحالة ومناقشة وضع الطفل إلا أن الأم كانت غامضة ورفضت الإفصاح عن حالة ابنها. ولكن شيئًا فشيئًا أخذت تتحدث وتفصح عما تعانيه مع ابنها وأجهشت بالبكاء لتأثرها في حالة ابنها. علاوة على ذلك، لقد عكست الرواية الصراع الداخلي (مونولوج) عندما تطرقت المربية الى مخاوفها وأفكارها حول وضع الطفل وباتت تفكر كيف ستعالج المشكلة. وقد اتسمت القصة بنهاية سعيدة اذ قدمت المربية بكتابة تقرير مفصل وشامل يتضمن التغيير الذي حققه الطفل أحمد وجعله يتفاعل مع أطفال آخرين ويشعر بالأمان داخل الصف ويتكلم “اسمه، الألوان والاشكال” ويعبر عن مشاعره بالتصفيق والابتسامة. وهذا يدل على عمل ناجح وتعاوني بين المربية والأطفال وكذلك الاهل.
الحبكة: سردت المربية رقم (1) قصة مهنية ذاتيّة خلال مسيرتها التربوية تعكس دمج طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة في الصف. ظهر الجانب المهني لدى المربية عندما تعاملت مع وضع الطفل الخاص بطريقة موضوعيّة تشير الى وعي وفهم المعلمة عند استدعائها الأم لفهم حالته والاطلاع على التقرير. بناءً على ما جاء في الحبكة تحدثت المربية باللغة العربية المعيارية وأحيانًا باللغة المحكية وأظهرت ترابط بين الأحداث التي سردتها ويظهر ذلك من خلال تسلسل الأحداث من حيث ابتدائها سنة 2024 حينما اكتشفت المعلمة مشكلة وصعوبة الطفل وتوجهها الى الأم لتقديمه الى لجنة الدمج وتعاون الأم مع المربية ووضع خطة عمل مناسبة وواقعية من شأنها تحسين وضع الطفل، وهذا ما لمسته الأم والمربية في نهاية المطاف. يمكن القول أن المدة الزمنية التي تضمنت أحداث القصة مناسبة للنهاية التي آلت اليها بل وواقعية.
عملت المعلمة على الجانب الوجداني والعاطفي للطفل من خلال احتوائها له ومنحه الشعور بالأمان. ومن خلال سرد الراوية للأحداث لاحظنا أن القصة تتمحور حول الشخصية المركزية الا وهي الراوية، ومساهمتها في دعم الطفل عاطفيًا كما جاء سابقًا وتنمية الجانب الادراكي-المعرفي لديه.
مُلخص القصة الثانية
في سنة 2019 استقبلت المعلمة رقم (2) مربية صف الروضة طفلة عمرها 3 سنوات ذات سلوكيات مختلفة عن باقي الأطفال من ناحية الكلام والنطق فكلامها غير مفهوم، تواصلت المربية بعد ملاحظتها مع الأم وأعلمتها بأن الطفلة بحاجة الى تقديمها للجنة الدمج، لكن الأم رفضت ذلك بشدّة رغم محاولات المربية في إقناعها، فاضطرت المربية حينها الى اللجوء الى المرشدة المسؤولة وقامت المرشدة بدوّرها في التحدث مع الأم. خلال الجلسة بكت الأم كثيرًا، فاتضح أن سبب رفضها هو أن لديها طفل في البيت لديه توحد، وهي تحتمل وجود توحد للطفلة كذلك، تكرر عقد الجلسة 3 مرات حتى وافقت الأم في نهاية المطاف، وبالفعل تم تقديم الطفلة الى لجنة الدمج وحصلت بعد فترة طويلة على مساعدة محدودة تمثلت في معلمة دمج تعمل معها مرتين في الأسبوع داخل الروضة، وفي السنة التالية، وبعد انتقال الطفلة الى البستان، تلقت دعمًا متعدد التخصصات شمل علاج النطق، والعلاج الطبيعي، والعلاج بالفن، الى جانب زيادة ساعات الدمج. إلا ان هذه المساعدات قُدِّمت في مرحلة متأخرة نسبيًا، الامر الذي انعكس سلبًا على المسار النمائي والتعليمي للطفلة، حيث انها التحقت بالبستان لمدة سنتين متتاليتين، وما تزال حتى الصف الأول تعاني من تأخر ملحوظ مقارنة بأقرانها.
عناصر القصة
نوع القصة: القصة تُحاكي تجربة مهنيّة مرت بها المربية خلال سنوات عملها مع الأطفال.
هوية الراوي: الراوية هي مُربية روضة أطفال بعمر 3-4 سنوات من منطقة المثلث، تملك من العمر 52 عام ولديها خبرة 31 سنة في العمل مع الأطفال، حاصلة على شهادة لقب أول في الطفولة المبكرة وفي طريقها لنيل شهادة اللقب الثاني في هذا المجال عمّا قريب.
أحداث ومحطات مركزية: تمركزت القصة حول ضرورة تقديم طفلة الى لجنة الدمج بسبب مشاكل في النطق والكلام، وعدم تقبّل والدتها للموضوع ورفض تقديمها الى اللجنة.
شخصيات مركزية: احتوت القصة على عدة شخصيات ألا وهي: الراوية (المربية رقم (2))، أم الطفلة، والمرشدة المسؤولة.
مبنى الرواية
المحور الزمني:
في بداية السنة 2019: اكتشفت المربية المشكلة التي تعاني منها الطفلة وهي تأخر في النطق ومن ثم التوجه للأهل وتحديدا الام من اجل تقديم الطفلة الى لجنة الدمج لمساعدتها الا ان الام قابلت الموضوع بالرفض.
في سنة 2020: بعد لقاءات وجلسات مكثفة بين الطاقم التربوي والام وتقديم شرح وحلول لمشكلة الطفلة في نهاية المطاف وافقت الام في تقديم ابنتها الى لجنة الدمج وحصولها على جزء بسيط من المساعدات.
في سنة 2021: انتقلت الطفلة الى البستان وحصلت على كافة المساعدات والتسهيلات اللازمة.
المحور المكاني: وقعت احداث القصة داخل غرفة الصف.
للرواية مبنى كامل متكامل؛ فكانت البداية عند ملاحظة المربية لسلوك الطفلة والمشاكل التي تُعانيها من ناحية النطق والكلام والذي يؤثر على فهم من حولها لكلامها، وكانت المشكلة التي تقمع في الرواية هي عدم تقبّل الأم للموضوع ورفض تقديمها الى لجنة الدمج رغم المحاولات العديدة لإقناعها، أما النهاية فكانت نهاية حزينة كوّن الطفلة لم تأخذ حقها في المساعدات التي يجب اعطاءها لها كوّن الأم وافقت على تقديم طفلتها الى اللجنة في وقت متأخر عاد على طفلتها بالسلب حتى أن الطفلة الى اليوم ما زالت تعاني من تأخر كلامي ومشاكل في النطق.
الحبكة: من خلال سرد الراوية للأحداث لاحظنا أنه من الجانب النفسي، الراوية لا تتمحور حول ذاتها بتاتًا بل كانت تتحدث بمهنيّة بصيغة الجماعة قاصدةً الطاقم التربوي رغم كونها المديرة وهي المسؤولة في الصف وما حدث للطفلة يؤثر في نفسها حتى يومنا هذا. أما من الجانب المهني فاتضح أن الراوية واعية لسلالم التطور التي تُقرر بحسبها ما إن كان الأطفال في الوضع الطبيعي والمجال التطوري السليم أم لا.
كما وتبيّن من منطلق تضمين أو تعميم السرد بأن المدّة الزمنيّة التي تضمنت أحداث القصة مُناسبة للنهاية التي آلت إليها بل وواقعية؛ فالطفلة بقيت سنتين متتاليتين في الروضة برفقة الراوية (المربية رقم (2)) وكان بإمكانها تحسين وضعها لكن الأم تأخرت في قبول تقديم طفلتها الى لجنة الدمج مما تسبب ذلك بعدم حصول الطفلة على المساعدات الكافية واللازمة لضمان تحسنها وتطوّرها، وبالرغم من أن كوّنها تلقت في النهاية على دعمًا متعدد التخصصات شمل علاج النطق، والعلاج الطبيعي، والعلاج بالفن، الى جانب زيادة ساعات الدمج. إلا أن هذا لم يعد عليها بالفائدة وما زالت حتى اليوم تُعاني من هذه المشاكل لأن الموافقة على تقديمها كان متأخرًا مع العلم أن اللجنة كي تقبل ضم الطفلة تأخذ وقت ومسار طويل، ويتضح ذلك من معلوماتها المهنية. أما من ناحية الإغفال والإسكات فلم يكن لهما أي مكان في سرد الراوية، فقد كانت واضحة وذكرت التفاصيل رغم انها تعتبر تفاصيل مؤلمة تُعبر عن الضعف.
يعتبر دمج طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة في التعليم العادي من العمليات التربوية الهامة والهادفة، اذ تسعى منظومة التربية والتعليم الى غرس قيم مجتمعية سامية في نفوس الطلاب الاخرين واشراكهم في التعرف على الآخر المختلف واكسابهم مهارات تواصل وإيجاد لغة مشتركة مع زميلهم الذي يعاني من تأخر او قصور ما. ومن اجل تنفيذ عملية الدمج لا بد من التعاون بين الاسرة والروضة وتوفر الأشخاص المختصين ذوي الكفاءة من المربيات والاخصائيين الاجتماعيين. ومن خلال تحليل القصص التي روتها مربيات رياض الأطفال حول تجاربهن في دمج أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة في الصفوف العادية. وقد جرى تحليل السرديات بوصفها خبرات معيشة متكاملة، لا تُختزل في أحداث منفصلة، بل تُفهم ضمن سياقها الزمني، والمهني، والانفعالي، والاجتماعي. وأسفر التحليل السردي عن مجموعة من الثيمات الرئيسة التي عكست مسارات مختلفة لتجربة الدمج، وأجابت بصورة مباشرة عن أسئلة الدراسة:
المربية بوصفها فاعلًا مهنيًا في تجربة الدمج
أظهرت نتائج التحليل أن المربية تمثّل المحور الرئيس في تجربة الدمج، ليس فقط من حيث تنفيذ الإجراءات التربوية، بل بوصفها فاعلًا مهنيًا وأخلاقيًا يفسّر الموقف التربوي ويتخذ قرارات متتابعة تؤثر في مسار الدمج ونتائجه. فقد بدأت السرديات بلحظة إدراك المربية لوجود اختلاف نمائي لدى الطفل، وهي لحظة اتسمت بمشاعر القلق والحيرة، لكنها شكّلت في الوقت ذاته نقطة انطلاق لبناء وعي مهني أعمق.
في سردية المربية رقم (1) ظهر انتقال تدريجي من التردد إلى المبادرة، حيث دفعتها ملاحظاتها اليومية لسلوك الطفل إلى البحث عن طرق بديلة للتواصل، ثم إلى تبنّي استراتيجيات تربوية مرنة أسهمت في دمج الطفل تدريجيًا داخل الصف. ويعكس هذا المسار ما تشير إليه الأدبيات السردية من أن المعلّم في البحث النوعي ليس ناقلًا محايدًا للحدث، بل صانعًا للمعنى من خلال التأمل والممارسة (Clandinin & Connelly, 2000). كما يتقاطع هذا الدور مع ما أشار إليه ((Braun-Lewensohn, 2015 حول قدرة المربية على تحويل الصف إلى مساحة داعمة نفسيًا واجتماعيًا عندما تمتلك وعيًا مهنيًا وانفعاليًا. في المقابل، كشفت سردية المربية رقم (2) عن دور مهني محكوم بقيود خارجية، تمثلت في تأخر استجابة الأسرة والإطار الرسمي، ما ولّد صراعًا داخليًا بين رغبتها في المساندة وإحساسها بالعجز. وتنسجم هذه النتيجة مع ما توصلت إليه دراسات عربية وأجنبية حديثة أكدت أن فاعلية المربية، رغم أهميتها، تظل مرهونة بالسياق المؤسسي والدعم الأسري المتاح (رحاحلة، 2025؛ Symeonidou et al., 2023).
توقيت التدخل ونقاط التحول في مسار الدمج
كشف التحليل عن وجود أحداث مركزية شكّلت نقاط تحوّل واضحة في السرديات وأسهمت في إعادة توجيه مسار تجربة الدمج. ففي القصة الأولى، مثّلت لحظة تعاون الأسرة مع المربية نقطة انعطاف إيجابية، حيث انتقل السرد من مرحلة القلق والترقّب إلى مرحلة الفعل المنظّم، ما انعكس على تطور مهارات الطفل اللغوية وتفاعله الاجتماعي داخل الصف. وتؤكد هذه النتيجة ما ذهبت إليه دراسات عديدة حول الدور الحاسم لتوقيت التدخل المبكر والتعاون الأسري في ضمان فاعلية الدمج، خاصة في مرحلة الطفولة المبكرة (شاهين، 2024؛ Danniels & Pyle, 2021) في المقابل، اتسمت القصة الثانية بسرد دائري تكررت فيه محاولات المربية دون تحقيق تغيير جوهري بسبب تأخر التوجّه الرسمي للجنة الدمج ورفض الأسرة في المراحل الأولى. وقد عبّرت المربية عن إحساس متراكم بالإحباط، وهو ما يعكس كيف يمكن لغياب القرار المؤسسي في الوقت المناسب أن يعيد إنتاج الصعوبات بدل معالجتها. وتتفق هذه النتائج مع ما أشار إليه Danniels and Pyle (2022) حول أن الدمج ليس مسارًا خطيًا واحدًا، بل عملية ديناميكية تتأثر بعوامل زمنية وتنظيمية، وأن التأخر في التدخل قد يحدّ من أثر الدعم اللاحق مهما كان متنوعًا.
تفاعل الأطفال العاديين في البيئة الصفية الدامجة
أظهرت النتائج أن الأطفال العاديين شكّلوا عنصرًا فاعلًا في تجربة الدمج، وليسوا مجرد خلفية للأحداث. ففي القصة الأولى، وصفت المربية كيف تطور تفاعل الأطفال مع الطفل المدمج من الحذر والاستغراب إلى القبول والمشاركة، نتيجة توجيهها المستمر وبناء أنشطة جماعية تراعي الفروق الفردية. ويعكس هذا التحول أثر البيئة الصفية الداعمة في تعزيز التفاعل الاجتماعي الإيجابي، وهو ما أكدته دراسات ركّزت على دور المربية في تشكيل ثقافة صفية قائمة على القبول والاحتواء (Braun-Lewensohn, 2015).
أما في القصة الثانية، فقد بقي تفاعل الأطفال محدودًا ومتذبذبًا، بسبب غياب الاستمرارية في الدعم والتدخل، ما يؤكد أن تفاعل الأطفال العاديين لا يحدث تلقائيًا، بل يتطلب تخطيطًا تربويًا واعيًا ودعمًا مؤسسيًا مستمرًا. وتنسجم هذه النتيجة مع ما توصلت إليه دراسات اللعب بوصفه مدخلًا للدمج، والتي شددت على أهمية المرونة المنهجية وتوفير الوقت والموارد لتعزيز التفاعل الاجتماعي (Danniels & Pyle, 2022).
البعد العاطفي والوجداني في تجربة المربية
برز البعد العاطفي بوصفه مكوّنًا أساسيًا في تجربة الدمج، حيث لم يقتصر دور المربية على الجانب التعليمي، بل شمل الاحتواء النفسي وبناء علاقة آمنة مع الطفل. فقد عكست المربية رقم (1) إدراكًا عميقًا لأهمية الأمان العاطفي بوصفه مدخلًا للتعلّم والتفاعل، وهو ما يتقاطع مع الطرح الظاهراتي الإنساني الذي يرى في العلاقة التربوية أساسًا لأي تدخل ناجح (Munchan, 2020). في المقابل، أظهرت سردية المربية رقم (2) الأثر النفسي السلبي لغياب الدعم المؤسسي والأسري على المربية نفسها، حيث ظلّت التجربة حاضرة في ذاكرتها بوصفها خبرة مؤلمة. وتؤكد هذه النتيجة ما ذهبت إليه دراسات حديثة حول العبء الانفعالي والمهني الذي تتحمله المربيات في الصفوف الدامجة، والحاجة إلى دعم نفسي ومهني مستدام للحفاظ على توازنهن الوظيفي (Aalatawi, 2023; Almalky & Alwahbi, 2023).
قراءة تفسيرية تكاملية لتجربة الدمج
تشير النتائج مجتمعة إلى أن دمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في رياض الأطفال لا يمكن اختزاله في إجراء تربوي تقني، بل هو تجربة معيشة متعددة الأبعاد تتقاطع فيها العوامل المهنية، والانفعالية، والاجتماعية، والزمنية. وتُظهر السرديات أن المربية تؤدي دورًا محوريًا في صياغة مسار الدمج، إلا أن نجاح التجربة يظل مرهونًا بتكامل الجهود بين المربية، والأسرة، والمؤسسة التربوية.
وتسهم هذه الدراسة في سد فجوة بحثية أشارت إليها الأدبيات العربية، التي ركزت في معظمها على الجوانب الإدارية والتنظيمية للدمج، دون الغوص في عمق التجربة الإنسانية للمربية. كما تضيف بعدًا سرديًا نوعيًا يتقاطع مع الاتجاهات الدولية الحديثة التي تنظر إلى الدمج بوصفه منظومة متعددة الأبعاد تجمع بين السياسة التعليمية والممارسة الصفية والبعد العاطفي للمربية (Symeonidou et al., 2023).
تؤكد نتائج هذا التحليل السردي أن فهم الدمج التربوي لا يكتمل دون الإصغاء إلى أصوات المربيات بوصفهن فاعلات مهنيات يمتلكن معرفة ميدانية وخبرة إنسانية متراكمة. كما تُبرز النتائج أن التحديات التي تواجه المربيات لا تعود فقط إلى نقص المهارات، بل إلى تداخل عوامل أسرية ومؤسسية وزمنية. ويعكس ذلك الحاجة إلى إعادة النظر في سياسات إعداد المربيات ودعمهن، بما يضمن ترجمة الخطاب الرسمي الداعم للدمج إلى ممارسة تربوية إنسانية مستدامة داخل الصفوف.
تشير نتائج هذا البحث السردي إلى أن دمج الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة في رياض الأطفال لا يمكن فهمه بوصفه إجراءً تربويًا تقنيًا أو قرارًا إداريًا معزولًا، بل هو تجربة معيشة مركّبة تتداخل فيها الأبعاد المهنية، والانفعالية، والاجتماعية، والمؤسسية. فقد أظهرت السرديات أن عملية الدمج تتشكّل عبر تفاعلات يومية دقيقة، تتطلب من المربية وعيًا مهنيًا مرنًا وقدرة على قراءة احتياجات الطفل في سياقه الواقعي، وليس الاكتفاء بتطبيق تعليمات جاهزة أو خطط نمطية.
وتبرز الاستنتاجات أن المربية تؤدي دورًا محوريًا في صياغة مسار الدمج، بوصفها فاعلًا مهنيًا وصانعة للمعنى التربوي داخل الصف. غير أن هذا الدور، رغم أهميته، يظل مشروطًا بدرجة الدعم المؤسسي وتعاون الأسرة، حيث كشفت السرديات أن غياب الاستجابة المبكرة أو تأخر التدخل الرسمي قد يحوّل تجربة الدمج إلى عبء مهني وانفعالي على المربية، ويحدّ من فاعلية الجهود الفردية المبذولة داخل الصف. ويؤكد ذلك أن نجاح الدمج لا يتحقق من خلال كفاءة المربية وحدها، بل من خلال منظومة داعمة تتكامل فيها الأدوار والمسؤوليات.
كما تُظهر الاستنتاجات أن البعد العاطفي يشكّل عنصرًا أساسيًا في تجربة الدمج، سواء بالنسبة للطفل أو للمربية. فقد دلّت السرديات على أن بناء علاقة آمنة قائمة على الاحتواء والتفهّم يمثّل مدخلًا جوهريًا لتعزيز تفاعل الطفل وتقدّمه، في حين أن غياب هذا البعد، نتيجة الضغط المهني أو ضعف الدعم، قد ينعكس سلبًا على المربية نفسها ويترك أثرًا طويل الأمد في تجربتها المهنية. ويعكس ذلك الحاجة إلى النظر إلى الدمج التربوي بوصفه ممارسة إنسانية تتطلب دعمًا نفسيًا ومهنيًا مستدامًا، لا مجرد تنفيذ سياسات تعليمية.
وفي ضوء ما سبق، يمكن الاستنتاج أن الدمج التربوي في مرحلة الطفولة المبكرة هو عملية ديناميكية تتأثر بتوقيت التدخل، ونوعية العلاقات، ومرونة البيئة الصفية، وأن فهم هذه العملية يستلزم الإصغاء إلى أصوات المربيات بوصفهن مصدرًا معرفيًا أساسيًا لفهم واقع الدمج وتحدياته. وتسهم هذه الدراسة في تعميق الفهم النوعي للدمج من خلال تسليط الضوء على التجربة السردية للمربية، بما يضيف بعدًا إنسانيًا ومعرفيًا للأدب التربوي العربي في هذا المجال.
وبناءً على الاستنتاجات التي توصلت اليها الدراسة، تقترح الباحثتان مجموعة من التوصيات التي تستهدف تطوير ممارسات الدمج في رياض الأطفال على مستويات عدّة:
على المستوى التربوي، توصي الباحثتان بضرورة تعزيز وعي المربيات بمفهوم الدمج بوصفه عملية مستمرة قائمة على المرونة والتأمل المهني، وليس إجراءً ثابتًا أو استجابة وقتية. كما توصي بتضمين استراتيجيات الدعم العاطفي وبناء العلاقات الآمنة ضمن برامج إعداد المربيات، لما لها من أثر مباشر في تفاعل الأطفال ونجاح تجربة الدمج.
وعلى المستوى المؤسسي، تؤكد الباحثتان على أهمية تسريع إجراءات التشخيص والتدخل المبكر، وتفعيل آليات التعاون بين رياض الأطفال والجهات المختصة، بما يضمن عدم ترك المربية في مواجهة التحديات بمفردها. كما توصي بضرورة توفير دعم مهني ونفسي مستمر للمربيات العاملات في الصفوف الدامجة، من خلال الإرشاد التربوي والتدريب المستمر.
أما على مستوى الأسرة، فتوصي الباحثتان بتعزيز الشراكة التربوية بين الأسرة والمؤسسة التعليمية، من خلال برامج توعوية تسهم في بناء فهم مشترك لأهمية الدمج ودور الأسرة في دعمه، بما ينعكس إيجابًا على الطفل والمربية على حد سواء.
وعلى المستوى البحثي، توصي الباحثتان بإجراء مزيد من البحوث النوعية والسردية التي تستكشف تجارب المربيات والمعلمين في سياقات دمج مختلفة، مع التركيز على الأبعاد الانفعالية والمهنية التي غالبًا ما تُهمَل في الدراسات الكمية. كما تقترح توسيع نطاق البحث ليشمل وجهات نظر الأطفال والأسر، بما يقدّم صورة أكثر شمولية لتجربة الدمج في مرحلة الطفولة المبكرة.
قائمة المراجع
المراجع العربية
- إسماعيل، فاطمة. (2021). الاحتياجات التدريبية لمعلمات رياض الأطفال في ضوء متطلبات دمج الأطفال ذوي الإعاقات البسيطة مع العاديين. مجلة الطفولة والتربية، 45(1)، 289-385. استرجع من:
https://doi.org/10.21608/fthj.2021.169071
Ismail, Fatimah. (2021). The training needs of kindergarten teachers in light of the requirements for integrating children with mild disabilities with their typically developing peers. Journal of Childhood and Education, 45(1), 289-385. Retrieved from: https://doi.org/10.21608/fthj.2021.169071
- الأتربي، هويدا. (2017). فلسفة دمج ذوي الاحتياجات الخاصة بمدارس العاديين. مجلة دراسات في التعليم الجامعي، 37، 485-578. استرجع من: https://deu.journals.ekb.eg/article_17298.html
Al-Atrabi, Huwaida. (2017). The philosophy of integrating persons with special needs in regular schools. Studies in University Education Journal, 37, 485-578. Retrieved from: https://deu.journals.ekb.eg/article_17298.html
- حاج يحيى، معين. (2006). المعين: معجم مصطلحات التربية الخاصة. دار الهدى.
Haj Yahya, Muin. (2006). Al-Mu‘in: A Dictionary of Special Education Terms. Dar Al-Huda.
- حسن، محمد، والسيد، محمد، وحفني، نور الهدى. (2022). تطوير الممارسات المهنية لتربية المعاقين القابلين للتعلم في ضوء أبعاد النمو المهني للمعلم. المجلة التربوية – جامعة الكويت، 50(50)، 109-152. استرجع من:
https://doi.org/10.21608/maeq.2022.113086.1065
Hassan, Mohammed, Al-Sayyid, Mohammed, & Hefny, Nour Al-Huda. (2022). Developing professional practices for the education of educable persons with disabilities in light of the dimensions of teachers’ professional growth. Educational Journal – Kuwait University, 50(50), 109-152. Retrieved from: https://doi.org/10.21608/maeq.2022.113086.1065
- الخلف، أفراح. (2025). البحث النوعي وتشكّل الهوية البحثية من منظور الباحثين في مجال تعليم الحاسب: دراسة حالة. مجلة العلوم التربوية والنفسية – جامعة القصيم، 2(18)، 1150-1180. استرجع من:
https://jeps.qu.edu.sa/index.php/jep/article/view/2838/2673
Al-Khalaf, Afrah. (2025). Qualitative research and the formation of research identity from the perspective of researchers in computer education: A case study. Journal of Educational and Psychological Sciences – Qassim University, 2(18), 1150-1180. Retrieved from: https://jeps.qu.edu.sa/index.php/jep/article/view/2838/2673
- رحاحلة، زهراء. (2025). متطلبات التعليم الدامج للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد في رياض الأطفال بمنطقة عسير. مجلة كلية التربية – جامعة سوهاج، 42(1)، 112-143. استرجع من:
https://doi.org/10.21608/edusohag.2025.387712.1723
Rahahla, Zahraa. (2025). Requirements for inclusive education for children with autism spectrum disorder in kindergartens in the Asir region. Journal of the Faculty of Education – Sohag University, 42(1), 112-143. Retrieved from: https://doi.org/10.21608/edusohag.2025.387712.1723
- السكارنة، محمد. (2020). واقع التحديات التي تواجه المعلمين في دمج الطلبة ذوي الحاجات الخاصة من وجهة نظر المعلمين أنفسهم. مجلة العلوم التربوية، 97(2)، 90-103. استرجع من:
https://search.shamaa.org/PDF/Articles/JODes/DesVol47No2Y2020/des_2020-v47-n2_082-093.pdf
Al-Sakarneh, Mohammed. (2020). The reality of the challenges facing teachers in integrating students with special needs from the teachers’ own perspectives. Journal of Educational Sciences, 97(2), 90-103. Retrieved from: https://search.shamaa.org/PDF/Articles/JODes/DesVol47No2Y2020/des_2020-v47-n2_082-093.pdf
- شاهين، راندا. (2024). برنامج تدريبي مقترح للوالدين لتنمية المهارات الحياتية لدى أطفال الروضة المدمجين. مجلة الطفولة – جامعة أسيوط، 48(1)، 115-163. استرجع من:
https://doi.org/10.21608/jchild.2024.286012.1315
Shaheen, Randa. (2024). A proposed training program for parents to develop life skills among integrated kindergarten children. Childhood Journal – Assiut University, 48(1), 115-163. Retrieved from: https://doi.org/10.21608/jchild.2024.286012.1315
- شنبور، أمل. (2013). الدمج الشامل ومفهوم التعليم للطلاب المعوقين في فصول الدمج. عالم الكتب الحديث.
Shanbour, Amal. (2013). Comprehensive Inclusion and the Concept of Education for Students with Disabilities in Inclusive Classrooms. Modern World of Books.
- الصباطي، إبراهيم، والشحات، مجدي، والعمري، أحمد. (2012). التدخل المبكر. دار الفكر العربي.
Al-Sibati, Ibrahim, Al-Shahat, Magdy, & Al-Omari, Ahmed. (2012). Early Intervention. Dar Al-Fikr Al-Arabi.
- الصقر، هاجر. (2025). تصور مقترح لدمج ذوي الاحتياجات الخاصة داخل رياض الأطفال في ضوء الخبرات والتجارب الإقليمية والعالمية. المجلة الليبية للدراسات الأكاديمية المعاصرة. استرجع من:
https://ljcas.ly/index.php/ljcas/article/view/177/209
Al-Saqr, Hajar. (2025). A proposed vision for integrating children with special needs in kindergartens in light of regional and international experiences. Libyan Journal of Contemporary Academic Studies. Retrieved from: https://ljcas.ly/index.php/ljcas/article/view/177/209
- عبد الفتاح، فاطمة. (2025). معوقات معلمات الروضة لدمج الأطفال ذوي الإعاقة العقلية البسيطة. مجلة الطفولة – جامعة القاهرة، 49(1)، 653-679. استرجع من:
https://doi.org/10.21608/jchild.2025.334676.1399
Abdel Fattah, Fatimah. (2025). Obstacles faced by kindergarten teachers in integrating children with mild intellectual disabilities. Childhood Journal – Cairo University, 49(1), 653-679. Retrieved from: https://doi.org/10.21608/jchild.2025.334676.1399
- عبد الموجود، فاطمة. (2018). آليات تطوير تربية الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة بمرحلة رياض الأطفال في ضوء الدمج التربوي. مجلة الطفولة – جامعة أسيوط، 30(2)، 609-682. استرجع من:
https://doi.org/10.21608/jchild.2018.73837
Abdel Mawjoud, Fatimah. (2018). Mechanisms for developing the education of children with special needs at the kindergarten stage in light of educational inclusion. Childhood Journal – Assiut University, 30(2), 609-682. Retrieved from: https://doi.org/10.21608/jchild.2018.73837
- أبو عرّار، منى. (2023). المشكلات الصفية التي تواجه مربيات رياض الأطفال وسبل التغلب عليها. المجلة العلمية لكلية التربية النوعية – جامعة المنوفية، 10(33)، 525-550. استرجع من:
https://molag.journals.ekb.eg/article_297156_2db97f8037d218473f59cf60b91dd3fe.pdf
Abu ‘Arrar, Muna. (2023). Classroom problems faced by kindergarten teachers and ways to overcome them. Scientific Journal of the Faculty of Specific Education – Menoufia University, 10(33), 525-550. Retrieved from: https://molag.journals.ekb.eg/article_297156_2db97f8037d218473f59cf60b91dd3fe.pdf
- العربي، إيمان. (2012). دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في مؤسسات رياض الأطفال: رؤية فلسفية. مجلة الطفولة والتربية (جامعة الإسكندرية)، 11(1)، 341-378. استرجع من:
https://journals.ekb.eg/article_250840_d6aa743360ce79ac965decf87e25f7b3.pdf
Al-Arabi, Iman. (2012). Integrating children with special needs in kindergarten institutions: A philosophical vision. Journal of Childhood and Education (Alexandria University), 11(1), 341-378. Retrieved from: https://journals.ekb.eg/article_250840_d6aa743360ce79ac965decf87e25f7b3.pdf
- عواد، فاطمة. (2024). تصور مقترح لتفعيل الدمج التعليمي لذوي الاحتياجات الخاصة في فلسطين. مجلة كلية التربية بالمنصورة، 128(3)، 672-689. استرجع من:
https://journals.ekb.eg/article_429145_f613076e04e84e6aea78da8014bf0188.pdf
Awwad, Fatimah. (2024). A proposed vision for activating the educational inclusion of persons with special needs in Palestine. Journal of the Faculty of Education, Mansoura University, 128(3), 672-689. Retrieved from: https://journals.ekb.eg/article_429145_f613076e04e84e6aea78da8014bf0188.pdf
- فايد، جمال. (2003). ذوي الاحتياجات الخاصة: مفاهيم وأرقام. مجلة رعاية وتنمية الطفولة، 1(1)، 294-304. استرجع من:
https://journals.ekb.eg/article_250155_92bd9ae3f5acbc2562d6afcc9ef4a622.pdf
Fayed, Gamal. (2003). Persons with special needs: Concepts and figures. Journal of Child Care and Development, 1(1), 294-304. Retrieved from: https://journals.ekb.eg/article_250155_92bd9ae3f5acbc2562d6afcc9ef4a622.pdf
- مبارك، سارة. (2021). الدمج التعليمي والمجتمعي للأفراد ذوي الإعاقات العقلية. المجلة العربية لعلوم الإعاقة والموهبة، 16(5)، 75-96. استرجع من:
https://jasht.journals.ekb.eg/article_161840_d5e735f928ad8069b2ed758aa8c65972.pdf
Mubarak, Sarah. (2021). Educational and social inclusion of individuals with intellectual disabilities. Arab Journal of Disability and Giftedness Sciences, 16(5), 75-96. Retrieved from: https://jasht.journals.ekb.eg/article_161840_d5e735f928ad8069b2ed758aa8c65972.pdf
- المخلوفي، محمد. (2024). البحث السردي في العلوم الاجتماعية: نظريات وتطبيقات [مراجعة كتاب]. مجلة عمران، 12(48)، 245-251.
Al-Makhloufi, Mohammed. (2024). Narrative research in the social sciences: Theories and applications [Book review]. Omran Journal, 12(48), 245-251.
- مراد، حسام. (2019). متطلبات تطوير نظام دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المدارس العادية الحكومية: رؤية مقترحة [ورقة بحثية]. مجلة كلية التربية – جامعة دمياط، 73 (عدد خاص).
Murad, Hossam. (2019). Requirements for developing the inclusion system of persons with special needs in regular public schools: A proposed vision [Research paper]. Journal of the Faculty of Education – Damietta University, 73 (Special issue).
- الودعاني، ندى. (2023). تأملات معلمات قبل الخدمة حول دمج الأطفال ذوي الإعاقة في فصول الطفولة المبكرة. المجلة التربوية بكلية التربية النوعية – جامعة المنصورة، 31(4)، 481-518. استرجع من:
https://doi.org/10.21608/ssj.2023.344682
Al-Wadaani, Nada. (2023). Preservice teachers’ reflections on the inclusion of children with disabilities in early childhood classrooms. Educational Journal of the Faculty of Specific Education – Mansoura University, 31(4), 481-518. Retrieved from: https://doi.org/10.21608/ssj.2023.344682
- الوقفي، راضي. (2014). استراتيجيات دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المدارس العادية. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية.
Al-Waqfi, Radi. (2014). Strategies for Integrating Persons with Special Needs in Regular Schools. Cairo: Anglo Egyptian Bookshop.
المراجع الانجليزية
Aalatawi, Rasha. (2023). Teachers’ perceptions of the barriers to inclusive education of kindergarten students with disabilities in Saudi Arabia. International Journal of Learning, Teaching and Educational Research, 22(2), 243-258. https://doi.org/10.26803/ijlter.22.2.19
Almalky, Hussain., & Alwahbi, Abdullah. (2023). Teachers’ perceptions of their experience with inclusive education practices in Saudi Arabia. Research in Developmental Disabilities, 140, 104584. https://doi.org/10.1016/j.ridd.2023.104584
Braun-Lewensohn, Orna. (2015). Inclusion in Israel: Coping resources and job satisfaction as explanatory factors of stress in two cultural groups. Journal of Research in Special Educational Needs, 15(1), 12-24. https://www.researchgate.net/publication/266673351_Inclusion_in_Israel_Coping_resources_and_job_satisfaction_as_explanatory_factors_of_stress_in_two_cultural_groups
Creswell, John., & Poth, Cheryl. (2018). Qualitative inquiry and research design: Choosing among five approaches (4th ed.). Sage Publications.
Danniels, Erica & Pyle, Angela. (2021). Promoting inclusion in play for students with developmental disabilities: Kindergarten teachers’ perspectives. International Journal of Inclusive Education, 25(7), 810-827. https://doi.org/10.1080/13603116.2021.1941316
Danniels, Erica & Pyle, Angela. (2022). Inclusive play-based learning: Approaches from enacting kindergarten teachers. Early Childhood Education Journal, 50(4), 659–673. https://doi.org/10.1007/s10643-022-01369-4
Moen, Torill. (2006). Reflections on the narrative research approach. International Journal of Qualitative Methods, 5(4), 56–69. https://doi.org/10.1177/160940690600500405
Moenandar, Sjoerd., Basten, Floor., Taran, Giti., Panagoulia, Ariadni., Coughlan, Gemma., & Duarte, Joana. (2024). The structured narrative interview. Narrative Inquiry, 34(2), 307–334. https://doi.org/10.1075/ni.23079.moe
Munchan, Leanne. (2020). Exploring early childhood educators’ experiences of inclusive education. Australasian Journal of Early Childhood, 45(4), 345–358. https://doi.org/10.1177/1836939120944635
Nevo. (2023, September 18). Special Education Law, 1988 (Amendment No. 7). Retrieved from https://www.nevo.co.il/law_html/law00/71999.htm
Katchergin, Ofer. (2012). What exactly is a learning disability?! Discussion on its definition and implications. Dvarim Journal, 5, 67–82. Retrieved from https://dvarim.oranim.ac.il/wp-content/uploads/2012/11/ofer-katchergin-So-what-is-this-thing-called-Learning-Disability.pdf
Symeonidou, Simoni., Loizou, Eleni & Recchia, Susan (2023). Inclusion of children with disabilities in early childhood education and care: Perspectives of practitioners. European Early Childhood Education Research Journal, 31(1), 37–55. https://doi.org/10.1080/1350293X.2022.2158632
Tan, Run., Lichtblau, Michael., Wehmeier, Carina & Werning, Rolf. (2022). Preschool teachers’ attitudes towards inclusion. European Journal of Special Needs Education, 37(2), 236–250. https://doi.org/10.1080/08856257.2021.1997480