دور الأيقونة التذكارية في تشكيل الرسالة الاتصالية للملصق المعاصر من خلال آليات المحاكاة البصرية
The Role of the Memorial Icon in Shaping the Communicative Message of the Contemporary Poster through Visual Simulation Mechanisms
شهد حكمت رشيد فخري1، أ.د. ايمان طه ياسين2
1 جامعة بغداد/كلية الفنون الجميله، العراق. بريد الكتروني: Shahad.Hekmat2304@cofarts.uobaghdad.edu.iq
2 جامعة بغداد/كلية الفنون الجميله، العراق. بريد الكتروني: tahaeman261@gmail.com
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj72/30
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/72/30
المجلد (7) العدد (2). الصفحات: 509 - 522
تاريخ الاستقبال: 2026-01-10 | تاريخ القبول: 2026-01-20 | تاريخ النشر: 2026-02-01
المستخلص: يبحث هذا العمل في كيفية توظيف الأيقونة التذكارية داخل الملصق المعاصر بوصفها مركزًا دلاليًا يصوغ الرسالة الاتصالية عبر آليات المحاكاة البصرية. اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي–التحليلي من خلال تحليل ثلاث نماذج عالمية (ملصق Hope لأوباما، ملصق برج إيفل في إعلان عطر، وملصق Freedom Now بتمثال الحرية) ضمن إطار سيميائي ومعرفي يربط بين الصورة والنص واللون. وتُظهر النتائج أن المحاكاة لا تُختزل في الاستنساخ الشكلي، بل تعمل كاستراتيجية إعادة تأويل دلالي تُعيد شحن الرمز بقيم جديدة وفق سياق الحملة (سياسي/تجاري/نقدي). كما بيّنت الدراسة تنوع أنماط المحاكاة (أسلوبية، رمزية/واقعية، نقدية ساخرة/تناقضية) وقدرتها على إنتاج دلالات متزامنة (قيمية، وطنية/تاريخية، جمالية/حداثية، تسويقية/سياسية) مع تعزيز فاعلية الإقناع واستدعاء الذاكرة الثقافية لدى المتلقي. وتخلص الدراسة إلى أن نجاح الملصق المعاصر يرتبط بتكامل الوحدات البنائية وتوجيهها للقراءة البصرية بما يحقق وضوح الرسالة وعمق أثرها.
الكلمات المفتاحية: الأيقونة التذكارية، الملصق المعاصر، المحاكاة البصرية، الرسالة الاتصالية، الدلالة السيميائية.
Abstract: This study examines how memorial icons function as central semantic anchors in shaping the communicative message of contemporary posters through visual simulation mechanisms. Adopting a descriptive–analytical approach, the research analyzes three international case studies (the Hope poster of Barack Obama, an Eiffel Tower–based perfume poster, and the Freedom Now poster featuring the Statue of Liberty) within a semiotic and cognitive framework that integrates image, text, and color. The findings demonstrate that visual simulation extends beyond mere formal replication to operate as a strategy of semantic reinterpretation, recharging icons with new meanings aligned to the communicative context (political, commercial, or critical). The study also identifies diverse simulation modes (stylistic, symbolic/realistic, and critical satirical/contradictory) and their capacity to generate simultaneous meanings (value-based, national/historical, aesthetic/modern, and marketing/political), thereby enhancing persuasive effectiveness and activating the audience’s cultural memory. The research concludes that the success of contemporary posters depends on the structural integration of design elements and their guidance of visual reading to achieve clarity of message and depth of impact.
Keywords: Memorial icon, contemporary poster, visual simulation, communicative message, semiotic meaning.
الفصل الأول/ الإطار المنهجي
1-1 مشكلة البحث: تكمن مشكلة البحث في أن فاعلية الأيقونة التذكارية داخل الملصق المعاصر لا تتوقف عند مجرد استحضارها الشكلي، بل في كيفية تطويعها عبر آليات المحاكاة لإنتاج دلالات جديدة تتوافق مع الأهداف الاتصالية المتغيرة. ومن هنا تتبلور الإشكالية في التساؤلات الآتية: كيف تساهم أنماط المحاكاة البصرية في إكساب الملصق طاقة دلالية إضافية ؟ وما هي الأبعاد (القيمية، الجمالية، والتسويقية) التي تضيفها هذه المحاكاة لرسالة الملصق؟
1-2 أهمية البحث والحاجة إليه:علمياً: إثراء المكتبة الأكاديمية في مجال التصميم الكرافيكي عبر تحليل “المحاكاة الأيقونية” كآلية اتصالية فاعلة. وثقافياً: الكشف عن دور التصميم المعاصر في استعادة الذاكرة الجمعية وإعادة إنتاج الهوية الثقافية في قوالب بصرية متجددة. أما مهنياً: تزويد المصممين بفهم أعمق لكيفية توظيف الرموز التاريخية لتعزيز قوة الرسالة الاتصالية وتأثيرها في الجمهور.
1-3 هدف البحث: يهدف البحث إلى تحليل الدور المحوري لمحاكاة الأيقونات التذكارية في تعزيز فاعلية الاتصال البصري لتصميم الملصقات، من خلال الكشف عن آلياتها الفنية ودلالاتها التأثيرية.
1-4 حدود البحث: أ- الحد الموضوعي دراسة دور محاكاة الأيقونات التذكارية في تصميم الملصقات، مع التركيز على آليات المحاكاة المختلفة وأثرها في تعزيز فاعلية الاتصال البصري.
ب. الحد الزماني: الملصقات المعاصرة المنجزه في الألفية الثالثة (من 2000 -2025) والتي وظفت الأيقونات التذكارية.
ج. الحد المكاني: أمريكا وفرنسا الملصقات التي تمثل أشهر الايقونات بالعالم
1-5 تحديد المصطلحات
الأيقونة لغوياً: كلمة “أيقونة” (Icon) مشتقة من اليونانية القديمة (eikōn) وتعني صورة أوتمثال او شبه.و “الصورةُ في كلام العرب ترد على ظاهرها وعلى معنى حقيقة الشيء وهيئته وعلى معنى صفته… وتصورت الشيء: توهمت صورته فتشكل لي… والتصاوير: التماثيل”. ( ابن منظور، 1994، ص 60).
الايقونة فلسفياً: يُعرف لالاند “الأيقونة” (Icône) من منظور سيميائي وفلسفي بأنها ” علامة تمتاز بعلاقة تشابه أو مماثلة (Analogie) مع الشيء الذي تمثله، بحيث تمتلك بعض خصائص الشيء الأصلي في ذاتها. وفي سياقها الفني والتذكاري، تصبح الأيقونة وسيطاً يربط بين الذات الرائية والموضوع المُمثَّل، مما يجعل المعنى حاضراً بالرؤية المباشرة للهيئة والشكل”.( لالاند، 2001، ص. 581 ). (لالاند، 2001، ص 581). ويعرف “بيرس”الايقونة بأنها ” العلامة التي تحيل إلى الموضوع (Object) الذي تمثله، ببساطة عن طريق امتلاكها لخصائص أو سمات تشبه خصائص ذلك الموضوع، سواء كان ذلك الموضوع موجوداً في الواقع أم لا. فهي تقوم على علاقة (المماثلة) أو (التشابه الشكلي) بين الدال والمدلول، بحيث أن رؤية الأيقونة تستدعي مباشرة صورة الأصل في الذهن”. (بيرس، 1986، ص 42 )
الايقونة التذكارية اصطلاحاً: هي علامة بصرية تختزل قيماً تاريخية ووجدانية متجذرة في الوعي الجمعي، تكتسب قوتها من تحويل الشكل المعماري أو الرمز من مادة صلبة إلى دلالة رمزية تستحضر الماضي في الحاضر وتتجاوز حدود الزمان والمكان. (قنصوة، 2005، ص112 ).
التعريف الإجرائي للمحاكاة البصرية: عنصر بصري معروف ومُتعارف عليه ثقافيًا، يُعاد توظيفه في تصميم الملصق لاستحضار دلالات تاريخية، ثقافية، أو قيمية متأصلة في الوعي الجمعي للمتلقي، بهدف تعزيز أبعاد الرسالة البصرية للملصق.
الفصل الثاني/ الإطار النظري
المبحث الأول: الملصق كوسيلة اتصال بصرية فعالة
يُعدّ الملصق، بأشكاله وتجلياته ضمن حقل التصميم الكرافيكي، من أبرز أدوات الاتصال البصري التي تجاوز كونه مجرد عنصر جمالي أو أسلوب فني، ليصبح تجسيدًا حيويًا وواقعيًا للثقافات المتنوعة في العالم المعاصر (جابر، 2018، ص 12). فالملصق، خاصة الإعلاني منه، لا يقتصر دوره على نقل المعلومات فحسب، بل يتعدى ذلك ليصبح أداة تعليمية، توعوية، مؤثرة، ومقنعة في آن واحد (البرقوقي، ب ت، ص 30).
ومن هنا يتضح أن قيمة الملصق ليست في جمالياته فقط، بل في كونه خطابًا بصريًا موجّهًا تُقاس جودته بقدرته على تحقيق هدف الاتصال. وتتحدد فاعلية هذا الاتصال بوضوح الوظيفة التركيبية للملصق ودورها في تيسير الفهم الإدراكي لبنيته التصميمية، فضلًا عن مراعاة طريقة استقبال المتلقي للرسالة وسياق تلقيها، لذلك يتطلب الأمر النظر إلى مظاهر التصميم الكرافيكي وحدودها في ضوء الأهداف والوظائف التواصلية التي يسعى الملصق إلى تحقيقها. (محمد، 2007، ص 61- 62). فـ “التركيب” هنا ليس ترتيبًا شكليًا فحسب، بل هو تنظيم مقصود للعلامات والعناصر بما يجعل القراءة ممكنة وسريعة ويحدّ من الالتباس.
ومن منظور التصميم المعرفي، تزداد أهمية الملصق لأن تلقيه غالبًا ما يحدث في ظروف انتباه مجتزأ، لذا ينبغي أن يُبنى بما يقلل الحمل المعرفي غير الضروري ويمنع “ازدحام الرسالة” عبر حذف الزوائد وتقديم المعلومات بطريقة تساعد الذاكرة العاملة على المعالجة بكفاءة. وتوضح دراسات التعلم بالوسائط المتعددة أن البشر يعالجون المادة عبر قناتين أساسيتين (بصرية/نصية) مع محدودية في سعة المعالجة، وأن التصميم الفعّال هو الذي يحدّ من الحمل الزائد ويرشد الانتباه إلى العناصر ذات الصلة بالمعنى. كما يدعم منظور “الترميز المزدوج” فكرة أن الدمج بين التمثيل النصي والتمثيل البصري يعزز الفهم والاستدعاء مقارنة بالاكتفاء بإحدى القناتين. Mayer، R. E.، & Moreno، 2003، p 43))
وبناءً على ذلك، لا يُقرأ الملصق بوصفه “حامل معلومات” فقط، بل بوصفه نظامًا دلاليًا يُنتج المعنى عبر الشيفرات البصرية؛ إذ إن عناصره البانية ليست عناصر زخرفية، بل موارد تواصلية تعمل كعلامات داخل سياق ثقافي. ويؤكد منظور الاتصال في التصميم الكرافيكي أن جوهر التصميم هو صناعة المعنى والهوية والتواصل مع الجمهور لا مجرد الزينة. كما يبيّن التحليل السيميائي للصورة الإعلانية أن الصورة في الإعلان منظومة علامات مقصودة التكوين “معدة للقراءة” بأقصى قدر من الدلالة والوضوح وفق قواعد ثقافية مشتركة. Barthes، 1977، p39-40))
وفي هذا الإطار، يبرز دور الأيقونات التذكارية والرموز الثقافية داخل الملصق بوصفها أدوات للاختزال الدلالي من جهة، وآليات لاستدعاء الذاكرة الجمعية من جهة أخرى؛ فهي تُسرّع الفهم لأنها تستحضر معاني جاهزة في ثقافة المتلقي، وتمنح الرسالة عمقًا وإيحاءً حين ترتبط بمراجع تاريخية أو اجتماعية راسخة ).. Barthes، 1977، p46-47))
ويمكن فهم أثر هذه الرموز في تعزيز الثقة بوصفه جزءًا من منطق «التراث/الهوية التراثية» في الاتصال الترويجي، إذ تُعرَّف هوية التراث بأنها بعد يقوم على السجل التاريخي وطول الامتداد والقيم الأساسية وتوظيف الرموز، مع قناعة تنظيمية بأهمية التاريخ في بناء القيمة والتموضع.( (Urde، M، 2007، p15).
وعليه، يمكن اعتبار الملصق من أبرز وسائط الاتصال البصري ضمن منظومة الاتصال الجماهيري لما يمتلكه من قدرة عالية على التأثير والإقناع عبر عناصر التصميم الفني والدلالي. وقد تطور هذا الوسيط ليصبح أكثر من أداة إعلامية أو دعائية مباشرة، بل مساحة تُنظَّم داخلها الرموز الثقافية والبصرية ويُعاد توظيفها ضمن خطاب بصري اجتماعي/ثقافي، بما يجعل الملصق منصة فعّالة لإنتاج المعنى وتداوله وفق سياقات الثقافة والهوية. Barthes، 1977، p39-54)).
المبحث الثاني الأيقونات التذكارية كوحدات بنائية في تصميم الملصق
تُعدّ الأيقونات التذكارية (الرموز الثقافية والبصرية) وحدات بنائية محورية في تصميم الملصق المعاصر، لِما تحمله من شحنات رمزية ودلالات تاريخية ووجدانية عميقة يمكن استثمارها لتعزيز الرسالة الاتصالية. فالملصق، بوصفه فضاءً بصريًا يتيح إعادة إنتاج الرموز وتدويرها داخل سياقات جديدة، يوفر بيئة خصبة لتوظيف هذه الأيقونات بما يخدم أهداف الخطاب الإعلاني أو التوعوي.
ولا يأتي توظيف الأيقونة التذكارية في الملصق باعتبارها زخرفًا أو عنصرًا بصريًا عابرًا، بل بوصفه فعلًا تصميميًا واعيًا يتم غالبًا عبر آلية المحاكاة فالمحاكاة هنا تعني إعادة إنتاج الأيقونة ضمن سياق جديد يعكس هدفًا معاصرًا، بما يمدّها بطاقة رمزية متجددة ويضاعف أثرها البصري. ويُقصد بالمحاكاة—في هذا الإطار—العملية الإبداعية التي يتم من خلالها تمثيل الأيقونة الأصلية بأسلوب بصري جديد يحافظ على مرجعيتها الرمزية، مع تحميلها بدلالات تتلاءم مع المضمون التسويقي أو الثقافي للملصق، (جابر، 2018، ص 45). ومن خلال عملية إعادة التأطير، تُعاد صياغة الرموز لتخدم «أجندة اللحظة الراهنة»، إذ لا يستعير المصمم الأيقونة كما هي، بل يعيد تشكيلها وفق مقتضيات الخطاب: فقد يختزلها، أو يحوّرها رمزيًا، أو يضيف إليها طبقات دلالية تتناسب مع المعنى الجديد. وتنبع أهمية المحاكاة هنا من كونها أداة بصرية دلالية تُفعّل الرسالة وتوجه قراءتها داخل الملصق ((Design Studies Board، 2020، p. 3.
ويمكن الإشارة—في هذا السياق—إلى ملصق فرنسي حمل شعار “Liberté، égalité، fraternité” (كما في الشكل 1)عقب أحداث باريس 2015، بوصفه مثالًا على إعادة صياغة مرجعية أيقونية/ثقافية بأسلوب كرافيكي معاصر يمزج بين المعالجة الرقمية والإيحاءات البصرية ذات الطابع الثوري، بما يحافظ على المرجعية ويعيد شحنها بمعانٍ راهنة مرتبطة بالحرية والتضامن.
وعلى نحوٍ أوسع، فإن توظيف الأيقونات التذكارية—
كالتماثيل والنُصُب والمعالم الثقافية والتاريخية—في تصميم الملصقات الإعلانية لا يُعد تكرارًا بصريًا أو استعارة شكلية فحسب، بل هو فعل تصميمي مقصود يستند إلى استراتيجية تهدف إلى استثمار حمولة هذه العناصر الرمزية في بناء خطاب بصري قادر على التأثير في المتلقي. فالأيقونة التذكارية ليست مجرد شكل مرئي، بل تمثيل رمزي مكثّف لقيم راسخة في الوعي الجمعي، ترتبط بالهوية والانتماء والحرية والكرامة والذاكرة التاريخية، ومن هنا تتجاوز فاعليتها حدود الزمان والمكان (قنصوة، 2005، ص14).
(شكل 1)
وعندما تُعاد صياغة هذه الرموز داخل سياق تصميمي جديد—كما في الملصقات المعاصرة—فإنها لا تُستنسخ استنساخًا مباشرًا، بل تُعاد محاكاتها وفق ما يُشار إليه في الدراسات البصرية والسيميائية بمصطلح المحاكاة الأيقونية، أي إعادة إنتاج الرمز بصورة تحافظ على جوهره الدلالي، لكنها تدمجه ضمن نظام بصري جديد يواكب تطور الخطاب والوسيط والجمهور المستهدف (جابر، المجلد السادس العدد الخامس ص 48). وتغدو الأيقونة، في هذه الحالة، «مركزًا دلاليًا» ينظّم القراءة ويوجه التأويل، بدل أن تبقى مجرد إحالة شكلية. ولا تنفصل هذه المحاكاة عن سياقها الثقافي والاجتماعي، إذ تُعيد بناء المعنى في ضوء التحولات المعاصرة، فتؤدي الأيقونة التذكارية وظيفة مزدوجة: تستدعي الماضي بقيمه ورموزه من جهة، وتُسهم في إنتاج معنى جديد يتماهى مع شروط الخطاب الراهن من جهة أخرى. لذلك فإن توظيف الأيقونات التذكارية في الملصق لا يُعد تجميلًا بصريًا، بل فعلًا دلاليًا يتطلب وعيًا بتاريخ الرمز ومحمولاته الثقافية، وبكيفية إعادة توظيفه دون الإخلال بمكانته الرمزية (البرقوقي، ب ت، ص 55).
المبحث الثالث آليات المحاكاة ودورها في تعزيز فاعلية الاتصال البصري
تُعدّ المحاكاة في توظيف الأيقونات التذكارية داخل الملصقات محورًا أساسًا في تعزيز فاعلية الاتصال البصري؛ إذ لا تتوقف عند حدود التقليد الشكلي، بل تمتد إلى إعادة بناء الدلالة بما يثري الرسالة البصرية ويعمّق تأثيرها في المتلقي. ويعمد المصمم إلى محاكاة الأيقونة التذكارية عبر أنماط متعددة، يمكن إجمالها على النحو الآتي:
– المحاكاة الواقعية: يقوم هذا النمط على استنساخ الأيقونة التذكارية بصريًا بصورة قريبة جدًا من هيئتها الأصلية، مع المحافظة على سماتها الشكلية والإحالات التاريخية الملازمة لها. ويشيع توظيفه في الملصقات الرسمية أو التوعوية التي تستهدف إبراز المصداقية التاريخية والقيمة الرمزية للأيقونة، بما يرسّخ دلالتها الأصلية ويحقق فهمًا مباشرًا للرسالة (جابر، المجلد السادس العدد الخامس ص49). ( كما في الشكل 2)
(شكل 2)
-المحاكاة الرمزية: في هذا النمط تُختزل الأيقونة إلى علاماتها/ملامحها الأساسية، أو يُعاد تأويلها بصريًا بحيث تتقدم القيمة المفاهيمية على المطابقة الشكلية. (كما في الشكل 3 ) ويتيح ذلك مرونة أعلى في التعبير وإيصال رسائل مجردة أو متعددة الطبقات، لأن الأيقونة تُحوَّل إلى “بنية علامة” قابلة لإنتاج معنى جديد دون فقدان قابلية التعرف عليها (Aicher، 2015، p. 90).
-المحاكاة الساخرة: تُعاد أحيانًا صياغة الأيقونة ضمن سياقات جديدة كليًا وبأسلوب ساخر/تهكّمي أو نقدي، (كما في شكل 4 ) بما يُنتج مفارقة بصرية تحفّز المتلقي على إعادة قراءة المرجع الأيقوني وتفسير الرسالة من زاوية جديدة. وتبرز فاعلية هذا النمط في لفت الانتباه وتوليد “حوار نقدي” حول الأيقونة أو الموضوع الذي تمثله
(شكل 3)
-المحاكاة الأسلوبية: يعتمد هذا النمط على إعادة تصميم الأيقونة بأسلوب بصري معاصر (مثل فن البوب، فن الشارع، أو حلول طباعية/رقمية حديثة)، بما يضفي على الأيقونة طابعًا جماليًا جديدًا ويجعلها أقرب إلى جمهور أوسع أو جمهور محدد. ويؤكد هذا المسار “مرونة الرمز” وقدرته على التكيّف مع تحولات الأسلوب والذائقة دون قطع صلته بمرجعه الأيقوني. (كما في شكل 5 ).
(شكل 4)
شكل (5)
الدلالات الناتجة عن توظيف الأيقونات التذكارية تبعًا للعلاقة السيميائية
تتعدد الدلالات الناتجة عن توظيف الأيقونات التذكارية في تصميم الملصقات تبعًا لطبيعة العلاقة السيميائية التي يبنيها التصميم بين العلامة ومرجعها (أيقونة/مؤشر/رمز)، وما يترتب عليها من اختلاف في التأويل باختلاف السياق الثقافي وطرائق القراءة البصرية (Kress، 2006،p67)
. ويمكن إيجاز أبرز هذه الدلالات بما يأتي:
- الدلالة القيمية/الحقوقية: حين تُوظَّف الأيقونات في سياقات تُبرز الحرية أو العدالة أو التضامن، فإنها تُشحن بقيم إنسانية قوية تعزّز العمق الأخلاقي للرسالة وتزيد قابلية التفاعل معها.
- الدلالة الجمالية/الحداثية: إعادة تقديم الأيقونة ضمن خطاب بصري معاصر—خاصة عبر المحاكاة الأسلوبية—يعزز جاذبية الملصق ويشير إلى أن توظيف العلامات والرموز قادر على إنتاج تأثير جمالي واضح (-Kress، G.، & van Leeuwen، T. Reading،2006،p77))
- الدلالة التسويقية/التجارية: إعادة توظيف الأيقونات بما يربط المنتج/الحملة بقيم إيجابية متجذرة في الوعي العام يمكن أن يرفع فاعلية الرسالة التسويقية؛ لأن الربط الرمزي يضيف قيمة ومصداقية.
- الدلالة الوطنية/التاريخية: عندما تُستدعى الأيقونات (المعالم الوطنية/الشخصيات التاريخية/العلم…) بوصفها علامات هوية، فإنها تنشّط معاني الانتماء والاعتزاز وتستحضر الذاكرة التاريخية داخل الخطاب البصري. ويمكن فهم أثر الرموز الراسخة في تعزيز الثقة ضمن منطق “التراث/الهوية التراثية” في الاتصال الترويجي. ( ( Urde، 2007.p.18-19
2-3-3 دور الوحدات البنائية للملصق في دعم المحاكاة وتعزيز الاتصال
إن محاكاة الأيقونات التذكارية في الملصق لا تعمل بمعزل عن بقية عناصر التصميم؛ إذ تتكامل الوحدات البنائية (المادة المكتوبة، الصور والرسوم، اللون) في دعم المحاكاة وتعزيز فاعلية الاتصال البصري:
-المادة المكتوبة (العناوين والنصوص): تُعد المادة المكتوبة عنصرًا تيبوغرافيًا جوهريًا لا يقتصر على كونه مكوّنًا لغويًا بصريًا، بل يؤدي دورًا بنيويًا في تشكيل الهيكل العام للملصق وتفعيل العلاقة بين الشكل والمضمون (جابر، المجلد السادس العدد الخامس، ص65).(كما في الشكل6) وعند محاكاة الأيقونات التذكارية، قد تكتسب المادة الكتابية طابعًا رمزيًا موازيًا يُثبت الدلالة التاريخية/الثقافية للأيقونة ويوجه قراءة المتلقي.
شكل (6)
-الصور والرسوم: يُعد التعبير بالصور والرسوم من أبرز الوسائل لنقل الأفكار والمشاعر، وتمتاز الصورة بقدرتها على تجاوز حدود اللغة المكتوبة بوصفها وسيطًا بصريًا واسع التداول (الخفاف، 2003، ص40). وفي الملصقات، تسهم صور الأيقونات التذكارية في ترسيخ الدلالة وتقليل احتمالات التأويل المتباين؛ لأنها تقدم “مرجعًا بصريًا” مباشرًا يعزز الإقناع ويعمّق الأثر الانفعالي، كما تُسهم الصورة في وظائف متعددة مثل الإقناع والمعرفة وإثارة المشاعر (قنديل، 1983، ص85).فضلاً على أنها تمتلك قدره على مخاطبة المتلقي بلغه حسيه فهي كالموسيقى لغه عالميه يدركها الجميع. (عبو، 1982،ص173).
– اللون: يُعد اللون عنصرًا دلاليًا يحمل مضامين فكرية عبر ما ينطوي عليه من طاقة كامنة، وهو من العناصر الأساسية في الإدراك الحسي ويحتل موقعًا محوريًا في تشكيل التجربة البصرية بوصفه طاقة تعبيرية ذات إمكانات جمالية عالية وأداة رمزية فعالة في التواصل البصري والثقافي. وفي تصميم الملصقات التي تُحاكي الأيقونات التذكارية، يُستثمر اللون ضمن المعالجة الفنية بما يحقق توازنًا بين الدلالة التاريخية/الرمزية والجمالية الشكلية (ياسين، 2017،ص55). (كما في الشكل 7) وعليه، لا يُنظر إلى اللون باعتباره خيارًا تجميليًا فحسب، بل بوصفه آلية دلالية تُحاكي خصائص الأيقونة وتعيد إنتاجها عبر تباينات مدروسة تُبرز هويتها الثقافية وتعمّق أثرها الإيحائي، ولا سيّما حين يقوم تمثيل الأيقونات على اختزال لوني يفرض على المصمم حلولًا دقيقة (الظل/الضوء، التباين/التضاد) لضمان السيادة والوضوح البصري للشكل.
باختصار، إن استحضار الأيقونات التذكارية عبر آليات المحاكاة في تصميم الملصق يتجاوز كونه فعلاً تقنياً للاستنساخ، ليصبح عملية إعادة صياغة دلالية ورمزية تنقل الأيقونة إلى فضاء الخطاب البصري المعاصر. وبناءً على الإدراك العميق لأنماط هذه المحاكاة وتآزرها مع العناصر البنائية للملصق، يستطيع المصمم بلوغ ذروة التأثير الاتصالي، مستثمراً الذاكرة الجمعية للمتلقي في تحويل الرمز التاريخي إلى رسالة إعلانية ذات فاعلية متجددة.
(شكل 7)
مؤشرات الاطار النظري
1- المحاكاة الأيقونية تُعد آلية تصميمية لإعادة إنتاج الرموز التاريخية والثقافية في سياق بصري جديد يخدم الهدف الاتصالي.
2- الأيقونة التذكارية تمثل وحدة بنائية دلالية داخل التصميم، تحمل شحنات رمزية وتاريخية تُوظَّف لتعزيز الرسالة الاتصالية. للملصق.المصمم لا يستنسخ الأيقونة كما هي، بل يُعيد تشكيلها وفق استراتيجية دلالية جديدة تُعزز المضمون التوعوي أو الإعلاني.
3- المحاكاة الأيقونية تُعد استراتيجية اتصالية فعالة لإعادة توظيف الرموز التاريخية ضمن سياق بصري معاصر.
4- الأيقونة التذكارية وسيلة لإنتاج خطاب بصري مزدوج: يستدعي الماضي ويعيد تأويله بما يخدم الحاضر.
5- التكامل البنائي بين العناصر البصرية (النص، الصورة، اللون) يشكل منظومة دلالية واحدة تضمن وحدة الرسالة وقوة تأثيرها في المتلقي.
6- تعدد أنماط المحاكاة يمنح المصمم حرية في التعبير ويُتيح مستويات متعددة من الفهم لدى المتلقي.
7- القيمة الرمزية للأيقونات تمثل نقطة ارتكاز في بناء الرسالة الاتصالية المؤثرة، خصوصًا في القضايا الوطنية والإنسانية.
8- تفعيل البعد الجمالي والرمزي للأيقونة يسهم في تحويل الملصق من مجرد وسيلة إعلامية إلى خطاب بصري ثقافي ذي تأثير مستمر.
9- الملصق وسيط بصري مركب يجمع بين الوظيفة الجمالية والاتصالية، ويتجاوز الإطار الزخرفي إلى أداة تأثير وإقناع.
10- المادة المكتوبة: تؤدي دورًا دلاليًا موازياً للأيقونة، تُعزز الرمزية الثقافية والتاريخية للنص البصري.
11- اللون: عنصر دلالي وجمالي يوازن بين الموروث الرمزي والتعبير المعاصر، ويُوجّه الاستجابة الإدراكية والعاطفية.
الفصل الثالث / اجراءات البحث
استخدمت الباحثتين في تحليل عينات البحث المنهج الوصفي لتحليل عينات البحث قصدية وبواقع ثلاثة عينات الملصقات المعاصرة المنجزه في الألفية الثالثة بأستخدام استمارة التحليل التي أعدتها الباحثتين بناءاً على ما خرجت به الدراسة من مؤشرات الاطار النظري، وتم عرضها على خبراء [1]* للتأكد من توافقها وملائمتها للبحث
استمارة محاور التحليل
|
تحقق نوعا ما |
غير متحقق |
تحقق |
المحاور الفرعية |
المحاور الرئيسية |
|
الأيقونة التذكارية ونمط المحاكاة |
||||
|
العنوان/المادة المكتوبة |
دور الوحدات البنائية في دعم المحاكاة والدلالات |
|||
|
اللون |
||||
|
التكوين العام |
||||
|
قيمية/حقوقية |
الدلالات الاتصالية الناتجة |
|||
|
وطنية/تاريخية |
||||
|
جمالية/حداثية |
||||
|
تسويقية/سياسية |
||||
|
فاعلية الاتصال |
تحليل عينات البحث
تحليل انموذج رقم (1)
عنوان الملصق “Hope”
سنة التصميم: 2008
اسم المصمم: شيبارد فيري (Shepard Fairey)
رابط الملصق: https://www.youm7.com/story
الملصق يُعد مثالًا بارزًا للملصقات السياسية التي وظّفت الأيقونة التذكارية ببراعة لتعزيز رسالتها. صُمم الملصق لدعم حملة باراك أوباما الرئاسية، وكان هدفه الأساسي سياسيًا، يسعى لحشد الدعم وتقديم رؤية مستقبلية مليئة بالأمل والتغيير.
الأيقونة التذكارية ونمط المحاكاة: تتمحور الأيقونة التذكارية في هذا الملصق حول صورة شخصية (بورتريه) لباراك أوباما نفسه. على الرغم من أنه لم يكن أيقونة تاريخية متجذرة قبل ظهور الملصق، إلا أن الملصق نجح بفعالية في أيقَنة صورة أوباما”، محولًا إياها إلى رمز بصري ذي دلالات وطنية وقيَمية وسياسية عميقة. لقد استلهم الملصق من صور قادة التغيير والزعماء الملهمين في التاريخ، مستحضرًا نفس الثقل الرمزي والقدرة على إلهام الجماهير، وهذا ما منحه مرجعية ضمنية قوية.
نمط المحاكاة المتبع هنا هو في المقام الأول المحاكاة الأسلوبية. لم يعمد “فيري” إلى تقديم صورة فوتوغرافية واقعية لأوباما، بل أعاد تصميمها بأسلوب فني مميز يعتمد على تبسيط الأشكال، واستخدام الألوان المسطحة (الأزرق الفاتح، الأحمر، الأبيض)، وتحديد ملامح الوجه بخطوط سميكة وجريئة. هذا الأسلوب، المستوحى من فن البوب وفن الشارع، منح صورة أوباما طابعًا عصريًا وشبابيًا وجذابًا.
دور الوحدات البنائية في دعم المحاكاة والدلالات: أتحدت الوحدات البنائية للملصق بفعالية لدعم محاكاة الأيقونة وتعزيز رسالتها:
المادة المكتوبة: تم وضع كلمة “HOPE” (الأمل) بخط عريض وكبير وواضح أسفل الصورة. هذه الكلمة لم تكن مجرد نص، بل عملت كـدال لفظي يتكامل بشكل وثيق مع الدال البصري (صورة أوباما المحاكاة)، لتثبيت الدلالة الرئيسية للملصق. لقد ربطت كلمة “الأمل” صورة أوباما بمفهوم التغيير والمستقبل الأفضل، مما عزز الرسالة السياسية للحملة وجعلها مباشرة ومؤثرة.
اللون: الاستخدام البارز للألوان الأزرق والأحمر والأبيض لم يكن عشوائيًا، بل كان محاكاة بصرية لدلالة العلم الأمريكي كأيقونة وطنية. هذا التوظيف اللوني، جنبًا إلى جنب مع أسلوب التصميم المسطح، ربط صورة أوباما بالهوية الوطنية والقيم الأمريكية الأساسية مثل الحرية والوحدة والوطنية. هذه المعالجة اللونية عززت الشعور بالانتماء والفخر، وأضفت بُعدًا وطنيًا قويًا على الملصق.
الدلالات الاتصالية الناتجة وفاعلية الاتصال: من خلال المحاكاة الأسلوبية المتقنة لصورة أوباما والتكامل المبدع مع المادة المكتوبة واللون، حقق ملصق “Hope” دلالات اتصالية قوية عززت من فاعليته بشكل استثنائي:
الدلالة القيمية/الحقوقية: جسّد الملصق قيمة “الأمل” كقيمة إنسانية شاملة، تتجاوز حدود السياسة لتلامس طموحات الناس في مستقبل أفضل، الحرية، والتغيير.
الدلالة الوطنية/التاريخية: ربط الملصق أوباما بالهوية الوطنية الأمريكية وبصور قادة تاريخيين يمثلون التحول والإصلاح في البلاد، مستغلًا الألوان الوطنية لتعميق هذا الارتباط.
الدلالة الجمالية/الحداثية: الأسلوب الفني الحديث والجريء للملصق جعله جذابًا بصريًا بشكل لافت، وسهل الانتشار والتداول، خاصة في عصر الإنترنت.
الدلالة التسويقية/التجارية (في السياق السياسي): “سوّق” الملصق لأوباما كمرشح يجسد “الأمل”، وتحول إلى أيقونة دعائية قوية ساهمت في بناء صورته وتعبئة مؤيديه، وذلك بربط حملته بقيمة مجتمعية إيجابية وجاذبة.
بناءً على ما تقدم، يمكن تقييم فاعلية الاتصال لملصق “Hope” بأنها ممتازة. لقد نجح الملصق ببراعة في جذب الانتباه، وإيصال رسالة “الأمل” بوضوح وقوة.
تحليل انموذج رقم (2)
عنوان الملصق:JADORE EAU DE PERFUME
سنة التصميم: 2011
اسم المصمم: JEAN-JACQUES ANNAUD
رابط الملصق: https://www.bing.com/images
الأيقونة التذكارية ونمط المحاكاة: في هذا الملصق، تتمحور الأيقونة التذكارية حول برج إيفل في باريس، بوصفه رمزًا معماريًا وتاريخيًا عالميًا يختزل الهوية الفرنسية، ويرمز إلى الأناقة، الجمال، والتفرد الثقافي. استُخدم البرج كخلفية بصرية داعمة، تمنح العطر هوية عابرة للمنتج لتجعله متجذرًا في الخيال الجمعي العالمي بوصفه أيقونة فرنسية بامتياز.
نمط المحاكاة المتبع هنا هو المحاكاة الرمزية، حيث لم يُعَد إنتاج صورة البرج بأسلوب فني جديد، بل قُدمت صورته الفوتوغرافية الواقعية مباشرة، ليعمل كمرجع بصري قوي يرسخ العلاقة بين المنتج (العطر) والأيقونة الفرنسية الأشهر، في حين تحاكي الزجاجة بحد ذاتها لغة الأناقة والترف، لتُستحضر في الوعي الجمعي بوصفها امتدادًا لرمزية باريس كعاصمة للموضة والعطور.
دور الوحدات البنائية في دعم المحاكاة والدلالات: الصورة: حضور برج إيفل في الخلفية هو دال أيقوني يربط العطر بمكانته الثقافية والجمالية في المخيلة العالمية.
المادة المكتوبة: النص العربي العلوي يضفي بُعدًا توصيفيًا للمنتج، جامعًا بين الطابع الشرقي (في المكونات) والطابع الفرنسي (في الهوية البصرية للأيقونة). أما اسم العطر J’adore بخطه الأنيق وكتابته الفرنسية فيحمل دلالات الحب، الترف، والتميّز.
اللون: الألوان الغالبة في التصميم (الذهبي، الوردي الفاتح، الأبيض) تعمل على تكريس أجواء الفخامة والأنوثة والرقي، متماهية مع الهوية البصرية لعطور Dior.
التوزيع البصري: وضعت الزجاجة في مركز المشهد، لتصبح نقطة التركيز الرئيسية، فيما يظهر البرج في خلفية متوازنة لتثبيت المرجعية الرمزية، مما أوجد انسجامًا بصريًا بين الأيقونة التذكارية والمنتج.
الدلالات الاتصالية الناتجة وفاعلية الاتصال: الدلالة القيمية/الحقوقية: يعبّر الملصق عن قيمة “الجمال” و”الترف” كقيم إنسانية وثقافية مشتركة، مرتبطة بحق الأفراد في التميز والتعبير عن الذات.
الدلالة الوطنية/التاريخية: حضور برج إيفل يمنح المنتج مرجعية وطنية، بوصفه رمزًا تاريخيًا وثقافيًا.
الدلالة الجمالية/الحداثية: التصميم الأنيق والألوان الفاخرة يعكس حداثة بصرية متوافقة مع الاتجاهات الجمالية المعاصرة.
الدلالة التسويقية/التجارية: استثمر الملصق الأيقونة الباريسية (برج إيفل) لتسويق العطر بوصفه ليس مجرد منتج استهلاكي، بل تجربة حسية مرتبطة بالهوية الفرنسية العالمية.
وفق ذلك نجد أن الملصق نجح في توظيف الأيقونة التذكارية (برج إيفل) كمحاكاة رمزية لترسيخ هوية المنتج، مع انسجام الوحدات البنائية كافة لتحقيق رسالة اتصالية جمالية وتجارية متكاملة.
تحليل انموذج رقم (3)
عنوان الملصق: “Freedom Now”
سنة التصميم: 2014
اسم المصمم: Anders Chupono
رابط الملصق: https://www.bing.com/images
الأيقونة التذكارية ونمط المحاكاة: الأيقونة التذكارية: الأيقونة المركزية في هذا التصميم هي تمثال الحرية (Statue of Liberty)، الذي يمثل في وعي الجمهور العالمي رمزًا للحرية، والديمقراطية.
نمط المحاكاة المتبع هو المحاكاة النقدية الساخرة/التناقضية (Critical/Contradictory Simulation). لم يقم الفنان بمحاكاة ساخرة للتمثال في شكله، بل في دلالته ووظيفته. حيث حوّل التمثال من رمز يُمثل الحرية للجميع إلى رمز مُقيد ومُقيِّد في آن واحد. المحاكاة التناقضية تكمن في وضع الأيقونة (الحرية) في سياق يناهضها بالكامل (السياج الشائك والكمامة
دور الوحدات البنائية في دعم المحاكاة والدلالات:الوحدات البنائية (التمثال المُغطى، الأقمشة الإفريقية، السياج الشائك) تعمل جميعها لدعم الدلالات النقدية. الملابس الإفريقية تحول التمثال إلى رمز للنضال العرقي، والسياج الشائك ينفي رمزية الحرية. الكولاج يدعم فكرة التصدع والتناقض في المجتمع الأمريكي.
اللون والنسجة: تم استخدام تضاد لوني ودلالي قوي. لون التمثال (الأخضر الباهت) يُمزج مع الألوان الدافئة والزاهية (الأحمر، الأصفر، الأخضر) للأقمشة الإفريقية (التي تُشير إلى الثقافة والنضال العرقي). هذا الدمج اللوني يعيد تحديد هوية التمثال، مُحوِّلاً رمز أمريكا “الرسمي” إلى رمز مرتبط بقضية الأمريكيين الأفارقة ونضالهم.
الرمزية والتناقض البصري: تتحقق الدلالات عبر التناقضات الآتية: الإسكات (الكمامة الحمراء): غطاء الفم يفرغ التمثال من “صوت” الحرية، ويشير إلى قمع حرية التعبير للبعض.
الاحتجاز (السياج الشائك): وجود الأسلاك الشائكة في الأعلى يُحيط بالتمثال، مما يُلغي دلالة “التحرر” ويستبدلها بدلالة “السجن” و”القيود” المفروضة على الحريات.
الشعارات: العبارات مثل “COFO = FREEDOM NOW” و “X ONE VOTE X” تعمل كوحدات خطابية مباشرة، تربط الأيقونة بالنضال التاريخي لحركة الحقوق المدنية وتؤكد على المطالبة بالحقوق السياسية والعدالة الفورية.
الدلالات الاتصالية الناتجة وفاعلية الاتصال: الدلالة القيمية/الحقوقية: يُمثل العمل خطابًا بصريًا يسعى لتسليط الضوء على التناقض القيمي بين مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان المعلنة في الوثائق وبين واقع غياب هذه الحقوق (الإسكات، القمع، الحرمان من حق التصويت ).
الدلالة الوطنية/التاريخية:. الملصق يستخدم رمزًا وطنيًا أمريكيًا (تمثال الحرية) ولكنه يعيد تفسيره في ضوء التاريخ المؤلم للتمييز العنصري.
الدلالة الجمالية/الحداثية: تُعطي تقنية الكولاج بعدًا جماليًا حداثيًا، هذا التوظيف يمنح العمل قوة نقدية وجاذبية بصرية مميزة.
الدلالة التسويقية/السياسية (في السياق الإعلامي): الملصق يخدم هدفًا سياسيًا نقديًا بارزًا. إنه “يسوّق” لفكرة أن أمريكا لم تحقق وعودها بالحرية للجميع. استخدام رمز مشهور عالميًا يضمن انتشار الرسالة وسهولة فهمها وتلقيها في جميع الأوساط.
النتيجة: فاعلية الاتصال نجح التصميم في إعادة توظيف الأيقونة التذكارية بشكل صادم وناقد، حيث تم تحويل تمثال الحرية إلى رمز مُقيَّد ومُكمَّم يعكس حالة القمع والحرمان. فاعلية الاتصال عالية جدًا، بفضل انسجام الوحدات البنائية (الرمزية، اللون، الشعارات).
الفصل الرابع / النتائج والاستنتاجات
نتائج البحث
1- تكتسب الايقونة التذكارية فاعليتها الاتصالية من خلال قدرتها على استدعاء المخزون القيمي والوجداني للمتلقي مما يجعلها وحدة بنائية ذات ثقل دلالي.
2- الأيقونة التذكارية ونمط المحاكاة: أظهرت الدراسة أن الأيقونة التذكارية تمثل نقطة الارتكاز الأساسية في بناء الرسالة البصرية، حيث تتحول من مجرد رمز تاريخي أو معماري إلى أداة محاكاة متعددة الوظائف (سياسية، تجارية، نقدية).
3- تنوعت أنماط المحاكاة بين: -المحاكاة الأسلوبية في انموذج (1)، حيث أُعيد إنتاج صورته ببنية لونية/فنية جديدة منحتها طابعًا أيقونيًا.
-المحاكاة الرمزية/الأيقونية في انموذج (2)، حيث استُخدم برج إيفل بصورته الواقعية لتثبيت هوية المنتج بمرجعية فرنسية.
-المحاكاة النقدية الساخرة/التناقضية في انموذج (3)، لم يقم الفنان بمحاكاة ساخرة للتمثال في شكله، بل في دلالته ووظيفته. حيث حوّل التمثال من رمز يُمثل الحرية للجميع إلى رمز مُقيد ومُقيِّد في آن واحد.
4- وجدت الباحثتين أن الوحدات البنائية (المادة المكتوبة،الصور والرسوم، اللون) لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل تتكامل لتثبيت المعنى في جميع العينات.
5- الدلالات الاتصالية الناتجة وفاعلية الاتصال
الدلالة القيمية/الحقوقية: – ملصق أوباما ركّز على قيمة “الأمل”.
– ملصق العطر ربط الجمال والترف بالحق في التميز والتعبير عن الذات.
– ملصق ” حرية الان ” كشف مفارقة بين قيم الحرية المعلنة والواقع السياسي.
الدلالة الوطنية/التاريخية:
– ملصق أوباما استحضر الهوية الوطنية الأمريكية عبر الألوان.
– ملصق العطر رسّخ هوية المنتج بالرمز الفرنسي العالمي.
– ملصق ” حرية الان ” أعاد توظيف تمثال الحرية كرمز وطني ولكنه يعيد تفسيره في ضوء التاريخ المؤلم للتمييز العنصري.
– الدلالة الجمالية/الحداثية: جاء توظيف الايقونات التذكارية لتحقق فيها جمالية وكما يلي:
– ملصق أوباما انموذج (1) تميز بالأسلوب الفني الحديث المستوحى من فن البوب.
– ملصق العطر انموذج(2) جمع بين الفخامة الجمالية والحداثة البصرية في التوزيع والألوان.
– ملصق ” حرية الان ” انموذج (3) تُعطي تقنية الكولاج بعدًا جماليًا حداثيًا وما بعد الحداثي.
الدلالة التسويقية/التجارية: – ملصق أوباما سوّق سياسيًا لشخصية المرشح عبر أيقَنة صورته.
– ملصق العطر وظف برج إيفل كأداة تسويق تجارية لترسيخ هوية المنتج عالميًا.
– ملصق ” حرية الان ” الملصق يخدم هدفًا سياسيًا نقديًا بارزًا. إنه “يسوّق” لفكرة أن أمريكا لم تحقق وعودها بالحرية للجميع..
الاستنتاجات
-للايقونة التذكارية قدرة فائقة على تجاوز وظيفتها الفنية والتاريخية لتصبح أداة اتصال ذات أبعاد متعددة (اجتماعية، سياسية، تجارية).
-الأيقونة التذكارية ليست رمزاً جامداً، بل هي كيان دلالي متجدد يعاد إنتاجه باستمرار، ما يحفظ لها فاعليتها الاتصالية على المدى الطويل.
-أوضحت الدراسة أن المحاكاة ليست نمطاً واحداً، بل تتنوع بين الأسلوبية، الرمزية المباشرة، أو النقدية الساخرة، تبعاً للغرض الاتصالي والسياق الثقافي.
-تنتج الأيقونة مستويات متباينة من الدلالات (قيمية، وطنية، جمالية، تسويقية) في وقت واحد، ما يمنحها قوة مضاعفة في التأثير والانتشار.
التوصيات
1-تعميق الدراسات البصرية: تشجيع الباحثين في كيفية تحول الرموز التاريخية إلى أدوات تواصل حديثة، لفهم آليات توظيفها الاتصالي.
2-توظيف الأيقونات: الاستفادة من قوة الأيقونات التذكارية العراقية في تعزيز الرسائل السياسية، الثقافية، والتجارية في الحملات الاتصالية.
3-التركيز على الجانب التفاعلي من خلال استثمار تقنيات الواقع المعزز (AR) والملصقات المتحركة (Motion Posters) لتمكين الأيقونة التذكارية من “سرد قصتها” بطرق أكثر تفاعلية وجذباً للجيل الجديد[2]*.
المصادر:
- ابن منظور، جمال الدين محمد بن مكرم،لسان العرب، ط3، بيروت: دار صادر، لبنان. (المجلد 14، ص 60 – لمادة آية) / (المجلد 4- لمادة صور)،1994.
- ايمان طه ياسين، الاستعارة الشكلية الدلالية في تصميم الإعلان المطبوع، (المجلد العدد 69). بغداد: مجلة الاكاديمي – جامعة بغداد، 2017.
- البرقوقي، محمد رفيق، وآخرون، فن البيع والإعلان، مكتبة الإنجلو المصرية، دار القاهرة للطباعة، ب ت.
- البرقوقي، محمد رفيق، وآخرون، فن البيع والإعلان، مكتبة الإنجلو المصرية، دار القاهرة للطباعة، ب ت.
- بيرس، تشارلز ساندرز. الأيقونة والرمز والإشارة. ترجمة: جابر عصفور، ط1، دار التنوير، بيروت، لبنان. 1986.
- جابر، ساره محمد عبد الناصر التيبوغرافيا كعنصر رئيسي في تصميم الأعلان وعلاقتها بالإختلاف الثقافي للمتلقين مجلة العمارة والفنون والعلوم الانسانية – المجلد السادس العدد الخامس، 2018
- الخفاف، مؤيد قاسم، استخدام الصورة في الصحف العراقية، وزارة الثقافة والإعلام، البحوث والدراسات، 2003.
- عبد الجبار قنديل، الإعلان بين النظرية والتطبيق،مطبعة الارشاد بغداد: 1983.
- فرج عبو، علم عناصر الفن، ج2، دار دلفين للنشر، ميلانو، 1982.
- لالاند، أندريه.. موسوعة لالاند الفلسفية. ترجمة: خليل أحمد خليل، ط2، منشورات عويدات، بيروت-باريس،المجلد الثاني، 2001.
- قنصوة، صلاح. مفاهيم الجماليات في الفن المعاصر. الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، مصر. 2005.
- محمد، نصيف جاسم: العولمة وخطابها الاتصالي في تصاميم الملصق السينمائي الاكاديمي،مجلة الاكاديمي جامعة بغداد العدد 46، 2007.
المصادر الاجنبية:
Aicher، Otto. Iconic: Icons and Pictograms in Design Today. Lars Müller Publishers، 2015- (Aicher، 2015
Barthes، R. (1977). Rhetoric of the image. In Image–Music–Text (S. Heath، Trans.، pp. 39-40).
Kress، G.، & van Leeuwen، T. (2006). Reading Images: The Grammar of Visual Design (2nd ed.). Routledge
Mayer، R. E.، & Moreno، R. (2003). Nine ways to reduce cognitive load in multimedia learning. Educational Psychologist، 38(1)، 43
T. Reading Images: The Grammar of Visual Design (2nd ed.). Routledge.2006.
Urde، M.، Greyser، S. A.، & Balmer، J. M. T. Corporate brands with a heritage. Journal of Brand Management، 15.2007
الهوامش:
-
* أ.د.مها إسماعيل الشيخلي/تصميم طباعي/ جامعة الفارابي/كليـة الفنون.
أ.م.د. حكمت رشيد فخري / تصميم طباعي /جامعة الفارابي/كلية الفنون.
م.م دينا مصطفى محمد /جامعة تكنلوجيا المعلومات والاتصالات / بغداد. ↑
-
* الواقع المعزز (AR) هو تقنية تسمح بـ إضافة عناصر رقمية تفاعلية (كالفيديو، أو الرسوم ثلاثية الأبعاد، أو الصوت) إلى العالم الحقيقي عند النظر إليه عبر كاميرا الهاتف الذكي أو جهاز لوحي. الهدف من هذا الاستثمار هو تفعيل البعد السردي والدرامي للأيقونة التذكارية. فبدلاً من أن تكون الأيقونة شيئاً “تراه”، تصبح شيئاً “تتفاعل معه” و”تسمع منه”، وهو ما يُعد لغة العرض المفضلة لدى الجيل الجديد الذي يبحث عن التجربة الغامرة والمباشرة.هذا يضمن أن يبقى الملصق التذكاري وثيق الصلة ومؤثراً في المستقبل (Davies, P. (2019). Beyond the Page: Integrating AR Technology in Graphic Design for Enhanced Engagement. The Design Journal: An International Journal for All Aspects of Design, Vol. (22), No. (5), pp. 650 – 671 ↑