التزامات المتعاقدين في عقد البيع الالكتروني
Obligations of Contracting Parties in the Electronic Sale Contract
عذراء احمد عيسى انصاف1
1 قسم القانون الخاص، كلية الحقوق والعلوم السياسية، الجامعة الإسلامية في لبنان.
بإشراف الأستاذة الدكتورة ريما فرج / دكتوراه في القانون الخاص.
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj68/45
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/68/45
المجلد (6) العدد (8). الصفحات: 788 - 799
تاريخ الاستقبال: 2025-07-07 | تاريخ القبول: 2025-07-15 | تاريخ النشر: 2025-08-01
المستخلص: تهدف هذه الدراسة إلى تحليل التزامات المتعاقدين في عقد البيع الإلكتروني في ضوء القوانين العراقية والمصرية واللبنانية، باعتبار أن هذا العقد لا يخرج عن طبيعته الرضائية القائمة على الإيجاب والقبول، لكنه يختلف في آلية انعقاده وطرق التعبير عن الإرادة عبر الوسائط الإلكترونية. تبرز أهمية البحث في ظل التطور الهائل في التجارة الإلكترونية، وما يترتب عنه من مخاطر تتعلق بسلامة المبيع، والغش، والتدليس، وصعوبة التحقق من خلو السلعة من العيوب الظاهرة أو الخفية. اعتمدت الدراسة المنهج التحليلي المقارن، من خلال تحليل النصوص القانونية ذات الصلة والاجتهادات الفقهية والقضائية في الدول الثلاث، للوصول إلى تصور أدق ينظم التزامات الأطراف. وقد تناول البحث التزامات المشتري عبر الشبكة، مثل الالتزام بالأخبار عن العيب خلال المدة المعقولة، وعدم التصرف بالمبيع قبل فحصه، وذلك وفقاً لمعايير القانون المدني وقوانين حماية المستهلك. كما استعرض التزامات البائع، ومنها الالتزام بالإعلام، والالتزام بالمطابقة مع المواصفات المتفق عليها، والاحتفاظ بوثائق الدعاية والإعلان كوسيلة لإثبات صحة الصفقة. خلصت الدراسة إلى أن القواعد العامة في القانون المدني لا تزال هي المرجع الأساسي في تنظيم هذه العقود لغياب نصوص تشريعية خاصة في بعض الدول، مع ملاحظة تفاوت النصوص بين الأنظمة المقارنة فيما يتعلق بمدد الإخطار، وحقوق المستهلك في العدول، وضمان المطابقة. وأوصت بضرورة تطوير التشريعات الإلكترونية لتواكب التطورات الرقمية، وتكريس قواعد خاصة بالعيوب الرقمية والضمانات المتعلقة بها، فضلاً عن إنشاء مراكز تدريب للتوعية بآليات التعاقد الإلكتروني والحد من النزاعات الناشئة عنه.
الكلمات المفتاحية: عقد البيع الإلكتروني، التزامات المشتري، التزامات البائع، الضمان، القانون المقارن.
Abstract: This study analyzes the obligations of the contracting parties in electronic sale contracts under Iraqi, Egyptian, and Lebanese laws. While such contracts retain their consensual nature—based on offer and acceptance—the mechanisms of formation and the expression of will differ due to electronic means of communication. The study’s significance emerges from the rapid growth of e-commerce and the attendant risks related to product conformity, fraud, misrepresentation, and the difficulty of verifying the absence of apparent or latent defects. Adopting an analytical comparative approach, the research examines relevant statutory provisions and doctrinal and judicial writings in the three jurisdictions to propose a more precise legal framework governing parties’ obligations. It addresses the buyer’s obligations online—such as notifying the seller of defects within a reasonable time and refraining from disposing of the goods before inspection—pursuant to civil-law principles and consumer-protection rules. It also sets out the seller’s obligations, including the duty to inform, the obligation of conformity with agreed specifications, and retaining advertising materials as supporting evidence of the agreed deal. The study concludes that, in the absence of comprehensive special legislation in some jurisdictions, general civil-law rules remain the primary reference for regulating these contracts. Notable divergences persist among the compared systems regarding notice periods, the consumer’s right of withdrawal, and conformity guarantees. The study recommends updating e-commerce legislation to keep pace with digital developments, establishing specific rules for digital defects and related guarantees, and creating public training programs to raise awareness of online contracting mechanisms and reduce disputes.
Keywords: Electronic sale contract, buyer’s obligations, seller’s obligations, warranty/guarantee, comparative law.
المقدمة:
إن عقد البيع الالكترونية لا يخرج عن الطبيعة الرضائية لعقد البيع على العموم، بمعنى أن كل من عقد البيع الالكتروني والتقليدي يقومان على أساس التراضي، فلابد من توافق كل من إرادة البائع والمشتري لينعقد العقد، أي لا بد من توافر الايجاب والقبول على اعتبار انهما الصورة المادية لمفهوم التراضي في عقد البيع، على أن هذا التراضي يتم عبر وسيلة الكترونية كتبادل الرسائل المسبقة أو التمهيدية، أو الفاكسات أو بالاتصال سواء كان مرئياً أم مسموعاً، بمعنى أن ألية التعبير عن التراضي في عقد البيع الالكتروني أو ألية انعقاد العقد بالمجمل تختلف وتتميز عن ألية انعقاده في عقد البيع التقليدي، والحقيقة أنه متى انعقد العقد ترتب عليه كافة أثاره القانونية التي رغب الطرفان بتحملها كلاً على قدر ما ارتضى أن يحمل من التزامات تم بيانها في العقد.
وتجدر الإشارة في معرض هذا الأمر إلى أن الفقرة الأولى من المادة الحادية عشر من قانون اليونسترال النموذجي للتجارة الالكترونية نصت على أنه :”وفي سياق تكوين العقود، ومالم يتفق الطرفان على غير ذلك يجوز استخدام وسائل البيانات للتعبير عن العرض وقبول العرض، وعند استخدام رسالة بيانات في تكوين العقد لا يفقد العقد صحته أو قابليته لمجرد استخدام رسالة بيانات لهذا الغرض”.
وحقيقةً أنه تجدر الإشارة في معرض هذا الأمر إلى أن عقد البيع الالكتروني يعد من العقود الملزمة لجانبين بمعنى أنه يرتب التزامات متبادلة على طرفي العملية العقدية، بحيث أنه يجب أن يفي كل طرف بالتزاماته التي فرضها العقد عليه للطرف الأخر.
كما لا بد من البيان أن التزامات طرفي عقد البيع الالكتروني تلعب دوراً مهماً في ترتيب المسؤولية المدنية الناجمة عن العقد على أحد طرفيه في حال أخل بالتزاماته جملةً أو ببعض منها، فضلاً عن أنها تلعب دوراً مهماً في ترتيب مسؤولية الضمان عن العيوب الخفية أو حتى العيوب الظاهرة التي تم الاتفاق على سلامة المبيع منها، فلا يمكن للمشتري على سبيل المثال أن يتعذر بقواعد الضمان للاحتجاج بها إذا كان ناكلاً عن تنفيذ الالتزامات العامة التي فرضها عليه العقد، بل لابد أن يكون قد وفى بجميع الالتزامات التي فرضها عليه العقد ورضي بها ابتداءً.
إشكالية البحث:
أمام عدتم تضمين القانون المدني العراقي نصوصاً خاصة لأحكام عقد البيع الالكتروني، وكذلك قانون حماية المستهلك رقم 1 لسنة 2010، ولا في قانون التوقيع الالكتروني والمعاملات الالكترونية رقم (78) لسنة2012، كما لم يصدر أي تشريع خاص في المنظومة القانونية العراقية يدل على وجود أحكام خاصة في عقود البيع الالكترونية، مما يستدل معه بأن القواعد العامة في القانون المدني العراقي هي التي تنظم وتحكم هذه المسألة، ومن هنا تثور إشكالية هذا البحث والتي مفادها: ما هي التزامات المتعاقدين في عقد البيع الالكتروني في القانون العراقي والمصري واللبناني؟
أهمية البحث:
تبرز أهمية هذه الدراسة التي تتناول التزامات المتعاقدين في المبيع في العقود الالكترونية من ارتباط موضوعها بالعقود بشكل عام، هذا من ناحية، وكذلك ارتباط موضوعها بالعقود الالكترونية بوجه خاص، من ناحية أخرى، خاصة بعد التطور الهائل في هذا المجال، والانفتاح الاقتصادي وتطور وسائل التعاقد، بحيث أصبحت في جانب كبير منها وسائل الكترونية وعن بعد، مما يعرض المستهلك لاحتمال أن يبرم عقداً الكترونياً يستلم بناءً عليه سلعة معيبةـ أو قد يتعرض إلى الغش والتدليس، حيث أن الشاري في هذا العقد لا يحتك مباشرةً بالسلعة المباعة، وهذا يمكن أن يؤثر على ضمان العيوب الخفية في محل عقد البيع، ويجعل من الصعوبة بمكان التحقق من حالته الفعلية ومدة مطابقته مع الوصف والشروط التي تم الاتفاق عليها في العقد.
منهجية البحث: يتبع هذا البحث المنهج التحليلي، بُغية تحليل النصوص القانونية ذات الصلة بموضوع الدراسة، فضلاً عن اتباع المنهج المقارن، وذلك لضرورة الاطلاع على النصوص القانونية والاجتهاد القضائي والفقهي ذات الصلة في كل من العراق ولبنان ومصر، ومقارنتها للوصل إلى التصور القانوني الأدق الذي ينظم التزامات المتعاقدين في عقد البيع الالكتروني.
تقسيم البحث: نتناول هذا البحث من خلال البحث في التزامات المتعاقدين في عقد البيع الالكتروني في مطلبين، بحيث نبحث في التزامات المشتري عبر الشبكة في ضمان العيب في المطلب الأول، ونبحث التزامات البائع عبر الشبكة في ضمان العيب في المطلب الثاني.
المطلب الأول
التزامات المشتري عبر الشبكة في ضمان العيب
يقع على عاتق المشتري في عقد البيع على العموم وكذا الحال بالنسبة لعقد البيع الالكتروني جملة من الالتزامات على العموم ولعل من أهم هذه الالتزامات وأبرزها هو الالتزام بدفع الثمن، والحقيقة أن دفع الثمن في إطار عقد البيع الالكتروني يتم عبر وسائل حديثة تقوم على أساس التعامل عبر الشبكة المعلوماتية، ولعل أبرز وسائل الدفع هي البطاقات الائتمانية أو التحويلات المصرفية أو الشيكات الالكترونية، وعلى العموم فإن مدار بحثنا في هذا الموضوع يقوم على أساس تلك النوع من الالتزامات التي تقوم على أساس ضمان العيب، بمعنى أن الالتزامات العامة التي يفرضها عقد البيع بالمجمل ليست مدار بحث، ولذلك ومن هذا المنطلق فإنه يقع على عاتق المشتري العديد من الالتزامات التي تتيح له المطالبة بالضمان، ولابد من البيان أن التزامات المشتري في هذا الإطار تندرج تحت متطلبات أثبات العيب الرقمي، وهي في الوقت ذاته من الالتزامات التي يجب على المشتري القيام بها لتفعيل قواعد الضمان([1]).
ويمكن أن نبين الالتزامات التي تقع على المشتري في هذا الإطار من خلال فرعين وعلى الشكل الآتي:
الفرع الأول
التزام المشتري بالأخبار
من أهم الاشكاليات التي تعترض أثبات العيوب الالكترونية في عقد البيع تقوم على أساس انعدام المعاينة المباشرة للمبيع على أساس أن التعاقد عبر شبكة الانترنت يقوم بين غائبين، وتوصلنا إلى نتيجة مفادها أن يتوجب على المشتري فحص المبيع فور تسلمه لبيان مطابقته للمواصفات المتفق عليها من جهة، ولبيان سلامته من العيوب الخفية من جهة أخرى، وعليه فإنه تجدر الإشارة في معرض هذا الأمر بأنه يقع على المشتري التزام يقوم بإبلاغ البائع أو إخطاره بالعيب الالكتروني وعدم مطابقته للمواصفات الفنية أو الالكترونية فور تسلم المبيع وفحصه ([2]).
ويعرف الأخطار من الناحية الفقهية على انه :”عمل إجرائي ينقل إلى البائع شكوى المشتري وتذمره من أن المبيع يحتوي على عيب معين يجعله غير مطابق للمنفعة المرجوة منه، وهو غالباً ما يكون مقدمة لدعوى قضائية، والغاية الأساسية منه هو تجنب تفسير سكوته قبولاً بالمبيع على علاته”([3]).
وذهب البعض الأخر إلى تعريفه على أنه :”عمل إجرائي يقصد به الإخطار عن العيوب الموجودة في المبيع”([4]).
وعلى هذا الأساس المتقدم يمكن القول أن الإخطار عبارة عن إعلام المشتري للبائع بالعيوب او العيب الخفي الموجود في المبيع، وهو على هذه الحالة يعد إجراءً من الإجراءات التهديدية التي تهدف إلى إجبار البائع على تعويض المتعاقد عن هذا العيب أو استبدال السلعة بسلعة أخرى غير معيبة تحت طائلة التقدم بدعوى قضائية بمواجهة البائع تهدف للمطالبة بتفعيل قواعد الضمان، وبذلك يحقق الإخبار فائدتين تتمثل الأولى بإعلان المشتري عدم رضاه بالمبيع على الحالة التي يوجد فيها والعيب فيه، والثانية عدم بقاء البائع مدة طويلة من الزمن جاهلاً لعدم رضا المشتري عن الصفقة من جراء هذا العيب([5]).
وعلى هذا الأساس المتقدم فإنه يمكن أن يقوم الأخبار عن العيب في إطار التعاقد الالكتروني عبر وسيلة من وسائل الاتصال الحديثة كرسائل البيانات أو الأيميل أو الاتصالات بأنواعها سواء كانت مرئية أو مسموعة أو فاكس أو تلكس، على أنه يشترط في الأعلام في مثل هذه الحالة الشروط التي يتطلبها الدليل الالكتروني لاستخدامه كوسيلة من وسائل الأثبات بدعوى الضمان، كالتوثيق وإمكانية الحفظ والاسترجاع والتوقيع، وغيرها من الشروط الأخرى التي سبق لنا أن بينها في الباب الأول من هذا البحث.
كما تجدر الإشارة في معرض هذا الأمر إلى وجوب التمييز بين الإعلام والإنذار، حيث أن الإعلام يتحقق بمجرد الأخبار سواء كان هذا الأخبار بصفة شخصية أم بوسيلة رسمية على خلاف الإنذار الذي يتطلب أن يكون عبر الجهات الرسمية المخصصة لمثل هذا الغرض، ومن جهة أخرى فإن الإنذار يعد مرحلة ثانية يأتي بعد الإعلام بحيث أنه يتضمن أخباراً وتهديداً للبائع بأنه لم يقم بالتزامه ويعطيه مهلة محددة لتنفيذ التزامه على النحو المبين في التعاقد تحت طائلة اعتباره ناكلاً عن تنفيذ التزامه الأمر الذي يمكن أن يصل للانتقال من التقدم بدعوى ضمان للتقدم بدعوى فسخ التعاقد مع التعويض.([6])
وتجدر الإشارة في معرض هذا الأمر إلى أنه يثور تساؤل في معرض هذا الأمر مفاده ما هي المدة التي يجب فيها على المشتري أخطار البائع بالعيب، للإجابة على هذا التساؤل نبين الأمر في كل من الدول محل المقارنة على الشكل الأتي :
1ـ الوضع في التشريع العراقي : نصت الفقرة الرابعة من المادة الثامنة عشر من قانون التوقيع الالكتروني العراقي على أنه :”يعد قيام المرسل أليه بإشعار الموقع بالتسلم دليلاً على أن مضمون المستند المتسلم مطابقاً لمضمون المستند الذي ارسله الموقع مالم يثبت خلاف ذلك”.([7])
ومن خلال هذا النص المتقدم يتبين لنا أن المشرع العراقي نص على وجوب الإعلام في إطار التعاقدات الالكترونية، لا بل أنه جعل من الأعلام بمثابة بيان للمطابقة إلا أنه بيان مبدئي متوقف على الفحص، إلا أن المشرع العراقي لم يبين مهلة الاعلام أو النتائج المترتبة علية في قانون التوقيع الالكتروني الأمر الذي يتطلب معه الرجوع للقواعد العامة في القانون المدني وقانون حماية المستهلك.
والحقيقة أنه وبالرجوع لقانون حماية المستهلك في العراق رقم 1 لعام 2010 لم نجد نصاً يبين وجوب قيام المستهلك أو المشتري بإخطار البائع أو المجهز أو المعلن بالعيب الخفي في السلعة ضمن أي مدة من المدد الأمر الذي يتطلب مع العودة للقواعد العامة في القانون المدني.([8])
وتجدر الإشارة في معرض هذا الأمر إلى أن المادة 560 من القانون المدني العراقي نصت على أنه :”إذا تسلم المشتري المبيع وجب عليه التحقق من حالته بمجرد تمكنه من ذلك وفقاً للمألوف في التعامل، فإذا كشف عيباً يضمنه البائع وجب عليه أن يبادر بإخباره عنه، فإن أهمل في شيء من ذلك أعتبر قابلاً للمبيع”.([9])
وحقيقةً يتضح لنا من النص المتقدم أن المشرع العراقي نص في القانون المدني على وجوب الأخبار وذلك بالنسبة للعيوب التي يمكن الكشف عنها بنفسه على وفق معيار الرجل المعتاد، وبالمقابل نص الفقرة الثانية من ذات المادة المتقدمة وفيما يتعلق بالعيوب التي تتطلب فحصاً تقنياً خاصاً على أنه :”أما إذا كان العيب مما لا يمكن الكشف عنه بالفحص المعتاد ثم كشفه المشتري وجب عليه أن يخبر به البائع عند ظهوره وألا اعتبر قابلاً للمبيع”.([10])
وعليه يتبين لنا مما تقدم أن المشرع العراقي لم يمنح المشتري أجلاً لإعلام البائع بالعيب مهما كان نوعه ما دام أنه يدخل في الضمان، بل يتوجب عليه أن يبادر إلى أعلام المشتري بالعيب فور كشفه تحت طائلة اسقاط الضمان واعتبار المشتري قابلاً بالمبيع على عيبه.
2ـ الوضع في التشريع المصري: حقيقةً إن قانون التوقيع الالكتروني المصري رقم 15 لعام 2004 يخلو من أي نص تشريعي حول التزام المشتري بإخطار البائع بالعيوب التي تظهر بالمبيع بعد استلامه وتفحصه على خلاف واقع الحال في التشريع العراقي، أما بخصوص قانون حماية المستهلك المصري رقم 181 لعام 2018 فتجدر الإشارة إلى أن المشرع المصري لم ينص فيه صراحة على وجوب اخطار المشتري للبائع بالعيب الموجود في السلعة وإنما منحه حق العدول عن العقد خلال مدة أربعة عشر يوماً من تاريخ استلامه السلعة بشروط محددة، وعلى الرغم من أن المشرع المصري لم ينص على حق المستهلك بالعدول في الحالات التي تكون السلعة معابة بعيب موجب للضمان، إلا أنه تجدر الإشارة إلى أن المشرع المصري حصر الحالات التي لا يحق للمستهلك فيها العدول وليست من بينها تلك المتعلقة بالعيوب الخفية ([11]).
وعليه فقد نصت المادة 40 من قانون حماية المستهلك على أنه :”مع عدم الاخلال بأي ضمانات أو شروط قانونية أو اتفاقية أفضل للمستهلك، يحق للمستهلك الذي يتعاقد عن بعد الرجوع عن العقد خلال أربعة عشر يوماَ من استلامه السلعة، وفي هذه الحالة يلتزم المورد برد المبلغ المدفع من المستهلك بذات طريقة دفعه، مالم يتفق على طريقة أخرى للرد، وذلك خلال مدة لا تتجاوز سبعة أيام من تاريخ أعادة المنتج بالنسبة للسلع، أو من تاريخ التعاقد بالنسبة للخدمات،ويتحمل المستهلك الشحن وإعادة المنتج مالم ينص العقد على غير ذلك”.([12])
والحقيقة أنه يتضح من خلال النص المتقدم أنه يجب على المشتري أن يبلغ البائع بسبب رد السلعة أو الرجوع عن التعاقد سواء كان ذلك بسبب عيب من العيوب الخفية أو لأي سبب أخر، فعلى الرغم من أن المشرع المصري لم ينص على ذلك صراحة إلا أن النص يفهم منه ذلك، وعلى العموم فإن المشرع المصري نص على وجوب الاخطار في المادة 449 من القانون المدني المصري حيث نص على أنه :”إذا تسلم المشتري المبيع وجب عليه التحقق من حالته بمجرد أن يتمكن من ذلك، وفقاً للمألوف في التعامل فإذا كشف عيباً يضمنه البائع وجب عليه أن يخطره خلال مدة معقولة، فإذا لم يفعل أعتبر قابلاً للمبيع، أما إذا كان العيب مما لا يمكن الكشف عنه بالفحص المعتاد ثم كشفه المشتري وجب عليه أن يخطر البائع بمجرد ظهوره، وإلا اعتبر قابلاً للمبيع بما فيه من عيب”.([13])
3ـ الوضع في التشريع اللبناني : حقيقةً أنه على الرغم من أن قانون المعاملات الالكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي اللبناني رقم 81 لعام 2018 يتصف بالدقة والشمولية بحيث أنه يعد من القوانين المتطورة والحديثة بالنسبة للوضع السائد في العراق ومصر، إلا أنه لم يتضمن بيان التزامات المشتري عبر الانترنت ومنها وجوب اعلام البائع بالعيب الذي تم كشفه في السلعة الالكترونية أو محل البيع على العموم، إلا أن القانون ذاته ساير المشرع المصري عندما نص على تعديل نص المادة 55 من قانون حماية المستهلك رقم 659 لعام 2005 من منح المشتري حق العدول، وهو ما يفهم منه وجوب الاعلام كما بينا سابقاً، وقد نص هذا التعديل على أنه :”خلافاً لأي نص يجوز للمستهلك الذي يتعاقد وفق أحكام هذا الفصل العدول عن قراره بشراء السلعة أو استئجارها أو الاستفادة من الخدمة خلال مهلة عشرة أيام تسري اعتباراَ أما من تاريخ التعاقد فيما يتعلق بالخدمات أو من تاريخ التسليم فيما يتعلق بالسلع، إلا أنه في حال الاتفاق على مدة أطول في العقد فتعتمد عندئذ المدة المحددة في العقد، إلا أنه لا يجوز ممارسة الحق المنصوص عليه في الفقرة السابقة في الحالات التالية :”
- إذا استفاد من الخدمة أو استعمل السلعة قبل انقضاء مهلة العشر أيام .
- إذا كان العقد يتناول سلعاً صنعت بناءً لطلبه أو وفقاً لموصفات حددها.
- إذا كان العقد يتناول أشرطة فيديو أو أسطوانات أو أقراص مدمجة في حال جرى إزالة غلافها .
- إذا كان العقد يتناول شراء الصحف والمجلات والمنشورات.
- إذا ظهر عيب في السلعة جراء سوء حيازتها من قبل المستهلك.
- إذا تضمن العقد خدمات إيواء أو إطعام أو ترفيه تقدم في تاريخ معين أو بصورة دورية محددة.
- إذا كان العقد يتناول شراء خدمة برامج انترنت إلا في حال عدم حصول التشغيل أو التحميل”.([14])
الفرع الثاني
التزام المشتري بعدم التصرف بالمبيع
التزام المشتري بعدم التصرف بالمبيع بعد اطلاعه على عيب فيه : يقوم التصرف بالمبيع على أساس قيام المشتري بترتيب حق عيني على المبيع للغير أما بالبيع أو الرهن أو غيرها من الحقوق العينية الأصلية أو التبعية، بحيث ينتقل المبيع من يد المشتري إلى يد الغير، والحقيقة أن التصرف بالمبيع يعد من مسقطات الضمان إلا أنه يجب التمييز بين فرضين في هذه الحالة([15]):
الفرض الأول : يقوم على أساس تصرف المشتري بالمبيع بعد اطلاعه على العيب الموجود فيه، والحقيقة أنه في مثل هذه الحالة يعد قبولاً منه بالمبيع على العيب الموجود فيه ولا يحق له الرجوع بالضمان على البائع لإن اطلاعه على المبيع وتصرفه به يعد قبولاً لهذا العيب
الفرض الثاني : يقوم على أساس تصرف المشتري بالمبيع قبل اطلاعه على العيب الموجود به، أي قبل كشف العيب، الحقيقة أنه في هذه الحالة يحق للمشتري الرجوع على البائع بالعيب لأنه لم يطلع على العيب، فلا يعد هذا التصرف من قبيل القبول، والحقيقة أن مثل هذه الحالة تحدث في الحالة التي يقوم بها الوسطاء بالشراء لمصلحة الغير، فيقوم الوسيط بالشراء لمصلحته الخاصة ثم يقوم بشحن البضائع للمشتري الثالث الأصلي، الذي لا تكون بينه وبين البائع الأصلي علاقة مباشرة بل عن طريق الوسيط، ففي مثل هذه الحالة يحق للمشتري الرجوع بالضمان على الوسيط والذي يحق له بدوره الرجوع على البائع الأصلي بالعيب، والحقيقة أن هذا الرجوع يجب أن يتم خلال المدة القانونية التي حددها المشرع بعد فحص المبيع، وهي على الغالب تكون المدة المألوفة في العرف التجاري لأن المشرع العراقي والمصري واللبناني لم يحدد هذه المدة كما بينا أعلاه.
المطلب الثاني
التزامات البائع عبر الشبكة في ضمان العيب
يقع على عاتق البائع في مجال ضمان العيوب بالبيع عبر الشبكة أو باي وسيلة من وسائل الاتصال الحديثة عدة التزامات، وتهدف هذه الالتزامات إلى ضمان العيب، والحقيقة أن مثل هذه الالتزامات إذا قام بها البائع يمكنه أن يتحلل من الضمان بحيث أنها تعد وسيلة من وسائل الإثبات التي يمكن للبائع التعذر بها للتحلل من ضمان العيوب التي يطلب المشتري ضمانها، ويمكن أن نبينها على الشكل الآتي:
الفرع الأول
التزام البائع بالإعلام
يقصد بالإعلام في هذا الإطار :”أنه التزام المنتج او المهني بوضع المستهلك في مأمن ضد مخاطر المنتج المسلم له سواء أكانت سلعة أو خدمة وهو ما يتطلب أن يبين المنتج أو المهني للمستهلك كل المخاطر التي تكون مرتبطة بالملكية العادية للشيء المسلم له”([16]).
والحقيقة أن الالتزام بالإعلام يعد من الالتزامات الهامة القائمة على أساس تحقيق هدف ناجم عن أسباب واقعية فرضت تشريعه، ولعل أهم الأسباب التي فرض الالتزام بالإعلام على المنتج أو المستهلك تقوم على أساس([17]) :
- تحقيق نوع من المساواة بين المشتري والبائع على أساس أن البائع يملك خبرة وتفوق كبير حول السلعة محل البيع أو سيلة التعاقد لا يملكها المشتري في غالب الأحيان، وعلى الخصوص في إطار التعاقدات الالكترونية .
- حماية المشتري من التعاقد اللاواعي القائم على أساس استخدام أساليب أعلانية ودعائية تدفع للشراء والتعاقد دون التركيز أو الاهتمام بالأمور الجوهرية التي تتطلبها في العادة التعاقدات التجارية.
- تقليص حجم المعلومات المقدمة للمشتري في إطار التعاقدات الالكترونية على اعتبار أن المعلومات المقدمة بالوسائل التقنية الحديثة لها طابع وقتي.
وعلى هذا الأساس المتقدم يقع التزام على عاتق البائع بأن يقدم للمشتري المعلومات المهمة والضرورية التي تمكنه من استخدام المنتج للغاية المخصصة له دون فشل أو قصور، والحقيقة أن هذا الالتزام أشد ما يكون في المنتجات الخطرة التي تتطلب طرق وإرشادات معينة لاستخدامها لتلافي أضرارها، وفي المنتجات التقنية والالكترونية الحديثة التي يجهل العامة طرق والية استخدامها، ومن الجدير بالذكر في معرض هذا الأمر إلى أن الالتزام بالإعلام لا يفرضه القانون فقط، وإنما تفرضه أيضاً القواعد العامة للأخلاق التي توجب حماية الطرف الضعيف في العقد، والحقيقة أن هذا القول فيه وجاهه حيث ان ما يبرره مبدأ حسن النية الذي يحكم تنفيذ سائر العقود والذي يفرضه على كلا المتعاقدين الصدق والأمانة نحو المتعاقد الأخر([18]).
وتجدر الإشارة في معرض هذا الأمر إلى أن الالتزام بالإعلام لا يشمل مرحلة إبرام العقد وتنفيذه بل أنه يشمل مرحلة المفاوضات أيضاً، كما أن الالتزام بالإعلام لا يقع على التعاقدات التي تقع على السلع بل أنه يطال التعاقدات التي تقع على الخدمات أيضاً، وهو لا يقتصر على الشروط المتعلقة بالتعاقد بل إنه على البائع أن يعطي المشتري المعلومات المفيدة عن استعمال المبيع وبيان أوجه الخطر فيه، وعلى هذا الأساس ذهب البعض إلى أنه يشترط في الالتزام بالإعلام توافر شرطين : أما الأول فهو : أن يكون أحد العاقدين مهنياً متخصصاً وهو الذي يقع على عاتقه الالتزام بالإعلام، وأن يكون العاقد الأخر المشتري أو المستهلك جاهلاً، أما الشرط الثاني : فيشترط أن تكون البيانات أو المعلومات محل الاعلام مؤثرة في رضا المستهلك أو المشتري على التعاقد([19]).
وتجدر الإشارة في معرض هذا الأمر إلى أن المشرع اللبناني نص على ذلك في قانون المعاملات الالكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي، حيث نصت المادة 33 منه على أنه :”على كل من يعرض بحكم مهنته سلعاً أو خدمات بوسيلة الكترونية أن يضمن العرض ما يأتي :
- المراحل الواجب اتباعها لإبرام العقد بالوسيلة الالكترونية
- شروط العقد بطريقة تسمح بالمحافظة عليها وبإعادة نسخها
- الوسائل التقنية التي تسمح لمتلقي العرض بالتحقق من الأخطاء المرتكبة لدى استعمال الوسائل الالكترونية وبتصحيحها قبل الموافقة النهائية التي تؤدي إلى إبرام العقد.
- مدى التزام مقدم العرض بالمحافظة على الأثار الالكترونية للمفاوضة وللعقد المبرم وفي حال وجود هكذا التزام تحديد مدة هذا الالتزام وكيفية المحافظة على الأثار الالكترونية وشروط الولوج إلى المستندات المحفوظة
- لغة العقد المعتمدة”.([20])
وعلى التوازي من ذلك نص قانون حماية المستهلك المصري على أنه :”يلتزم المورد قبل إبرام العقد عن بعد بأن يمد المستهلك بشكل جلي وصريح بالمعلومات والبيانات التي تمكنه من اتخاذ قراره بالتعاقد وعلى الأخص ما يأتي:
- بيانات المورد وتشمل الاسم والعنوان ورقم الهاتف والبريد الالكتروني إن وجد ورقم السجل التجاري والبطاقة الضريبية وما إذا كان المورد منتمياً لمهنه منظمة قانوناً وصفته المهنية وأسم الهيئة أو التنظيم المهني المسجل أو المقيد فيه بالإضافة إلى أي معلومات تتيح التعرف على المصنع أو المستورد بحسب الأحوال.
- بيانات المنتج محل العرض بما فيها مصدره وصفاته وخصائصه الجوهرية وكيفية استعماله والمخاطر التي قد تنتج عن هذا الاستعمال إن وجدت
- ثمن المنتج وجميع المبالغ التي قد تضاف إلى الثمن وعلى الأخص الرسوم والضرائب ومصاريف الشحن.
- مدة العرض، والضمان الذي يقدمه المورد، والخدمات التي يقدمها بعد التعاقد، ومدة العرض الذي يتناول خدمات تقدم بشكل دوري، تاريخ التسليم ومكانه والمصاريف عند التسليم، وأحكام الرجوع في العقد وخاصة المدة التي يجوز خلالها للمستهلك الرجوع فيه،وبيانات مركز الصيانة وأسلوب إجراء الصيانة للسلع التي حددها هذا القانون، بيانات التعاقد التي سترسل إلى المستهلك في حال إتمام عملية التعاقد، وأي بيانات أخرى تكفل حقوق المستهلك وتحددها اللائحة التنفيذية لهذا القانون”.([21])
وعلى التوازي من ذلك كرس المشرع العراقي التزام البائع بالإعلام إلا أنه كرسها كحقوق من حقوق المشتري أو المستهلك في قانون حماية المستهلك العراقي حيث نصت المادة السادسة منه الفقرة الأولى على أنه :”للمستهلك الحق في الحصول على ما يأتي :
- جميع المعلومات المتعلقة بحماية حقوقه ومصالحه المشروعة .
- المعلومات الكاملة عن مواصفات السلع والتعرف على الطرق السليمة لاستعمالها أو لكيفية تلقي الخدمة بالشكل واللغة الرسمية المعتمدة
- ما يثبت شراؤه أي سلعه أو تلقيه أي خدمة مبيناً فيها قيمة وتاريخ ومواصفات السلعة وعددها وكميتها ونوعها وسعرها.
- الضمانات للسلع التي تستوجب طبيتها مثل هذا الضمان وللمدة التي يتم الاتفاق عليها مع المجهز دون تحميلها نفقات إضافية”.([22])
الفرع الثاني
الالتزام بالمطابقة
يقصد بالمطابقة في معرض هذا الأمر أن يطابق المبيع المواصفات التي تم الاتفاق عليها في العقد أو أن يطابق المواصفات التي طلبها المشتري سلفاً في المبيع، بحيث أن هذا الالتزام يقع على عاتق البائع كونه هو المسؤول عن السلعة ومالكها وهو الذي يعرف مواصفاتها، حيث أنه في حال أقر البائع بتوافر مواصفات معينة في المبيع ومن ثم بعد ان فحصه المشتري بعد التسليم تبين خلوه من هذه المواصفات فإن المبيع يكون غير مطابق للشروط المتفق عليها سلفاً، ويسأل البائع عن ضمان عدم المطابقة، وعلى هذا الأساس المتقدم يعرف ضمان المطابقة على أنه :”ضمان يلتزم بموجبه البائع بتسليم المشتري مبيع مطابق للمواصفات المتفق عليها في العقد، أو تلك المواصفات التي تطلب المشتري توافرها في المبيع على وجه الخصوص” ([23])
وعلى التوازي من ذلك تعرف عدم المطابقة على انها :”تسليم مبيع لا يتطابق مع المعقود عليه”، أو هي :”الاختلاف بين الشيء المتفق عليه في العقد وبين الشيء المسلم للمشتري”، وعرفت من زاوية أخرى على أنها :”عدم صلاحية المبيع للاستعمال حسب طبيعة المبيع أو العقد أو الغرض المعد له المبيع”، وعرفها أخرون على أنها :”ألا تتوافر في المبيع الصفات التي تم الاتفاق عليها صراحةً أو ضمناً، أو تلك الصفات التي كان يتوقع المشتري توافرها في المعقود عليه”([24]).
ومن خلال ما تقدم يلاحظ وجود اختلاف بين كل من تعريف المطابقة وتعريف عدم المطابقة، حيث أن تعريف المطابقة جاء قاصراً على الشروط التي اشترط المشتري توافرها في العقد، أما تعريف عدم المطابقة امتد ليشمل عدم صلاحية المبيع للاستعمال على النحو المعد من أجله، فضلاً عن تخلف الصفات التي كان يتوقع المشتري توافرها في المبيع، وعلى هذا الأساس فإننا نرى صلاحية تعريف عدم المطابقة ليشمل ضمان العيب الخفي أكثر من تعريف المطابقة، على أساس أنه لا يمكن حصر مفهوم المطابقة بتخلف الشروط العقدية لمتفق عليها في المبيع فقط، تأسيساً على أن توافر هذه الشروط مع عدم صلاحية المبيع للاستعمال المعد لأجله يحقق مفهوم العيب الخفي ومفهوم اخلال البائع بالتزامه بالمطابقة.
وعلى هذا الأساس المتقدم يستنتج أن ضمان المطابقة من الالتزامات التي تقع على البائع القائمة على أساس تحقيق نتيجة وليس بذل عناية، تأسيساً على ان المواصفات التي تطلب المشتري وجودها في المبيع تعد سبباً من الأسباب الدافعة للتعاقد، فلو تخلفت هذه المواصفات التي طلبها المشتري لما كان قد أقدم على التعاقد، فضلاً عما تقدم فإن المواصفات التي يتطلبها المشتري في المبيع تعد من المواضيع الشخصية المتعلقة بالمشتري ذاته، وعلى هذا الأساس فيمكن للمشتري أن يتعسف في استعمال هذا الحق للحصول على الضمان، ولذلك لابد من وجود معيار محدد يقوم على أساسه مفهوم المطابقة، والحقيقة أن أفضل المعايير في معرض هذا الأمر هو العقد ذاته على وفق الشروط الواردة فيه، فضلاً عن الأعمال التمهيدية والمفاوضات التي سبقت العقد، وفي حال قصور هذا المعيار يجب أن يقرر مفهوم المطابقة من عدمه القاضي على وفق سلطته التقديرية.([25])
وتجدر الإشارة في معرض هذا الأمر إلى أن المشرع المصري أخذ بمفهوم المطابقة حيث نصت المادة 20 من قانون حماية المستهلك على أنه :”يضمن المورد جودة المنتج محل التعاقد وسلامته طوال فترة الضمان، كما يضمن توافر المواصفات التي تم التعاقد عليها”.([26])
وتجدر الإشارة في معرض هذا الأمر إلى أن المشرع اللبناني نص على المطابقة كحق من حقوق المستهلك في قانون حماية المستهلك رقم 659 لعام 2005، حيث نصت المادة الثالثة منه على أنه :”يتمتع المستهلك بالحقوق الأتية التي يمارسها وفقاً لأحكام هذا القانون :…. الحق في استبدال السلعة أو اصلاحها أو استرداد ثمنها، وكذلك استرداد المبالغ التي يكون قد سددها لقاء خدمة في حال عدم مطابقتها لدى استعمالها بشكل سليم سواء للمواصفات المتفق عليها أو المعمول بها أم للغرض الذي من أجله تم الاستحصال عليها”.([27])
وعلى التوازي من ذلك ذهب المشرع العراقي إلى النص على أن من اهم واجبات المجهز أو المعلن الالتزام بالمواصفات، حيث نصت المادة السابعة الفقرة الثانية من قانون حماية المستهلك على أنه :”الالتزام بالمواصفات القياسية العراقية أو العالمية لتحديد جودة السلع المستوردة أو المصنعة محلياً ويكون الجهاز المركزي للتفتيش والسيطرة النوعية هو المرجع لهذا الغرض وله الاستعانة بالجهات ذات العلاقة”.([28])
الفرع الثالث
التزام البائع بالاحتفاظ بوثائق الدعاية والإعلان
إن الدعاية أو الإعلان الكاذب تعد من أهم الإشكاليات التي تواجه التجارة الالكترونية على العموم، ذلك أن الإعلان الكاذ يدفع المشتري إلى التعاقد، ثم يواجه المشتري عند استلام المنتج أو الخدمة محل البيع العديد من العيوب الناجمة عن عدم المطابقة بين الإعلان وبين المواصفات الفعلية والحقيقية للمنتج، ثم بينا المعيار الذي يجب أن يقوم عليه الإعلان أو بعبارة أخرى معيار الكذب المشروع الذي لا يؤدي إلى مسؤولية البائع بالضمان وعليه تجدر الإشارة أنه ذهب البعض من الفقه إلى أنه :”يوصى بضرورة الاحتفاظ بوثائق الدعاية والاعلان، وضرورة اعتبارها من الوثائق المكملة للعقود التي يتم إبرامها من خلال الوسائط الالكترونية، وذلك لما لها من دور هام عند حصول نزاع بين المشتري وصاحب الموقع الالكتروني، وذلك بالرجوع إليها على أساس اعتبارها بنداً من بنود العقد، والتي على ضوءها يتحدد مدى أخلال صاحب الموقع بالتزامه من عدمه، وبالتالي النظر في تقرير المسؤولية عليه، ذلك أنه عند التعاقد بالطريق التقليدي يتم تبادل وثائق ومستندات ورقية تتضمن عرضاً للسلع والخدمات ومواصفاتها ومزاياها يمكن الرجوع إليها عند الاختلاف في تنفيذ العقد، أما فيما يتعلق بالتعاقد الالكتروني فإن الدعاية والاعلان عن السلعة أو الخدمة تكون عبر وسائط الكترونية، مما يترتب على انعدامها أو فقدانها فقدان كلا الطرفين مرجعاً هاماً لحل الخلاف، والذي غالباً ما يكون حول مواصفات السلعة أو الخدمة محل التعاقد، وإذا كان الاحتفاظ بوثائق الدعاية والاعلان يؤثر إيجاباً بحماية المشتري بتقرير المسؤولية في حالة ما إذا خالف صاحب الموقع الالكتروني التزامه، فإن عدم الاحتفاظ بها يؤثر سلباً على المستهلك في تقرير المسؤولية على المخالف، إذ تعتبر هذه الوثائق وما اشتملت عليه من تحديد لمحل العقد ووصف لمميزاته التي من أجلها اقتنع المشتري بشراء السلعة أو الخدمة، فضلاً عن بيان التزامات المتعاقد صاحب الموقع تجاه المشتري كموعد التسليم والضمان ونحوه، هي المرجع عند حدوث خلاف بين المتعاقدين سواء كان هذا الخلاف في محل العقد ذاته أو في الالتزامات التي تحملها صاحب الموقع، وذلك لعدم وجود الأدلة والمستندات والوثائق، فانعدامها يعد انعدام للمرجع الأساسي الذي يتقرر على ضوءه مدى مخالفة صاحب الموقع التجاري ومن ثم تقرير مسؤوليته”.([29])
ومن خلال ما تقدم تجدر الإشارة إلى أننا نرى أن هذا القول المتقدم على رجاحته لدينا في جانب منه إلا أنه قام على أساس من الغلو والشطط في جانب أخر، حيث يرجح هذا القول في اعتبار وسائل الدعاية والاعلان من الوثائق والمستندات المهمة التي يمكن الرجوع إليها لبيان المواصفات التي بينها البائع بشكل مسبق في السلع والمنتجات الرقمية، إلا أن هذه الوثائق لا ترقى لتصبح دليلاً من الإدلة الالكترونية التي يمكن على أساسها تقرير مسؤولية البائع بالضمان هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهي لا ترقى أيضاً لتكون بنداً من البنود العقدية إذا أنها خارجة عن العقد أساساً، وإن كانت تلعب دوراً في الحض على التعاقد وهو موضع الشطط والمبالغة الذي نعنيه، وفضلاً عن كل ما تقدم فإن الغاية من الإعلان الحض على التعاقد لذلك لا بد أن يقوم على أساس نوع من المبالغة والتضخيم المشروع، فضلاً عن أن الكذب ذاته يمكن أن يكون مشروعاً ضمن الإعلانات التجارية إذا كان بحدود، أي وفق المعيار المتعارف عليه بين التجار في عرض سلعه من السلع المعينة، وعلى هذا الأساس فإم الدعوى لحفظ وسائل الدعاية والإعلان يعد مطلباً من المطالب المحقة لما لها من دور مهم في إثبات العمليات التعاقدية ومواصفات السلع، على أن هذه الوثائق لا ترقى لتكون بنداً ملزماً من البنود العقدية، كما أنها لا ترقى لتكون دليلاً من الأدلة الالكترونية تأسيساً على أن الأدلة الالكترونية محددة بشكل مسبق من قبل المشرع على سبيل الحصر هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن القول الصواب في مثل هذه الوثائق هو أنها من القرائن القضائية التي يعود تقديرها للقاضي على وفق سلطته التقديرية، حيث أنها يمكن أن تتظافر مع غيرها من القرائن القانونية والقضائية لبناء الاحكام القضائية، أما لوحدها فهي غير أهل لتكون دليلاً من الأدلة التي تثبت الحقوق وتبنى عليها الأحكام.
بعد إتمام هذا البحث بفضل الله، فإننا نختتمه بأهم التوصيات وهي وفق الآتي:
- لعل أهم ما نوصي به الجهات الرسمية القائمة على التجارة الالكترونية في كل من الدول محل المقارنة العمل على إنشاء مراكز تدريب يمكن للعموم التسجيل فيها وفق تعرفه رمزية تهدف للتدريب على التعاقد عبر الانترنت، ذلك أن أغلب العيوب أو النزاعات الناشئة عن العقود الالكترونية تكون ناتجة عن الجهل بالتعامل مع الشبكة العنكبوتية.
- نوصي المشرعين في كل من الدول محل المقارنة بتطوير التشريعات الالكترونية لديها بحيث والعمل على أن تكون هذه التشريعات توازي القانون المدني التقليدي، بحيث تتضمن كل ما يتعلق بالتعاقد عبر الانترنت، ولا سيما ما يتعلق بالعيب والضمان.
- نوصي المشرعين في الدول محل المقارنة العمل على تطوير قواعد الاسناد فيما يتعلق بالقانون الواجب التطبيق على النزاعات الناشئة عن العقد الالكتروني ومنها تلك المتعلقة بالعيب والضمان، بحيث يتم تفعيل قانون الإرادة على أن لا يخالف هذا القانون القواعد المتعلقة بالنظام والاداب العامة والقواعد الأمرة.
- يجب ان تتضمن التشريعات الالكترونية التي نأمل تطويرها في الدول محل المقارنة أنواع العيب الالكترونية التي تصيب السلع والمنتجات الرقمية، ولا يجب الاقتصار فيها على العيوب التقليدية، بل يجب تضمين أنواع العيوب الرقمية الخاصة بهذا النوع من المنتجات أن لم يكن بالوسع على سبيل الحصر فعلى سبيل المثال.
قائمة المراجع:
- حسن صلاح الصغير، صلاحية المبيع للانتفاع به في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، دار الجامعة الجديدة للنشر، مصر، 2004
- شنه أسمة الشريف، ضمان عيوب المبيع، أطروحة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة مولود معمري، المغرب، 2019
- عز الدين كريم، ضمان العيب والصفة الخطرة في البيوع الاستهلاكية، أطروحة دكتوراه، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وجدة، 2014
- فدوى قهواجي، ضمان عيوب المبيع فقهاً وقضاءً، دار الكتب القانونية، مصر، 2008
- فلاح فهد العجمي، الحماية المدنية للمستهلك في العقد الالكتروني، رسالة ماجتسر، كلية الحقوق، جامعة الشرق الأوسط، فلسطين، 2011
- قانون حماية المستهلك اللبناني وقانون المعاملات الالكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي.
- محمد حسين منصور، أحكام عقد البيع التقليدية والالكترونية والدولية وحماية المستهلك، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، 2006
- نوري حمد خاطر، عقود المعلوماتية دراسة في المبادئ العامة في القانون المدني، الدار العلمية ودار الثقافة والنشر، عمان، 2001
القوانين:
- قانون التوقيع الالكتروني العراقي رقم 78 لعام 2012
- قانون حماية المستهلك العراقي رقم 1 لعام 2010
- قانون التوقيع الالكتروني رقم 15 لعام 2004
- قانون حماية المستهلك المصري رقم 181 لعام 2018
- قانون حماية المستهلك العراقي رقم 1 لعام 2010
- قانون حماية المستهلك اللبناني رقم 659 وتعديلاته لعام 2005
الهوامش:
-
() شنه أسمة الشريف، ضمان عيوب المبيع، أطروحة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة مولود معمري، المغرب، 2019، ص 220 ↑
-
() ـ شنه أسمة الشريف، المرجع السابق، ص 222 ↑
-
() ـ فدوى قهواجي، ضمان عيوب المبيع فقهاً وقضاءً، دار الكتب القانونية، مصر، 2008، ص 95 ↑
-
() ـ المرجع السابق ذاته، ص 95 ↑
-
() ـعز الدين كريم، ضمان العيب والصفة الخطرة في البيوع الاستهلاكية، أطروحة دكتوراه، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وجدة، 2014، ص 76 ↑
-
() ـ عزين الدين كريم، المرجع السابق، ص 77 ↑
-
() ـ قانون التوقيع الالكتروني العراقي رقم 78 لعام 2012 ↑
-
() ـ راجع قانون حماية المستهلك العراقي رقم 1 لعام 2010 ↑
-
() ـ راجع القانون المدني العراقي ↑
-
() ـ راجع القانون المدني العراقي ↑
-
() ـ راجع قانون التوقيع الالكتروني وقانون حماية المستهلك المصري ↑
-
() ـ راجع قانون حماية المستهلك المصري ↑
-
() ـ راجع القانون المدني المصري ↑
-
() ـ راجع قانون حماية المستهلك اللبناني وقانون المعاملات الالكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي. ↑
-
() ـ حسن صلاح الصغير، صلاحية المبيع للانتفاع به في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، دار الجامعة الجديدة للنشر، مصر، 2004، ص 72 ↑
-
() ـ فلاح فهد العجمي، الحماية المدنية للمستهلك في العقد الالكتروني، رسالة ماجستير، كلية الحقوق، جامعة الشرق الأوسط، فلسطين، 2011، ص 56 ↑
-
() ـ المرجع السابق ذاته، ص 57 ↑
-
() فلاح فهد العجمي، مرجع سابق، ص 70 ↑
-
() فلاح فهد العجمي، مرجع سابق، ص 71 ↑
-
() ـ قانون المعاملات والبيانات ذات الطابع الشخصي اللبناني ↑
-
() ـ راجع قانون حماية المستهلك المصري ↑
-
() ـ راجع قانون حماية المستهلك العراقي ↑
-
() ـ شنة اسمة الشريف، ضمان عيوب المبيع، مرجع سابق، ص 250 ↑
-
() ـ محمد حسين منصور، أحكام عقد البيع التقليدية والالكترونية والدولية وحماية المستهلك، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، 2006، ص 316 ↑
-
() ـ محمد حسن منصور، مرجع سابق، ص 317 ↑
-
() ـ راجع قانون حماية المستهلك المصري رقم 181 لعام 2018 ↑
-
() راجع قانون حماية المستهلك اللبناني ↑
-
() راجع قانون حماية المستهلك العراقي رقم 1 لعام 2010 ↑
-
() نوري حمد خاطر، عقود المعلوماتية دراسة في المبادئ العامة في القانون المدني، الدار العلمية ودار الثقافة والنشر، عمان، 2001، ص 154 ↑