البعد النفسي للصور البلاغية في الأدب العربي
The Psychological Dimension of Rhetorical Images in Arabic Literature
عمار الناشف1، أ.د. مصطفى آكا1
1 جامعية بينغول، تركيا. بريد الكتروني: ammaralnashef.1989@gmail.com
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj67/30
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/67/30
المجلد (6) العدد (7). الصفحات: 460 - 469
تاريخ الاستقبال: 2025-06-07 | تاريخ القبول: 2025-06-15 | تاريخ النشر: 2025-07-01
المستخلص: يسعى هذا البحث إلى الكشف عن البُعد النفسي للصورة البلاغية في الأدب العربي، من خلال مقاربة تحليلية منهجية تربط بين مفاهيم البلاغة والنقد النفسي. يبدأ باستعراض تطور الصورة البلاغية من منظور النقد العربي الكلاسيكي، ثم ينفتح على مناهج التحليل النفسي، خاصة نظريتي فرويد ويونغ، وما انبثق عنهما من اتجاهات تأويلية. ويركّز على أن الصورة البلاغية لا تقتصر على دورها الجمالي أو الزخرفي، بل تتجاوز ذلك إلى التعبير عن الانفعالات والدوافع اللاشعورية. وقد تم دعم هذا الطرح بقراءات تطبيقية لنماذج من الشعر العربي القديم والحديث، إضافة إلى السرد القصصي والروائي، أظهرت كيف تُسهم الصور البلاغية في كشف الصراعات النفسية للمبدع، وتستثير تفاعلات وجدانية مع القارئ. توصلت الدراسة إلى أن فعالية الصورة البلاغية تنبع من تكاملها بين الجمال اللفظي والحمولة النفسية، وتوصي بتوسيع البحث في هذا المجال من خلال دمج علم النفس بالأدب والبلاغة، وتطوير مناهج تحليلية جديدة تسبر أغوار الرموز والخيال الأدبي في ضوء علم النفس.
الكلمات المفتاحية: الصورة البلاغية، البعد النفسي، التحليل النفسي، الأدب العربي، فرويد ويونغ.
Abstract: This study aims to explore the psychological dimension of rhetorical imagery in Arabic literature through a systematic analytical approach that bridges classical Arabic rhetoric with modern psychoanalytic criticism. It begins by tracing the evolution of rhetorical images in Arabic literary criticism and then engages with psychoanalytic theories, particularly those of Freud and Jung, and their literary applications. The study emphasizes that rhetorical images are not merely decorative or stylistic devices but are expressive tools that reflect deep emotional and subconscious states. Through applied readings of classical and modern Arabic poetry, as well as prose narratives, the research demonstrates how rhetorical imagery unveils the psychological conflicts of the author and evokes emotional and cognitive responses in the reader. The findings highlight the integration of aesthetic and psychological functions in rhetorical images and recommend further interdisciplinary studies that combine literary analysis with modern psychological theories to deepen the understanding of Arabic literary expression.
Keywords: Rhetorical image; psychological dimension; psychoanalytic analysis; Arabic literature; Freud and Jung.
المقدّمة
يحتلّ الأدب العربي مكانةً رفيعةً في تراث الإنسانيّة؛ إذ تميّز بجمالياته اللغوية والأسلوبية، وخصوصًا فيما يتعلّق بفنّ البلاغة. ومن أبرز ما اهتمّ به البلاغيون والنقّاد في التراث العربي مفهومُ “الصورة البلاغية” التي لا تقتصر قيمتُها على الجانب الجماليّ وحُسن الصّياغة، بل تتعدّى ذلك إلى أثرها العميق في التأثير النفسي على المتلقّي. فالصورة البلاغية – إنْ أُحسن توظيفُها – تُحَرِّك مشاعرَ القارئ وتخاطب لاوعيه؛ فتثير الذكريات والأشواق وتُبرِز المخاوف والمكبوتات.
المبحث الأوّل: الإطار النظري
1.1 تعريف الصورة البلاغية
الصورة البلاغية هي التعبير الذي يُخرِج المعنى من دائرة التقريرية المباشرة إلى أفق التخييل والتمثيل الحيّ، وذلك باستخدام آليات مثل التشبيه والاستعارة والمجاز والكناية. ويؤكّد عبد القاهر الجرجاني (ت. 471هـ) أنّ الصورة البلاغية ليست مجرد زينة للكلام، بل هي أبرز وجوه البلاغة التي تنهض عليها دلالة النص وتذوّقه الفني.
وقد أوضح ذلك في كتابه الشهير أسرار البلاغة، حيث عدّ الاستعارة أداةً حاسمةً في إبراز الدلالات الجمالية والنفسية للنص.[1]
مع تطوّر النقد في العصر الحديث، اتّسع مفهوم الصورة البلاغية، فلم يعد مقتصرًا على التشبيه أو الاستعارة المفردة، بل يشمل بناءً كليًا يضمّ العلاقات الرمزية والتخييلية، بالإضافة إلى ما يسمّى بـ”الصورة الكلّية” التي تتكامل فيها الإشارات الحسية والبصرية والسمعية.[2]
1.2 مفهوم البعد النفسي للصورة البلاغية
يشير البعد النفسي للصورة البلاغية إلى الأثر الوجداني الذي تخلّفه الصورة في نفس المتلقّي، وما قد تثيره من مشاعر وتأمّلات ولا وعي. ويتعلّق ذلك بعدّة عوامل:
- الخلفية الثقافية والاجتماعية للمتلقّي.
- التجارب الشخصية والذكريات الكامنة في الذاكرة اللاشعورية.
- السياق النصي والفكري الذي تُورَد فيه الصورة البلاغية.
على سبيل المثال، إذا استخدم الشاعر استعارة “الطائر” للدلالة على الحرية، فقد يربطها متلقٍّ ما بشعوره الخاص في السعي إلى الانعتاق، بينما قد تُذكّر متلقّيًا آخر بدلالة مختلفة كالهروب أو الخلاص من الأسر.[3]
المبحث الثاني: الخلفية التاريخية للدراسات البلاغية والنفسية في الأدب العربي
2.1 تطوّر البلاغة العربية
2.1.1 مرحلة التأسيس
بدأ الاهتمام بالبلاغة العربية في سياق التفسير اللغوي والبياني للقرآن الكريم، وقد ظهر في تلك المرحلة المبكرة الجاحظ (ت. 255هـ) الذي يُعدّ من الأوائل الذين أسهموا في بلورة مفهوم “البيان” و”الفصاحة” وارتباطهما بتأثير الخطاب في المتلقّين.[4]
2.1.2 مرحلة البناء والتقعيد
جاءت مرحلة القرن الرابع والخامس الهجري لتشهد تطوّرًا نوعيًّا، مع جهود قدامة بن جعفر في نقد الشعر، ثُمّ عبد القاهر الجرجاني في كتابيه أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز. ركّز الجرجاني على جمال الصورة واعتبرها ركيزة في بيان “النظم” ووحدة المعنى.[5]
2.1.3 مرحلة التوسع والتفصيل
استمرت جهود البلاغيين في القرون اللاحقة، مثل ابن الأثير (ت. 637هـ) في المثل السائر، والسكاكي (ت. 626هـ) في مفتاح العلوم. وقد سعى هؤلاء إلى حصر فنون البلاغة وتقعيدها، مع الإشارة أحيانًا إلى تأثير الصور في نفوس المتلقّين، وإن ظلّ ذلك الجانب النفسي في الإطار النظري الضيق.[6]
2.2 بدايات التوجه النفسي في النقد العربي
مع دخول القرن العشرين والانفتاح على العلوم الغربية، بدأت تظهر بوادر التحليل النفسي في النقد العربي. فقد اهتمّ محمد مندور (ت. 1965م) بدراسة الجانب الوجداني والذوقي لدى الشاعر،[7] كما تناولت نازك الملائكة بعض الإشارات النفسية في تجارب الشعر الحرّ ودوافعه، خاصّة في كتابها قضايا الشعر المعاصر.[8]
المبحث الثالث: الأسس النظرية للتحليل النفسي للصور البلاغية
3.1 مدخل إلى التحليل النفسي للأدب
3.1.1 سيغموند فرويد (Sigmund Freud)
يُعتبَر سيغموند فرويد (1856-1939م) رائد التحليل النفسي الحديث، وقد أثّر في النقد الأدبي من خلال تركيزه على مفهوم اللاوعي والكبت والرموز. يرى فرويد أنّ الأعمال الأدبية تعكس صراعاتٍ نفسيةً لاشعورية، تظهر بشكل رموز واستعارات ومجازات.[9]
3.1.2 كارل يونغ (Carl Jung)
ركز كارل يونغ (1875-1961م) على “اللاوعي الجمعي” و”الأنماط الأصلية” (Archetypes). ومن ثمّ، فإنّ رموز الأدب، بما في ذلك الصور البلاغية، قد تعبّر عن صور بدائية مشتركة بين البشر، تمتدّ جذورها إلى الإرث الأسطوري والديني، ما يفسّر تشابه بعض الصور في ثقافات مختلفة.[10]
3.1.3 مذاهب أخرى في التحليل النفسي
بجانب فرويد ويونغ، ظهرت اجتهادات أخرى كمدرسة جاك لاكان (Lacan) التي تركز على اللغة بوصفها بنية رمزية في تشكيل اللاوعي. هذه المذاهب توفر أدوات متنوعة لدراسة الصور البلاغية وفك رموزها النفسيّة.[11]
3.2 التحليل النفسي للصور البلاغية
يستهدف هذا الاتجاه رصد “الدلالات اللاشعورية” في التشبيه والاستعارة والمجاز. مثلًا، قد يختار الشاعر لفظة “الغيمة” في موقعٍ ما للتعبير عن الكآبة أو التوق إلى الأمطار. وبقراءة نفسية، يمكن أن نربط ذلك برغباتٍ مخفية أو بخبرات طفولة تركت أثرًا في نفس المبدع.[12]
3.3 البعد الانفعالي والإدراكي للصورة البلاغية
يتداخل الجانب النفسي للصورة مع العمليات الإدراكية والوجدانية لدى القارئ؛ فبمجرّد تلقي صورة معينة، يبدأ المتلقّي باستحضار مشاعر وأفكار مرتبطة بتجاربه الشخصية. ومن هنا تنشأ قوة الصورة البلاغية في إثارة الانفعالات والإيحاء بمستوياتٍ من المعاني لا يُصرّح بها بشكل مباشر.[13]
المبحث الرابع: الصور البلاغية في الشعر العربي القديم وأبعادها النفسية
4.1 لمحة تاريخية عن الشعر العربي القديم
يُعَدّ الشعر الجاهلي الرافد الأوّل والأكبر للأدب العربي؛ إذ برع الشعراء في رسم صور تعتمد على البيئة الصحراوية والقبيلة والصيد والرحلة. وكانت تلك الصور مستودعًا للانفعالات الإنسانية، كالحنين والخوف والفخر والحبّ.[14]
4.2 التحليل النفسي لبعض الصور في الشعر الجاهلي
4.2.1 صورة الأطلال
صورة الأطلال في الشعر الجاهلي هي لوحة حزينة تدمج المكان بالمشاعر. عند امرئ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلِ
بسِقط اللوى بين الدخول فحوملِ
لا يكتفي الشاعر بوصف مكان مهجور، بل يستدعي الحنين والأسى على ما مضى، فيفعّل صدمة الفقد والفراغ النفسي.[15]
4.2.2 صورة الصيد والحيوان
في كثير من القصائد الجاهلية، نجد الشاعر يشبّه نفسه بالحيوان القوي أو المهارة الفائقة في الصيد، كما هو الحال عند عنترة بن شداد، ما يُعدّ تعويضًا عن قلق داخلي أو حاجة لإثبات الذات.[16]
4.3 الصور البلاغية في العصر العباسي وأبعادها النفسية
4.3.1 مثال من شعر أبي نواس
استخدم أبو نواس صورًا خمريّة تحفل بالتمرد على القيم التقليدية، كما في قوله:
دع المساجد للعباد تسكنها
وقف على دكة الخمّار واسقينا
تشير الصورة إلى صراع نفسي بين اللذة الدنيوية والقيود الدينية، ما يحفّز لدى المتلقّي ردود فعلٍ وجدانية متفاوتة بين الإعجاب والرفض.[17]
4.3.2 مثال من شعر المتنبي
يفتتح المتنبي إحدى قصائده بقوله:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صممُ
يُبرز الشاعر صورةً ضخّمت قدرته الشعرية حتى جعلها تتجاوز الحواسّ. من منظورٍ نفسي، يمكن اعتبارها محاولةً لتعويض قلق الذات والبحث عن الاعتراف.[18]
المبحث الخامس: الصور البلاغية في الشعر العربي الحديث وأبعادها النفسية
5.1 نشأة الشعر العربي الحديث
تطوّر الشعر العربي الحديث مع الاحتكاك بالآداب الغربية في نهايات القرن التاسع عشر، فظهرت مدارس أدبية جديدة (الإحياء، الديوان، أبولو، الرومانسية، شعر التفعيلة…).[19] وتزايد الاهتمام بالجانب الوجداني والنفسي في التصوير الشعري.
5.2 التحليل النفسي لبعض النماذج الشعرية الحديثة
5.2.1 بدر شاكر السياب (ت. 1964م)
في قصيدة أنشودة المطر، كثيرًا ما يربط السياب صورة المطر بالحزن والحنين إلى الوطن والأم، ما يعبّر عن حالة نفسية مركّبة تزاوج بين الأمل والألم:
مطرٌ… مطرٌ… مطرْ
وفي العراق جوعٌ…
يحمل “المطر” دلالة البعث، لكنّه في الوقت نفسه صوت البؤس والوجع الداخلي.[20]
5.2.2 نازك الملائكة (ت. 2007م)
في شعر نازك الملائكة تبرز صور الليل والظلام كرموزٍ للقلق والكآبة، أو على أقلّ تقدير “الحيرة الوجودية”. تقول في أحد نصوصها:
من أنتِ يا ليلة الصمتِ الغريبةْ
شبحي الساكن في تيهِ الرّيـبةْ
هنا تُسقط الشاعرة مشاعر الخوف والتوجّس على الليل المظلم، فينطبع لدى المتلقّي شعور بالعزلة والاغتراب.[21]
5.2.3 أدونيس علي أحمد سعيد
يستخدم أدونيس في شعره صورًا مركّبة رمزية. كقوله:
في جسدي تتجسّدُ الفصولُ
وفي لغتي يرحلُ الزمانُ
صورة تماهي الذات مع الطبيعة والزمان تحيل إلى رغبةٍ في كسر الحدود المألوفة، وتشير إلى نوعٍ من القلق الوجودي والسعي نحو المطلق.[22]
المبحث السادس: الصورة البلاغية في السرد العربي الحديث (الرواية والقصة) وأبعادها النفسية
6.1 الملامح العامة للسرد العربي الحديث
عرف الأدب العربي الحديث تحوّلًا جذريًّا بدخول فنون الرواية والقصة والمسرح، وتعدّدت الأساليب السردية وتنامى استخدام الصور البلاغية بوصفها وسيلةً لإبراز أبعاد الشخصيات والعوالم الداخلية.[23]
6.2 أمثلة تطبيقية
6.2.1 نجيب محفوظ (ت. 2006م)
في رواية زقاق المدق، يصوّر محفوظ الحارة بقوله:
“كان الزقاق ينام على همومه المتراكمة كهِرّةٍ وادعة تتواكل على ما تجود به الحياة…”
تجسّد هذه الصورة الذهنية حالة “الاتكال” والعجز النفسي لدى سكّان الحارة. من منظور التحليل النفسي، يبرز الشعور بالخيبة والاستكانة في مجتمعٍ ضيّق الأفق.[24]
6.2.2 غادة السمان
في مجموعتها القصصية لا بحر في بيروت، تصوّر غرفةً مظلمة:
“الغرفة تلتهم ظلالها، كأنّها تتوحّش وتنمو على خوف القاطنين…”
تُسقِط الكاتبة مشاعر الرعب والاضطراب على المكان، فتجعل الغرفة كائنًا مفترسًا. وتشير هذه الصورة إلى قلق داخلي يأسر الشخصيات ويمنعها من الشعور بالأمان.[25]
6.2.3 إحسان عبد القدوس
في رواية لا أنام، تصف البطلة عينيها في ظلام الليل بأنهما “تتوهّجان كوحشٍ يستعدّ للانقضاض على ضميري”، ما يجسّد تأنيب الضمير ومعاناة الشخصية مع ذاتها.[26]
المبحث السابع: المناهج الحديثة في تحليل الصورة البلاغية من منظور نفسي
7.1 المنهج السيميائي النفسي
يمزج بين دراسة الإشارات (السيمياء) والتحليل النفسي، حيث تعدّ الصورة البلاغية علامةً لها دال ومدلول، وتفكّك في ضوء الرموز الثقافية والأبعاد اللاشعورية للمبدع والمتلقّي.[27]
7.2 المنهج الظاهراتي (الفينومينولوجي)
يرتكز المنهج الظاهراتي على وصف التجربة المعاشة؛ إذ يسعى إلى فهم كيف يستقبل القارئ الصورة البلاغية في وعيه، بعيدًا عن الأحكام المسبقة. وبهذا يُحلّل أثر الصورة في الوجدان اللحظي.[28]
7.3 المنهج الثقافي النفسي
ينظر هذا المنهج إلى الصورة البلاغية باعتبارها انعكاسًا للصراعات والقيم الجمعيّة في مجتمع معيّن. فمثلًا، حين تتكرّر صورة “الجدار” أو “الحجاب” في نصّ نسويّ، قد تُمثّل رمزًا للقيود الاجتماعية المفروضة على المرأة.[29]
المبحث الثامن: دراسة تطبيقية موسّعة لنماذج مختارة
8.1 نموذج من الشعر القديم: قصيدة “بانت سعاد” لكعب بن زهير
8.1.1 النص ومناسبة القصيدة
ألقى كعب بن زهير قصيدته “بانت سعاد” في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، يطلب العفو بعد هجائه له. يقول في مطلعها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ متيمٌ إثرها لم يُفدَ مكبولُ
8.1.2 التحليل النفسي للصورة
- تشبيه القلب بالمريض والمكبول: يُبرز الانفعال العاطفي العميق. قد يلمح أيضًا إلى حالة الإقرار بالضعف والتوبة.[30]
- البعد الانفعالي للمتلقّي: يستدرّ الشاعر عطف الحاضرين بتصوير حالته المأساوية، ما يُحدِث أثرًا نفسيًا يتجاوز المعاني العاطفية البسيطة إلى الإحساس بالتوبة والاعتذار.
8.2 نموذج من الشعر الحديث: “أنشودة المطر” لبدر شاكر السيّاب
8.2.1 نبذة عن القصيدة
كتبها السياب في فترة مرضه واغترابه، وتبرز فيها رمزية “المطر” بوصفه موطن الأمل والحزن معًا.[31]
8.2.2 التحليل الموسّع
- الصور البصرية والسمعية: مفردات المطر والرعد والبرق والحقول تستدعي حالة ذهنية تجمع بين الخصب والخوف.
- الترميز بالأم: يستحضر السياب صورة الأم مرتبطـةً بالمطر، فيوحي ذلك بالرغبة في الحنان والعودة إلى الجذور. قد يفسَّر نفسيًا بأنّه نوستالجيا لطفولة مفقودة.[32]
8.3 نموذج من السرد الحديث: “زقاق المدق” لنجيب محفوظ
8.3.1 ملخص الرواية
يرصد محفوظ حياة سكان زقاق ضيّق في قلب القاهرة، ويقدّم شخصيات متعددة تعيش قيودًا اجتماعية واقتصادية وأحلامًا محدودة.[33]
8.3.2 تحليل الصورة البلاغية في وصف الزقاق
- التشبيه بالهرة المتواكلة: صورةٌ تختزل عجز الحارة وسكّانها عن الفعل أو التغيير، وتحوّل المكان إلى كائنٍ حيّ يعيش في خنوعٍ تامّ.[34]
- تحوّل الشخصيات: عند مغادرة الشخصية (حميدة) الزقاق، تتلاقى صور الضوء والظلام لتجسّد صراعها الداخلي بين البحث عن الحرية والاصطدام بقسوة العالم الخارجي.
9. النتائج
- التكامل بين البعد الجمالي والبعد النفسي:
يتبيّن أنّ الصورة البلاغية في الأدب العربي تجمع بين الصياغة اللفظية المتقنة والتأثير النفسي العميق.
- تنوع صيغ الصورة ووظائفها النفسية:
يمكن للصورة البلاغية أن تكون استعارة أو كناية أو رمزًا أسطوريًّا، وتختلف أبعادها النفسية باختلاف السياق.
- أهمية السياق الثقافي والاجتماعي:
تأثير الصورة البلاغية نفسيًا قد يتضاعف أو يختلف وفق البيئة الحضارية؛ إذ تتعدّل دلالاتها باختلاف العصور والأعراف.
- ارتباط التلقي بخلفية المتلقّي:
لا تتشكل الاستجابة النفسية للصورة في الفراغ؛ إذ تتأثر بخبرات المتلقّي وقيمه وثقافته.
10. الخاتمة والتوصيات
10.1 الخاتمة
خَلُصت هذه الدراسة إلى أنّ البعد النفسي للصور البلاغية يشكّل جانبًا أساسيًّا في دراسة النصوص العربية، سواءٌ كانت قديمة أم حديثة. وقد أشرنا إلى أنّ الصور البلاغية لا تُعَدُّ مجرَّد أدواتٍ جماليةٍ فحسب، بل تُسهم بعمق في صياغة الوجدان وتشكيل الوعي الشعوري ولا شعوري للقارئ أو المتلقّي. وقد رصدنا من خلال الأمثلة التطبيقية – من الشعر الجاهلي حتى الرواية العربية الحديثة – كيف تتفاعل الصورة مع الحياة النفسية للمبدع والمتلقّي على السواء، وكيف تُسرّب رموزًا ودلالاتٍ يستقيها الأدب من مخزوننا الثقافي والاجتماعي والنفسي.
تأسيسًا على ما سبق، يمكن لهذا الموضوع أن يبقى موضع اهتمامٍ بحثيٍّ مستمرّ، خصوصًا مع التحوّلات المتسارعة في المشهد الأدبي والثقافي في العالم العربي، وبروز مدارس واتجاهات نقدية جديدة بدأت تتلمّس الخطاب الأدبي والبلاغي في ضوء علوم النفس الحديثة.
10.2 التوصيات
1. تعزيز الدراسات البينيّة بين البلاغة وعلم النفس
- إدراج مقرّرات جامعية متخصصة:
- يُمكن أن تُخصّص أقسام اللغة العربية مادةً تحت عنوان “النقد النفسي للأدب العربي” تجمع بين مقرّرات البلاغة التقليدية وعلم النفس الحديث.
- مثال: يمكن قراءة نصوص من الشعر الجاهلي بتحليل نفسي موازٍ لاستعراض المكوّنات البلاغية؛ مثل تحليل حالات الاغتراب والحنين في صورة الأطلال من منظور فرويدي أو يونغي.
- الاستفادة من التجارب العالمية:
- عقد مقارنات مع الأدب العالمي الذي اهتمّ بالتحليل النفسي للصور، مثل دراسات التحليل النفسي في أعمال شكسبير أو دوستويفسكي.
- توضيح الفروق الثقافية: على سبيل المثال، صورة “الضباب” عند الشعراء الإنجليز قد ترمز إلى الحيرة والالتباس العقلي، بينما في الشعر العربي قد ترتبط العواصف الرملية بالاغتراب أو الخوف الوجودي.
- دعم الرسائل الجامعية في المجال:
- تقديم تمويل وتشجيع للأبحاث العليا (ماجستير ودكتوراه) التي تدرس الأدب العربي من منطلقات علم النفس الأدبي، مع التركيز على بناء مناهج نقدية جديدة.
قائمة المصادر والمراجع
- الجرجاني، عبد القاهر. (2009). أسرار البلاغة. تحقيق هاشم الطعّان. بيروت: دار الكتب العلمية.
- الجرجاني، عبد القاهر. (2008). دلائل الإعجاز. تحقيق محمود شاكر. القاهرة: مكتبة الخانجي.
- الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر. (1968). البيان والتبيين. تحقيق عبد السلام هارون. القاهرة: مكتبة الخانجي.
- ابن الأثير، ضياء الدين. (2000). المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر. تحقيق أحمد الحوفي وبدوي طبانة. القاهرة: دار المعارف.
- السكاكي، يوسف بن أبي بكر. (1987). مفتاح العلوم. تحقيق نعيم زرزور. بيروت: دار الكتب العلمية.
- صمود، حمادي. (2004). الصورة الشعرية: مقاربة نصية. بيروت: دار الكتاب الجديد.
- مندور، محمد. (1964). النقد المنهجي عند العرب. القاهرة: دار نهضة مصر.
- الملائكة، نازك. (1979). قضايا الشعر المعاصر. بيروت: دار العلم للملايين.
- السياب، بدر شاكر. (1971). أنشودة المطر. بيروت: دار العودة.
- المتنبي، أبو الطيب. (1980). ديوان المتنبي. تحقيق عبد الوهاب عزام. القاهرة: دار المعارف.
- فرويد، سيغموند. (2003). التأويل النفسي للأدب. ترجمة جورج طربيشي. بيروت: دار الطليعة.
- يونغ، كارل غوستاف. (2008). الإنسان ورموزه. ترجمة سمير صفوت. القاهرة: المركز القومي للترجمة.
- شوقي، أحمد. (1994). الشوقيات. القاهرة: دار المعارف.
- محفوظ، نجيب. (1947). زقاق المدق. القاهرة: مكتبة مصر.
- السباعي، إحسان عبد القدوس. (1960). لا أنام. القاهرة: مكتبة مصر.
- غادة السمان. (1978). لا بحر في بيروت. بيروت: دار الأدب.
- Moustakas, C. (1994). Phenomenological Research Methods. Thousand Oaks, CA: SAGE Publications.
- خضر، حسن. (2005). التحليل النفسي للأدب: مقاربات نظرية وتطبيقية. القاهرة: دار الثقافة.
- البارودي، محمود سامي. (1967). ديوان البارودي. تحقيق: علي الجندي. القاهرة: دار الكتب المصرية.
- جبران، خليل جبران. (1995). الأعمال الكاملة. بيروت: مؤسسة نوفل.
- أدونيس (علي أحمد سعيد). (1985). ديوان أدونيس. بيروت: دار العودة.
- نازك الملائكة. (1962). شظايا ورماد. بيروت: دار العلم للملايين.
- ليلى العثمان. (1995). ومازلت وحدي. الكويت: دار قرطاس.
- حنّا مينة. (1986). الشمس في يوم غائم. دمشق: اتحاد الكتاب العرب.
الهوامش:
-
1 عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، تحقيق هاشم الطعّان (بيروت: دار الكتب العلمية، 2009)، ص ص. 35-36. ↑
-
عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمود شاكر (القاهرة: مكتبة الخانجي، 2008)، ص. 112. ↑
-
يُنظر: حمادي صمود، الصورة الشعرية: مقاربة نصية (بيروت: دار الكتاب الجديد، 2004)، ص. 47. ↑
-
الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1968)، ج1، ص. 22. ↑
-
عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، مرجع سابق، ص. 57. ↑
-
ابن الأثير، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، تحقيق أحمد الحوفي وبدوي طبانة (القاهرة: دار المعارف، 2000)، ص. 130؛ السكاكي، مفتاح العلوم، تحقيق نعيم زرزور (بيروت: دار الكتب العلمية، 1987)، ص. 85 ↑
-
محمد مندور، النقد المنهجي عند العرب (القاهرة: دار نهضة مصر، 1964)، ص. 55. ↑
-
نازك الملائكة، قضايا الشعر المعاصر (بيروت: دار العلم للملايين، 1979)، ص ص. 31-32. ↑
-
سيغموند فرويد، التأويل النفسي للأدب، ترجمة جورج طرابيشـي (بيروت: دار الطليعة، 2003)، ص. 74. ↑
-
كارل غوستاف يونغ، الإنسان ورموزه، ترجمة سمير صفوت (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2008)، ص. 15. ↑
-
يُنظر: خضر، حسن، التحليل النفسي للأدب: مقاربات نظرية وتطبيقية (القاهرة: دار الثقافة، 2005)، ص. 66. ↑
-
المصدر نفسه، ص. 70. ↑
-
يُراجع: Moustakas, C., Phenomenological Research Methods, (Thousand Oaks, CA: SAGE Publications, 1994), p. 45. ↑
-
لمحة عامّة حول الشعر الجاهلي في: شوقي، أحمد، الشوقيات (القاهرة: دار المعارف، 1994)، مقدمة المحقق، ص. 9. ↑
-
يُنظر: الجرجاني، أسرار البلاغة، مرجع سابق، ص. 91. ↑
-
يُنظر: ابن الأثير، المثل السائر، مرجع سابق، ص. 176. ↑
-
أبو نواس، للاطلاع على خمرياته: الجاحظ، البيان والتبيين، مرجع سابق، ج2، ص. 212 (أورَد نماذج منها). ↑
-
أبو الطيب المتنبي، ديوان المتنبي، تحقيق عبد الوهاب عزام (القاهرة: دار المعارف، 1980)، ص. 55. ↑
-
البارودي، محمود سامي، ديوان البارودي، تحقيق علي الجندي (القاهرة: دار الكتب المصرية، 1967)، ص. 15؛ لمحة عن حركة الإحياء. ↑
-
بدر شاكر السياب، أنشودة المطر (بيروت: دار العودة، 1971)، ص. 44. ↑
-
نازك الملائكة، شظايا ورماد (بيروت: دار العلم للملايين، 1962)، ص. 17. ↑
-
أدونيس (علي أحمد سعيد)، ديوان أدونيس (بيروت: دار العودة، 1985)، ج1، ص. 89. ↑
-
لمحة عامّة حول السرد العربي الحديث في: خضر، حسن، التحليل النفسي للأدب، مرجع سابق، ص. 92. ↑
-
نجيب محفوظ، زقاق المدق (القاهرة: مكتبة مصر، 1947)، ص. 28. ↑
-
غادة السمان، لا بحر في بيروت (بيروت: دار الأدب، 1978)، ص. 51. ↑
-
إحسان عبد القدوس، لا أنام (القاهرة: مكتبة مصر، 1960)، ص. 33. ↑
-
جبران خليل جبران، الأعمال الكاملة (بيروت: مؤسسة نوفل، 1995)، مقدمة الناشر، ص. 11؛ مثال لتحليل الصور من منظور رمزي. ↑
-
Moustakas, Phenomenological Research Methods، مرجع سابق، ص. 103. ↑
-
ليلى العثمان، ومازلت وحدي (الكويت: دار قرطاس، 1995)، ص. 76؛ حنّا مينة، الشمس في يوم غائم (دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 1986)، ص. 54. ↑
-
يُنظر: ابن الأثير، المثل السائر، مرجع سابق، ص. 199 (أشار إلى البُعد الوجداني في القصائد الاعتذارية). ↑
-
السياب، أنشودة المطر، مرجع سابق، ص. 51. ↑
-
المصدر نفسه، ص. 57. ↑
-
محفوظ، زقاق المدق، مرجع سابق، ص. 11. ↑
-
المصدر نفسه، ص. 28. ↑