عـبـد اللـطـيـف أمــزيـــغ1
1 باحث في التاريخ الجهوي للجنوب المغربي، وقضايا وإشكالات منظومة التـربيـة والتكويـن.
جامعـة ابـن طفـيــل، كلية الآداب والعلوم الإنسانية – القنيطرة، المملكة المغربية.
بريد الكتروني: Amazigh10abdellatif@gmail.com
HNSJ, 2022, 3(2); https://doi.org/10.53796/hnsj3220
تاريخ النشر: 01/02/2022م تاريخ القبول: 22/01/2022م
المستخلص
تعتـرض العديـد من الباحثيـن والدارسيـن للتاريـخ جملـة من الصعوبات والعراقيل التي تحول دون توظيف النص التاريخي واستثماره، مهما كان نوعـه أو موضوعـه، توظيفا علميا وموضوعيا، ويُعــزى ذلك إلى غياب أو عـدم التمكن من منهجية علمية موحدة، فضلا عن اختلاف الرؤى والمناهج والمقاربات، وتباين توجهات ومبـادئ المدارس التاريخية. ومن تــم تأتــي هـذه المقالــة العلميــة، بوصفها اسهامــا أوليـا ومرجعـا يمكن العودة إليـه لدراسة النصوص التاريخية لمنطقة وادي نون ومحيطها القبلـي، والكشف عن الأهداف أو الأغراض التاريخية الكامنـة وراءهــا.
وبنــاء عليــه، ابتــدأ هذا المقال في معالجة هذه الإشكالية العلمية، بتحديد المجال الجغرافي المعني بدراسة نصوصه التاريخية، والمتمثل في منطقة وادي نون ومحيطها القبلي بالجنوب المغربي، ثم انتقـل بعدها إلى تناول المقاربــة المعرفيــة والمنهجيــة المعتمدة في دراسـة هذه النصوص التاريخية للمجال نفســه، مع التأكيد على أهمية تفعيل واستثمار مختلف الآليات الفكرية والوسائل التقنيـة الكفيلـة بالحفاظ على الوثائق والنصوص باختلافها، قصد تثمينها وإعادة توظيفها في البحث التاريخي، ويُختتـم المقال العلمي بخلاصــة عامة، مدعومة بجملة من التوصيــات العمليــة والأكاديمية.
الكلمات المفتاحية: النص التاريخي، وادي نون، المقاربة المنهجية والمعرفية، حفظ الوثائق التاريخية، التاريخ الجهوي بالمغرب.
A Cognitive and Methodological Approach to the Study and Preservation of the History of Oued Noun and Its Tribal Surroundings
Abdul Latif Amazigh1
1 Researcher in Regional History of Southern Morocco, and in Issues and Challenges of the Education and Training System.
Ibn Tofail University, Faculty of Letters and Human Sciences – Kenitra, Kingdom of Morocco.
Email: Amazigh10abdellatif@gmail.com
HNSJ, 2022, 3(2); https://doi.org/10.53796/hnsj3220
Published at 01/02/2022 Accepted at 22/01/2021
Abstract
Many researchers and students of history face a range of difficulties and obstacles that hinder the scientific and objective use and exploitation of historical texts, regardless of their type or subject matter. This is largely attributed to the absence of, or insufficient mastery of, a unified scientific methodology, in addition to the diversity of perspectives, methods, and approaches, as well as the divergence of orientations and principles among historical schools. Accordingly, this scholarly article is presented as a preliminary contribution and a reference that can be consulted for the study of historical texts related to the Oued Noun region and its tribal surroundings, with the aim of uncovering the underlying historical objectives or purposes embedded within them.
On this basis, the article begins by addressing this scientific issue through defining the geographical scope concerned with the study of its historical texts, namely the Oued Noun region and its tribal environment in southern Morocco. It then proceeds to examine the cognitive and methodological approach adopted in the study of these historical texts, while emphasizing the importance of activating and utilizing various intellectual tools and technical means capable of preserving documents and texts in their different forms, in order to enhance their value and reintegrate them into historical research. The article concludes with a general summary, supported by a set of practical and academic recommendations.
Key Words: Historical Text, Oued Noun, Cognitive and Methodological Approach, Preservation of Historical Documents, Regional History in Morocco.
تـقــديــــــــم:
يعـد النـص أو الوثيقــة المادة الأوليـة لدراسة علـم التاريــخ، ومن تم، فإن تحليل بنياتــه ومفاهيمــه، يقتضي التسلح بمنهجية علميـة تضبطها مجموعة من الشروط والضوابط والمقاربات، وتهدف الوصول إلى تعريف المعرفة التاريخية وتفسيرها وتحليلها وتركيبها، كما تسعى هذه المنهجية أيضا إلى إكساب تلك المعرفة قيمتها العلمية من خلال وضعها في سياقها التاريخي الصحيح، وذلك عبر تدقيق الأسبـاب والنتـائــج، وربطها بمختلف الظروف والأمكنــة والأزمنــة التي يرتبط بها الحدث أو الأحداث التاريخية موضوع الدراسـة أو البحث الأكاديمـي.
انطلاقـــا من ذلك، تبـرز أهمية هذه المقالة العلميـة في مقاربة هذه الإشكالية من خلال نصوص منطقة وادي نـون ومحيطها القبلـي، في إطار السعي إلى تثمين التاريخ الجهوي بالمغرب وإعادة كتابتـه، وذلك عبر توظيف الوثيقـة التاريخية بشكل علمي يستند إلى المنهج التاريخي، الذي ينفتح بـدوره على مناهج ومعارف الحقول المعرفية الأخرى. ويهدف هذا التوجه إلى الإسهام في إبـراز وإثبات تاريـخ وهويـة المجتمع المغربي من خلال نموذج هذه المنطقة الصحراوية، ولـن يتحقق ذلك، إلا بالابتعاد عن أنماط التعريف أو التفسير أو التركيب أو التأويل غير العلمي، التي تخدم إيديولوجيات معينة، ولا سيما الإيديولوجيات الاستعماريـة التي ظلت سائـدة إلى وقت قـريب.
وبنــاء عليــه، جرى دراسة إشكاليـة هذا المقال العلمي من خلال مجموعة من المحاور الهامـة، يمكن اجمالها على النحــو التالـــي:
- التحديد الجغرافي لمنطقة وادي نون بالجنوب المغربي؛
- مفهوم النص التاريخي؛
- المقاربة المنهجية والمعرفية لدراسة النصوص التاريخية لمنطقة وادي نون ومحيطها القبلــي؛
- آليات الحفاظ على النصوص التاريخية وتثمينها؛
انطلقت معالجة هذه الإشكالية من الاطلاع على مجموعة من الدراسات والأبحاث العلمية، ومن تتبع وفهم مختلف التحديات والعراقيل التي واجهت العديد من الباحثين في دراسة النص التاريخي بمنطقة وادي نون بالجنوب المغربي، وقد أفضت هذه المعالجة إلى محاولة تقديم وبناء مقاربة معرفية ومنهجية لدراسة نص هذا المجال الصحراوي ومحيطه القبلي، إلى جانب اقتراح جملة من التوصيات والمقترحات الرامية إلى حفظ النصوص التاريخية والإسهام في تطويرها، وذلك قصد إعادة كتابة التاريخ الجهوي للمغرب بصفة عامة، وتاريخ جهة الصحراء بصفة خاصة.
أ ) – التحـديــد الجغـرافــي لمنطقـة وادي نــون ومحيطهـا القبلــي:
لقد تناولت مجموعة من الكتابات الأجنبية[1] جغرافية هذه المنطقة الصحراوية، ومن بينها ما ورد لدى الباحثة دو بيكودو أوديت (De Pigaudeau Odette) ، التي ربطت هذا المجال بالمعطيات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي الوقت ذاته، أدرجته ضمن جغرافية أكثر إتساعا واختلافا وتنوعا، وهي الجغرافية المسماة “تراب أو مجال البيضان”، إذ تشير إلى أن هذا المجال “يمتد عبر عدة أقاليم، انطلاقا من وادي نون وطرفاية وتافيلالت والساقية الحمراء ووادي الذهب وصولا إلى موريتانيا وغرب صحراء مالي”[2].
غير أن هذا التحديد الجغرافي لوادي نون، يختلف اختلافا كبيرا عما هو متعارف عليه لدى الباحثين، ولا سيما في الفترة الأخيرة، حيث وردت في هذا الإطار عدة روايات تاريخية متعددة، شفوية ومكتوبة، يمكن رصدها على النحـو التالــي:
- الرواية الأولى: مفادها أن بعض شيوخ المنطقة عندما أرادوا تحديد موقع وادي نون، فقد قصدوا بذلك مجموع المنطقة التابعة إداريا لإقليم أكلميم الحالــي[3].
- الرواية الثانية[4]: “وادي نون هو ما يقع من سفوح درن (جبال الأطلس الكبير التي تمتد من غرب مدينة أكادير على المحيط الأطلسي في اتجاه الشمال الشرقي ) الجنوبية إلى حدود الصحراء؛ من وادي نون وقبائله من تكنة والركيبات وما إليها إلى حدود منطقة طاطا شرقا ومنطقة سكتانــة (سكتانة هي قبيلة تنتمي لإتحادية قبائل مصمودة الأمازيغية بالأطلس الكبير)“.
- الرواية الثالثة: تقول: «يحـد المنطقة طرف من بلاد سوس شمالا، ومن الجنوب قبيلة أزوافيط، ومن الشرق جبال تيرت وسيدي ينسف، حيث تنتشر بعض القبائل المستقلة حتى وادي درعة، أما من الجهة الغربية، جزء من بلاد تكنة المحاذي لساحل المحيط»[5].
أمـا تناولنا للمصادر والمراجع التاريخية، فإن ذلك يختلف باختلاف تصنيفاتها:
- “نـون منطقة مسكونة على شاطئ المحيط، ليس بها سوى قرى عامرة بناس فقراء، تقع بين نوميديا وليبيا، لكن القسم الأعظم منها ينتسب إلى ليبيا، لا ينبت فيها إلا الشعير وقليل من التمر الرديء. يرتدي أهل هذه البـلاد لباسا سيئا، فقـراء، لأن الأعراب يستغلونهم ويستنزفونهم، ويذهب بعضهم للإتجار في مملكة ولاتــة”[6].
- «بـلاد نـول يحدها شمالا السفح الجنوبي الغربي للأطلس الصغير، جنوبا الساقية الحمراء، غربا المحيط الأطلسي، شرقا واد تمنارت حتى معـذر سلام بوادي درعة»[7].
- ورد لدى الباحث عبد العزيز بن عبد الله حين حديثه عن مجال وادي نون، أنه «يقع في قلب تكنـــة، أهله يعيشون في القصور لهم نعجــة وريادة قليلة، منهم أيت موسى وأزوافيط وأيت حماد»[8].
- «حسب أغلبية المصادر الكلاسيكية لتاريخ بلاد المغرب، تمتــد منطقة وادنون أو نــــول من إقليم أكادير، ويمر بها وادنــون الذي ينبع من الجبال الواقعة خلف قرية الايدالة (تايدالت )، ويصب في المحيط الأطلســي»[9].
- يُعرف أبــو عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن محمد البكري الأندلسي، منطقـة وادي نــون، بأنها مجال عمارة جزولـــة ولمطـــة، وأن نهرها يصب في المحيط، وهي في أول الصحـــراء[10].
- وبخصوص التحـديـد الجغــرافـي الأوربــي، نجـد على سبيل المثال لا الحصر، جواكين كاتيل (Joachim Gatell) يقدر المساحة الإجمالية لسهل وادنون بـ 144 كيلومتر مربع[11]، وغير هذا التحديد الجغرافي، فإن الكتابات الأجنبية لا تتحدث ســوى عن مجــال أو “بــلاد تكنــة” بالجنـوب المغربــي.

ب ) – مفهــوم النــص التاريخــــي:
قبـل الخــوض فـي المقاربــة المعرفيـة والمنهجيــة لدراسة النص التاريخي بوادي نون، باختلاف أنواعــه وأشكالـه، يجــدر بنا التوقف عند مفهومــه على نحـو أشمل وأدق، حيث يُمكن تعريفه بوصفه بنيــة أصليــة[12] مرتبطة بالواقع المعيش في الماضي، البعيد منه أو القريب، وتحمل دلالات أنتجتها الذات الجماعية أو الذات الفردية، سواء على المستويات الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية أو العسكرية أو الفكرية أو الدينية. وهي بنيــة ذات دلالات قابلـة للفهــم والتحليل والتفسير والتركيب، متى ما أمكن تفكيك كافة رموزها وألفاظها، وإرجاعها إلى معانيها الأصلية، بما يتيــح الإخبار بمختلف أحداث الماضي البشري والاستفادة منها بشكل أو بآخر، دون الوقوع في أوصـاف أو تـأويــلات خاطئــة.
انطلاقــا مـن هـذا المعنـى، يكتســي النــص التاريخـي مفهـومـا آخـر وأهميـة بالغــة، تتجلى في قدرتـه على تنمية مهارات وكفايات كل من المتعلم[13] والباحث المؤرخ على حد سواء، سواء على مستوى دقة الملاحظة والوصف والمقارنة، أو على مستوى النقــد والتمحيص والتحقيـق والتدقيـق، ويُضاف إلى ذلك، بعد آخـر لا يقل أهميـة، يتمثل في إسهام النص التاريخي، باختلاف أنواعه وأشكاله، في تحقيق تنميـة ثقافيـة وعلميــة، وتطوير الفكـر، بــل وأحيانا في تغييـر المواقف والآراء السابقة وتصحيحها بشأن هذا الحدث أو ذاك، وذلك تبعا للمستجدات التاريخية التي تُسفر عنها الأبحاث الميدانية والشفهية، وما ينتج عن مقارنة ودراسة مختلف النصوص التاريخية، سواء تلك التي سبق تناولها بالدراسة والتحليل، أو غيرها مما يظهر بين الفينة والأخرى، كالوثائق والسجلات والمراسلات والعقود وغيرها، والتي تتطلب بدورها معالجة علمية دقيقة، قصد استنتاج واستخلاص المزيد من المعطيات التاريخية الأكاديمية.
ت ) – المقاربـة المعـرفيـة والمنهجيـة لـدراسـة النـص التاريخـي في منطقة وادي نـون ومحيطـها القبلــي:
لـن نـدعــي في هذا المقال العلمـي، تقديم مقاربـة معرفيـة ومنهجيـة شاملة ومتكاملة لدراسة النص التاريخي بمنطقة وادي نون أو غيرها، بقـدر ما نسعى إلى ترسيخ جملة من المبادئ العملية والعلمية على المستـوى التاريخـي، وذلك من خلال ايراد بعض الأمثلة والنماذج النصية التاريخية التي نراها مناسبة لمعالجة هذا الموضوع، هذا في ظل اختلاف الرؤى والتوجهات والمناهج ومبادئ وضوابط المدارس التاريخية. وعليــه، نحاول وضع القارئ أمام مجمل الظروف العامة المحيطة بدراسة النص التاريخي، وما يعتريها من إشكالات وصعوبات مختلفة، فضلا عن تقديم بعض الحلول الكفيلة بتجاوز هذه الإشكالية التي تعترض الباحث في مختلف الأزمنة والسياقات.
في هذا الإطـار العلمـي، أسهـم انفتاح التاريــخ على علوم مساعدة متعددة، مثل الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا وعلوم اللغة والاقتصاد وغيرها، على تطور المقاربة المعرفية والمنهجية المعتمدة في دراسة النصوص التاريخية باختلاف فتراتها الزمنية وأنواعها، سواء كانت وثائق، اتفاقيات، معاهدات، سجلات تجارية، كتابات قديمة مرسومة أو منقوشة أو مكتوبة على الجلود أو الصكوك أو الأحجار أو الخشب[14]، مراسلات، كتب الرحالة والانساب والتراجم، عقود البيــع والشـراء والـزواج وغيرهـــــــــا.
وقد ساهــم هــذا الانفتاح أيضا في إعـادة النظر في هذه المقاربة العلمية، نظرا للمستجدات المتصلة بالظواهر والأحداث التاريخية، حيث يُنظـر إليها اليوم باعتبارها متحركة في الزمان والمكان، عكس ما كان يُــتصور أو يُـدرس سابقا، فقد أدى ظهور وثائق ودراسات جديدة إلى الانتقال من التعامل مع التاريخ بالطريقة التقليدية المعتمدة على سرد الأحداث كما وردت في الوثائق المكتوبة أو الروايات الشفوية، والاكتفاء بما يدور حولها من تأويلات، إلى التعامل معــه بشكل علمـي وموضوعـي، يُمكن الباحث المؤرخ من التدقيق والتحقيق في الحدث من جوانب متعددة ومهمة، ماديــــة كانت، أو معنـويــــة.
بمعنــى آخــر، الاهتمام بدراسة مختلف البنيات التاريخية وتحليلها وفهم علاقتها وتفاعلها مع العلوم المختلفة، والمؤثرات الطبيعية والبشرية، بهـدف الوصول إلى الحقيقة النسبية، أو المطلقة إذا أمكــن، خدمة للمجتمع وتصحيح مساره التاريخي. ومن خلال هذا المنهج أو المقاربة العلميــة، يُمكن بنــاء الحاضر والمستقبل على أسس موضوعية، والانتقال بالحدث من نطاقه المحلي الضيق (المجال الخاص) إلى نطاق أوســع (المجال العام)، مما يبرز الترابــط والتأثير والتأثر الحاصل بين مختلف البنى التي تشكل مسار الحياة الإنسانية عبر التاريـــخ.
انطلاقــا من ذلك، فإن اعتماد المقاربـة المعرفيـة والمنهجيـة في دراسة النص التاريخي بمجال وادي نون ومحيطه القبلي، بوصفه مجالا شهـد تحولات بنيوية عميقة بمرور الزمن، يطرح إشكاليات مُتعددة، من أبـرزهـا ما يرتبط بمضمون الحدث التاريخي ذاتــه، حيث يبرز اختلاف واضح بين ما كُتب عنه ضمن الدراسات الكولونيالية التي عملت إلى تأويــل الأحـداث، وتسخيـرهــا لخدمة المشروع الاستعماري على مستويات متعددة[15]، وبين ما ورد في الوثائق والمصادر والمراجع المحلية والوطنية، وهي التي سعت في المقابل إلى الـرد والدفاع ومحاولة نفــي أو تصحيح كثير من الأطروحات والتأويلات التي جاءت بها الكتابات الأوروبية حول المغــرب عامــة، ووادي نـــون ومحيطه القبلــي خاصة[16].
ويمثــل مـا ورد في بعـض مؤلفات العلامة محمد المختار السوسي (مؤلف إليـــغ قديما وحديثا – مؤلف المعسول بمختلف أجزائه، …) نموذجا دالا في هذا السياق المعرفي والمنهجي؛ إذ عالــج فيها طبيعة العلاقة التي جمعت بين المغرب الصحراوي (وادي نون ومحيطه القبلي نموذجا) والأجانـب الأوروبيين من خلال مقاربة علمية رصينـة، بعيـدة عن التضخيم أو “التأويــل” غير الموضوعي للحدث التاريخي[17]، وذلك على خلاف ما درج عليـه عدد من الكُتاب والضباط الأجانب، الذين تقمصوا أدوار المؤرخين والباحثين في حقل التاريــخ، غير أنهم ابتعدوا عنه علميا وواقعيا في كثير من كتاباتهم وتقاريرهم حول منطقة وادي نون وغيرها، ولا سيما فيما يتصل بالجوانب التي تخدم مصالحهم، أو تبرر تدخلهـم الاستعماري الايـديــولـوجــي.
وفـي هـذا السياق، يُـلفت المفكر عبد الله العـروي الانتباه إلى إحجام الكاتب الاستعماري عن استعمال مفهومي “المجتمع” و”الدولة” عند حديثـه عن المغرب، في محاولة لنفي وجود دولــة ومجتمــع مغربيين خلال القرن الماضي. وهو ما يتقاطع، في الآن ذاته، مع ما دعا إليه الباحث جرمان عياش في أكثر من مناسبة تاريخية علمية، حيـن شـدد على ضرورة الاعتماد على الوثائق المغربية، باعتبارها تقدم وجهة نظر جديدة ومغايرة، يُـدرس من خلالها المغرب بوصفه موضوعا قائما بذاتــه، وذلك عبر قراءة الوثائق والنصوص المحلية انطلاقا من الواقع التاريخي المغربي، لا من خلال التقارير والتصورات والتأويلات الأجنبية.
إن مسألــة الاختلاف الحاصل بشأن مضامين النصوص التاريخية على اختلاف أنواعها، والمقاربة الواجب اعتمادها قصد تحقيق الفهم الدقيق وتحديد سياق الأحداث، تحيلنا على إشكالية أخــرى، مفادها أن عددا كبيرا من الدراسات المحلية التي تناولت تاريخ وادي نون ومحيطه القبلي، اعتمدت، في الغالب، على المصادر والمراجع العامــة[18]، سواء المغربية منها أو الأجنبية، أكثر من اعتمادها على المصادر المحليـة، ويُعــزى ذلك إلى نــدرة هذه الأخيرة وقلتهــا، ولا سيما ما يتعلق بالوثائق والمخطوطات التي توجد أغلبها في حــوزة الخـواص، أو ضمن ملكيـات خاصـة، وما يُـرافــق ذلك من إشكالات مُتداخلـة ومُتنوعة يصعب، في كثير من الأحيــان، إيجــاد حلــول ناجعــة لها.
وقد ترتب عن هذا الوضع العلمـي، نــوع من القصور في تحليل ودراسة مجمل بنيات مجال وادي نون وتاريــخ نصوصه بصفـة شاملــة، الأمر الذي يفرض على الباحث في الحقل التاريخي المتصل بهذه المنطقة الصحراوية، ضرورة الوعــي بهذه الاشكالية والعمل على معالجتها، وذلك من خلال الإسهام في تطوير مُقاربــة معرفيــة ومنهجيــة قادرة على صياغة تاريخ هذا المجال وتحقيقه علميــا، وتثمين مختلف مصادره، الخاصة والعامة، مع السعي في الآن ذاتــه إلى ملاءمتها مع المستجدات العلمية التي تُـعيد قــراءة التاريخ وتُـصححه، أو تُـكشف مـا كـان مُـضمرا أو مُستـتـرا فيــــه.
ويتحقـق ذلك، بالاعتماد على جــرد وتصنيف ودراسة مختلف الوثائق والمخطوطات وغيرها من المصادر، ولا سيما المصادر الأوروبيــة[19] منها، على اختلاف توجهاتها، قصد إعــادة تناول تاريخ منطقة وادي نون ومحيطها القبلي من زوايا متعـددة ومهمــة، تُبعـد عنه المقاربــات الأحاديــة (محاولة مقارعة المصادر المحلية المغربية بغيرها من التقارير والدراسات التاريخية الأجنبية، خاصة الأوروبية باختلافها)، وتُتيـح فهم مُجمل العلاقات التي تشكلت في سياقها الزماني والمكاني، وتحديد مختلف العناصر الفاعلة في بناء البنيات المجتمعيـة، بما يُسهــم في بنــاء الحاضر والمستقبـل، والتحـرر من أشكـال التبعية الثقافيــة والتاريخيـة والإيـديـولـوجيــة.
وفي هذا السياق المعرفي المرتبط بفهــم وتحقيــق مضمون النص التاريخي وتنوع مصادر معلوماتــه، وما يقتضيـه ذلك من متطلبات منهجيـة تكتسي أهمية قصوى في مجال وادي نون، ذي العلاقات المتنوعة والمتشابكة أحيانا، تجـدر الاشارة إلى أن الباحث المؤرخ بهذه المنطقة الصحراوية، مُلــزم بالبحث عن المزيـد من الوثائق والمعلومات التاريخية الجديدة[20]، قصد إضافتها إلى رصيـده المعرفي العلمي، وإلى ما بحوزتـه من مادة أولية سبق لــه الحصول عليها بطرق مختلفة، ويلي ذلك، القيام بجـرد هذه الوثائق وتصنيفها، ثم العمـل، في مرحلة لاحقـة، على قراءتها وضبطها وفهم مضامينها وسياقاتها، فضلا عن إخضاعها للنقــد التاريخي بنوعيه، الداخلي والخارجي، بهدف بـنــاء سـرد تاريخي يتصف بالمصداقية العلميـة، ويتـلاءم في الوقت نفسه مع الإشكالية المطروحة وأهم الفرضيات المعتمدة في الدراسة والمناقشة الأكاديمية.
وفي هذا السياق المرتبط بجمع ودراسة الوثائق والنصوص التاريخية بوادي نون ومحيطها القبلي، يتعين على الباحث والمؤرخ التريث في إصدار الأحكام بشأن أهم أحداثها، أو الامتناع عن ذلك إلى حين التأكـد والتحقق من جميع حيثيات الحدث أو الظاهرة، بمختلف الوسائل، من بينها الاستعانة بالعلوم المساعدة. فإصدار أحكام قطعية، قد يُشكل أحينا عائقا أمام تطـور علــم التاريــخ وفهــم بنياته الأساسيـة.
ويمكـن الوقوف على ذلك من خلال بعض المجالات الجغرافية، من قبيل منطقة إليــغ ومنطقة جبـل بانـي ومنطقة لاخصـاص (الامتداد الجغرافي والاقتصادي والسياسي لمنطقة وادي نـون) التي ما تـزال تحتفظ مجتمعة، بعدد كبير من الروايات الشفهية والوثائق القديمة ذات القيمة العلمية، القادرة على إغناء الحقل التاريخي، ولا سيما تلك المحفوظة في صناديق خشبية قديمة، وأخرى داخل أوعيـة وقواريـر مصنوعة من الخشب، كما وقفنا على ذلك ميدانيا. ويتجلى ذلك بوضوح عند تناول الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية المرتبطة ببعض المعالم المعمارية التاريخية، وهي المعالم التي سبق أن قمنا بدراسة نماذج منها في هذا المجال الجغرافي[21].
وقد اعتبرت الروايات الشفهية الخاصة بهذا المجال الجغرافي وامتداداته، بعد جمع بعضها من لدن الشيوخ، غير قطعية في تأكيد الحدث، إذ تـم التوصل لاحقا إلى معطيات ووثائق أو نصوص مكتوبة على الخشب، أسهمت في تعزيز المعرفة التاريخية لهذه المنطقة الصحراوية وغيرها، وفي الوقت نفسـه، في تأكيد الرواية الشفهيـة أو تصحيحها أو نفيهـا.
ونورد في هذا الإطار المتعلق بأهمية النص التاريخي، باختلاف أنواعه، في تصحيح الروايات الشفهية أو تأكيدها أو نفيهـا، مثالا مما يرتبط بتاريخ العمارة في المحيط القبلي لمنطقة وادي نون، وذلك من خلال مثالين نوضحهما على الشكـل التالـــي:
- – المثــال الأول: تُحيل الروايات الشفهية المتداولة بقبيلة لاخصاص، التي تربطها بقبائل منطقة بوادي نون علاقات تاريخية مهمة، بنــاء وتشييـد مجموعة من البنايات القديمة (أنظر الصورتين الفوتوغرافيتين أسفله: الصورة رقم 01 – 02) المُشيدة على أعالي جبال الأطلس الصغير إلى البرتغاليين خلال القرن 16م، وذلك استنـادا إلى تواتــر هذه الروايات من السلف إلى الخلف، غير أن دراسة ومقارنة ما ورد في النصوص التاريخية لدى عدد من المؤرخين الذين تناولوا هذه الفترة من تاريخ المغرب، تفند هذا الطـرح، اعتمادا على وثائق ودراسات تتعلـق بفترة الوجـود البرتغالي بالسواحل المغربيــة[22].
الصورة رقم 01: معلمة أكادير أونغيــر بمنطقة لاخصاص

الصورة رقم 02: معلمة أكادير نكـولي بمنطقة لاخصاص
- – المثــال الثانــي: إذا كان المثال الأول يُبــرز نفــي النص التاريخي لما ورد في الروايات الشفهية، فإن المثال الثاني يوضح العكس، ويتجلى ذلك من خلال واحة أمتضي الواقعة شـرق منطقة وادي نون، حيث تحيل مجموعة الروايات الشفهية بناء معلمة[23] “أكاديـر ايصضـار” (أنظر الصورة أسفله: الصورة رقم 03) إلى أهــال قدمـوا من منطقة تامدولت بنواحي مجال طاطا، ويعرفون بــ “إمـاريــرن”.
وقد دخل هـؤلاء (إمـاريــرن) في صراع حـاد مع إحدى الفخـذات الأصلية بهذه الواحـة، وهي فخـذة “إدشــوو” التي تقطن معلمة أكاديــر أوكلــوي، مما أسفر عنه مقتـل جميع أفراد فخدة “آل إماريرن”، باستثناء امرأة حامل تُدعى “الزهرة بنت عبد الله أبـو مسعود”، التي استطاعت الفـرار إلى بلدتها الأصلية “إفران الأطلس الصغير”، وهناك أنجبت ابنا سمتــه “محمد بن محمد بن براهيم الأمريري الأمتضيي”، نسبة إلى أبيــه وفخذتـه بواحة أمتضي.
وعندما بلغ هذا الابــن سن الرشــد، تـزوج وأعاد نسب أسرته وفخذته إلى هذه الواحة، وأقسموا على عدم ربــط أي علاقة مصاهرة أو قرابة مع أهالي فخـذة “إدشــوو”.

وتوجــد وثيقـة تاريخيــة (أنظـر الوثيقـة أسفلــه) يُعبــر نصها بشكل غير مباشر، عن صحة ما ورد في الروايات الشفهية المتداولة، وذلك بخصوص ظروف معلمة “ايصضـار” والصراع الذي نشب بين “آل إمـاريـرن” الوفدين إلى الواحـة، وآل “إد شـــوو” الأصليــون بها، بــل إن هـذا النــص التاريخـي الأصلي، الذي يعـود إلى سنة 1758م، قد صحح اسـم الأم واسـم الابــن الأمـريري، حيث اختلفت بشأنهما الروايات الشفهية في العديد من اللقاءات والمناسبات العلمية والاجتماعية.

لــن تـقــف المقاربــة المعرفيـة والمنهجيـة لـدراسة النصوص التاريخية لوادي نون ومحيطه القبلي، وتطورها عند حد استثمار مختلف المصادر المادية الملموسة، سواء كانت محلية، أو وطنية، أو أجنبية، والحفاظ عليها من مختلف العوامل التي تُلحق بها الأذى، بــل ينبغي أن تمتــد هذه المقاربة العلمية إلى توظيف البحث الميداني على غرار ما تم القيام به في إنجاز دراسات تاريخية علمية سابقة ومهمة[24]، أسهمت في فهم ودراسة التحديد الجغرافي للأماكن وارتباطها بالظواهر الجيولوجية أو الأركيولوجية أو التاريخية.
كما تبرز أيضا ضرورة استثمار ما توفــره الذاكرة الشفهية لسكان هذه المنطقة الصحراوية[25]، الذين عرفوا عبر التاريخ بالتعاون والصراع في الوقت نفســه[26]، سواء بين بين الأصليين أنفسهم (اللمطيون – الجزوليون …)، أو بينهم وبين الرحــل، خاصة الرحل العرب بعد قدومهم إلى المغرب إبان القرن 13م، حيث كان هؤلاء يبحثون عن الكلأ للقطعان، ويعملون على تأمين المسالك والتحكم فيها لتنشيط الاسواق والمواسم، قصد امتهان التجارة وتنميتها في ظروف صعبة في زمن ما كان يعرف بزمن “السيبة”[27].
وفـي هـذا الإطــار، اختلف الأصليـون والرحــل من حيث الانتماء الاثني وطبيعة النمط الاقتصادي، الذي كان يعتمد على القبيلة وعلى علاقاتها الداخلية والخارجية، بما يضمن تنسيقا وارتباطا حتميا مع المخزن المغربي، الذي اضطلع عبر التاريخ بـدور مهم في التأثير بشكل أو بآخر على البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية للقبائل الصحراوية.
إن دراســة النـص التاريخي وفهمه وتوظيفه في البحث العلمي، من خلال استثمار مثل هذا النوع من المصادر التاريخية القيمة، وبقـدر ما ترتبط باللسان الشفهي والذاكرة المحلية لوادي نون ومحيطها القبلي، وقدرتها على استيعاب معـزى البحث وتخزيـن المعلومات واسترجاعها، وإعادة توظيفها بشكل صحيح وعلمـي، بعيـدا عن العاطفة والايديولوجيا وغيرها من المؤثرات التي تنعكس سلبا على تحقيق الحدث ووضعه في سياقه التاريخي، فإنها تقتضـي بالضرورة فعلا منهجيا ومعرفيا مُحكما، مُرتبطا بالحقل التاريخي، ومُنفتحا في الوقت نفسـه على باقي الحقـول العلميـة الأخــرى.
ويُستحضر في هـذا السيــاق، ما حـدده الضابط الفرنسي ليـوبـولـد جـوستنار (Léopold Justinard) من شروط في خطابه الذي وجهه إلى ضباط الشؤون الأهلية، أثناء قيامهم بالمهام الميدانية الرامية إلى ترسيخ الوجود الاستعماري، والمتمثلة في الصبر والأنـاة والحذاقة والذكاء والحظ، وضبط اللغة المحلية، إلى جانب توظيف قــدر مُـحدد من السلطة المتاحـة لدى هؤلاء الضباط[28]، وهو النهــج ذاتــه، الذي اعتمده عدد من الباحثين في تاريخ الجنوب المغربي بصفة عامــة، من أمثال الباحث آفــا عمــر، إذ لــم يلجــؤوا إلى الروايات الشفهيــة، إلا بعد إحاطة تامــة بالمنهج التاريخي العلمي، وبسيـاق مضامين كل ما هو مكتوب حول مختلف البنيات التاريخية، باعتبار ذلك، شرطا أساسيا لتحقيق الروايات الشفهية، وتحـديـد مـدى صحتها، ومــدى إسهامها في كتابـة التاريــخ أو إعــادة كتابتــه انطلاقـا من النصـوص والـوثـائـــق ….
ويُـعد الأخــذ بمجمل هذه الشـروط الميدانيـة، قصد إغناء التاريخ المكتـوب بالاعتماد على النصوص والوثائق ونحوها، عامـلا حاسما في تفسير محدودية توظيف الروايات الشفهية في عدد مهم من الدراسات التاريخية السابقة والحالية بمنطقة وادي نون ومحيطها القبلي، وذلك خشيــة الوقـوع في المحظور التاريخي (المعرفي والمنهجي)، الذي قد يؤدي بالباحث والمؤرخ إلى الخطأ في تحديد السياق التاريخي للحـدث، وفي تثمين التـراث المجالي بمختلف أنواعــه وأشكالــه ومظاهــره.
إن مختلف هذه الظروف المرتبطة بالميـدان، تحــد من توظيف العديد من الروايات الشفهية واستثمارها بشكل مهم في دراسة النص التاريخـي، وذلك بسبب غياب السند أو المرجع الذي يمكن الاعتماد عليه في إجـراء المقارعـة المصدرية والخروج بنتائج ذات قيمة علمية على المستوى التاريخي[29]، ورغم ذلك، فقد شكلت العديد من الروايات الشفهية عبر التاريخ خزانـا معرفيا مهما، لجأ إليه الانسان في منطقة وادي نون ومحيطها القبلي، قصد تقنين وضبط مجمل علاقاته وتعاملاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية، قبل أن يهتدي الأفراد إلى التوثيق الكتابي، الذي لم ينـــه أو يقـــض ـدوره على الاتفاقات الشفهية بشكل نهائي، إذ ما تزال هذه الأخيرة حاضرة إلى اليوم في العديد من المناطق الصحراوية المغربية، بما فيها مناطق وادي نون ومحيطها القبلــي الممتـــد.
ونستـدل في هـذا السيـاق المعبـر عن أهمية الروايـة الشفهية في كتابــة النـص التاريخـي، بالمـؤرخ والعلامة محمد المختار السوسـي، الذي أرخ للعديـد من المناطق السوسية والصحراوية، ولا سيما من خلال مؤلفــه “المعسـول” ومؤلفــه الآخـر “من أفواه الرجال“، فقد اعتمـد على الروايات الشفهية وفق شروط علمية دقيقة تحول دون إفساد التاريــخ، بل شروط تفتح المجال لمزيد من التنقيب والبحث عن تتمة الأحداث ووضعها في سياقها التاريخي العلمي؛ ولــم يكن المؤلف السوسـي ليلجأ لهذا المصدر الشفهــي[30]، إلا بعـد أن تعــذر عليه العثـور على الوثائق، أو صعوبة فهمها، أو انقطاع سياقها التاريخي بالنسبة لعـدد مهم من الأحداث، سواء التي اطلع على مضمونها، أو التي تعرضت للتلف أو الضياع، أو تـم إخفاؤها لظروف وأسباب متعـددة مُـرتبطة بعقليات أصحابها ومصالحهــم المختلفــة.
إن فهــم النــص التاريخـي لمجال وادي نون ومحيطه القبلـي، يرتبط بمصادر أخرى غير مكتوبــة، من قبيل الروايات الشفهيــة التي أسهمت إسهاما جذريا في تحديد مفهـوم التاريخ وإعادة النظــر فيــه؛ فقد تــم الانتقال في تناول علم التاريخ من الاقتصار على الأحداث الكبرى المرتبطة بالمجال، مثل صراعات القبائل فيما بينها وعلاقاتها الخارجية، خاصة مع المخزن والأجانب، إلى دراستــه من خلال مختلف البنى المحلية الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، باعتبارها مدخلا أساسيا ومهما لفهم تاريخ عموم البلاد المغربية، وتبيان العلاقة القائمة بين “الهامـــش” و “المركــز” على جميــع المستويـــات.
انطلاقــا مــن ذلك، فـإن تثميـن الروايـات الشفهيــة، وتوظيفها في البحث التاريخي لمنطقة وادي نـون ومحيطها القبلــي، وفــق مقاربــة معرفيــة ومنهجيــة، يستوجب بلـورة مشروع علمي متكامل يتضمن دورات تكوينية وتدريبية، ويستثمر التجارب التاريخية العلمية السابقـة، قصد تشكيل فريـق عمل مُتمكن ومُتخصص في جمــع الروايات الشفهيـة والتحقق منها، وهو ما من شأنه أن يُـمكـن مـن إعــداد قـوائــم لأشخاص قادرين على إغـنــاء التاريــخ الشفهي والكتابي لوادي نــون ومحيطـه القبلــي، وفـق شـروط علمية دقيقـة، في مقدمتها مدى معاصرتهم للأحداث، أو مشاركتهــم فيهــا، أو كونهــم شهـود عيــان عليها، إضافة إلى عامل الثـقـــة الواجب توفره في الشخص المستجـوب، باعتباره عنصرا أساسيا في إنتاج معرفــة تاريخيــة علميــة رصينــة.
إن فهــم الأحـداث والظـواهــر المتضمنة في مختلف الوثائق التاريخية بمجال وادي نـون ومحيطه القبلـي، يُلــزم الباحث والمـؤرخ بضبط المقاربة المعرفية والمنهجية التي تساعده على الاحاطة بكافة الظروف التي تفرضها النصوص المتعامل معها، ويشمل ذلك طبيعة أسلـوبها اللغــوي، سواء كان واضحا ومُلتزما بقواعد اللغــة، أو أسلوبا ضعيفا وعاميا نتيجة محدوديـة معرفـة وثقافـة كاتب النص، وكذلك الأخطاء الإملائيـة الشائعة، وطبيعة المادة أو المــداد الذي كتبت به النصوص التاريخية، والتي قد تتعرض للزوال بمرور الزمـن نظرا لظروف الحفظ والتخزين (مثل الوثائق المثنية، أو المطوية، أو المحفوظة داخل الصناديق التقليدية أو داخل قوارير من الخشب أو من القصب). كما يتطلب الأمر أيضا، دراسة طبيعة اللغة المُستعملة أو المُستخدمة فيها[31]؛ فإما أن تكون لغــة أجنبيــة (فرنسية أو اسبانية …)، أو أمازيغية مكتوبة بالحروف العربية، أو عربية فصحى، أو مزيجا من العربية والأمازيغية ولهجات أخرى من هذا المجال الصحراوي. هذه الحالات المرتبطة بطبيعة اللغـة، هي نفسها التي واجهناها في مختلف الوثائق التاريخية التي دراسناها واستعملناها في سياقات متعددة، تتعلق بالمجال الصحراوي لوادي نــون ومحيطـه القبلــي الممتــد.
إن هذه الاشكالية اللغويـة، تفرض على المؤرخ والباحث والمتعلم بذل جهد علمـي مهــم، بهدف الإلمام وضبط مخارج الأصوات ومختلف اللغات واللهجات المجاليـة، خاصة تلك التي كانت مادة دسمـة لدراسة مجال وادي نــون ومحيطـه القبلــي، وذلك لتحديد ظواهر الماضي البعيـد والقـريب وفهــم ظروفها، وتدقيق الحدث ووضعه في سياقـه التاريخي من حيث الأسباب والنتائج، وبالتالي، تصحيح مسار التاريخ وتطوره من خلال مختلف التلميحات اللسانية التي يمكن أن يلمح أو يُشير إليها مؤلف الوثيقة، أو كاتب النص التاريخي، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، عبر الحروف والمعاني والألفاظ المُـصممة بأشكـال وخطـوط متنـوعــة[32].
كما يقتضي ذلك أيضا، الوقوف خلال مرحلة البحث التاريخي على كافة المفاهيم البشرية والجغرافية وغيرها (تحديد الإطار المفاهيمي، أو وضع دليل لتفسير وفهم معجم الرصيد الوثائقي)، بهدف الخروج بمجمل الاستنتاجات التاريخية التي يمكن أن تثري الحقل التاريخي بمستجدات وإشكاليات قابلة للنقـد وإعـادة البحث. ويجب أن يكون تحديد الجهاز المفاهيمي حاضرا منذ مرحلة طرح الإشكالية وصولا إلى مرحلة التركيب، إذ يسهم ضبط معاني المفاهيم وإعطاؤها بعدا تاريخيا[33]، في توجيه البحث واستثمار معطياتـه وفق الإشكالية المطروحــة.
ونـورد في هذا السياق مثالا يُـوضح ما ذُكــر من خلال مفهـوم “أصـلالـيـب“، الذي ورد في لغــة وثيقة تاريخية سبق أن تناولناها أثناء البحث في البنية الاقتصادية لمجال لوادي نـون، وقد تطلب فهــم هذا المفهـوم البحث داخل المعجم اللغوي المتداول بهذه المنطقة الصحراوية، والمتداول أيضا في مجموعة من الوثائق التاريخية الأخرى الخاصة بالنصف الأول من القرن 20م، بهـدف تحـديــد معناه ودوره في الماضي. وتبيـن أن هذا المفهوم التاريخي يرتبط بالميدان التجاري والفلاحي؛ وبالضبط بتحـديـد مساحـة الأرض وحـدودها فـي سيـاق البيــع والشـراء، حيث ورد في الوثيقة ما مضمونــه: “بــإذن (…)، ابتاع بحول الله وقوته التاجـر (…) من البائــع لــه (…)، جميع ربــع نصف أصلالـيـب، الذي يحـده قبلــة حقلــة (المقصود الحقل) محمد في البعض (…) حقلــة (…)، وغربــا السكــة (…)، ويمينا السكــة (المقصود الزقاق) الأخـــرى (…)”[34].
كما يجب على دارس النــص أو الوثيقــة بمنطقة وادي نـون ومحيطها القبلـي، حتى يستقيم البحث التاريخي ويتصف بالموضوعية والعلمية، أن يتمتـع بالقدرة على التمييز بين النصوص التاريخية من حيث مضمونها، وبعدها المجتمعي[35]، وفترتها الزمنية[36]، وهوية التوقيعات[37] التي تتذيلها، وهوية الخواتم التي تتخللها[38]، وهوية القبيلة أو المكان أو الجهة الصادرة عنها[39] إن أمكن ذلك، لا سيما في ظل غيـاب مثل هذه المعطيات الهامة لأسباب متعددة، خاصة السياسية والاجتماعية.
إضافة إلى ذلك، ينبغـي العمل على تحديد ومعرفة أصحاب النصوص التاريخية، لا سيما العــدول والمـوثقــون، بمــن فيهـم العديد من التجار الذين كانوا يُـوثقون المواد التجارية المتعامل بها، وما يتخلل معاملاتهم من أمـور أخرى مرتبطة بمختلف البنيات القبلية. ويسهم ذلك كله في التأكد غالبا من زمـن الوثيقة والظروف والسياق الذي أنجـزت فيه، وكذلك من صـدق مضمونها وعدم تعرضـه للتحريف أو التزوير، أو النسخ الذي قد يطال النص الأصلي، مع الاستناد إلى كاتبه وما عُـرف عنه في ميدان التاريخ ولدى الباحثين والمتخصصين[40]، وإلى أهم الـرواة الذين يُـعتمد عليهم في جمع الروايات الشفهية وتحقيقها، بما يسهم في إدراك وفهــم ووصف وتحليـل وتـركيب البنيات والأحـداث المرتبطـة بها.
ث) – آليــات الحفــاظ علـى النــص التاريخــي بمنطقة وادي نــون ومحيطـها القبلــي، وسـبــل تثمينــه:
تحتاج النصوص التاريخية بمنطقة وادي نون ومحيطها القبلي إلى إنقاذها من الضياع[41]، الناتــج خاصة عـن الخـرم والأرضـة[42] ومختلف التأثيرات الجوية والبيئية، فضلا عن سـوء التعامل معها وكثرة تداولها؛ وذلك نتيجة اللمس غير السليم الذي تتعرض له الوثائق أثناء الاطلاع على مضامينها من طرف بعض الباحثين، إذ يجهل عدد منهم أساليب وتقنيات التعامل مع الوثائق الأصلية، ولا سيما تلك التي توجد في حالة فيزيائية هشة وضعيفة جدا. ومن تم، يتعين العمل على تعقيم هذه الوثائق ومعالجتها كيميائيا (من خلال التغليف – سد الثقوب التي تتخلل أوراق الوثائق التاريخية …)، ضمانا للحفاظ عليها وتثمينها، واستدامة وجودها بالخزائن العامة والخزائن الخاصة، بما في ذلك أرشيف عدد من الأســر التي تتوفر على رصيـد وثائقي مهــم بمجال وادي نــون ومحيطـه القبلـــي.
إلى جانب ذلك، يجب إنقــاذ النصوص التاريخيـة بهذا المجال الصحراوي من الجهل والأمية، اللذين مـازالا مُـرتبطين بمضمون الوثائق وأشكالها وأنواعها والرموز التي تتخللها؛ إذ تُـفصح العديد من الروايات الشفهية بمجال وادي نون ومحيطه القبلي، عن اشكالية ربــط هذه المصادر التاريخية الثمينة بمجموعة من المعتقدات الشعبية، وبأماكـن وجـود الكنــز، وبمسألـة تحديـد الأملاك العقاريـة وعدد نوبات الماء، وما يترتب عن ذلك كله من نزاعات مُـتعلقة بتحديد التركــة وضبط موضوع الإرث، أو ما شابه ذلك من صراعات أخرى داخل المجالات القبلية لوادي نون والأطلس الصغير الغربي، اللذين تربطهما علاقات تاريخية مهمة ومتنوعة ما تـزال في حاجــة إلى مزيد من البحث والتقصي التاريخي، وبالتالي، فإن تظافر الجهود الجماعية من لدن الباحثين والمتخصصين في التاريخ وغيره، أصبح ضرورة مُـلحة لصيانة التراث الثقافي وتوثيقـه، وحماية النصوص التاريخية، وإنقاذها من الضياع والسرقــة بمختلف أشكالها[43]، لما لذلك من أثــر سلبــي يتمثل في فقدان السياق التاريخي لعدد من معطياته وظروفــه العلميـة التي من شأنها إغناء البحث العلمي.
وفي هذا الإطار المتعلق بحماية وحفـظ النــص التاريخـي من مختلف أشكال الضياع، يُـعد توظيف الوسائل التقليديـة[44] والوسائل التكنولوجية، وتعميق المعرفـة العلميـة بها[45]، من أجل حفـظ الوثائق التاريخية لوادي نون وغيره، أمــرا مهما وضروريا، على غـرار مــا تــم ويجـري العمل به في الدول الغيـورة والحريصة على ماضيها وتراثها، إذ ينبغـي الاستعانة بالحواسيب والأدوات الرقمية وغيرها للحفاظ على الوثائق، وتطوير طرق الاطلاع عليها (تحـويــل الوثائـق إلى صـور رقميـة على شكــل ميكـروفيلـم … – الاستعـلام عن الوثائق بالكلمات المفتاحيــة – عـرض الوثائـق بسرعة معلوماتية – الفهـرســة والتصنيف والتـرتيب …)، وتوظيفها أحسن توظيف في كتابة أو إعادة كتابة تاريـخ هذه المنطقة الصحراوية، التي عرفت بنياتها المختلفة عـدة تحولات جذريـة منـذ أمد بعيـد، خاصة منذ القرن الخامس عشر الميلادي إلى حدود منتصف القرن العشرين، فقد تعرضت هذه المنطقة للتدخل الاستعماري، الذي أحـدث تغييـرا بنيويا مهما وملحوظا على مختلف المستويات، وما تـزال هذه التحولات تُشكل مــادة علميـة غنيــة للباحثين، قصد دراستها وتحـديــد علاقتها بالتاريــخ الوطنــي ككــل.
خــلاصــــــــة:
ختـــامــــا، لـن يستطيـع المؤرخ والباحث في منطقة وادي نون ومحيطها القبلي، التمكن من المعرفة التاريخية والمنهجية المساعدة على إنتاجها، إلا بعد المرور بتجربة علمية غير يسيرة، يتخللها التناول والتداول المستمر لمختلف أنواع الوثائق والنصوص، إلى جانب الإلمام بأحداث تاريــخ هذه الفترة أو تلك، اعتمادا على شتى المصادر والمراجع والدراسات، وهو ما يُـتيــح للمؤرخ والباحث لاحقا القدرة على استنتاج واستنباط وفهــم المعنى التاريخي للوثائق، وتوظيفـه على الوجــه الأمثــل في إنجاز الأبحـاث العلميـة، وفي تطوير العملية التعليمية التعلمية بمختلف الأسلاك التربوية، ولا سيما عند التعامل مع النصوص التي لا تحتـرم أدوات الترقيــم، أو التي تتضمن فـراغـات إما مقصودة أو مبتـورة لأسباب متعددة، كما أشرنا إلى ذلك آنفا، إضافة إلى النصوص التاريخية الأخرى التي تحتـوي على جمـل أو كلمات أو الفـاظ غير معروفــة، سواء على المستوى البشري أو الجغرافي أو غيرهما، مما يـزيــد من صعوبة استكمال فهــم الحــدث أو الظاهـرة، وهو ما يفرض في مثل هذه الحالات العلمية، البحث عن مزيــد من الروايات الشفهية والوثائق المكتوبة التي لم يُــطلع عليها بعــد، قصد استكمال المعنـى ووضعــه في سياقــه، وربطــه بالتاريـخ الشمولـي للبـلاد، بهدف تأكيـد الروابط القائمة في كل فترة زمنيــة على حــدة، وتبـيــان دورهـا في تحقيـق التلاحـم وتأكيـد تـرابــط مختلف البنيات وتطورهـا، سـواء علـى المستــوى المحلـــي، أو علـى المستــوى الوطنــــي.
إن الإلمام بالمقاربة المعرفية والمنهجية المرتبطة بتناول مختلف النصوص التاريخية في منطقة وادي نون ومحيطها القبلي، يسمـح بإعادة إنتاج الوثيقة وإحيائها من جـديــد، مما يُـفضـي إلى سهولة وقابلية توظيفها في المتــن أو البحث التاريخي العلمـي، الذي يصبـو إلى مُعالجة حـدث أو ظاهـرة تاريخية معينة يُـستفاد منها في الحاضر والمستقبل، بمعنى آخر، يتمثل ذلك في العمل على تحقيق الوثيقـة ودراستها دراسة علمية أكاديمية، بــدءا من الاستئناس بها وفهــم مضمونها، وتحديـد نوعيتها وظروفها الزمانية والمكانية، وصـولا إلى الوقوف على أهميتها العلميـة على المستوى التاريخي، ودورها في إغناء هذا الحقل وغيره من الحقول المعرفية الأخرى، وذلك من خلال إبـراز المستجـدات التي أتـت بها باعتبارها معطيات قابلــة للنقــاش والنقـــد العلمـــي.
ورغــم مـا قــد يشـوب المضمون أو التحليل المتـوصل إليه من نقص أو نواقص، نتيجـة محدوديـة المادة الخام المتوفـرة، فإن ذلك يظل في انتظار الحصول على معطيات أخرى من شأنها أن تجعل علم التاريخ علما مُتجددا ومُتحركا في الزمان والمكان، وهـي الاشكاليـة التاريخيـة العامــة التي يمكن للباحث والمؤرخ تناولها، أو الإشارة إليها في الدراسة التاريخية قيد الإجراء والإنجاز، حتى يتسنى لبقية الباحثين إعادة البحث فيها، ومحاولة الإجابة عنها من خلال العمل بمفهوم “التأويــل”، والاستعانـة بمجموعة من المصادر والمراجع، ومقارعتها ومقارنتها بمضامين وثائق الفترة التاريخية نفسها، قصد تـدارك هذه النواقص التي يمكن تجاوزها باتباع مثل هذه المقاربة المنهجية والمعرفية التي يجب الأخــذ بهــا بـدقـــة وحــرص علمـي شـديــد.
إن هذا المقال العلمـي الذي يتمحور حول موضوع ضرورة التمكن من مقاربة معرفية ومنهجية، تُسـاعــد على التعامل العلمـي مع النـص أو الوثيقـة التاريخيـة مهما كان نوعها في مجال وادي نون ومحيطه القبلي، يهدف أيضا إلى إخراج التاريـخ المحلـي والجهـوي من سجـن الماضي أو غياهب النسيان، ومن متاهــة التحليل والتفسير والتأويل غير العلمي أو غير المنطقي، الذي كان يخدم إيديولوجيات[46] معينة، وأهدافا استعمارية سائدة حتى اليوم القريب. كما يسعى هذا المقال أيضا إلى محاولة إعادة كتابتــه (التاريـخ المحلـي والجهـوي)، خاصة على المستوى السياسي المرتبط بالدولة المغربية في علاقاتها مع مختلف الدول، بما فيها الدول الافريقية، حيث تتــم العودة إلى علــم التاريخ قبل كل شيء لتمتين الروابط وتقويتها أكثر مما كانت عليه من قبـــل.
وهــذا ما يحتم ضرورة توظيف النــص أو الوثيقة التاريخية بشكل علمــي، يخـدم مُـجمل مصالح الوطــن، ويعمل على إثبات هويتــه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية والثقافيـة، دون انقطاع في الـزمـــن أو المكـــان.
ولــن تتحقـق هذه المقاربــة التاريخيـة على المستوى المنهجي والمعرفي بشكل ايجابــي، إلا بعد تطبيـق جهـويــة موسعـة على المستوى الثقافي، يُـعطى فيها للتاريخ أهمية واضحة، تكمن في استحـداث مراكز تربوية وتعليمية فعليــة، وخزانات تعنـى بحفظ وجمــع وتصنيف ودراسـة وتحقيـق النصوص والوثائق المحليــة، بــدلا من إبعادها عن مجالها الأصلـي الذي تنتمي إليه باتجاه خزانات مركزية، تحت ذريعة الجمــع والحفــظ، مما يُبعـدها ويفصلها عن المجال والبنيــة الفكريــة التي ولــدت ونشــأت فيهــا.
ففي هــذه البيئــة تُـتاح للمؤرخ والباحث إمكانية فهــم النصوص وتفسيرها وتأويلها واستثمارها بشكل صحيـح، انطلاقا من المصـدر والأصــل[47]. وفي هذا الصـدد، لــن تكـون الجامعات الجهويــة المحلية حسب تعبيري، بنظامها التعليمي البيداغوجي المتجـدد، بالإضافة إلى المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، في منــأى عن هـذا التوجــه العلمـي والأكاديمــي، بقــدر ما ستكون فاعلــة وموجهـة لــه، سعيا إلى ايجـاد حــل نهائــي، إن صح القــول، لإشكاليــة دراســة وتنـاول النصـوص المغربيــة بكافــة أنواعهــا.
إن البحث وتطوير التاريـخ، انطلاقا من المجال المحلـي / الجهــوي باتبـاع مقاربة معرفية ومنهجية علمية ورصينة، لا يعني الفصل الثقافي على المستوى التاريخي بين “الهامــــش” و “المـركـــــز”، بقــدر ما يتعين أن يكون المجالان في تعاون واتصال متيـن لا يضر أي منهما الآخـر؛ إذ يجب أن يسعيا إلى ضبط وتقنين المعاملات الثقافية والفكرية بينهما، مع مراعاة الشروط التي تعمل على ترسيخ البنود والقوانين، لتصل في النهاية إلى ضبط الحـدث أو الظاهـرة التاريخيـة، وإبـراز دورها في ترابــط مختلف بُـنـــى المغــرب ككــــل.
وفـي الأخيــــر، سعيــا إلى تحقيق جهويـة موسعـة تعـود بالنفـع على المعرفة التاريخية ومنهجها العلمي بمنطقة وادي نون، نقتـرح، بتنسيق وعمـل مع بعض المراكز والجامعات، بالإضافة إلى مؤسسات أخرى على المستوى المركزي (أرشيف المغرب – الخزانة الحسنية – المديرية الملكية للوثائق – خزائن خاصة …)، تأسيس معهـد جهـوي أو ما شابهــه (منظمة – أكاديمية – مركز …)، تـوكــل إليـه مهمة التعامل المنهجي والمعرفي مع مختلف النصوص التاريخية، سواء المحلية منها، أو الوطنية، أو الأجنبية التي تناولت تاريـخ منطقـة وادي نـــون ومحيطهــا القبلــــــي.
وإلى جانب ذلك، ينبغـي العمل في الوقت نفســه على عقـد اتفاقيات وشراكات ثقافية وفكرية، تتبنــى مشاريـع علميـة وأكاديميــة هادفـــة، يكـون المؤرخ والباحث والمتعلم المحلي محورهـا، بهدف ضبط التاريـخ الجهـوي والبحث في العلاقات التي ربطته بما هو وطني ودولي عبر التاريخ، وذلك بعيدا عن النقــص أو التأويــل الخاطئ، أو النقــد غير العلمـي الذي شاب كتابات من سبقونا إلى دراسـة هـذا المجــال الصحــراوي.
الـبـيـبـلــــوغــــرافــيــــا
- الـوثــائـــق التاريـخـيـــة:
- الوثيقة رقم: 13، المجلد 01، مُصنفة بخزانة دار إليــغ، فـرع إنزكان، تحث إشراف الأستاذ بودميعة البخاري (الموضوع: التدخل الأوروبي في سواحل الجنوب المغربي بتاريخ 22 ذو الحجة 1278 هـــ، 1862م).
- وثيقة مُصنفة بخزانة دار بيـروك بأكلميم: رسالة من السلطان المغربي إلى القائد دحمان بن بيروك الوادنوني، مؤرخة بيوم 20 صفر الخير عام 1326 هجرية / 1908 ميلادية (الموضوع: تدخل السلطة المخزنية المغربية لمواجهة الضغوط الأوروبية في منطقة وادي نون خلال بداية القرن العشرين الميلادي).
- وثيقة مُصنفة بخزانة دار بيـروك بأكلميم: مؤرخة بيوم 10 جمادى الثانية عام 1360 هجرية / 1941م (الموضوع: تحديـد مساحة الأرض وحدودها بمنطقة وادي نون، قصد اتمام عمليتي البيع والشـراء).
- وثيقة حصلنا عليها من عند الحاج الشيخ محمد أمنكار الأمتضيي (نسخة من الوثيقة مدرجة في المتن أعلاه)، يتعلق موضوعها بمعلمة أكادير ايصضار التاريخية بواحة أمتضي شرق منطقة وادي نون، وذلك من خلال المسماة “الزهرة بنت عبد الله أبو مسعود” التي تصدقت على إبنها “محمد بن محمد بن براهيم الأمتضيي الأمريري” بجميع صداقها المترتب في ذمــة أبيه الهالك عنها. الوثيقة مؤرخة بفاتح جمادى الأولى عام 1172 هــ، الموافق لسنة 1758م.
- المصادر والمـراجــع المعتمــدة:
- – باللغــة العـربـيــــة:
- ابن عبد الله (عبد العزيز)، الموسوعة المغربية للأعلام البشرية والحضارية، معلمة الصحراء، ملحق01، مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الرباط، نشر: مطبعة فضالة، صفر 1396 هــ – فبراير 1976م.
- أمــزيـــغ عبد اللطيف، العمارة التاريخية بمنطقة وادي نون ومحيطها القبلي، رسالة لنيل شهادة الماستر في التاريخ، تحت إشراف الدكتور عز الدين بو النيت، جامعة ابن زهر، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير، الموسم الجامعي 2008م – 2009م.
- أمــزيــغ عبد اللطيف، وادي نون خلال القرن التاسع عشر، دراسة في البنية الثقافية والاجتماعية والتجارية، “أسرةآل بيـروك نموذجا”، أطروحة الدكتوراه في التاريخ تحت إشراف الدكتورين بوجمعة رويان، عـبـد العــزيـز بلـفـايـدة، جامعة ابن طفيل، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، القنيطرة، موسم2017م / 2018م.
البكري )أبو أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن محمد عبيد الله(، المسالك والممالك، الجزء الثاني، تحقيق وفهرسة الدكتور جمال طلبة، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1424هــ/ 2003م.
بـوزنكـاض محمد، دراسة في التاريخ الاجتماعي للصحراء الأطلسية ما بين القرنين 17 و 20، الناشر: مركز الدراسات والأبحاث “مشاريع” (مدينة أسا)، المطبعة والوراقة الوطنية، زنقة أبو عبيدة، الحي المحمدي الداوديات، مراكش، الطبعة الأولى، 2012م.
- التوفيق (أحمد)، المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر (اينولتان 1850م/ 1912م)، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس، الرباط، أطروحات ورسائل، رقم 01، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الثانية 1403 هــ / 1983 م.
جرمان عياش، دراسات في تاريخ المغرب، نشر الشركة المغربية للناشرين المتحدين، الرباط، 1986م.
حنداين محمد، المخزن وسوس، ( 1672 م / 1822 م )، مساهمة في دراسة تاريخ علاقة الدولة بالجهة، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، الطبعة الأولى، يوليوز 2005م.
سعودي نور الدين، ظاهرة “السيبة” في مغرب القرن التاسع عشر، أطروحات حول السيبة، مجلة دار النيابة، مجلة فصلية وثائقية دراسية تعنى بتاريخ المغرب، طنجة، المغرب، العدد 09، 1986م.
- السوسي (محمد المختار)، المعسول، الجزء: 19، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1960م – 1963م.
السوسي (محمد المختار)، خلال جزولة، الجزء الثالث، الطبع بالمطبعة المهدية، تطوان، المغرب.
- العروي (عبد الله)، مجمل تاريخ المغرب، الجزء الأول، منشورات المركز الثقافي العربي، الطبعة الخامسة، 1996م.
- العروي (عبد الله)، مفهوم التاريخ، المفاهيم والأصول، الجزء الثاني، ، منشورات المركز الثقافي العربي، الطبعة الرابعة، 2005م.
- المراني (محمد)، الدور السياسي والاقتصادي لمنطقة وادي نون في القرن الخامس الهجري، أعمال ندوة واحات وادنون بوابة الصحراء المغربية، أيام 9 و10 و11 نونبر 1995م، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن زهر – أكادير، مطبعة الهلال العربية للطباعة والنشر بالرباط، الطبعة الأولى، 1999م.
- ناعمي (مصطفى)، الصحراء من خلال بلاد تكنة، تاريخ العلاقات التجارية والسياسية، منشورات المركز الجامعي للبحث العلمي، مطبعة عكاظ، الرباط، 1988م.
- الوزان (الحسن)، وصف إفريقيا، ترجمة عن الفرنسية: محمد حجي ومحمد الأخضر، الجزء الثاني (02)، منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، الرباط، دار الغرب الاسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1983م.
- – باللغـــة الأجنبـيـــة (الفـرنسيــة والإسبـانيــة):
De La Chapelle (Frédéric), Les tekna du sud Marocain: Etude géographique, Historique et sociologique, Publications du comité de l’afrique française, Paris 1934.
Montagne Robert, Les Berbères Et Le Makhzen Dans Le Sud Du Maroc, Essai sur la transformation politique des Berbères sédentaires (groupe chleuh). Ed Alcan , Paris, 1930.
Monteil (Vincent) , Notes sur les Tekna, Editions larose, 11 rue victore _cousin 11, paris )Ve( ,1948.
Du Puigaudeau (Odette) , Arts et coutumes des maures, Hespéris-Tamuda, Publié avec le concours du centre universitaire de la recherche scientifique, Vol IX. – Fascicule 1, 22. rue, du Béare, Rabat , 1968.
- Gatell (Joachim), L’oued –Noun et le tekna à la côte occidentale du Maroc, IN: Bulletin de la société de géographie (B.S.G), Paris, Octobre 1869.
Barbier (Maurice), Voyages et explorations au sahara occidental au XIXe siècle, Editions l’harmattan, 7, Rue de l’école-polytechnique 75005, Paris, 1985.
- Panet (Leopold), Première exploration du Sahara occidental, Relation d’un Voyage du Sénégal au Maroc en 1850, Le livre africain, Paris, 1968.
- Alonso (Del Barrio José Enrique), Las tribus del sahara, El Aaiun : Servicio de publicaciones del gobierno general de sahara, 1973.
Clemente (Manuel Mulero), Los territorios españoles del Sahara y sus grupos nómadas, Las palmas, 1945.
Miege (Jean Louis), Le Maroc et l’Europe (1830 – 1894), Edition la Porte, Rabat, 1989.
Montagne (Robert), Les berbères et le makhzen dans le sud du Maroc, essai sur la transformation politique des berbères sédentaires (groupe chleuh), Ed Alcan, Paris, 1930.
Ennaji (Mohamed) et Pascon (Paul), Le Maghzen et le sous Al-Aqsa, la correspondance politique de la maison d’Iligh (1821-1894), Ed. du C.N.R.S (centre national de la recherche scientifique), Paris et Toubkal, casablanca, maroc, 1988.
- Pascon (Paul), (avec la collaboration de A. Arrif, D. Schroeter, M. Tozy, H. Van Der Wusten), La maison d’Iligh et l’histoire sociale du Tazerwalt, Ed. Société marocaine des éditeurs réunis (S.M.E.R), Rabat, 1984.
- Léopold Justinard Colonel , Notes D’Histoire Et De Littérature Berbère, Les Haha Et Les Gens Du Sous , In Hespéris –Tamuda, Archives berbères et bulletin de l’institut des hautes études-marocaines, T 8, 1928, 3° – 4° Trimestre.
الهوامش:
-
– Frédéric de La Chapelle, Les Tekna du Sud Marocain, Etude Géographique, Historique, Sociologique Publications du: Comite de L’Afrique Française, Paris 1934, p:09.
Monteil Vincent , Notes Sur Les Tekna, Editions Larose, 11 Rue Victore _Cousin 11 paris )Ve( ,1948, p: 22. ↑
-
– De Pigaudeau Odette, Art Et Coutumes Des Maures, HESPÉRIS TAMUDA, Publié AVEC LE Concours DU CENTRE Universitaire DE LA RECHERCHE Scientifique , VOL. IX. – Fascicule 1, 22. RUE, DU Béare, RABAT , 1968, P: 136. ↑
-
– رواية شفهية متداولة بين الفينة والأخرى لدى سكان منطقة وادي نون ومحيطها القبلــي. ↑
-
– تُعدّ هذه الرواية الشفوية من أكثر الروايات شيوعًا في المنطقة، والمتداولة لدى الشيوخ والأهالي.. ↑
-
– نفســــه. ↑
-
– الوزان الحسن، وصف إفريقيا، ترجمة محمد حجي وأحمد الأخضر، الجزء2، منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، الرباط، الطبعة الثانية، 1983 م، الهامش رقم 81، ص:108. ↑
-
– ناعمي مصطفى، الصحراء من خلال بلاد تكنة، تاريخ العلاقات التجارية والسياسية، منشورات المركز الجامعي للبحث العلمي، مطبعة عكاظ، الرباط، 1988م، ص: 12. ↑
-
– بن عبد الله، عبد العزيز، الموسوعة المغربية للأعلام البشرية والحضارية، معلمة الصحراء، ملحق01، الرباط، مطبعة فضالة، صفر 1396-فبراير 1976م، ص: 124. ↑
-
– المراني محمد، الدور السياسي والاقتصادي لمنطقة وادي نون في القرن الخامس الهجري، من أعمال ندوة واحات وادنون بوابة الصحراء المغربية، أيام 9 و10 و11 نونبر 1995م، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مطبعة الهلال العربية للطباعة والنشر بالرباط، الطبعة الأولى، أكادير، 1999م، ص: 18. ↑
-
– البكري، أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن محمد، المسالك والممالك، نشر دار الغرب الإسلامي، 1992 م، الجزء الثاني، ص: 853. ↑
-
– Joachim Gatell, L’OUED_NOUN Et Le Tekna A La Cote Occidentale Du Maroc. IN: B.S.G.P, Octobre 1869, p:157.
JOACHIM GATELL : جغـرافي فرنســي، زار حاضرة أكلميم في منطقة وادي نون خلال النصف الثاني من القرن 19م، واستقر عند زعيمها بيـروك بن عبد الله بن سالم، تجول بأحيائها واتصل بعدد كبير من سكانها. ↑
-
– لا يمكن دراسة التاريخ بـدقــة في ظل تغـيـيـب تــام للوثيقة الأصلية، لكونها، في العديد من الحالات، بمثابة مـادة أولـيـــة تُـتـيــح الفهــم والتحليــل والتفسيــر، باعتبارها عنصرا علميا مهما يسمـح بقـراءة جُـملـة من المبـررات التي تُـفســر أفعـال وسلوكات ونـوايــا الفاعليـن في الماضـي. وإضافــة إلــى ذلك، لابــد من الاستعانة بالعلوم المساعدة للتاريــخ، قصد فهـم مُختلف البنيات وتحليلها وتركيبها، أو بالأحــرى، إنتــاج المعرفة التاريخية التي ستُـتـنــاول لاحقا من زوايـا متعــددة، بما يُـفضــي إلى تحقيـق التاريــخ وإعـادة كتابتــه عبر بنـاء ســرد مُتناسق ومُنسجم ينضبط للقــواعد العلميــــة التاريخيـــة. ↑
-
– يُحقـق النـص التاريخــي، بمختلف أشكالـه وأنـواعــه، فائــدة تواصلية مُهمة جدا بين المتعلمين أنفسهم من جهة أولى، ومن جهة ثانية بينهم وبين المـدرس أو المـؤرخ الباحث. ومن تجليات هذا التواصـل النصــي على المستـوى التاريخــي، تـبــادل المعـارف والمصادر المرتبطة بها، ناهيك عن فائدة تواصلية أخــرى، تتمثـل في ربــط الماضـي بالحاضــر والاتعــاظ منــه، كما يُـفضي ذلك إلى نتيجـة مهمة، تكمـن في الاقتناع بسلبية المعرفـة الجاهــزة ذات المواقف النهائيــة، وهو مــا ينبــذه النـص التاريخــي الذي يدعــوا إلى بــذل الجهــد من أجل تحصيل مـزيــد من المعارف والمـواقف المُتجـددة، قصد نقـدهــا أو مـراجعتهــا.
وبـنـــاء علــى ذلك، يكـون الأستاذ الباحث أو المؤرخ، مُـلـزمـــا، في مثل هذه الحالات العلميــة، بنهــج مقاربــة ديـداكـتـيـكـيـــة مُنـاسبــة على المستوى التاريخي، تُـمكــن المتعلمين من تحقيـق هذه الفـوائــد مُجتمعـــة. ↑
-
– نـورد فـي هــذا الصــدد مثال استعانــة علـــم التاريــخ بالكـربـون 14 (C14) لتقـديــر عمــر المواد العضوية، مثل الخشب والجلـود والعديد من العينات القديمـة والأثـريــة؛ وهو ما يعني، مُـحاولة الحصول على تاريــخ تقـريـبــي للنصـوص المنقوشة أو المكتوبة على الأخشاب أو الجلـود وغيرها، وبالتالي السعــي إلى فهــم مزيــد من المعطيات والمعلومات الخاصة بكل فترة تاريخية على حــدة، سـواء على المستــوى الاجتماعـــي أو الاقتصـادي … . ↑
-
– راجــع بخصوص بعض هـذه الكتابات الأجنبيـة التي عملت على “تــأويــــل” الأحــداث والـوقــائــع، خـدمــة للأهداف الاستعمارية في عموم مناطق الجنوب المغربي، بما فيها منطقـة وادي نــون ومحيطهــا القبلـــي:
Barbier Maurice, Voyages Et Explorations Au Sahara Occidental Au XIXe Siècle, Editions L’Harmattan, 7, Rue De L’école-polytechnique 75005, Paris, 1985, p : 110 – 111 –114 – 323 etc.
Panet Leopold, Première Exploration Du Sahara Occidental, Relation D’un Voyage Du Sénégal Au Maroc, Le Livre Africain, Paris, 1968.
Alonso, Del Barrio José Enrique, Las tribus del sahara, El Aaiun : Servicio de publicaciones del gobierno general de sahara, 1973.
Clemente, Manuel Mulero, Los territorios españoles del Sahara y sus grupos nómadas, Las palmas, 1945.
وهو المعنى نفسـه الـذي عبــر عنــه بصيغة أخـرى الباحث جرمان عياش في سياق انتقــاده للكتابات التاريخية الأجنبيـة، إذ يقـول:
“أما فيما يتعلق بأمانة الانعكاس، فلا يمكن أن يوجد إلا انطلاقا من مادة الوثائق، تلك المادة التي حددنا طبيعتها بأن قلنا أنها وليدة الظروف بذاتها. لكن بمجرد ما يقع استعمال هذه المادة لإعداد تقرير يستوعبها ويهضمها، إلا ويحتمل أن تتعرض لتشويه في طبيعتها ومعناها، اللهم إلا إذا كان الشخص الذي يوظفها مؤرخا يتسم بالموضوعية. على أن القنصل أو السفير قلما يلتزم بهذه الموضوعية عند تحريره لتقرير معين. وغالبا ما يقدم الأمور بشكل يمكن معه استثمار أو يؤدي إلى تعديل سياسة حكومته في الاتجاه الذي يريده. وإذا أضفنا أن تقاريره لا ترتكز بصفة عامة، باستثناء ما يتعلق ببعض المجالات المحدودة، على وثائق بما تحمل الكلمة من معنى، وإنما على أقوال مخبريه، وأدركنا كثرة الحواجز والعوامل المشوهة التي قد تنتصب بين بصرهم وبين الموضوع. وهذا ما يفسر كيفية أن المقارنة مع الصورة الجوية لا يمكن أن تؤخذ حرفيا على الرغم من أنها تبدو على جانب كبير من الايحاء (…) فلو أن الدول الأجنبية طالبت بتصدير الحبوب والماشية وحاول السلطان التملص من طلبها لتعالت صيحات أوروبا منددة بنزعة المغرب الأزلية إلى العيش منكمشا على نفسه”.
راجــع بهــذا الـشــأن: جـرمــان عـيــاش، دراســات فـي تـاريــخ المغــرب، نشر الشركة المغربية للناشرين المتحدين، الرباط، 1986م، ص: 72 – 75.
ورغــم النقــد المنهجــي والمعـرفــي الـذي طــال الكتابات الأجنبيـة حـول المغـرب، فإنها أسهمت، من خلال التدخل الاستعماري في توفير مجموعة من المعطيات والمعارف التي كان من الممكن عدم الحصول عليها أو إنتاجها، وهي معارف تاريخيــة همت مختلف أوضاع المجتمع المغربي. وعلى سبيل المثال، أتــاحت التقارير الأوروبية إمكانية الوقوف على البنية الاقتصادية للمغرب خاصة في القرن 19م، من خلال الاطــلاع على حجــم الإنـتــاج ووضعيـة الميـزان التجاري، وعلاقته بتطـور الـدولــة والمجتمــع، وهي معطيات عمـل العسكريون والضباط والديبلوماسيـون على جمعها وتدوينها، ثم أعــادوا استثمارها وتوظيفها. ونستـدل في هـذا السياق بدراســة أسهمت في كتابــة تاريــخ المغــرب مــن خــــــلال:
Miege, Jean Louis, Le Maroc et l’Europe (1830 – 1894), Edition la Porte, Rabat, 1989. ↑
-
– لا يعني ذلك نجاح الكتابـة الوطنيـة والمحليــة في إعــادة كتابـة تاريــخ المغـرب، وذلك لأسباب عــدة، من بينها تقـديــس الـوثـيـقــة، إضافة إلى سبب آخـر أشار إليـه الباحث والمفكـر عبد الله العـروي، الذي كان واضحا في انتقـاده لمحدوديـة النقــد الايديولوجي وسذاجة الاستغرافيا الوطنيـة، التي لا تختلف عن نظيرتها الأجنبية في شـيء، سـواء على مستـوى المنهــج، أو على مستـوى تـبـنــي المفاهيـم التاريخيـة نفسها، وهـو مــا عـبــر عنــه بقـولــــــه:
“بما أن التأليف الاستعماري كان مليئا بالأحكام السلبية، المبنية على مفاهيم مسبقة، غير مرتبطة ارتباطا عضويا بوقائع التاريخ المغربي، نشأ تأليف مغربي أخذ مادته من التأليف العربي القديم وعارض التأليف الاستعماري في أحكامه ومراميه، إلا أنه وافقه في مناهجه. هذا التأليف الوطني جديد بالنسبة لما سبق من تأليف عربي لكنه بالنسبة لمستوى البحث المعاصر، تقليدي كالتأليف الاستعماري، يعتمد مثله الوثيقة المكتوبة، سياسية أو أدبية، رسمية أو شخصية. يولي اهتمامه للحدث السياسي فوق أي حدث آخر ويحاكمه من زاوية مفهوم الدولة. الفرق بينه وبين التاريخ الاستعماري هو أنه لا يشك في وجود الدولة المغربية بل يفترضها كواقع قائم منذ بداية الحقبة الإسلامية، مستغلا لهذا الغرض إزدواجية معنى الكلمة عند ابن خلدون. حيثما كان حكم المؤرخ الاستعماري سلبيا كان حكم المؤرخ المغربي إيجابيا. يقول الأول: لم يؤسس المغاربة دولة بالمعنى الحقيقي (الروماني والأوروبي العصري) بسبب ضعف في البنية الاجتماعية ونقص في الفكر، فيجيب الثاني: نجحنا في تكوين دولة قوية كان المفروض أن تستمر في التقدم لولا الحملات الصليبية الاستعمارية المتوالية. يختلف الاثنان في الحكم والتقييم ويتفقان في رسم هدف التاريخ، يقول الإثنان: لنتعظ بدروس الماضي”.
راجــع بهــذا الـشــأن: العــروي عبـد الله، مجمــل تـاريــخ المغــرب، الجزء الأول، منشورات المركز الثقافي العربي، الطبعة الخامسة، 1996م، ص: 17. ↑
-
– إن استـثـمــار مثل هـؤلاء المؤرخين المغاربة لمفهوم “الـتـأويـــل”، على النحــو الذي عـبــر عنـه لاحقـا المـؤرخ والمفكـر عبـد الله العـروي، يتـم بوصفـه قيمــة محورية تمكن المُــؤول من إدراك عُـنصر التنسيق والوحــدة، باللجـوء إلى الحــدس لا بمفهـوم أو معنـى التــوهــم العابــر، بــل بمعنى القناعــة التي تستقــر في النفس بعـد طــول المعاشـرة والاستئناس بالنــص، راجــع بهــذا الـشــأن:
العــروي عبــد الله، مفهــوم التاريــخ، المفاهيــم والأصــول، الجزء الثاني، منشورات المركز الثقافي العربي، الطبعــة الرابعــة، 2005م، ص: 313.
إن “الـتـأويـــل” بهذا المعنى، نفهــم منـه أنه يـدرس النص التاريخي الذي بُتـر جــزء منه أو بعض من كلماتــه، الأمر الذي يقتضي تفسيـره وفـق “الـتـأويـــل العلمــي”، الذي يفرض بـدوره ربــط النـص وتحديده ضمن مجالــه المكانـي وسياقــه الزمانــي، لا إسقاطــه على سياقات أخرى مُـتباعدة من حيث المعنـى وطريقة فهــم مُـختلف البنيات والخصوصيات. ونــورد في هذا الإطـار، مثــالا مُهما اطلعنا عليـه في رسالة تاريخية حول منطقة وادي نــون ومحيطهـا القبلــي، محفوظة بــدار إلـيــــغ (فرع انزكان، الوثيقة رقم 13، المجلد رقم 01)، مؤرخة بيوم 22 دي الحجة عام 1278 هــ ، تتناول موضوع الضغط الأجنبي على سواحل الصحراء المغربية، إذ يُـلاحظ أن نــص هذه الرسالة ورد مـبـتــورا من حيث المرسل والمرسل إليـه، فضلا عن بـتــر مضاميـن أخــرى تتخلل المتـن في أكثر من مـوضــع، وهو ما فـرض علينا اعتمــاد “الـتـأويـــل العلمـــي”، القائــم على الإستئناس بمزيد من الوثائق والمعارف التاريخية الأخـرى، من قبيل الاعتماد على الـروايــات الشفهيــة، قصد استنتــاج المعنى التاريخي وتحديـد اطـاره المكانــي وسياقـه الزمنـــي.
وينطبـق الأمــر نفســه على نـص تاريخـي آخــر (وثيقة تاريخية بحوزتنا)، اخـتــار صاحبــه عدم الإفصاح عما في نفسـه بشكل مباشر وواضـح، وذلك من خلال رسالــة سلطانيــة مُـوجهــة إلى القائد “دحمان بن بيروك بن عبد الله بن سالم الوادنوني”، مؤرخــة بيـوم 20 صفـر الخير عام 1326 هــ / 1908م، فقد وظف الكاتب مفهوم “الثائـــر” دون تسميتــه، مُـكتفيا بالإشارة إلى أفعالـه ومشاكلــه بمجال وادي نون ومحيطه القبلي، وهو ما شكل حافـزا للاعتماد على “تأويــل علمــي” مُـنطلق من مصادر معرفية تاريخية، ولا سيما الروايات الشفهية، قصد تحديــد وفهــم مضمون النــص أو الرسالــة السلطانية، وإعــادة تركيبــه بشكـل علمــي مُحكــم.
وأخيــرا ولـيــس آخــرا، وبخصوص موضوع “الـتـأويـــل التاريخــي” الذي تتعــدد مظاهــره، تجــدر الإشارة إلى ضرورة استحضاره على المستوى الطـوبـونـيـمــي، لتفسير نشـأة مجال جغـرافــي معين وارتباطه بعدة أحداث جسيمة، وينطبق ذلك على مجال وادي نــون والمناطق التابعة لــه (نول لمطة – تكاوست …)، إذ أمكــن، من دلالاتها الطـوبـونـيـمـيــة ومن الروايات الشفهيـة والتأويــلات العلمية التاريخية المصاحبة لها، استخــلاص العديد من المعطيات التاريخية التي أسهمت في تغييــر مجـرى التاريخ المجالي ككـل.
راجع بخصوص “التأويــل الطـوبـونـيـمــي التاريخــي” من خلال مجال “وادي نون”، أو مجال “تكنــة” بوصفه مفهوما جغـرافيـا لاحـقـــا:
أمزيغ عبد اللطيف، وادي نون خلال القرن التاسع عشر، دراسة في البنية الثقافية والاجتماعية والتجارية، “أسرةآل بيـروك نموذجا“، أطروحة الدكتوراه في التاريخ تحت إشراف الدكتورين بوجمعة رويان، عـبـد العــزيـز بلـفـايـدة، جامعة ابن طفيل، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، القنيطرة، موسم2017م / 2018م، صص : 71 – 114. ↑
-
– لقـد جــرى تنـاول الحــدث التاريخي في مجال وادي نــون ومحيطـه القبلــي، مهما كان نـوعــه، بشكل عـــام في ارتباطـه بتاريــخ الدولــة المغربيـة ومصادرها ووثائقها المخزنيـة والرسميـة، أكثر من تناولــه بشكل خــاص في علاقتــه بالمكان المعني، أو بالظروف الزمنية والسياق التاريخي المحيط به، وذلك اعتمـادا على الوثائق المحلية، الدفينة منها أو الظاهــرة، في هذه الجهة أو تلك. ويُسهـم هذا المنهج العلمي في فهــم بنيــة الحدث الخاصة أولا، قبل الانتقال إلى ربطــه بما هو عــام، بمـا يسمــح بإغنــاء التاريــخ الوطني وإعــادة كتابتــه وتشكلـه وتركيبــه من جديــد. ↑
-
– بخصوص هذه الإشكالية التاريخية المرتبطة بتناول واستثمار النـص التاريخي الأجنبي في كتابة تاريخ وادي نــون ومحيطه القبلـي، تجـدر الاشــارة إلـى أنــه، رغـم كثـرة التقاريـر الأجنبيـة حول هذا المجال وغيره، فـإن الأجانب لم يتمكنوا من تغطية جميع المناطق الجغرافيـة، على الرغم مما بـذلــوه من جُـهــد وما وظفـوه من وسائل مادية وعسكرية وسياسية وإدارية مهمة، ويعود ذلك إلى الإكراهات الجغرافية، وصعوبة التغلغل في فهم العديد من البنيات المشكلة لتطور المجتمع الصحراوي المترامي الأطراف والمتشابك في الآن ذاتــه، نتيجـة ثنائيــة الاستقـرار والتـرحــال وغيره من الأسباب الأخـرى، بما فيها العوامــل الاقتصاديــة.
إضافة إلى ذلك، ارتبــط عمـل الأجانب أساسـا بتوطيـد الغــزو لا بغيـره، وهو ما يتجلى من خلال التقسيم الذي خضع لــه مجمـل المغرب سنة 1912م، حيث قسـم إلى مجاليــن؛ مجـال خاضع للنفوذ الفرنسي وآخــر للنفوذ الاسباني، وقد أدى هذا الوضع إلى تضارب دلالات “الحــدث” و “البنيــة” داخل الكتابات الأوروبيـة حول مجال وادي نــون ومحيطـه القبلــي، إذ قُـســم بـدوره إلى مجاليـن استعماريين، الأمـر الذي أفضـى في النهايــة إلى فهــم وتنــاول غير علمي لبنياتـه من طرف الكتاب الكولونيالييـن باختلاف صفاتهــم ومهامهــم. ↑
-
– توجد في منطقة وادي نــون ومحيطها القبلـي العديـد من الأســر والخزائــن التاريخيــة التي ما تـزال بحاجــة إلى التصنيف والدراســة العلميــة، والتي من شأنها أن تُـسهــم في إعــادة كتابــة التاريــخ المحلــي والجهــوي وفــق مقاربــة معرفيــة ومنهجيــة تتماشــى مع المستجــدات من معطيات ووثائــق تاريخيـــة. ↑
-
– أمزيــغ عبـد اللطيف، العمارة التاريخية بمنطقة وادي نون ومحيطها القبلي، رسالة لنيل شهادة الماستر في التاريخ، تحت إشراف الدكتور عز الدين بو النيت، جامعة ابن زهر، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير، الموسم الجامعي 2008م – 2009م، ص: 87 – 104. ↑
-
– بخصوص مناقشة وتحليل هذه الإشكالية المرتبطة بصحة ونفي تشييد البرتغاليين لبعض المعالم المعمارية بقبيلة لاخصــاص، راجــــع:
أمزيـــغ عبد اللطيف، العمارة التاريخية بمنطقة وادي نون ومحيطها القبلي، مرجع سابق، ص: 164 – 165. ↑
-
– للمزيــد من المعطيات حول تـاريــخ هذه المعلمــة والروايات الشفهية المرتبطة بها، راجـــع:
نفســــه، ص: 96 – 97. ↑
-
– نـذكـــر مــن بـيـنـهــــا:
- التـوفيق أحمـد، المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر (اينولتان 1850م – 1912م)، منشورات كلية الآداب والعلوم الانسانية بالرباط، أطروحات ورسائل، رقم 01، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 1403 هــ / 1983م.
- Montagne Robert, Les Berbères Et Le Makhzen Dans Le Sud Du Maroc, Essai sur la transformation politique des Berbères sédentaires (groupe chleuh). Ed Alcan , Paris, 1930.
-
– عُــرف تاريخ مجتمع الصحراء بطابعه الشفهي، نتيجة غياب الاهتمام والإلمام بعلــم التاريــخ وأهميتــه، بالإضافة إلى الانقسام الذي شهـده المجال الصحـراوي من خلال انقسام القبائل إلى عـدة أحــلاف، وسيادة تـراتبيـة اجتماعيـة وظيفيــة وغيـر ديمقراطيـة تـؤرخ للأقــوى (حملة السلاح – الزوايا …)، وتحـاول في الوقت نفســه، إنكـار تاريـخ الفئات الأخرى الواقعة في أسفــل الهـرم الاجتماعــي (العبيد – الحراطين …)، إلى جانب ذلك، نجد اختـلاف الـرؤى والمصالح المجاليـة والايديولوجيـة، مما أدى إلى بـروز إشكاليـة كتابة التاريـخ وتدوين مختلف أحداثــه وظروفـــه، اعتمادا على الرواية الشفهيـة باختلاف فتراتها الزمنية.
للمزيــد من المعطيات حول إشكالية الكتابــة التاريخيـة بالصحـراء، راجــع:
بـوزنكـاض محمد، دراســة فـي التاريخ الاجتماعـي للصحـراء الأطلسيـة ما بين القرنيـن 17 و 20، الناشر: مركز الدراسات والأبحاث “مشاريع” (مدينة أسا)، المطبعة والوراقة الوطنية، زنقة أبو عبيدة، الحي المحمدي الداوديات، مراكش، الطبعة الأولى، 2012م، من ص: 30 إلى ص: 37. ↑
-
– راجــع بخصوص هــذه الإشكاليــة التاريخيــة:
أمزيــغ عبد اللطيف، وادي نون خلال القرن التاسع عشر، دراسة في البنية الثقافية والاجتماعية والتجارية، “أسرة آل بيـروك نموذجا“، مرجع سابق، من ص: 71 إلى ص: 114. ↑
-
– يُـمكــن تعريف هذا المفهـوم التاريخي من خلال نقطتيــن أساسيتيـن:
- تناولت العديد من الدراسات مفهوم “بـلاد السـيـبــة” بمقابلته بمفهوم “بـلاد المخــزن“، إلا أن هذه الثنائية أو المقابلة (السيبة والمخزن)، تبيـن أنها من إنتـاج المستعمر الأوروبي خلال القرن 19م، بهدف اختراق البلاد من خلال التحريض على القيام بانتفاضات قبلية لم تكن تقتصر على دولة المغرب فقط، بل نجدها أيضا في بلدان أخرى كظاهرة تاريخية استُـغلت من طرف الكولونياليين، بعيدا عن المنطق والظروف والسياق التاريخي الذي مر منه كل مجال جغرافي على حدة. إن انتفاضات قبائل مجال “السيـبــة” ليست انتفاضات عشوائية، بقـدر ما هي انتفاضات مُـقننـة وواعية، يرغب من خلالها القواد والشيوخ بتجاوز مشاكلهم المجالية المختلفة، وفي الوقت نفسه، المشاركة في تسييـر حكم الدولة، وليس الانفصال عنها وإلحاق الضرر بها، بدليل اعترافهم بالسلطان دينيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا.
- إن “السـيـبــة” في المجالات القبلية التي كانت بعيـدة عن المركز أو العاصمة المخزنيـة (حيث انحدار نفوذ الدولة وقوتها، كلما ابتعدنا عن هذا المركز المخزني)، وما ينتج عن ذلك من قلاقل مختلفة للدولة، بالإضافة إلى ضُــعف بنيتها الاقتصادية وغير ذلك من المشاكل الأخرى، يعني عدم قدرتها على أداء الجبايات وتحمل إقامة المحلات المخزنية …، وبالتالي، فقد عمد المخزن المغربي، خاصة في القرن 19م، إلى ترك هذه المناطق القبلية على عوائدها، بالعمل وفق الشرع والعرف اللذين كان لهما دور هام في إقــرار الأمـن وتأكيـد التبعيــة للمركــز عبر التاريخ، وذلك بالدعاء للسلطان والاعتراف بسيادتــه، عكس ما تدعيــه مضامين العديد من الكتابات الأجنبيــة الكولونياليـة.
للمزيــد من المعطيات التاريخية حول هذا الموضوع الإشكالي، يُمكـن العودة إلى مجموعة من الدراسات العلمية، من أهمها:
حنداين محمد، المخزن وسوس، ( 1672 م / 1822 م )، مساهمة في دراسة تاريخ علاقة الدولة بالجهة، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، الطبعة الأولى، يوليوز 2005م.
سعودي نور الدين، ظاهرة “السيبة” في مغرب القرن التاسع عشر، أطروحات حول السيبة، مجلة دار النيابة، مجلة فصلية وثائقية دراسية تعنى بتاريخ المغرب، طنجة، المغرب، العدد 09، 1986م، من ص: 37 إلى ص: 45.
Montagne Robert, Les berbères et le makhzen dans le sud du Maroc, essai sur la transformation politique des berbères sédentaires (groupe chleuh), Ed Alcan, Paris, 1930.
Ennaji Mohamed et Pascon Paul, Le Maghzen et le sous Al-Aqsa, la correspondance politique de la maison d’Iligh (1821-1894), Ed. du C.N.R.S (centre national de la recherche scientifique), Paris et Toubkal, casablanca, maroc, 1988.
Pascon Paul, (avec la collaboration de A. Arrif, D. Schroeter, M. Tozy, H. Van Der Wusten), La maison d’Iligh et l’histoire sociale du Tazerwalt, Ed. Société marocaine des éditeurs réunis (S.M.E.R), Rabat, 1984. ↑
-
– Léopold Justinard Colonel , Notes D’Histoire Et De Littérature Berbère, Les Haha Et Les Gens Du Sous , In Hespéris –Tamuda, Archives berbères et bulletin de l’institut des hautes études-marocaines, T 8, 1928, 3° – 4° Trimestre, P : 333- 334.
-
– لاستنتاج المزيد من المعطيات حول هذه الاشكالية، راجع معطيات المتن السابق بخصوص مفهوم “التأويـــل” وعلاقتـه بالروايات الشفهية بمنطقة وادي نون ومحيطها القبلي، ودوره في بنــاء وإغنــاء النـص التاريخـي وتوظيفـه بشكل علمــي.
لتوضيح هذه الإشكالية، يُمكـن أيضا مراجعة الهامش رقـــم: 17 من خلال الوثيقة المؤرخة بيوم 20 صفر الخير عام 1326 هـــ / 1908م، حيث وظف الكاتب مفهوم “الثائــر” دون تسميته صراحـة، مُـكتفيا بالإشارة إلى أفعالــه ومشاكلــه بمجال وادي نون ومحيطه القبلي. وقد اصطدم البحث من داخل الرواية الشفوية عن المقصود بــ “الثائـــر” بعدة مشاكل مرتبطة بهذه الآليــة البحثيــة الميدانيــة (الرواية الشفهية)، مما دفعنا إلى عدم الاعتماد عليها لتفادي الوقوع في التأريــخ بالخطأ، وكان الحـل هو اللجـوء إلى المقارنة والمقارعة بالمصادر المعرفية الأخـرى، بما فيها نصوص الوثائق التاريخية. ↑
-
– رغم اعتماد العلامة محمد المختار السوسي على الرواية الشفهية في كتابة النـص التاريخي، فإنه لــم يستطع الإحاطة بكل حيثيات بعض الأحداث التاريخية ومجمل ظروفها؛ وهو ما تجلى في تناوله لتاريخ منطقة وادي نون ومحيطها القبلي من خلال مجموعة من الأمثلة، من بينها معالجته لتاريخ أسرة آل بيروك الوادنونية؛ إذ لم يحسم في أصلها ونسبها ومجال انتشارها ووجودها ، واكتفى بالقول إنها: “جعفرية النسب، لكن ليس في أيــدي الأسرة ما يشهد لذلك” (راجــع: السوسي، محمد المختار، المعســول، الجزء: 19، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1960 – 1963، ص. 273).
ويضيف أيضا مـا مفــاده، أن أصولها تعود إلى قرية أيت وابـلـــي الواقعة في شرق منطقة وادي نون (راجــع: السوسي، محمد المختار، خــلال جــزولـــة، الجزء الثالث، الطبع بالمطبعة المهدية، تطوان، المغرب، ص. 42.)، وهي الحالة العلمية التاريخية التي استدعت البحث في مضامين باقي المصادر والدراسات التاريخية والمعرفية الأخــرى.
للمزيد من المعطيات حول هذه الإشكالية المرتبطة بأصل ونسب ووجــود أسرة آل بيــروك بمنطقة وادي نــون ومحيطهـا القبلــي، من خــلال ما ورد في الرواية الشفهيـة وما ورد في المصادر والدراسات التاريخية باختلافها، راجـــع:
أمزيــغ عبد اللطيف، وادي نــون خلال القرن التاسع عشر، مرجــع سابــق، من ص: 292 إلى ص: 299. ↑
-
– تُـعــد اللغــة المستعملـة في الوثائق إشكاليـة تناولها العديد من الباحثين في الحقل التاريخي المغربي، من بينهم الباحث والمفكر عبـد الله العــروي، الذي نـادى بـإقرار دراسة اللهجات وفـق توزيعها الجغرافي وتطورها الزماني … ، وتُـعــد الفيلولوجيا (علم اللغات) في هذا السياق من بين العلوم المساعدة للتاريــخ؛ فلفهم نص تاريخي، ينبغـي أولا معرفـة اللغــة التي كُـتب بها، إذ تُـعــد كل كلمـة، بمثابــة فكــرة مُـركبة ذات دلالات ومعـان متعددة تختلف باختلاف الزمان والمكان. وبناء على ذلك، يتعيـن على الباحث بمجال وادي نـون ومحيطه القبلي، الإلمام بمختلف الظروف اللغويــة واللسانيــة، من قبيل معرفة مؤلفـي الفترة التي يدرسها من حيث اللغة وأسلوب الكتابة الخاصة بكل واحد منهم، فضلا عن إدراك أن تفسير كل كلمة أو جملة، لا يكون مفـردا أو منفصلا، بــل يتـم وفـق المعنى العام للنص التاريخي وسياقــه. ↑
-
– مـن خــلال التــداول المستمر لوثائـق مجال وادي نــون ومحيطـه القبلــي، يتعيـن على الباحث والمتعلم أن يتمكن من التمييز بين مختلف الخطوط اللغوية التي كُتبت بها النصوص التاريخية، نظـرا لتباينها وصعوبة فهــم بعضها، وهـو ما يستدعي الاستعانـة بمتخصصين لقراءتها وإعـادة نـسـخـهــا، بما يُـتـيــح إنتــاج معرفــة تاريخيــــة علميـــــة. ↑
-
– تتغيـر معاني المفاهيـم بمـرور الـزمــــن، ولذلك يتعيــن إرجاعها إلى الفترة التي تنتمي إليها، أي إلى السياق التاريخي الذي يتحدث عنه النص الأصلــي، قصد تفـادي الوقوع في الخلط وسـوء فهم الـبـنــى التاريخيــة، نتيجة اسقاط ثقافة الحاضر على ثقافة الماضي، وهـو مــا يـؤثـــر سلبا فـي دراسـة الإشكاليــة العلميــة المطروحــــة. ↑
-
– وثيقة تاريخية بحوزتنا، مؤرخة بيوم 10 جمادى الثانية عام 1360 هـــ، الموافق لسنة 1941م. ↑
-
– يُـدرس النص التاريخي في مجال وادي نون ومحيطه القبلي من زاوية البعد المجتمعي، وذلك من خلال القدرة على تفسيـر الحياة المادية والذهنية للمجتمع وتحولاتها عبر الزمــن، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي …. ↑
-
– إن العديد من النصوص التاريخية في منطقة وادي نـون ومحيطهـا القبلــي، على اختـلاف أنـواعهــا، تُـغفـل التصريـح بالتاريـخ أو بـزمــن الحـدث الذي تتحدث عنـه. وبنــاء علــى ذلك، يُـمكــن للمـؤرخ والباحـث، من خـلال نــوع الخــط ونــوع الحبــر المستعمــل، ونـوع الـورق وحجمـه ومقاســه – إذا كان مُـطلعا على الوثيقـة التاريخيـة الأصليــة – ، أن يُحـدد التاريــخ إمـا بشكـل قاطـــع، أو بشكـل تقـريبــي، مما يُـتـيــح لــه وضـع النــص فـي سيـاقــه التاريخــي عبـر تحـديــد أسبابــه ونتائجــه. ↑
-
– يُعتبـر التـوقيــــع، إشكاليـة تعترض دراسة العديد من الوثائق والنصوص في منطقة وادي نـون ومحيطها القبلـي، إذ يكون إما مُـنعدما أو غـائبا، أو حاضرا في شكل اسـم صاحب النص التاريخي، ولكـن بأسلوب وطريقة يصعب فهمهما وقراءتهما وتحديدهما بسهولة، مما يزيد من صعوبة التفحص والتدقيق، ويــؤدي بالتالي إلى استبعاد الوثيقـة أحيانا، والانتقال إلى دراسة غيرها لإتمام أو إنهاء البحث العلمي قيد الإنجاز والمعالجة. ↑
-
– سواء كانت رسمية تابعة لأجهزة الدولــة، أو خاصة تعود إلى القبائل والقواد والعدول وغيرهم، فقد كانت هذه الخواتــم تقوم أحيانا مقام التوقيـع الخطـي، كما كانت تــدل على هوية الدولة أو القبيلة أو العشيرة أو غيرها على المستوى الاقتصادي والسياسي والثقافي، مما يمنحها صفـة الوجود الفعلي والحقيقي على أرض الواقــع، في هذا المجال أ ذاك، وفي علاقتها بالآخر ومختلف الظروف. وفي حالة تعــذر فهــم الخواتــم ومضمونها، يتعين على الباحث والمؤرخ الإلمام بما يسمى بعلــم “الـرنــوك”، الذي يهتــم بدراسة الشعارات والعلامات التي كانت تظهر على الخواتم والملابس وغيرها، لكون هذا العلــم، يُسـاعــد أيضا على تحديد الزمن والمجال الجغرافي المعنيين، وكذلك تحديد صاحب الوثيقة، خاصة إذا تم ربطها بمضامين وثائــق مقارنــة وبالذاكـرة الشفهيـــة. ↑
-
– على الباحث في تاريخ منطقة وادي نون ومحيطها القبلي، تحديد مصادر وثائقه ونقــدها، وذلك ليتسنى لــه تمحيص أخبار الماضي وفهمها وتفسيرها وإعادة تركيبها، وبالتالي، التمكن من حماية مادتــه المعرفية العلمية من الوقوع في الأخطاء والوصول إلى نتائج زائفة نتيجة نصوص مزيفة ومنحولة ….
ويضطلـع البُعـــد المكانــي في النص التاريخي بمنطقة وادي نون ومحيطها القبلي، بأدوار مهمة في الرقي بالحث العلمي والأكاديمي؛ حيث يُسهـم في تحديد وضبط وفهم الإشكالية وأهم الأحداث المراد دراستها ومناقشتها، إضافة إلى دوره في تحديد أصل ومصدر الوثيقة التاريخية ومفاهيمها، وتوطين أعلامها البشرية والجغرافية … . ↑
-
– يعتبر التساؤل عن هـويــة مؤلف الوثيقة أو كاتبها، من الاشكالات التاريخية المهمة جـدا؛ حيث ينبغي التعريف به وبقيمتـه العلمية والأخلاقية، ودرجـة اتصاله بحدث النص ومعاصرته لــه، أو بالأحـرى بمجمل أحداث المجال الجغرافي الذي ينتمي إليه (شاهد عيان، عدول، مالك مذكرات، قائد قبلي أو مخزني …)، لأهمية ذلك كلـه في تحقيـق النص التاريخي وإضفاء الصبغة العلمية عليــه، وتحديــد سياقــه.
وتجــذر الإشارة إلى أن إشكالية تحديد ومعرفة وتحقيق هوية صاحب النص التاريخي، وأهميته ودوره في توجيه الأحداث في المجتمع الصحراوي من قبل الباحثين في منطقة وادي نـون ومحيطها القبلي، هي نفسها التي ركزت عليها شخصيات الوثائق التاريخية، باعتبارها شخصيات مشاركة ومعنية بالحدث، ونـورد في هذا السياق ما ورد في إحـدى الوثائق التاريخية (وثيقة تاريخية بحوزتنا) مـن نصهـــــا:
“لا يبقـى من أيام الذي كان بينه وبين أخينا عالي قليل ولا كثير، أن يبعثـوا لي به بخط الشهود التقات (المقصود: التقاة) المعرفين خطوطهم بعد إخباركم لي في الدبيش، وأنا لا أنتظر إلا جوابكم”.
الـمـصــــدر: رسالــة مـن التاجر إبراهيم بن محمد العريبي بتنبكتـو إلى التاجر محمد بن العريبي بـأكلميم، حاضرة مجال وادي نون، حـول بعض المعاملات والقضايا التجارية التي جمعت بينهما، بتاريخ 26 ربيع الثاني عام 1334 هجرية. ↑
-
– تجــدر الإشــارة، بخصوص هذه الإشكاليـة العلميــة، إلى أن العديد من النصوص والوثائق التاريخية في منطقة وادي نــون ومحيطهـا القبلــي، قد تعرضت في ما مضـى لمختلف أنـواع التلف والإهمال، ولم يُعــد لها وجـود إلا في الذاكرة والروايات الشفهية المتداولة من جيل إلى آخر؛ إذ كانت صلاحية مجموعة من الوثائــق التاريخيــة، تنتهي بانتهاء مفعول مضمونها ودورها على أرض الواقع، كما هو الحال بالنسبة لعدد الوثائق التجارية التي كانت تُـعــرض للقطــع أو الحــرق أو ما شابههما، بمجــرد انتهاء عمليات البيــع والشــراء في الأسواق والمواسم وأهم المراكز ذات الصيت الاقتصادي، وهـذا مـا تـؤكــده بعض الروايات الشفهيــة الخاصــة بفتـرة القــرن 19م. ↑
-
– إن الحالـة الماديــة لمجموعة مهمة من الوثائـق والنصوص التاريخية في منطقة وادي نــون ومحيطها القبلـي (خزائن مجال وادي نـون – خزانة دار إليــغ بتازروالت بالأطلس الصغير الغربي – خزائن مجال باني …)، تـتــراوح بين حالــة جيــدة تسمــح بالقـراءة واستخلاص المعانـي التاريخية، وإعادة توظيفها وتركيبها في إنجـاز الأبحـاث والدراسـات العلميـة وتقييمهـا، وحالـة رديـئـــة نتيجـة الأضرار التي لحقت بها من خـــرم وأرضــة أو غيرهما، مما جعـل استثمارها صعبا في كتابة وإعادة كتابة التاريــخ المحلـي أو الجهــوي لهذه المنطقة الصحراوية المغربيـة. ↑
-
– حمايــة النصوص التاريخية وتوثيقها في منطقة وادي نـون ومحيطها القبلي، ينبغـي أن يتـم عـبــر تفعيل مـدونــة تشريعيــة قانونيـة وتنظيميـة، والعمل في الوقت نفسه، على تنمية الوعـي الوثائقـي الهادف إلى بعـث الحياة في آلاف الأوراق التاريخيـة، إضافة إلى ضرورة تشجيـع مالكيها على تقديمها، أو على الأقـل نسخـا منها، إلى المؤسسات والمراكز المعنية بعلــم التاريــخ، قصد جمعها وحفظها وتصنيفها وفهرستها وفق أسس علمية وآليات عمل تراعي الدقة والموضوعية التاريخيـة. ↑
-
– يقصد بالوسائل التقليديـة لحفـظ النصوص التاريخيـة، علـى اختـلافهــا، التقيــد بشـروط ما يُسمى بــ “علــم الـوثـائــق”، الذي يهتم بالتوثيق، ويُنظـم الوثائــق ويُـصنفها (حسب: الزمن والمكان والموضوع، ونوعيتها خاصة أو عامة، …)، ويُـرتبها ويُفهرسها، ويجمعها في مُـجلــدات أو قـوائــم أو غيـر ذلك، للرجوع إليها كلما اقتضت الضرورة ذلك، وفق شروط علميـة وظـروف سهلــة ومُيسـرة تُشجــع على البحث العلمــي الأكاديمــي. ↑
-
– لـن تتأتــى إمكانية تعميق وتوظيف المعرفة المعلوماتية في الميدان التاريخي في منطقة وادي نـون ومحيطها القبلي، إلا من خلال استفادة العاملين والباحثين والمهتمين بتاريخ المنطقة وبحماية التراث الثقافي من دورات تكوينية دورية ومنتظمة، إلى جانب العمل على تبـادل الخبـرات التكنولوجيــة والمعرفيــة والمنهجيــة مع مختلف المتدخليــن، عـبــر نــدوات ومشاركات محليــة ووطنيـة ودوليــة، وهـو مــا من شأنه الإسهام في تحقيق عدة أهــداف، مـن أهمهـــــــــا:
- التمكــن من آليات الخـزن الآلــي المعلوماتي للنصوص التاريخيـة، وضمان تأمينها بصيــغ تكنولوجية وتقنيــة وبرامـج مُتعــددة تُـتـيــح سهــولة الاطــلاع والتوظيف والفهـرســـة … ؛
- التمكــن من المعارف التكنولوجية الخاصة بفحص الوثائق التاريخية، من حيث الشروط والضوابط العلمية الواجب توفرها في مختلف النصوص التاريخيـة الأصليــة؛ كالتأكــد من عــدم تزويرها أو كونها وثائق منحولة (انتحل – ينتحل – انتحالا – فهو منتحل –والمفعول منتحل – انتحل الشيء: ادعاه لنفسه وهو لغيره)، وبالتالي فالاستعانـة بالخبـراء والأجهــزة التقنيـة …، تـظـــل كفيلــة بالمساهمة في كتابـة التاريــخ أو إعــادة كتابتــه وتـركيبــه مــن جـديــــد؛
-
– على الباحث في تاريــخ منطقة وادي نــون ومحيطهـا القبلــي، أن يــدرس الحقيقـة التاريخيـة بموضوعيـة وبعيـدا عن الـذاتـيــة، وذلك بربطها بدليـل مكتــوب أو دليــل مـادي ملمــوس؛ أي بالتـوصــل إلى استنـتـاجــات عـن طريق تحــر حـيــادي وعلمــي، يُـتـيـح للباحثيـن في مختلف العلــوم الإنسانيـة والاجتماعيـة إخضاعهـا للبحث والنقـــد والمناقشــة. ↑
-
– إن دراسـة النصـوص التاريخيـة، تقتضي عـدم تجـريــد مادتها المعرفيـة من زمانها أو من الحضارة أو المكان اللذين أُنـتـجـت فيهمـا؛ إذ إن كـل تجـريــد من هــذا القبيـل لمعناها ومغـزاها الصحيحيـن، يقــود إما إلى فهــم جـزئــي للظاهـرة التاريخيـة، أو إلى ســوء فهــم كلــي لهـــا. ↑