فاعلية استراتيجيات التعلم النشط في ضوء الإدارة الذاتية للمعلمين والمبادرات التربوية: دراسة حالة في مدرسة آفاق الابتدائية
The Effectiveness of Active Learning Strategies in Light of Teachers’ Self-Management and Educational Initiatives: A Case Study of Afaaq Primary School
صفاء عبد الكريم أسدي1
1 جامعة النجاح الوطنية، نابلس، فلسطين.
بريد الكتروني: s12487374@stu.najah.edu
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj72/6
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/72/6
المجلد (7) العدد (2). الصفحات: 86 - 100
تاريخ الاستقبال: 2026-01-01 | تاريخ القبول: 2026-01-07 | تاريخ النشر: 2026-02-01
المستخلص: جاءت هذه الدراسة النوعية لتحليل واقع استراتيجيات التعلم النشط في مدرسة آفاق الابتدائية، وتسليط الضوء على العلاقة بين فاعلية هذه الاستراتيجيات وبين كل من الإدارة الذاتية للمعلمين والمبادرة التربوية داخل البيئة المدرسية. استخدمت الدراسة منهج دراسة الحالة، واعتمدت على أدوات نوعية تمثلت في استبانة مفتوحة ومقابلات شبه منظمة أُجريت مع خمسة معلمين من طاقم المدرسة. أظهرت النتائج أن مستوى الإدارة الذاتية والمبادرة المهنية لدى المعلمين يُعد عاملاً حاسمًا في نجاح تطبيق أساليب التعلم النشط، حيث انعكس ذلك إيجابيًا على دافعية الطلبة وتفاعلهم داخل الصفوف. كما أبرزت الدراسة أهمية الدعم الإداري ومرونة النظام المدرسي في تعزيز ثقافة المبادرة والاستقلالية التربوية. توصلت الدراسة الى ضرورة الاستثمار في تمكين المعلمين مهنيًا، وتوفير بيئة تعليمية مرنة تتيح المجال لتجريب وتطوير الممارسات الصفية الحديثة.
الكلمات المفتاحية: التعلم النشط، الإدارة الذاتية، المبادرة التربوية، دراسة حالة، البيئة المدرسية.
Abstract: This qualitative study investigates the reality of active learning strategies at Afaq Elementary School and examines the connection between their implementation and teachers’ self-management and educational initiative. Employing a case study approach, the research utilized open-ended questionnaires and semi-structured interviews with five teachers actively engaged in the school’s educational development. Findings indicate that high levels of teacher self-regulation and professional initiative significantly contribute to the effective application of active learning methods, positively impacting students’ motivation and classroom engagement. The study further emphasizes the importance of administrative support and institutional flexibility in fostering a culture of autonomy and innovation. It concludes with recommendations to empower teachers professionally and to provide supportive environments that encourage experimentation and sustainable pedagogical practices.
Keywords: Active learning, teacher self-management, educational initiative, case study, school environment.
المقدمة
يشهد قطاع التعليم في السنوات الأخيرة تحولات متسارعة فرضتها التغيرات المجتمعية والثقافية والتكنولوجية، ما أدى إلى تصاعد الحاجة لإعادة النظر في أساليب التدريس التقليدية. إذ لم يعد الدور التقليدي للمعلم كناقل للمعرفة كافيًا، بل أصبح مطلوبًا منه أن يكون ميسرًا للتعلم، محفزًا للتفكير، وداعمًا للمهارات الحياتية والمهنية للمتعلمين. من هذا المنطلق، برز مفهوم “التعلم النشط” كأحد الاتجاهات التربوية الحديثة التي تركز على التفاعل والمشاركة والمبادرة داخل الصف، مستندًا إلى أسس تربوية ونفسية تدعم فكرة أن التعلم الفعّال يتحقق من خلال انخراط المتعلم في بناء المعرفة وليس استقبالها فقط.
يأتي هذا التوجه مواكبًا لفلسفة التعليم القائم على الكفاءة والتمكين، إذ يعتمد التعلم النشط على أنشطة صفية متنوعة مثل العمل الجماعي، وحل المشكلات، والمشاريع، والمحاكاة، وقد بينت الأبحاث (Prince, 2004؛ Freeman et al., 2014) أن مثل هذه الممارسات تؤدي إلى رفع مستويات التفكير العليا، وزيادة التفاعل، وتحسين التحصيل الأكاديمي. في ذات الوقت، فإن تطبيق هذه الاستراتيجيات يتطلب من المعلم امتلاك قدر عالٍ من الاستقلالية المهنية والقدرة على اتخاذ قرارات تربوية مرنة، وهو ما يُعرف بالإدارة الذاتية، والتي تُعد عاملاً أساسيًا في نجاح التعلم النشط.
كما أن المبادرة التربوية التي يبادر بها المعلم في تحسين بيئة التعلم تعتبر عنصرًا مكملًا لهذا النموذج، إذ تُسهم في تطوير العملية التعليمية من الداخل وبصورة مستدامة. لذا، فإن العلاقة بين التعلم النشط، والإدارة الذاتية، والمبادرة التربوية، تستحق الفحص ضمن سياق واقعي يعكس ديناميكيات الفعل التربوي.
يلعب المعلم دورًا محوريًا في تفعيل التعلم النشط، ويتطلب ذلك ممارسات تربوية تعتمد على استقلالية المعلم المهنية. وتبرز الإدارة الذاتية كعامل حاسم في نجاح هذا النموذج، إذ تؤدي دورًا في تحسين جودة التعليم ورفع رضا المعلمين (Deci & Ryan, 2000؛ Skaalvik & Skaalvik, 2014).
إضافة إلى ذلك، تعتبر البيئة الداعمة والمبادرات التربوية المحلية عناصر ضرورية في تعزيز التعلم النشط، وهو ما تؤكده تقارير مثل OECD (2018، التي تشير إلى أن المبادرات المدروسة تساهم في رفع التفاعل والتحصيل.
من هذا المنطلق، تهدف هذه الدراسة إلى تقويم واقع استراتيجيات التعلم النشط في مدرسة آفاق الابتدائية، مع التركيز على مدى تأثير الإدارة الذاتية والمبادرات التربوية على جودة تطبيق هذه الاستراتيجيات، من خلال منظور نوعي يعكس السياق المحلي، ويستند إلى تجربة ميدانية فعلية.
الأدب النظري
يشكل الأدب النظري الأساس المعرفي والمنهجي الذي تستند إليه هذه الدراسة، ويندرج ضمن ثلاثة محاور مركزية: استراتيجيات التعلم النشط، الإدارة الذاتية للمعلمين، والمبادرة التربوية في البيئة المدرسية. يشكل كل من هذه المحاور منظومة تربوية مترابطة تُعزز من جودة التعليم، وتنعكس بشكل مباشر على مستوى تحصيل الطلبة ومهاراتهم، وعلى الرضا المهني للمعلمين.
استراتيجيات التعلم النشط
يُعتبر التعلم النشط من أبرز الاتجاهات الحديثة في الفكر التربوي، إذ يركز على دور المتعلم بوصفه فاعلًا أساسيًا في العملية التعليمية وليس مجرد متلقٍ سلبي. يعرف Bonwell & Eison (1991) التعلم النشط بأنه أي أسلوب تعليمي يُشرك الطالب في نشاطات عقلية ويدوية تتجاوز الاستماع السلبي للمعلومة، ويضيف Prince (2004) أن هذه الأنشطة تُمكن المتعلم من التفاعل مع المحتوى، مما يفضي إلى بناء معرفة أعمق وأكثر ثباتًا.
وتشمل استراتيجيات التعلم النشط مجموعة متنوعة من التقنيات، من أبرزها: العمل الجماعي، العصف الذهني، التعلم القائم على المشروعات، المحاكاة، ولعب الأدوار. وقد أثبتت أبحاث متعددة (Freeman et al., 2014؛ Hattie, 2009) أن مثل هذه الممارسات ترفع من مستويات التفكير العليا لدى الطلاب، وتعزز من قدرتهم على اتخاذ القرار والعمل ضمن فرق.
الإدارة الذاتية للمعلم
الإدارة الذاتية تشير إلى قدرة المعلم على تنظيم ممارساته المهنية، واتخاذ قرارات ترتبط بالتخطيط، التنفيذ، والتقييم التعليمي بصورة مستقلة. ويستند هذا المفهوم إلى نظرية تقرير المصير (Deci & Ryan, 2000) التي ترى أن الإنسان يحتاج إلى ثلاث حاجات نفسية أساسية ليكون دافعيًا: الاستقلالية، الكفاءة، والانتماء. وعندما يشعر المعلم بأنه يمتلك حرية اتخاذ القرار في صفه، فإن ذلك يزيد من دافعيته ومشاركته الفاعلة.
تؤكد Skaalvik & Skaalvik (2014) أن الإدارة الذاتية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالرضا المهني، وتقلل من مستويات الاحتراق النفسي. كما أن المعلمين الذين يتمتعون باستقلالية أكبر يبدون مرونة أكثر في توظيف استراتيجيات حديثة، ويتفاعلون بشكل إيجابي مع تحديات الصفوف الدراسية.
المبادرة التربوية
المبادرة التربوية هي كل نشاط تطوعي يقوم به المعلم خارج نطاق المهام الرسمية، بهدف تطوير البيئة الصفية أو تحسين أساليب التدريس. ويُنظر إليها على أنها مؤشر على الالتزام المهني والإبداع التربوي، كما يرى Fullan (2001) أن المبادرة الذاتية هي عنصر جوهري في عمليات التغيير المدرسي، وتُسهم في بناء ثقافة مدرسية داعمة.
وقد أشارت دراسة Darling-Hammond et al. (2017) إلى أن المؤسسات التعليمية التي تدعم المعلمين في تطوير مبادراتهم، تحقق مستويات أعلى من الجودة التعليمية، كما ترتفع فيها مستويات الرضا لدى الطواقم التربوية. ويدعم هذا الاتجاه تقرير منظمة OECD (2018) الذي يوصي بتبني سياسات تعليمية تعزز من القيادة الصفية وتمكين المعلمين.
العلاقة بين فاعلية التعلم النشط والإدارة الذاتية للمعلمين والمبادرة التربوية
إن استراتيجيات التعلم النشط لا يمكن أن تُطبق بفعالية في بيئة مدرسية لا تمنح المعلمين حرية اتخاذ القرار، أو لا تشجع على التجريب والمبادرة. ولهذا فإن نجاح التعلم النشط يرتبط بشكل مباشر بالإدارة الذاتية والمبادرات التربوية. يشير Hargreaves & Fullan (2012) إلى أن المعلمين المبدعين هم من يدمجون بين التفاعل الصفّي والتخطيط المستقل، مستفيدين من مساحة الثقة التي تمنحهم إياها الإدارة المدرسية.
الدراسات السابقة
تنوعت الدراسات التي تناولت استراتيجيات التعلم النشط، والإدارة الذاتية، والمبادرات التربوية من حيث المنهج، والعينة، والسياق التطبيقي، مما يوفر أساسًا مقارنًا غنيًا للدراسة الحالية. فيما يلي عرض متسلسل لأبرز الدراسات:
دراسة Freeman et al. (2014): أظهرت نتائج تحليل بيانات شملت آلاف الطلاب في مؤسسات التعليم العالي أن التعلم النشط يزيد من معدلات النجاح ويقلل من نسب الرسوب مقارنة بالتعلم التقليدي. وقد ركزت الدراسة على مواد الرياضيات والعلوم، ووجدت أن الطلاب الذين تعلموا من خلال أنشطة تفاعلية كانوا أكثر قدرة على الفهم العميق.
دراسة Skaalvik & Skaalvik (2014): تناولت العلاقة بين الإدارة الذاتية والدعم الإداري من جهة، ومستوى الضغط النفسي والرضا الوظيفي من جهة أخرى. أشارت النتائج إلى أن المعلمين الذين يشعرون بالاستقلالية في اتخاذ القرارات الصفية يتمتعون برضا وظيفي أعلى، وأداء أكثر استقرارًا، مع قدرة أكبر على التعامل مع التحديات الصفية.
تقرير OECD (2018): ركز على أهمية المبادرات المدرسية في تطوير بيئات التعلم. وأوضح أن المؤسسات التي تدمج المعلمين في صنع القرار وتطوير البرامج التعليمية تحقق نتائج تعليمية أفضل، كما ترتفع فيها معدلات التفاعل والمشاركة الطلابية.
دراسة Fullan (2001): تؤكد أن المبادرات التربوية التي تأتي من داخل المدرسة، وتُبنى على مبادرات فردية أو جماعية للمعلمين، هي الأكثر فاعلية واستدامة. كما أشار إلى أن القيادة التمكينية والمناخ المدرسي الداعم هما الشرطان الأساسيان لنجاح أي تغيير تربوي.
دراسة Darling-Hammond et al. (2017): تناولت العلاقة بين التطوير المهني المستمر والمبادرات الذاتية للمعلمين، وخلصت إلى أن المؤسسات التعليمية التي تدعم الابتكار الفردي ضمن إطار مؤسسي تتفوق في نواتج التعلم، وتحقق تطورًا مستدامًا في الأداء المدرسي.
دراسة يوسف (2020): دراسة عربية هدفت إلى تحليل أثر المبادرة الذاتية لدى المعلمين في تفعيل استراتيجيات التعليم النشط. أجريت في بيئة مدرسية فلسطينية، وأظهرت النتائج أن المعلمين الذين يبادرون بتطوير أنشطة جديدة يعززون التفاعل، ويطوّرون مهارات التفكير العليا لدى الطلبة.
دراسة الحربي (2017): أجريت في السعودية، وهدفت إلى رصد واقع استخدام استراتيجيات التعلم النشط، وأبرزت التحديات المرتبطة بقصور الدعم الإداري والتدريب المهني، مما انعكس سلبًا على فعالية تنفيذ التعلم النشط.
مشكلة الدراسة وأسئلتها:
مدرسة آفاق الابتدائية في بلدة دير الأسد تُعد أنموذجًا فريدًا في تبني التغيير التربوي القائم على المبادرة الذاتية والمهنية، وقد كانت على مدار السنوات الماضية البيت الأول لمبادرات تربوية نوعية هدفت إلى تطوير استراتيجيات التدريس، وفي مقدمتها التعلم النشط. وبالرغم من هذا التوجه الريادي، لا تزال الممارسات التربوية داخل الصفوف تعاني من تفاوت في التطبيق، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول مستوى تمكين المعلمين، ومستوى استقلاليتهم في التخطيط والتنفيذ، ومدى توافر بيئة مشجعة على المبادرة.
من خلال عمل الباحثة داخل المدرسة ومتابعة ميدانية للمعلمين، برزت الحاجة إلى تقويم جاد للواقع التربوي من منطلق نوعي، يدمج بين خبرات المعلمين اليومية ورؤيتهم لدورهم المهني في ظل بيئة تشجعهم على الإبداع.
ومن هنا، تنبع مشكلة الدراسة من ضرورة استكشاف العلاقة بين استراتيجيات التعلم النشط، والمبادرة التربوية، والإدارة الذاتية للمعلمين داخل هذا السياق الواقعي، وتتحدد هذه الدراسة في الإجابة عن الأسئلة الآتية:
- ما مدى تطبيق معلمي مدرسة آفاق الابتدائية لاستراتيجيات التعلم النشط في ممارساتهم الصفية؟
- ما مستوى ممارسة المعلمين للإدارة الذاتية والمبادرة التربوية في سياق تفعيل استراتيجيات التعلم النشط؟
- كيف يسهم التوزيع الفعّال للموارد في دعم تطبيق استراتيجيات التعلم النشط من وجهة نظر المعلمين؟
- ما العلاقة بين تطبيق استراتيجيات التعلم النشط وممارسات المعلمين في الإدارة الذاتية والمبادرة التربوية وتوزيع الموارد؟
تنطلق هذه الدراسة من إطار نظري يؤمن بأن تطوير جودة التعليم يعتمد على تفعيل ممارسات تربوية تفاعلية يقودها المعلمون داخل الصفوف من خلال استراتيجيات تدريس حديثة، ضمن بيئة تتيح لهم المبادرة واتخاذ القرار المهني. وبناءً على ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق الأهداف التالية:
- تحليل واقع تطبيق استراتيجيات التعلم النشط لدى معلمي مدرسة آفاق الابتدائية، ومدى تفاعل الطلبة معها في المواقف الصفية المختلفة.
- استقصاء مستوى ممارسة المعلمين للإدارة الذاتية والمبادرة التربوية، ودورهما في تعزيز فاعلية التعلم النشط داخل البيئة التعليمية الواقعية.
- رصد دور توزيع الموارد والدعم المؤسسي في تمكين المعلمين من تبني وتنفيذ استراتيجيات تعلم نشط تتناسب مع متطلبات الطلبة وظروف الصف.
- تفسير العلاقة التفاعلية بين التعلم النشط، الإدارة الذاتية، والمبادرة التربوية في ضوء السياق الثقافي والمهني لمدرسة آفاق.
تنبع أهمية هذه الدراسة من التداخل الحيوي بين ثلاثة مفاهيم مركزية في المجال التربوي: التعلم النشط، الإدارة الذاتية، والمبادرة التربوية، حيث يشكل الجمع بينها ركيزة لتحسين بيئة التعليم وتجويد الممارسات الصفية.
الأهمية النظرية
تسهم الدراسة في إثراء الأدبيات التربوية العربية والمحلية حول العلاقة التكاملية بين استقلالية المعلم واستراتيجيات التدريس الحديثة. وقد أشار Bonwell & Eison (1991) إلى أن التعلم النشط لا يُفعل فقط عبر الأنشطة الصفية، بل يتطلب بيئة مرنة تعترف بدور المعلم كمخطط ومبادر. كما تدعم الدراسة رؤية نظرية تقرير المصير (Deci & Ryan, 2000) التي تؤكد على أن المعلمين الذين يتمتعون بالاستقلالية يبدون مستويات أعلى من الكفاءة والدافعية المهنية.
من جهة أخرى، فإن المبادرة التربوية التي يؤسس لها Fullan (2001) كأحد محركات التغيير المدرسي تُعد إطارًا نظريًا غنيًا لفهم سلوك المعلم المبدع، ما يمنح هذه الدراسة خصوصية من حيث دمجها لعدة توجهات نظرية ضمن إطار واحد.
الأهمية التطبيقية
تتمثل الأهمية التطبيقية للدراسة في تقديم رؤى مستمدة من واقع فعلي قائم في مدرسة آفاق، والتي تُعد مثالًا حيًا على بيئة محفزة للتغيير التربوي. فمن خلال تحليل تجارب المعلمين في هذه المدرسة، يمكن الخروج بتوصيات عملية تدعم السياسات التربوية في المدارس الأخرى، وتساعد في تهيئة مناخات داعمة للتعلم النشط.
كما أن نتائج الدراسة تعزز من قدرة الإدارات التربوية على اتخاذ قرارات تستند إلى الفعل التربوي الواقعي، خصوصًا فيما يتعلق بتطوير أدوات التدريب المهني، وتقديم فرص حقيقية للمعلمين للمشاركة في تطوير المناهج من خلال مبادراتهم الذاتية.
بالتالي، فإن الدراسة لا تسهم فقط في بناء معرفة نظرية حول العلاقة بين التعلم النشط والإدارة الذاتية والمبادرة، بل تقدم أيضًا نموذجًا عمليًا لتوظيف هذا التفاعل في واقع مدرسي فعلي، مما يعزز من أثرها على المستوى التطبيقي والتنموي.
تعريف المصطلحات
استراتيجيات التعلم النشط
- تعريف اصطلاحي: هي مجموعة من الممارسات التعليمية التي تركز على إشراك الطالب بشكل فعّال في عملية التعلم من خلال التفكير، الاستكشاف، والعمل الجماعي، بدلاً من الاعتماد على التلقين وحفظ المعلومات.
- تعريف إجرائي: يُقصد بها كل ممارسة صفية تفاعلية ينفذها معلمو مدرسة آفاق الابتدائية، وتشمل العصف الذهني، التعلم التعاوني، والمشروعات الصفية، وتهدف إلى تنمية التفكير النقدي لدى الطلبة.
الإدارة الذاتية للمعلم
- تعريف اصطلاحي: هي قدرة المعلم على التخطيط والتنفيذ والتقييم لممارساته التربوية دون تدخل مباشر من الإدارة، بالاستناد إلى فهمه العميق لمتطلبات البيئة الصفية واحتياجات الطلبة.
- تعريف إجرائي: هي سلوكيات عملية يمارسها معلمو مدرسة آفاق، مثل: تنظيم الوقت، اختيار الأنشطة التعليمية، وتعديل الاستراتيجيات بناءً على التغذية الراجعة، دون توجيه خارجي مباشر.
المبادرة التربوية
- تعريف نظري: تشير إلى استعداد المعلم للقيام بأنشطة تطويرية ذاتية تتجاوز متطلبات العمل الرسمية، مثل تصميم وسائل تعليمية مبتكرة أو قيادة مشروع صفي جديد.
- تعريف إجرائي: هي الإجراءات التطويرية التي يبادر بها المعلمون في مدرسة آفاق، مثل إعداد دروس رقمية أو تطوير بيئة تعلم صفية محفزة، بشكل فردي أو ضمن فرق تربوية.
حدود ومحددات الدراسة
الحدود الموضوعية:
يقتصر الدراسة على موضوع تقويم استراتيجيات التعلم النشط لدى معلمي مدرسة آفاق، وعلاقته بالإدارة الذاتية والمبادرة التربوية، ولا يتناول باقي عناصر البيئة المدرسية أو استراتيجيات أخرى.
الحدود المكانية:
تُطبق الدراسة في مدرسة آفاق الابتدائية، الواقعة في بلدة دير الأسد – الجليل، في الداخل الفلسطيني.
الحدود الزمانية:
تم تنفيذ الدراسة خلال الفصل الثاني من العام الدراسي 2024–2025، وهو ما قد يعكس سياقات زمنية محددة.
الحدود البشرية:
يقتصر مجتمع الدراسة على معلمي المدرسة، دون إشراك الطلبة أو أولياء الأمور أو طواقم الدعم التربوي.
المحددات المنهجية:
اعتمدت الدراسة على المنهج النوعي القائم على دراسة الحالة، مما قد يحد من تعميم النتائج على مدارس أخرى مختلفة في السياق أو البنية.
الطريقة والإجراءات
نظرًا لكون مدرسة آفاق الابتدائية في بلدة دير الأسد تُعد نموذجًا رياديًا في تبنّي المبادرات التربوية على مستوى المدارس الابتدائية في المنطقة، فقد وقع الاختيار عليها كمجال ميداني للدراسة الحالية. ويستند هذا الاختيار إلى مكانة المدرسة كمؤسسة تعليمية تطبق استراتيجيات حديثة في التدريس، وتُشجع ثقافة المبادرة والتطوير الذاتي للمعلمين. وتمثل هذه المدرسة بيئة تعليمية حية تعكس خصائص القيادة التربوية الفاعلة، والاستقلالية المهنية، والتفاعل المجتمعي، مما ينسجم مع متطلبات المنهج النوعي المعتمد في هذه الدراسة.
منهج الدراسة
اعتمدت الدراسة على المنهج النوعي (Qualitative Approach)، وتحديدًا على تصميم دراسة الحالة (Case Study Design)، وهو من التصاميم الشائعة في البحوث التربوية التي تهدف إلى فهم الظواهر ضمن سياقاتها الواقعية (Creswell, 2013). وقد تم اختيار هذا التصميم لأنه يتيح للباحثة التعمق في استكشاف تجارب المعلمين الشخصية، وتفسير المعاني التربوية التي تنشأ من خلال تفاعلهم اليومي مع استراتيجيات التعلم النشط.
ويتفق العديد من الباحثين على أن دراسة الحالة توفر إطارًا لفحص الظواهر المركبة مثل الإدارة الذاتية والمبادرة المهنية في بيئة مدرسية محددة (Yin, 2018؛ Stake, 1995). كما يشير عبد الرحمن عدس (2011) إلى أن المنهج النوعي يساعد على رصد الفروق الدقيقة بين المعلمين في كيفية توظيفهم للاستراتيجيات الحديثة، ويكشف عن العلاقة بين السياق الثقافي والمؤسسي والممارسات الصفية.
يرتكز اختيار المنهج النوعي على الحاجة إلى جمع بيانات وصفية متعمقة من مصادر متعددة (الاستبانة المفتوحة، والمقابلات)، تسمح بفهم الظاهرة من منظور المعلمين أنفسهم. ويُعد هذا الخيار مناسبًا للدراسة الحالية التي تتناول قضايا حساسة ومتشابكة مثل الاستقلالية المهنية ودور البيئة المدرسية في دعم التجريب والابتكار التربوي، وهي قضايا لا يمكن فهمها من خلال الأساليب الكمية فقط (Merriam & Tisdell, 2016).
علاوة على ذلك، فإن استخدام المنهج النوعي يُمكّن الباحثة من ربط النظرية بالتطبيق، وتحليل المعاني المتولدة من تجارب المعلمين في ضوء النظريات التربوية الحديثة، مثل نظرية تقرير المصير (Self-Determination Theory) لدي سي ورايان (Deci & Ryan, 2000)، التي تؤكد على أهمية توافر الشعور بالاستقلالية والكفاءة والانتماء المهني لدى المعلمين لتعزيز أدائهم، وكذلك النظرية الاجتماعية الثقافية لفايغوتسكي (Vygotsky, 1978) التي تبرز دور التفاعل والمبادرة في بناء المعرفة.
ملاءمة السياق لمجال الدراسة
إن اختيار مدرسة آفاق لا ينبع فقط من توفر المبادرات فيها، بل أيضًا من استعداد طاقمها التربوي للمشاركة في العمليات البحثية النوعية، واستعدادهم للانخراط في حوارات مهنية صريحة. وقد أسهم هذا الانخراط في توفير بيانات غنية ومتنوعة، مكّنت الباحثة من استخلاص أنماط تربوية ترتبط مباشرة بالمفاهيم التي تتناولها الدراسة، مثل: ثقافة المبادرة، وديناميكيات الإدارة الذاتية، وأشكال تطبيق التعلم النشط.
مجتمع الدراسة وعينتها
تكوّن مجتمع الدراسة من جميع معلمي ومعلمات مدرسة آفاق الابتدائية في بلدة دير الأسد، ويبلغ عددهم (30) معلمًا ومعلمة خلال العام الدراسي 2024–2025. وقد تم اختيار عينة قصدية مكونة من خمسة معلمين ومعلمات من طاقم المبادر والموجه داخل المدرسة، ممن يشاركون فعليًا في تصميم المبادرات التربوية وتطبيق استراتيجيات التعلم النشط. أُجريت معهم مقابلات شبه منظمة، هدفت إلى استكشاف تجاربهم العملية في تطبيق التعلم النشط، ومدى ممارستهم للإدارة الذاتية، ومبادراتهم التربوية ضمن السياق المدرسي الواقعي. وقد تم اختيار عينة بسيطة مكونة من خمسة معلمين ومعلمات، يمثلون تخصصات دراسية متنوعة. أُجريت معهم مقابلات شبه منظمة، هدفت إلى استكشاف تجاربهم العملية في تطبيق استراتيجيات التعلم النشط، ومدى ممارستهم للإدارة الذاتية، ومبادراتهم التربوية داخل الصفوف الدراسية. وقد تم اختيارهم بناء على توفر الخبرة في مجال التدريس، والاستعداد للمشاركة الفعلية في المقابلات والاستبانة المفتوحة.
أدوات جمع البيانات
اعتمدت الدراسة على أداة نوعية تمثلت في مقابلات شبه منظمة مع بعض أفراد العينة بهدف التعمق في فهم السياقات الشخصية والمهنية لتجاربهم التعليمية.
كما أُجريت استبانة مفتوحة صممتها الباحثة، اشتملت على مجموعة من الأسئلة التي استهدفت استكشاف ثلاث محاور أساسية:
- واقع استراتيجيات التعلم النشط المطبقة في المدرسة.
- مدى ممارسة المعلمين للإدارة الذاتية في تخطيط وتنفيذ الدروس.
- أشكال المبادرات التربوية التي يقوم بها المعلمون، وتأثيرها على البيئة الصفية.
بناء الأداة وفحص الصدق والثبات
تم بناء أداة الدراسة اعتمادًا على المراجعة المنهجية للأدبيات التربوية الحديثة التي تناولت موضوعات التعلم النشط، الإدارة الذاتية، والمبادرة التربوية، بالإضافة إلى تحليل الأدوات النوعية المستخدمة في دراسات سابقة مشابهة. تم صياغة فقرات الاستبانة المفتوحة والمقابلات بأسلوب يتيح للمعلمين التعبير بحرية وعمق عن ممارساتهم وتجاربهم.
عُرضت أداة الدراسة على لجنة تحكيم مكونة من ثلاثة محكمين أكاديميين متخصصين في المناهج وطرق التدريس والبحث النوعي من أجل التحقق من الصدق الظاهري وصدق المحتوى. وتم الأخذ بملاحظاتهم لتعديل صياغة بعض الأسئلة، وضمان ملاءمتها لأهداف الدراسة وسياق المدرسة.
كما تم فحص الصدق البنائي من خلال تحليل مدى اتساق فقرات الأداة مع الأطر النظرية التي تستند إليها، وعلى رأسها نظرية تقرير المصير (Deci & Ryan, 2000)، التي تؤكد أن الإدارة الذاتية تنمو عندما تتوفر بيئة داعمة للحرية والاستقلالية، وكذلك النظرية الاجتماعية البنائية (Vygotsky, 1978) التي تبرز أهمية التفاعل والمبادرة في تنمية المعرفة.
فيما يتعلق بفحص الثبات، ورغم أن أدوات البحث النوعي لا تهدف إلى التكرار الحرفي للنتائج، إلا أنه تم تعزيز الثبات من خلال الخطوات الآتية:
- تنفيذ التحليل من قبل الباحثة ومن قبل زميلة أخرى من ذوي الخبرة.
- تطبيق التحقق الثلاثي (Triangulation) بجمع البيانات من أدوات متعددة.
- إجراء تحليل مقارن داخلي للتأكد من اتساق الرموز والفئات الناشئة.
إجراءات جمع البيانات
تم تنفيذ إجراءات جمع البيانات على مرحلتين متكاملتين، استهدفتا الوصول إلى فهم معمق ومتعدد الزوايا لواقع التعلم النشط في مدرسة آفاق، ودور الإدارة الذاتية والمبادرة التربوية في دعمه.
في المرحلة الأولى، تم توزيع استبانة مفتوحة إلكترونيًا عبر Google Forms على جميع المعلمين والمعلمات في المدرسة، مما أتاح للمعلمين التعبير بحرية عن تجاربهم وممارساتهم اليومية المرتبطة باستراتيجيات التعلم النشط.
أما المرحلة الثانية، فتمثلت في إجراء مقابلات شبه منظمة مع عينة مكونة من خمسة معلمين ومعلمات من طاقم المبادر والموجه في المدرسة. وقد صُممت المقابلات بأسلوب مرن يسمح بطرح أسئلة رئيسية تركز على محاور الدراسة، مع منح المجال للمبحوثين للتوسع في تجاربهم الخاصة وتقديم أمثلة عملية على مبادراتهم الذاتية.
سُجلت جميع المقابلات بعد أخذ الموافقة الخطية من المشاركين، وتم تفريغها بدقة باستخدام جداول تحليلية نوعية، استعدادًا للترميز الموضوعي وتصنيف الإجابات حسب الفئات الرئيسة والفرعية التي تم اشتقاقها لاحقًا في عملية التحليل.
أتاح هذا الأسلوب المزدوج جمع بيانات متعددة المصادر عززت من مصداقية النتائج، وسمحت بتكوين صورة واقعية دقيقة تمثل السياق المهني والعملي للمعلمين في مدرسة آفاق.
أسلوب تحليل البيانات
تم تحليل البيانات النوعية باستخدام أسلوب التحليل الموضوعي للمحتوى (Content Analysis)، وهو أسلوب واسع الاستخدام في البحوث التربوية النوعية لأنه يُمكّن من فحص النصوص والبيانات المفتوحة بطريقة منهجية وعميقة. وقد وُظّف هذا الأسلوب بناءً على ما أوصى به Creswell (2013) وVaismoradi et al. (2013)، من حيث المراحل التتابعية التالية:
- القراءة الأولية الشمولية: تم قراءة نصوص المقابلات والاستجابات عدة مرات لتكوين تصور شامل حول الموضوعات المتكررة والمعاني الضمنية.
- تحديد الوحدات الدلالية: تم تحديد الجمل أو الفقرات التي تحمل معنى محدد يتعلق بمحاور الدراسة الثلاثة (التعلم النشط، الإدارة الذاتية، والمبادرة التربوية)، وفقًا لما أشار إليه Miles & Huberman (1994).
- الترميز المفتوح (Open Coding): تم تعيين رموز أولية لكل وحدة دلالية تمثل مفهومًا أو تجربة معينة، وذلك باستخدام أسلوب Bottom-Up المبني على ظهور البيانات من الميدان.
- تصنيف الرموز ضمن فئات رئيسية وفرعية: تم تجميع الرموز المشابهة تحت فئات تحليلية كبرى تعكس اتجاهات واضحة، مثل: “دوافع تطبيق التعلم النشط”، أو “عوائق ذاتية وإدارية”.
- بناء التفسير والتحقق النظري: تم تفسير المعاني وربطها بالنظريات التربوية الداعمة مثل النظرية الاجتماعية الثقافية (Vygotsky, 1978) التي تؤكد على التعلم من خلال التفاعل والمشاركة، ونظرية تقرير المصير (Deci & Ryan, 2000) التي تسلط الضوء على الاستقلالية المهنية كعنصر محوري في تحسين الأداء التربوي.
- مراجعة النتائج والتحقق من الاتساق: تم التأكد من أن جميع الرموز والفئات تنبثق فعليًا من البيانات الميدانية، وتمت مراجعتها من قبل زميلة باحثة لضمان الاتساق الداخلي.
هذا الأسلوب أتاح التعامل مع البيانات النوعية بمرونة ودقة، وكشف عن أنماط عميقة من التفكير والممارسة المهنية للمعلمين في مدرسة آفاق، بما يتلاءم مع الطابع التفسيري للبحث النوعي.
مصداقية وثبات الدراسة
لضمان مصداقية النتائج، تم استخدام أساليب التحقق المتبادل من قبل محكمين، كما طُبق أسلوب مراجعة الأقران، حيث طُلب من زميلة باحثة مراجعة الترميزات والفئات المستخلصة، للتأكد من دقتها. كذلك تم الحفاظ على تتبع الإجراءات وشفافية مراحل التحليل، مما عزز من موثوقية النتائج وتكرارها في سياقات مشابهة.
عرض نتائج الدراسة
نتائج المقابلات في العينة
بالاعتماد على تحليل المقابلات شبه المنظمة التي أُجريت مع عينة استطلاعية عشوائية من طاقم معلمي مدرسة آفاق الابتدائية، تبيّن أن مستوى تطبيق استراتيجيات التعلم النشط يختلف بين المعلمين، مع وجود توجه إيجابي عام نحو تبني هذه الاستراتيجيات. أشار بعض المعلمين إلى استخدامهم المنتظم لأساليب تفاعلية مثل التعلم التعاوني، عرض المشكلات، والعصف الذهني، حيث قالت إحدى المعلمات: “أستخدم أساليب متنوعة حسب طبيعة الدرس مثل تقسيم الطلاب إلى مجموعات وتنفيذ أنشطة تعاونية”، في حين أكد معلم آخر: “أفضل العصف الذهني وتمثيل الأدوار كوسائل فعالة لتحفيز التفكير عند الطلبة”.
وتوافقت الآراء حول فعالية بعض الأنشطة التفاعلية، حيث برزت أنشطة المحاكاة، الألعاب التعليمية، والعمل الجماعي كوسائل ناجعة في رفع حماس الطلبة، إذ عبّر أحد المشاركين عن رأيه قائلًا: “التمثيل والمسابقات الصفية تشعل تفاعل الطلاب بشكل واضح وتخلق بيئة نشطة داخل الصف”.
أما فيما يخص أبرز التحديات التي تواجه المعلمين في تطبيق التعلم النشط، فقد تمحورت حول ضيق الوقت، وصعوبة إدارة الصف، وتفاوت مستويات الطلبة. إحدى المعلمات قالت: “يصعب تنفيذ أنشطة لجميع الطلبة بسبب تباين القدرات”، بينما أشار معلم آخر إلى أن “الزمن الحصصي لا يكفي لتطبيق أنشطة متكاملة رغم أهميتها”.
من جهة تطوير الأداء، أوضح المشاركون أنهم يلجؤون إلى ورشات العمل، والدورات المهنية، والتعلم الذاتي باستخدام الإنترنت والتقنيات الحديثة، كوسائل لتعزيز كفاءاتهم المهنية. وقد أشار أحدهم إلى أنه “يعتمد على التطوير الذاتي من خلال الفيديوهات والدورات المتاحة عبر الإنترنت، خاصة تلك المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في التعليم”.
كما أظهرت إجاباتهم وعيًا عاليًا بأهمية المرونة في التعامل مع المعوقات، من خلال تعديل طرائق التدريس واستشارة الزملاء وتكييف الأنشطة التعليمية بما يتلاءم مع طبيعة الصف. إحدى المعلمات علقت: “أعدت تصميم نشاط كامل بعد أن لاحظت ضعف تفاعل الطلاب، ونجحت المحاولة الجديدة بشكل أفضل”.
من جهة أخرى، أكدت المقابلات أن بيئة المدرسة الإدارية داعمة بشكل ملحوظ للمبادرات التربوية، إذ أشاد المعلمون بدور الإدارة المدرسية في تشجيع المعلمين على الإبداع والمبادرة. قالت إحدى المشاركات: “مديرة المدرسة تمنحنا حرية كبيرة لتجريب أساليب جديدة وتوفر لنا موارد دعم إضافية”.
واختتمت المقابلات بجملة من المقترحات التي قد تسهم في تعزيز التعلم النشط، شملت تنظيم ورشات تدريب عملية داخل المدرسة، وتخصيص وقت أسبوعي لتخطيط الدروس بشكل جماعي، إضافة إلى تشجيع تبادل التجارب التربوية بين المعلمين. هذه التوصيات تعكس توجهًا مهنيًا ناضجًا نحو بيئة تعليمية قائمة على التعاون والتطوير المستمر.
عرض نتائج الاستبانة المفتوحة
|
تحليل محاور استجابة المعلمين الاستبانة المفتوحة |
|
|
العنصر |
مضامين الاستجابات |
|
ممارسات استراتيجيات التعلم النشط |
تنوع في استخدام استراتيجيات مثل: التعلم التعاوني، عرض المشكلات، ولعب الأدوار |
|
الأنشطة التفاعلية الفعالة |
فاعلية العمل الجماعي، العصف الذهني، المحاكاة، والمسابقات الرقمية |
|
أبرز التحديات |
ضيق الوقت، صعوبة ضبط الصف، تفاوت مستويات الطلاب، نقص أدوات مناسبة |
|
أدوات تطوير الأداء |
دورات تدريبية، تعلم ذاتي، ورش عمل، متابعة عبر الإنترنت |
|
آليات التعامل الذاتي مع الصعوبات |
تعديل الطرق التعليمية، استشارة الزملاء، البحث عبر الإنترنت، التجريب |
|
دعم الإدارة المدرسية |
دعم بدرجة عالية من الإدارة، تحفيز وتشجيع على المبادرة والتجريب |
|
دعم البيئة المدرسية |
دعم واضح من البيئة المدرسية على مستوى البنية والمناخ التربوي |
|
مقترحات لتحسين التعلم النشط |
تنظيم ورش عملية، تخصيص وقت للتعلم النشط، فتح المجال للتبادل المهني |
|
مقترحات لتعزيز المبادرة الذاتية |
تقدير الجهود، تنظيم مبادرات تشاركية، تحفيز التعاون والتوثيق |
تحليل الإجابات المفتوحة من استبانة المعلمين
ممارسات استراتيجيات التعلم النشط
تنوّعت ممارسات المعلمين بين التعلم التعاوني، عرض المشكلات، لعب الأدوار، وتقنيات العصف الذهني، مما يدل على وعي بتطبيق مبادئ التعلم النشط. أحد المعلمين أوضح: “أستخدم أساليب متنوعة مثل تقسيم الطلاب إلى مجموعات والعمل التعاوني”. تتفق هذه النتائج مع ما طرحه (Bonwell & Eison (1991 حول أهمية إشراك الطالب بأنشطة عقلية وجسدية لرفع التفاعل والاندماج في التعلم.
الأنشطة التفاعلية الأكثر فعالية
اتفق غالبية المعلمين على فعالية الأنشطة التي تعتمد المحاكاة، التمثيل، والمنافسات الصفية. وذكر أحدهم: “التمثيل والمسابقات التفاعلية تشعل الحماس وتزيد من تفاعل الطلبة”. وهذا يعكس ما أكد عليه (Prince (2004 بأن التعلم النشط يعزز الفهم العميق من خلال الأنشطة التطبيقية.
التحديات في تطبيق التعلم النشط
تركزت التحديات في ضيق الوقت، صعوبة ضبط الصف، وتفاوت المستويات الأكاديمية. إحدى المعلمات صرحت: “من أبرز التحديات جذب غالبية الطلاب والتعامل مع الفروق الفردية”. يتماشى هذا مع ما ذكره الحربي (2017) من أن غياب التدريب والدعم الكافي يؤثر على تطبيق الاستراتيجيات الحديثة.
المبادرات الذاتية للمعلمين
أظهرت الإجابات أن عدداً من المعلمين قاموا بتصميم زوايا تعليمية رقمية، استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنشاء بيئات تعلم خاصة. إحدى المعلمات أفادت: “قمت بإنشاء زاوية محوسبة لطلاب الدمج مبنية على التعلم باللعب”. وهذا يدعم ما أشار إليه Fullan (2001) بأن التغيير يبدأ من المبادرات الفردية داخل الصف.
أدوات تطوير الأداء المهني
اعتمد المعلمون على ورش العمل، الاستكمالات المهنية، والتعلم الذاتي من خلال التكنولوجيا. أجاب أحدهم: “أتعلم شيئًا جديدًا يوميًا من خلال التطبيقات والمنصات”. يؤكد هذا ما ورد في (Darling-Hammond et al. (2017 بأن التطوير المهني المستمر هو مفتاح تحسين جودة التعليم.
آليات التعامل مع الصعوبات
لجأ المعلمون إلى تعديل الأساليب، استشارة الزملاء، والتجريب. أحد المشاركين كتب: “أفكر في سبب الفشل وأعيد تصميم النشاط بما يناسب صفّي”.
دعم الإدارة
قيّم المعلمون دعم الإدارة بأنه مرتفع، حيث صرّح أحدهم: “المديرة تدفعنا لتجريب كل ما هو جديد وتشجع المبادرة”. يعكس ذلك بيئة مدرسية محفزة تتوافق مع ما ورد في تقرير OECD (2018) بشأن أهمية دعم القيادة المدرسية للممارسات التفاعلية.
مقترحات تطوير التعلم النشط والمبادرة الذاتية
اقترح المعلمون تنظيم ورش عمل عملية، تخصيص وقت للتخطيط، وتبادل الخبرات بين الزملاء. أحدهم أشار: “أوصي بتخصيص وقت أسبوعي لتبادل الأفكار وتنمية المبادرات”. هذا ينسجم مع توجيهات Guskey (2014) حول الحاجة إلى دعم زمني ومهني للمعلمين داخل المدارس.
مناقشة النتائج
استنادًا إلى تحليل الاستجابات في الاستبانة المفتوحة والمقابلات شبه المنظمة، تبيّن أن تطبيق استراتيجيات التعلم النشط في مدرسة آفاق الابتدائية يتم بشكل متفاوت بين المعلمين. فقد عبّر عدد من المشاركين عن استخدامهم المنتظم لأساليب مثل التعلم التعاوني والمشاريع الصفية، في حين أشار آخرون إلى تحديات تتعلق بضغط الوقت وعدم وضوح التوقعات. على سبيل المثال، ذكرت إحدى المعلمات: “أعتمد أحيانًا على المشاريع ولكن لا أستطيع أن أطبقها بشكل دائم بسبب ضغط المواد وكثرة المهام الأخرى”.
ظهر من البيانات أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين المبادرة الذاتية للمعلم وبين مستوى تطبيق التعلم النشط. حيث لوحظ أن المعلمين الذين أبدوا رغبة في تطوير أدواتهم الصفية واتخاذ قرارات مستقلة بشأن تنظيم الدروس، كانوا أكثر تفاعلًا مع الطلبة وأظهروا نتائج تعليمية أفضل. وقد أكدت إحدى المشاركات: “عندما أتيحت لي الحرية في تصميم الأنشطة، لاحظت تفاعلًا غير مسبوق من الطلاب”، بينما أضاف معلم آخر: “المبادرة الشخصية ساعدتني على تكييف الدروس بما يتناسب مع احتياجات كل صف”.
أما الإدارة الذاتية، فتمثلت في قدرة المعلمين على تخطيط الدروس، تقييم أدائهم، وتنظيم بيئة التعلم بشكل مرن. وأشارت إحدى المعلمات إلى أنها تقوم بتعديل استراتيجيات التدريس أسبوعيًا بناءً على ملاحظاتها الصفية، قائلة: “أراجع الخطة كل أسبوع وأقوم بتغيير الأنشطة إذا لاحظت أن الطلاب لم يتفاعلوا بالشكل المطلوب”، ما يؤكد على ما ورد في نظرية تقرير المصير (Deci & Ryan, 2000).
فيما يخص المبادرة التربوية، فقد ظهرت بوضوح في استجابات المعلمين الذين تحدثوا عن إعدادهم لمصادر تعليمية رقمية، أو تصميم زوايا تعلم ذات طابع تشاركي. حيث قالت إحدى المشاركات: “قمت بتصميم زاوية تعلم تفاعلية في الصف تحفز الطلبة على تبادل الأدوار والقيام بتجارب صغيرة”. هذه المبادرات
ساهمت في بناء ثقافة صفية إيجابية، مما ينسجم مع ما أشار إليه Fullan (2001) من أن التغيير يبدأ من داخل الصفوف.
تشير النتائج إلى أن بيئة المدرسة الإدارية لها تأثير مباشر في دعم هذه الممارسات؛ إذ إن المعلمين الذين شعروا بدعم الإدارة لتجريب استراتيجيات جديدة كانوا أكثر التزامًا بممارسات التعلم النشط. وقد صرح أحد المشاركين: “أشعر أن الإدارة تمنحني الثقة لتجربة ما أراه مناسبًا، وهذا ما يشجعني على التنويع في أساليب التعليم”.
بشكل عام، تعكس النتائج أن تعزيز الإدارة الذاتية والمبادرة التربوية يسهمان في تفعيل التعلم النشط، وهو ما يتفق مع الدراسات السابقة ويعزز من قيمة التمكين المهني للمعلمين في تطوير الممارسات التعليمية المستجيبة لاحتياجات الطلبة.
الخاتمة:
أظهرت هذه الدراسة أن استراتيجيات التعلم النشط ترتبط ارتباطًا مباشرًا بمدى تمكين المعلمين إداريًا ومهنيًا. وأن الإدارة الذاتية والمبادرات التربوية تشكلان عنصرين حاسمين في نجاح الممارسات الصفية. وقد أثبتت تجربة مدرسة آفاق أن خلق بيئة مدرسية مرنة داعمة للمعلمين هو مدخل حقيقي لتحسين جودة التعليم، وتجديد الممارسات التربوية بما يتماشى مع حاجات القرن الحادي والعشرين.
وبهذا، تُعد نتائج الدراسة دافعًا مهمًا لاستثمار الموارد البشرية والمهنية في تعزيز أدوار المعلم التربوية، ليس فقط كمُنفذٍ للمحتوى، بل كقائدٍ تعليمي قادر على التغيير والتطوير.
استنادًا إلى تحليل الاستجابات في الاستبانة المفتوحة والمقابلات شبه المنظمة، تبيّن أن تطبيق استراتيجيات التعلم النشط في مدرسة آفاق الابتدائية يتم بشكل متفاوت بين المعلمين. فقد عبّر عدد من المشاركين عن استخدامهم المنتظم لأساليب مثل التعلم التعاوني والمشاريع الصفية، في حين أشار آخرون إلى تحديات تتعلق بضغط الوقت وعدم وضوح التوقعات.
ظهر من البيانات أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين المبادرة الذاتية للمعلم وبين مستوى تطبيق التعلم النشط. حيث لوحظ أن المعلمين الذين أبدوا رغبة في تطوير أدواتهم الصفية واتخاذ قرارات مستقلة بشأن تنظيم الدروس، كانوا أكثر تفاعلًا مع الطلبة وأظهروا نتائج تعليمية أفضل. وقد أكدت إحدى المشاركات: “عندما أتيحت لي الحرية في تصميم الأنشطة، لاحظت تفاعلًا غير مسبوق من الطلاب”.
أما الإدارة الذاتية، فتمثلت في قدرة المعلمين على تخطيط الدروس، تقييم أدائهم، وتنظيم بيئة التعلم بشكل مرن. المعلمون الذين أظهروا مهارات تنظيم ذاتي عالية أبدوا كفاءة أكبر في استخدام أدوات التعلم النشط، ما يؤكد على ما ورد في نظرية تقرير المصير (Deci & Ryan, 2000).
فيما يخص المبادرة التربوية، فقد ظهرت بوضوح في استجابات المعلمين الذين تحدثوا عن إعدادهم لمصادر تعليمية رقمية، أو تصميم زوايا تعلم ذات طابع تشاركي. هذه المبادرات ساهمت في بناء ثقافة صفية إيجابية، مما ينسجم مع ما أشار إليه Fullan (2001) من أن التغيير يبدأ من داخل الصفوف.
تشير النتائج إلى أن بيئة المدرسة الإدارية لها تأثير مباشر في دعم هذه الممارسات؛ إذ إن المعلمين الذين شعروا بدعم الإدارة لتجريب استراتيجيات جديدة كانوا أكثر التزامًا بممارسات التعلم النشط.
بشكل عام، تعكس النتائج أن تعزيز الإدارة الذاتية والمبادرة التربوية يسهمان في تفعيل التعلم النشط، وهو ما يتفق مع الدراسات السابقة ويعزز من قيمة التمكين المهني للمعلمين في تطوير الممارسات التعليمية المستجيبة لاحتياجات الطلبة. لضمان مصداقية النتائج، تم استخدام أساليب التحقق المتبادل من قبل محكمين، كما طُبق أسلوب مراجعة الأقران، حيث طُلب من زميلة باحثة مراجعة الترميزات والفئات المستخلصة، للتأكد من دقتها. كذلك تم الحفاظ على تتبع الإجراءات وشفافية مراحل التحليل، مما عزز من موثوقية النتائج وتكرارها في سياقات مشابهة.
التوصيات:
استنادا للنتائج نوصي بضرورة بحث فاعلية التعلم النشط في ضوء الإدارة الذاتية للمعلمين والمبادرة الذاتية من وجهة نظر أولياء أمور الطلاب لاستيفاء المعطيات الأساسية للصدق والثبات وتعميم النتائج
قائمة المراجع
أبو زينة، ف. (2019). أثر التعلم النشط في تحسين مهارات التفكير الناقد لدى طلبة المرحلة الأساسية. مجلة دراسات تربوية، 6(2)، 45–61.
خليل، ر. (2021). الإدارة الذاتية للمعلمين في المدارس الحكومية الفلسطينية وعلاقتها بمستوى الرضا الوظيفي. مجلة الجامعة الإسلامية للدراسات التربوية والنفسية، 29(2)، 233–256.
عبد الله، م. (2018). دور المبادرات التربوية في تحسين البيئة الصفية في مدارس التعليم الأساسي. المجلة التربوية المعاصرة، 5(3)، 78–93.
عدس، ع. ر. (2011). أساليب البحث التربوي. عمان: دار المسيرة للنشر والتوزيع.
مرعي، ت.، والحيلة، م. (2017). التعلم النشط: النظرية والتطبيق. عمان: دار المسيرة للنشر والتوزيع.
يوسف، خ. (2020). المبادرات الذاتية للمعلمين وأثرها في تحسين استراتيجيات التعلم النشط. مجلة العلوم التربوية والنفسية، 14(2)، 77–96.
Bonwell, C. C., & Eison, J. A. (1991). Active learning: Creating excitement in the classroom. ASHE-ERIC Higher Education Report No. 1.
Creswell, J. W. (2013). Qualitative inquiry and research design: Choosing among five approaches (3rd ed.). Sage Publications.
Deci, E. L., & Ryan, R. M. (2000). The “what” and “why” of goal pursuits: Human needs and the self-determination of behavior. Psychological Inquiry, 11(4), 227–268.
Freeman, S., Eddy, S. L., McDonough, M., Smith, M. K., Okoroafor, N., Jordt, H., & Wende Roth, M. P. (2014). Active learning increases student performance in science, engineering, and mathematics. Proceedings of the National Academy of Sciences, 111(23), 8410–8415.
Fullan, M. (2001). Leading in a culture of change. Jossey-Bass.
Prince, M. (2004). Does active learning work? A review of the research. Journal of Engineering Education, 93(3), 223–231.
Skaalvik, E. M., & Skaalvik, S. (2014). Teacher self-efficacy and teacher burnout: A study of relations. Teaching and Teacher Education, 41, 34–44.
Vygotsky, L. S. (1978). Mind in society: The development of higher psychological processes. Harvard University Press.
Vaismoradi, M., Turunen, H., & Bondas, T. (2013). Content analysis and thematic analysis: Implications for conducting a qualitative descriptive study. Nursing & Health Sciences, 15(3), 398–405.