منهج الإسلام في رعاية البيئة: قراءة شرعية في المفهوم والبناء الوقائي

Islam's Approach to Environmental Care: A Shari'a Reading in the Concept and Preventive Structure

د. محمد أبو يحيى1

1 أستاذ التعليم العالي بكلية الشريعة، جامعة ابن زهر – أكادير، المملكة المغربية.

رقم الأوركيد: https://orcid.org/0009-0004-4509-2401

الايميل: m.abouyahia@uiz.ac.ma

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj72/10

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/72/10

المجلد (7) العدد (2). الصفحات: 142 - 158

تاريخ الاستقبال: 2026-01-01 | تاريخ القبول: 2026-01-07 | تاريخ النشر: 2026-02-01

Download PDF

المستخلص: الأهداف: تهدف هذه الدراسة إلى توضيح التصور الإسلامي الشامل للبيئة من حيث الأسس والمقاصد، وإبراز أوجه التكامل بين مقاصد الشريعة الإسلامية وتنمية الوعي البيئي المسؤول، مع استقراء التوجيهات الوقائية الكامنة في النصوص الشرعية، والكشف عن أبعادها الأخلاقية والوظيفية ودورها في مواجهة التحديات البيئية المعاصرة. المنهجية: اعتمد الباحث مناهج تحليلية واستقرائية ومقاصدية ومقارنة، مع التركيز حصراً على النصوص الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية دون التطرق إلى التفاصيل التقنية أو العلمية البحتة للقضايا البيئية. وقد بُنيت الدراسة على محورين رئيسين: مفهوم الوعي البيئي في الإسلام ومكوّناته الفكرية والسلوكية، ثم التوجيهات الوقائية المتصلة بحماية البيئة وصون مواردها. النتائج: أظهرت نتائج البحث أن المنظور الإسلامي يمنح أهمية كبيرة لمبدأي الاستخلاف والتوازن البيئي بوصفهما مفهومين أساسِيَّين في البناء الحضاري. كما بينت الدراسة غنى النصوص الشرعية بالمبادئ البيئية العملية القادرة على توجيه سلوك بيئي مستدام قائم على أساس أخلاقي راسخ. الخلاصة: خلصت الدراسة إلى أن المنهج الإسلامي يقدم إطاراً وقائياً متكاملاً لحماية البيئة، يفوق في شموليته كثيراً من المقاربات الوضعية المجزأة. وأوصت بدمج الرؤية البيئية المستندة إلى الشريعة في السياسات العامة، وتعزيز الوعي البيئي في المناهج التعليمية والخطاب الديني، وتشجيع الدراسات البيئية ذات المنظور الفقهي والمقاصدي.

الكلمات المفتاحية: الوعي البيئي الإسلامي، الاستخلاف، حماية البيئة، التوازن البيئي، البناء الوقائي.

Abstract: Objectives: This study aims to clarify the comprehensive Islamic conception of the environment in terms of its foundations and objectives, and to highlight the integration between the objectives of Islamic law (Maqāṣid al-Sharīʿa) and the development of responsible environmental awareness. It also seeks to examine the preventive guidelines embedded in the Islamic legal texts and to reveal their ethical and functional dimensions and their role in addressing contemporary environmental challenges. Methodology: The study adopts analytical, inductive, maqāṣid-based, and comparative approaches, focusing exclusively on the Islamic legal texts of the Qurʾān and the Prophetic Sunnah, without addressing the technical or purely scientific details of environmental issues. The research is structured around two main themes: the concept of environmental awareness in Islam and its intellectual and behavioral components, and the preventive directives related to environmental protection and the preservation of its resources. Results: The findings indicate that the Islamic perspective assigns great importance to the principles of stewardship (khilāfah) and environmental balance as two fundamental concepts in civilizational development. The study also demonstrates the richness of Islamic legal texts in practical environmental principles capable of guiding sustainable environmental behavior grounded in a solid ethical foundation. Conclusion: The study concludes that the Islamic approach provides an integrated preventive framework for environmental protection that surpasses many fragmented secular approaches in terms of comprehensiveness. It recommends integrating the Sharia-based environmental vision into public policies, enhancing environmental awareness within educational curricula and religious discourse, and encouraging environmental studies from a jurisprudential and maqāṣid-oriented perspective.

Keywords: Islamic environmental awareness, succession, environmental protection, environmental balance, preventive construction.

مقدمة

لقد خلق الله هذا الكون بمقدار كما وكيفا، مصداقا لقوله سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر، 49) أي أن كل كائن في هذه الحياة فهو بتقدير الله وتكوينه على مقتضى الحكمة البالغة والنظام الشامل، وبحسب السنن التي وضعها في الخليقة (المراغي، 1998، ص 372). قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (الفرقان، 2) أي قدر حجمه وشكله، وقدر وظيفته وعمله، وقدر زمانه ومكانه، وقدر تناسقه مع غيره من أفراد هذا الوجود الكبير. ومصداقا لقوله جل جلاله: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ﴾ (الحجر، 19)، أي أنبتنا في الأرض من كل شيء بقدر معلوم، موزون بميزان الحكمة ومقدر بقدر الحاجة، وأنبتنا في الجبال من كل شيء موزون من الذهب والفضة والرصاص والنحاس ونحو ذلك (الشوكاني، 1999، ص 150)، فكل شيء في هذا الوجود موزون ومقدر بقدر معلوم، وكل ما خلق الله تعالى في هذا الكون من ماء وهواء ويابسة ونجوم وكواكب وشمس وقمر وليل ونهار، فهو مسخر للإنسان، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ (ابراهيم، 32-33). وهذا الإبداع في الخلق والإحكام في العلاقات بين النظم المختلفة يعمل في دأب وتوازن مادي وحيوي لخدمة الإنسان الذي هو خليفة الله في هذه الأرض. ويعتبر الإنسان جزءا من هذا الكون الذي تكمل عناصره بعضها بعضا، ولكنه جزء متميز له موقع خاص بين أجزاء الكون، وصلة الإنسان بالكون كما يعلمنا القرآن والسنة النبوية هي :

  • صلة التأمل والتفكير والاعتبار في الكون وما فيه.
  • صلة الاستثمار المتوازن الحافظ والانتفاع والتعمير والتسخير لمنافعه ومصالحه.
  • صلة العناية والرعاية لأن أعمال الإنسان الصالحة غير محدودة بمصلحة الإنسان وحده بل تمتد إلى مصالح خلق الله أجمعين.

اشكالية البحث

في ظل استشراء السلوكيات المهدِّدة للتوازن البيئي، وتفاقم الأزمات البيئية عالميًا، تُطرح إشكالية جوهرية مفادها: إلى أي حد يعتبر المنهج الإسلامي في رعاية البيئة منظومة شاملة قائمة على أسس عقدية وتشريعية وأخلاقية، تتجاوز المفهوم الوضعي المجزّأ، وتُقدّم بديلاً وقائيًا مستدامًا لإدارة العلاقة بين الإنسان والكون؟

وهذه الإشكالية تتفرع عنها تساؤلات فرعية:

  • كيف تصوّر النصوص الشرعية البيئة ومكانة الإنسان فيها؟
  • ما أبرز المبادئ الشرعية الوقائية التي تحفظ النظام البيئي؟
  • وهل يمتلك الفقه الإسلامي أدوات قابلة للتفعيل في السياق البيئي المعاصر؟

أهمية البحث

تتجلّى أهمية هذا البحث في سعيه لإبراز الرؤية الإسلامية الشاملة للبيئة، بوصفها جزءًا من منظومة كونية متكاملة لا تُفهم بمعزل عن مقاصد الشرع كما تكمن أهميته في:

  • إعادة استحضار الرؤية الإسلامية الكونية للبيئة، بعيدًا عن الطرح التجزيئي البشري.
  • المساهمة في بناء منظور وقائي أصيل ينطلق من الفقه والقرآن والسنة.
  • تحريك الوعي الشرعي البيئي في المجتمعات الإسلامية نحو ممارسة واعية مسؤولة.
  • تقديم مرجعية فكرية وتشريعية يمكن الاعتماد عليها في صياغة أنظمة بيئية متوازنة.

أهداف البحث

يهدف البحث إلى تسليط الضوء على المنطلقات العقدية التي يرتكز عليها التصور البيئي في الإسلام، من خلال بيان علاقة التوحيد بمفهوم الاستخلاف والمسؤولية كما تسعى الدراسة إلى:

  • بيان الأساس العقدي للمفهوم البيئي في الإسلام.
  • استقراء البناء الوقائي في النصوص الشرعية لحماية البيئة.
  • الكشف عن الأبعاد الأخلاقية والتكليفية في علاقة الإنسان بالكون.
  • طرح رؤية متكاملة تجمع بين المقاصد الشرعية ومتطلبات العصر البيئي الحديث.

منهج البحث

يعتمد البحث على المنهج التحليلي، من خلال استخراج المفاهيم البيئية من القرآن والسنة. والمنهج الاستقرائي انطلاقا من أبرز النصوص والأحكام الفقهية ذات الصلة. إضافة إلى االمنهج المقاصدي الذي يتجلى في محاولة فهم حماية البيئة في إطار المقاصد العليا للشريعة.

حدود البحث

يتناول هذا البحث منهج الفكر الإسلامي في رعاية البيئة انطلاقا من منظور عقدي، أخلاقي، وتشريعي، دون التطرق إلى الجوانب العلمية أو التقنية للبيئة، ولا يرتبط بإطار مكاني أو زمني محدد، بل يتوجّه لعموم المجتمعات الإسلامية في سياقها المعاصر.

الدراسات السابقة

تُعد دراسة الشيخ خليل الميس (مفتي زحلة والبقاع – لبنان) الموسومة بـ “البيئة في الفقه الإسلامي: وقاية وتنمية” من أوائل المحاولات الفقهية التي سعت إلى تأصيل النظرة الإسلامية لمسألة البيئة، حيث أبرز فيها البعد الشرعي للعناية بالبيئة، مبينًا أن المحافظة على البيئة تدخل ضمن دوائر العقيدة والعبادة. وأكدت دراسته على موقع الإنسان كخليفة مسؤول عن إعمار الأرض لا إفسادها. غير أن هذه الدراسة، على أهميتها، بقيت في إطار التذكير العام بالقيم البيئية في الإسلام، ولم تتوسّع في تحليل المفهوم أو استكشاف مكوناته البنيوية أو التوجيهات الوقائية المرتبطة به.

في المقابل، يسعى البحث محل الدراسة إلى تقديم قراءة تحليلية تأصيلية تتجاوز الطرح الوعظي. ويعد هذا البحث إضافة علمية نوعية، إذ تهدف إلى بناء تصور متكامل لرعاية البيئة في ضوء النصوص الشريعة، مع ربطه بالتحديات البيئية المعاصرة، مما يجعله أكثر ارتباطًا بالواقع وأقرب إلى التفعيل التطبيقي للمبادئ الإسلامية في مجال البيئة.

من الدراسات المهمة التي تناولت موضوع البيئة من منظور فقهي، دراسة الدكتورة هناء فهمي أحمد عيسى (استاذ مساعد بقسم الفقه العام بكلية الدراسات الاسلامية والعربية للبنات بالمنصورة)، بعنوان “حماية الشريعة الإسلامية للبيئة الطبيعية: دراسة فقهية مقارنة”، والتي سعت من خلالها إلى إبراز اهتمام الفقه الإسلامي بصيانة البيئة عبر معالجة فقهية مقارنة. ركزت الدراسة على قواعد فقهية عملية تتعلق بحماية عناصر البيئة الأساسية، وبيّنت الأحكام التفصيلية التي تمنع الإفساد والإسراف، وتحث على الإحياء والتشجير والرفق بالكائنات الحية، مما يعكس الجانب التطبيقي للفقه البيئي في الإسلام. غير أنها ظلت منصبة على إبراز الفروع الفقهية الجزئية المتعلقة بحماية البيئة، دون التوسع في تحليل المفهوم الكلي لرعاية البيئة، أو بناء تصور شرعي شامل يستند إلى بنية مفاهيمية متكاملة أو أسس وقائية منهجية.

في حين اتجه هذا البحث إلى الجانب المفاهيمي والبنيوي من خلال قراءة تأصيلية لمفهوم “البيئة”، وتحليل مكوناته في ضوء الشريعة الإسلامية، مع التركيز على البناء الوقائي. إضافة إلى ربط القيم البيئية بالمقاصد الشرعية الكبرى، وبناء إطار نظري متكامل لرعاية البيئة، يكون قابلًا للتنزيل العملي في السياسات والتشريعات البيئية. وبذلك، يضيف بُعدًا جديدًا للجهد العلمي في المجال، من خلال الانتقال من المعالجة الجزئية للأحكام البيئية إلى بناء نسق شرعي وقائي شامل، يدمج بين البنية المفاهيمية والمقاصدية والتطبيق العملي.

تناولت دراسة د. سري زيد الكيلاني (2016) المعنونة بـ “الرعاية الرقابية والعقابية للبيئة الطبيعية في الإسلام” الجانب التنفيذي والتطبيقي لحماية البيئة، حيث ركزت على الآليات التي اعتمدتها الشريعة الإسلامية لضبط السلوك البيئي. وقد تميزت الدراسة بطابعها الوظيفي الذي يركّز على البُعد التنفيذي داخل المنظومة المؤسسية التقليدية في الإسلام، مقدّمة معالجة مهمة لأدوات الرقابة والضبط التي أسهمت في تحقيق توازن بيئي في المجتمعات الإسلامية. إلا أن الدراسة، رغم أهميتها في إبراز الجانب التطبيقي، لم تتناول الجانب المفاهيمي والنظري العميق للرعاية البيئية في الإسلام، كما لم تسعَ إلى تحليل البنية الشرعية للمفهوم ذاته أو بيان الأسس التي ينبني عليها من حيث مقاصده ومكوناته الوقائية.

في حين يهدف هذا البحث إلى تجاوز الجانب الإجرائي نحو قراءة تأصيلية للمفهوم ذاته، عبر تتبع جذوره الشرعية، وبناء فهم متكامل للبناء الوقائي الذي يسبق الإجراءات الرقابية والعقابية، ويرتكز على التوجيه والتربية الشرعية وتأسيس الوعي البيئي وفق رؤية إسلامية شاملة. وبذلك، يضيف بعدًا علميًا جديدًا يتمثل في إعادة بناء المفهوم البيئي في الإسلام ضمن إطار وقائي شامل، يجمع بين المقاصد الشرعية، والتحصين السلوكي، والوعي القيمي، مما يشكّل تمهيدًا ضروريًا لأي معالجة رقابية أو عقابية لاحقة.

خطة البحث

للإجابة عن الأسئلة التي تطرحها إشكالية هذا البحث ولتحقيق الأهداف المنشودة، سيقسم البحث إلى مبحثين، تتقدمهما مقدمة تشمل على اشكالية البحث، أهميته، أهدفه، منهجه، حدوده، الدراسات السابقة، وخطة البحث. وتليهما خاتمة تشمل أهم النتائج والتوصيات وتفصيل خطته كالآتي:

المبحث الأول: مفهوم البيئة ومكوناتها من منظور شرعي

المبحث الثاني: تدابير وتوجيهات لرعاية البيئة والحفاظ عليها في الاسلام

  1. مفهوم البيئة ومكوناتها في المنظور الشرعي

ينظر الإسلام إلى البيئة نظرة تكاملية، باعتبارها أمانة إلهية أوكل الله الإنسان برعايتها وإعمارها، في إطار مفهوم الاستخلاف. وفلسفة رعاية البيئة في الإسلام تقوم على مجموعة من المبادئ العقدية والشرعية. ولاستكشاف ذلك تم تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين: (1.1) مفهوم البيئة، (2.1) مكونات البيئة وعناصرها.

1.1 مفهوم البيئة:

قبل التوقف عند المفهوم الاصطلاحي للفظ البيئة لابد من المرور على المفهوم اللغوي له.

أ/ البيئة في اللغة:

لم ترد كلمة (البيئة) في القرآن الكريم (عمر المختار، 2002، ص 203)، وإنما جاء فعلها (باء) في قوله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ﴾ (البقرة، 61) أي رجعوا …، كما ورد قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ (يونس، 87)، أي اتخذا بيوتا، وقال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ‌لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ غُرَفا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ نِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ٥٨﴾ (العنكبوت، 58)، يعني ليسكننهم هذه الغرف، وقال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ‌تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ﴾ (الحشر، 09).

ومن مراجعة فهارس (ونسنك، 1936، ص 228) الحديث النبوي الشريف يتبين أن كلمة (البيئة) لم ترد أيضا في أي حديث من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وإنما جاء فعلها (باء)، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه قال:”إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا”(البخاري، د.ت، رقم الحديث 6103). عند الرجوع إلى المعاجم اللغوية يتضح أن لفظ البيئة مألوف ومتداول يحمل معنى بسيطا، لكنه مع الزمن أصبح يحمل مدلولا جديدا ابتعد به عن بعده اللغوي.

وجاء في المعجم الوسيط: البِيئة : المنزل. والبِيئة: الحال. ويقال: بيئة طبيعية، وبيئة اجتماعية (مجمع اللغة العربية، 2004، ص75). وتَبَوَّأَ المكانَ: حَلَّه. وإِنه لَحَسَنُ البِيئةِ أَي هَيْئَةُ التَّبَوُّءِ. والبيئةُ والباءَةُ والمباءَةُ: الْمَنْزِلُ (ابن منظور، 1981). وباء إليه: رجع… وبوَّأَهُ مَنْزِلاً، وَ بوَّأَ فِيه وبوَّأَه لَهُ بِمَعْنى هَيَّأَه لَهُ: أَنْزَلَه ومكَّن لَهُ فِيهِ… وَيُقَال: تَبَوَّأَ فلانٌ منزلا إِذا نَظر إِلى أَحْسَن مَا يُرى وأَشَدِّه استِواءً وأَمكَنِهِ لمَباءَتهِ فاتخذه. وتَبَوَّأَ: نَزلَ وأَقامَ (الزبيدي، د.ت، ص158-152).

فالبيئة لغة، من باء إلى الشيء يبوء بمعنى رجع إليه، وقد أطلق هذا اللفظ على معنى المنزل الذي ينزل فيه الإنسان، ولعل ذلك كان لمناسبة أن منزل الإنسان معاده الذي يرجع إليه بعد كل غدوة في سبيل قضاء شؤونه، فأخذ إذن معنى النزول في المكان من كثرة الرجوع إليه وتواليه. والمنزل المقصود بالبيئة في هذا الإطلاق اللغوي هو أوسع من المعنى الضيق الذي يطلق على المنزل بمعنى المسكن، إذ هو يشمل ما حوله من المكان أيضا، فبيئة القوم هي موضع نزولهم من واد أو سفح أو جبل (الطريبق، 2007، ص 31).

إذا البيئة لغة تعني: النزول والحلول في المكان، وتطلق مجازا على المكان الذي يُنزل فيه، وهو الموطن والمستقر.

ب/البيئة في الاصطلاح:

تعددت تعريفات البيئة، وغالبها ما تتفق في الإطار العام، وإن كانت تختلف في الجزئيات، وفقا لنوع الدراسة، وواضعي التعريف، فهناك من ينظر إلى البيئة على أنها مستودع، أو مَخْزَنٌ للموارد الطبيعية والبشرية، كما ينظر البعض إلى البيئة نظرة جمالية، على أساس أنها مورد للسلع الطبيعية، والمتنزهات العامة والمناطق الترفيهية، في حين ينظر البعض إلى البيئة من حيث تأثيرها في حياة ونمو الكائنات الحية، وهناك من يهتم بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية للبيئة، من حيث كون البيئة مصدرا لعناصر الإنتاج ووسيلة لتلبية وإشباع الرغبات البشرية (الفقي، 1993، ص 19).

وعموما فإن المعنى الاصطلاحي للبيئة ينبني على المعنى اللغوي، إذ يراد بالبيئة المكان، أو المحيط الذي يعيش فيه الإنسان، وما يرتبط به من عناصر حية وغير حية.

وقد أخذ هذا المعنى اللغوي للبيئة ليحمل معنى اصطلاحيا، يعني منزلا للإنسان أوسع وأكثر شمولا من ذلك المعنى اللغوي، فأصبحت البيئة تعني المنزل الكبير للإنسان الذي يشمل كل ما له علاقة بممارسة نشاطه، بل كل ما له علاقة بحياته من موجودات أرضية وفضائية، سواء كانت متمثلة في أفراد وأنواع، أو في أنظمة وأوضاع، حتى ليصح القول: إنها أصبحت تعني كل المجال الذي يعيش فيه الإنسان (النجار، 1999، ص 18-19).

فالبيئة: الأرض وما يحيط بها من غلاف جوي، يؤثر في نمط الحياة فيها وما تحمله في أحشائها أو على سطحها من جمادات وأحياء(هواء، وماء ويابسة، وحيوان، ونبات، وإنسان)، أو هي: الحيز والإطار أو المجال الأرضي المسكون بالإنسان بما يكانفه ويعتوره ويخامره من ظواهر طبيعية وبشرية يتأثر بها الإنسان، ويؤثر فيها (الجميلي، 2000، ص 3)

2.1 مكونات البيئة وعناصرها:

تفاوتت تقسيمات مكونات البيئة وعناصرها عند العلماء ما بين إجمال وتفصيل، لاختلاف مناهجهم، وتعدد اعتباراتهم. إذ تنقسم عناصر البيئة إلى: حي، وغير حي.

غير الحي: هي عناصر ومكونات طبيعية كالماء، والهواء، والأرض، وهناك قوى أو عوامل طبيعية خلقها الله تحفظ للجو توازنه، وتجعل منه مكونا أساسيا من مكونات الغلاف الجوي كالجاذبية والضغط الجوي.

الحي: له من خصائص النمو والحركة والإحساس، وهو يتغذى ويتنفس ويتناسل. فالبيئة الحية: تشمل الطيور، والحيوان، والنبات، وقد شرع الإسلام في الكتاب والسنة تدابير وضوابط شرعية لحماية البيئة والمحافظة عليها وإنمائها ورعايتها (ضاهر، 2009، ص 22).

أما العناصر الطبيعية الأساسية فهي:

  • الماء:

الماء هو عصب الحياة، وشريانها النابض، فقد ورد ذكره في القرآن ثلاثا وستين مرة (63 مرة)، وورد لفظ البحر إحدى وأربعين مرة (41 مرة)، وورد لفظ النهر وأنهار أربعا وخمسين مرة (54 مرة). وفي هذه الآيات برهان على أن الماء هو مصدر الحياة، فهو عامل أساسي ينبغي توفره لكل نبات وحيوان، ومتى توفر هذا العنصر بكميات مناسبة ونوعية جيدة، طابت الحياة للإنسان على سطح الأرض. واستطاع بناء حضارته ومستقبله. ولا فرق في هذه الأهمية بين ماء البحر، وماء النهر، وماء المطر، وذلك أن لكل منهم فوائده الجمة وضرورته الحيوية لجميع المكونات البيئية، وإن كانت استفادة الانسان من ذلك تأتي في الدرجة الأولى (بكرة، 1993، ص 222).

وقد جعل الله الماء أصل الحياة ومنشأها فقال تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَا ‌مِنَ ‌ٱلۡمَآءِ ‌كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ﴾ (الأنبياء، 30)، فالنبات، والحيوان، والإنسان يرتبط وجودهم بوجود الماء، واستمرارُ حياتهم متوقف على وجود الماء، قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآء فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ ‌نَبَاتَ ‌كُلِّ ‌شَيۡء فَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهُ خَضِرا نُّخۡرِجُ مِنۡهُ حَبّا مُّتَرَاكِبا وَمِنَ ٱلنَّخۡلِ مِن طَلۡعِهَا قِنۡوَان دَانِيَة وَجَنَّٰت مِّنۡ أَعۡنَاب وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشۡتَبِها وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٍۗ ٱنظُرُوٓاْ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَيَنۡعِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمۡ لَأٓيَٰت لِّقَوۡم يُؤۡمِنُونَ ٩٩﴾ (الأنعام، 99)، وقال أيضا: ﴿وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ ‌هَامِدَة فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ وَأَنۢبَتَتۡ مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيج ﴾ (الحج، 5)، وقال أيضا: ﴿وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآء طَهُورا ٤٨ لِّنُحۡـِۧيَ بِهِۦ بَلۡدَة مَّيۡتا ‌وَنُسۡقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقۡنَآ أَنۡعَٰما وَأَنَاسِيَّ كَثِيرا﴾ (الفرقان،48-49)، وبين جل جلاله أهميته فقال: ﴿ءَأَنتُمۡ أَنزَلۡتُمُوهُ ‌مِنَ ‌ٱلۡمُزۡنِ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنزِلُونَ﴾(الواقعة، 69)، وقال أيضا: ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَصۡبَحَ مَآؤُكُمۡ ‌غَوۡرا فَمَن يَأۡتِيكُم بِمَآء مَّعِينِۭ﴾ (الملك، 30) بالإضافة إلى هذه الوظيفة الحيوية، هناك وظيفة دينية اجتماعية هي تطهير البدن والملبَس مما يَعْلَقُ به من أوساخ ونجاسات ليصبح الإنسان مؤهلا للقاء ربه. كما للماء وظائف أخرى في البحار، والأنهار، والمحيطات، فقد جعله الله سكنا لحياة كائنات أخرى تؤدي دورها في عمارة الكون قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي ‌سَخَّرَ ‌ٱلۡبَحۡرَ لِتَأۡكُلُواْ مِنۡهُ لَحۡما طَرِيّا وَتَسۡتَخۡرِجُواْ مِنۡهُ حِلۡيَة تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ (النحل، 14). ولا شك أن المحافظة على الماء هي أساس المحافظة على الحياة بأشكالها المختلفة، فتؤدي واجبا وفقا للقاعدة الشرعية الكلية”ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”. وتظهر أهمية الماء للإنسان منذ خروجه للدنيا، وكونه وليدا يرضع من ثدي أمه حليبا أكثر من (90%) منه ماء، كما أن الماء يمثل (63%) من وزن جسم الإنسان، أما الرئة فتشتمل على (70%) منه، والعضلات (83%) ، ويحتاج جسم الإنسان إلى (2.5) لتر من الماء يوميا، ويحصل عليه من ماء الشرب، والماء الموجود في الأطعمة المختلفة من خضار، وفواكه، وغيرها. وإذا فقد الإنسان (1%) من وزنه، شَعَرَ بالعطش والظمأ، وإذا فقد (5%) منه جف حلقه، واهتلس عقله وأصيب بانهيار تام، وإذا تجاوز (10%) أشرف على الهلاك، وليس له من منقذ عند ذلك سوى شربة من الماء (وهبي، 2004، ص 66-67).

الهواء:

لا يقل الهواء أهمية عن الماء في استمرار الحياة والمحافظة عليها، حيث إن جميع مخلوقات البَرّ (ضد البحر) تقريبا تعتمد على الهواء في التنفس. فالهواء أهم العناصر المكونة للبيئة، وبالرغم من أنه أوفر تلك العناصر وأرخصُها، إلا أنه أغلاها وأثمنها، فهو أساس الحياة الذي لا يمكن أن يستغنيَ عنه نوع من أنواع الكائنات الحية، وإذا كان الإنسان يستطيع أن يحيا أياما معدودة بدون ماء، فإنه لا يستطيع أبدا أن يحيا أكثر من بضع دقائق بدون هواء، وللهواء دور أساسي في صحة الإنسان، وله تأثير فعال في المناخ فهو عامل أساسي في المتغيرات البيئية، والإنسان يتأثر بالمناخ المحيط به، وينعكس عليه سلبا وإيجابا على كافة الأصعدة، وما ينطبق على الإنسان في الصحة والنمو ينطبق أيضا على الحيوان والنبات. (هندي، د.ت، ص 30) و(عامر وسليمان، 1999، ص 122) وللهواء وظائفُ أخرى قد لا تظهر للإنسان، إلا أنها مقصودةٌ لله عز وجل كما نبهنا إليها القرآن الكريم في كثير من الآيات بلفظ الريح أو الرياح منها:

  • أن الله تعالى يرسلها رحمة لمخلوقاته، قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي ‌يُرۡسِلُ ‌ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ﴾ (الأعراف،57).
  • أن الرياح هي التي تقوم بتسيير السفن والبواخر في البحار، قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي ‌يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم بِرِيح طَيِّبَة وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتۡهَا رِيحٌ عَاصِف وَجَآءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَان وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ أُحِيطَ بِهِمۡ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنۡ أَنجَيۡتَنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ (يونس، 22).
  • أن الرياح مسخرة لتلقيح الأشجار، قال تعالى: ﴿وَأَرۡسَلۡنَا ٱلرِّيَٰحَ ‌لَوَٰقِحَ فَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآء فَأَسۡقَيۡنَٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمۡ لَهُۥ بِخَٰزِنِينَ﴾ (الحجر، 22).

فالرياح آية دالة على قدرة الله، ورحمته، وإتقان صنعه وكماله، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة، 164). وإذا كان للغلاف الجوي هذه الوظائف الحيوية والاجتماعية، فإن المحافظة عليه نقيا خالصا تعتبر أصلا في المحافظة على الحياة نفسها التي هي مقصد أساسي من مقاصد الشريعة والقاعدة الكلية في هذا هي: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأي نشاط بشري يؤدي إلى تلويثه، أو إبطال وظيفته، أو تعطيلها إبطال لحكمة الله في خلقه، أو تعطيلٌ لها، فإن ذلك يعتبر تعطيلا لبعض وظائف الإنسان، وتعويقا له من أداء دوره في عمارة هذا العالم. وقد أدرك السابقون قيمة الهواء، فذكروه في كتبهم ومؤلفاتهم، وعالجوا فيها جميع ما يتعلق به من حيث أثره على الصحة العامة، وجهاته وأنواعه، ومدى تأثير كل نوع على اللون والذكاء والفطنة والبَلَادَةِ، وغير ذلك من الصفات التي تنتشر بين البشر في هذا العالم (السرطاوي، د.ت، ص 104). ومن ذلك قول الغزالي في معرض حديثه عن الحكمة من خلق الهواء:”ولولا الهواء لهلك جميع حيوان البَرِّ، وباستنشاقه تعتدل الحرارة في جميع أجسام الحيوانات، لأنه لهم مثل الماء لحيوانات البحر، فلو انقطع عن الحيوان استنشاقه لانصرفت الحرارة التي في الحيوانات إلى قلبها فكان هلاكها بسبب ذلك، ولولا لطف الباري سبحانه بخلق الرياح لثقلت السحاب وبقيت راكدة في أماكنها وامتنع انتفاع الأرض بها، وقد خلق الله سبحانه في الهواء من اللطافة والحركة التي تتخلل أجزاءَ العالم فينقي بحركته عفن الأرض، فلولاه لعفنت المساكن وهلك الحيوان بالوباء والعلل…إلخ” (الغزالي، 1978، ص38).

وبذلك تظهر أهمية هذا العنصر من عناصر البيئة، من خلال كونه ضروريا لحياة الإنسان والحيوان والنبات، وبدونه لا يمكن أن تقوم لشيء منها حياة ولا وجود.

  • الأرض والنبات:

تعد الأرض والتربة من الضرورات الأساسية لكل إنسان، فهي في أهميتها كالماء والهواء لاستمرار حياتنا وغيرنا من خلق الله، فهي موضع سعيه، وعمله، ونشاطه، فمنها ابتداء خلقه، وإليها مرجعه، ومنها يُبعث مرة أخرى، ففي عروقه تجري عناصرها وذراتها، وفي جميع خلاياه تتحرك الطاقة المستمَدة من خيراتها، ولقد خلقها الله تعالى لتكون له مِهَادا وسلك له فيها سبلا، قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدا ‌وَسَلَكَ ‌لَكُمۡ فِيهَا سُبُلا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآء فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجا مِّن نَّبَات شَتَّىٰ ٥٣ كُلُواْ وَٱرۡعَوۡاْ أَنۡعَٰمَكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰت لِّأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ٥٤ ۞ مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ﴾ (طه، 53-54-55). لقد ورد لفظ الأرض في القرآن الكريم (465) مرة، مما يدل على أهميتها لجميع الموجودات ولجميع الأحياء، ومن تم ضرورة الاهتمام بها، واستثمارُ مواردها بالطرق المثلى بالفكر، والتكنولوجيا، وكل معطيات العلم الحديث (بكرة، 1993، ص 221). والله تعالى جعل عناصر الأرض مصدر عيش لمخلوقاته ، فأمد التربة بالخصوبة لزرع النباتات التي تعتمد عليها كافة الحيوانات، وجعل من الجبال الشامخات مستوعبا لمياه الأمطار ومخزَنا للماء الفرات كما جعلها تؤدي دورا هاما في تثبيت قِشرة الأرض الصلبة كما أشار إلى ذلك القرآن المجيد في قوله تعالى: ﴿أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ ‌كِفَاتًا ٢٥ أَحۡيَآء وَأَمۡوَٰتا ٢٦ وَجَعَلۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ شَٰمِخَٰت وَأَسۡقَيۡنَٰكُم مَّآء فُرَاتا﴾ (المرسلات، 25-27)، وقوله تعالى: ﴿وَٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ ‌دَحَىٰهَآ ٣٠ أَخۡرَجَ مِنۡهَا مَآءَهَا وَمَرۡعَىٰهَا ٣١ وَٱلۡجِبَالَ أَرۡسَىٰهَا ٣٢ مَتَٰعا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَٰمِكُمۡ﴾ (النازعات، 30-33).

ولما كان للنباتات من أهمية كبرى في حياة الإنسان والحيوان، فقد خلق الله تعالى الملايين من أنواع النباتات منها المثمر وغير المثمر، مثل المحاصيل التي نزرعها والثمارُ التي نتغذى عليها، وقد ورد في القرآن العديد من أصناف الحبوب والثمار كالعنب، والتين، والزيتون، والرمان، والنخيل، وغيرها وأمرنا سبحانه بالمحافظة عليها، وعدمِ الإسراف فيها، أو إتلافِها، لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآء فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ ‌نَبَاتَ ‌كُلِّ شَيۡء فَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهُ خَضِرا نُّخۡرِجُ مِنۡهُ حَبّا مُّتَرَاكِبا وَمِنَ ٱلنَّخۡلِ مِن طَلۡعِهَا قِنۡوَان دَانِيَة وَجَنَّٰت مِّنۡ أَعۡنَاب وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشۡتَبِها وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٍۗ ٱنظُرُوٓاْ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَيَنۡعِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمۡ لَأٓيَٰت لِّقَوۡم يُؤۡمِنُونَ﴾ (الأنعام، 99)، وقال أيضا: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ جَنَّٰت ‌مَّعۡرُوشَٰت وَغَيۡرَ ‌مَعۡرُوشَٰت وَٱلنَّخۡلَ وَٱلزَّرۡعَ مُخۡتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِها وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهۚ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦۖ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ﴾ (الأنعام، 141). ولفوائد َالنباتات، والغابات التي يصعب حصرها، فإن من أبواب شكر المنعم المحافظةَ على النعمة، فالتسبب في إفساد هذه النعمة العظيمة التي يُعتمَدُ عليها في كثير من ضروب الحياة هو كفر بنعم الله، وحيث إن التصرف المؤدي إلى إتلاف التربة أو إفسادِها يؤدي بالضرورة إلى إتلاف الحياة وإفسادِها فهو بالضرورة يندرج تحت التحريم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “…وجُعِلَتْ لي الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا…” (البخاري، د.ت، رقم الحديث:429).

الحيوانات والطيور:

تعد الحيوانات والطيور عنصرا حيويا من عناصر البيئة، ففي وجودها استمرارُ وجود الإنسان وبقائه، وبصلاحها صلاح حياته، ولقد خلقها الله سبحانه وجعلها مسخرة لمنفعة الإنسان ولقضاء حوائجه، سواء بالتمتع، والاستفادة من لحومها، وألبانها، وبيضها، أو الاستمتاع بجلودها، ووبرها، وأثمانها، أو بالتنقل عليها، والتمتع بجمالها وغير ذلك. وقد بين الله تعالى منافعها بقوله: ﴿وَٱلۡأَنۡعَٰمَ خَلَقَهَاۖ لَكُمۡ فِيهَا ‌دِفۡء ‌وَمَنَٰفِعُ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٥ وَلَكُمۡ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسۡرَحُونَ ٦ وَتَحۡمِلُ أَثۡقَالَكُمۡ إِلَىٰ بَلَد لَّمۡ تَكُونُواْ بَٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلۡأَنفُسِۚ إِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوف رَّحِيم ٧ وَٱلۡخَيۡلَ وَٱلۡبِغَالَ وَٱلۡحَمِيرَ لِتَرۡكَبُوهَا وَزِينَةۚ وَيَخۡلُقُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨﴾ (النحل5-8).

يقول الغزالي: “وجملة القول في الحيوان: أن الله خلقه مختلف الطباع والخَلْق، فما كان منه ينتفع الناس بأكله خلق فيه الانقياد والتذلل، وجعل قُوتَهُ النبات، وما جعل منه للحمل جعله هادئ الطبع قليلَ الغضب، منقادا ومفصلا على صورة يتهيأ منه الحمل، وما كان ذا غضب وشر إلا أنه قابل للتنظيم إذا نظم خلق فيه هذا القبول للتعليم، ليستعين العباد بصيده وحراسته” (الغزالي، 1978، ص 87).

انطلاقا مما سبق يمكن القول بأن للحيوانات دورا أساسيا في التوازن البيئي، لأن الله تعالى سخرها لتؤدي وظيفتها في الحياة إلى جانب الإنسان في عمارة هذا الكون.

ولأهمية الطير والحيوان نجد أن هناك سورا في القرآن الكريم سميت بأسماء بعض الحيوانات؛ لبيان أهميتها وعظيم فائدتها، مثل: سورة الأنعام، والبقرة، والنحل، والنمل، والعنكبوت، والفيل، كما تناول الإسلامُ موضوع الحيوان بشكل عجيب عَزَّ نظيره في أي نظام أو دين آخر، فلم يَعْتَبِر الحيوان كثروة غذائية للإنسان فقط، بل تعامل معه كأُمَّة لها دورها، وسننها، وأنظمتها، ولها احترامها وتقديرها، ولها أهميتها، بل ولها حقوقها التي يجب أن لا نفرط فيها أو نعتدي عليها، لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّة فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَٰٓئِر يَطِيرُ ‌بِجَنَاحَيۡهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمۡثَالُكُمۚ مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يُحۡشَرُونَ﴾ (الأنعام، 38). فهذه الحيوانات هي مجتمعات تعيش في بيئاتها بأنظمة وضعها الله لها ، وهداها إليها ، وفطرها عليها، وعلى الإنسان أن يحترم هذه البيئات ، ولا يتعدى عليها أو يفسدها؛ لأنها جزء من التوازن الذي يضمن للإنسان حياة متوازنة وصالحة سليمة، فالكون كله وحدة واحدة يسير باتزان وتكامل وانتظام، وأن على الإنسان أن لا يخرج على هذا النظام، أو يشذ عنه، أو يعبث به، والحيوانات جزء من هذا النظام تؤدي دورها الذي رسمه الله لها في هذا الكون بكل أمانة ودقة وانتظام، فهي شريك للإنسان في هذه الأرض ولها دورها المحدد (المنزلاوي، 2008، ص204).

  1. تدابير وتوجيهات لرعاية البيئة والحفاظ عليها في الإسلام:

أولى الإسلام عناية خاصة بالماء والهواء باعتبارهما من أساسيات الحياة، فجاءت التوجيهات الشرعية واضحة في الحفاظ عليهما وصونهما من التلوث أو الإفساد. ولمعرفة المزيد عن هذا المبحث سيتم تناوله في مطلبين: (1.2) توجيهات في الحفاظ على الماء والهواء. (2.2) توجيهات في الحفاظ على الأرض والنبات والثروة الحيوانية.

1.2 توجيهات في الحفاظ على الماء والهواء

سيتم تقسيم هذا المطلب الى فقرتين: (أ) توجيهات في الحفاظ على الماء. (ب) توجيهات في الحفاظ على الهواء.

أ. توجيهات في الحفاظ على الماء

إن الماء نعمة من الله أنزله لنا طاهرا نقيا فُراتا ثجاجا، فقال تعالى: ﴿وَأَنزَلۡنَا ‌مِنَ ‌ٱلۡمُعۡصِرَٰتِ مَآء ثَجَّاجا١٤﴾ (النبأ، 14)، وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ ‌مَآء ‌طَهُورا﴾ (الفرقان،48). ﴿وَأَسۡقَيۡنَٰكُم ‌مَّآء ‌فُرَاتا﴾ (المرسلات، 27)، هذه الصفات الجميلة النافعة للماء هي الأصل، وهي دعوة لنا للحفاظ وعدم العبث بها، وقد سن الإسلام سننا للحفاظ على الماء، ومن هذه السنن:

  • عدم استنزاف الماء، أو الإسراف في استعماله، لقوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ ‌لَا ‌يُحِبُّ ‌ٱلۡمُسۡرِفِينَ﴾ (الأعراف، 31)، وقال أيضا: ﴿إِنَّ ‌ٱلۡمُبَذِّرِينَ كَانُوٓاْ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِۖ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورا﴾ (الإسراء، 27).

ودواعي الاستعمال مهما بلغت من الأهمية لا تبرر الإسراف في الماء، حتى لو كان في العبادة، فقد روي: “أنَّ النَّبيَّ ﷺ مَرَّ بسَعدٍ وهو يتوضَّأُ، فقال: ما هذا السَّرَفُ يا سَعدُ؟ قال: أفي الوُضوءِ سَرَفٌ؟ قال: نعمْ، وإنْ كنتَ على نَهرٍ جارٍ” (ابن حنبل، 1995، رقم الحديث 7065)، فهذه لفتة بيئية نبوية كريمة، ودعوة صريحة للحفاظ على الماء من الاستنزاف، فقد بينت أن الوضوء الذي هو من العبادة لا يبرر الإسراف، بل إن العبادة أدعى إلى الاقتصاد، كما لفت الحديثَ إلى أن الاقتصاد وعدمَ الإسراف غير مرتبط بكمية الماء وقلته أو كثرة توفره، بل إن الاقتصاد قيمة بحد ذاته، وسلوكٌ عام في كل الأحوال والظروف، فكثرة الماء في النهر لا تبرر التخلي عن سلوك الاقتصاد في استعماله (المنزلاوي، 2008، ص179-180)، فالوضوء أسمى مدرسة رقابة بيئية ذاتية لدى الفرد المسلم، تعلمه كيف لا يسرف في الموارد في تقليل الماء والبحث عن البدائل في اللجوء إلى التيمم.

وقد نهى النبي صلى الله عليه عن الزيادة على محل الفرض، و أمر بالفور في الوضوء، وجعله من سننه ونهى عن تكثير الماء، روى أبو داود عن عبدِ الله بن مُغَفَّلٍ أنه سَمِعَ ابنَه يقولُ: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ، عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلْتُهَا، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، سَلِ اللَّهَ الْجَنَّةَ، وَتَعَوَّذْ بِهِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطَّهُورِ وَالدُّعَاءِ” (أبوداود، د.ت، رقم الحديث 96)، ومعنى الاعتداء في الطهور تجاوز الحد المعقول في استعمال الماء، والخروج من الاعتدال إلى الإسراف المحظور.

وأيضا ما رواه مسلم عن السائب مولى هشام بن زهرة، سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يَغْتَسِلْ أحَدُكُمْ في الماءِ الدّائِمِ وهو جُنُبٌ. فَقالَ: كيفَ يَفْعَلُ يا أبا هُرَيْرَةَ؟ قالَ: يَتَناوَلُهُ تَناوُلًا” (مسلم، د.ت، رقم الحديث 283). فهذا النهي عن الاغتسال في الماء الراكد الدائم، يحفظ الماء من الهدر، ويمنع من استخدامه بصورة تؤدي إلى ضياعه، أو عدم استغلاله استغلالا صحيحا، ولعل في جواب أبي هريرة رضي الله عنه ما يظهر الصورة الصحيحة في استخدام الماء عند الاغتسال، وهو التناول باليد، ليأخذ المغتسل حاجته دون زيادة، ذلك أن الاغتسال في بِرْكَة أو نحوها، يفسد الماء كله، ولا يبقيه صالحا، فتضيع بذلك فائدته، وتذهب منفعته، ومثل ذلك يقال في الاغتسال في العيون، فإن هذا الغُسلَ يفسد كمية كبيرة من الماء (الصاحب، د.ت، ص481). ونستطيع القول إن الصورة المثلى في استخدام الماء هي الصورة التي تأخذ بمبدأ التحكم في كمية الماء المستخدمة، وتَضْبِط حجم الماء اللازم، وعليه، فإن ما يقع في الحمامات الخاصة والعامة، من استخدام كميات كبيرة للماء يعد من الأمور التي لا يُقِرُّها الإسلام، ولا يَنْدُبُ إليها، بل إنها من الأمور المكروهة المنهيُّ عنها.

  • المنع من تلويث الماء:

أما بخصوص النهي عن تلويث الماء فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “اتَّقوا الملاعنَ الثلاثَ البَرَاز في المواردِ، وقارعةِ الطريقِ، والظِّلِّ” (أبوداود، د.ت، رقم الحديث 26). وهذا نهي يتضمن بعدين:

البعد الأول: له صلة بتلويث موارد الماء بما يتسرب إليها من نجاسة.

والبعد الثاني: يتعلق بإماطة الأذى عن طريق الناس باجتناب أماكن مرورهم في الطريق، أو استراحتهم حيث يتوفر ظل شجرة، أو حائط، أو غيره.

و عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا يَبُولَنَّ أحَدُكُمْ في الماءِ الدّائِمِ الذي لا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ” (البخاري، د.ت، رقم الحديث 239). فتلويث المياهِ النقية الصالحة، من الأمور المحرمة في شرع الله، ويجب بالمقابل العمل الجاد على الإبقاء على المياه صالحة غير ملوثة، سواء أكان ذلك في المحافظة على ماء البِرَكِ، والآبار، والمستنقعات، أم في المحافظة على ماء العيون، والأنهار، والبحار، وما ورد في الأحاديث، لا يعني جواز البول في الماء الجاري، وإنما هو زيادة عناية واهتمام بالراكد الساكن، حيث إن البول فيه أشد خطرا وأكثر ضررا.

  • الحفاظ على مصادر المياه وقت الحرب:

كما وضع الإسلام تشريعات وضوابط لحفظ الماء في وقت السلم، وضع ضوابط كذلك للعناية بالماء في وقت الحرب، مما يعطي صورة مشرقة نقية، فكانت الوصية من الرسول صلى الله عليه وسلم للجيوش بأمور كثيرة عظيمة، تنتظم كلها في معنى الدعوة إلى الله تعالى، وحمايةِ حقوق الآدميين، وعدم التعرض للضعفاء من الناس، والحفاظ على الأموال، والمخلوقات التي جعلها الله لمصالح الناس ومنافعهم، ومن هذه المنافع حفظ مصادر المياه، التي لا يستغني عنها الأحياء جميعا. والأحاديث من الرسول صلى الله عليه وسلم في وصية الجيوش كثيرة، ولكن يكفينا منها حديث علي ابن أبي طالب رضي الله عنه وفيه يقول: “كان نَبِىُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، إذا بَعَثَ جَيشًا مِنَ المسلِمينَ إلَى المشرِكينَ قال: انطَلِقوا باسمِ اللَّه. فذَكَرَ الحديثَ، وفي (ولا تَقتُلوا وليدًا طِفلًا، ولا امرأةً، ولا شَيخًا كَبيرًا، ولا تُغَوِّرُنَّ عَينًا، ولا تَعقِرُنَّ شَجَرًا إلَّا شَجَرًا يَمنَعُكُم قِتالًا أو يَحجِزُ بَينَكُم وبَينَ المشرِكينَ، ولا تُمَثِّلوا بآدَمِىٍّ ولا بَهيمَةٍ، ولا تَغدِروا، ولا تَغُلّوا) (البيهقي، 2003، ص 90)، فقوله صلى الله عليه وسلم:”ولا تُغوِّرُنَّ عيْنًا”. نص على ضرورة حماية الماء وقت الحرب، والمحافظة على موارده؛ لأن التغوير يعني جعل الماء يغور في الأرض، أي يذهب في باطنها (ابن منظور، 1981). وإن كان التغوير يفيد ذهاب الماء، حتى لا يكون الانتفاع به، فإن الحديث يمكن أن يقاس عليه كل صور إفساد الماء أو إلقاء المواد الضارة فيه، أو إفساده بأي صورة من صور الفساد، حتى لا يعود صالحا للحياة.

ب. توجيهات في الحفاظ على الهواء.

ومن جهة الهواء والرياح، فقد جاء الإرشاد النبوي بالدعوة إلى حفظ الهواء وصيانته من أنواع الملوثات والروائح الكريهة، والإبقاء على الهواء نظيفا نقيا نافعا غير ضار، ومن أبرز هذه الأحاديث:

  • عن عائشة رضي الله عنها قالت:”كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ ﷺ بِأَطْيَبِ مَا يَجِدُ حَتَّى أَجِدَ وَبِيصَ الطِّيبِ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ” (البخاري، د.ت، رقم الحديث 5923).
  • وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:”مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ فَلَا يَرُدُّهُ. فَإِنَّهُ خَفِيفُ الْمَحْمِلِ طَيِّبُ الريح” (مسلم، د.ت، رقم الحديث 2253).
  • وعنه أيضا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:”مَن أكَلَ مِن هذِه الشَّجَرَةِ، فلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنا، ولا يُؤْذِيَنّا برِيحِ الثُّومِ” (مسلم، د.ت، رقم الحديث 563).

ففي الحديث الأول والثاني: إرشاد واضح للنبي صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله إلى استعمال الطيب وإشاعة الرائحة الطيبة، لكونها تلطف الجو، وتعمل على إبهاج النفوس، وارتياحِها، وأرشد إلى قبول الطيب ممن أهداه وعدمِ رده.

أما الحديث الثالث، فأفاد أن على من أكل الثوم، أو البصل أن يبتعد عن المسجد؛ كي لا يضايق إخوانه من المسلمين برائحة فمه، فإنه يكون من الأولى عدم السماح للروائح الكريهة من الانتشار في أجواء المدن وإيذاء سكانها. وعلى الرغم من أن معظم الروائح قد تكون غيرَ سامة، إلا أنها قد تكون ذات آثار سيئة على الصحة، كما تؤدي إلى تأثيرات نفسية غير حميدة، كالإحساس بالضيق على سبيل المثال (الفقي، 1993، ص 50). فإن كان النهي عن رائحة الثوم والبصل، لما فيهما من إيذاء نفسي على الآخرين، فكيف بروائح التدخين، وعوادم السيارات، ومداخن المصانع، والمفاعلات وغيرها مما علمت تسميتها وضررها الجسدي على صحة الإنسان، فلا شك أن النهي عنها أشد وأعظم.

    1. توجيهات في الحفاظ على الأرض والنبات والثروة الحيوانية:

ينقسم هذا المطلب إلى فقرتين: (أ) توجيهات في الحفاظ على الأرض والنبات. (ب) توجيهات في الحفاظ على الثروة الحيوانية.

  1. توجيهات في الحفاظ على الأرض والنبات

تمثل البيئة النباتية والأرضية أحد أهم الموارد الحيوية في كوكبنا الأرضي، فهي توفر الغذاء والدواء لملايين البشر والحيوانات العاشبة، فهي رحمة لنا ولغيرنا من المخلوقات التي تعتمد عليها في غذائها ومأواها، ولأنها رحمة فقد دعت الشريعة الإسلامية إلى معاملتها بالرحمة أيضا، مع الاستفادة منها في غير إسراف أو إفساد، وقد تضمنت السنة النبوية أحاديث تتضمن صورا مختلفة للرحمة التي على الإنسان أن يراعيها مع البيئة النباتية، ومن ذلك ما يلي:

  • تمهيد الأرض واستصلاحها:

فقد حث الإسلام على إحياء الأرض الموات، وتمهيدها، واستصلاحها، لزراعة النبات فيها، وإحيائِها بالماء لإتاحة الفرصة أمام الزروع والأشجار للنمو والإثمار والاستمرار في الحياة، فعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:”مَن أعْمَرَ أرْضًا ليسَتْ لأحَدٍ فَهو أحَقُّ” (البخاري، د.ت، رقم الحديث 2335).

وإحياء الأرض يعني استغلالها وتنمية مواردها التي تعود بالخير على الكائنات الحية، ومن ذلك:

  • استصلاح الأرض بتسويتها وجمع التراب لها، وتهيئتها للزراعة.
  • توفير الماء وإيجاد مصادر له، بحفر الآبار، وشق القنوات، ونحو ذلك.
  • غرس الأشجار وزرع النباتات.
  • إقامة الأسوار أو عمل السياج الحامي لها ولما فيها.
  • تشييد البناء للسكن، أو لتنمية الثروة الحيوانية، أو لتربية الطيور، وغير ذلك (الصاحب، د.ت، ص 484).
  • الحث على الغرس:

إن موضوع الغرس حظي باهتمام خاص في التوجيهات النبوية لعموم خيره على الإنسان والحيوان على السواء، ولآثاره البيئية الشاملة في توازن المحضن الأرضي للحياة، من ذلك ما رواه الشيخان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”ما مِن مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ منه طَيْرٌ أَوْ إِنْسانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ؛ إِلّا كانَ له به صَدَقَةٌ” (البخاري، د.ت، رقم الحديث 2320). وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاهتمام بالغرس، والتشجير، والزرع، فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”إن قامَتِ السّاعةُ وفي يَدِ أحَدِكم فَسيلةٌ، فإن اسْتَطاعَ ألّا تَقومَ حتّى يَغرِسَها فلْيَفعَلْ” (البخاري، د.ت، رقم الحديث 479). وتنبع أهمية هذه الدعوة من دور النباتات في حفظ التوازن البيئي للأرض، وفي دعم مختلِف أنواع الحياة الحيوانية بها، من خلال قيامها بإنتاج الأكسجين الذي لا غنى عنه لحياة البشر والحيوانات والنباتات أيضا، فهذه الدعوة تحمل في طياتها رحمةً بكل المخلوقات. وروى مسلم عن جابر مرفوعا: “ما مِن مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا إلّا كانَ ما أُكِلَ منه له صَدَقَةً، وما سُرِقَ منه له صَدَقَةٌ، وما أكَلَ السَّبُعُ منه فَهو له صَدَقَةٌ، وما أكَلَتِ الطَّيْرُ فَهو له صَدَقَةٌ، ولا يَرْزَؤُهُ أحَدٌ (أي لا ينقصه ويأخذ منه) إلّا كانَ له صَدَقَةٌ” (مسلم، د.ت، رقم الحديث 1552).

  • المحافظة على البيئة النباتية:

إن الأصل في قطع الشجر والنبات في الشريعة الإسلامية هو الحظر والمنع، وهذا ما دلت عليه النصوص التشريعية، وجرت عليه كلمة الفقهاء في بيانهم لأحكام قطع الشجر والنبات، قال تعالى:﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا ‌وَيُهۡلِكَ ‌ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ﴾(البقرة، 205).

ويؤكد علماء البيئة أن الانقراض البيئي للغطاء النباتي يمر عبر مراحل يفقد فيها تدريجيا مكوناته، ويتكون الغطاء الغابوي في أوضاعه العادية من ثلاث طبقات، طبقة الشجر، وطبقة الشجيرات، وهي أنواع شجرية أقل علوا، وطبقة العشب الملتصق بالأرض وهي أنواع نباتية تعيش سنة إلى ثلاث سنوات على الأكثر، وتكون البساط السفلي الذي يحتضن البذور ويحميها ويستفيد من ظلال الطبقات الفوقية. وعند الاستغلال المفرط للموارد الغابوية ينطلق مسلسل الانقراض البيئي، وتطغى أنواع على أخرى فتنقرض طبقة الشجر، وتندثر بعدها الشجيرات وغيرها، وبين هذا وذاك وتحت تأثير العوامل المناخية تحتل الأنواع الأكثر صبرا على شح المياه وهشاشة عناصر البيئة (الطريبق،2007، ص 293-294).

  1. التوجيهات الشرعية للحفاظ على الثروة الحيوانية.

حَرَص الإسلام بتشريعاته، على جعل علاقة الإنسان بباقي مكونات هذه الكون علاقة قائمة على مبدإ الرحمة، فكانت التوجيهات النبوية تحرص حرصا شديدا على معنى المحافظة على الحيوان والإبقاء عليه سليما معافى، ويبدو ذلك جليا في التوجيهات الآتية:

  • النهي عن قتله عبثا واستعماله في غير ما خلق له:

يؤكد الإسلام على ضرورة احترام الوظائف البيئية لكل مخلوق نباتا كان أو حيوانا ولا يستعمل في غير ما خلق له، ومن ذلك استعمال بعض النبات في الانتشاء بالمخدرات، أو استعمال بعض الحيوانات في التلهي بها، أو صيدها من غير حاجة، وإخراجها من حيزها البيئي وحبسها من غير موجب إنساني واضح، أو منفعة ظاهرة كالحفاظ عليها من الانقراض، أو مداواتها، أو لغرض علمي، أو تجريبي معقول:

ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “من قتل عصفورًا عبثًا عجَّ إلى اللهِ يومَ القيامةِ يقولُ يا ربِّ إنَّ فلانًا قتلني عبَثًا ولم يقتُلْني منفعةً” (ابن حنبل، 1995، رقم الحديث 19470). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: بَيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إِذْ رَكِبَهَا فَضَرَبَهَا فَقَالَتْ إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا إِنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ فَقَالَ النَّاسُ سُبْحَانَ اللهِ بَقَرَةٌ تتَكَلَّمُ فَقَالَ فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ” (البخاري، د.ت، رقم الحديث 3471)، ومعنى هذا أن كل حيوان يجب أن يستخدم فيما خلق له، للحرث أو للدر والنسل، ولا ينبغي أن يستخدم للركوب إلا للضرورة. ومن ذلك استعماله في المسابقات، أو اتخاذه غرضا للرماية، أو المسابقات الرياضية. عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه مَرَّ بفِتْيانٍ مِن قُرَيْشٍ قدْ نَصَبُوا طَيْرًا، وَهُمْ يَرْمُونَهُ، وَقَدْ جَعَلُوا لِصاحِبِ الطَّيْرِ كُلَّ خاطِئَةٍ مِن نَبْلِهِمْ، فَلَمّا رَأَوْا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا، فَقالَ ابنُ عُمَرَ: مَن فَعَلَ هذا؟ لَعَن اللَّهُ، مَن فَعَلَ هذا. إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ “لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شيئًا فيه الرُّوحُ غَرَضًا” (مسلم، د.ت، رقم الحديث 5062).

  • الحث على الرفق بالحيوان:

لقد أولى الإسلام للحيوان عناية واضحة، يظهر ذلك جليا في كثرة النصوص التي تحث على الرفق بالحيوان، والرحمة به والإحسان إليه، ويمكن ذكر مظاهر الحث على الرفق به فيما يلي:

أولا: الرفق بها في المأكل والمشرب: وقد نص عامة الفقهاء على وجوب النفقة على الحيوان في طعامه وشرابه، وقد دل على ذلك جملةٌ من الأحاديث من أشهرها حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “بَيْنا رَجُلٌ يَمْشِي، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي، فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ قَالَ: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ” (البخاري، د.ت، رقم الحديث 2363). وروى ابن عمر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ في هِرَّةٍ سَجَنَتْها حتّى ماتَتْ، فَدَخَلَتْ فيها النّارَ، لا هي أطْعَمَتْها ولا سَقَتْها، إذْ حَبَسَتْها، ولا هي تَرَكَتْها تَأْكُلُ مِن خَشاشِ الأرْضِ” (البخاري، د.ت، رقم الحديث 3482).

ففي هذا الحديث دلالة واضحة على الترغيب في إطعام الحيوان سواء كان مملوكا، أو غير مملوك، وأن حبسه عن الطعام حتى يموت معصية، بل كبيرة مع الإصرار، متوعد عليها بالنار.

ثانيا: الرفق به في الحمل والركوب والسير: وقد استنبط الفقهاء مشروعية الرفق بالدواب وإراحتها عند الركوب، والتحميل عليها، ومراعاة مصلحتها في تفقد رعيها وعَلَفِها حال سيرها، من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، من ذلك: حديث عن سهْل ابن الحنْظليَّةِ، قال: “مرَّ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- ببعيرٍ قد لَحِقَ ظهرُه ببطنه، فقال: “اتقُوا الله في هذه البهائمِ المُعْجَمَةِ، فارْكَبوها صالحةً، وكلُوها صالحةً” (ابن حنبل، 1995، رقم الحديث 17625). كما دل عليه حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ، فَأَعْطُوا الْإِبِلَ حَظَّهَا مِنَ الْأَرْضِ. وَإِذَا سافرتم بالسنة، فَبَادِرُوا بِهَا نِقْيَهَا. وَإِذَا عَرَّسْتُمْ. فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ. فإنها طرق الدواب، ومأوى الهوام بالليل” (مسلم، د.ت، رقم الحديث 1926). ففي الحديث إرشاد إلى الرفق بالدواب حال سيرها، ومراعاة مصلحتها في المرعى والسرعة والتأني بحسب الأرفق بها، فإذا سافر أحد عليها في الخصب، تركها ترعى بعض النهار، وإذا سافر في القَحْط عجل السير، ليصل إلى المقصد، وفيها بقية من قوتها.

ثالثا: الرفق بها عند ذبحها: لم يقف الإسلام عند مظاهر العناية بالحيوان في حياته وصحته ومرضه، بل تعدى هذا كله إلى الرأفة به عند ذبحه، والشفقة عليه من وطأة الذبح وظروف ووسائل القتل. ويدل لذلك من الهدي النبوي ما يلي:

عن معاوية بن قرة عن أبيه رضي الله أنَّ رجُلًا قال: “يا رسولَ اللهِ، إنِّي لَأَذبَحُ الشاةَ وأنا أَرحَمُها، أو قال: إنِّي لَأَرحَمُ الشاةَ أنْ أَذبَحَها، فقال: والشاةَ إنْ رَحِمْتَها رَحِمَك اللهُ، والشاةَ إنْ رَحِمْتَها رَحِمَك اللهُ” (ابن حنبل، 1995، رقم الحديث 15592). ويذكر عامة الفقهاء استحباب الإسراع في ذبح الحيوان وإراحته، بأن يكون ذلك بآلة حادة، ويدل على ذلك : حديث شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ. قَالَ: “ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ. وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ. وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شفرته. فليرح ذبيحته” (مسلم، د.ت، رقم الحديث 5055). ويذكر الفقهاء أن الأفضل عند ذبح الحيوانات طلب الأرفق بها في طريقة الذبح من النحر، أو الذبح، كما ذكر الفقهاء استحباب مواراة الشفرة عن الذبيحة، وكراهة أن يحد الذابح الشفرة بين يدي الذبيحة، وهي مهيأة للذبح، وغير ذلك من الآداب التي فيها الحث على الرفق بالحيوانعند ذبحه،

  • الحث على اقتناء النافع من الحيوانات وتنميته:

معلوم أن الحيوان لا يستغني عنه الإنسان في غذائه وقضاء مصالحه، ولهذا كان الحث على اقتناء النافع منه والقيام بتنميته، لتتحقق من ذلك المنفعة المطلوبة، وورد ذلك في أمر النبي صلى الله عليه وسلم وتوجيهه، بأن يتخذ الإنسان ما ينفع من الحيوان، كالغنم، والخيل، وأن يعمل على تنميته ليستفيد منه، ومن الأحاديث الشريفة المشتملة على ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم لأم هانئ:”اتخذِي غنمًا فإنَّ فيها بركة” (ابن حنبل، 1995، رقم الحديث 26902). وعن عن عائشة، قالت: “كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا أُتيَ باللَّبَنِ قال: كم في البَيتِ بَرَكةٍ أو بَرَكتَيْنِ” (ابن حنبل، 1995، رقم الحديث 25124)، فوصفه صلى الله عليه وسلم الغنم واللبن بالبركة، يدل على المنفعة الخاصة بتربية الأغنام، وتنميتها، حيث يستفيد منها الإنسان اللبن، واللحم، والصوف، والجلد، وكلها من لوازم حياة الناس. وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الخَيْلُ في نَواصِيها الخَيْرُ إلى يَومِ القِيامَةِ” (البخاري، د.ت، رقم الحديث 2849)، وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “البَرَكَةُ في نَواصِي الخَيْلِ” (البخاري، د.ت، رقم الحديث 2851).

خاتمة

بيّنت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تم استعراضها في هذا البحث، أن المنهج الإسلامي في حماية البيئة منهج شامل ومتكامل، لا يقتصر على الجانب المادي فحسب، بل يشمل كل عناصر البيئة، باعتبارها مخلوقات مسخّرة ومرتبطة بمنظومة إيمانية وأخلاقية عميقة.

تتجلى أهم الاستنتاجات في :

  • أن الوعي البيئي في الإسلام يقوم على أسس عقدية وتشريعية وأخلاقية، تُرسّخ مفهوم التوازن والاعتدال في التعامل مع الكون.
  • أن التوجيهات الوقائية في الشريعة تسبق المعالجة العقابية، مما يدل على اهتمام الإسلام ببناء ثقافة بيئية وقائية وسلوكية راسخة.
  • أن المصادر الشرعية تزخر بتوجيهات دقيقة وشاملة، يمكن توظيفها في معالجة كثير من التحديات البيئية المعاصرة.
  • أن الإسلام لا يفصل بين العلاقة التعبدية لله والسلوك البيئي، بل يجعل حماية البيئة جزءًا من مسؤولية الإنسان أمام الله.

تتمظهر أهم التوصيات في:

  • ضرورة تفعيل البُعد الشرعي في الخطاب البيئي المعاصر، وإدماجه في مناهج التعليم والبرامج الإعلامية والتوعوية.
  • إعداد برامج تأهيلية وتربوية تنطلق من المفاهيم الإسلامية في رعاية البيئة، تستهدف جميع فئات المجتمع.
  • الدعوة إلى تضمين النصوص القرآنية والحديثية المتعلقة بالبيئة في السياسات البيئية الوطنية والإقليمية.
  • تعزيز دور العلماء والدعاة في نشر ثقافة الوعي البيئي الإسلامي وربطها بالسلوك اليومي للمسلم.
  • تشجيع الدراسات والأبحاث التي تربط بين الفقه الإسلامي والتحديات البيئية المعاصرة، لتقديم حلول شرعية واقعية ومستدامة.

قائمة المراجع

القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم.

أبو داود، س. (د.ت). سنن أبي داود. بيروت: المكتبة العصرية.

ابن منظور، م. (1981). لسان العرب. القاهرة: دار المعارف.

البخاري، م. (د.ت). صحيح البخاري. بيروت: دار طوق النجاة.

البيهقي، أ. (2003). السنن الكبرى. بيروت: دار الكتب العلمية.

الجميلي، س. (1997). الإسلام والبيئة. (ط1). مركز الكتاب للنشر.

الزبيدي، م. (د.ت). تاج العروس من جواهر القاموس. بيروت: دار مكتبة الحياة.

السرطاوي، ف. (1999). البيئة والبعد الإسلامي. (ط1). عمّان: دار المسيرة.

الشوكاني، م.(1999). فتح القدير. (ط1). بيروت: دار الكتاب العربي.

الصاحب، م. (د.ت). النهج الإسلامي في حماية البيئة. كلية الشريعة، الجامعة الأردنية.

الطريبق، ع. (2007). منظور الإسلام إلى المحافظة على البيئة. (ط1). المملكة المغربية: منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

المراغي، أ.(1998). تفسير المراغي. بيروت: دار الكتب العلمية.

المنزلاوي، ي. (2008). البيئة من منظور إسلامي. عمان: دار كنوز المعرفة

النجار، ع. (1999). قضايا البيئة من منظور إسلامي. (ط1). قطر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

النيسابوري، م. (د.ت). صحيح مسلم. بيروت: دار إحياء التراث العربي.

الفقي، م. (1993). البيئة: مشاكلها وقضاياها وحمايتها من التلوث، رؤية إسلامية. القاهرة: مكتبة ابن سينا.

الغزالي، أ. (1978). الحكمة من مخلوقات الله تعالى. (ط1). بيروت: دار إحياء العلوم.

عامر، م. (1999). تلوث البيئة: مشكلة العصر. (ط1). دار الكتاب الحديث.

بن حنبل، أ. (1995). مسند الإمام أحمد بن حنبل. القاهرة: دار الحديث.

بكرة، ع. (1993). أسس التربية البيئية في الإسلام. مجلة دراسات دعوية. 7 (40)، 207-232

ضاهر، ع. (2009). أحكام البيئة في الفقه الإسلامي. رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة الإسلامية، غزة.

مجمع اللغة العربية. (2004). المعجم الوسيط. القاهرة: مكتبة الشروق.

مختار، أ. (2002). المعجم الموسوعي لألفاظ القرآن الكريم وقراءاته. (ط1). الرياض: مؤسسة سطور المعرفة.

هندي، إ. (2000). قضايا البيئة من منظور إسلامي. (ط1). دار ابن كثير ودار التربية.

وهبي، ص. (2004). البيئة من منظور إسلامي. (ط1). دمشق: دار الفكر.

ونسنك، أ. (1936). المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي. ليدن: مطبعة بريل.

References

Al-Qurʾān al-Karīm bi-riwāyat Ḥafṣ ʿan ʿĀṣim.

Abū Dāwūd, S. (D.T.). Sunan Abī Dāwūd. Bayrūt: al-Maktabah al-ʿAṣriyyah.

Ibn Manẓūr, M. (1981). Lisān al-ʿArab. al-Qāhirah: Dār al-Maʿārif.

al-Bukhārī, M. (D.T.). Ṣaḥīḥ al-Bukhārī. Bayrūt: Dār Ṭawq al-Najāh.

al-Bayhaqī, A. (2003). al-Sunan al-Kubrā. Bayrūt: Dār al-Kutub al-ʿIlmiyyah.

al-Jumaylī, S. (1997). al-Islām wa-l-Bīʾah. (Ṭ1). Markaz al-Kitāb lil-Nashr.

al-Zabīdī, M. (D.T.). Tāj al-ʿArūs min Jawāhir al-Qāmūs. Bayrūt: Dār Maktabat al-Ḥayāh.

al-Sarṭāwī, F. (1999). al-Bīʾah wa-l-Buʿd al-Islāmī. (Ṭ1). ʿAmmān: Dār al-Masīrah.

al-Shawkānī, M. (1999). Fatḥ al-Qadīr. (Ṭ1). Bayrūt: Dār al-Kitāb al-ʿArabī.

al-Ṣāḥib, M. (D.T.). al-Nahj al-Islāmī fī Ḥimāyat al-Bīʾah. Kulliyyat al-Sharīʿah, al-Jāmiʿah al-Urdunniyyah.

al-Ṭuraybiq, ʿA. (2007). Manẓūr al-Islām ilā al-Muḥāfaẓah ʿalā al-Bīʾah. (Ṭ1). al-Mamlakah al-Maghribiyyah: Manshūrāt Wizārat al-Awqāf wa-l-Shuʾūn al-Islāmiyyah.

al-Marāghī, A. (1998). Tafsīr al-Marāghī. Bayrūt: Dār al-Kutub al-ʿIlmiyyah.

al-Manzilāwī, Y. (2008). al-Bīʾah min Manẓūr Islāmī. ʿAmmān: Dār Kunūz al-Maʿrifah.

al-Najjār, ʿA. (1999). Qaḍāyā al-Bīʾah min Manẓūr Islāmī. (Ṭ1). Qaṭar: Wizārat al-Awqāf wa-l-Shuʾūn al-Islāmiyyah.

al-Nīsābūrī, M. (D.T.). Ṣaḥīḥ Muslim. Bayrūt: Dār Iḥyāʾ al-Turāth al-ʿArabī.

al-Fiqī, M. (1993). al-Bīʾah: Mushkilātuhā wa-Qaḍāyāhā wa-Ḥimāyatuhā min al-Talawwuth, Ruʾyah Islāmiyyah. al-Qāhirah: Maktabat Ibn Sīnā.

al-Ghazālī, A. (1978). al-Ḥikmah min Makhlūqāt Allāh Taʿālā. (Ṭ1). Bayrūt: Dār Iḥyāʾ al-ʿUlūm.

ʿĀmir, M. (1999). Talawwuth al-Bīʾah: Mushkilat al-ʿAṣr. (Ṭ1). Dār al-Kitāb al-Ḥadīth.

Ibn Ḥanbal, A. (1995). Musnad al-Imām Aḥmad ibn Ḥanbal. al-Qāhirah: Dār al-Ḥadīth.

Bakrah, ʿA. (1993). Usus al-Tarbiyah al-Bīʾiyyah fī al-Islām. Majallat Dirāsāt Daʿwiyyah, 7 (40), 207–232.

Ḍāhir, ʿA. (2009). Aḥkām al-Bīʾah fī al-Fiqh al-Islāmī. Risālat Mājastīr ghayr manshūrah, al-Jāmiʿah al-Islāmiyyah, Ghazzah.

Majmaʿ al-Lughah al-ʿArabiyyah. (2004). al-Muʿjam al-Wasīṭ. al-Qāhirah: Maktabat al-Shurūq.

Mukhtār, A. (2002). al-Muʿjam al-Mawsūʿī li-Alfāẓ al-Qurʾān al-Karīm wa-Qirāʾātih. (Ṭ1). al-Riyāḍ: Muʾassasat Suṭūr al-Maʿrifah.

Hindī, I. (2000). Qaḍāyā al-Bīʾah min Manẓūr Islāmī. (Ṭ1). Dār Ibn Kathīr wa-Dār al-Tarbiyah.

Wahbī, Ṣ. (2004). al-Bīʾah min Manẓūr Islāmī. (Ṭ1). Dimashq: Dār al-Fikr.

Wensinck, A. (1936). al-Muʿjam al-Mufahras li-Alfāẓ al-Ḥadīth al-Nabawī. Laydin: Maṭbaʿat Brīl.