رهانات التنمية القروية في مواجهة التحديات المائية والمناخية: حالة المشروع الهيدروفلاحي لمحيط أسجن إقليم وزان

Rural Development Stakes in the Face of Water and Climate Challenges: The Case of the Hydro-Agricultural Project in the Asjen Perimeter, Ouezzane Province

نسرين كنفاوي1

1 جامعة عبد المالك السعدي، تطوان، المغرب.

بريد الكتروني: ni.kenfaoui@gmail.com

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj611/15

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/611/15

المجلد (6) العدد (11). الصفحات: 266 - 287

تاريخ الاستقبال: 2025-10-07 | تاريخ القبول: 2025-10-15 | تاريخ النشر: 2025-11-01

Download PDF

المستخلص: تهدف هذه الدراسة إلى تقييمٍ تحليليٍّ شاملٍ للمشروع الهيدروفلاحي بمحيط أسجن (إقليم وزان) بوصفه رافعةً للتنمية القروية في سياق ندرةٍ مائيةٍ متفاقمة. اعتمد البحث مقاربةً وصفية-تحليلية مدعومة بدراسة حالة، انطلقت من وثائق قطاعية رسمية ومعطيات إحصائية وتقارير إعلامية متخصصة، إضافة إلى معطيات ميدانية جُمعت سنة 2022. رصدت الدراسة مسار المشروع منذ الإطلاق (2016) مروراً بإنجاز البنية الهيدروليكية الأساسية (2016–2019) وصولاً إلى الاستغلال والتوسع (2022–2024). تُظهر النتائج تحقيق تقدّم معتبر: تجهيز ما يزيد عن 2,700 هكتار، واستفادة نحو 4,500 فلاح، وارتفاع الدخل الصافي للهكتار بنسبة تقديرية تتراوح بين 300% و400% تبعاً للمحاصيل، مع خلق فرص شغل مباشرة وموسمية، وتقليص استهلاك مياه السقي بنحو 25–35% والطاقة بنحو 15–25% بفضل تعميم الري الموضعي. كما أسهم المشروع في تقوية النسيج الجمعوي عبر جمعيات مستعملي المياه وتوسيع الزراعات ذات القيمة المضافة (الرمّان، الزيتون، النباتات العطرية والبستنة). في المقابل، تكشف الدراسة عن تحديات مؤثرة على الاستدامة، أهمها الجفاف المتكرر وما يترتب عنه من تقنين صارم للحصص المائية، ومحدودية صيانة البنيات، وضعف تحصيل واجبات الماء (≈60–70% وفق الشهادات الميدانية)، إضافةً إلى اختناقات تسويقية وقيمة مضافة غير مستغلة محلياً. توصي الدراسة بحزمة تدخلات تكيفية تشمل تنويع مصادر الماء (حصاد الأمطار والحلول اللامركزية)، والانتقاء المحصولي المتوافق مع الندرة، والري الدقيق المؤطّر بالاستشعار والبيانات المناخية، ورقمنة حكامة التوزيع والتحصيل بعدّادات ذكية وتطبيقات تتبّع، إلى جانب تطوير سلاسل القيمة (تبريد، تخزين، تحويل، وعلامات جغرافية). تؤكد الخلاصات أن المشروع أحدث أثراً اجتماعياً-اقتصادياً ملموساً، لكنه يظل رهين إدماج التكيف المناخي والاستدامة المالية والتسويق الترابي في صلب التدبير لضمان ديمومته.

الكلمات المفتاحية: المشروع الهيدروفلاحي؛ أسجن؛ حوض اللوكوس؛ التنمية القروية؛ ترشيد المياه؛ الجفاف؛ الحوكمة المائية.

Abstract: This study provides a comprehensive, case-based evaluation of the hydro-agricultural project in the Asjen perimeter (Ouezzane province) as a lever for rural development under increasing water scarcity. Using a descriptive-analytical approach supported by field data collected in 2022 and sectoral/official documents, the study tracks the project’s trajectory from launch (2016) through core hydraulic infrastructure delivery (2016–2019) to operation and scaling (2022–2024). Findings indicate substantial progress: more than 2,700 ha equipped, ~4,500 smallholders reached, estimated net farm income gains of 300–400% depending on cropping systems, notable job creation, and efficiency gains (≈25–35% water savings; ≈15–25% energy savings) driven by drip irrigation. The project also strengthened local water-user associations and expanded higher-value crops (pomegranate, olive, aromatic plants, horticulture). However, sustainability is constrained by recurrent drought and stringent irrigation rationing, maintenance backlogs, low fee-collection performance (~60–70% per field testimonies), and downstream marketing bottlenecks limiting value capture. The study recommends a climate-adaptation package—diversifying water sources (rainwater harvesting and decentralized solutions), drought-tolerant crop choices, sensor-guided precision irrigation, and digitalized governance (smart meters, remote reading, and usage apps)—together with value-chain investments (cold storage, processing, geographic indications). Overall, the project has delivered tangible socio-economic impact, yet long-term viability depends on embedding climate adaptation, financial sustainability, and territorial marketing at the core of management.

Keywords: Hydro-agricultural project; Asjen; Loukkos basin; Rural development; Water efficiency; Drought; Water governance.

1.المقدمة

1.1 السياق العام وأهمية الموضوع

يحتل الماء مكانة محورية في استراتيجيات التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب، نظراً لكونه العنصر الحاسم في الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي في المناطق القروية التي تعتمد أساساً على الفلاحة، حيث يصبح توفير مياه السقي المنتظمة رافعة أساسية لتحسين ظروف عيش الساكنة وتحقيق التنمية المستدامة.

ضمن هذا الإطار، تأتي المشاريع الهيدروفلاحية كحل استراتيجي لتجاوز إكراهات الاعتماد على التساقطات المطرية المتقلبة، وتحويل الفلاحة البورية التقليدية ذات المردودية الضعيفة إلى فلاحة مسقية عصرية قادرة على تحقيق قيمة مضافة أعلى (Belghiti, 2005; World Bank, 2022).

يمثل المشروع الهيدروفلاحي لمحيط أسجن بإقليم وزان نموذجاً تطبيقياً لهذا التوجه الاستراتيجي. أطلق هذا المشروع الطموح في نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة، في إطار مخطط المغرب الأخضر الذي رسم معالم جديدة للسياسة الفلاحية الوطنية، يمتد المشروع على مساحة إجمالية تبلغ 2,500 هكتار، موزعة على جماعاتين ترابيتين هي أسجن ومزفرون، ويستهدف تحسين ظروف عيش حوالي 5,000 فلاح من صغار المنتجين موزعين على 29 دواراً (وزارة الفلاحة والصيد البحري، 2020).

ينطلق المشروع من رؤية تنموية متكاملة تتجاوز البعد التقني المحض، لتشمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية وبيئية. فمن الناحية الاقتصادية، يهدف إلى مضاعفة الدخل الفلاحي عدة مرات من خلال إدخال زراعات عالية القيمة المضافة كالرمان والنباتات العطرية والطبية. أما اجتماعياً، فيسعى إلى تثبيت الساكنة القروية، خلق فرص الشغل، وتمكين المرأة الريفية. بيئياً، يراهن على ترشيد استهلاك الموارد المائية من خلال أنظمة الري بالتنقيط التي توفر ما بين 30% و50% من المياه مقارنة بالطرق التقليدية (Kuper et al., 2016).

غير أن هذه الطموحات التنموية تواجه اليوم امتحاناً عسيراً في ظل أزمة مائية غير مسبوقة. فمنذ عام 2020، يعاني المغرب من موجة جفاف مستمرة تُعد الأسوأ منذ عقود، أثرت بشكل كبير على مخزون السدود وأدت إلى تراجع حاد في الموارد المائية المتاحة للسقي. في الموسم الفلاحي 2024-2025، بلغ العجز المائي 53% مقارنة بمعدل الثلاثين سنة الماضية، مما يعني أن المياه المتوفرة للقطاع الفلاحي لا تغطي سوى 14% من احتياجاته (Agence Ecofin, 2025). هذا الوضع الحرج يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل المشاريع الهيدروفلاحية عموماً، ومشروع أسجن على وجه الخصوص.

1.2 الإشكالية

تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مركزية تتمحور حول السؤال التالي: إلى أي حد استطاع المشروع الهيدروفلاحي لمحيط أسجن تحقيق أهدافه التنموية المعلنة؟ وما هي التحديات الراهنة والمستقبلية التي تهدد استدامته؟ وكيف يمكن تطوير آليات التكيف اللازمة لضمان استمراريته في ظل التغيرات المناخية المتسارعة؟

1.3 أهداف الدراسة ومبرراتها

تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق عدة أهداف متكاملة:

  • توثيق شامل للمشروع في مختلف مراحله، من التصميم والإنشاء إلى التشغيل والتقييم، بما يشكل مرجعاً علمياً للباحثين والمهتمين.
  • تشخيص دقيق للتحديات الراهنة، خاصة المناخية والمائية منها، التي باتت تشكل تهديداً حقيقياً للاستدامة.
  • استخلاص دروس مستفادة قابلة للتعميم على مشاريع مماثلة في مناطق أخرى من المملكة.

تكتسي هذه الدراسة أهمية خاصة من عدة زوايا. فعلمياً، تسد فجوة معرفية ملحوظة، إذ تبقى الدراسات الأكاديمية المعمقة حول المشاريع الهيدروفلاحية بالمغرب محدودة، رغم الأهمية الاستراتيجية لهذا القطاع (Bouzidi et al., 2018). وعملياً، توفر معطيات دقيقة وتحليلات مفيدة لصناع القرار والمخططين، تساعدهم على تطوير السياسات والبرامج بناءً على واقع ميداني محدد. أما بيئياً، فتسلط الضوء على إشكالية التوفيق بين التنمية الفلاحية والحفاظ على الموارد الطبيعية في سياق التغيرات المناخية (Hssaisoune et al., 2020).

2.الإطار النظري

2.1 الفلاحة المسقية كرافعة تنموية

تحتل الفلاحة المسقية مكانة استراتيجية ضمن المنظومة الفلاحية المغربية، إذ تمثل نقطة التقاء بين الضرورة الاقتصادية والإمكان التقني والإرادة السياسية. فمن الناحية الاقتصادية، تتيح الفلاحة المسقية تجاوز محدودية التساقطات المطرية وتقلباتها المرتبطة بالتغيرات المناخية، مما يضمن استقراراً أكبر للإنتاج الفلاحي ويعزز الأمن الغذائي الوطني (Belghiti, 2005).

رغم أن الفلاحة المسقية لا تمثل سوى 15% إلى 20% من إجمالي المساحة الفلاحية المستغلة وطنياً، فإن مساهمتها في القيمة المضافة الفلاحية تفوق 45%، وهو ما يعكس مردوديتها العالية مقارنة بالفلاحة البورية (Harbouze et al., 2019). هذا التفاوت الكبير بين المساحة والإنتاجية يؤكد الدور الحاسم للري في تحقيق التكثيف الزراعي والرفع من العائدات.

تتجلى أهمية الفلاحة المسقية أيضاً في بعدها الاجتماعي. فهي توفر فرص شغل قارة وموسمية لملايين الأسر القروية، وتحد من الهجرة نحو المدن من خلال تحسين مستوى العيش في الأرياف (Akesbi, 2012). كما تساهم في تمكين الفئات الهشة، خاصة النساء والشباب، من خلال الأنشطة الفلاحية المرتبطة بالزراعات المسقية ذات اليد العاملة المكثفة كالبستنة والنباتات العطرية.

بيئياً، وعندما تُدار بشكل رشيد، يمكن للفلاحة المسقية أن تساهم في الحفاظ على الموارد المائية من خلال تقنيات الاقتصاد في الماء كالري بالتنقيط (Choukr-Allah et al., 2016). كما تحد من الضغط على المراعي الطبيعية من خلال إنتاج الأعلاف المسقية، وتقلل من استنزاف الفرشة المائية الجوفية عند الاعتماد على مياه السدود بدلاً من الآبار الفردية (El Harraki et al., 2021).

لكن تحقيق هذه الفوائد يتطلب شروطاً محددة. أولها توفر البنيات التحتية الهيدروليكية المناسبة من سدود ومحطات ضخ وقنوات توزيع وأنظمة ري حديثة. ثانيها وجود تدبير محكم للموارد المائية يوازن بين مختلف الاستعمالات ويضمن استدامة الاستغلال. ثالثها مواكبة تقنية ومالية للفلاحين، خاصة الصغار منهم، لمساعدتهم على التكيف مع التقنيات الجديدة والاستثمار في التجهيزات الضرورية. رابعها حكامة فعالة تشرك الفلاحين في اتخاذ القرارات المتعلقة بتوزيع المياه وصيانة البنيات التحتية (Houdret, 2012).

2.2 السياسات العمومية : من سياسة السدود إلى الجيل الأخضر

تمتد جذور السياسة المائية والفلاحية المغربية إلى عقود مضت، لكنها عرفت نقلات نوعية مهمة خلال العقدين الأخيرين. في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ركزت الدولة على بناء السدود الكبرى كأداة لتعبئة الموارد المائية السطحية. هذه السياسة الطموحة، التي أطلق عليها “سياسة السدود”، مكنت من إنشاء حوالي 152 سداً كبيراً بسعة تخزينية إجمالية تتجاوز 19 مليار متر مكعب، مما جعل المغرب من الدول الرائدة إفريقياً وعربياً في هذا المجال (Royaume du Maroc, 2020).

في مطلع الألفية الثالثة، أصبح واضحاً أن تعبئة المياه وحدها لا تكفي، بل يجب أن تصاحبها رؤية فلاحية شاملة تحدد أولويات الاستغلال وتوجهات التنمية. من هنا جاء مخطط المغرب الأخضر عام 2008، الذي شكل منعطفاً حاسماً في السياسة الفلاحية الوطنية (Akesbi, 2012). ارتكز المخطط على ركيزتين متكاملتين: الركيزة الأولى استهدفت تطوير فلاحة عصرية تنافسية ذات قيمة مضافة عالية، موجهة للتصدير والصناعات الغذائية. أما الركيزة الثانية، المعروفة بالفلاحة التضامنية، فقد ركزت على صغار الفلاحين في المناطق الهشة، بهدف تحسين دخلهم وتثبيتهم في أراضيهم.

حقق مخطط المغرب الأخضر نتائج ملموسة خلال عقد من التنفيذ (2008-2018)، لكنه كشف أيضاً عن ثغرات ومحدودية في بعض الجوانب. من هنا جاءت استراتيجية الجيل الأخضر 2020-2030 كامتداد وتجاوز في آن واحد (وزارة الفلاحة، 2020). ركزت الاستراتيجية الجديدة على العنصر البشري باعتباره قلب التنمية الفلاحية، مع إيلاء أهمية خاصة للشباب والنساء. كما أولت عناية أكبر لمسائل الاستدامة البيئية والتكيف مع التغيرات المناخية، إدراكاً منها للتحديات المتزايدة في هذا المجال.

2.3 حوض اللوكوس : خصوصيات وإمكانات

يشكل حوض اللوكوس، حيث يقع مشروع أسجن، وحدة جغرافية ومائية متميزة تتطلب فهماً دقيقاً لخصوصياتها. يمتد الحوض على مساحة تقارب 3,700 كيلومتر مربع، ويغطي أجزاء من عدة أقاليم، أبرزها طنجة والعرائش والقصر الكبير ووزان. يتميز الحوض بموقع استراتيجي في الشمال الغربي للمملكة، وبمناخ متوسطي يتسم بتساقطات مطرية متوسطة تتراوح بين 500 و800 ملمتر سنوياً، لكنها متقلبة من سنة لأخرى (ABHILOU, 2019).

يشكل سد واد المخازن، الذي اكتمل بناؤه في سبعينيات القرن الماضي، العمود الفقري للبنية التحتية المائية في الحوض. بسعة تخزينية تبلغ 773 مليون متر مكعب، يلعب السد أدواراً متعددة: توفير مياه الشرب للمراكز الحضرية المجاورة، تزويد الصناعة بالمياه الضرورية، وتوفير مياه السقي لعشرات الآلاف من الهكتارات في محيط اللوكوس. هذا التعدد في الاستعمالات يطرح تحديات تدبيرية معقدة، خاصة في سنوات الجفاف حين تصبح الموازنة بين الاستعمالات المختلفة مسألة حساسة تتطلب خيارات صعبة (Balaghi et al., 2013).

على الصعيد الفلاحي، يتميز حوض اللوكوس بتنوع كبير في الأنشطة الإنتاجية. تشمل المنطقة زراعات استراتيجية كالحبوب والقطاني والشمندر السكري، إضافة إلى زراعات تصديرية كالفواكه الحمراء والحوامض والخضروات الموسمية. هذا التنوع يعكس إمكانات فلاحية كبيرة، لكنه يعني أيضاً ضغطاً متزايداً على الموارد المائية المحدودة. في السنوات الأخيرة، أدت موجات الجفاف المتكررة إلى تراجع واضح في الإنتاج الفلاحي، مما دفع الدولة إلى تكثيف الجهود لترشيد استهلاك المياه وتطوير تقنيات الاقتصاد المائي.

من الناحية الاجتماعية، يعتبر حوض اللوكوس من المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة نسبياً، حيث يقطنه مئات الآلاف من السكان، معظمهم في المناطق القروية. تعتمد أغلبية هذه الساكنة على الفلاحة كمصدر رئيسي للدخل، مما يجعل الأمن المائي والفلاحي مسألة حيوية لاستقرارها الاجتماعي والاقتصادي. في هذا السياق، تكتسب المشاريع الهيدروفلاحية كمشروع أسجن أهمية خاصة كرافعة للتنمية المحلية ومحاربة الفقر.

3. المنهجية

3.1 التصميم البحثي والمقاربة المنهجية

اعتمدت هذه الدراسة تصميماً بحثياً يجمع بين الأساليب الكمية والنوعية لتوفير فهم شامل ومتعدد الأبعاد للمشروع الهيدروفلاحي لمحيط أسجن. المقاربة المنهجية الأساسية المعتمدة هي المنهج الوصفي التحليلي، الذي يسمح بوصف الوضع الحالي للمشروع بدقة، ثم تحليل مكوناته وديناميكياته وآثاره المختلفة (Creswell & Creswell, 2017).

بالإضافة إلى ذلك، تم استخدام منهج دراسة الحالة (Case Study)، حيث يُدرس مشروع أسجن بعمق كنموذج تطبيقي للفلاحة المسقية في سياق الندرة المائية والتغيرات المناخية. هذا المنهج يتيح فحصاً تفصيلياً لحالة محددة في سياقها الواقعي، مما يساعد على فهم التفاعلات المعقدة بين مختلف العوامل التقنية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية (Yin, 2018).

المنهج الثالث المستخدم هو الاستقرائي، الذي يُستخدم لاستنباط الدروس المستفادة والتوصيات العملية من التجربة الميدانية، بهدف تعميمها على مشاريع مماثلة في مناطق أخرى. والتنمية القروية، وتجارب المشاريع الهيدروفلاحية المشابهة.

4.واقع المشروع الهيدروفلاحي لمحيط أسجن : البطاقة التعريفية

4.1الموقع والنطاق الجغرافي

يقع المشروع الهيدروفلاحي لمحيط أسجن في الجزء الشرقي من إقليم وزان، الذي يشكل بدوره جزءاً من جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، تتميز بطابعها القروي الواضح وبتضاريس متنوعة تجمع بين السهول المنبسطة والهضاب المتوسطة الارتفاع.

يتوزع النطاق الجغرافي للمشروع على 29 دوار تتفاوت في الحجم والبعد عن المراكز الحضرية. بعض هذه الدواوير يقع على مسافات قريبة نسبياً من المراكز، بينما يعاني بعضها الآخر من العزلة وضعف البنيات التحتية الأساسية. هذا التوزيع الجغرافي الواسع يطرح تحديات لوجستية على مستوى توزيع المياه والمواكبة التقنية للفلاحين، لكنه يعكس في الوقت نفسه طموح المشروع إلى تحقيق تنمية شاملة لا تقتصر على المناطق الأكثر حظاً.

يبعد المشروع حوالي 25-30 كيلومتراً عن سد واد المخازن، الذي يمثل المصدر المائي الرئيسي للمشروع. هذه المسافة تطلبت بنية تحتية هيدروليكية معقدة لنقل المياه وضخها وتوزيعها بكفاءة.

لوحة توضيحية للمشروع الهيدروفلاحي وأهدافه – المصدر: البحث الميداني، 2022

4. 2 الأهداف الاستراتيجية للمشروع

ينطلق المشروع من رؤية تنموية طموحة تتجاوز البعد الفلاحي المحض لتشمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية وبيئية متكاملة.

  • على الصعيد الاقتصادي:

يستهدف المشروع تحقيق قفزة نوعية في الإنتاجية والمردودية الفلاحية. الهدف المعلن يتمثل في رفع الدخل الفلاحي الصافي من 5,160 درهماً للهكتار الواحد سنوياً في ظل الفلاحة البورية، إلى 36,800 درهم للهكتار في ظل الفلاحة المسقية، أي بزيادة تقارب 613% (وزارة الفلاحة، 2017). هذه الزيادة الكبيرة ترتكز على عدة آليات: التحول من زراعات تقليدية محدودة القيمة إلى زراعات عصرية ذات مردودية عالية، تحسين جودة المنتجات الفلاحية بفضل التحكم في السقي، وتمكين الفلاحين من الإنتاج في غير مواسم الذروة مما يتيح أسعاراً أفضل.

  • على المستوى التقني الفلاحي:

يراهن المشروع على التكثيف الزراعي عبر إدخال مجموعة متنوعة من المحاصيل عالية القيمة المضافة. تحتل الأشجار المثمرة مكانة محورية في هذه الاستراتيجية، مع التركيز على الزيتون كزراعة استراتيجية وطنياً، والتين كزراعة تقليدية محلية يمكن تطويرها وتثمينها، والرمان كزراعة واعدة ذات طلب متزايد في الأسواق الوطنية والدولية. إلى جانب الأشجار المثمرة، يشجع المشروع البستنة الموسمية التي توفر دخلاً سريعاً للفلاحين، وزراعة الأعلاف التي تدعم تربية الماشية وتساهم في الأمن الغذائي للحيوانات. كما يولي المشروع اهتماماً خاصاً للنباتات العطرية والطبية والشمندر السكري، وهي محاصيل تتطلب تقنيات متقدمة لكنها تحقق عوائد اقتصادية مجزية.

  • على المستوى الاجتماعي:

يستهدف المشروع تحسيناً شاملاً لظروف عيش الساكنة القروية. الهدف الأول يتمثل في خلق فرص الشغل، سواء خلال مرحلة الإنشاء حيث كان من المتوقع توفير مليون يوم عمل، أو خلال مرحلة الاستغلال عبر الأنشطة الفلاحية المكثفة لليد العاملة. الهدف الثاني يكمن في تثبيت الساكنة القروية والحد من الهجرة نحو المدن، من خلال توفير دخل قار ومستقر يضمن عيشاً كريماً في الأرياف. الهدف الثالث يتعلق بتمكين الفئات الهشة، خاصة النساء والشباب، عبر إشراكهم في الأنشطة الفلاحية وتشجيعهم على التنظيم في إطار تعاونيات وجمعيات. الهدف الرابع يخص تقوية النسيج الجمعوي والمجتمعي من خلال إنشاء جمعيات مستعملي المياه الفلاحية التي تشكل إطاراً للتدبير الجماعي والحوار والتضامن بين الفلاحين.

  • على المستوى البيئي:

يطمح المشروع إلى المساهمة في الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية. الهدف البيئي الرئيسي يتمثل في اقتصاد الماء، حيث كان من المتوقع تحقيق اقتصاد يتراوح بين 30% و50% من المياه بفضل تقنيات الري بالتنقيط المتطورة (La Vie Éco, 2015). كما يستهدف المشروع اقتصاداً في الطاقة الكهربائية بنسبة 20% إلى 30% من خلال استخدام أنظمة ضخ حديثة وفعالة. إضافة إلى ذلك، يساهم المشروع في تقليص الضغط على الفرشة المائية الجوفية من خلال تحويل الفلاحين من الاعتماد على الآبار الفردية إلى مياه السد، مما يتيح للطبقات الجوفية فرصة التجدد الطبيعي.

4. 3 المكونات التقنية والبنية التحتية

يعتمد المشروع على منظومة هيدروليكية متكاملة تشمل عدة مكونات تقنية متطورة. تبدأ هذه المنظومة من نقطة أخذ المياه من سد واد المخازن، حيث توجد محطة ضخ رئيسية مجهزة بمضخات قوية قادرة على رفع كميات كبيرة من المياه إلى القناة الرئيسية. هذه القناة، التي يبلغ طولها 10.5 كيلومتر، تنقل المياه عبر مسار مدروس بدقة يراعي التضاريس الطبيعية ويقلل من تكاليف الضخ (وزارة الفلاحة، 2019). تتميز القناة بكونها محمية ومغطاة في أغلب أجزائها لتجنب التبخر والتلوث.

عند وصول المياه إلى منطقة المشروع، تمر عبر محطة تصفية حديثة تزيل الشوائب والرواسب، مما يضمن جودة المياه ويحمي أنظمة الري من الانسداد. بعد التصفية، تُخزن المياه في حوض تخزين كبير بسعة 74,000 متر مكعب، يعمل كخزان استراتيجي يضمن توفر المياه حتى في حالات الطوارئ أو انقطاع الضخ المؤقت.

من حوض التخزين، تنتقل المياه إلى حوض تنظيم بسعة 50,000 متر مكعب، الذي يلعب دوراً محورياً في ضبط الضغط والتدفق نحو شبكات التوزيع. هذا الحوض يسمح بتنظيم عملية السقي وفق جدولة زمنية تراعي احتياجات مختلف المناطق والمحاصيل. من حوض التنظيم تتفرع شبكة معقدة من الأنابيب تحت الضغط تمتد عبر كامل المحيط، موصلة المياه إلى كل هكتار مجهز. هذه الشبكة مصممة بطريقة هندسية محكمة تضمن توزيعاً عادلاً للمياه وضغطاً متوازناً في مختلف النقاط (وزارة الفلاحة 2024)

الشكل 2: صورة لحوض التخزين – المصدر: البحث الميداني، 2022

على مستوى القطع الفردية، يتلقى كل فلاح نقطة تزويد خاصة به مجهزة بعداد لقياس الاستهلاك. من هذه النقطة، يتولى الفلاح مسؤولية تجهيز أرضه بنظام الري بالتنقيط الذي يناسب محاصيله. توفر الدولة دعماً مالياً لهذه التجهيزات الفردية، بحيث يتحمل الفلاح جزءاً من التكلفة فقط، مما يشجع على التبني الواسع لهذه التقنية الحديثة.

الشكل 3: صورة لحقل مجهز بتقنية التنقيط – المصدر: البحث الميداني، 2022

4.5التمويل والشراكات

يعتبر مشروع أسجن من المشاريع الكبرى التي تطلبت تمويلاً ضخماً وشراكات متعددة. بلغت الكلفة الإجمالية الأولية المعلنة للمشروع بين 580 و600 مليون درهم (Médias24, 2024). الجزء الأكبر من هذا التمويل جاء على شكل دعم من دولة قطر في إطار التعاون الثنائي بين البلدين. هذا الدعم القطري الكبير يعكس الأهمية الاستراتيجية التي أولتها الدولة القطرية لمساعدة المغرب في تنمية قطاعه الفلاحي وتحسين أوضاع فلاحيه الصغار.

إلى جانب الدعم القطري، ساهمت الميزانية العامة للدولة المغربية في تمويل المشروع، خاصة من خلال الاعتمادات المخصصة لتنفيذ مخطط المغرب الأخضر ولاحقاً استراتيجية الجيل الأخضر (وزارة الفلاحة، 2020). كما استفاد المشروع من قروض ميسرة وبرامج دعم من مؤسسات مالية وطنية ودولية. على مستوى التنفيذ، تولى المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي مسؤولية الإشراف التقني والإداري على المشروع، بينما أُسندت أشغال البناء والتجهيز إلى شركات متخصصة وطنية وأجنبية عبر صفقات عمومية.

5.المراحل والإنجازات المحققة

5.1المرحلة التأسيسية : البنية التحتية الأساسية (2016-2019)

شهدت الفترة الممتدة من عام 2016 إلى عام 2019 إنجاز المكونات الأساسية للبنية التحتية، تم من خلالها وضع الأساس المادي الذي سيُبنى عليه كل ما يلي من تطورات. بدأت الأشغال بحفر وتجهيز القناة الرئيسية على طول 10.5 كلم. تزامن مع ذلك بناء محطات الضخ الرئيسية والثانوية. بنهاية هذه المرحلة، تم إنجاز القناة الرئيسية بكاملها، وإكمال حوض التخزين الكبير بسعة 74,000 متر مكعب، بالإضافة لمحطة تصفية المياه بكل تجهيزاتها التقنية المتطورة. هذه الإنجازات شكلت علامة فارقة، إذ أصبح المشروع جاهزاً من الناحية التقنية لبدء ضخ المياه وتوزيعها على الفلاحين (المديرية الإقليمية للفلاحة . 2019).

بلغت التكلفة التقديرية لهذه المرحلة التأسيسية ما بين 450 و500 مليون درهم، وهو ما يمثل الجزء الأكبر من الميزانية الإجمالية للمشروع. هذه التكلفة المرتفعة تعكس حجم الاستثمار المادي والتقني المطلوب لإنشاء بنية تحتية هيدروليكية حديثة قادرة على خدمة آلاف الهكتارات لعقود قادمة. كما تعكس التزام الدولة والشركاء الدوليين بإنجاح هذا المشروع الاستراتيجي رغم التحديات المالية والتقنية.

5.2مرحلة الانطلاقة : بداية التشغيل الفعلي (2022)

شهدت سنة 2022 تحولاً نوعياً من مرحلة الإنشاء إلى مرحلة الاستثمار والإنتاج، وشكلت بذلك الانطلاقة الفعلية لعملية السقي في محيط أسجن. (AgriMaroc.ma, 2022)

شملت هذه الانطلاقة الأولى 600 هكتار مزروعة بالرمان، وهو اختيار استراتيجي مدروس. فالرمان يجمع بين عدة مزايا: قيمة تسويقية عالية في الأسواق الوطنية والدولية، تكيف جيد مع الظروف المناخية المحلية، واستهلاك معتدل نسبياً للمياه مقارنة ببعض المحاصيل الأخرى. كما أن فترة نضجه المتوسطة تتيح للفلاحين البدء في جني العوائد المالية بعد سنوات قليلة من الغرس. استفاد من هذه الشريحة الأولى حوالي 1,200 فلاح، توزعوا على عدة دواوير من الجماعات الثلاث (AgriMaroc.ma, 2022).

تميزت هذه المرحلة بمواكبة تقنية مكثفة قدمتها المصالح الفلاحية الإقليمية. فقد نُظمت دورات تكوينية عملية حول تقنيات الري بالتنقيط، العناية بأشجار الرمان، استعمال الأسمدة والمبيدات بشكل رشيد، وطرق مكافحة الآفات. كما تم تشجيع الفلاحين على التنظيم في إطار جمعيات محلية لمستعملي المياه، تتولى التنسيق مع الإدارة وتوزيع المياه بشكل عادل بين الأعضاء (المديرية الإقليمية للفلاحة بوزان 2022) .هذه المواكبة التقنية والتنظيمية كانت ضرورية لضمان نجاح التجربة الأولى، التي ستشكل نموذجاً يُحتذى للمراحل اللاحقة.

الشكل 5: صورة لأشجار رمان مروية – المصدر: البحث الميداني، 2022

.35 مرحلة التوسع (2022-2023)

خلال العامين التاليين، توسع المشروع تدريجياً ليشمل مساحات إضافية. حيث تم تجهيز 2,000 هكتار إضافية في إطار برنامج الفلاحة التضامنية، الذي يستهدف بشكل خاص صغار الفلاحين والفئات الهشة. شهدت هذه المساحات الجديدة تنويعاً في المحاصيل المزروعة، فإلى جانب الرمان، انتشرت زراعة الزيتون والتين والأعلاف والبستنة الموسمية (AgriMaroc.ma, 2024).

استفاد من هذا التوسع حوالي 3,000 فلاح إضافي، ليرتفع العدد الإجمالي للمستفيدين إلى أكثر من 4,200 فلاح. بلغت التكلفة التقديرية لتجهيز هذه المساحات بأنظمة الري بالتنقيط ما بين 100 و120 مليون درهم، تم تمويلها من ميزانية الدولة والدعم المخصص للاستثمارات الفلاحية(المديرية الإقليمية للفلاحة2022). كان هذا التوسع السريع نسبياً مؤشراً إيجابياً على قبول الفلاحين للمشروع ورغبتهم في الاستفادة من خدماته.

5.4 مرحلة التكثيف والتنويع (2024)

تميزت هذه المرحلة الجديدة بإدخال محاصيل متنوعة ذات قيمة مضافة عالية لم تكن مألوفة سابقاً في المنطقة. فإلى جانب الأشجار المثمرة التقليدية، تم تشجيع زراعة النباتات العطرية والطبية كإكليل الجبل والزعتر واللافندر، وهي نباتات تلقى طلباً متزايداً في الأسواق الأوروبية وتحقق أسعاراً مجزية. كما أُدخلت زراعة الشمندر السكري، التي تساهم في تقليص فاتورة استيراد السكر وتوفر دخلاً محترماً للفلاحين.

شملت هذه الشريحة الثالثة 100 هكتار مجهزة بالكامل بأحدث أنظمة الري بالتنقيط، مع تركيز خاص على الخضروات الموسمية كالطماطم والبصل والبطاطس (Médias24, 2024). هذا التوجه نحو البستنة يستجيب لرغبة الفلاحين في تحقيق دخل سريع، إذ أن الخضروات تعطي مردوداً في أشهر قليلة، بخلاف الأشجار المثمرة التي تحتاج سنوات لتبلغ مرحلة الإنتاج الكامل. غير أن البستنة تتطلب مهارات تقنية أعلى ومواكبة مستمرة، مما استدعى تكثيف البرامج التكوينية وزيارات الإرشاد الميداني.

الشكل 6: صورة لزراعة الشمندر السكري – المصدر: البحث الميداني،2024

 

بحلول نهاية عام 2024، يمكن تلخيص الإنجازات المحققة في الجدول التالي:

الجدول 1: مقارنة الأهداف المسطرة بالإنجازات الفعلية

المؤشر

الهدف المعلن

المحقق فعلياً

نسبة التحقق

المساحة المجهزة

2,500 هكتار

2,700+ هكتار

108%

عدد المستفيدين

5,000 فلاح

4,500 فلاح

90%

زيادة الدخل الفلاحي

613%

300-400%

50-65%

فرص الشغل (مرحلة الإنشاء)

1,000,000 يوم عمل

800,000-900,000 يوم عمل

85%

اقتصاد المياه

30-50%

25-35%

70-83%

اقتصاد الطاقة

20-30%

15-25%

75-83%

المصدر: تجميع الباحث من مصادر متعددة (وزارة الفلاحة، 2020؛ AgriMaroc.ma, 2024؛ Médias24, 2024)

تظهر هذه الحصيلة أن المشروع حقق إنجازات ملموسة في معظم المؤشرات، وتجاوز الأهداف في بعضها (المساحة المجهزة)، بينما بقي دون الأهداف المعلنة في مؤشرات أخرى، خاصة زيادة الدخل الفلاحي. هذا التفاوت يستدعي تحليلاً معمقاً للعوامل المفسرة والتحديات المواجهة.

6.الآثار الاقتصادية والاجتماعية والبيئية

6.1الأثر على الدخل الفلاحي

يشكل تحسين الدخل الفلاحي الهدف المركزي والمعيار الرئيسي لنجاح أي مشروع تنموي فلاحي. في حالة مشروع أسجن، كان الهدف المعلن طموحاً للغاية: مضاعفة الدخل أكثر من ست مرات (من 5,160 إلى 36,800 درهم/هكتار/سنة). هذا الهدف، رغم جاذبيته، يتطلب شروطاً مثالية قد لا تتحقق دائماً في الواقع الميداني.

المعطيات المتوفرة، المستقاة من التقارير الرسمية وشهادات بعض الفلاحين (البحث الميداني 2024) تشير إلى أن الدخل الفعلي للفلاحين المستفيدين ارتفع بمعدل يتراوح بين 300% و400%، أي من 5,160 درهم إلى حوالي 18,000-25,000 درهم للهكتار سنوياً (AgriMaroc.ma, 2024). رغم أن هذه الزيادة تقل عن الهدف المعلن بحوالي النصف، فإنها تبقى إنجازاً مهماً بمعايير التنمية القروية. فرفع الدخل ثلاثة إلى أربعة أضعاف في غضون سنوات قليلة يمثل تحولاً نوعياً في حياة آلاف الأسر.

هذا الفارق بين المستهدف والمحقق يمكن إرجاعه لعدة عوامل:

أولاً: عامل الزمن، إذ أن بعض المحاصيل الاستراتيجية كالزيتون والرمان تحتاج بين خمس إلى سبع سنوات لتبلغ مرحلة الإنتاج الكامل (Razouk et al., 2020). الكثير من الأشجار المزروعة في إطار المشروع لا تزال في مراحل النمو الأولى، ولم تصل بعد إلى طاقتها الإنتاجية القصوى.

ثانياً: تأثير الظروف المناخية، خاصة موجات الجفاف المتكررة منذ 2020، التي أدت إلى تقليص كميات المياه المتاحة للسقي وبالتالي انخفاض الإنتاجية (Agence Ecofin, 2025).

ثالثاً: منحنى التعلم، حيث يحتاج الفلاحون وقتاً للتحكم الكامل في التقنيات الجديدة وتطوير خبرتهم في المحاصيل التي لم يعتادوا زراعتها سابقاً (Akesbi, 2012).

رابعاً: صعوبات التسويق، إذ أن بعض المنتجات الجديدة كالنباتات العطرية لم تجد بعد أسواقاً منظمة تضمن أسعاراً مجزية.

رغم هذه القيود، لا يمكن إنكار الأثر الإيجابي الملموس على مستوى معيشة الفلاحين المستفيدين. شهادات عديدة من فلاحين محليين تؤكد التحسن الواضح في الدخل واستقراره على مدار العام، بدلاً من التقلبات الكبيرة التي كانت تميز الفلاحة البورية (مقابلات مع الفلاحيين2024)

6.2.خلق فرص الشغل وتثبيت الساكنة

يُعد خلق فرص الشغل أحد المؤشرات الحاسمة لنجاح أي مشروع تنموي. في حالة مشروع أسجن، تتوزع فرص الشغل المحدثة على عدة مستويات ومراحل.

خلال مرحلة الإنشاء (2016-2019)، وفرت أشغال البناء والتجهيز ما بين 800,000 و900,000 يوم عمل، استفادت منها مئات الأسر المحلية (وزارة الفلاحة، 2019). هذه الفرص، رغم كونها مؤقتة، ساهمت في ضخ سيولة مالية مهمة في المنطقة خلال سنوات الإنشاء، وساعدت العديد من الأسر على تحسين أوضاعها المعيشية وتسديد ديونها.

على المدى المتوسط والطويل، خلق المشروع فرص شغل دائمة تُقدر بـ 2,000 إلى 2,500 فرصة مباشرة في الأنشطة الفلاحية. هذه الفرص تشمل العمل في الحقول، صيانة أنظمة الري، تشغيل محطات الضخ، والإشراف التقني. إضافة إلى ذلك، تتولد فرص موسمية كثيفة خلال مواسم الزراعة والقطف، تُقدر بـ 5,000 إلى 7,000 فرصة سنوياً (AgriMaroc.ma, 2024). هذه الفرص الموسمية تستفيد منها بشكل خاص النساء والشباب، الذين يجدون فيها مصدراً للدخل يكمل موارد الأسرة.

الأثر الأهم ربما يتمثل في المساهمة في تثبيت الساكنة القروية والحد من الهجرة نحو المدن. فعندما تتوفر فرص عمل محلية ودخل محترم في الريف، تقل الدوافع للهجرة (De Haas, 2010). شهادات ميدانية عديدة تؤكد أن بعض الشباب الذين كانوا قد هاجروا إلى المدن عادوا إلى دواويرهم للاستفادة من الفرص التي وفرها المشروع. هذه العودة لا تعني فقط استقراراً اجتماعياً، بل تعني أيضاً احتفاظ المناطق القروية بطاقاتها الشابة والحيوية، وهو ما يعزز قدرتها على التنمية الذاتية.

6.3تمكين المرأة القروية

يشكل تمكين المرأة القروية أحد الأهداف الاستراتيجية لسياسة الجيل الأخضر، ومشروع أسجن حقق تقدماً ملموساً في هذا المجال. استفادت ما بين 800 إلى 1,000 امرأة بشكل مباشر من فرص العمل التي وفرها المشروع، خاصة في البستنة والنباتات العطرية وتربية النحل (وزارة الفلاحة، 2020). هذه الأنشطة، التي لا تتطلب مجهوداً بدنياً كبيراً، تتناسب مع الأدوار الاجتماعية التقليدية للمرأة وتسمح لها بالموازنة بين العمل الفلاحي والمسؤوليات الأسرية.

6.4تقوية النسيج الجمعوي

من الإنجازات المهمة للمشروع تعزيزه للنسيج الجمعوي المحلي من خلال إنشاء وتقوية جمعيات مستعملي المياه الفلاحية. هذه الجمعيات، التي تضم الفلاحين المستفيدين من خدمات المشروع، تلعب دوراً محورياً في التدبير اليومي للمياه وحل النزاعات وتمثيل مصالح الأعضاء أمام الإدارة (Houdret, 2012). تأسست عشرات الجمعيات المحلية على مستوى الدواوير، تنسق فيما بينها وتتعاون مع السلطات المحلية والمصالح الفلاحية.

تشكل هذه الجمعيات مدرسة حقيقية للديمقراطية المحلية والحكامة التشاركية رغم الصعوبات التي تواجهها أحياناً، تساهم في بناء رأسمال اجتماعي قوي وفي تعزيز الثقة المتبادلة بين الفلاحين (Putnam, 2000).

غير أن فعالية هذه الجمعيات تبقى متفاوتة، بعضها تمكن من تطوير تنظيم محكم وتدبير شفاف وحكامة جيدة، وأصبح نموذجاً يُحتذى. بعضها الآخر لا يزال يعاني من ضعف القدرات الإدارية والمالية، ومن نزاعات داخلية، ومن صعوبات في تحصيل واجبات الماء (البحث الميداني 2024). هذا التفاوت يعكس الحاجة إلى مواكبة مستمرة وبرامج تقوية القدرات المستدامة التي لا تتوقف بعد التأسيس الأولي للجمعيات.

6.الآثار البيئية : إيجابيات وتحديات

على الصعيد البيئي، حقق المشروع إنجازات مهمة في مجال اقتصاد الموارد الطبيعية. فيما يخص الماء، أظهرت القياسات أن أنظمة الري بالتنقيط حققت اقتصاداً يتراوح بين 25% و35% من المياه مقارنة بالطرق التقليدية (وزارة الفلاحة، 2020). هذا الاقتصاد، رغم أنه أقل من الهدف المعلن (30% إلى 50%)، يبقى إنجازاً مهماً في سياق الندرة المائية المتزايدة. هذا الاقتصاد يعني أن كل قطرة ماء تُستعمل بشكل أكثر فعالية، وأن المشروع يساهم في الإدارة المستدامة للموارد المائية.

على صعيد الطاقة، حقق المشروع اقتصاداً يتراوح بين 15% و25% من الكهرباء، بفضل استخدام مضخات ومحركات حديثة ذات كفاءة عالية، وبفضل التحكم الجيد في أوقات الضخ. هذا الاقتصاد الطاقوي يعني تقليص انبعاثات غازات الدفيئة المرتبطة بإنتاج الكهرباء، وبالتالي مساهمة في الجهود الوطنية لمكافحة التغيرات المناخية.

من أهم الفوائد البيئية للمشروع تخفيف الضغط على الفرشة المائية الجوفية. قبل المشروع، كان معظم الفلاحين يعتمدون على آبار فردية لضخ المياه الجوفية، مما أدى إلى استنزاف تدريجي للطبقات الجوفية وانخفاض منسوبها (El Harraki et al., 2021). مع انطلاق المشروع، تحول آلاف الفلاحين من الاعتماد على الآبار إلى مياه السد، مما أتاح للفرشة الجوفية فرصة للتجدد الطبيعي عبر التسرب الطبيعي لمياه الأمطار. هذا الأثر الإيجابي يساهم في الحفاظ على هذا المورد الاستراتيجي للأجيال القادمة.

غير أن المشروع يواجه أيضاً تحديات بيئية جديدة تتطلب يقظة ومعالجة استباقية. أبرز هذه التحديات يتعلق بـ الاستعمال المكثف للمدخلات الكيماوية، خاصة الأسمدة والمبيدات. فمع التكثيف الزراعي وإدخال محاصيل جديدة، زاد الاعتماد على هذه المواد لتحسين الإنتاجية ومكافحة الآفات. هذا الاستعمال المكثف يطرح مخاطر تلوث المياه السطحية والجوفية، تدهور جودة التربة على المدى الطويل، وآثار سلبية على الصحة العامة (Bouzid et al., 2020). لمواجهة هذا التحدي، يجب تكثيف برامج التوعية حول الاستعمال الرشيد والمتوازن للمدخلات، وتشجيع الممارسات الفلاحية الصديقة للبيئة كالزراعة العضوية والمكافحة البيولوجية.

تحدٍّ بيئي آخر يتعلق بـ إدارة النفايات الفلاحية، خاصة البلاستيكية منها. فأنظمة الري بالتنقيط، رغم فوائدها الكبيرة، تولد كميات معتبرة من الأنابيب والقطع البلاستيكية المستعملة التي تُرمى غالباً في الحقول أو على جوانب الطرق. كما أن البستنة تستعمل كميات كبيرة من الأكياس البلاستيكية والأغطية. في غياب نظام فعال لجمع وتدوير هذه النفايات، تتراكم في البيئة مسببة تلوثاً بصرياً وبيئياً. يتطلب هذا إنشاء نظام محلي لإدارة النفايات الفلاحية يشمل نقاط تجميع وآليات تدوير أو معالجة آمنة.

6.1 التحدي المناخي : الجفاف كتهديد وجودي

يمثل الجفاف المتكرر والمتفاقم التهديد الأكبر والأكثر إلحاحاً لاستدامة مشروع أسجن والمشاريع الهيدروفلاحية عموماً. منذ عام 2020، دخل المغرب في موجة جفاف استثنائية من حيث مدتها وشدتها. فللمرة الأولى في التاريخ الحديث، يعاني البلد من ست سنوات متتالية من العجز المطري، مما أدى إلى تراجع حاد ومقلق في مخزون السدود (Balaghi et al., 2022). فلأرقام الرسمية المعلنة في مطلع عام 2025 صادمة بكل المقاييس. فقد أعلت المصادر الرسمية للقطاع الوصي أن العجز المائي بلغ 53% مقارنة بمعدل الثلاثين سنة الماضية (Agence Ecofin, 2025). هذا يعني أن التساقطات المطرية لم تتجاوز نصف المعدل الطبيعي، وهو وضع كارثي بكل المعايير. الأخطر من ذلك، أن حجم المياه المتاح للقطاع الفلاحي على المستوى الوطني لا يتجاوز 766 مليون متر مكعب، أي أقل من 14% من احتياجات القطاع. هذا العجز الهائل يعني أن الغالبية العظمى من الأراضي المسقية ستعاني من نقص حاد في المياه، مما يهدد الإنتاج الفلاحي الوطني والأمن الغذائي.

على مستوى مشروع أسجن، يترجم هذا الوضع إلى تقليص حاد في كميات المياه المتاحة من سد واد المخازن. فالسد، كغيره من سدود المملكة، شهد انخفاضاً كبيراً في منسوبه ومخزونه. هذا أجبر المسؤولين على اتخاذ قرارات صعبة تتعلق بتقنين توزيع المياه وترتيب الأولويات. فمن جهة، يجب ضمان مياه الشرب للسكان، وهو أولوية قصوى لا يمكن المساومة عليها. من جهة أخرى، تحتاج الصناعة إلى حد أدنى من المياه لمواصلة نشاطها. ما يتبقى بعد تلبية هاتين الحاجتين الأساسيتين يُخصص للفلاحة، وهو للأسف قليل جداً.

بالنسبة للفلاحين المستفيدين من مشروع أسجن، تُرجم هذا الوضع إلى تقليص أيام السقي، تخفيض كميات المياه المخصصة لكل هكتار، وأحياناً انقطاع كامل لفترات طويلة. هذا التقنين القسري أثر بشكل مباشر على الإنتاجية والمردودية. بعض المحاصيل، خاصة الأشجار الفتية التي لم تترسخ جذورها بعد، تضررت بشكل كبير وبعضها جف تماماً. الخضروات الموسمية، التي تحتاج سقياً منتظماً، أعطت محاصيل ضعيفة أو فشلت كلياً. حتى الأشجار المثمرة المعمرة، رغم مقاومتها الأكبر، تأثرت سلباً من حيث كمية الثمار وجودتها (شهادات الفلاحيين).

هذا الوضع المناخي القاسي لا يؤثر فقط على الإنتاج الحالي، بل يزعزع ثقة الفلاحين في المستقبل. فكيف يمكن لفلاح أن يستثمر في غرس أشجار تحتاج سنوات لتنتج، إذا لم يكن متأكداً من توفر المياه لسقيها؟ كيف يمكنه الاقتراض من البنوك لتجهيز أرضه، إذا كان يخشى عدم قدرته على تسديد القرض بسبب انعدام الإنتاج؟ هذه التساؤلات الوجودية تطرح تحدياً نفسياً واقتصادياً عميقاً يتجاوز البعد التقني المحض.

6.2التحديات التقنية والتدبيرية

إلى جانب التحدي المناخي الكبير، يواجه المشروع تحديات تقنية وتدبيرية تؤثر على فعاليته وجودة الخدمات المقدمة. أول هذه التحديات يتعلق بـ صيانة البنيات التحتية الهيدروليكية. فالمنظومة المعقدة من المحطات والقنوات والأحواض والشبكات تحتاج إلى صيانة دورية ومنتظمة لضمان عملها الأمثل. لكن الواقع يكشف عن نقص في الميزانيات المخصصة للصيانة، وتأخيرات أحياناً في إصلاح الأعطاب، ومحدودية القطع المتوفرة محلياً.

6.3التحديات المالية وإشكالية التمويل المستدام

يواجه المشروع تحدياً مالياً جوهرياً يتعلق بـ تحصيل واجبات الماء من المستفيدين. فالمنطق الاقتصادي السليم يقتضي أن يساهم الفلاحون المستفيدون في تغطية تكاليف التشغيل والصيانة من خلال أداء مبالغ محددة مقابل كميات المياه المستهلكة. هذا النظام، المطبق في معظم المشاريع الهيدروفلاحية عالمياً، يضمن استدامة التمويل ويخلق شعوراً بالمسؤولية لدى المستفيدين (Ostrom, 1990).

غير أن الواقع الميداني يكشف عن صعوبات كبيرة في تطبيق هذا النظام. معدل التحصيل الفعلي لا يتجاوز 60% إلى 70%، مما يعني أن ثلث الواجبات المستحقة تقريباً لا تُحصّل (شهادات أحد جمعيات مستعملي المياه بالجماعة). هذا العجز في التحصيل له أسباب متعددة ومتشابكة:

أولاً: السبب الاقتصادي البحت، إذ أن بعض الفلاحين، خاصة في سنوات الجفاف حين ينخفض الإنتاج، لا يملكون فعلاً القدرة المالية على الأداء.

ثانياً: السبب الثقافي، يتعلق بما يمكن تسميته “ثقافة المجانية”. فلعقود طويلة، اعتاد الفلاحون المغاربة على استعمال المياه مجاناً، سواء من الأمطار أو من آبار خاصة لا تتطلب أداء واجبات لأحد. الانتقال فجأة إلى نظام يتطلب الأداء المنتظم مقابل الماء يصطدم بعقليات راسخة تعتبر الماء موهبة من الطبيعة لا يجب أن يُدفع مقابلها (Houdret, 2012). هذه العقلية، رغم عدم واقعيتها في سياق المشاريع الحديثة، لا تزال سائدة لدى شريحة من الفلاحين.

عواقب هذا الضعف في التحصيل وخيمة على استدامة المشروع. فالأموال المفترض تحصيلها ضرورية لتمويل الصيانة الدورية، شراء قطع الغيار، دفع فواتير الكهرباء للضخ، وأجور العمال التقنيين. حين تنقص هذه الموارد، تتراجع جودة الصيانة، تتراكم الأعطاب، وتتدهور الخدمة تدريجياً. هذا التدهور يبرر بدوره عزوف بعض الفلاحين عن الأداء، بحجة أن الخدمة المقدمة لا تستحق المبلغ المطلوب، فتدخل المنظومة في حلقة مفرغة (Molle & Berkoff, 2007).

ولكسر هذه الحلقة، تحتاج جمعيات مستعملي المياه إلى تعزيز قدراتها المالية والإدارية. يجب تطوير أنظمة محاسبية شفافة وواضحة، نشر تقارير دورية عن الإيرادات والمصاريف، إشراك الأعضاء في القرارات المالية الكبرى، وتفعيل آليات ردعية متدرجة ضد المتخلفين عن الأداء. في الوقت نفسه، يجب أن تُظهر الجمعيات التزاماً قوياً بتحسين جودة الخدمة، حتى يشعر الفلاحون أن ما يدفعونه يُستثمر فعلاً في خدمتهم.

6.4التحديات الاجتماعية والنزاعات المحتملة

في أي مشروع يتعلق بمورد حيوي ونادر كالماء، تبرز حتماً توترات ونزاعات حول التوزيع العادل والولوج المتساوي. في مشروع أسجن، حيث تنشأ بين فلاحين حول أولوية السقي. فحين تكون المياه شحيحة، كما هو الحال حالياً، وتُضطر الإدارة إلى تنظيم السقي بالتناوب، يشعر البعض أنهم يحصلون على نصيب أقل أو توقيت أسوأ من الآخرين.

أحياناً، تظهر توترات الفلاحين حيث يشعر أحدهم أنه مهمش أو يحصل على كميات أقل من المياه، هذا الشعور بالإجحاف، سواء كان مبنياً على وقائع فعلية أو مجرد تصورات خاطئة، يمكن أن يتطور إلى نزاعات جماعية تهدد التماسك الاجتماعي. كما تظهر أحياناً خلافات حول نوعية المحاصيل التي يجب أن تُعطى الأولوية في السقي: هل الأشجار المثمرة المعمرة التي تمثل استثماراً طويل الأمد، أم الخضروات الموسمية التي توفر دخلاً سريعاً؟

لمواجهة هذه النزاعات المحتملة، تلعب جمعيات مستعملي المياه دوراً حاسماً كفضاء للحوار وحل النزاعات. فالجمعيات الفعالة تنجح في وضع قواعد واضحة وشفافة لتوزيع المياه، يتفق عليها الجميع ويلتزم بها الجميع (Meinzen-Dick, 2007). هذه القواعد تأخذ في الاعتبار معايير متعددة كالمساحة المزروعة، نوع المحاصيل، البعد عن نقطة التزويد، وحتى الوضعية الاجتماعية للفلاح. كما تُنشئ الجمعيات لجاناً للتحكيم تتدخل عند نشوب نزاعات، مستفيدة من حكمة الأعيان والوجهاء المحليين.

تحدٍّ اجتماعي آخر يتعلق بـ مقاومة بعض الفلاحين التقليديين للتغيير. رغم الفوائد الواضحة للمشروع، يبقى هناك دائماً من يفضل البقاء على الطرق القديمة المألوفة، خوفاً من المجهول أو عدم ثقة في الوعود الرسمية. هؤلاء قد يرفضون الانخراط في المشروع، أو يشككون في جدواه، أو حتى يثبطون همم الآخرين. التعامل مع هذه المقاومة يتطلب صبراً وحكمة، واستخدام نماذج محلية ناجحة لإقناع المترددين (Rogers, 2003).

6.5التحديات التسويقية ومحدودية القيمة المضافة

تحقيق إنتاج فلاحي وفير وذي جودة عالية لا يكفي وحده لضمان نجاح المشروع. فالإنتاج يجب أن يُسوَّق بأسعار مجزية تحقق للفلاح ربحاً معقولاً يحفزه على الاستمرار والتطور. هنا يكمن أحد أكبر تحديات مشروع أسجن: ضعف البنيات التسويقية ومحدودية القدرة على تثمين المنتجات.

المنطقة تفتقر إلى أسواق محلية مجهزة للجملة، حيث يمكن للفلاحين بيع منتجاتهم مباشرة بأسعار تنافسية. معظم الفلاحين يبيعون لوسطاء ووكلاء يأتون إلى الحقول، يشترون بأسعار منخفضة ويبيعون في المدن بأسعار مضاعفة (Akesbi, 2012). هذا النظام يحرم الفلاح من جزء كبير من القيمة المضافة لمنتجه. المشكلة تتفاقم مع المنتجات الجديدة كالنباتات العطرية والرمان عالي الجودة، حيث يجهل الفلاحون قيمتها الحقيقية ويبيعونها بأسعار لا تعكس جودتها.

غياب وحدات التبريد والتخزين يشكل عائقاً آخر. فالخضروات والفواكه الطازجة تتلف بسرعة في الحرارة، مما يضطر الفلاح إلى بيعها فوراً حتى لو كانت الأسعار متدنية. لو توفرت مخازن مبردة جماعية، لأمكن الاحتفاظ بالمنتجات لأيام أو أسابيع، وبيعها في توقيت أفضل أو في أسواق أبعد وأكثر ربحاً. كذلك، غياب معامل التحويل والتثمين يحرم المنطقة من فرص خلق قيمة مضافة محلياً. فبدل تصدير الرمان الطازج بسعر عادي، يمكن تحويله إلى عصير أو مربى أو منتجات تجميلية، بأسعار أعلى بكثير (Ait Hou et al., 2016).

المنافسة من مناطق أخرى أكثر تنظيماً تشكل تحدياً إضافياً. فمناطق كسوس أو الغرب أو الحوز، التي تتمتع ببنيات تسويقية متطورة وسمعة راسخة، تهيمن على الأسواق الكبرى. منتجات أسجن، رغم جودتها المحتملة، تصل متأخرة وبدون علامة تمييز، فتُباع بأسعار أقل. لمواجهة هذا، يحتاج الفلاحون إلى تطوير هوية منتجاتهم، ربما عبر علامة جغرافية أو شهادة جودة، تميزها في السوق وتبرر أسعاراً أفضل.

التعاونيات الفلاحية يمكن أن تلعب دوراً محورياً في حل هذه المشاكل التسويقية. فبدل أن يبيع كل فلاح إنتاجه الصغير بشكل فردي بموقف ضعيف أمام الوسطاء، يمكن للتعاونية أن تجمع إنتاج العشرات أو المئات، وتفاوض جماعياً من موقف قوة. التعاونية يمكنها أيضاً الاستثمار في التجهيزات المشتركة كالثلاجات ووسائل النقل، وتطوير علامة تجارية خاصة، والبحث عن أسواق جديدة محلياً ودولياً. لكن هذا يتطلب تعاونيات قوية ومحترفة، وليس مجرد هياكل شكلية موجودة على الورق فقط (Mahdi, 2014).

7.الخلاصة والتوصيات :

7.1 الخلاصة:

تمكن هذه الدراسة من استخلاص صورة مركبة تجمع بين الإنجازات الملموسة والتحديات الجسيمة. فمن جهة، حقق المشروع تقدماً حقيقياً في تحويل حياة آلاف الأسر القروية، البنية التحتية المنجزة، المساحات المجهزة (2,700+ هكتار)، المحاصيل الجديدة المدخلة، وارتفاع دخل الفلاحين بمعدلات تتراوح بين 300% و400%، كلها مؤشرات إيجابية تستحق الاعتراف والتقدير.

التجربة أثبتت أن التحول من الفلاحة البورية التقليدية إلى الفلاحة المسقية الحديثة ممكن وفعال، حتى في مناطق تعاني من الفقر والهشاشة. المشروع نجح في إشراك آلاف الفلاحين الصغار، تمكين المئات من النساء، تقوية النسيج الجمعوي، وخلق آلاف فرص الشغل. هذه الإنجازات الاجتماعية تتجاوز الأرقام والإحصاءات، لتلامس حياة بشرية ملموسة وطموحات إنسانية مشروعة في عيش كريم.

لكن من جهة أخرى، يواجه المشروع اليوم تحديات وجودية تهدد استدامته. الجفاف المستمر والعجز المائي الحاد (53% في 2024-2025)، اللذان يشكلان التهديد الأكبر، يضعان المشروع أمام امتحان عسير

وتحديات تدبيرية ومالية، رغم كونها أقل إثارة إعلامياً من الجفاف، لا تقل خطورة. ضعف التحصيل (60-70%)، محدودية الموارد للصيانة، صعوبات بعض الجمعيات في التنظيم والإدارة، كلها مشاكل تتراكم تدريجياً وقد تؤدي، إن لم تُعالج، إلى تدهور البنيات وتراجع الخدمات.

هذا بالإضافة إلى تحديات تسويقية تذكّر بأن الإنتاج الفلاحي ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لتحقيق دخل لائق، فمهما أنتج الفلاح من محاصيل جيدة، فإن عجزه عن تسويقها بأسعار مجزية يحبط طموحاته ويهدد استمراريته.

7.2التوصيات الاستراتيجية

بناءً على التحليل المعمق للمشروع وتحدياته، نقترح التوصيات التالية:

  • استراتيجيات التكيف مع الجفاف والتغيرات المناخية

التوصية 1: تنويع مصادر المياه

  • حصاد مياه الأمطار: تشجيع الفلاحين على إنشاء صهاريج فردية أو جماعية لتخزين مياه الأمطار
  • الحصاد المائي على مستوى الأحواض: تطبيق تقنيات تبطئ جريان المياه وتسمح بتسربها إلى الفرشة الجوفية

التوصية 2: اختيار محاصيل متكيفة مع الندرة المائية

  • توجيه البحث الفلاحي نحو تحديد الأصناف والمحاصيل التي تعطي مردودية معقولة باستهلاك مائي محدود
  • تشجيع زراعة أصناف حديثة من الزيتون والتين ذات قدرة عالية على مقاومة الجفاف (Balaghi et al., 2022)
  • تثبيط المحاصيل المستهلكة جداً للماء كالبطيخ والأفوكادو

التوصية 3: تطوير تقنيات الري الدقيق

  • استخدام أجهزة استشعار رطوبة التربة لتحديد متى تحتاج النباتات فعلاً للسقي
  • محطات أرصاد فلاحية محلية لتوفير بيانات دقيقة عن الطقس
  • تحسين الحكامة ورقمنة التدبير

التوصية 4: رقمنة التدبير المائي

  • تركيب عدادات ذكية مع قراءة إلكترونية عن بعد
  • تطبيقات هواتف ذكية للمسيرين لمراقبة الاستهلاك والتحكم في الضخ

التوصية 5: تقوية قدرات جمعيات مستعملي المياه

  • برامج تكوينية متخصصة في الإدارة، المحاسبة، القانون، وحل النزاعات
  • تبادل التجارب مع جمعيات ناجحة وطنياً ودولياً
  • مواكبة قانونية دائمة من طرف متخصصين
  • تعزيز الشفافية عبر نشر تقارير مالية دورية وإشراك الأعضاء في القرارات
  • تطوير البنيات التسويقية وسلاسل القيمة

التوصية 6: إنشاء بنيات تسويقية محلية

  • إنشاء سوق جملة مجهز بمساحات عرض ووحدات تبريد
  • وحدات تبريد وتخزين جماعية تُدار من طرف التعاونيات
  • معامل تحويل صغيرة أو متوسطة (عصير رمان، زيوت عطرية، مربيات)

التوصية 7: تطوير علامات جغرافية وشهادات جودة

  • تسجيل “رمان أسجن” أو “زيت زيتون أسجن” كعلامات جغرافية محمية
  • الحصول على شهادات الزراعة العضوية أو التجارة العادلة

التوصية 8: تقوية التعاونيات الفلاحية

  • دعم التعاونيات بالتجهيزات المشتركة (ثلاجات، نقل، تعبئة)
  • تكوين مسيري التعاونيات في التسويق والتدبير
  • تسهيل الولوج إلى الأسواق الوطنية والدولية
  • الإطار المؤسساتي والتمويلي

التوصية 9: تطوير آليات تمويل مبتكرة

  • إنشاء صندوق خاص للطوارئ المناخية
  • تعميم التأمين الفلاحي ضد الجفاف بأقساط مدعومة

التوصية 10: تعزيز البحث والابتكار

  • إنشاء محطة تجريبية محلية لاختبار أصناف وتقنيات جديدة
  • دراسات معمقة حول علاقة الماء-النبات في الظروف المحلية
  • تشجيع الابتكار التكنولوجي (طائرات بدون طيار، ذكاء اصطناعي، استشعار عن بعد)

8.الخاتمة

تقدم تجربة المشروع الهيدروفلاحي للمحيط السقوي أسجن دروساً قيمة تتجاوز السياق المحلي تتمثل أولا في أهمية التخطيط طويل الأمد والرؤية الاستراتيجية الواضحة مع أهداف قابلة للقياس ومؤشرات لتتبع التقدم. وضرورة المشاركة الفعلية للمستفيدين في جميع مراحل المشروع، من التخطيط إلى التنفيذ والتقييم، لضمان القبول والالتزام. بالإضافة إلى التكامل بين المشاريع فالمشروع الهيدروفلاحي وحده لا يكفي ويجب أن يصاحبه تطوير للبنيات التحتية الأساسية ودعم للتسويق وتكوين مستمر، إدماج التكيف المناخي في صلب التخطيط أصبح ضرورة ملحة، مع وضع خطط طوارئ واستراتيجيات تكيف مدمجة منذ البداية وأهم عنصر هو الاستدامة المالية، فالاستمرارية تتطلب نموذجاً اقتصادياً متيناً يوازن بين قدرة الفلاحين على الأداء والحاجة إلى موارد كافية للتشغيل والصيانة.

في نهاية المطاف، مشروع أسجن ليس مجرد بنيات هيدروليكية وأنظمة ري، بل هو رهان على إمكانية التنمية المستدامة في ظل الندرة، ونموذج لما يمكن أن تحققه الإرادة السياسية حين تلتقي بالعمل الميداني الجاد والمشاركة الفعلية للمستفيدين. إن تطوير هذا الرهان، وتحسين هذا النموذج، مسؤولية جماعية تتطلب تضافر جهود الجميع: الدولة، الجماعات الترابية، المجتمع المدني، القطاع الخاص، والفلاحين أنفسهم.

المراجع

المصادر باللغة العربية:

وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات. (2017). مشروع التهيئة الهيدروفلاحية لمحيط أسجن. الرباط، المغرب.

وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات. (2019). التقرير السنوي حول تقدم مشروع أسجن. الرباط، المغرب.

وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات. (2020). استراتيجية الجيل الأخضر 2020-2030. الرباط، المغرب.

المملكة المغربية. (2020). الخطة الوطنية للمياه 2020-2050. الرباط، المغرب.

وكالة الحوض المائي للوكوس (ABHILOU). (2019). تقرير حول الوضع المائي لحوض اللوكوس. العرائش، المغرب.

وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات. (2024). المديرية الإقليمية للفلاحة بوزان. تقارير السنوية حول المشروع الهيروفلاحي للمحيط السقوي أسجن امزفرون

نسرين كنفاوي. (2023). الاستثمار الفلاحي وآثره على التنمية الترابية بجماعة أسجن إقليم وزان. أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في الجغرافيا البشرية. جامعة عبد المالك السعدي. تطوان.

المواقع الإليكترونية:

AgriMaroc.ma. (2022، 1 أبريل). https://www.agrimaroc.ma

AgriMaroc.ma. (2024، 4 أبريل). https://www.agrimaroc.ma

Médias24. (2024، 4 أبريل. https://www.medias24.com

La Vie Éco. (2015). https://www.lavieeco.com

Agence Ecofin. (2025). https://www.agenceecofin.com

المصادر باللغات الأجنبية:

Ait Hou, M., Boujnah, M., & El Keroumi, A. (2016). Value chain analysis of pomegranate in Morocco : Challenges and opportunities. International Journal of Agricultural Management, 5(3), 45-58.

Akesbi, N. (2012). Une nouvelle stratégie pour l’agriculture marocaine : Le Plan Maroc Vert. New Medit, 11(2), 12-23.

Balaghi, R., Jlibene, M., Tychon, B., & Eerens, H. (2013). Agrometeorological cereal yield forecasting in Morocco. INRA Publication, Rabat.

Balaghi, R., Ouassou, A., & Ziad, A. (2022). Climate change impacts on water resources and agriculture in Morocco. African Journal of Environmental Science and Technology, 16(4), 156-168.

Belghiti, M. (2005). Gestion de l’irrigation et du drainage au Maroc. In Management of Irrigation and Drainage Systems (pp. 78-92). FAO Publications.

Benouniche, M., Kuper, M., Hammani, A., & Boesveld, H. (2014). Making the user visible: Analysing irrigation practices and farmers’ logic to explain actual drip irrigation performance. Irrigation Science, 32(6), 405-420.

Bouzid, S., Aboudi, A., & Sebbar, A. (2020). Assessment of pesticide contamination in agricultural soils of northern Morocco. Environmental Monitoring and Assessment, 192(8), 1-15.

Bouzidi, Z., Fader, M., Bowling, L. C., & Msanda, F. (2018). Irrigation water management in the Loukkos basin (Morocco): Water use efficiency and environmental impacts. Agricultural Water Management, 204, 23-35.

Choukr-Allah, R., Ragab, R., & Bouchaou, L. (Eds.). (2016). Water resources in arid areas: The way forward. Springer.

Creswell, J. W., & Creswell, J. D. (2017). Research design: Qualitative, quantitative, and mixed methods approaches (5th ed.). Sage Publications.

De Haas, H. (2010). Migration and development: A theoretical perspective. International Migration Review, 44(1), 227-264.

Denzin, N. K. (2017). The research act: A theoretical introduction to sociological methods. Routledge.

El Harraki, W., Ouazar, D., Sbai, A., & Chehbouni, A. (2021). Groundwater management in semi-arid zones: Case study of the Saïss aquifer (Morocco). Hydrogeology Journal, 29(3), 1167-1182.

FAO. (2023). The state of food security and nutrition in the world 2023. Food and Agriculture Organization of the United Nations.

Harbouze, R., Pellissier, J. P., Rolland, J. P., & Khechimi, W. (2019). Rapport de synthèse sur l’agriculture au Maroc. CIHEAM-IAMM.

Houdret, A. (2012). The water connection: Irrigation, water grabbing and politics in southern Morocco. Water Alternatives, 5(2), 284-303.

Hssaisoune, M., Bouchaou, L., Sifeddine, A., Bouimetarhan, I., & Chehbouni, A. (2020). Moroccan groundwater resources and evolution with global climate changes. Geosciences, 10(2), 81.

Jaouani, A., Sayadi, S., Khomri, I., Messaoud, M., & Boudhrioua, N. (2018). Wastewater reuse for irrigation in Tunisia: Opportunities and challenges. Arabian Journal of Geosciences, 11(16), 467.

Karmaoui, A., & Balica, S. F. (2021). A new flood vulnerability index adapted for the pre-Saharan region. International Journal of River Basin Management, 19(1), 93-107.

Kuper, M., Hammani, A., Chohin, A., Garin, P., & Bluemling, B. (2016). When groundwater takes over: Linking 40 years of agricultural and groundwater dynamics in a large-scale irrigation system in Morocco. Irrigation and Drainage, 65(S1), 45-53.

Mahdi, M. (2014). Les coopératives féminines au Maroc: Entre logiques économiques et dynamiques sociales. Revue Marocaine des Sciences Agronomiques et Vétérinaires, 2(1), 32-45.

Meinzen-Dick, R. (2007). Beyond panaceas in water institutions. Proceedings of the National Academy of Sciences, 104(39), 15200-15205.

Molle, F., & Berkoff, J. (2007). Irrigation water pricing: The gap between theory and practice. CABI Publishing.

Ostrom, E. (1990). Governing the commons: The evolution of institutions for collective action. Cambridge University Press.

Perret, S. (2002). Water policies and smallholding irrigation schemes in South Africa: A history and new institutional challenges. Water Policy, 4(3), 283-300.

Putnam, R. D. (2000). Bowling alone: The collapse and revival of American community. Simon & Schuster.

Razouk, R., Chaoui, M., & Charafi, J. (2020). Pomegranate cultivation in Morocco: Current status and future prospects. Acta Horticulturae, 1286, 41-48.

Rogers, E. M. (2003). Diffusion of innovations (5th ed.). Free Press.

Royaume du Maroc. (2020). Stratégie nationale de l’eau 2020-2050. Ministère de l’Équipement, du Transport, de la Logistique et de l’Eau.

Salhi, N., Fauconnier, M. L., Bouseta, A., Tahri, M., & Sindic, M. (2017). Aromatic and medicinal plants in Morocco: A review of their traditional uses, essential oil composition and biological activities. Journal of Essential Oil Research, 29(4), 279-295.

World Bank. (2022). Morocco – Promoting agriculture sector growth and jobs creation. World Bank Group.

Yin, R. K. (2018). Case study research and applications: Design and methods (6th ed.). Sage Publications.