تحولات المجتمع وأثرها على أخلاقيات الطلبة وجودة التعليم والاستراتيجيات المناسبة للتكيف والتطوير

Societal Transformations and Their Impact on Students’ Ethics, Quality of Education, and Strategies for Adaptation and Development

إكرام خمايسي عوده1

1 جامعة النجاح الوطنية، فلسطين.

بريد الكتروني: s12387298@stu.najah.edu

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj611/9

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/611/9

المجلد (6) العدد (11). الصفحات: 137 - 155

تاريخ الاستقبال: 2025-10-07 | تاريخ القبول: 2025-10-15 | تاريخ النشر: 2025-11-01

Download PDF

المستخلص: تهدف هذه الدراسة النوعية إلى استكشاف تأثير التحولات المجتمعية المتسارعة الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، والتكنولوجية على أخلاقيات الطلبة وجودة التعليم في المدارس الثانوية. اعتمدت الدراسة على نظرية التعلم الاجتماعي لباندورا، واستخدمت أدوات المقابلات في خمس مدارس في منطقة الناصرة، وتوصلت النتائج إلى وجود تراجع ملحوظ في القيم الأخلاقية لدى الطلبة مثل الاحترام والانضباط، وتأثرهم الكبير بوسائل التواصل الاجتماعي، وضعف العلاقة بين المدرسة والأسرة، وغياب استراتيجيات مؤسسية فعالة للتكيف مع هذه التغيرات، كما أظهرت الدراسة أن جودة التعليم باتت ترتبط بشكل وثيق بالسياق القيمي والتربوي، مما يستدعي تبني استراتيجيات جديدة مرنة تشمل دور المعلم، وتوظيف التكنولوجيا في التعلم، وتعزيز الشراكة مع الأسرة والمجتمع، وأوصت الدراسة بدمج البعد القيمي في السياسات التعليمية، وتطوير برامج تدريب مهني للمعلمين، وإجراء دراسات نوعية إضافية لفهم أعمق لتأثير التحولات المجتمعية على البيئة التعليمية.

الكلمات المفتاحية: التحولات المجتمعية، أخلاقيات الطلبة، جودة التعليم، استراتيجيات التكيف والتطوير، نظرية التعلم الاجتماعي.

Abstract: This qualitative study aims to explore the impact of accelerated societal transformations social, cultural, economic, and technological on students’ ethics and the quality of education in secondary schools. The study is grounded in Bandura’s Social Learning Theory and employs semi-structured interviews and field observations in five schools in the Nazareth region. Findings reveal a significant decline in students’ ethical behaviors such as respect and discipline, largely influenced by digital environments. There is also a noticeable weakening of the school family relationship and a lack of institutional strategies to adapt to these changes. The study emphasizes that educational quality is now tightly linked to the ethical and behavioral context within schools. The study recommends integrating ethical dimensions into educational policy, offering advanced professional development for teachers, and conducting further qualitative research to better understand the impact of societal changes on the educational environment.

Keywords: Adaptation and Development Strategies, Social Learning Theory.

المقدمة

يشهد المجتمع الحديث تحولات مُتسارعة على مُختلف المستويات منها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، والتكنولوجية والتربوية. التي تنعكس بشكل مُباشر على منظومة التعليم (عساف، 2022)، كما إن طبيعة العلاقة بين المواثيق الأخلاقية والمناخ التعليمي والبيئة المدرسية تُعد عاملاً محورياً في تحقيق جودة التعليم، إذ تسهم في مواءمته مع معايير الاستراتيجيات الحديثة للتكيف والتطوير بما يتناسب مع التحولات المجتمعية (الشريف، 2022)، وأكد Delgado, et al. (2025) أن المناخ المدرسي الإيجابي يُعد عاملا حاسما في رفع الأداء وضمان استدامة جودة التعليم.

ويرى مقداد (2022) أنّ تحولات المجتمع مرتبطة بشكل أساسي بديناميكية المجتمع وتحولاته البنيوية العميقة التي تحدث نتيجة عوامل داخلية وخارجية، وتنعكس على سلوك الأفراد ومؤسسات المجتمع والمدرسة، وظهرت تحولات مجتمعية بشكل كبير في السنوات الأخيرة في المجتمعات العربية، وكان لها أثر بالغ على منظومة القيم والعلاقات الاجتماعية وجودة الحياة تبعاً لسبب أن الأخلاقيات لها دور مهم في تحقيق التوافق الاجتماعي للأفراد داخل المجتمع (ثلاجيه وبالهواش، 2020)، وتتميز تحولات المجتمع بالتغير من حال إلى حال، فهي ليست ذات طابع واحد مستمر على مدار السنين، وانما تمر بعمليات متعددة ومختلفة من التغير الاجتماعي، فنحن نعيش في عالم متغير ومتسارع وان كانت بعض المجتمعات تسير على وتيرة بطيئة إلا أنها مُتغيرة (أبو ساق وعين، 2021).

وأشار Hirata et al. (2024) أن توافق تصورات المعلمين والطلبة حول المناخ التعليمي يسهم في خلق بيئة مدرسية أكثر عدلا وانضباطا، ويضيف عنانزة وعزام (2024) أنّ تحولات المجتمع تؤثر على نمط حياة الأفراد وتفاعلهم مع بيئتهم الداخلية والخارجية، حيث إن ضعف دور الاسرة الرقابي والتربوي أثر على التزام الطلبة الأخلاقي داخل المدرسة، كما أن التحول والضغط الاقتصادي ساهم في تقليل تفعيل دافعية التعلم وزيادة التسرب المدرسي.

وسبّب الانفتاح الثقافي والعولمة ارتباك قيمي وسلوكي لدى بعض الطلبة، وأدى التحول التكنولوجي والرقمي الى ضعف التركيز والتأثر بسلوكيات غير تربوية عبر الانترنت (صانور وزيدان، 2023)، ولذا فمن الممكن للقيادة المدرسية أن تعزز السلوكيات الاجتماعية الإيجابية لدى الطلبة وتدعم التزامهم الأخلاقي (Daas et al., 2023).

وتؤكد هذه التحولات حدوث شرخ في القيم، إذ غلبت القيم الفردية على حساب القيم الجماعية بسبب تغير نمط الحياة والضغوط الناتجة عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية، فانعكست على دافعية الطلبة، ونقص في مستوى الشعور بجودة الحياة وازدياد الضغوط الحياتية التي يتعرضون لها، والتي ساهمت في زعزعة مكانة المعلم باعتباره مصدرا للقيم مما أضعف سلطته التربوية داخل المدرسة (الصادق، 2020).

وهذا ما يُلقي على عاتق المدرسة مسؤولية كبيرة تُولد تحديات كثيرة، التي تحتاج من كادرها مواكبة هذه التحولات وضرورة الاهتمام بأخلاقيات مهنة التعليم وتفعيلها والتوعية بها وذلك بترسيخها داخل وخارج المدرسة من قبل المعلم، باعتباره قدوة ومربي لطلبته ومجتمعه، وتوعيته للطلبة بأبعاد أكثر إيجابية وتربوية وفعالة (الخويلدي، 2022)، وباستخدام واستثمار التطورات والتحولات المتسارعة في تنمية الثقافة الرقمية كاستراتيجية للتكيف معها والقيام بتطويرها من خلال عصر التكنولوجيا والتقدم العلمي، لتوفير فرصة تمنح المجتمع الدخول الى مجتمع المعلومات وتطويره اجتماعياً والاستفادة منه ايجابياً، مما ينعكس على سلوكيات الطلبة وجودة التعليم (عبد المعطي وآخرون، 2024).

لذا تأتي هذه الدراسة في ظل ما يشهده الواقع التعليمي من تحولات قيمية وسلوكية بهدف فهم أعمق لعلاقة هذه التحولات بجودة التعليم وأخلاقيات الطلبة، ودور المعلمين في مواجهة التحديات.

مشكلة الدراسة

تتمثل مشكلة الدراسة في تحولات المجتمع المعاصرة وتأثيرها على أخلاقيات الطلبة وجودة التعليم، في ظل التغيرات الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، والتكنولوجية التي يشهدها المجتمع، إذ أن هذه التحولات أدت إلى تغييرات ملحوظة في سلوكيات الطلبة ودور الأسرة والمعلمين في توجيههم، مما أثر على التزامهم الأخلاقي داخل المدرسة وعلى تفاعلهم مع البيئة التعليمية (العدواني، 2024).

وهذه التحديات تستدعي ضرورة تطوير استراتيجيات تكيف فعّالة من قبل المعلمين والإداريين لمواكبة هذه التحولات، مع التركيز على تعزيز القيم الأخلاقية وتطوير المهارات التعليمية باستخدام التقنيات الحديثة، مما تبرز الحاجة إلى دراسة استراتيجيات التكيف والتطوير التي تساهم في تحسين جودة التعليم، وضمان استمرارية تحسين أخلاقيات الطلبة في ظل هذه التغيرات المتسارعة (الدهشان ومحمود، 2021).

ورغم أهمية التحولات المجتمعية المتسارعة على أخلاقيات الطلبة وجودة التعليم في السياقات العربية، خاصة في ظل التحولات التكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها المجتمعات. ورغم أن الدراسات السابقة قد أظهرت أهمية هذه التحولات وتأثيرها الكبير على سلوك الطلبة والممارسات التعليمية، إلا أن هناك قلة في البحث الذي يتناول كيفية تكيف المؤسسات التعليمية مع هذه التحولات بشكل شمولي، يتضمن استراتيجيات تنمية أخلاقيات الطلبة وجودة التعليم، وكما تظهر الحاجة الى دراسة تتناول دور المعلمين في تفعيل القيم الأخلاقية في ظل التطورات التكنولوجية والتربوية، وكيفية تأثير هذه التحولات على الأداء التربوي واستراتيجيات التكيف التي يمكن تبنيها لضمان تحسين جودة التعليم.

وبناءُ على ما سبق تسعى هذه الدراسة الى اكتشاف كيف تؤثر تحولات المجتمع على أخلاقيات الطلبة وجودة التعليم، وتحديد الاستراتيجيات المناسبة للتكيف والتطوير في ظل هذه التحولات.

أهداف الدراسة

تهدف هذه الدراسة إلى:

  1. تحليل تأثير التحولات المجتمعية المعاصرة (التكنولوجية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية) على أخلاقيات الطلبة داخل البيئة المدرسية والتعليمية.
  2. تحديد انعكاس هذه التحولات على جودة التعليم من حيث العملية التعليمية، والتفاعل الصفي، ومخرجات التعلم.
  3. استكشاف استراتيجيات التكيف والتطوير التي تعتمدها المؤسسات التعليمية لمواجهة تأثيرات التحولات المجتمعية على القيم والسلوكيات الطلابية.
  4. اقتراح توجهات تربوية عملية لتعزيز القيم الأخلاقية وتحسين جودة التعليم في ظل التغيرات المتسارعة في المجتمع.

أهمية الدراسة

الأهمية النظرية: تتمثل الأهمية النظرية لهذا البحث في إثراء الإطار النظري حول العلاقة بين تحولات المجتمع وأثرها على أخلاقيات الطلبة وجودة التعليم، من خلال تحليل عميق للجوانب الاجتماعية، والاقتصادية، والتكنولوجية، والثقافية المؤثرة في المنظومة التربوية، كما يسهم البحث في تقديم فهم متكامل لمفهوم التكيف التربوي واستراتيجيات التطوير، مما يدعم أدبيات التربية في السياقات المتغيرة ويعزز دور القيم في بناء مجتمع متوازن ومتماسك.

الأهمية التطبيقية: تتجلى الأهمية التطبيقية للبحث في إمكانية الاستفادة من نتائجه من قِبل المعلمين والإدارات المدرسية وصنّاع القرار التربوي، في تصميم وتنفيذ استراتيجيات واقعية للتعامل مع التحديات الناتجة عن التحولات المجتمعية، علاوة على ذلك، يوفر البحث ممارسات مقترحة لتفعيل أخلاقيات مهنة التعليم، وتحسين جودة التعليم باستخدام أدوات التكيف الحديثة، وبذلك يدعم بناء بيئة تعليمية أكثر مرونة وقدرة على الاستجابة للمتغيرات.

الأهمية البحثية: تبرز الأهمية البحثية لهذا البحث في سد فجوة معرفية قائمة تتعلق بقلة الدراسات النوعية التي تدمج بين التحليل الأخلاقي والتربوي في ظل التحولات المجتمعية، وخاصة في السياقات العربية. ويُعد هذا البحث من المحاولات القليلة التي تركز على دراسة استراتيجيات التكيف والتطوير من منظور شامل يربط بين السلوك الطلابي وجودة التعليم، مما يفتح المجال لمزيد من الدراسات المستقبلية في هذا المجال الحيوي.

تقتصر الدراسة على الحدود الاتية:

الحد الموضوعي: تتناول الدراسة أثر التحولات المجتمعية على أخلاقيات الطلبة وجودة التعليم داخل المدارس، مع التركيز على استراتيجيات التكيف والتطوير التي تستخدمها المؤسسات التعليمية للتعامل مع هذه التحديات.

الحد المكاني: تم تنفيذ الدراسة في خمس مناطق تعليمية متجاورة ضمن مدينة الناصرة تشمل خمس مدارس ثانوية حكومية تتشابه في بيئتها التعليمية والاجتماعية والثقافية.

الحدود الزمانية: الفصل الثاني من العام الجامعي 2024/2025.

الحدود البشرية: استهدفت هذه الدراسة المعلمين والاداريين في المدارس الثانوية في خمس مناطق متجاورة.

الحدود المنهجية: اعتمدت الدراسة على المنهج النوعي، وتم جمع البيانات من خلال فهم التجارب الإنسانية والسلوكيات والاستراتيجيات عبر استخدام أدوات المقابلات والملاحظات الميدانية، مما يتيح التحليل العميق.

محددات الدراسة: كانت في البداية صعوبة في تنسيق مواعيد المقابلات بسبب الضغط في المدارس الثانوية والتحضيرات للامتحانات النهائية، فيما بعد تم التوصل إلى اختيار مواعيد متناسقة وفقا لبرنامج مرن، شعرت بداية في ضغط بسبب ارتباط الباحثة بذلك، لكن فيما بعد وضحت أهمية الالتزام مما يؤدي الى جودة سيرورة الدراسة والمتابعة وكان لذلك انعكاس إيجابي في الاستمرارية.

تعتمد الدراسة التعريفات الاتية لمصطلحاتها:

تحولات المجتمع

اصطلاحا: كل تحول يقع في التنظيم الاجتماعي سواء في بنائه أو وظائفه خلال فترة زمنية، وهو كل تغيير في التركيبة السكانية للمجتمع، أو البناء الطبقي، أو النظم الاجتماعية، أو في أنماط العلاقات الاجتماعية، أو في مختلف المؤسسات الاجتماعية (محمد، 2018).

إجرائيا: هي التغيرات التي يشهدها المجتمع في جوانبه القيمية، الثقافية، والاقتصادية والتكنولوجية، والتي تؤثر على سلوكيات الطلبة واتجاهاتهم داخل البيئة التعليمية، وتُقاس في هذه الدراسة من خلال مدى انعكاسها على أخلاقيات الطلبة، وجودة التعليم، والحاجة إلى استراتيجيات تربوية مناسبة للتكيف مع هذه التغيرات وتطوير العملية التعليمية.

أخلاقيات الطالب

اصطلاحا: مجموعة من القيم والمعايير السلوكية التي تُلزم الطالب بالتصرف بما يتوافق مع مبادئ الاحترام والمسؤولية والصدق والتعاون، والالتزام بالقوانين المدرسية والأعراف المجتمعية، بحيث يُنظر اليها كإطار ضابط لسلوك الطالب داخل البيئة التعليمية وخارجها، ويُراد بها توجيه سلوك الطالب نحو خدمة ذاته ومجتمعه بصورة إيجابية (Masudi, 2024)

إجرائيا: هي مجموعة من السلوكيات والقيم التي تنعكس في تصرفات الطلبة داخل البيئة التعليمية، مثل الالتزام بالأنظمة، احترام المعلمين والزملاء، وتحمل المسؤولية. وفي هذه الدراسة تُقاس أخلاقيات الطلبة من خلال مدى تأثرها بالتحولات المجتمعية، ومدى ارتباطها بجودة سلوك الطالب وأدائه، وإمكانية تنميتها باستخدام استراتيجيات تربوية مناسبة.

جودة التعليم

اصطلاحا: عبارة عن نظام شامل متكامل يتناول جوانب النظام التعليمي المختلفة من المدخلات والعمليات والمخرجات بقصد تحسين منتجاتها (بن عويره، 2022).

إجرائيا: هي عملية مستمرة من التحسين والتطوير تهدف إلى تحقيق أعلى مستويات من الفعالية في العملية التعليمية، حيث تشمل تحديث المناهج الدراسية، تعزيز أساليب التدريس والتقييم، وتحقيق التفاعل المثمر بين المعلمين والطلبة وفي هذا السياق، تتضمن جودة التعليم تكيّف النظام التعليمي مع التحولات المجتمعية، الاقتصادية والتكنولوجية، وتطبيق استراتيجيات تعليمية مبتكرة تضمن تنمية أخلاقيات الطلبة وتحسين أدائهم. كما تشمل توفير بيئة تعليمية محفزة ومتوازنة تدعم التعلم المستدام وتلبي احتياجات المجتمع المتغيرة، بما يسهم في إعداد الطلبة لمواجهة تحديات المستقبل وتحقيق مخرجات تعليمية ذات جودة عالية.

استراتيجيات التكيف والتطوير

اصطلاحا: هي سلسلة من الإجراءات وعملية تفكير تستخدم في المواجهة الصريحة والضمنية التي ترتبط بالعمل بشكل مباشر أو غير مباشر يقوم بها الفرد في محاولة منه للتكيف.

إجرائيا: هي الأساليب والإجراءات التي يعتمدها الأفراد والمؤسسات التعليمية للتعامل مع التغيرات المجتمعية، وتحسين جودة التعليم. تشمل تطوير المناهج، استخدام التكنولوجيا، وتعزيز مهارات التكيف والمرونة لدى الطلبة، مع التركيز على تحسين القيم الأخلاقية ورفع الوعي الاجتماعي.

الإطار النظري

شهدت العقود الأخيرة تحولات عميقة في البنية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للمجتمعات، انعكست بشكل مباشر على المنظومة التربوية وسلوكيات الطلبة داخل المؤسسات التعليمية. فقد أدت التغيرات المتسارعة في مجالات التكنولوجيا والاتصال، وظهور أنماط حياة جديدة، إلى تحديات غير مسبوقة في مجالي التعليم والتربية، وفرضت على المعلمين والأنظمة التربوية البحث عن استراتيجيات جديدة قادرة على تعزيز جودة التعليم والحفاظ على أخلاقياته في ظل واقع متغير (شعبان، 2023).

ويشير نجمان وجلوب (2023) إلى أن التحولات المجتمعية بما في ذلك ضعف الروابط الأسرية، وتأثير الإعلام الرقمي، وتغير منظومة القيم قد ساهمت في نشوء سلوكيات طلابية جديدة قد تتعارض أحيانًا مع الأهداف التربوية المنشودة، وهذا ما يضع المؤسسات التعليمية أمام مسؤولية مضاعفة لتأهيل كوادرها للتعامل مع هذه التحديات، وتوفير بيئة تعليمية داعمة تسهم في تنمية شخصية الطالب المتكاملة، علميًا وأخلاقيًا (أبو الحمد وآخرون، 2023).

من هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى تبني أطر نظرية تساعد في فهم العلاقة بين المتغيرات المجتمعية وأخلاقيات الطلبة، وكيفية تأثير ذلك على جودة التعليم. وقد أولت النظريات التربوية والنفسية اهتمامًا خاصًا بهذا الجانب، وخاصة النظريات التي تدمج بين الفرد وبيئته الاجتماعية.

وفي الآونة الأخيرة حدثت تحولات بالمجتمع في عدة مجالات سياسية، اجتماعية وثقافية واقتصادية. أثرت على حياة الإنسان خاصة المجال الأخلاقي الذي أدى الى أزمة في مجال التربية والتعليم بشكل عام والتربية الأخلاقية بشكل خاص (بوتي، 2020).

وهنالك عدة نظريات فسرت التحولات المجتمعية وتأثيرها على أخلاقيات وسلوكيات الطلبة وجودة التعليم، وتُعد نظرية التعلم الاجتماعي (Social Learning Theory) لألبرت باندورا من أبرز النظريات النفسية التربوية التي تفسّر سلوك الإنسان وتعلمه في سياقات اجتماعية. وتستند النظرية إلى فرضية أساسية مفادها أن الأفراد يتعلمون من خلال الملاحظة والتقليد للنماذج المحيطة بهم، وليس فقط من خلال التجربة المباشرة أو التعزيز (Schultner et al., 2024)

ويرى باندورا أن السلوك الإنساني هو نتاج للتفاعل الدينامي بين ثلاثة عوامل رئيسية: الفرد، والسلوك، والبيئة، فيما يُعرف بـ “النموذج الثلاثي للتفاعل” (Reciprocal Determinism). ومن هذا المنطلق، فإن التحولات المجتمعية مثل التغير في وسائل الإعلام، والأنظمة الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجيا تؤثر مباشرة في بيئة الطالب، ومن ثم في سلوكياته وقيمه الأخلاقية (عويس، 2024).

وفي سياق هذا البحث، تُستخدم نظرية التعلم الاجتماعي لفهم كيف تؤثر التحولات المجتمعية المتسارعة على أخلاقيات الطلبة، حيث يتعرض الطالب لنماذج متعددة من السلوك، سواء داخل الأسرة، المدرسة، أو عبر التكنولوجيا، مما يؤدي إلى تبني أنماط سلوكية وقيم جديدة قد تختلف أو تتعارض مع القيم التربوية التقليدية، (عاشور ومحمد، 2020).

كما تساعد النظرية في تحليل العلاقة بين هذه التحولات وجودة التعليم، إذ إن البيئة التي يلاحظ فيها الطالب القيم والسلوكيات تؤثر في دافعيته نحو التعلم، وفي التزامه الأخلاقي داخل البيئة المدرسية. وتقدم النظرية أساسًا لتصميم استراتيجيات تربوية فعالة للتكيف والتطوير، مثل توظيف مستحدثات تكنولوجية لتحقيق التعلم المطلوب وتعزيز النماذج الإيجابية داخل البيئة المدرسية عن طريق المعلمين والقادة التربويين. واستخدام تقنيات التعليم القائم على السلوك الإيجابي وبناء ثقافة مدرسية داعمة للقيم الأخلاقية من خلال التفاعل الاجتماعي والنشاطات التربوية الهادفة، حيث يستطيع المعلم الاستفادة من التكنولوجيا وتعزيز الدراسة من خلال التعاون مع الطلبة وتحسين مستواهم التعليمي (الصبري، 2021).

وبناءً على هذه العلاقة، تم تسليط الضوء على أهمية تحولات المجتمع وتأثيرها على أخلاقيات الطلبة وجودة التعليم وكيفية تأثير تطبيقات نظرية السلوك الاجتماعي في استراتيجيات التكيف والتطوير، حيث يسهم ذلك في تقديم رؤية جديدة حول استراتيجيات التكيف وتطويرها لمواكبة هذه التحولات وتأثيرها على الطلبة في تفعيل سلوكهم الإيجابي والمحافظة على جودة التعليم.

الإطار المفاهيمي

تسعى هذه الدراسة إلى تحليل تأثير تحولات المجتمع على البيئة التعليمية، إذ شهدت المجتمعات المعاصرة تحولات جذرية نتيجة للتقدم التكنولوجي، والعولمة، والتحول نحو الاقتصاد الرقمي. وأدى ذلك إلى تغييرات في البنية الاجتماعية والثقافية، مما أثر على القيم والسلوكيات، خاصة بين فئة الطلبة (Mwila & Silas, 2024).

وتشير الدراسات إلى أن هذه التحولات قد تؤدي إلى تراجع في بعض القيم الأخلاقية التقليدية، مما يستدعي إعادة تقييم دور المؤسسات التعليمية في تعزيز هذه القيم (محمد وآخرون، 2023)؛ وذلك لأنّ الانفتاح على مصادر المعرفة المتنوعة والتواصل الرقمي المستمر أدى إلى تحديات في الحفاظ على القيم الأخلاقية بين الطلبة (حمد، 2021).

وأشار كاظم والشمري (2021) إلى أن الطلبة في العصر الرقمي بحاجة إلى مهارات التفكير النقدي والفهم والتحليل، بهدف تعزيز الحصانة الأخلاقية لديهم وتمكينهم من اختيار المحتوى المناسب الذي يتوافق مع قيمهم ومبادئ مجتمعهم.

وهذا يؤثر أيضا على جودة التعليم مما يجب في ظل التغيرات والتحولات المجتمعية إعادة النظر في جودة التعليم، حيث يجب أن يتكيف النظام التعليمي مع المتغيرات الحديثة. ويشير بعض الباحثين إلى أن التعليم الجيد والشامل يتطلب التزام المعلمين بتعزيز التعليم الذي يخدم مصلحة جميع الطلبة والمجتمع، مع التركيز على تطوير المهارات اللازمة لمواجهة تحديات العصر (حسين وعديل، 2020).

وبالتالي تكمن الحاجة الى استراتيجيات تكيف تتلاءم مع التحولات المجتمعية والتطوير لمواجهة التحديات الناتجة عن التحولات المجتمعية، وتبني استراتيجيات حديثة مناسبة منها: التعلم التعاوني لتشجيع العمل الجماعي بين الطلبة وتعزيز قيم الاحترام والتعاون والتواصل الفعال والتعليم الشامل، من أجل توفير بيئة تعليمية تحترم التنوع وتلبي احتياجات جميع الطلبة (القطان وآخرون، 2024).

وهذا يعزز من جودة التعليم، واستخدام التقويم المستمر بواسطة أدوات تقويم متنوعة لقياس تقدم الطلبة بشكل دوري وتحديد المجالات التي تحتاج إلى تحسين. ويتم ذلك من خلال التطوير المهني للمعلمين عن طريق توفير برامج تدريبية للمعلمين تساعد في تعزيز مهاراتهم في التعامل مع التحديات الحديثة وتطبيق استراتيجيات تعليمية فعالة (العديم، 2022).

الدراسات السابقة

بناءً على أهمية تحولات المجتمع وتأثيرها على أخلاقيات الطلبة وجودة التعليم، فقد قامت العديد من الدراسات السابقة بتناول المفاهيم الرئيسية المرتبطة بهذه التحولات وتأثيرها على أخلاقيات الطلبة وجودة التعليم وإيجاد استراتيجيات للتكيف والتطوير منها:

دراسة العدواني (2024) التي هدفت إلى استكشاف دور المعلمين في تعزيز القيم والأخلاق لدى طلبة مدارس التعليم قبل الجامعة بمراعاة مفهوم كفايات الأداء ومعايير الجودة ووظف البحث المنهج الوصفي باستخدام استبانة مقسمة الى محورين، استمارة ملاحظة لتقييم أداء معلمي المرحلة الثانوية في تحقيق البعد القيمي في قياسات الجودة وللكشف عن مستوى كفايات الدور الوظيفي في هذا المجال والمداخل الممكنة لتنميتها، واختبار مواقف للمعلم مع طلبته داخل الفصل. وتوصلت نتائج الدراسة الى أن المعلمين يعتبرون نموذجا حيا للقيم والأخلاق وبالتالي يمكنهم أن يكونوا مصدر الهام وتوجيه للطلبة.

كما هدفت دراسة بن قادة (2023) إلى تحديد العلاقة بين المواثيق الأخلاقية، المناخ التعليمي، والبيئة التعليمية من جهة، وجودة التعليم ومعايير التنافسية العالمية بين مؤسسات التعليم العالي من جهة أخرى، كما استكشفت الدراسة تأثير النظام القيمي الذي يمتصه المناخ التعليمي الجامعي على مخرجات التعليم، وتم استخدام منهج التحليل الواقعي، الذي يتضمن مؤشرات متعددة التخصصات، لاستكشاف العلاقة بين الأخلاقيات التعليمية والمناخ التعليمي وجودة التعليم، وتمت الدراسة على طلبة الجامعات، وتؤكد الدراسة على أن الأخلاقيات التعليمية تلعب دورًا حيويًا في تحسين جودة التعليم وتعزيز القدرة التنافسية العالمية للمؤسسات التعليمية، ويظهر تأثير النظام القيمي الذي يمتصه المناخ التعليمي على مخرجات التعليم، مما يسهم في تحسين تصنيفات الجامعات على المستوى العالمي. إذ أشارت النتائج إلى أهمية وجود بيئة تعليمية قائمة على القيم والأخلاقيات لتحقيق نتائج تعليمية قوية تدعم المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية.

وهدفت دراسة بنام وبراهمة (2023) إلى التعرف على واقع المُناخ المدرسي كما يراه طلبة المرحلة الثانوية في محافظة أريحا والأغوار، وتكونت عينة الدراسة من (209) طالب وطالبة، واستخدمت الاستبانة أداة للدراسة، وقد أظهرت نتائج الدراسة وجود فروق في متوسطات واقع المناخ المدرسي يعزى لمتغير الجنس، حيث كانت الفروق لصالح الإناث، ووجود فروق في متوسطات واقع المناخ المدرسي يعزى لمتغير الفرع، ولصالح الفرعين العلمي والأدبي على الفرع التجاري.

وفحصت دراسة صانور وزيدان (2023) النزاهة كقيمة دينية أخلاقية واجتماعية لدى الطالبة الجامعية في ظل التحولات الاجتماعية التي يعيشها المجتمع الجزائري، والتي شملت مختلف البناءات والانساق الاجتماعية كالأسرة والتعليم والقيم والثقافة وغيرها والمنهجية المتبعة في الدراسة استخدام المنهج الكيفي وجمع البيانات من خلال المقابلات المباشرة مع عينة من الطالبات لفهم سلوكياتهن في ظل التغيرات الاجتماعية. وأظهرت الدراسة وجود اغتراب قيمي وثقافي داخل الوسط الطالبي نتيجة التغيرات الاجتماعية. وأن الطالبات تبنت قيم وسلوكيات جديدة تتعارض أحيانًا مع قيم النزاهة التقليدية. وأكدت أيضا النتائج على الصراع بين القيم التقليدية والقيم الجديدة، مما أثر على التزام الطالبات بقيم النزاهة.

أما دراسة عميش والحارثي (2023) فتعرفت على دور المدارس في تنمية القيم الأخلاقية لمواجهة تحديات العصر الرقمي لدى طالبات المرحلة الثانوية بمحافظة بيش. واعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي، وتكونت عينة الدراسة من (335) طالبة من طالبات المرحلة الثانوية بمحافظة بيش، حيث استخدمت استبانة لقياس دور المدارس في تنمية القيم الأخلاقية، وتوصلت الدراسة إلى أنّ واقع المدارس في تنمية القيم الأخلاقية جاء بدرجة متوسطة، وتقوم المدارس بتوعية الطالبات حول ضرر استخدام المواقع الإلكترونية المشبوهة، كما وتواجه المدارس تحديات بسبب تنوع محتوى الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي ويوجد ضعف في ثقافة الشفافية لدى الطالبات تجاه المدرسة والأسرة.

أما دراسة (Sherchan & Saud, 2023) فهدفت إلى فهم كيف يعيش مديرو المدارس القيم الأخلاقية في ممارساتهم القيادية واستكشاف التأثير التحويلي للأخلاقيات في التعليم والمجتمع. وبناء تصور معرفي حول معنى “الأخلاق” في السياق التربوي، وتسليط الضوء على القيادة الأخلاقية كقوة تغيير داخل المدرسة والمجتمع، واستخدم الباحثان المنهج النوعي والاستقصاء السردي ونموذج Starratt للقيادة الأخلاقية وتكونت العينة من 4 مديرين ومديرات من المدارس الثانوية في وادي كاثماندو في نيبال، حيث تم من خلال مقابلات معمّقة سردية وأهم النتائج التي توصلت اليها الدراسة هي ان الأخلاق تُعد قيمة متبادلة بين الفرد، المؤسسة، والمجتمع وأن القادة الأخلاقيون يتصرفون بشفافية، رحمة، وعدالة، ويوازنون بين اللوائح والظروف الإنسانية كما أنه هناك وعي أخلاقي متقدم لدى القادة، لكن الممارسة العملية لا تزال غير مستقرة وتتأثر بعوامل خارجية.

وأجرى Widanti, et al. (2023) دراسة هدفت الى تحليل مساهمة التعليم العالي في تطوير المجتمع، ودوره في التحول الاجتماعي عبر تعزيز التفكير النقدي والإبداعي وبناء الشخصية الاجتماعية للأفراد، وتم استخدام منهجية وصفية نوعية تعتمد على مراجعة الأدبيات ذات الصلة بموضوع الدراسة، حيث اعتمدت الدراسة على البيانات المستمدة من أبحاث سابقة. وأشارت نتائج الدراسة إلى أن التعليم العالي يلعب دورًا جوهريًا في تطوير المجتمع من خلال تعزيز التفكير النقدي والإبداعي والمؤسسات التعليمية تُسهم في الحفاظ على التراث الثقافي وتشكيل الشخصية الاجتماعية، والتعليم وسيلة لتقليل الفقر وبناء مجتمعات أكثر ديناميكية وتكيفًا مع التحولات السريعة، والتحول الاجتماعي يحدث عبر أشكال متعددة: تطورية، ثورية، مخططة وغير مخططة، والتعليم أحد العوامل المؤثرة في توجيه هذه التحولات.

وحاولت دراسة Smith, et al. (2022) فهم وشرح تأثير جودة خدمات التعليم الجامعي والتكيف الاجتماعي الثقافي على رضا الطلبة وأدائهم الأكاديمي، مع التركيز على كيفية تأثير هذه العوامل على أخلاقيات الطلبة وجودة التعليم. واعتمدت الدراسة على منهجية كمية باستخدام الاستبيانات لجمع البيانات من الطلبة الجامعيين، وشملت الدراسة 350 طالبًا جامعيًا من كلية العلوم الاجتماعية، وأظهرت النتائج أن التكيف الاجتماعي الثقافي يلعب دورًا وسيطًا مهمًا بين جودة التعليم ورضا الطلبة، مما يؤثر بدوره على أدائهم، وأشارت الدراسة إلى أن التحولات الاجتماعية والثقافية تؤثر بشكل كبير على أخلاقيات الطلبة وجودة التعليم، مما يستدعي اهتمامًا خاصًا من قبل المؤسسات التعليمية لتعزيز التكيف الاجتماعي الثقافي وتحسين جودة الخدمات التعليمية.

وحلّلت دراسة (Yilmaz & Temizkan, 2022) تأثير جودة الخدمات التعليمية وصعوبات التكيف الاجتماعي والثقافي على رضا الطلبة الدوليين في التعليم العالي، مع التركيز على جامعة كارابوك في تركيا، وجُمعت البيانات باستخدام استبانة عبر الإنترنت. واعتمدت الدراسة على أسلوب العينة المتاحة، وتم تحليل البيانات باستخدام نموذج المعادلات الهيكلية، قد شملت العينة 413 طالبًا دوليًا، وتكونت بشكل رئيسي من طلبة سوريين هاجروا إلى تركيا بسبب الحرب، بالإضافة إلى طلبة متفوقين من دول إفريقية وآسيوية وشرق أوسطية ذات دخل منخفض، وأظهرت الدراسة أن عناصر “الضمان” و”التعاطف” من أبعاد جودة الخدمة، بالإضافة إلى “الاختلافات الثقافية” و”المعتقدات الدينية” من صعوبات التكيف الاجتماعي والثقافي، تؤثر إيجابيًا على رضا الطلبة بشكل عام. وتشير النتائج إلى أن جودة الخدمات التعليمية وصعوبات التكيف الاجتماعي والثقافي تلعب دورًا مهمًا في تحديد مستوى رضا الطلبة.

وأظهرت دراسة أبو ساق وعين (2021) أثر التغيرات الاجتماعية على بعض القيم عند الطالب الجامعي والتعرف على التغيرات الاجتماعية في المجتمع السعودي على منظومة القيم لدى الطالب الجامعي، وتم التركيز على أربع قيم اشتملت على قيمة العمل والوقت وقبول الآخر والزواج ووظفت الدراسة منهج المسح الاجتماعي واستخدمت أسلوب البحث الكمي في تحليل البيانات من خلال الاستبانة وتمثل مجتمع العينة في طلبة جامعة الملك بمدينة الرياض وبلغ اجمالي العينة 411 طالب وطالبة. أظهرت النتائج أن الطلبة تتجه اتجاه إيجابي إلى قبول الآخر، وهو من أهم المؤثرات للتقدم والتنمية الاجتماعية وتجاوز المجتمع التقليدي وقدرتهم على احترام بعض القيم المجتمعية كاحترام الوقت وأيضا أظهرت ان اختيار العمل هو فردي ويرتبط بالعاطفة والقيم وليس فقط بالمكانة الاجتماعية، وأظهرت أيضا ان الطلبة يميلون إلى تقبل الاخر وممارسة التقمص الوجداني وهي من صفات المجتمع المتغير والمتحضر.

وهدفت دراسة Beskan & Ivezic (2021) إلى تحليل كيف أثرت التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في صربيا بعد عام 2012 على سياسات التعليم وجودته، مع التركيز على كشف الآثار السلبية للسياسات الجديدة على استقلالية المؤسسات التعليمية، ومكانة المعلمين، وفعالية النظام التعليمي، وقد استخدمت الدراسة منهجية تحليلية وصفية، واعتمدت على مراجعة السياسات التعليمية والتشريعات الرسمية في صربيا بين عامي 2012 و2020. من خلال تحليل الوثائق والسياسات الرسمية والتشريعات. وأهم النتائج التي توصلت اليها هي أن التعليم أصبح أداة لنقل التوجهات السياسية السائدة، ما أدى إلى تقليص استقلالية المؤسسات التعليمية وتراجعت مهنية المعلمين واستقلالهم، وزادت المركزية في اتخاذ القرارات التعليمية، وتم فرض نظام التعليم المهني المزدوج رغم تعارضه مع استراتيجية تطوير التعليم كما أنه تم ربط التعليم بسوق العمل بشكل مفرط، مما أضعف البعد التربوي والثقافي، كما تمت العملية الرقمية تحت إشراف سياسي، مما أضعف جودة التعليم والدور التربوي للخبراء.

تعقيب على الدراسات السابقة

بناءً على الدراسات السابقة التي تم عرضها، يتضح وجود مجموعة من النتائج المشتركة والاتجاهات التي تستدعي التوقف والتحليل، ويمكن تلخيص أبرز ما تم رصده في التعقيب الآتي:

تُظهر الدراسات التي تم استعراضها تراكبًا بنيويًا بين التحولات الاجتماعية السريعة وأثرها العميق على المنظومات القيمية داخل المؤسسات التعليمية، وعلى وجه الخصوص، في أخلاقيات الطلبة وجودة التعليم. فمن خلال منهجيات متعددة (كمية، ونوعية، وتحليلية وصفية)، تتقاطع النتائج لتشير إلى أن القيم التربوية لم تعد ثابتة أو مستقرة كما في السياقات التقليدية، بل أصبحت متغيرة ومشحونة بالتحديات التي يفرضها العصر الرقمي، وتنوع الثقافات، والتحولات الاقتصادية، والسياسية.

أولاً، يُلاحظ أن العديد من الدراسات مثل العدواني (2024)، وعميش والحارثي (2023) تناولت دور المدرسة والمعلم في تعزيز القيم، معتبرين أن المؤسسة التربوية ما زالت تملك تأثيرًا فعّالًا في توجيه السلوك الطلابي، رغم التحديات الناتجة عن بيئة الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، وضعف الشفافية. بينما كشفت دراسات أخرى مثل صانور وزيدان (2023)، وأبو ساق وعين (2021) عن اغتراب قيمي نتيجة التحولات الاجتماعية، والصراع بين القيم التقليدية والقيم المستجدة، مما يؤثر سلبًا على التزام الطلبة بالقيم الأخلاقية مثل النزاهة والانتماء.

وأظهرت دراسات Temizkan & Yilmaz (2022)، Sherchan (2023)، Smith (2022) أن المناخ التعليمي والثقافي، وجودة الخدمات التعليمية، والتكيف الاجتماعي والثقافي، كلها عوامل وسيطة تؤثر على أخلاقيات الطالب ورضاه وأدائه، مما يستوجب إعادة تصميم السياسات التربوية لتصبح أكثر حساسية للتحولات الاجتماعية والثقافية.

أما من زاوية السياسات التعليمية، فقد سلطت دراسة Beskan & Ivezic (2021) الضوء على الخطر المترتب على تسيس التعليم، وربطه بسوق العمل على حساب الأبعاد التربوية والثقافية، ما يُضعف الدور القيمي والتربوي للمدرسة والمعلم، ويهدد جودة التعليم ومهنته.

ومن منظور مجتمعي شامل، ركزت دراسات مثل بن قادة (2023)، على ضرورة أن يكون النظام التعليمي جزءً من عملية التحول الاجتماعي البنّاء، من خلال ترسيخ القيم، وتحفيز التفكير النقدي، وتكريس مفهوم التعليم كأداة تنموية.

وقد كشفت دراستا العدواني (2024)، وعبد المعطي والسمان (2024) على تأثير التحولات المجتمعية في المؤسسات التربوية بين متطلبات العصر الرقمي، والضغوط الاقتصادية والسياسية، والتنوع الثقافي، ما يتطلب استراتيجيات تكيف مرنة وشاملة. مطلوبة من اجل تعزيز المناعة القيمية للطلبة من خلال تطوير المناهج، وتمكين المعلمين، وتحقيق بيئة تعليمية داعمة تقوم على العدالة، والشفافية، والقيادة الأخلاقية.

منهج الدراسة:

اعتمدت الباحثة على المنهج النوعي الوصفي التفسيري، نظرًا لملاءمته لطبيعة الدراسة التي تتناول موضوعًا إنسانيًا يتطلب فهماً عميقًا لتجارب الأفراد وسلوكهم في سياقهم الواقعي، كما ويركز هذا المنهج على استكشاف الظواهر التربوية كما يعيشها المشاركون ويسعى إلى وصفها وتفسيرها استنادًا إلى معطياتهم الذاتية وتفاعلاتهم مع البيئة المحيطة بهم.

وقد تم اختيار هذا المنهج نظرًا لانسجامه مع نظرية التعلم الاجتماعي لباندورا، التي تؤكد على أهمية السياق الاجتماعي والثقافي في تشكيل سلوك الأفراد، مما يتيح فهماً أعمق لتجارب المشاركين وتحليلها في ضوء تفاعلهم مع بيئتهم (Masaki, 2023).

مجتمع الدراسة

يتكوّن مجتمع الدراسة من المعلمين والمعلمات العاملين في المدارس الثانوية في خمس مناطق متجاورة، ممن لديهم خبرة كافية في التعامل مع التحولات السلوكية والقيمية لدى الطلبة نتيجة التغيرات المجتمعية والتكنولوجية.

المشاركون في الدراسة:

تم اختيار عينة قصدية من معلمين في مدارس ثانوية مختلفة في خمس مناطق متجاورة لمدينة الناصرة، ولم يتم تحديد العدد في البداية استنادًا إلى معيار تشبع البيانات المعتمد في البحث النوعي، وتشبعت البيانات وتكررت الأنماط عدما وصل عدد المشاركين إلى 10.

أداة الدراسة ومكوناتها

اُستخدمت في هذه الدراسة أداة المقابلة شبه المنظمة المكونة من 10 أسئلة مفتوحة، والتي تم إعدادها بعناية لتغطي محاور البحث الأساسية، حيث تم بناء أسئلتها بناءً على الإطار النظري للدراسة التي غطّت المحاور التالية:

مظاهر التحولات المجتمعية التي يلاحظها المعلمون والتغيرات في سلوكيات الطلبة وقيمهم داخل البيئة التعليمية.

وتأثير هذه التحولات على جودة التعليم والتفاعل الصفي واستراتيجيات التكيف أو التطوير التي يعتمدها المعلمون.

الموثوقية والاعتمادية

تم عرض المقابلة على محكمين أكاديميين متخصصين في التربية والبحث النوعي، وتم تعديل بعض الصياغات بناءً على توصياتهم. كما أُجريت مقابلة تجريبية لاختبار وضوح الأسئلة، ولضمان الموثوقية، تم توثيق جميع مراحل الإعداد، وتسجيل المقابلات بعد أخذ موافقة المشاركين، ومن ثم تفريغها حرفيًا لتحليلها بدقة.

إجراءات جمع البيانات

تم التواصل مع المشاركين هاتفيًا وتحديد مواعيد المقابلات، ثم تمت جدولة المقابلات بالتنسيق مع المعلمين المشاركين في أماكن هادئة مناسبة للحديث، مع احترام خصوصيتهم وسرية المعلومات.

استغرقت كل مقابلة ما بين 30 و45 دقيقة.

تمت المقابلات وجهًا لوجه، وسُجلت بعد أخذ إذن مسبق.

تم تفريغ المقابلات حرفيًا وتحليلها باستخدام التحليل الموضوعي؛ لاستخراج المحاور الرئيسية والمتكررة.

أولاً: التحولات المجتمعية، بما في ذلك التحولات التكنولوجية، الإعلامية، الثقافية، والاقتصادية، بوصفها عوامل خارجية تؤثر في السلوك التربوي (المثقال، 2023).

ثانيًا: أخلاقيات الطلبة وسلوكياتهم، من حيث الالتزام، الاحترام، التعاون، والانضباط داخل البيئة الصفية (الزيرة، 2022).

ثالثًا: جودة التعليم، ويُقصد بها مستوى التفاعل التربوي، المناخ التعليمي، والتحصيل الأكاديمي كما يدركه المعلمون (البقمي، 2025).

رابعًا: استراتيجيات التكيف والتطوير، وتشمل آليات التفاعل التي يعتمدها المعلمون للتعامل مع مظاهر التحول المجتمعي (عبد المنعم، 2021)

وهي تسعى لفهم شامل لتجارب المعلمين ضمن سياق تربوي اجتماعي متغير، باستخدام المقابلات كأداة رئيسية لجمع البيانات النوعية ومن ثم تم استخدام الملاحظة الميدانية في ثلاثة مدارس بعد الانتهاء من المقابلات بمشاهدة البيانات التي تم التوصل اليها والتعمق.

تحليل البيانات

بعد الانتهاء من جمع البيانات عبر المقابلات شبه المنظمة، جرى تفريغ جميع المقابلات نصيًا بدقة. ولغرض التحليل، اعتمدت الدراسة التحليل الموضوعي باعتباره أحد أكثر الأساليب شيوعًا ومرونة في البحوث النوعية، حيث يساعد على الكشف عن الأنماط والموضوعات المتكررة في النصوص وفهمها في سياقاتها الاجتماعية والتربوية.

يوفر التحليل الموضوعي خطوات إجرائية متسلسلة تساعد على تنظيم البيانات وضمان موثوقية النتائج، كما يؤكد Kiger & Varpio (2020) في دليلهم الحديث أن هذا الأسلوب يمكّن الباحث من الانتقال من النصوص الخام إلى موضوعات تفسيرية ذات معنى، مع الحفاظ على الشفافية والصرامة المنهجية.

وقد اتبعت الدراسة الخطوات الستة الأساسية للتحليل الموضوعي كما يلي:

الإلمام بالبيانات (Familiarization): قراءة البيانات بشكل متكرر لبناء فهم شامل للسياق العام.

الترميز الأولي (Generating Initial Codes): تحديد وحدات دلالية مهمة من النصوص وتحويلها إلى رموز أولية.

البحث عن الموضوعات (Searching for Themes): تجميع الرموز المتشابهة في أنماط أو مجموعات أوسع تمثل موضوعات أولية.

مراجعة الموضوعات (Reviewing Themes): فحص مدى اتساق الموضوعات مع البيانات الأصلية وتنقيحها لضمان جودتها.

تعريف وتسمية الموضوعات (Defining and Naming Themes): صياغة تعريف واضح لكل موضوع رئيسي وتسمية دقيقة تعكس مضمونه.

إنتاج التقرير (Producing the Report): صياغة الموضوعات النهائية وعرضها في ضوء الإطار النظري للدراسة (نظرية التعلم الاجتماعي)، مدعومة باقتباسات مباشرة من المشاركين.

من خلال هذه العملية، جرى استخراج مجموعة من الموضوعات الرئيسة (Themes) التي عكست تأثير التحولات المجتمعية على أخلاقيات الطلبة وجودة التعليم، بالإضافة إلى الاستراتيجيات التي يعتمدها المعلمون للتكيف مع هذه التغيرات.

نتائج الدراسة

اعتمدت الدراسة في تحليل البيانات على منهج التحليل الموضوعي، حيث تم استخراج خمس موضوعات رئيسية من مضمون المقابلات بشكل يدوي، وتم تقسيم كل فئة بمضامين فرعية توضّح مظاهر تأثير تحولات المجتمع على أخلاقيات الطلبة وجودة التعليم.

1. الفئة الأولى: تراجع في القيم الأخلاقية داخل المدرسة

– انتشار مظاهر قلة الاحترام تجاه المعلمين والزملاء.

– ضعف الالتزام بالأنظمة الصفية والمدرسية.

– انخفاض في مستوى الانضباط الذاتي والسلوك المسؤول.

2. الفئة الثانية: تأثير التحولات المجتمعية على السلوك الطلابي

– ضغط الظروف الاقتصادية على الطلبة وأسرهم.

– تغليب القيم الفردانية والمظهرية على التعاون والانتماء.

– تأثر الطلاب بنماذج سلوكية من وسائل التواصل تتعارض مع قيم المدرسة.

3. الفئة الثالثة: خلل في علاقة المدرسة بالطالب والأسرة

– ضعف الدور التربوي والرقابي للأهل.

– فجوة في التواصل والثقة بين الطلبة والمعلمين.

– تراجع مكانة المعلم كمصدر للقيم والقدوة.

4. الفئة الرابعة: ضعف جودة التفاعل الصفي

– قلة دافعية الطلاب للمشاركة والانخراط في الحصص.

– استخدام الهواتف والانشغال عنها خلال الحصص الدراسية.

– غياب بيئة تعليمية محفزة ومشجعة على التفكير والنقاش.

5. الفئة الخامسة: غياب استراتيجيات ممنهجة للتكيف والتطوير

– وجود مبادرات فردية فقط دون إطار مؤسسي داعم.

– ضعف في تخطيط ومتابعة الأنشطة التربوية واللاصفية.

– غياب رؤية جماعية واضحة لمعالجة التحولات الأخلاقية والتربوية.

مناقشة النتائج:

من خلال تجربتي كباحثة، لاحظت أثناء المقابلات أن المعلمين يواجهون صعوبات تتجاوز المحتوى الأكاديمي، إذ يُطلب منهم أداء أدوار تربوية في بيئات تعاني من تفكك قيمي وضغط اجتماعي واقتصادي. كما أن الطلبة يتصرفون أحيانًا وفق منطق “ما هو شائع رقميًا” أكثر من “ما هو تربوي وأخلاقي”، ما يجعل من الضروري إعادة بناء آليات التأثير داخل الصف. إن هذا الواقع يعكس الحاجة إلى تعزيز سلطة المعلم الأخلاقية، لا عبر العقاب، بل عبر إحياء نموذج القدوة في سياق معاصر يتطلب أدوات جديدة (عبد المعطي والسمان، 2024).

وتؤكد نتائج الدراسة صدق افتراضات نظرية التعلم الاجتماعي لباندورا، والتي تشير إلى أن الطلبة يكتسبون السلوك من خلال الملاحظة والتفاعل مع البيئة، وليس فقط عبر التلقين المباشر (المندلاوي، 2024).

وتظهر نتائج المقابلات أن النماذج السلوكية التي يراها الطلبة في وسائل الإعلام ووسائل التواصل أصبحت أكثر تأثيرًا من نماذج المعلمين التقليدية، وتكشف نتائج الدراسة الحالية عن ملامح تحولات عميقة في سلوكيات الطلبة وقيمهم، وتراجع في جودة التفاعل التربوي داخل المدارس الثانوية المختلطة في منطقة الجليل الأعلى.

وتتفق الدراسة مع ما توصلت إليه دراسة العدواني (2024) التي بينت أن المعلمين قادرون على أن يكونوا قدوة أخلاقية حية، ولكنهم بحاجة إلى دعم مؤسسي لتعزيز تأثيرهم. وتبيّن في هذه الدراسة أن المبادرات الفردية غير كافية دون إطار تربوي جماعي واضح.

كما دعمت نتائج الدراسة ما جاء في دراسة صانور وزيدان (2023) حول وجود اغتراب قيمي متزايد لدى الطلبة، إذ لاحظت الدراسة سلوكيات تنم عن تمرد على القيم التقليدية، خصوصًا في ظل تأثير البيئة الرقمية، وهي نتائج ظهرت جليًا في أداة الملاحظة أيضًا.

أما دراسة Beskan & Ivezic, 2021)) التي ناقشت تراجع جودة التعليم بسبب تسيس السياسات التعليمية، فقد توافقت مع نتائج دراستي من حيث غياب خطة تربوية ممنهجة في المدارس، والاعتماد على قرارات مركزية غير مرتبطة بالسياق الفعلي للقيم والسلوك.

كذلك، تتقاطع نتائج الدراسة الحالية مع ما ذكرته دراسة المانع (2022) من أهمية التربية الدينية والقيمية في تنمية الوعي لدى الطلاب، وهو ما أكدته إفادات المعلمين الذين أشاروا إلى تراجع في قيم كالصدق، التعاون، والانتماء.

وفي السياق ذاته، أوضحت دراسة بن قادة (2023) أهمية المناخ التعليمي القيمي في رفع جودة التعليم، وهو ما افتقدته بعض المدارس في هذه الدراسة، خاصة في ظل انعدام التوجيه الأخلاقي الموحد في الأنشطة اللاصفية.

أما دراسة Sherchan (2023) فقد شددت على القيادة الأخلاقية كعنصر حاسم في التأثير التربوي، وهذا ما لاحظته أيضًا في مقابلات المعلمين الذين يفتقرون غالبًا إلى دعم قيادي يعزز القيم ضمن بيئة مدرسية تعاني من ضغط الواقع المجتمعي.

وبالمثل، تتماشى النتائج مع دراسة عميش والحارثي (2023) التي أوضحت أن المدارس تواجه تحديات كبيرة في تعزيز القيم لدى الطالبات في العصر الرقمي، وهو ما لوحظ أيضًا في ساحات المدارس التي رُصدت خلالها سلوكيات فردانية ومادية.

أما دراسة Smith et al (2022) فقد أشارت إلى أن التكيف الاجتماعي والثقافي يؤثر على رضا الطلبة وسلوكهم، وهذا يتطابق مع ما توصلت إليه الدراسة بشأن تأثير العوامل المجتمعية على تراجع الحافز والانضباط.

وبينما أكدت دراسة Temizkan & Yilmaz (2022) أهمية فهم خلفيات الطلبة الثقافية لتطوير التعليم العالي، فإن الدراسة تُظهر الحاجة نفسها في التعليم الثانوي، حيث تتشكل الهويات في ظل صراع القيم.

كما أن دراسة أبو ساق وعين (2021) التي ناقشت التغيرات المجتمعية وتأثيرها على منظومة القيم لدى الطلاب، تتلاقى مباشرة مع الدراسة الحالية من حيث التأثير الاقتصادي والاجتماعي على فهم الطالب للانتماء والعمل والاحترام.

وأخيرًا، تعزز الدراسة الحالية ما ورد في دراسة محمد وآخرين (2023) حول ضرورة استحداث استراتيجيات جديدة لمواجهة التحولات المجتمعية، فالنتائج تؤكد الحاجة الملحّة لتبني استراتيجيات مرنة وشاملة للتربية الأخلاقية.

وانطلاقًا من تجربتي كباحثة في إجراء هذه الدراسة، أرى أن مفهوم “جودة التعليم” لم يعد ممكنًا عزله عن البعد القيمي، فالواقع المدرسي الحالي يُظهر بوضوح أن الانفصال بين التعليم والتربية يؤدي إلى فراغ تربوي خطير (محمود واخرين، 2023).

وقد أكدت الأدلة أن البرامج التي تدمج الأبعاد الاجتماعية والعاطفية في التعليم ترفع من جودة البيئة التعليمية وتعزز الانتماء والسلوك الإيجابي (الحربي وحويل، 2021)، لذلك فإن تطوير التعليم يجب أن يُبنى على فهم عميق للتحولات المجتمعية والرقمية، والعمل على تعزيز التربية الأخلاقية من داخل السياق الثقافي للطلبة أنفسهم (شعبان، 2023).

الاستنتاجات

تكشف الدراسة أن تحولات المجتمع المتسارعة، الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والتكنولوجية، تُحدث أثرًا عميقًا في أخلاقيات الطلبة وسلوكياتهم اليومية، إذ تراجعت قيم أساسية كالانضباط، والتعاون، والمسؤولية. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مرجعًا مهيمنًا على تشكيل القيم والسلوك، ما جعل تأثيرها يفوق أحيانًا دور المعلم والأسرة.

ويتضح أن جودة التعليم لم تعد تقاس فقط بالمخرجات الأكاديمية، بل باتت مرتبطة بالسياق القيمي والتربوي داخل المدرسة وضعف العلاقة بين الأسرة والمدرسة، إلى جانب غياب استراتيجيات مؤسسية واضحة، يحدّ من قدرة النظام التعليمي على مواجهة هذه التحولات. ولذلك فإن أي تطوير لجودة التعليم يجب أن يدمج البعد القيمي والتربوي بوضوح داخل السياسات والممارسات التعليمية، مع تعزيز شراكة حقيقية بين المدرسة والأسرة والمجتمع.

حيث أن هذا يظهر بشكل واضح وفقا لهذه التحولات والعوامل في:

1. تحولات المجتمع الحديثة تؤثر تأثيرًا مباشرًا وعميقًا في سلوكيات الطلبة داخل البيئة المدرسية، مما أدى إلى تراجع ملحوظ في القيم الأخلاقية الأساسية مثل الاحترام، الانضباط، المسؤولية، والالتزام.

2. العوامل الاقتصادية والاجتماعية لعبت دورًا كبيرًا في تشكيل أولويات الطلبة وتصوراتهم حول التعليم، حيث باتت بعض القيم الاستهلاكية والمادية تغلب على قيمة التعلم، وظهر ذلك جليًا في المظاهر والسلوكيات اليومية داخل الصفوف والساحات المدرسية.

3. وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا الرقمية أصبحت المصدر الأكثر تأثيرًا في تشكيل سلوك الطالب، مما خلق فجوة بين ما تحاول المدرسة ترسيخه من قيم، وما يتلقاه الطالب من بيئته الرقمية والاجتماعية.

4. العلاقة بين المدرسة والبيت تشهد ضعفًا واضحًا، حيث تراجع الدعم الأسري والتواصل الفعّال مع المدرسة، مما حدّ من قدرة المدرسة على التدخل المبكر أو معالجة السلوكيات غير المرغوب فيها.

5. المعلمون يبذلون جهودًا فردية لتعزيز القيم، إلا أن غياب رؤية مدرسية جماعية واستراتيجيات مؤسسية واضحة يحد من فاعلية هذه الجهود، ويجعل نتائجها محدودة وغير مستدامة.

6. جودة التعليم لم تعد تُقاس فقط بالمحتوى الأكاديمي أو التحصيل، بل أصبحت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالسياق القيمي والسلوكي داخل الصف والمدرسة، مما يستدعي إعادة تعريف شامل لمفهوم جودة التعليم.

7. نظرية التعلم الاجتماعي لباندورا أثبتت صلاحيتها في تفسير نتائج الدراسة، حيث تبين أن سلوكيات الطلبة تتشكل نتيجة لتأثرهم بالنماذج الاجتماعية والرقمية المحيطة بهم، وليس فقط من خلال التوجيه المباشر داخل الصف.

8. المدرسة لا تستطيع بمفردها مواجهة هذه التحديات دون شراكة متكاملة مع الأهل، والمؤسسات المجتمعية، وسياسات تعليمية داعمة تدمج البعد القيمي بشكل صريح وواضح.

التوصيات

وفقا لنتائج الدراسة، فتوصي الباحثة من واقع الملاحظة المباشرة والتفاعل مع المشاركين، بضرورة تبنّي نهج تشاركي في تطوير البرامج التربوية، بحيث تُبنى السياسات بالاستناد إلى آراء المعلمين والطلبة معًا. كما توصي الباحثة بإجراء بحوث مستقبلية تستكشف العلاقة بين تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والمنظومة القيمية لدى الطلبة، باستخدام أدوات نوعية تدمج الملاحظة التفاعلية والمقابلات المطولة، إضافة إلى التوصيات الآتية:

1.مستوى السياسات التعليمية: يجب إدماج التربية القيمية ضمن الخطط الاستراتيجية للتعليم.

تعزيز دور المعلم كمربٍ وقائد أخلاقي من خلال برامج تطوير مهني متقدمة.

2. على مستوى المدرسة والمعلمين: إقامة شراكة فاعلة مع الأسر لاحتواء التحديات السلوكية.

وتصميم برامج تربوية تشاركية تُدمج القيم في الحياة المدرسية اليومية وتوظيف التكنولوجيا بشكل تربوي يعزز الانتماء والسلوك الإيجابي.

3. على مستوى البحث التربوي: إجراء دراسات نوعية تعتمد التحليل الموضوعي؛ لرصد تحولات السلوك الطلابي وتقييم البرامج التربوية الحالية وبناء تدخلات تجريبية جديدة تناسب الواقع الاجتماعي المتغير.

المراجع العربية:

أبو الحمد، عبد الراضي وأحمد، جابر ومحمود، محمد وهلال، ناجي (2023). دور معلم الثانوية العامة في تنمية القيم الأخلاقية لدى طلابه على ضوء تحديات مواقع التواصل الاجتماعي. مجلة العلوم التربوية، 57(1)، 297-350.

أبو ساق، حسين وبن إبراهيم، حسن (2021). أثر التغيرات الاجتماعية على بعض القيم عند الطالب الجامعي. مجلة جامعة الملك سعود للعلوم التربوية، 33(4)، 121–142.

البقمي، هيا (2025). دور التكنولوجيا في تحسين جودة التعليم وتعزيز الاستدامة في التعليم ما قبل الجامعي في المملكة العربية السعودية. مجلة كلية التربية، جامعة طنطا، 91(1)، 67–93.

بن عويره، عبد المنعم. (2022). جودة التعليم الياتها ومتطلبات تحقيقها. مجلة القياس والدراسات النفسية، 1(5)، 72-80.

بن قادة، نادية (2023). المواثيق الأخلاقية والمناخ التعليمي في التعليم العالي. المجلة الدولية للجودة في التعليم، 10(2)، 101–119.

بويتي، شهرزاد (2020). التربية والتغير الاجتماعي في المجتمع الجزائري المتحول: دراسة أنثروبولوجي بمدينة ورقلة (أطروحة دكتوراه غير منشورة). جامعة قاصدي مرباح ورقلة، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية.

ثلايجية، منال وبولهواش، عمر (2019). التحولات المجتمعية وتأثيرها على النسق القيمي للشباب العربي. مجلة الاعلام والمجتمع، 04(01)، 30-48.

جاموس، بنان وبراهمة، دعاء (2023). واقع المناخ المدرسي كما يراه طلبة المرحلة الثانوية في محافظة أريحا والأغوار. مجلة رواد الإبداع العلمي، 6(23).

الحربي، محمد وحويل، إيمان (2021). برامج تنمية مهارات التعلم الاجتماعي والعاطفي لدى طلاب التعليم العام في الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا: دراسة مقارنة. المجلة العربية للعلوم التربوية والنفسية، 5(22)، 407–434.

حسين، شيماء وعديل، هبه (2020). دور معلم المرحلة الثانوية في مواجهة مخاطر العولمة الثقافية: دراسة ميدانية بمحافظة الوادي الجديد. جامعة الأزهر. المجلة العلمية لكلية التربية، 11(29)، 327-360.

الخويلدي، محمد (2022). القيم الأخلاقية ومكانة المعلم في ظل التحولات المجتمعية. مجلة الفكر التربوي، 14(1)، 55–70.

الزيرة، الشامسي وأحمد، خديجة (2022). اضطراب قيم الانضباط والسلوك العام أثناء التعلم عن بُعد في ظل أزمة جائحة كورونا بدولة الإمارات العربية المتحدة. المجلة العربية للعلوم التربوية والنفسية، 6(26)، 180- 198

الشريف، دعاء (2022). رؤية مقترحة لمواءمة المعايير المهنية لإنجاح منظومة تطوير التعليم الجديد 2.0 في ضوء متطلبات الثورة الذهنية من وجهة نظر أعضاء هيئة التدريس بكليات التربية. دراسات تربوية واجتماعية، مجلة كلية التربية، جامعة حلوان، 28(12)، ص 213–310.

شعبان، شادي (2023). دور الإعلام التربوي في دعم العملية التعليمية من خلال التحول الرقمي: دراسة ميدانية على الخبراء والمتخصصين. مجلة دراسات وبحوث التربية النوعية، 9(3)، 17–85.

الصادق، حسن (2020). شرخ القيم التربوية في البيئة المدرسية. المجلة التربوية المعاصرة، 19(2)، 23–41.

صانور، محمد وزيدان، نور (2023). النزاهة كقيمة دينية واجتماعية في ظل التحولات المجتمعية. المجلة الجزائرية لعلم الاجتماع، 11(2)، 99–114.

الصبري، نيرفانا (2021). التكنولوجيا والتعليم القيمي. المجلة العربية للتربية المعاصرة، 12(3)، 141–160.

عاشور، عماد ومحمد، هالة (2020). نظرية التعلم الاجتماعي في السياق التربوي. مجلة علم النفس التربوي، 32(4)، 88–106.

عبد المعطي، كامل وأحمد، عبد الله وسمان، ليلى (2024). الثقافة الرقمية وجودة التعليم في العصر التكنولوجي. المجلة العربية للتربية الحديثة، 7(1)، 15–34.

العدواني، سناء (2024). دور المعلمين في تعزيز القيم في مدارس التعليم قبل الجامعي. المجلة العربية لضمان جودة التعليم، 12(1)، 45–62.

العديم، منيفة (2022). مدى توافر مهارات القرن الحادي والعشرين لدى طلاب الدراسات العليا في جامعة حفر الباطن. المجلة العربية للعلوم التربوية والنفسية، 7(31)، 357-408.

عساف، حنان (2022). دور التحول الرقمي في التعليم في تنمية الثقافة الرقمية لدى طالبات المدارس الحكومية ومعوقات ذلك من وجهة نظر المعلمات. دراسات: العلوم التربوية، 50(2)، 463–476.

عميش، مريم والحارثي، عبد الرحمن (2023). دور المدارس في تنمية القيم الأخلاقية لدى الطالبات. مجلة دراسات تربوية خليجية، 9(2)، 112–130.

عنانزة، مريم والعزّام، ماريّا (2024). ظاهرة التسرب في المدارس الأردنية وأثرها على المجتمع الأردني (دراسة نظرية). المجلة العربية للنشر العلمي، 7(4)، 632-646.

عويس، منى (2024). الرقمنة وتحولات القيم والأخلاق في المجتمع المعاصر بين التحديات والفرص. المجلة العربية للعلوم وإدارة البحث،13(29)، 1-46.

القطان، عروب والشطي، هديل والكندري، عيسى (2024). تطوير السياسات التعليمية بدولة الكويت في ضوء خبرات بعض الدول: تصور مقترح. كلية التربية الأساسية – قسم الأصول والإدارة التربوية، الكويت.

كاظم، أحمد والشمري، سامي (2021). التحديات القيمية لدى طلاب العصر الرقمي. المجلة العراقية للعلوم التربوية، 16(3)، 201–220.

المانع، هاني (2022). دور التربية الإسلامية في تنمية القيم التربوية. مجلة التربية الكويتية، 36(1)، 75–91.

مثقال، عبير (2023). واقع التحولات التربوية لطلبة المرحلة الأساسية في ظل جائحة كورونا من وجهة نظر مدراء المدارس في مديرية التربية والتعليم للواء قصبة إربد. مجلة كلية التربية – جامعة أسيوط، 39(9)، 297–327.

محمد، إبراهيم (2018). التحولات الاجتماعية ما بعد الربيع العربي وانعكاساتها على الشباب من منظور علم الاجتماع السياسي: دراسة حالة مصر خلال الفترة من 2011م-2018م. مجلة جيل الدراسات السياسية والعلاقات الدولية، 4(14)، 115-132

محمد، فؤاد وعبد الكريم، سارة وأيوب، خالد (2023). تحولات المجتمع وأثرها على المنظومة القيمية. المجلة العربية للدراسات الاجتماعية، 14(2)، 51–70.

محمود، محمد وأمين، محمد والضبع، عماد (2023). أثر استخدام التحول الرقمي على جودة التعليم: دراسة تطبيقية على مؤسسات التعليم العالي. المجلة العلمية للدراسات التجارية والبيئية، 14(2)، 4858-4886.

مقداد، على (2022). عوامل تغير القيم المدرسية في المجتمع الجزائري: دراسة وصفية تحليلية. مجلة الإحياء، 23(32)، 817-826.

المندلاوي، علاء (2024). نظرية التعلم الاجتماعي وتطبيقاتها التربوية. مجلة مؤسسة العراقة للثقافة والتنمية، 3، جامعة بغداد كلية العلوم الإسلامية.

نجمان، فرح وجلوب، نبراس (2024). مهددات التقنية الرقمية وتأثيرها على الأسرة. مجلة لارك، 52(1)، 511-520.

المراجع الأجنبية

Da’as, R. (2023). Role of ethical school leadership in shaping adolescents’ aggressive attitudes: A doubly latent multilevel SEM analysis. Educational Management Administration & Leadership. Advance online publication.

Delgado-Galindo, P., García-Jiménez, J., Torres-Gordillo, J.-J., & Rodríguez-Santero, J. (2025). School climate and academic performance: Key factors for sustainable education in high-efficacy schools and low-efficacy schools. Sustainability, 17(14), Article 6497.

Hirata, I., Nishimura, T., Osuka, Y., Wakuta, M., Tsukui, N., Tsuchiya, K. J., & Senju, A. (2024). Multifaceted perception of school climate: Association between students’ and teachers’ perceptions and other teacher factors. Frontiers in Education, 9, Article 1411503.

Kiger, M. E., & Varpio, L. (2020). Thematic analysis of qualitative data: AMEE Guide No. 131. Medical Teacher, 42(8), 846–854.

Masaki, F. (2023). Self-regulation from the sociocultural perspective—A literature review. Cogent Education, 10(2), Article 2243763.

Masudi, K. A. (2024). Ethics in education: Teaching moral and ethical decision-making. Eurasian Experiment Journal of Arts and Management, 5(3), 45–49.

Peškan, D., & Ivezić, S. (2021). The impact of post-2012 social and political transformations on educational policy and quality in Serbia. European Journal of Comparative Education, 15(1), 56–73.

Schultner, D. T., Lindström, B. R., Cikara, M., & Amodio, D. M. (2024). Transmission of social bias through observational learning. Science Advances, 10(26), eadk2030.

Sherchan, M., Sharma, R., & Devkota, B. (2023). Ethical leadership practices among secondary school principals: A narrative inquiry from Nepal. International Journal of Educational Ethics, 6(1), 30–48.

Silas, T., & Mwila, P. M. (2024). The effects of technology adaptation on students’ discipline in public secondary schools in Nyamagana District, Tanzania. International Journal of Education and Development using Information and Communication Technology (IJEDICT), 20(1), 91–106.

Smith, A., Johnson, R., & Lee, M. (2022). The impact of educational services and sociocultural adaptation on students’ ethics and performance. Journal of Higher Education Studies, 11(3), 65–81.

Temizkan, V., & Yılmaz, K. (2022). International students’ satisfaction and challenges in Turkish higher education. International Journal of Educational Research, 46(2), 89–104.

Widanti, N. P. T., Mahardhani, A. J., Willim, A. P., Safri, H., Asnora, F. H., & Amin, F. (2023). Social transformation in higher education: Basic foundations in social development. Res Militaris, 13(2), 3777–3787.