ضرورة التميز بين المقاومة المسلحة وظاهرة الإرهاب (عملية طوفان الأقصى أنموذجاً)

The Necessity of Distinguishing Between Armed Resistance and the Phenomenon of Terrorism: The Al-Aqsa Flood Operation as a Model

ضياء كاظم جلود جلوب الشمري1

1 حاصل على شهادة الماجستير في القانون العام من الجامعة الاسلامية في لبنان.

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj68/48

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/68/48

المجلد (6) العدد (8). الصفحات: 827 - 835

تاريخ الاستقبال: 2025-07-07 | تاريخ القبول: 2025-07-15 | تاريخ النشر: 2025-08-01

Download PDF

المستخلص: تتناول هذه الدراسة إشكالية التمييز بين المقاومة المسلحة وظاهرة الإرهاب، من خلال تسليط الضوء على عملية طوفان الأقصى التي نفذتها المقاومة الفلسطينية في السابع من أكتوبر 2023 كنموذج تحليلي. تنطلق الدراسة من فرضية أن محاولات القوى الدولية المهيمنة تصوير المقاومة الفلسطينية على أنها أعمال إرهابية تمثل خلطاً متعمداً يهدف إلى تجريد الشعوب من حقوقها المشروعة، وفي مقدمتها حق تقرير المصير وحق الدفاع الشرعي عن الأرض. يستعرض البحث الإطار القانوني الدولي الناظم لمفهوم المقاومة المسلحة، منذ اتفاقيات لاهاي وجنيف وصولاً إلى قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة والبروتوكولات الملحقة باتفاقيات جنيف، مؤكداً أن القانون الدولي الإنساني يمنح الشعوب الواقعة تحت الاحتلال حق الكفاح المسلح باعتباره أداة مشروعة للتحرر. كما يناقش الدراسة أوجه الاختلاف الجوهري بين المقاومة المشروعة والإرهاب، مبيناً أن الأولى تستهدف قوات الاحتلال وتستند إلى دافع وطني للتحرر، بينما الثانية تمثل عملاً إجرامياً عشوائياً موجهاً ضد المدنيين بهدف نشر الرعب والفوضى. وتؤكد النتائج أن غياب التمييز بين المصطلحين أسهم في إضعاف مكانة المقاومة الفلسطينية، وأن حماية شرعية الكفاح المسلح تتطلب من المجتمع الدولي إعادة الاعتبار لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة ورفض الانحياز السائد في مجلس الأمن، فضلاً عن إقرار ضوابط واضحة تكفل للشعوب حقها في تقرير المصير والدفاع عن أراضيها ضد الاحتلال.

الكلمات المفتاحية: المقاومة المسلحة، الإرهاب، القانون الدولي الإنساني، حق تقرير المصير، حق الدفاع الشرعي.

Abstract: This study addresses the critical issue of distinguishing between armed resistance and the phenomenon of terrorism, with a particular focus on the Al-Aqsa Flood Operation carried out by the Palestinian resistance on October 7, 2023, as an analytical model. The research is based on the premise that attempts by dominant international powers to portray Palestinian resistance as terrorism constitute a deliberate conflation aimed at stripping peoples of their legitimate rights, foremost among them the right to self-determination and the right to lawful defense of their land. The study examines the international legal framework governing the concept of armed resistance, from the Hague and Geneva Conventions to United Nations General Assembly resolutions and the Additional Protocols of 1977, affirming that international humanitarian law grants peoples under occupation the right to armed struggle as a legitimate means of liberation. It also highlights the fundamental differences between legitimate resistance and terrorism, clarifying that the former targets occupation forces and stems from a national drive for liberation, while the latter represents a criminal act indiscriminately directed against civilians with the aim of spreading fear and chaos. The findings confirm that the failure to differentiate between these terms has contributed to undermining the legitimacy of Palestinian resistance. The study concludes that safeguarding the legality of armed struggle requires the international community to reaffirm the relevant UN resolutions, reject the prevailing bias within the Security Council, and establish clear standards that guarantee peoples’ right to self-determination and to defend their territories against occupation.

Keywords: Armed resistance, terrorism, international humanitarian law, right to self-determination, legitimate defense.

مقدمة:

تعد المقاومة المسلحة من أبرز ظواهر المقاومة ضد المحتل، والمقاومة المسلحة هي قيام مجموعة من أفراد الشعب المدنيين باستعمال السلاح بهدف طرد المحتل بشكل عفوي أو من خلال تنظيم لا يرقى إلى درجة الجيش.

وعلى الرغم من بساطة هذا التعريف إلا أن مصطلح المقاومة المسلحة ذاته وتشابهه مع مصطلحات أخرى مماثلة يثير العديد من المشكلات، ولنا في عملية (طوفان الأقصى) التي نفذتها المقاومة الفلسطينية المسلحة (حماس) في السابع من أكتوبر لعام 2023 خير مثال، فما أن حاولت المقاومة الفلسطينية المسلحة استعادة جزء بسيط من أرضها المغتصبة انهال عليها الاحتلال الصهيوني وداعميه من المجتمع الدولي بشتى أنواع الاتهامات ووصفهم بالجماعات الإرهابية.

ولم يكتفوا بهذا القدر بل شن العدوان الصهيوني غارات متوحشة على قطاع غزة راح ضحيتها آلاف المدنيين من شيوخ وأطفال ونساء، فكيف أصبح أصحاب الحق مجموعات إرهابية وأصبح قتلة الشيوخ والنساء والأطفال ضحية للإرهاب؟

ومما تجدر الإشارة إليه أن الضوابط اللازم توافرها حتى يمكن تطبيق القانون الدولي الإنساني على أفراد المقاومة المسلحة هذه يشوبها الكثير من الغموض ويحيط بها العديد من التساؤلات؛ مما قد يحرم الجماعات من معاملتهم معاملة أسرى حرب لا مجرمي حرب مجردين من أي حقوق تذكر، يضاف إلى ذلك أن انطلاق المقاومة المسلحة من خارج إقليم الدولة المحتلة بعد من الأمور الشائكة في القانون الدولي العام والتي سوف نحاول علاجها من خلال هذا البحث.

أهمية البحث:

يعتبر موضوع التفرقة بين الجماعات الإرهابية المسلحة وبين المقاومة المسلحة أمر في غاية الأهمية فمثلاً يتوقف مصير الشرق الأوسط بأكمله على جدلية اتهام المقاومة الفلسطينية (حماس) كمجموعات إرهابية بنظر المجتمع الدولي، فالطرف المنتصر في الحرب الفلسطينية الإسرائيلية سيحكم مستقبل المنطقة بأكملها.

أهداف البحث:

بهدف البحث للوصول الى معيار واضح يميز بين المقاومة المسلحة وبين ظاهرة الإرهاب من خلال توضيح شرعية المقاومة المسلحة.

إشكالية البحث:

منذ ولادة القانون الدولي ونشأة عصبة الأمم وبعدها منظمة الأمم المتحدة لم كان الهدف الأسمى من وجودهم هو ضمان حقوق الدول وحقوق أفرادها، ومن أهم هذه الحقوق هو حق تقرير المصير، وحق الدفاع الشرعي عن الأرض، اذاً: كيف يعتبر صاحب الحق ارهابياً؟ وما هي الأسس التي تميز بين المقاومة المسلحة وظاهرة الارهاب؟

خطة البحث:

المطلب الأول: الاختلاف الجوهري بين المقاومة المسلحة وظاهرة الإرهاب.

الفرع الأول: مفهوم المقاومة.

الفرع الثاني: التفرقة بين المقاومة المسلحة والإرهاب.

المطلب الثاني: شرعية المقاومة المسلحة ضد الاحتلال.

الفرع الأول: حق المقاومة حسب قرارات منظمة الأمم المتحدة.

الفرع الثاني: حق تقرير المصير استثناء من تحريم استخدام القوة.

المطلب الأول

الاختلاف الجوهري بين المقاومة المسلحة وظاهرة الإرهاب.

تدعي القوى الغربية الدولية الى اعتبار ما تقوم به المقاومة الفلسطينية المتمثلة بحركة حماس في قطاع غزة بانها أعمال إرهابية، وخصوصاً عملية (طوفان الأقصى) الأخيرة بتاريخ السابع من أكتوبر من عام 2023، وهو ادعاء عار الصحة ينبع من طاعة المجتمع الدولي العمياء للكيان الصهيوني.

لأن المقاومة المسلحة براء من ظاهرة الإرهاب والعديد من الظواهر الأخرى فهي تندرج بحد ذاتها تحت الحقوق الانسان الأساسية وأهمها حق الدفاع الشرعي، وحق تقرير المصير.

لذلك من الواجب علينا بيان مفهوم المقاومة (الفرع الأول) من حيث نشأتها، وضرورة التمييز بين المقاومة المسلحة للاحتلال وبين ظاهرة الإرهاب (الفرع الثاني).

الفرع الأول

مفهوم المقاومة.

ظهرت المقاومة المسلحة في البداية بمفهوم ضيق خلال مؤتمرات بروكسل عام 1987 ولاهاي عامي 1899 – 1907 وجنيف عام 1949([1])، والحقيقة أن هناك مفهوماً آخر أكثر اتساعاً وشمولاً للمقاومة المسلحة أخذ يظهر في الفقه والعمل الدوليين ابتداء من عام 1960، وذلك مع إقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة قواعد جديدة تصون، وتؤكد حقوق الشعوب في تقرير مصيرها، وما تبعها لاحقا من تبني البروتوكولان الصادرين عام 1977 الملحقين باتفاقات جنيف لحماية ضحايا النزاعات المسلحة لعام 1949؛ لذلك من المهم أن نحدد المقصود بالمقاومة المسلحة.

إن القانون الدولي الإنساني يعترف للمقاوم الفرد بالحق في الكفاح المسلح والمساهمة في الدفاع عن أوطانهم في حالة عدوان أو احتلال غير مشروع ويجب على هذا المقاوم الفرد أن يميز نفسه عن السكان المدنيين عند الاشتباك مع العدو المحتل، أما إذا تعذر أن يميز نفسه عن السكان المدنيين لظروف لا دخل له بها، فانه يبقى رغم التشابه بينه وبين المدني يحتفظ بوضعه مقاوما بشرط أن يحمل السلاح علنا في أثناء أي اشتباك عسكري أو طوال الوقت الذي يبقى خلالها مرنيا للخصم الذي ينظم قواته استعداد للقتال مع هذا المقاوم الفرد فإن ابتعد هذا الأخير عن مرمى البصر في هذا الوقت فيحق له إخفاء سلاحه، ولا يشترط أن يكون مقاوما فردا فقد يكونون مجموعة أفراد مقاومة عفوية دون أن يكونوا ضمن فصائل المقاومة المسلحة المنظمة([2]).

وبذلك يمكن القول بان أفراد المقاومة المسلحة هم:

  1. المليشيات أو الوحدات المتطوعة التي تشكل جزءا من القوات المسلحة.
  2. المليشيات أو الوحدات المتطوعة المستقلة عن القوات المسلحة.
  3. أفراد الهَبّة الشعبية وهم سكان الأراضي غير المحتلة الذين يحملون السلاح من تلقاء أنفسهم عند اقتراب العدو لمقاومة القوات الغازية دون أن يتوفر لهم الوقت لتشكيل وحدات مسلحة نظامية.
  4. وأخيرا المقاومة الفرد أو مجموعة أفراد المقاومة العفوية وهؤلاء هم الأفراد المدنيون ” مجتمعين أو منفردين ” الذين يقومون بعمليات مقاومة ضد قوات الاحتلال دون أن يكونوا ضمن فصائل المقاومة المسلحة المنظمة.

ويمكن القول بأن التطور المذكور أعلاه قد جاء نتيجة التطورات الدولية التي ظهرت واضحة في حقبة الستينيات من القرن الماضي حين شهد المجتمع الدولي ظهور مفهوم أخر أكثر اتساعا وشمولا للمقاومة المسلحة في الفقه والعمل الدوليين، وذلك مع إقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة قواعد جديدة تصون وتؤكد حقوق الشعوب في تقرير مصيرها ، فقد جاء إعلان منح الاستقلال للبلاد والشعوب المستعمرة الذي صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الخامسة عشرة بتاريخ 14/12/1960 وكذلك جميع القرارات الصادرة في ذات الشأن لتؤكد على ذلك المفهوم هذا المفهوم الواسع للمقاومة المسلحة وهى ما يعبر عنه أحيانا بأنه حروب التحرير يمكن أن نعرفها بأنها “عمليات القتال التي يقوم بها عناصر وطنيون من غير أفراد القوات المسلحة النظامية دفاعا عن المصالح الوطنية أو القومية ضد قوى أجنبية سواء كانت تلك العناصر تعمل في إطار تنظيم يخضع لإشراف وتوجيه سلطة قانونية ،واقعية، أو كانت تعمل بناء على مبادرتها الخاصة ، وسواء باشرت هذا النشاط فوق إقليم الوطن أو من قواعد خارج هذا الإقليم”.

وبناء على ما ذكر أعلاه فإنه يمكن استنتاج العناصر الأساسية المميزة للمقاومة المسلحة وهي:

أنها تتضمن عمليات قتالية مسلحة([3]).

إنها تقوم ضد قوات محتلة.

يقوم بها أفراد عاديون.

الدافع الوطني.

عنصر التنظيم.

الفرع الثاني

التفرقة بين المقاومة المسلحة والإرهاب.

بينا فيما سبق أن المقاومة المسلحة هي عمليات القتال التي يقوم بها عناصر وطنية من غير أفراد القوات المسلحة النظامية دفاعاً عن المصالح الوطنية ضد قوى أجنبية، سواء أكانت تلك العناصر تعمل بشكل عفوي أم من خلال تنظيم لا يرقى إلى مستوى الجيش، وسواء أباشرت نشاطها فوق إقليم الوطن أم من خلال قواعد خارج هذا الإقليم، ومن خلال هذا التعريف قد تظهر ظواهر أخرى تختلط بظاهرة المقاومة المسلحة، ومن هذه الظواهر الإرهاب والمقاومة المدنية بغير العنف والحرب الأهلية وأعمال العصابات المسلحة.

كثيرا ما يختلط مفهوم الإرهاب بأنشطة المقاومة المسلحة مما يستلزم التميز بينهما احتراما للأنشطة التي يقوم بها أفراد المقاومة المسلحة بهدف تحرير بلدهم وممارسة حقهم في تقرير المصير كما تظهر أهمية التمييز بين الظاهرتين من خلال عدم السماح للدول والأنظمة المستعمرة بالقضاء على المقاومة المسلحة وحرمانها من حقها بحجة محاربة الإرهاب والتاريخ الحديث حافل بالمجازر التي نفذتها الدول الاستعمارية في حق شعوب الدول المستعمرة والتي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الضحايا.

اختلف الفقه في تعريف الإرهاب وذلك نظراً لصعوبة إيجاد تعريف محدد وجامع([4])، يشمل جميع مظاهره وصوره؛ لذلك اختلفت وتنوعت مفاهيم جريمة الإرهاب سواء كان ذلك على مستوى القوانين الوطنية أو الاتفاقيات الدولية أو حتى المنظمات العالمية([5]).

إن أول وثيقة دولية تناولت تعريفاً للإرهاب كانت اتفاقية جنيف لعام 1937 والمتعلقة بالمنع والقمع الدولي للإرهاب وفقا لاتفاقية جنيف لعام 1973 هو الأفعال الإجرامية الموجهة ضد الدولة والتي تهدف إلى أن تكون بطبيعتها مؤدية إلى إثارة الرعب لدى شخصيات معنية من مجموعة أشخاص أو في الوسط العام، لكن المؤكد أن اتفاقية

1937 التي تم التوقيع عليها من قبل 24 دولة لم تدخل حيز التنفيذ لعدم التصديق عليها إلا من الهند عام 1941، وقد يكون السبب في ذلك تبني الاتفاقية تعريفا واسعا للإرهاب.

لكن بسبب أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتأثير اللوبي الصهيوني، وإسرائيل على القرار الأمريكي في السنوات الأخيرة تداخلت فكرة المقاومة والإرهاب بحجة أن كل أفعال العنف أصبحت غير مبررة تحت أي ظرف من الظروف وبغض النظر عن الدوافع خلفها سواء أكانت سياسية أم عقائدية أم دينية أم عرقية أم غيرها، بل إن قرارات الجمعية العامة الأخيرة المتعلقة بالإرهاب لم تتطرق للحق في تقرير المصير وفي المقابل ترفض الكثير من الدول، خصوصاً العربية والإسلامية الخلط بين الإرهاب والحق في تقرير المصير ومقاومة المحتل.

ففي بيانها الختامي في قطر في 10/10/2010، أكدت منظمة المؤتمر الإسلامي رفضها لأي ربط بين الإرهاب وحق الشعوب العربية والإسلامية في تقرير مصيرها، والسيادة وحق المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي والأجنبي، وقد انعكس هذا التوجه في كل من الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب واتفاقية منظمة المؤتمر الإسلامي لمكافحة الإرهاب، وقد يكون هذا التبيان أحد أهم أسباب تعثر الأمم المتحدة في التوصل إلى اتفاقية بشأن تعريف الإرهاب الدولي([6]).

هذا وقد عرفت الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب لعام 1998 الإرهاب بأنه ” كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به أيا كانت بواعثه أو أغراضه يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردى أو جماعي وبهدف إلقاء الرعب بين الناس، أو ترويعهم، بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر”.

وقد أكدت المادة الثانية من الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب لعام 1988 على أنه: لا تعد جريمة إرهابية، حالات الكفاح بمختلف الوسائل بما في ذلك الكفاح المسلح ضد الاحتلال الأجنبي والعدوان من أجل تحرير وتقرير المصير وفقا لمبادئ القانون الدولي ولا يعد من هذه الحالات كل عمل بالوحدة الترابية لأي من الدول العربية “.

أما الاتفاقية الأوربية فلم تضع تعريفا لجريمة الإرهاب إنما اقتصرت على وضع بيان بلائحة الجرائم التي تعتبرها إرهابية والتي أوجبت على الدول الأوربية الأطراف عدم إدراجها ضم الجرائم السياسية([7]).

ومن خلال كل ما تقدم يتضح بأن الإرهاب يختلف عن المقاومة المسلحة بأن الإرهاب هو عمل إجرامي موجه ضد المدنيين بهدف ترويعهم أو ضد المؤسسات المدنية أو الحكومية بهدف الترويع وخلق الذعر لتحقيق أغراض خاصة ، أما المقاومة المسلحة فهو عمل مشروع دوليا ، وعادة ما يكون نشاطاً شعبيا ضد عدو أجنبي بدافع وطني حيث إن الهدف من المقاومة المسلحة هو تحقيق التحرير أو الحق في تقرير المصير، وتقوم هذه المقاومة من الشعب أو بعضه وبتأييد من باقي الشعب ، ويكون بدافع طرد المحتل وهو عمل مشروع يختلف عن جريمة الإرهاب المحرمة دوليا.

المطلب الثاني

شرعية المقاومة المسلحة ضد الاحتلال.

إن السلطة الفلسطينية الحالية وبعض الحكومات العربية المكبلة باتفاقيات سلام مع العدو الإسرائيلي، قد انجرفت نحو الرؤية الإسرائيلية وهي دولة احتلال وبعض القوى العظمى المساندة لها ولو على حساب القانون الدولي والتي تعتبر كل أشكال المقاومة عملا إجراميا وإرهابا يجب مكافحته، وهي الرؤية التي يعكسها أحيانا مجلس الأمن في بعض قراراته.

الأمر الذي يوحي وكان حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وحقه في مقاومة الاحتلال أمر لم يعد له سند في المواثيق الدولية، ووجب إلغاؤه من قاموس العلاقات الدولية. ومن ثم لا يحق الاستناد إلى هذا الحق حسب البعض أمام الدول أو أمام الأمم المتحدة والمنظمات الدولية وجمعيات حقوق الإنسان.

لذلك سنوضح شرعية المقاومة المسلحة ضد الاحتلال من خلال التطرق لحق المقاومة حسب قرارات منظمة الأمم المتحدة (الفرع الأول) وسنبين الحق الثاني والاهم التي تستند عليه حق المقاومة المسلحة ألا وهو حق تقرير المصير باعتباره مستثنى من قاعدة تحريم استخدام القوى (الفرع الثاني).

الفرع الأول

حق المقاومة حسب قرارات منظمة الأمم المتحدة.

صدرت قرارات الأمم المتحدة بشأن القضية الفلسطينية بناء على مبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة، وتطبيقا لقراراتها المتعلقة بحق تقرير المصير بصفة عامة، أصدرت الأمم المتحدة كثيرا من القرارات تتعلق بالقضية الفلسطينية من بينها:

أ- قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (3236) الصادر في 22/11/1974([8]):

والذي نص على أن «الجمعية العامة وقد نظرت في قضية فلسطين، وقد استمعت إلى بيان منظمة التحرير الفلسطينية ممثلة شعب فلسطين، وقد استمعت إلى بيانات أخرى ألقيت خلال المناقشة، وإذ يقلقها عميق القلق أنه لم يتم، حتى الآن التوصل إلى حل عادل لمشكلة فلسطين وإذ تعترف بأن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين لا تزال تعرض السلم والأمن الدوليين للخطر، واعترافا منها بأن الشعب الفلسطيني قد منع من التمتع بحقوقه غير القابلة للتصرف، لاسيما حقه في تقرير وإذ تسترشد بمقاصد الميثاق ومبادئه. وإذ تشير إلى قراراتها المتصلة بالموضوع، والتي تؤكد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

  1. تؤكد من جديد حقوق الشعب الفلسطيني في فلسطين، غير القابلة للتصرف وخصوصاً

أ- الحق في تقرير مصيره دون تدخل خارجي.

ب – الحق في الاستقلال والسيادة الوطنيين.

  1. وتؤكد من جديد أيضا حق الفلسطينيين، غير القابل للتصرف في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي شردوا منها واقتلعوا منها وتطالب بإعادتهم.
  2. وتشدد على أن الاحترام الكلي لحقوق الشعب الفلسطيني هذه غير القابلة للتصرف وإحقاق الحقوق هذه أمران لا غنى عنهما لحل القضية الفلسطينية.
  3. وتعترف بأن الشعب الفلسطيني، طرف رئيسي في إقامة سلام عادل وشامل في الشرق الأوسط.
  4. وتعترف كذلك بحق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه بكل الوسائل وفقا لميثاق الأمم المتحدة ومبادئه.
  5. وتناشد جميع الدول والمنظمات الدولية أن تمد بدعمها الشعب الفلسطيني في كفاحه لاسترداد حقوقه وفقا للميثاق».

ب- قرار الجمعية العامة رقم 2649 الصادر في نوفمبر 1970([9]):

تؤكد فيه شرعية نضال الشعوب الخاضعة للسيطرة الاستعمارية والأجنبية. وتعترف بحقها في تقرير المصير، لكي تستعيد ذلك الحق بأية وسيلة في متناولها. كما تؤكد حقها في البحث عن جميع أنواع المعونة المعنوية والمادية وتلقيها بموجب قرارات الأمم المتحدة وروح ميثاق الأمم المتحدة. وتدين الحكومات التي تنكر حق تقرير المصير على الشعوب المعترف لها بذلك الحق وخصوصاً شعوب أفريقيا وفلسطين وتعتبر أن الاستيلاء على الأراضي والاحتفاظ بها خلافا لحق شعب تلك الأراضي في تقرير المصير، يمكن قبوله ويشكل خرقا فاحشاً للميثاق.

ج- قرار الجمعية العامة رقم 2672 الصادر في ديسمبر 1970([10]):

تؤكد فيه على قراراتها السابقة والمتعلقة بالقضية في دوراتها من الدورة 03 إلى الدورة 24، وتعترف فيه لشعب فلسطين بالتساوي في الحقوق وبحق تقرير المصير، وفقا لميثاق الأمم المتحدة، وتعلن أن الاحترام التام لحقوق شعب فلسطين غير القابلة للتصرف هو عنصر لا غنى عنه في إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط، وتناشد بشدة جميع الحكومات، وكذلك المنظمات والأفراد، تقديم التبرعات السخية إلى وكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى وتشغيلهم. وتدعو مرة أخرى الحكومة الإسرائيلية إلى أن تتخذ فورا ودون مزيد من التأخير، خطوات فعالة لإعادة المشردين.

الفرع الثاني

حق تقرير المصير استثناء من قاعدة تحريم استخدام القوة.

حرم ميثاق الأمم المتحدة اللجوء إلى القوة في العلاقات الدولية، فقد نصت ديباجة ميثاق الأمم المتحدة على أن شعوب الأمم المتحدة قد ألت على نفسها أن تنقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب، وأن تحفظ الأمن والسلم الدوليين([11]).

وقد نص ميثاق الأمم المتحدة كذلك في مادته الأولى والثانية على إنماء العلاقات الودية بين الأمم وأن يكون للشعوب الحق في تقرير مصيرها([12])، كما أن المادة (55) من الميثاق نفسه قد أكدت ضرورة قيام علاقات سلمية ودية بين الأمم والمساواة في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها الحق في تقرير مصيرها، وفى النهاية فإن الميثاق قد نص صراحة على امتناع أي دولة عن استعمال القوة ضد سلامة الأراضي الخاصة بالدول الأخرى([13]).

وعلى الرغم من عمومية مصطلح ” تحريم استعمال القوة ” التي نص عليه ميثاق الأمم المتحدة إلا أن الجمعية العامة للأمم المتحدة وضحت بجلاء معنى تحريم استعمال القوة، فقد نص قرار الجمعية العامة رقم 26/25 بتاريخ 24 أكتوبر 1970 الذي صدر على شكل إعلان مبادئ القانون الدولي للعلاقات الودية في جزء منه على كل دولة واجب الامتناع عن استعمال القوة ضد السلامة الإقليمية لأي دولة أخرى ونص هذا الإعلان كذلك على أن الحرب العدوانية تشكل جريمة ضد السلم والأمن الدولي، وأنّ استعمال القوة لخرق الحدود الدولية لدولة أخرى أو إخضاع إقليمها لاحتلال عسكري ، أو اكتساب إقليم لأي دولة أخرى نتيجة استعمال القوة يعد انتهاكا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة يترتب عليه المسؤولية الدولية بمقتضى قواعد القانون الدولي، وبذلك يمكن القول: إن استعمال القوة المسلحة لاحتلال إقليم دولة أخرى أصبح اليوم يتعارض مع قواعد القانون الدولي، بل أن تحريم اللجوء إلى القوة في النزاعات الدولية أصبح يشكل قاعدة أمرة لا يمكن الاتفاق على مخالفتها.

وقد نص الميثاق كذلك على احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها مما يعني أن استعمال السلاح بهدف تحقيق تقرير المصير ومن خلال إيقاع الضرر المادي والمعنوي بسلطة الاحتلال ومنشأته يعد من قبيل الأعمال المشروعة وفقا للقانون الدولي، بل إن مشروعية المقاومة المسلحة ذاتها أصبحت من القواعد الراسخة في القانون الدولي الإنساني، هذا ويجوز استخدام أي نوع من أنواع الأسلحة التقليدية المصرح بها دولياً لإيقاع الضرر بقوات جيش الاحتلال وآلياته ومنشاته العسكرية بغية إرغام المحتل على الانسحاب.

الخاتمة:

أقر القانون الدولي الإنساني للشعوب حق المقاومة المسلحة، بوصفها أداة لطرد الاحتلال، ولممارسة الحق في تقرير المصير، حيث إن للشعوب الحق باختيار نظامها السياسي والاقتصادي والثقافي والسيطرة على ثرواتها الطبيعية بشكل حر ومستقل عن أيّة فئة أو جهة أجنبية، وهو ما أكده ميثاق منظمة الأمم المتحدة، وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقواعد القانون الدولي بشكل عام.

إن المقاومة المسلحة ضد المحتل شغلت وما زالت تشغل المختصين بالقانون الدولي حول مفهومها ومشروعيتها، وبقيت المقاومة المسلحة ضد الاحتلال، مدار جدل ونقاش في أروقة المنظمات الدولية.

وتوصلنا بنتيجة هذا البحث إلى عدد من النتائج والتوصيات على الشكل التالي:

النتائج:

  1. أن الخلط بين الإرهاب والمقاومة المسلحة ضد الاحتلال، أدى دوراً بارزاً في غموض مصطلح المقاومة المسلحة والانتقاص منها.
  2. شتان بين المقاومة المسلحة والارهاب: فالمقاومة المسلحة حق مشروع يستهدف العدو الأجنبي، الذي فرض وجوده بالقوة العسكرية على أرض الوطن، وأفقده استقلاله وسيادته، ونهب ثرواته، وتعدى على حقوقه وحرياته بينما الإرهاب عمل خسيس، سواء أصدر من أفراد أم من أنظمة تستهدف إثارة الرعب ولا يفرق بين صغير، ولا كبير، ولا يميز بين مدني، ومقاتل؛ ولذلك يدينه ويستنكره القانون الدولي بل يدعو إلى مكافحته بالوسائل كافة.
  3. أدركت دول عدة أخطار الخلط بين الإرهاب وبين المقاومة المسلحة، لاسيما العربية التي أكدت ضرورة عدم الخلط بينهما احتراماً وتقديراً لحق الشعوب في المقاومة المسلحة، وخصوصاً الشعب الفلسطيني الذي يئن تحت وطأة الاحتلال الاسرائيلي الصهيوني لعقود طويلة.

المقترحات:

  1. يجب الاستناد الى شرعية المقاومة حسب العرف الدولي وهو ثاني المصادر الرئيسية للقانون الدولي، فالكيان الصهيوني احتل فلسطين منذ قرابة 75 عام، ألا تكفي هذه المدة للاعتراف بالمقاومة الفلسطينية وحقها باستعادة أراضيها.
  2. يجب على المجتمع الدولي عدم الانحياز الى طرف من أطراف النزاع وخصوصاً إذا كان الطرف المنحاز له هو المحتل الإسرائيلي.
  3. نوصي مجلس الامن بوضع ضوابط لحماية حقوق الدول في الحفاظ على أراضيها وحقها في تقرير مصيرها.

قائمة المصادر والمراجع

مراجع باللغة العربية:

أولاً: الكتب:

  1. أبو الوفا، أحمد، الوسيط في القانون الدولي العام، الطبعة السادسة، دار النهضة العربية، القاهرة، 2016
  2. الخزرجي، حمد هذال حمد، الجهود الدولية والإقليمية في مكافحة الإرهاب، دار هاتريك للطباعة والنشر، أربيل، 2023.
  3. عامر، صلاح الدين، المقاومة الشعبية المسلحة في القانون الدولي العام (إشارة خاصة إلى أسس الشرعية الدولية للمقاومة الفلسطينية، دار الفكر العربي، القاهرة، بدون ذكر سنة نشر.

ثانياً: المقالات والأبحاث:

  1. العنزي، عبد السلام، المقاومة المسلحة في ظل قواعد القانون الدولي، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، العدد 85، المنصورة، 2015

ثالثا: القرارات والمواثيق الدولية:

  1. قرارا الجمعية العامة للأمم المتحدة 164/541 وكذلك القرارات رقم 110/54، 109/54 الدورة الرابعة والخامسة من عام 1999.
  2. ميثاق الأمم المتحدة “الديباجة” 26 يونيو 1945.
  3. قرار الجمعية العامة رقم 2649 الدورة (25) بتاريخ 30 تشرين الثاني نوفمبر 1970 المتضمن إدانة إنكار حق تقرير المصير خصوصاً لشعوب جنوب أفريقيا وفلسطين.
  4. قرار رقم 2672 ،أ، ب، ج، د (الدورة 25) بتاريخ 8 كانون الأول (ديسمبر 1970) المتضمن الاعتراف لشعب فلسطين بحق تقرير المصير والطلب مرة أخرى من “إسرائيل اتخاذ خطوات فورية لإعادة المشردين.

رابعا: المراجع الإلكترونية

  1. قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (3236) الدورة 29 الصادر في 1974/11/22، المتعلق بالقضية الفلسطينية. انظر هذا القرار في القرارات الدولية المتعلقة بقضية اللاجئين منشور في الموقع التالي: www.pncecs.org/ar/file/l/kararat.doc

مراجع اللغة الأجنبية:

  1. Schorlemer, Sabine, Human Rights: Substantive and International Implications of the War Against Terrorism, EJIL, vol. 14, 2003

الهوامش:

  1. () العنزي، عبد السلام، المقاومة المسلحة في ظل قواعد القانون الدولي، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، العدد 85، المنصورة، 2015، ص5

  2. () أبو الوفا، أحمد، الوسيط في القانون الدولي العام، الطبعة السادسة، دار النهضة العربية، القاهرة، 2016، ص 726

  3. () عامر، صلاح الدين ، المقاومة الشعبية المسلحة في القانون الدولي العام (إشارة خاصة إلى أسس الشرعية الدولية للمقاومة الفلسطينية، دار الفكر العربي، القاهرة، بدون ذكر سنة نشر، ص50.

  4. () الخزرجي، حمد هذال حمد ، الجهود الدولية والإقليمية في مكافحة الإرهاب، دار هاتريك للطباعة والنشر، أربيل، 2023، ص28.

  5. () انظر تعريف قرارا الجمعية العامة للأمم المتحدة 164/541 وكذلك القرارات رقم 110/54، 109/54 الدورة الرابعة والخامسة من عام 1999.

  6. () عامر، صلاح الدين ، المقاومة الشعبية المسلحة في القانون الدولي العام (إشارة خاصة إلى أسس الشرعية الدولية للمقاومة الفلسطينية، مرجع سابق، ص 64.

  7. () Schorlemer, Sabine, Human Rights: Substantive and International Implications of the War Against Terrorism, EJIL, vol. 14, 2003, 265 at pp. 271-272

  8. () قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (3236) الدورة 29 الصادر في 1974/11/22، المتعلق بالقضية الفلسطينية. انظر هذا القرار في القرارات الدولية المتعلقة بقضية اللاجئين منشور في الموقع التالي: www.pncecs.org/ar/file/l/kararat.doc تاريخ الزيارة: 21/10/2023.

  9. () قرار الجمعية العامة رقم 2649 الدورة (25) بتاريخ 30 تشرين الثاني نوفمبر 1970 المتضمن إدانة إنكار حق تقرير المصير خصوصاً لشعوب جنوب أفريقيا وفلسطين.

  10. () قرار رقم 2672 ،أ، ب، ج، د (الدورة 25) بتاريخ 8 كانون الأول (ديسمبر 1970) المتضمن الاعتراف لشعب فلسطين بحق تقرير المصير والطلب مرة أخرى من “إسرائيل اتخاذ خطوات فورية لإعادة المشردين.

  11. () انظر ميثاق الأمم المتحدة “الديباجة” 26 يونيو 1945.

  12. () انظر المادتين 1 و 2 من ميثاق الأمم المتحدة.

  13. () انظر المادة 2 فقرة 4 من الميثاق