تداعيات اللجوء الساسي وسبل معالجتها
Repercussions of Political Asylum and Approaches to Addressing Them
كاظم عبد الله غضيب1
1 الجامعة الإسلامية في لبنان، قسم القانون العام.
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj68/47
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/68/47
المجلد (6) العدد (8). الصفحات: 814 - 826
تاريخ الاستقبال: 2025-07-07 | تاريخ القبول: 2025-07-15 | تاريخ النشر: 2025-08-01
المستخلص: تُعدّ قضية اللجوء السياسي من أبرز القضايا المعاصرة التي تواجه المجتمع الدولي، لما تحمله من تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية وثقافية على دول المنشأ ودول الاستقبال على حد سواء. يهدف هذا البحث إلى دراسة هذه التداعيات وتحليل سبل معالجتها في إطار القانون الدولي والمعاهدات ذات الصلة، مع التركيز على مدى فاعلية التعاون الدولي في الحد من تفاقم هذه الظاهرة. اعتمد الباحث المنهج الوصفي التحليلي لاستعراض انعكاسات اللجوء السياسي على البنية الداخلية للدول، وما يسببه من ضغوط على مواردها واستقرارها الأمني والاجتماعي، إضافة إلى بحث الإطار القانوني الدولي لحماية اللاجئين. توصلت الدراسة إلى أن معالجة مشكلة اللجوء تتطلب تعزيز الدبلوماسية الوقائية، وإيجاد حلول تنموية محلية في دول المصدر، إلى جانب تطوير التشريعات الدولية وتفعيل مبدأ تقاسم المسؤولية بين الدول. كما أوصت بضرورة الحد من العوامل المسببة للجوء، خاصة النزاعات المسلحة والاضطهاد السياسي، وتبني استراتيجيات شاملة توازن بين البعد الإنساني والاعتبارات السياسية.
الكلمات المفتاحية: اللجوء السياسي، التداعيات الأمنية، الأبعاد الاقتصادية، المعالجات القانونية، التعاون الدولي.
Abstract: Political asylum is among the most pressing contemporary issues facing the international community, given its far-reaching political, security, economic, social, and cultural repercussions on both countries of origin and host states. This study aims to examine these repercussions and analyze avenues for addressing them within the framework of international law and relevant treaties, with particular emphasis on the effectiveness of international cooperation in curbing the escalation of the phenomenon. Adopting a descriptive–analytical approach, the research surveys how political asylum reshapes states’ internal structures, strains resources, and affects security and social stability, while also assessing the international legal framework for refugee protection. The study concludes that mitigating the asylum problem requires strengthening preventive diplomacy, developing local developmental solutions in countries of origin, and advancing international legislation alongside a genuine burden-sharing regime among states. It further recommends tackling root causes—especially armed conflict and political persecution—through comprehensive strategies that balance humanitarian imperatives with political considerations.
Keywords: political asylum; security repercussions; economic dimensions; legal remedies; international cooperation.
المقدمة
يتسبب اللاجئون في العديد من المشكلات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية سواءً في دول الأصل أو دول اللجوء، تعود هذه المشكلات بأسبابها إلى أنّ قرار اللاجئين من بلد المنشأ يؤدي إلى حدوث اختلالات في التوازنات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مثل تقوية أو إضعاف الجماعات المتصارعة بفعل التغير في التوازن السكاني، أو الآثار السلبية لظاهرة اللاجئين على النشاط الاقتصادي في بلد المنشأ بسب نقص الأيدي العاملة. وبالمثل يتسبب اللاجئون في مشكلات مماثلة في بلد اللجوء، بسبب ما يحدثونه من ضغوط على الموارد البيئية المحدودة أو على موارد الدولة المستقبلة للاجئين، أو بسبب تورطهم بشكل أو بأخر في الصراعات السياسية في دول اللجوء ([1]).
ولقد أجبرت هذه الآثار والتداعيات الخطيرة لمشكلة اللجوء المجتمع الدولي على استحداث مفاهيم جديدة وإعداد استراتيجيات ناشئة لمعالجة أزمات اللاجئين والتصدي لها، حيث أسفرت تلك الجهود عن بلورة نهج جديد يعطي الأولوية للعمل الوقائي ويركز اهتمامه على دول الأصل بدل دول اللجوء، وقد أصبح هذا النهج معروفاً اليوم باسم ” الدبلوماسية الوقائية “، التي تنهض على مقولة أن تحركات اللاجئين ليست بالضرورة مسألة حتمية، بل يمكن تفاديها من خلال اتخاذ إجراءات تهدف إلى تقليل أو إزالة التهديدات التي تجبر الناس على مغادرة بلادهم و التماس اللجوء لدى بلد آخر.
أولاً_ هدف البحث
تعكس دراسة قضية اللجوء بين واقعها العملي والاتفاقات الدولية أهمية التعاون الدولي وضرورة التفاهم والتضامن لمواجهة هذه التحديات الهامة التي تؤثر على الأفراد والمجتمعات على حد سواء.
ثانياً_ إشكالية البحث:
كانت وما زالت مشكلة اللجوء، وأوضاع اللاجئين وحمايتهم من القضايا الشائكة والحساسة التي تحاول دول المجتمع الدولي ومختلف منظماته ومؤسساته الحكومية وغير الحكومية، ومنذ الخمسينيات من القرن الفائت إيجاد حلول لها، بقصد تحسين ظروف من يعانون هجر أوطانهم أو النزوح عنها هرباً مما تشهده من حروب أو نزاعات مسلحة أو كوارث تجعل من الصعب، وأحياناً من المحال البقاء فيها والعيش بين ربوعها، لذلك كانت الإشكالية الرئيسية للبحث كما يلي:
ما هي التداعيات التي تنشأ عن اللجوء السياسي وماهي سبل معالجتها؟
اعتمدنا على المنهج الوصفي: وهو طريقة لدراسة الظواهر أو المشكلات العلمية من خلال القيام بالوصف بطريقة علمية، ومن ثم الوصول إلى تفسيرات منطقية لها دلائل وبراهين تمنح الباحث القدرة على وضع أطر محددة للمشكلة والذي يهدف إلى دراسة تطور حقوق اللاجئين والضمانات التي أعطيت لهم في المعاهدات والقوانين الدولية.
رابعاً_ خطة البحث
اعتمدنا التقسيم الثنائي من خلال تقسيم البحث إلى مطلبين، حيث تناولنا في المطلب الاثار السياسية والأمنية لمشكلة اللجوء من خلال فرعين، الفرع الأول الاثار السياسية، وفي الفرع الثاني الأثار.
أما في المطلب الثاني فقد تناولنا الآثار الاقتصادية والبيئية والاجتماعية لمشكلة اللجوء، من خلال فرعين، الاثار الاقتصادية في الفرع الأول، أما الآثار الاجتماعية في الفرع الثاني.
الآثار السياسية والأمنية لمشكلة اللجوء
تنشأ مشكلة اللجوء ابتداء من دولة المنشأ أو الأصل، نتيجة لانتهاك حقوق الإنسان فيها وبروز النظم الشمولية والتسلطية، أو لاحتدام الصراعات والحروب الأهلية، ومن ثم، فإن دولة المنشأ تتحمل جزءاً لا يستهان به من آثار هذه المشكلة ذلك أن الصراع، فضلاً عما يخلفه من قتلى ولاجئين فإنه يؤدي إلى آثار سياسية عميقة داخل مجتمعات هذه الدول، حيث يصبح الجسد السياسي للدولة مقعداً وعاجزاً عن أداء مهامه نتيجة التسييس المفرط لكل نواحي الحياة ([2]).
قد يتعدى الأمر ولا يقتصر على ما تفرزه مشكلة اللجوء من أثار سياسية، ولكنه قد يطرح آثاراً اجتماعية خطيرة على بلد المنشأ نتيجة التفكك الاجتماعي الذي يضرب بعنف البناء الاجتماعي، فيخل بمنظومة القيم السائدة، ويدفع بالناس، نتيجة الإحساس بعدم الأمان، إلى تجاهل كافة الاعتبارات الأخلاقية، فتنتشر أعمال السرقة والسطو، والقتل وتأمين لقمة العيش والاغتصاب، سعيًا للأمان، ثم إن مشكلة اللاجئين تطرح أثاراً اقتصادية قد تكون أكثر حدة من الآثار السابقة، حيث أن احتدام الصراع في بلد المنشأ، قد يدمر المنشآت العامة، ويُخرب البنية الأساسية من طرق و كهرباء ومياه، ويحول شرائح هامة من المجتمع إلى عاطلين بدون عمل أو أجر، بشكل يدفعهم ليكونوا بمثابة جيش من العاطلين يسهل تجنيدهم من جانب الفصائل المسلحة و(لوردات الحرب)، أو استغلالهم من جانب مختلف الأطراف المناوئة للحكومة، بل قد يصل الأمر إلى توقف عجلة الإنتاج الاقتصادية، وهجرة العقول خارج البلاد، فتفقد الدولة بذلك أثمن خبراتها([3]).
وإذا كان من المنطقي أن تتحمل دولة الأصل هذه الآثار بحكم تفجر الصراع فيها، فإن انتهاك حقوق الإنسان نتيجة تفاقم تلك الصراعات في بلد الأصل، وما تقذفه من موجات متعاقبة للاجئين إلى الدول المجاورة، تنتج آثاراً وتترك تداعيات لا تقل حدة على دولة اللجوء دون جريرة ارتكبتها اللهم إلا أنها فتحت أبوابها لاستضافة هؤلاء اللاجئين، وهو ما دفع ببعضها إلى التذمر من وجود اللاجئين فوق إقليمها.
وعليه سنقوم بتقسيم هذا المطلب على إلى فرعين، سوف نتحدث في الفرع الأول عن الأثار السياسية، أما في الفرع الثاني سوف نتحدث عن الآثار الأمنية.
الفرع الأول
الآثار السياسية
من الناحية السياسية، تؤدي ظاهرة اللاجئين إلى العديد من الآثار والنتائج، سواء بالنسبة لدولة الأصل أو بالنسبة إلى دولة اللجوء. فبالنسبة لدولة الأصل تؤدي هذه الظاهرة إلى التأثير سلباً على الوعاء المكاني للأطراف المتنازعة، حيث أن الحكومة وجماعات المعارضة تستمد قوتها البشرية من حجم ما يتوافر لها من طاقات بشرية، ويؤدي فرار الأفراد إلى الخارج إلى الانتقاص من حجم الطاقات البشرية المتاحة للجانبين، ويكون الطرف الأكثر تضرراً هو الطرف الذي شهدت جماعته الإثنية أو الدينية درجة أكبر من الفرار إلى الخارج وبالإضافة إلى ذلك، فهذه الظاهرة قد تؤدي إلى تفاقم أزمة الاندماج الوطني في دولة الأصل، لأن حالات هروب اللاجئين تكون في الكثير من الحالات نتاجاً لممارسات عدوانية لإبادتهم، ولإخضاعهم أو لدفعهم إلى الهرب من مناطق إقامتهم الأصلية([4]).
أما بالنسبة إلى دول اللجوء، فإن حشود اللاجئين القادمين من الدول الأخرى، والتي ما ترتبط بجماعات إثنية بعينها قاطنة بالقرب من حدود دولة مجاورة، أو تمتد بأفرادها على جانبي الحدود، تؤدي إلى بروز المخاوف من حدوث اختلال في التوازن الإثني داخل دولة اللجوء، مما يدفع بالسكان إلى اتخاذ مواقف عدائية حيالهم، بشكل قد يعمل إلى انتقال الصراع واشتماله من جديد في بلد اللجوء، وقد تكون هذه المخاوف ناجمة عن استعانة نظم الحكم في بلد اللجوء باللاجئين لتعزيز قبضتها على الحكم([5]).
وفضلاً عن ذلك، قد يكون اللاجئون سبباً للتوتر الداخلي في دولة اللجوء عاملاً مهماً لتكريس الانقسامات السياسية داخل الدول وفيما بينها خاصة في فترة التحول الديمقراطي، لأن الانتخابات والمنافسة السلمية على السلطة تؤدي إلى مناقشة القضايا، ومن بينها ملف اللاجئين، والذين عادة ما يكونون مصدراً للضيق والتبرم لدى أبناء البلد الأصليين، مما يقلل من ترحيب الدولة باستضافة اللاجئين.
ثم إن عملية التحول الديمقراطي، قد يكون من شأنها تقوية المشاعر الوطنية، بشكل يدفع المواطنين إلى الإحساس بأن اللاجئين وغيرهم من الغرباء يعتبرون مصدراً لكل مشكلات الدولة، ومن جهة أخرى، فإن تعزيز مصداقية الحكم لدى المواطنين، قد يدفع بجماعات الضغط الوطنية وبأحزاب المعارضة إلى معارضة سياسة نظام الحكم في استضافة اللاجئين. وهكذا فإن مسألة اللاجئين تبقى مطروحة بقوة على جدول أعمال الجدل السياسي الداخلي لدولة اللجوء([6]).
ولبيان أهمية ملف اللاجئين السياسيين في المرحلة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وما أفرزته من آثار على الانسانية بشكل عام باتت المواثيق والعهود الدولية، بالإضافة إلى معظم الدساتير تنص بين طياتها على حقوق الأفراد الذين يواجهون أسباب سياسية جدية في طلب اللجوء السياسي في بلدان أخرى، باعتباره حقاً من الحقوق الأساسية للإنسان، مثل حق الحياة والحرية في التعبير والأمان، وعدم التعرض للقهر والتعذيب والتمييز، والتماس مكان آخر أكثر أمناً وفقاً للمبادئ التي أقرها القانون الدولي.
إن الإعلان العالمي لحقوق الانسان الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 1948 والذي نصت ديباجته على أنه ” إن الجمعية العامة تنادي بهذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه المستوى المشترك الذي ينبغي أن تستهدفه كافة الشعوب والأمم حتى يسعى كل فرد وهيئة في المجتمع، واضعين على الدوام هذا الإعلان نصب أعينهم، إلى توطيد احترام هذه الحقوق والحريات عن طريق التعليم والتربية واتخاذ إجراءات مطردة، قوية وعالمية، لضمان الاعتراف بها ومراعاتها بصورة عالمية فعالة بين الدول الأعضاء ذاتها وشعوب البقاع الخاضعة لسلطانها”، هذه الديباجة تعتبر مرشدا للالتزام بفقرات الإعلان وضرورة اتباعها، التي جاءت في المادة الرابعة عشر منه: رد حق التماس ملجأ في بلدان أخرى والتمتع به خلاصاً من الاضطهاد.
الفرع الثاني
الآثار الأمنية
على الرغم من أن مشكلة اللاجئين تعتبر في الأساس مشكلة إنسانية بالنسبة للدول المستقبلة، إلا أنها تتسبب في الكثير من الحالات في نشوب مشكلات أمنية لهذه الدول، وينبع ذلك أساساً من طبيعة السياق السياسي الذي تنشأ فيه ظاهرة اللاجئين؛ فهي تحدث غالباً بوصفها نتيجة مباشرة للصراعات الداخلية في دول الأصل ويفر اللاجئون إما بسبب الاضطهاد وانتهاك حقوق الإنسان من جانب نظم الحكم في بلادهم الأصلية، أو هرباً من مناطق الصراع بين الحكومة وجماعات المعارضة. وفي كلتا الحالتين يمكن أن يكون اللاجئون سبباً في انتقال و انتشار حالة اللاأمن عبر الدول المجاورة، لأن اللاجئين يكونوا محملين بمشاعر انتقامية شديدة، كما أن ظروفهم المعيشية في الدول المستقبلة تكون سيئة بدرجة لا توفر لهم بديلاً يجعلهم يخلقون لأنفسهم حياة جديدة تماماً، حيث يبقى طموحهم الأكبر منصباً على السعي إلى العودة إلى بلادهم الأصلية، وهو هدف لا يتحقق إلا بالقوة المسلحة في مواجهة النظم الحاكمة، وبالإضافة إلى ذلك، فإن التعقيدات العديدة المحيطة بأوضاع اللاجئين يمكن أن تؤدي إلى نشوء توترات أو صراعات بينهم و بين نظم الحكم في الدول المضيفة، أو بينهم و بين جماعات إثنية أو سياسية أو دينية معينة في تلك الدول([7]).
وأمام هذه الأوضاع، ازدادت ممانعة الدول في إيواء أعداد كبيرة من اللاجئين، نتيجة التصور القائل بأن اللاجئين يشكلون تهديداً خطيراً للاستقرار الاجتماعي والأمن السياسي، ويُضيفون عناصر جديدة من عدم الاستقرار إلى الحالات التي تتسم بالتقلب فعلاً([8]).
كما إن مشكلة اللاجئين لا يمكن حلها بجهود أحادية الجانب، فلا بد من إشعار المجتمع الدولي بمسؤولياته الإنسانية والقانونية تجاه هؤلاء اللاجئين، وإيجاد نظام قانوني دولي متطور ومتكامل، بعيداً عن التدخلات السياسية، ووضع إجراءات أكثر صرامة، تكفل تطبيق هذا القانون من جهة، والعمل على دراسة وبحث مشاكل اللاجئين بصورة تفصيلية من أجل الوصول إلى حلول نهائية لها من جهة أخرى.
ويقرر فقهاء القانون الدولي أن اللجوء السياسي هو حق كفلته التشريعات الدولية وحثت عليه ودافعت عنه، وقد تكللت تلك الجهود بإنشاء المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، مما يؤكد أن حق اللجوء السياسي من الحقوق ذات الأهمية الكبرى في القانون الدولي، والشريعة الإسلامية قد سبقت تلك التشريعات بقرون عديدة بتقرير هذا الحق السامي من خلال النصوص الشرعية والاجتهادات الفقهية التي بينت مشروعيته وضوابطه، كما أن حماية اللاجئين هي مسؤولية الدول، ومنح هذا الحق ملزم لها، لاسيما الدول المنضمة إلى اتفاقية 1951 وبروتوكول عام 1967، ويؤكد فقهاء القانون الدولي على الرأي الراجح بأن حماية اللاجئ بعدم طرده أو رده إلى دولة الاضطراب من المبادئ العامة للقانون الدولي الذي أقرته الأمم المتمدنة، ومن ثم فهو ملزم لجميع الدول، ولو لم تكن أطرافاً في المعاهدات الدولية التي أقرته.
أما بالنسبة للمستوى المحلي، كثيراً ما يتم الربط بين اللاجئين والمشاكل مثل الجريمة والعنف المحلي والدعارة وإدمان الخمر والمخدرات، ومن المحزن أن هناك غالباً قدراً من الحقيقة في هذا التصور، بالرغم من أن اللاجئين يمكن أن يصبحوا بسهولة كبش الفداء لمشاكل لم يتسببوا فيها كلياً، وبشكل عام، فإن وجود عدد ضخم من اللاجئين في دول اللجوء يعد أحد العوامل في شيوع حالة انعدام الأمن، ومن الممكن تلخيص مجالات تأثير ظاهرة اللاجئين من النواحي الأمنية في النقاط التالية:
1- إن معسكرات اللاجئين يمكن أن تكون منابع لتجنيد المقاتلين الجدد من جانب جماعات المعارضة أو حتى من جانب حكومات الدول المستقبلة إذا كانت علاقاتها متوترة مع الدولة الأصل (أي الدولة المصدرة للاجئين)، ويكون التجنيد سهلاً لأن اللاجئين تكون لديهم مشاعر عارمة من الإحباط بسبب اضطرارهم إلى الهرب من بلادهم الأصلية و اضطرارهم إلى قبول العيش في ظروف اقتصادية وإنسانية بالغة القسوة في الدول المُستقبلة لهم، ولذلك، عادة ما يكون هناك مشاعر انتقامية عنيفة لدى اللاجئين من أجل الانتقام من نظام الحكم في بلدهم الأصلي الذي اضطرهم إلى الهرب واللجوء إلى الدول الأخرى([9]).
2- إن تدفقات اللاجئين يمكن أن تؤدي إلى نشوء مجتمعات بائـســـة ومحرومة، وتعاني من نقص حاد في الخدمات، بالإضافة إلى البؤس الشديد في الأوضاع المعيشية، وهو ما قد يؤدي إلى نشوب صراعات عنيفة على الغذاء والمياه والسكن من جانب اللاجئين وأيضا بينهم وبين المواطنين الأصليين، وبالذات من سكان مناطق إيواء اللاجئين.
3- وعلى الرغم من أن مستوطنات اللاجئين أو أماكن تجمعاتهم تحصل في الغالب على مساعدات دولية من جانب المفوضية السامية للاجئين والجمعيات الإنسانية الدولية، إلا أن هذه المساعدات الإنسانية تكون في كثير من الأحيان غير كافية، ولا تسمح إلا ببقاء اللاجئين على قيد الحياة، فضلاً عن أنها تتركز أساساً في مجالات توفير الغذاء، ولا تمتد أصلا إلى مجال تحسين البنية الأساسية في أماكن إيواء اللاجئين وتوفير مستوى معقول من المعيشة لهم([10]).
4- إن معسكرات اللاجئين غالبا ما تفرض أعباء اقتصادية وصحية على المجتمعات القريبة والمجاورة، كما تستنزف الموارد الاقتصادية للدول المضيفة، وهو ما يمكن أن يكون سبباً في نشوء حساسيات بين الجانبين.
وقد يؤدي ذلك إلى إثارة الرأي العام المحلي في دول اللجوء ضد اللاجئين، باعتبار أن قسمًا منهم يحمي ويدعم العناصر الإجرامية داخل المخيمات، باعتبارهم خطرًا على الأمن داخل هذه الدول. في ضوء هذه الآثار، بدأت معظم الدول في التعبير عن استيائها من استقبال اللاجئين والمشاكل التي يسببونها.
الآثار الاقتصادية والبيئية والاجتماعية والثقافية لمشكلة اللجوء
وما لبثت مشكلة اللاجئين في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية وما بعدها، إلى الوقت الراهن إلا تفاقماً في الازدياد، ليشمل فئات أخرى من الساعين للجوء بحجج مختلفة بحثاً عن العمل أو الرفاهية وغير ذلك، فما ارتكبت من فظائع إبان الحرب العالمية الثانية وما أفرزته من نتائج وخيمة على البشرية، وبروز حركات التحرر الوطنية بعد ذلك وما رافقها من نزاعات داخلية وخارجية، وتسلط بعض الأنظمة الدكتاتورية على شعوبها بأقسى انواع الاضطهاد والتعذيب، كل ذلك أفرز حالات كثيرة لموجات حالات من النزوح تنشد شواطئ الأمان والحرية في بلدان أخرى مع ما ينجم من مشاكل اقتصادية واجتماعية وثقافية للدول المستقبلة للاجئين، ولذلك اتخذت بعض الدول مواقف أكثر تشدداً في قبول اللاجئين[11]، إما لضعف مواردها الاقتصادية، أو لرغبتها بالمحافظة على مستوى المعيشة المرتفع لسكانها والهوية الثقافية، كما أن وجود اللاجئين في الدولة يعكس آثاراً لمشكلات اقتصادية وبيئية واجتماعية وثقافية شتى لما لوجودهم من إضافة كيان جديد على نسيج المجتمع، وللتعايش فيه لا بد من ظهور هذه المشكلات.
وفي هذا المطلب سنبحث في آثار تلك المشكلات على اختلاف أنواعها في فرعين، سوف نتحدث في الفرع الأول عن الاثار الاقتصادية والبيئية، وفي الفرع الثاني سوف نتحدث عن الآثار الاجتماعية والثقافية.
الفرع الأول
الآثار الاقتصادية والبيئية
يتوقف التأثير الاقتصادي لظاهرة اللجوء سلباً أو إيجاباً على عملية التنمية الاقتصادية في الدول المضيفة على أربعة عوامل رئيسية هي؛ سياسات الحكومات المضيفة تجاه اللاجئين وردود الأفعال الدولية نحو مشكلة اللاجئين واتجاه السكان المحليين نحو اللاجئين، وطبيعة الدوافع والنوايا الموجودة لدى اللاجئين أنفسهم، و في هذا الإطار، فإن هناك القليل جداً من الحالات التي يلعب فيها اللاجئون دوراً إيجابياً في دول اللجوء على الصعيد الاقتصادي، حيث أظهرت التجربة أن اللاجئين يمكنهم أن يُفيدوا المناطق التي ينتقلون للإقامة فيها، فقد يجتذبون المعونات الدولية لإقليم ظل محروماً من المساعدات الإنمائية، وفي بعض الحالات قد يُدخل اللاجئون محاصيل جديدة([12])، ويزيدون من الإنتاج الزراعي في المناطق التي يستقرون بها، وأحيانا، تجلب تحركات اللاجئين مهارات وموارد بشرية جديدة إلى المجتمع المضيف، كما يتيحون فرصاً في الشحن والتجارة، مما يوفر السلع الرخيصة للسكان المحليين، ومن ثم يحققون الازدهار للاقتصاد المحلي، وفي الوقت نفسه فإنه من السذاجة أن تهمل ونتجاهل الآثار السلبية لتحركات اللاجئين على دولة اللجوء ودولة المنشأ؛ فبالنسبة لدولة المنشأ يؤدي قرار السكان للدول المجاورة إلى هروب القوى العاملة المدربة، وتوقف عجلة الإنتاج، وهجرة العقول والأدمغة إلى خارج البلاد، وهو ما يزيد من حدة التدهور الاقتصادي وانتشار الفقر وتفاقمه([13]).
تكتسب الفكرة التي تقول بأن انتهاكات حقوق الإنسان هي من الأسباب الرئيسية لتدفق اللاجئين وفهماً يتسع نطاقهما باطراد، ومن الواضح أن هذا الفهم يمتد إلى الحقوق المدنية والسياسية وربما أيضاً إلى الحقوق الاقتصادية، فلا شك أن المشاكل الاجتماعية والاقتصادية أدت إلى الهجرة الطوعية والهجرة القسرية أو غير الطوعية، أما في دولة اللجوء، فتمثل تكلفة استضافة اللاجئين عبئاً هائلاً على كاهل الدولة المضيفة، إذ يتسبب وصول عدد ضخم من اللاجئين إلى منطقة ما بشكل حتمي تقريباً، في إجهاد الموارد المحلية النادرة، كما يشكل اللاجئون ضغطاً كبيراً على الخدمات الاجتماعية والموارد في الدولة المضيفة، ولاسيما في البلدان منخفضة الدخل حيث توجد الأغلبية العظمى من لاجئي العالم، كما يزداد مستوى المنافسة على مناصب العمل، و فرص توليد الدخل والتعليم والرعاية الصحية، بالإضافة إلى السلع الأساسية مثل الغذاء وخشب الوقود و مياه الشرب ومواد البناء.
ورغم أن بعض المنظمات الدولية والتطوعية تقدم المساعدات الغذائية والإنسانية إلى اللاجئين إلا أن جانباً كبيراً من احتياجات اللاجئين يتم تغطيتها من السوق المحلية مما يجعل من تدفق حشود اللاجئين عبئاً ضخماً على سلطات البلد المضيف، فبدلاً من السهر على مطالب السكان المحليين قد يجد المسؤولون بالحكومة أن إدارة مخيمات اللاجئين وغير ذلك من المهام المتعلقة بحالات الطوارئ تستهلك وقتهم ومواردهم([14]).
أضف إلى ذلك، أن تدفق اللاجئين بأعداد كبيرة على دولة الملجأ يؤدي إلى ضغوط على سوق العمل، فيصبح اللاجئون منافسين للعمالة المحلية في بعض المهن الرخيصة، بحكم أن اللاجئين يمثلون عمالة رخيصة جداً، فتنخفض أجور المواطنين، وتتعقد مشكلة البطالة، وترتفع أسعار السلع والخدمات، ويؤدي ذلك إلى توتر العلاقة بين اللاجئين والمواطنين الأصليين في بلد اللجوء، الذين يضيقون ذرعاً بهم.
وغني عن البيان، أن التدهور البيئي في دول الملجأ بعد إحدى النتائج الوخيمة للتدفق الجماعي للاجئين على أراضيها، لأن هذه التدفقات تمثل عبئاً هائلاً على الموارد البيئية المحدودة في تلك الدول ويبرز ذلك مثلا، نتيجة قطع الغابات لاستخدام أخشابها للوقود، أو لبناء الأكواخ في معسكرات اللاجئين، أو نتيجة للرعي الكثيف في مناطق تجمع اللاجئين وما حولها. وتظل هذه المشكلات تحدث آثارها طويلاً في بلد الملجأ حتى بعد عودة اللاجئين إلى ديارهم في بلد المنشأ([15]). وقد جذب التأثير البيئي قدراً هائلا من الاهتمام من جانب الباحثين الأكاديميين والمحللين المختصين ومنظمات الإغاثة والمعونة الإنسانية خلال السنوات القليلة الماضية، كما أن العديد من الدول الضعيفة الدخل قد تحججت به واعتبرته كأحد الأسباب الرئيسية لضعف استعدادها لاستضافة السكان اللاجئين على نطاق واسع، وأياً كان الأمر، فالحقيقة أن الضرر البيئي الذي تسببه حشود اللاجئين المتدفقة ومجموعات السكان المنفية، قد لا يكون بالضخامة التي تفترض أحياناً فقد أثارت الأبحاث الأخيرة بعض الشكوك حول فرضية أن اللاجئين يميلون لاستنزاف الموارد الطبيعية بأسلوب طائش لأنهم يفتقرون إلى الالتزام طويل الأجل بالمنطقة التي استقروا بها، وبالإضافة إلى ذلك، ففي بعض الحالات، تم عزو المشاكل البيئية التي سببتها عوامل أخرى بطريقة خاطئة بل وبطريقة خبيثة لوجود اللاجئين.
الفرع الثاني
الآثار الاجتماعية والثقافية
تتسبب ظاهرة اللجوء من الناحية الاجتماعية في حدوث آثار متداخلة سواءً في بلد المنشأ أو في بلد الملجأ، فاللاجئون يهددون التجانس الاجتماعي الداخلي في الدول المستقبلة لهم، ويقوّضون العديد من القيم المجتمعية المحلية من خلال تغيير التركيب الإثني والثقافي والديني واللغوي للدول المضيفة، كما يمثلون قوة هامة في دول اللجوء، ويؤثرون على سياساتها، وأيضا على علاقاتها مع دول المنشأ التي فروا منها. وفضلاً عن ذلك، تؤدي مشكلة اللجوء إلى بروز ظواهر الغربة والاقتلاع من الجذور، والقلق على المستقبل والوحدة، والتمزق الأسري وانحراف النساء، فمن المعروف أن اللاجئين يضطرون إلى الفرار من بلادهم الأصلية تحت تأثير الهجمات الانتقامية و عمليات التطهير العرقي والإبادة الجماعية، مما يدفعهم إلى الفرار إلى الخارج وتعمل هذه التطورات على تعميق المرارة الاجتماعية بين الجماعات السكانية داخل الدولة، وهو ما يتسبب في استدامة الصراع و إحداث شرخ في البناء الاجتماعي، كما يؤدي ذلك إلى زيادة عمق التفكك الاجتماعي و التحلل والتفسخ الأخلاقي، والإخلال بمنظومة القيم السائدة، ومن ثم تجاهل الاعتبارات الأخلاقية والخروج على قواعد القانون([16]).
ومن الأمور المهمة هو تطبيق الدول المضيفة مبدأ عدم الإعادة القسرية إلى الوطن، لكونه الضمانة للاجئين في مواجهة العودة بشكل قسري إلى بلدانهم الأصلية، وبالتالي تعرضهم للاضطهاد والتعذيب وخطر الموت، بسبب الحروب والنزاعات، والمشكلات التي كانت السبب في لجوء هؤلاء اللاجئين، واعتماد الميثاق العالمي للاجئين لسنة 2018 من قبل جميع الدول، من أجل تقاسم مسؤولية الدول في استضافة اللاجئين بشكل أكثر إنصافاً، والتعاون المستمر مع الدول المستقبلة للاجئين والمنظمات الدولية، سواء كانت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أو اللجنة الدولية للصليب الأحمر وغيرها من المنظمات المتخصصة في مجال حماية اللاجئين، وذلك بزيادة التمويل المقدم إلى المفوضية من أجل التمكن من تغطية أو زيادة المشاريع الجميع اللاجئين في البلدان المضيفة، وهذا يتطلب دعماً من جميع الدول.
والتخفيف من وجود بعض الصعوبات التي تواجه عودة الكفاءات العلمية إلى الوطن، ومنها الإجراءات الصعبة والطويلة بخصوص المخاطبات بين الجهات المختصة، وتوافر الخدمات الأساسية للاجئين لغرض مقاومة الظروف التي يعيشها اللاجئين، وذلك بتوفير المواد الغذائية وافتتاح المدارس للاجئين عن طريق التعاقد مع كوادر مدرسية بالتعاون مع الدول المضيفة والمنظمات الدولية، بالإضافة إلى إنشاء مراكز صحية بتقديم الخدمات الطبية نتيجة تفشي الأمراض بين اللاجئين، وبذل الدول العربية المزيد من الجهود في التعامل مع أوضاع اللاجئين العرب، كونها من الدول المصدرة للاجئين بشكل كبير في الآونة الأخيرة، وذلك بوضع حد للحروب والنزاعات المسلحة التي تجتاح المنطقة بين فترة وأخرى، باعتبارها من أهم الأسباب التي تدفع إلى اللجوء.
ومن الممكن أيضاً حماية الحقوق الاجتماعية والثقافية للاجئين عن طريق التشريعات المحلية في دولة اللجوء، بما في ذلك النصوص الدستورية التي كثيراً ما تنطبق على مواطني البلد وغيرهم عن طريق الضمانات الواردة في القوانين الوطنية، وبالإضافة إلى المبررات القانونية لاستخدام النصوص القانونية المحلية لمد يد العون إلى اللاجئين، قد تكون هناك أسباب سياسية وعملية وجيهة للتعامل مع احتياجاتهم الاجتماعية والاقتصادية ضمن القواعد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع المضيف([17]). وقد يكون ذلك أمراً هاماً على سبيل المثال لضمان حصول اللاجئين على معاملة تماثل المعاملة الممنوحة للمجتمع المحلي المضيف، لا على معاملة تفضيلية أو معاملة ينظر إليها على أنها تفضيلية.
كما أن مساعي مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمات الدولية للصليب الأحمر، والمنظمات غير الحكومية، قد تحبط أحيانا بسبب هذه العوائق، الأمر الذي يتطلب التزاماً من قبل المجتمع الدولي لإيجاد الحلول لهذه المشاكل؛ فالتعامل مع التحركات الإنسانية التي تنطوي على ملتمسين اللجوء، لا بد من أن يأخذ نهجة عالمية يوازن بين الهموم الإنسانية تلك المتعلقة بحقوق الإنسان وبين الاعتبارات المتعلقة بالسياسة الخارجية ومراقبة الهجرة والمهاجرين. وإضافة إلى ذلك لا بد من أن يكون هناك تركيز على مسؤوليات الدول في هذا الموضوع لكي لا تقع المسؤولية على الدول المستقبلة للاجئين فقط.
وعلى المجتمع الدولي أن يدرك أن ملتمسي اللجوء والنازحين قد دفعتهم أخطار وأسباب خارجة عن إرادتهم للبحث عن مكان آمن، وأن الدول معنية بتطبيق الالتزامات المفروضة على عاتقها بموجب الاتفاقيات الدولية[18]، الأمر الذي يوجب التعامل مع قضية اللاجئين بأبعادها الإنسانية بعيدا عن المتغيرات السياسية، وتوسيع نطاق تطبيق مفهوم اللاجئ في الوثائق الدولية ذات العلاقة، ليشمل كل شخص هرب من بلده لتعرضه لتهديد في حياته أو أمنه أو حريته بسبب عنف شامل، ومنازعات داخلية، أو يسبب انتهاكات حقوق الإنسان، أو بسبب تسلط الأنظمة العنصرية الدكتاتورية المتفردة بسلطتها الظالمة التي تنتهك حقوق الإنسان، أو بسبب ظروف أخرى أدت إلى الإخلال بالنظام العام بدرجة خطيرة في بلده الأصلي، ولا بد من تحديث وتطوير قانون اللاجئين، وسد ثغراته، وتكييفه ليتلاءم مع الاحتياجات الجديدة للاجئين التي تتطلب حماية قانونية فعالة تشمل جميع اللاجئين والمشردين في جميع أنحاء العالم، دون أي تميز، والعمل على تشجيع الدول على الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية الخاصة باللاجئين وخصوصا اتفاقية جنيف لعام 1951 الخاصة باللاجئين والبروتوكول الملحق بالاتفاقية لعام 1967، ودعوة الدول إلى استصدار تشريعات وطنية لتطبيق هذه الاتفاقيات ومواكبة نظام القانون الدولي اللاجئين، وبذل كل الجهود الممكنة لضمان تطبيق هذا القانون على نحو يخدم صالح ملايين اللاجئين والنازحين في العالم، وإن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، والتي تضطلع بالدور الرئيس في مجال تقديم الحماية والمساعدة إلى اللاجئين في جميع أرجاء العالم، تعاني أزمة مالية خطيرة يمكن أن تحد بشكل خطير من قدرتها على القيام بمسؤولياتها الأساسية ولذلك إذا أريد للمفوضية أن تقوم بالمسؤوليات التي عهد بها إليها، وفي الوقت نفسه، فإن اللاجئين غالباً ما يتجهون إلى دول اللجوء في ظروف غير عادية تدفعهم إلى التخلي عن منظومة قيمهم، حتى يمكنهم الحفاظ على حياتهم، مما يدفعهم إلى ارتكاب ممارسات غير طبيعية وغير قانونية من قتل وسرقة وسطو مسلح من أجل تأمين لقمة العيش. كما أنهم من ناحية أخرى، قد يدخلون في تحالفات اجتماعية مع أبناء جلدتهم من الوطنيين في دول الملجأ، بشكل يؤدي إلى إعادة رسم خريطة التفاعلات بين جماعات دول الملجأ، ويخل بالتوازن الاجتماعي القائم ويفتح المجال واسعاً أمام ظهور التوترات الاجتماعية ونشوب الصراع المستديم([19]).
وعادة ما تكون الآثار الأكثر خفاءً للنزاع هي الأكثر إيلامًا، وهي أن الأطفال هم الذين يتحملون العبء الأكبر بعد العيش عبر سنوات من العنف والمعاناة، ليصبحون أكثر احتمالاً للتعرض للمشكلات النفسية والوقوع ضحية للعنف والإجبار على زواج الأطفال والتجنيد في الجماعات المسلحة، وإن مشكلة اللاجئين لا يمكن حلها بجهود أحادية الجانب، وبموجب القانون الدولي ومبدأ وحدة الأسرة فإن أطفال اللاجئين يعتبرون كذلك لاجئين حتى التوصل لحل دائم.
وتعترف مفوضية اللاجئين بالذرية بصفة اللجوء على ذلك الأساس وهي ممارسة تحظى بقبول واسع النطاق في المجتمع الدولي، فلا بد من إشعار المجتمع الدولي بمسؤولياته الإنسانية والقانونية تجاه هؤلاء اللاجئين[20]، وإيجاد نظام قانوني دولي متطور ومتكامل، بعيدا عن التدخلات السياسية، ووضع إجراءات أكثر صرامة، تكفل تطبيق هذا القانون من جهة، والعمل على دراسة وبحث مشاكل اللاجئين بحث تفصيلي من أجل الوصول إلى حلول نهائية لها من جهة أخرى، وللاجئين الحق مثل كافة الأفراد في التمتع بالمستوى المعيشي الكافي بما في ذلك الغذاء الكافي والمأوى المناسب، بالإضافة إلى الصحة البدنية والنفسية، إلا أن الاحتياج الأساسي للاجئين هو السلامة – أي السلامة البدنية – التي لا يستطيعون الحصول عليها في مواطنهم الأصلية. ومن ثم فإن أول التزام على الدول بموجب الاتفاقيات الخاصة باللاجئين هو عدم طردهم أو ردهم إلى بلدان قد يتعرضون فيها لخطر([21])، ولذلك فكثيراً ما يوصف منح وضع اللجوء بأنه بديل دولي للحماية التي ينبغي أن توفرها الدولة التي يحمل الفرد جنسيتها أو يقيم فيها عادة، لما أن اللاجئين قد اضطروا إلى الفرار، ونظراً للأسباب التي حملتهم على ذلك، فكثيراً ما يصلون إلى الدول المضيفة محطمين، وفي حاجة إلى العلاج الطبي، وبدون أي مال أو مصدر للرزق، وبصفة عامة لا يتكلم اللاجئون لغة الدولة التي يلجأن إليها، وتعرضهم للعداوة من قبل غيرهم من المقيمين في الدولة التي لجأوا إليها([22])، وهم معرضون بوجه خاص للاستغلال والعنف في أثناء فترة فرارهم أو أثناء وجودهم في بلد اللجوء، كما أنهم معرضون للمعاناة النفسية والمصاعب الجمة التي يلقونها في سعيهم للحصول على مصدر للرزق.
ومما سبق نستنتج أن الآثار التي يسببها اللجوء من النواحي السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والبيئية، والاجتماعية، عكست الكثير من المشكلات على بلد الأصل، وبلد اللجوء، ومآله هو ذاك الفراغ الذي يتركه اللاجئ في بلده الأصل، إضافة إلى تلك المشكلات التي يتسبب بها في بلد اللجوء.
الخاتمة
تعتبر ظاهرة اللجوء دلالة على وجود خلل ومرض في مجتمع ما، حيث إنها تبين بجلاء أن هذا الأخير غير قادر على توفير الحقوق الأساسية لأفراده أو لفئات اجتماعية وسياسية ما والسماح لهم بالمشاركة بكامل الحرية وفي ظروف آمنة ومشرفة في الحياة الوطنية. وتعبر ظاهرة اللجوء كذلك عن مستوى رقي الدول حينما تقبل أو ترفض فتح أبوابها لمن يستنجدون بحمايتها كما يترتب على الاعتراف بصفة لاجئ تمتعه بعدد من المبادئ القانونية المقررة لحمايته، وعلى رأسها مبدأي عدم الرد وعدم تسليم المجرم السياسي، إنما الاتجاه الحديث بدأ اولاً بعدم تسليم المضطهدين لأسباب سياسية، تلك خطوة تعتبر بلا شك خطوة كبيرة للأمام نحو الاعتراف بحق الأفراد في الحصول على الملجأ.
إن مشكلة اللجوء التي تواجه المجتمع الدولي أصبحت من أكثر القضايا إلحاحاً، كون اللاجئين هم من بين أكثر مجموعات الناس تعرضاُ للمعاناة، سواء كان ذلك نتيجة الصراع، أو الاضطهاد، أو غير ذلك من الانتهاكات.
وفي نهاية البحث توصلنا إلى العديد من النتائج والتوصيات التالية:
أولاً_ الاستنتاجات
- ينطبق وصف اللاجئ السياسي على من يوجد به ما يبرر، خوفه بسبب التعرض للاضطهاد السياسي أو بسبب الرَّأي السياسي أو الجريمة السياسية، وألا يرغب بحماية دولته الأصلية.
- يعتبر القانون الدولي وقواعده الأمرة ضمانة أساسية ومهمة للاجئين السياسيين في سبيل تطبيق الحقوق والمعايير والمبادئ الدولية التي تمنع الدُّول من اضطهادهم أو إعادتهم للخطر، كما يعتبر التّعاون الدولي مكملاً لهذه النصوص القانونية؛ لأنَّ النص دون تطبيق يبقى حبراً على ورق، كما يعتبر التعاون الدولي المحور الأساس في ظل غياب التشريع الدولي الكافي.
ثانياً_ التوصيات
- إيجاد نوع من البدائل المحلية المساعدة في البلدان المصدرة للاجئين تقوم على مشاريع تنموية من شأنها التقليل من موجات اللجوء والهجرة، وذلك لمساعدة الناس على الاستقرار في أوطانهم، وتقليص الهوة بين الدول المتقدمة والدول النامية.
- تذليل كافة المعوقات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تعيق تطبيق نظام فعال للحماية الدولية للاجئين، ومطالبة الدول والمنظمات الدولية بالقيام بالدور الفعال الذي يتناسب مع حجم مشكلة اللاجئين وتفاقمها والازدياد المطرد في عدد اللاجئين حول العالم.
المصادر والمراجع
إيناس محمد البهجي، حق اللجوء السياسي، دار النديم، الأردن، 2004.
إبراهيم خليل مصطفى، آليات الحماية الدولية لحقوق الإنسان: دراسة نظرية وتطبيقية على ضوء تنفيذ المعاهدات الدولية والإقليمية والوكالات المتخصصة المعنية بحقوق الإنسان، دار النهضة العربية، القاهرة، 2019.
إبراهيم خليل مصطفى، آليات الحماية الدولية لحقوق الإنسان، (دراسة نظرية وتطبيقية على ضوء تنفيذ المعاهدات الدولية والإقليمية والوكالات المتخصصة المعنية بحقوق الإنسان)، دار النهضة العربية، القاهرة، 2019.
احمد أبو الوفا، الحماية الدولية لحقوق الانسان في إطار منظمة الأمم المتحدة والوكالات الدولية المتخصصة، دار النهضة العربية، القاهرة، 2000.
أحمد نبيل حلمي، الإرهاب الدولي وفقاً لقواعد القانون الدولي العام، دار النهضة العربية، القاهرة، 2002.
أسامة محمد البدر، مواجهة الإرهاب (دراسة في التشريع المصري والمقارن)، النسر الذهبي للطباعة عابدين، مصر، 2000.
أسامة محمد البدر، مواجهة الإرهاب (دراسة في التشريع المصري والمقارن)، النسر الذهبي للطباعة عابدين، مصر، 2000.
جمال العيدي، اللجوء السياسي في القانون الدولي العام، الطبعة الأولى، دار الجامعة الجديدة، مصر، 2017.
جمال العيدي، اللجوء السياسي في القانون الدولي العام، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2009.
عبد الغني محمود، تسليم المجرمين على أساس المعاملة بالمثل، دار النهضة العربية، القاهرة، 2000.
عبد الفتاح بيومي حجازي، قواعد أساسية في نظام محكمة الجزاء الدولية، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، 2006.
عبد الله الأشعل، القانون الدولي المعاصر، دار النهضة العربية، القاهرة، 2003.
محمد عبد السلام سلامة، اتفاقيات السلام الفلسطينية اليهودية في ميزان القواعد القانونية الدولية، شبكة المعلومات الجامعية جامعة عين شمس، مصر، 2000.
مصطفى يونس محمد مصطفى، القانون الدولي العام، دار النصر للتوزيع والنشر، فرع جامعة حلوان، مصر، 2002.
مصطفى يونس محمد مصطفى، القانون الدولي العام، دار النصر للتوزيع والنشر، فرع جامعة حلوان، مصر، 2006.
الهوامش:
-
() جمال العيدي، اللجوء السياسي في القانون الدولي العام، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2009، ص732. ↑
-
() أحمد نبيل حلمي، الإرهاب الدولي وفقاً لقواعد القانون الدولي العام، دار النهضة العربية، القاهرة، 2002، ص39. ↑
-
() عبد الله الأشعل، القانون الدولي المعاصر، دار النهضة العربية، القاهرة، 2003، ص112. ↑
-
() جمال العيدي، اللجوء السياسي في القانون الدولي العام، الطبعة الأولى، دار الجامعة الجديدة، مصر، 2017، ص779. ↑
-
() احمد أبو الوفا، الحماية الدولية لحقوق الانسان في إطار منظمة الأمم المتحدة والوكالات الدولية المتخصصة، دار النهضة العربية، القاهرة، 2000، ص45. ↑
-
() عبد الفتاح بيومي حجازي، قواعد أساسية في نظام محكمة الجزاء الدولية، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، 2006، ص45. ↑
-
() أسامة محمد البدر، مواجهة الإرهاب (دراسة في التشريع المصري والمقارن)، النسر الذهبي للطباعة عابدين، مصر، 2000، ص23. ↑
-
() عبد الغني محمود، تسليم المجرمين على أساس المعاملة بالمثل، دار النهضة العربية، القاهرة، 2000، ص16. ↑
-
() إبراهيم خليل مصطفى، آليات الحماية الدولية لحقوق الإنسان، (دراسة نظرية وتطبيقية على ضوء تنفيذ المعاهدات الدولية والإقليمية والوكالات المتخصصة المعنية بحقوق الإنسان)، دار النهضة العربية، القاهرة، 2019، ص34. ↑
-
() عبد الفتاح بيومي حجازي، قواعد أساسية في نظام محكمة الجزاء الدولية، المرجع السابق، ص70. ↑
-
() إيناس محمد البهجي، حق اللجوء السياسي، دار النديم، الأردن، 2004، ص22. ↑
-
() مصطفى يونس محمد مصطفى، القانون الدولي العام، دار النصر للتوزيع والنشر، فرع جامعة حلوان، مصر، 2002، ص22. ↑
-
() عبد الغني محمود، تسليم المجرمين على أساس المعاملة بالمثل، المرجع السابق، ص62. ↑
-
() أسامة محمد البدر، مواجهة الإرهاب (دراسة في التشريع المصري والمقارن)، النسر الذهبي للطباعة عابدين، مصر، 2000، ص90. ↑
-
() محمد عبد السلام سلامة، اتفاقيات السلام الفلسطينية اليهودية في ميزان القواعد القانونية الدولية، شبكة المعلومات الجامعية جامعة عين شمس، مصر، 2000، ص44. ↑
-
() عبد الواحد الفار، أسرى الحرب، المرجع السابق، ص11. ↑
-
() إبراهيم خليل مصطفى، آليات الحماية الدولية لحقوق الإنسان: دراسة نظرية وتطبيقية على ضوء تنفيذ المعاهدات الدولية والإقليمية والوكالات المتخصصة المعنية بحقوق الإنسان، دار النهضة العربية، القاهرة، 2019، ص19. ↑
-
() مصطفى يونس محمد مصطفى، القانون الدولي العام، دار النصر للتوزيع والنشر، فرع جامعة حلوان، مصر، 2006، ص199. ↑
-
() محمد عبد السلام سلامة، اتفاقيات السلام الفلسطينية اليهودية في ميزان القواعد القانونية الدولية، المرجع السابق، ص87. ↑
-
() إبراهيم خليل مصطفى، آليات الحماية الدولية لحقوق الإنسان: دراسة نظرية وتطبيقية على ضوء تنفيذ المعاهدات الدولية والإقليمية والوكالات المتخصصة المعنية بحقوق الإنسان، المرجع السابق، ص200. ↑
-
() إبراهيم خليل مصطفى، آليات الحماية الدولية لحقوق الإنسان، المرجع السابق، ص79. ↑
-
() محمد عبد السلام سلامة، اتفاقيات السلام الفلسطينية اليهودية في ميزان القواعد القانونية الدولية، شبكة المعلومات الجامعية، المرجع السابق، ص51. ↑