الطبع الشعرى بين النقاد القدامى والمحدثين

Poetic Nature between Ancient and Modern Critics

د. حاشى أمين ترتور الضاي1

1 قسم اللغة العربية-كلية التربية-جامعة الدلنج، السودان.

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj69/32

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/69/32

المجلد (6) العدد (9). الصفحات: 521 - 533

تاريخ الاستقبال: 2025-08-07 | تاريخ القبول: 2025-08-15 | تاريخ النشر: 2025-09-01

Download PDF

المستخلص: تهدف هذه الورقة إلى تفكيك مفهوم الطبع الشعري وصلته بـالإبداع في النقد العربي، عبر تتبّع أطروحات النقاد القدامى والمحدثين ومناهجهم في تناول العلاقة بين الموهبة الفطرية (الملكة) والصنعة والدربة وبواعث القول الشعري. اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي-التحليلي المدعّم بآليتي الاستنباط والاستقراء من النصوص النقدية المؤسسة (الجاحظ، ابن قتيبة، القاضي الجرجاني، ابن رشيق، ابن طباطبا، حازم القرطاجني) وما تلاها من مقاربات حديثة ذات منحى نفسي. خلصت النتائج إلى أنّ الإبداع الشعري يتأسس على طبعٍ مصقولٍ بالممارسة والمعرفة؛ فلا يكفي الاستعداد الفطري دون تقويمٍ بالأدوات والمران، كما لا تُغني الصنعة عن حرارة الطبع. وأثبتت الدراسة مركزية البواعث النفسية (كالشوق والطرب والغضب والعشق) في تحفيز الخيال والصور والمعاني، مع التأكيد على ضرورة تنقيح القصيدة وتجوديها قبل عرضها على المتلقي، وأنّ بروز شخصية الشاعر شرطٌ لخصوصية التجربة وفاعلية الأثر في نفوس السامعين. كما أبرزت الدراسة اتجاهاً نقدياً حديثاً ذي طابع تكاملي بين الشعر وعلم النفس يقرأ النص من زاوية الانفعالات والتمثّلات والتخييل وأثره التواصلي. وتوصي الورقة باستكمال سدّ النقص في التأليف النقدي المتخصص في الطبع والإبداع، وتعميق الدراسات النفسية-الجمالية التي تدرس العلاقة بين الطبع/الصنعة والتلقي زمنَ الإنتاج الشعري وشروطه.

الكلمات المفتاحية: الطبع الشعري، الإبداع الشعري، الصنعة والدربة، بواعث الشعر، الاتجاه النفسي في نقد الشعر.

Abstract: This study explores the concept of poetic nature and its relationship to creativity within the framework of classical and modern Arab criticism. It investigates how critics perceived the balance between innate poetic talent، artistic craftsmanship، and experiential training، while also addressing the psychological and motivational factors that inspire poetic production. Adopting a descriptive-analytical approach supported by deductive and inductive reasoning، the research highlights that poetic creativity is rooted in an innate faculty refined through practice and knowledge. The study emphasizes that poetic motives—such as longing، joy، anger، or love—are central to stimulating imagination and shaping imagery. It also concludes that the refinement and revision of the poem are essential before presentation، ensuring both aesthetic quality and effective reception. Modern critics expanded the discussion by integrating psychological dimensions، establishing what is now called the integrative approach between poetry and psychology. The study recommends filling the gap in specialized critical works on poetic nature and creativity، and encourages further research into the psychological-aesthetic nexus that links poetic talent، artistic practice، and audience reception.

Keywords: Poetic nature; Poetic creativity; Craft and training; Motives of poetry; Psychological approach in criticism.

تمهيد:

نظر النقاد الى الانتاج الشعري للشعراء وعمدوا على الوقوف عند الطبع الشعري او الابداع الشعري، وتفسير كنهه فربطوا في البدء بينه وبين السحر والكهانة، حيث نسبوا كل رائع ومجهول الى القوة السحريه، اعتقادا منهم حينها أن الشعر تمنحه الشياطين و هو ما تعارف عليه بنظريه شياطين الشعراء، ولكن هذا الاعتقاد لم يسد طويلا وارجع ظهوره الى ارتباط العرب بالسحر والكهانة قبل الشعر، وسرعان ما تلاشت هذه النظريه ا تجه النقاد الى النظر في الطبع الشعري لكل شاعر الذي يقوم على الدربة و الدراية، المعتمد على الموهبه والملكة الشعريه، ومحاولة سبر غور هذه القضيه، تكاملت اراء النقاد القدامى و المحدثين متفقة أو مختلفة في بعض جوانب القضية، و يعد الطبع الشعري من السمات البارزة لدى الشعراء حينما تظهر الارهاصات الأولى للملكة و الموهبة الشعرية، وقد نادى النقاد بأن على الشاعر ان يجود شعره وينقحه قبل ان يبرزه للمتلقي، وأن على الشاعر الاعتماد على الدربة و المران في تنقيح المعاني و الألفاظ و الأساليب، كما نادى النقاد أن الشاعر المطبوع لا بد أن يمتلك ادوات الشعر، كما ربطوا ما بين الشعر و مدى تأثيره على المتلقي، و أن الشعر لا بد أن يقوم على بواعث تبعث على نظم الشعر، و ارتكز النقاد المحدثون على الربط ما بين الشعر و الدراسات النفسية و هو ما اصطلح عليه بالاتجاه التكاملي أو الأسس النفسية لدراسة الشعر.

الطبع الشعري:

الطبع الشعرى من القضايا النقدية التى لقيت إهتماماً من قبل النقاد القدامى والمحدثين على حد سواء، وذلك بدراستها وسبر غورها وإبداء الآراء النقدية حولها بغيه الكشف عن مكنونها، حيث نظر النقاد الى جمالية النص الشعرى الذى يسبغه الشاعر المبدع الى ابداعه حتى يجد صدى في نفس الملتقى، ومن هنا برز موضوع الطبع والموهبة والابداع الشعرى القائم على الملكة الفنية المصقولة بالدربة والدراية والتجربة الشعرية، وقد كان هنالك تصور ذهنى عن ماهيه الابداع والموهبة الشعرية؟

حيث برز اعتقاد بان الشعر إنما تمنحه قوى خارجية غير بشرية، وهو ما عرف بمقوله شياطين الشعراء اعتقاداً لكل شاعر شيطان، وقد ناقش النقاد المحدثون هذه النظرية حيث يرى الدكتور عبد القادر: (ان نظرية شيطان الشعر التى جاء بها القدامى لا يمكن التسليم بها كحكم جاهز، والا جمدنا طبيعة البحث العلمى) ([1]).

ويعلق الدكتور محمد الربداوى، في ان ما جاء في الشعر من ذكر شياطين الشعراء ياتى على وجه المثل، لان كل الصفات التى سبقت إنما خصيصه بالشاعر قبل الشيطان، وربما اخذوا هذا الاعتقاد الخرافي من الكهانة التى كانت ضارية في القدم عند العرب اكثر من الشعر ([2]).

وبهذا الارتباط الذي ارجعه النقاد الى الصلات التى نبعت بين الشعر والسحر والكهانة، وقد اتجه النقاد بعدها الى مناقشة قضية الطبع والموهبة والابداع تجاوزاً لنظرية شياطين الشعر التى هى أقرب الى الكهانة، ذلك لان الشعر في حقيقته خصيص بالشاعر يستند على الطبع المصقول بالدربة والدراية والتجربة الشعرية المعتمدة على الموهبة والمكلة النفسية.

ويري الجاحظ بأن قيمة الشعر ترجع الي الجهد الإنساني الذي يكابده الشاعر في إقامة الوزن وتميز اللفظ وجوده السبك. ويعتقد الجاحظ بأن أساس الشعر هو الطبع مع أنه لا ينفي الممارسة كجهد وقصد.

وتحدث عن الطبع في معرض حديثة عن أهل ثقيف إذ هم في رايه أهل دار ناهيك بها خصباً وهم إن كان شعرهم أقل فان ذلك يدل علي طبع في الشعر عجيب.

ويري الجاحظ بأن الطبائع تتعدد فقد يكون لشخص ما طبع في تأليف الرسائل والخطب ولا يكون له طبع في قرض الشعر، ويستدل بأن عبد الحميد الكاتب وابن المقفع لا يستطيعان _مع بلاغتهما _علي قول الشعر ونظمه.

ويتساءل الجاحظ هل من ُرزق موهبه الأدب يستطيع أن يٌبدع في كل فروعه، في إجابته تراه ينفي ضرورة القدرة علي الإبداع في كل فرع من الفروع علي جهة التعميم يقول: (قد يكون الرجل له طبيعة في الحساب وليس له طبيعة في الكلام ‘وتكون له طبيعة في التجارة وليس له طبيعة في الغناء.

وقد وقف الجاحظ في تفسيره للإبداع عند ظاهرة الموهبة التي تفضي الي الإبداع في الشعر، وحديثه حولها يكشف عن بصيرة نافذة ورؤية فاحصة وحس دقيق، وقد بدأ حديثه حولها وخاصة عند بداية تباشيرها وإرهاصاتها عند من شعر في نفسه ميلاً نحو الأدب، فتراه يرشد السائر في أول الطريق الي كيفية تنمية الموهبة الوليدة ورعايتها يقول:( وأنا أوصيك ألاّ تدع التماس البيان والتبين إن ظننت أن لك فيهما طبيعة وإنهما يناسبانك بعض المناسبة ويشاكلانك في بعض المشاكلة ولا يتهمك طبعك فيستولي الاهمال علي قوه القريحة ويستبد بها سوء العادة).

كما يري بأن موهبة الأديب أو الشاعر المبدع تحتاج الي الثقافة والدربة، ويري أن الأمر يرتكز علي المران للكشف عن كفاءة الموهبة وإثبات جدارتها.

ثم يتحدث عن إخراج النصوص والنماذج فيوصي الأديب المبدع أن لا يتعجل في عرضها قبل أن يُجري لنفسه إختباراً يعرف من خلاله اذا كان أدبه يلقي أُذناً صاغية ورواجاً أم لا، يقول):فإن أردت أن تتكلف هذه الصناعة وتنتسب إلي هذا الأدب فقرضت قصيدة أو حبّرت خطبه او ألفت رسالة فإياك أن تدعوك ثقتك بنفسك، أو يدعوك عجبك بنمو عقلك، الي أن تنتحله وتدعيه ولكن أعرضه علي العلماء في عرض رسائل وأشعار، فإن رأيت الأسماع تصغي إليك والعيون تخرج إليه ورأيت من يطلبه ويستحسنه فانتحله فإذا عاودك ذلك مراراً فوجدت الأسماع عنه منصرفة والقلوب لاهية فخض في غير هذه الصناعة، وأجعل رائدك الذي لا يكذبك حرصهم عليه أو زهدهم فيه).

وقد ربط الجاحظ بين الشعر وسائر الصناعات تاكيداً علي القدرة في تطويع المعني وتجسيده وإخضاعه للتشكيل وحسن الصياغة، والي هذا اشار حينما ألحّ علي كون الشعر صناعة وضرباً من النسيج وجنساً من التصوير.

كما نادي الشاعر المبدع بأن يُجود شعره تجويداً كاملاً إذ يري بأنّ عبارة عبيد الشعر تعني كل من جوّد في جميع شعره ووقف عند كل بيت قاله وأعاد النظر حتي تخرج أبيات القصيدة كلها مستوية في الجودة ([3]).

وكان مُعجباً بخاصية تجويد وتنقيح الشعر عند عبيد الشعر، يقول: ( لولا أن الشعر إستعبدهم وإستفرغ مجهودهم حتي أدخلهم في باب التكّلف وأصحاب الصنعه ومن يلتمس قهر الكلام إغتصاب الألفاظ، لذهبوا مذهب المطبوعين الذين تأتيهم المعاني سهواً وزهواً وتنثال عليهم الألفاظ إنثيالاً([4]).

أمّا حازم القرطاجني فقد كان من أكثر النقاد القدامى إنتباهاً وتحديداً لموضوع الإبداع، لأنه لم يغفل جانب الطبع، وقد عرض القضية كأنها ذات مراحل، فالشعر صناعة آلتها الطبع، فقد قرر منذ البداية أنه لن يكون هنالك شعر حقيقي ما لم يُوجد طبع، ولم يترك المصطلح هكذا دون تحديد بل حاول أن يتعمقه وحاول محاصرة جوانبه حتي خرج بالتسمية الآتية: (الطبع هو إستكمال للنفس في فهم أسرار الكلام والبصيرة بالمذاهب والأغراض التي من شأن الكلام الشعري أن ينحي به نحوها، فإذا أحطت بذلك علماً قويت علي صوغ الكلام بحسبه عملاً)([5]).

فالقرطاجني يتحدث عن الطبع المصقول ويستدرك بأن الطبع وحده لا يمكن إن يصنع شاعراً، لان الطبائع تفسد مثل تلك الألسنه التي يداخلها اللحن([6]).

إذاً فالطبع عنده طبع سليم يمتلك القدرة علي الإبداع كما يحتاج الي الدريه والتمرين، حيث يقول (الطباع أحوج الي التقويم في تصحيح المعاني والعبارات عنها في الألسنه الي ذلك في تصحيح الكلام الجاري في أواخر الكلام([7]).

وهنا تبرز عند القرطاجني فكرة التكامل بين الطبع والأدوات يقول:(للعلم بالشعر جانبين متداخلين جانباً فطرياً مرتبطاً بالحساسية التلقائية التي يتميز بها الشاعر والتي تمكنه من إدراك ما لا يدركه الآخرون نوجانبا آخر مرتبطاً بالتعليم وإتباع الأصول المتعارف عليها)([8]).

ولعل ما ذهب اليه حازم يكمل الصورة العامة عن هذه القضية من حيث الإلحاح علي طراز معين من الطبع هو الكفيل بخلق الشاعر مع الإطار والأدوات التي تقويه.

كما أدرك حازم عند حديثه عن الطبع بأن الطبع ليس في مقدوره بأن يقف وحيداً في مواجهة عملية معقدة كالإبداع، بل هو في حاجة الي من يدعمه ويقويه، وقد نبّه الي مسالة التوارث الشعري، وأن يُقلد الشاعر الذي سبقه وأن يأخذ منه، يقول: (وأنت لا تجد شاعراً مجيداً منهم إلاّ وقد لزم شاعراً آخر المدة الطويلة وتعلّم منه قوانين النظم، وإستفاد منه الدربة في إتخاذ التصاريف البلاغية ([9]).

وقد عرج حازم عند تناوله للإبداع الشعري الي الأثر الذي يخلفه هذا الإبداع في نفس السامع أو المتلقي، وقد جاء تناوله لها بعد وقوفه علي مجمل الآراء النقدية السابقة، ولعلّ أكثر العناصر ثراءاً هو تناوله في بحثه عن تأثير الشعر في النفوس، بل وقف عند العبارات التي تربط ما بين الشعر ومكوناته من جانب وتاثيره علي المتلقي من جانب آخر وهي الأكثر دورانا عنده، وقد عرفّ الشعر بقوله: (كلام مخيل موزون، والتخييل أن تتمثل للسامع من لفظ الشاعر المخيل، أو معانيه، أو أسلوبه، أو نظامه، وتقوم في صياغة صورة أو صور ينفعل بها لتخيلها وتصورها إنفعالاّ من غير رؤية إلي جهة الإنبساط والإنقباط.

ومعني هذا أن الأثر المترتب علي التخيل يُشكل إستجابة نفسية تلقائية يمليها النص المتخيل علي السامع.

وقد قادته نظرته إلي المحاكاة أو التقليد الي الإمعان في الحديث عن العناصر الفعّالة في التأثير علي المتلقي، وقد ربط ما بين العناصر الفعّالة وقدرتها علي التأثير في المتلقي وقدرتها كذلك علي إحداث تاثيرات وإنفعالات للنفوس بما يناسبها ويبسطها أو ينافرها ويقبضها([10]).

وإستمر في هذا الإتجاه وتحدث عن مواقع المعاني في النفوس، فثمة معاني قوية الإنتساب الي طرق الشعر المألوفه قادرة علي الوصول الي الجمهور والتأثير فيه، وهذه المعاني هي التي يجب أن يكون عليها مدار الشعر([11]).

ويمضي حازم في بحث العلاقة الوطيدة التي تربط ما بين المعاني والأغراض الشعرية والسامعين، من حيث هي علاقة تأثير وتأثر، فيري أن موضوعات الشعر يجب أن تكون مرتبطة بالمناحي المألوفه لدي السامعين وبتعبيره تكون أغراض إنسانية، لانه يري أن ما فطرت نفوس الجمهور علي إستشعار الفرح فيه والحزن أو الشجو أو حصل لها ذلك بالعادة، هو المعتمد في الأغراض المألوفه في الشعر والمبني عليها طرقها([12]).

ويري حازم بأن الشعر طالما يشترك فيه الخاصة والعامة وجب أن تكون أعرق المعاني الشعرية في الصناعة الشعرية ما إشتدت علقته بأغراض الإنسان وكانت دواعي آرائه متوفرة عليه وكانت نفوس الخاصة والعامة قد إشتركت في الفطرة علي الميل اليها أو النفور عنها أو من حصول ذلك بالإعتياد ووجب أن تكون ما لم تتوافر أغراض الإنسان عليه([13]).

ويري الباحث بأن حازم نظر الي الشعر من حيث هو عملية إبداعية تتشكل في نفس المبدع وهي وليدة النفس والإنفعالات، وأن المعاني الشعرية لابد أن يكون لها تأثير في نفس المتلقي ويكون ذلك بتقبلها والركون إليها، ولكن هذه العملية الإبداعية تحتاج إلي ما يُحركها ويدفعها للخروج، ولعل الأمر المثير عند حازم هو جعله التأثير هو العنصر الأساس في الشعر المبدع.

كما أدرك إبن قتيبة أهميه الطبع في العملية الإبداعية للشعر، حيث وصف الشاعر المبدع المطبوع بأنه من سمح بالشعر وإقتدر علي القوافي وأراك في صدر بيته عجزه، وفي فاتحته قافيته، وتبينت علي شعره رونق الطبع ووشي الغريزة، وإذا أُمتحن لم يتلعثم ولم يتزجر([14]).

وذهب إبن قتيبة الي ما ذهب اليه الجاحظ في أن الشعراء مختلفون في الطبع يقول: (والشعراء أيضاً في الطبع مختلفون منهم من يسهل عليه المديح ويعسر عليه الهجاء ومنهم من تتيسر له المراثي ويتعذر عليه الغزل، وقيل للعجاج أنك لا تُحسن الهجاء، فقال: أن لنا أحلاماً تمنعنا من أن نظلم وأحساباً تمنعنا من أن نُظلم، وهل رأيت بانياً لا يُحسن أن يهدم([15]).

ولكن إبن قتيبة يأبي أن يسلم برأي العجاج الذي أورده ثم يعلق عليه تعليق الناقد المدرك لبواطن الأمور يقول: (وليس هذا كما ذكر العجاج ولا المثل الذي ضربه للهجاء والمديح يشكل، لان المديح، بناء والهجاء بناء وليس كل بانياً يضرب بانياً بغيره)([16]).

كما أبدى إبن قتيبة إهتماماً وعناية ملحوظة بالمتلقي، حيث يري بأن القصيدة عنده عبارة عن خطاب مرسل نحو النفوس ملزم بتحريكها وبعث إنفعلاتها حيث يقول: (فاذا علم إنه قد إستوثق من الإصغاء إليه والإستماع له عقب بايجاب الحقوق فرحل في شعره وشكا النصب وإنضاء الراحل والبعير، فاذا علم إنه قد أوجب علي صاحبه حق الرجاء بدأ في المديح فبعثه علي المكافاة)([17]).

وتلحظ أن إبن قتيبة مال إلي التصنيف، وأن المتلقي عنده يسيطر علي بناء القصيدة، فهو أما إمرأة أحبها الشاعر يستميل بها وبأخبارها سامعيه، أو ممدوحاً ينتظر دعاءه بعد تأثير الشعر في نفسه وإجباره علي السخاء.

ويري الباحث أن إبن قتيبة بدعوته هذه ينشد توسيع دائره التلقي وإغنائها يجيد الشعر، حيث سمح له بُعد نظره وإتساع أُفقه بترك أبواب التلقي مشرعة في كل عصر، وذلك يرفع قيود الزمن وعنصر التقليد عنها.

كما جعل إبن قتيبة من بناء القصيدة العربية بالشكل المعروف بقصد جذب إنتباه السامع،وذلك بإستهلال الشاعر للقصيدة بالنسيب والوقوف علي الأطلال بقصد إمالة النفوس اليه ولفت نظر المتلقي، لان النسيب قريب من الوجدان فالمتلقي حاضر في ذهنيه إبن قتيبة في تفسيره لبناء القصيدة العربية.

وإلي هذا الرأي إلتفت الدكتور إحسان عباس بقوله:(ومن إلتفت الي الشاعر وأهتم به هذا الإهتمام بين الأركان الثلاثة الشاعر، الشعر، الجمهور، كان لابد له أن يعرج علي كل ما يحتاجه الشاعر من ثقافة، ولهذا نجد إبن قتيبة يخص الثقافة السماعية بالإهتمام) ([18]).

إلاّ أن الدكتور عزالدين إسماعيل ألح علي قصور تفسير إبن قتيبة حيث إعتبر النسيب اداءه فنيه موجهه الي المتلقي هدفها جلب إهتمامه، يقول: (إن في هذا التفسير قصور مبعثة إعتبار النسيب أداة فنيه موجهة إلي المتلقي علي حيث أن هذا النسيب يحسم إرتداد الشاعر الي نفسه وخلوه اليها، وهو بذلك يعد الجزء الذاتي في القصيدة)([19]).

وقد أولي إبن قتيبة من دون غيره من النقاد عنصر الدافعية في نظم الشعر إهتماماً خاصاً بوصفه عاملًا جوهرياً في مقومات الإبداع عند الشاعر، وتمثل نظره إبن قتيبة هذه بُعدًا جديداً في النظر الي بواعث ودواعي قول الشعر، يقول: (وللشعر دواعي تحث البطئ وتبعث المتكلف منها. الطمع والشوق والشراب والطرب والغضب ، قيل للحطيئة أيّ الناس أشعر؟ فأخرج لساناً دقيقاً كأنه لسان حيه وقال: هذا اذا طمع) ([20]).

ويري الباحث، بأنه ليس صحيحاً أن الشعر إذا توافرت دواعيه وبواعثه جاء مطبوعاً، فليس هنالك تلازم حتمي بين الأمرين لان الشراب والطرب والغضب وغيرها ليست كفيلة وحدها لخلق إنتاج شعري، وإن كانت هي محفزات نفسيه، إلاّ أن الشاعر في نظري لا يقوي علي إخراج نص أدبي بصورة نهائية إلاّ بعد أن تهدأ هذه الثورات النفسية، التي تجعله لحظتها غير متوازن، فعندما تصفو قريحته ويستطيع التفكير والتأمل لحظتها يمكن أن يقول عن رؤية وتفكير، وهي تصلح كدواعي تحث الشعراء.

أما القاضي الجرجاني فقد جاء تناوله للطبع مختلفاً عن غيره من النقاد لأنه ربط ما بين الطبع والذكاء والدربه، يقول:(إن الشعر علم من علوم العرب يشترك فيه الطبع والدراية والذكاء ثم تكون الدربة ماده له وقوه لكل واحد من أسبابه فمن إجتمعت له هذه الخصال فهو المحسن المبرز)([21]).

ويري الدكتور إحسان عباس أن القاضي الجرجاني يعني بالطبع هنا ما يسمي بالموهبة الشعرية وهي وحدها لا تكفي إلاّ اذا إنضافت إليها الدريه والذكاء والدراية وحاجة الشاعر المحدث الي الرواية أشد من غيره([22]).

واري أن الدكتور إحسان عباس هنا لم يأت بجديد سوي أنه فسّر راي القاضي الجرجاني الداعي إلي أهميه الطبع وربطه بالدرية والذكاء والدرايه.

وللأستاذ محمد خلف رأياً مختلفاً عن رأي الجرجاني والدكتور إحسان عباس، يقول):وظاهر أن بناء الجمال الشعري علي عنصر الطبع وتحكيم هذه الفكرة في الفصل بين الشعراء كما فعل القاضي لا يشفي غله الباحث الحديث في الموضوع، فإن من الشعر ما يجئ نتيجة جهد عقلي وذهني ويكون له علي قدر هذا الجهد وقع خاص في بعض النفوس علي الأقل، شريطة أن لا يثقل الجهد كاهل القناعة فلا تنكشف صلاحيتها لسامعها أو قارئها إلاّ بعد عناء في الفهم كبير)([23]).

ويري الباحث أن القاضي الجرجاني أحاط بموضوع الطبع عند الشاعر المبدع حينما ربط ذلك بالدريه وعدها من أسس الإبداع يضاف اليها الذكاء والدرايه فالشاعر لابد أن ينظم الشعر عن طبع ولا يكتفي بذلك بل يأخذ بالدريه فإذا تدرب وإعتاد علي نظم الشعر صار له ذلك طبعا فتنسكب عليه المعاني فيسهل عليه بالتالي صياغتها ومن ثم تجويدها، ويدعم ما ذهبت اليه ما قدره الدكتور مصطفي سويف،(من أن الإنتاج المبكر للشاعر يعتبر ضرباً من التمرين يعده للإنتاج الناضج)([24]).

وأبدي القاضي تفهماً تاماً لأهميه تلقي الشعر وأعطي المتلقي أهميه وركّز في ثنايا ذلك علي الشعر المطبوع لانه يؤثر في نفس المتلقي فور سماعة عكس المتكلف الذي تمجه النفس ويعافه القلب رغم إحكامه و صنعته،

يستخفك من الطرب إذا سمعته، وتذكر صبوة إذا كنت لك تراها ممثلة لضميره ومصورة تلقاء ناظريك([25]).

فالجرجاني ينفي المعني المبتذل واللفظ المقلد من الشعر المطبوع، لأن الطبع يحمل المعني واللفظ الرصين ويجعل تأثير الشعر يظهر علي المتلقي.

أما إبن رشيق القيرواني فقد حظيت قضية الطبع والصنعة عنده بإهتمام وأبدي بشأنها تفهماً يختلف بعض الإختلاف عن سابقية حيث وقف موقفاً وسطاً وحبّذ ذلك، لان الإبداع الشعري عنده ينطلق من الطبع ويهذب عن طريق الصنعة التي تحافظ علي رونق الشعر وجزالة عباراتة، يقول): فالمطبوع هو الأصل الذي وضع أولاً وعليه المدار المصنوع وأن وقع عليه الإسم فليس متكلفاً تكلف أشعار المولدين ولكن وقع فيه هذا النوع الذي سموه صنعه من غير قصد ولا تعمل)([26]).

إذاً فإبن رشيق يهتم بالطبع علي هذا النحو الذي يبدو فيه تلقائياً غير متعمد، عكس المتكلف الذي وسم به أشعار المولدين فهو إذاً أفضل من إبن قتيبة الذي لم يفرق بين المطبوع والمصنوع.

ويري الباحث أن إبن رشيق لم يفصل بين الطبع والصنعة فصلاً كاملاً بل إحتفظ بدرجة من العلاقة تظهر وتتجلي في وقفاته التحليلية.

وتناول إبن رشيق البديهة والإرتجال، حيث يقول: (البديهة عند كثير من الموسومين بعلم هذه الصناعة في بلدنا أو من عصرنا هي الإرتجال لان البديهة فيها الفكرة والتأييد والارتجال ما كان إنهماراً وتدفقاً لا يتوقف فيه قائله([27]).

ثم بين ووضح بالأمثلة أعظم ارتجال في نظره وقع في قصيدة يقول: ( وأعظم ارتجال وقع في قصيدة الحارث بن حلزة بين يدي عمرو بن هند، فإنه يقال أتي بها كالخطية، وكذلك قصيدة عبيد بن الأبرص وقيل أفضل البديهة بديهة أمن، وردت في موضع خوف فما ظنك بالارتجال وهو أسرع من البديهة )([28]).

ثم تناول حد البديهة، أما البديهة فبعد أن يفكر الشاعر يسيراً يكتب سريعاً إن حضرت إليه، إلاّ أنه غير بطئ ولا متراخ فإن أحال حتي يفرط، أو قام من مجلسه لم يعد بديها([29]).

أما إبن طباطبا العلوي، فتشع عنده فكرة أن الشعر صناعة التي قال بها الجاحظ، حيث يعرض خطوات كتابة الشعر من المعني المحض الي إعداد الألفاظ والمعاني والقوافي، وإعاده النظر فيه بعد كتابته، وهو يجعل بذلك الشاعر صانعاً شأنه شأن النساج الحاذق الذي يفوق وشيه بأحسن التفويق ويسديه وينيره ولا يهلهل شيئا منه فيشينه، وكالنقاش الرقيق الذي يصنع الأصباغ في أحسن تقاسيم نفسه ويشبع كل صبغ منها حتي يتضاعف حسنه في العيون([30]).

كما حظي السامع أو المتلقي بإهتمام إبن طباطبا مما دفعه للإهتمام ببناء القصيدة بناءاً محكماً يراعي فيه ذوق المتلقي يقول:(ينبغي للشاعر أن يتأمل تأليف شعره وتنسيق أبياته، ويقف علي حسن تجاورها او قبحه فيلائم بينها لتنتظم له معانيها ويتصل كلامه فيها ولا يجعل بين ماقد إبتداء وصفة وبين معانيها وما يتصل كلامه فيها ما بين مقلد إبتداء وصفه وبين تمامه فصلا في القول)([31]).

ورؤية إبن طباطبا المنطقية جعلته أيضاً يميز بين بناء قصيدة وأخري،ومعياره في ذلك النظر والعقل، فاذا كانت القصيدة محكمة متقنة جذبت إليها السامع أو المتلقي، كما إهتم بالمتلقي الذواق،وعيار الشعر أن يورد علي الفهم الثاقب فما قبله وإصطفاه فهو واف وما مجّه ونفاه فهو ناقص([32]).

ثم علل قبول المتلقي الذواق للشعر تعلقاً فنياً ونفسياً وهو ملائمة الشعر للطبع يقول:(والعله في قبول الفهم الناقد للشعر الحسن الذي يرد عليه، ونفيه للقبيح منه وإهتزازه لما يقبله وتكرهه لما ينفيه، إن كل حاسة من حواس البدن إنما تتقبل ما يتصل بها مما طبعت له اذا كان وروده عليها ورداً لطيفًا بإعتدال،لا جور فيه وبموافقة لا مضاره معها([33]).

كما نادي وحثّ الشاعر علي ضرورة تجويد شعره حتي يجد قبولاً عند المتلقي لأن الشاعر (اذا أكملت له المعاني وكثُرت الأبيات وفق بينها بأبيات تكون نظاماً لها وسلكاٍ جامعًا لما تشتت منها، ثم يتأمل ما قد أداه إليه طبعه ونتجته فكرته فيستقصي إنتقاده ويرم ما وهي منه)([34]).

أمّا أبو هلال العسكري فيري أنه لا منافاة بين الطبع والتجويد وأن الشاعر المطبوع لابد من أن يجّود شعره ويراجعه، لان ذلك يزيده رونقاً وبهاءً فيخّرجه للناس في حُله زاهيه، يقول: (وتخير الألفاظ وإبدال بعضها من بعض، يُوجب إلتئام الكلام وهو من أحسن نعوته وأزين صفاته)([35]) .

ويري الباحث أن هنالك تلازماً بين الطبع والتجويد، لأن الشاعر مهما بلغ طبعه به ومهما جادت عليه قريحته من فيض وإبداع شعري لا مناص له من أن يرجع الي قصيدته أو إبداعه الشعري فيجّوده وينّقحه ‘لأن في تجويد زهير بن أبي سلمي وغيره من الشعراء المطبوعين خير مثال يتأسى به لإرتباط الشعر بالطبع والتجويد، لأن الشاعر يرمي من وراء ذلك لتقبل المتلقي لإنتاجه الإبداعي.

وتساءل النقاد قديماً عن الأسباب أو الدواعي أو الدوافع التي تجعل الشاعر المبدع ينظم شعراً ؟ أيّ ما هي الروافد التي تمده بالأخيله والصور والمعاني وغير ذلك ؟ فسموا ذلك بواعث الشعر، يري إبن قتيبة أن هنالك بواعث تدفع الشعراء الي نظم الشعر، لأنها دواعي تحث البطيء وتبعث المتكلف، منها الطمع، ومنها الشوق، ومنها الشراب، ومنها الطرب، ومنها الغضب([36]).

وإستدل علي ذلك بمثال جاء فيه قيل للحطيئة أي الناس أشعر؟ فأخرج لساناً دقيقاً كأنه لسان حيه، فقال: هذا اذا طمع(3)

وقال أيضاً: أنه سأل عبد الله بن مروان أرطاه بن سهيل هل تقول شعرا؟ فقال كيف أقول وأنا ما أشرب، ولا أطرب، ولا أغضب، إنما يكون الشعر بواحده من هذه. ([37])

فإبن قتيبة إلتفت الي النواحي النفسية التي تنتاب الشاعر لحظة الإبداع الشعري وكأن الإبداع هنا يحتاج الي أدوات ومحفزات تخرجه.

وذهب القاضي الجرجاني الي هذا متفقاً مع إبن قتيبة في أن العشق يُعد من بواعث الإبداع الشعري يقول: (وتري رقة الشعر أكثر ما تأتيك من قبل العاشق المتيم والغزل المتهالك، فإن إتفقت لك الدماثة والصبابة وإنضاف الطبع الي الغزل فقد جمعت لك الرقه من أطرافها)([38]).

ويبدو راي القاضي هنا متوازناً لأنه بحث عن الدوافع لا سيما في الغزل، ولم يهمل جانب الطبع‘ ورمي الي الشعر الرقيق.

وتبدو نظرة إبن رشيق قريبة من نظرة القاضي، إلاّ أنه أضاف الغناء الذي يرق الطبع، ويصفي المزاج، ويعين علي الإبداع، يقول: (وقيل أن سماع الغناء مما يرق الطبع، ويصفي المزاج، ويعين علي الشعر، وقيل أن ِمقود الشعر الغناء قال بعضهم أن من أراد الشعر فليعشق فإنه يرق ويروي وأنه يدل، وليطمع فانه يصنع) ([39]).

وتفرّد إبن رشيق بدعوه جديدة راي أنها تُعين علي إبداع الشعر وهي أن يريح الشاعر قريحته من إنتاج الشعر، وعليه أن ينجم قليلاً ثم يعاود النظم حتي يكون ذلك مدعاة للإبداع،

يقول: (إننا نجد أن الشاعر تكل قريحته من العمل مرارًا وتنزف مادته وتنفذ معانيه، فإذا أجم طبعه أياماً وربما كان زمناً طويلاً ثم صنع الشعر جاء بكل آبده وإنهمر في كل قافيه شارده، وإنفتح له من المعاني والألفاظ ما لو رامه من قبل لإستفلق وأبهم دونه)([40]).

وراي حازم القرطاجي أن الإبداع أيضاً يحتاج الي بواعث تحركه، وهي أمور في رأيه تحدث عن تأثيرات وإنفعالات حيث سماها كما سماها إبن قتيبة وغيره، وأشار إليها بأنها أمور تبسط النفس بالمسرة والرجاء وأخري تقبضها بالخوف والكآبه، وكل تلك التأثيرات- النفسيه مدعاة تبعث الشاعر على قول الشعر([41]).

ويري الدكتور أحمد بدوي أن النقاد العرب في دراستهم لهذه البواعث أدركوا أن بعضها يكون أقوي من بعض، ولكنهم لم يطيلوا البحث و لا التفصيل عنها، ذلك لان الدراسات النفسية لم تكن أخذت طريقها الي أقلام نقاد العرب في هذا التاريخ المبكر([42]).

ويري الباحث أن النقاد العرب أدركوا هذه البواعث وفطنوا الي تأثيرها وجاء ذلك من خلال سؤالهم للشعراء، وحددوا هذه البواعث، إلاّ أن ما ينقص دراستهم أنهم لم يدرسوها بالتفصيل، فجاءت علي صيغة التعميم مرتبطة ببعضها البعض، كما لم يدركوا أن هذه البواعث خاضعة للأثر النفسي عند الشاعر.

إلاّ أن ما ميز دراسة النقاد العرب للإبداع عند الشعراء، هو أن هذا الشعر كان إنعكاساً لبيئة الشاعر وما حوله، وأن الشعر كان إنعكاساً كذلك لمراي الماء و الخضره والأمكان العاليه والرياض المعشبة وغيرها، مما يحرّك العواطف ويهيئ للشاعر مجالاً خصباً للخيال فيتدفق عليه الشعر سلساً وتطاوعه القريحة في يسر كل حسب طبعة وإستعداده وعاداته ويذهب الي ذلك إبن قتيبة يقوله: يقال أيضاً لم يستدع شارد الشعر يمثل الماء الجري والشرف العالي والمكان الخضر الخالي.

ويدلل علي ذلك بمثال حي للشاعر كثير عزه جاء فيه،( قيل لكثير يا أبا صخر كيف تصنع اذا عسر عليك قول الشعر؟ فقال: أطوف في الرّباع المخلية، والرياض المعشبة فيسهل علي أرضيه ويسرع إليّ أحسنه)([43]).

ويري الدكتور حسن البنداري، أن إبن قتيبة بهذا القول يكشف عن ضرورة تنشيط هذه القوة قبل الصياغة بمنشطين هما تأمل الطبيعة المتعدده وإحداث التوتر في الغريزة بمثيرات الشراب والصوت الشجي([44]).

وإتفق إبن رشيق مع إبن قتيبة حينما أعاد سؤال إبن الرومي حينما سئل،(كيف تفعل إذا إنغفل دونك الشعر؟ فقال: كيف ينغفل دوني وعندي مفتاحة ؟ فقيل له وعنه سألناك ما هو؟ قال الخلوة بذكر الأحباب فهذا لانه عاشق)([45]).

ويري النقاد كذلك أن الإبداع الشعري رهين بأوقات معينه يتدفق فيها فيضه علي الشاعر، وحاول بعض النقاد تحديد هذه الأوقات، حيث يري إبن قتيبة ( أن للشعر أوقات يسرع فيها آتيه ويسمح فيما آبية، منها أول الليل قبل تفشي الكري، ومنها صدر النهار قبل الغداء، ومنها يوم شراب الدواء، ومنها الخلوة في الحبس والمسير)([46]).

وإتفق إبن رشيق مع إبن قتيبة في الخلوه بالنفس إلاّ أنه لم يتفق معه في تحديد أوقاتا

بعينها يقول: (من لم يأت شعره مع الوحده فليس بشاعر، وقالوا يريد الخلوه ربما قالوا يريد الغربة)([47]).

ونري أن النقاد حاولوا جهدهم تلمس أوقاتاً بعينها تصفوا فيها النفس وتميل إلي التأمل والتفكر وتستدعي الذكريات ويعمل فيها الخيال، مما يجعل ذلك ينعكس إبداعاً علي الشاعر، وبالطبع فإن هذه الأوقات تختلف من شاعر لآخر حسب طبعه وتهيؤه النفسي، ولا يمكن أن نتخذها معياراً ثابتاً لدي الشعراء.

وتنبه النقاد الي جانب هام وهو أن الشاعر ربما تعتريه بعض العوامل والظروف فيقل فيض إبداعه الشعري، أو يستعصي عليه قول الشعر.

يقول إبن قتيبه: (للشعر تاراتٍ يبعد فيها قريبه، ويستعصي فيها ريضه ولا يُعرف لذلك سبباً إلاّ أن يكون من عارض يعترض علي الغريزة من سوء غذاء او خاطر غم)([48]).

ويورد إبن قتيبة مِثالاً للشاعر المطبوع الذي تمر عليه لحظات يستدعي فيها شارد الشعر فلا يجيبه لجُمود عاطفته حيث يقول: (كان الفرزدق يقول: أنا اشعر تميم عند تميم، وربما أتت علّي ساعة ونزع ضرس أسهل علّي من قول بيت)([49]).

فالشاعر المبدع رغم إقتداره اللغوي وتهيؤه النفسي، إلاّ أنه لا يدعي مقدرة نظم الشعر في كل الأوقات ومتي ما أراد، حيث هنالك حاله نفسية تعتريه فيقف حيالها عاجزاً عن صوغ بيت من الشعر وهو ما نسميه خمود القريحة.

وإتفق إبن رشيق مع إبن قتيبة في أنه قد تمر بعض الأوقات يهمد فيها الإبداع الشعري ويأبي علي قائله، وجاء ببعض العلل والأسباب يقول: (لابد للشاعر اذا كان حاذقاً مبرزاً وفحلاً مقدماً من فترة تعرض له في بعض الأوقات، إما لشغل سر،أو موت قريحة، أو نبوء طبع في تلك الساعة أو ذلك الحين)([50]).

ونلحظ أن الناقدين تحدثا عن الشاعر المطبوع الحاذق المبرز والفحل المقدم، ناهيك عن المتكلف الذي يصعب عليه الشعر ويستعصي، إلاّ أن إبن رشيق تفرد ببحثه عن العلل، منها موت القريحة أو نبوء الطبع وغيرها، فجاء رأيه مميزاً وأشمل من رأي إبن قتيبة، الذي تحدث عن عارض يعترض القريحة ، ولم يحدد لنا هذا العارض، وتفسير قولهما أن الإبداع الشعري ليس بالأمر الهين واليسير، وأنه رهين بنشاط الشاعر المبدع، ومدى صفو أو تكدر مزاجه، وهو أمر مرده نفسي فمتي مازال هذا الأثر أو العارض تعود القريحة صافيه، فينهال عليه فيض الشعر، لذا علي الشاعر أن يبتعد عما يكدر مزاجه ويصيبه بالغم والهم.

وتطرق النقاد الي أهميه بروز شخصية الشاعر في إبداعه الشعري، لأن الإبداع وثيق الصله بتجارب حياته، وكذلك بإنفعالات نفسه وما يحيط به، مما يضفي علي نفسه خصوصية تلونه بألوان المبدع وأصباغه الخاصة، لذا إتفق النقاد علي أن أمرؤ القيس لم يتقدم الشعراء لأنه قال ما لم يقولوا فقط، ولكنه سبقهم الي أشياء إستحسنها، فقلدوه وتبعوه فيها، لأنه أول من لطّف المعاني، وبكي علي الأطلال، وإستوقف الرفيق، فجاء تقديمهم له لأنه أبدع وإبتكر، وأعطي لنفسه خصوصية تلاقت فيها إنفعالات نفسه بما يتراءى له من عوالم محيطه، ذلك لان الشاعر يملك قدره فائقه للتأثر بما حوله من بيئة، الشيء الذي يجعله مدركاً لحقائق الأشياء من حوله .

ومن هنا جاء حديث إبن رشيق عن خصوصية الإبداع المرتبط بخصوصية التجربة التي يمر بها الشاعر، يقول: (قيل لكثير من أشعر العرب؟ قال: إمرئ القيس إذا ركب، وزهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب، والاعشى إذا شرب)([51]).

ففي هذا النص يعني أن الإبداع رهين بخصوصية التجربة الدافعة أو الباعثة علي قول الشعر عند كل شاعر وفقاً لرؤيته الخاصة، حيث يضفي عليها إنفعالاته النفسية الخاصة في تلك المواقف.

الخاتمة

يتضح من خلال هذه الدراسة أنّ مفهوم الطبع الشعري شكّل ركيزة أساسية في النقد العربي منذ عصور مبكرة، إذ انشغل النقاد القدامى بتحديد ماهيته وعلاقته بالموهبة الفطرية، بينما اتجه النقاد المحدثون إلى ربطه بالجانب النفسي وآليات التخييل والإبداع. وتبيّن أن الطبع الشعري لا يكفي وحده لإنتاج النص الأدبي المتميّز، بل يحتاج إلى الصقل بالممارسة والتثقيف والمران الفني. كما أن حضور شخصية الشاعر وبواعثه النفسية يشكّل شرطًا أساسياً لتحقيق أصالة التجربة الشعرية وتأثيرها. ومن ثمّ، فإنّ الطبع الشعري يمثل نقطة التقاء بين الموهبة الطبيعية والجهد الإبداعي، وهو ما يجعله من المفاهيم المركزية في فهم العملية الشعرية.

الاستنتاجات

  1. تكامل الطبع والصنعة: لا يتحقق الإبداع الشعري إلا بمزج الموهبة الفطرية بالتمرين والتجويد.
  2. دور البواعث النفسية: الانفعالات الإنسانية المتنوعة تُسهم بفاعلية في إثراء الخيال الشعري وصياغة الصور الفنية.
  3. أهمية النقد القديم والحديث: النقد القديم أسس المفهوم على الفطرة، بينما أضاف النقد الحديث أبعادًا نفسية وجمالية أعمق.
  4. أصالة الشاعر: بروز شخصية الشاعر شرط جوهري لتميّز تجربته الإبداعية عن غيره.
  5. قصور الدراسات السابقة: ما زالت الدراسات المتخصصة في الطبع والإبداع الشعري قليلة وتحتاج إلى مزيد من البحث المعمّق.

التوصيات

  • تعميق البحث في العلاقة بين الطبع والصنعة، بوصفها ثنائية أساسية لفهم العملية الإبداعية في الشعر.
  • الاستفادة من علم النفس لفهم الدوافع والانفعالات التي تحرّك الشاعر في إنتاج نصوصه.
  • تشجيع الدراسات المقارنة بين النقد العربي القديم والنقد الأدبي الحديث لرصد نقاط الالتقاء والاختلاف.
  • التركيز على جانب التلقي ودور المتلقي في تفعيل المعنى الشعري وتعميق التجربة الجمالية.
  • إعداد دراسات تطبيقية تربط بين النظرية النقدية والممارسات الشعرية المعاصرة، بما يساهم في تطوير الخطاب النقدي العربي.

المصادر والمراجع

  1. احسان عباس (دكتور) تاريخ النقد الأدبي عند العرب، دار الثقافة، لبنان، الطبعة الاولى، 1983م.
  2. أحمد أحمد بدوى (دكتور) أسس النقد الأدبى عند العرب، دار نهضة مصر، مصر، الطبعة الثالثة، 1964م.
  3. الجاحظ، عمرو بن بحر، البيان والتبيين – تحقيق عبد السلام هرون، مكتبة، مصر، ط 71، د.ن. ج1.
  4. الجرجانى، على بن عبد العزيز، الوساطة بين المتنبئ وخصوصة،تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم، على محمد البجاوى، دار أحياء الكتب العربية
  5. حامد عبد القادر (دكتور) دراسات في علم النفس الادبى – الطبعة النموذجية – د.ط.د.ت.
  6. حسن البندارى (دكتور) قيم الابداع الشعرى في النقد العربى القديم، مكتبة الانجلو، د.ط، 1989 م.
  7. ابن رشيق (ابى على الحسن) – العمدة في محاسن الشعر وأدابه ونقده، تحقيق محمد محى الدين – دار الجيل – لبنان – الطبعة الرابعة – 1972 م.
  8. ابن طباطبا – محمد أحمد بن طباطبا العلوى – عيار الشعر، تحقيق، محمد زغلول سلام، منشأة المعارف – د.ط – 1980 م.
  9. ابو هلال – الحسن بن عبد الله – الصناعتين، تحقيق محمد على البجاوى، محمد أبو الفضل، دار أحياء الكتب العربية – مصر – الطبعة الاولى، 1959 م.
  10. عبد القادر فيدوح (دكتور) الاتجاه النفسي في نقد الشعر – دار صفاء للنشر والتوزيع.
  11. عز الدين اسماعيل، (دكتور) الاسس الجالية في النقد العربى، دار الفطر العربي، ط1، 1985 م.
  12. ابن قتيبة – أبو محمد عبد الله بن مسلم – الشعر والشعراء – تحقيق أحمد محمد شاكر – دار المعارف / مصر.
  13. القرطاجنى حازم القرطاجنى – منهاج البلغاء وسراج الأدباء – تحقيق محمد حبيب خوجه.
  14. محمد خلف (دكتور) من الوجهه النفسية في دراسة الأدب – مطبعة لجنة التاليف والترجمة للنشر.
  15. محمد الريداوى (دكتور) مبادئ النقد، مطبعة الإنشاء – سوريا – 1989 م
  16. مصطفى سويف، الأسس النفسية للإبداع الفني، الشعر خاصة – دار المعارف – الطبعة الثانية، 1959 م.

الهوامش:

  1. () عبد القادر فيدوح، الاتجاه النفسي في نقد الشعر، دار صفاء للنشر والتوزيع، ص 21.

  2. () محمد الربداوى، مبادئ النقد، مطبعة الانشاء، سوريا، 1989م، ص 41

  3. المصدر السابق، ص304

  4. البيان والتبيين ص306

  5. () منهاج البلغاء ص199

  6. () المصدر نسه، ص 199

  7. () المصدر السابق، ص203

  8. () منهاج البلغاء، ص 210

  9. () منهاج البلغاء ص207

  10. () المصدر نفسه، ص 217

  11. () منهاج البلغاء، ص 217

  12. () المصدر نفسه ، ص 218

  13. () المصدر السابق، ص210

  14. () الشعر والشعراء، ج1، ص94

  15. () المصدر نفسه ص 94

  16. () المصدر السابق، ص94

  17. () االمصدر السابق، ص 79

  18. () تاريخ النقد العربي ص 115

  19. () عز الدين اسماعيل، الاسس الجمالية في النقد العربي، دار الفكر العربي، ط1، 1985م، ص 210

  20. () الشعر والشعراء ص 82

  21. () الوساطة ص13

  22. () تاريخ النقد العربي، ص124

  23. () حمد خلف، من الوجهه النفسيه في دراسة الادب، مطبعة لجنة التاليف والترجمة والنشر، د.ط، د.ت، ص53

  24. () مصطفي سويف، الاسس النفسية للابداع الفني في الشعر خاصة، دار المعارف، الطبعة الثانية، 1959 م، ص134

  25. () الوساطة، ص156

  26. () العمدة، ج1، ص 129

  27. () العمدة، ص 189

  28. () المصدر نفسه، ص 146

  29. () المصدر السابق، ص 146

  30. () عيار الشعر، ص 19

  31. () عيار الشعر، ص27

  32. () المصدر نفسه،ص27

  33. () المصدر السابق، ص 38

  34. () عيار الشعر، ص 19

  35. () الصناعتين ص 135

  36. () الشعر و الشعراء، ج1، ص80

  37. () المصدر نفسه، ص81

  38. () المصدر السابق، ص81

  39. () المصدر نفسه ص67

  40. () العمده، ج1، ص 474

  41. () منهاج البلغاء، ص195

  42. () اسس النقد الادبي عند العرب، ص 315

  43. () الشعر و الشعراء، ج1، ص 79

  44. () حسن البنداري، قيم الابداع الشعري في النقد العربي القديم، مكتبة الأنجلو، مصر، د ط، 1989، ص172

  45. () العمدة، ج1، ص 204

  46. () الشعر والعشراء، ج1، ص 81

  47. () المصدر نفسه، ص 72

  48. () المصدر السابق، ص 80

  49. () الشعر والشعراء ، ص2 ص 82

  50. () العمده، ج1، ص 71

  51. المصدر السابق، ج1، ص 76