مفهوم الوراثة بين الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) والأنبياء (عليهم السلام) زيارة وارث أنموذجا (دراسة مقارنة)
The Concept of Inheritance between Imam Hussein (Peace Be Upon Him) and the Prophets (Peace Be Upon Them) A Comparative Study Using Ziyarat Warith as a Model
أ.م.د مازن خضير عباس الغزي1، م.م نورة عواد طفطاف2
1 كلية الإمام الكاظم (عليه السلام) أقسام ذي قار
2 جامعة ذي قار / كلية الآداب
بريد الكتروني: lecdhi103@iku.edu.iq
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj68/29
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/68/29
المجلد (6) العدد (8). الصفحات: 450 - 465
تاريخ الاستقبال: 2025-07-07 | تاريخ القبول: 2025-07-15 | تاريخ النشر: 2025-08-01
المستخلص: تناولت هذه الدراسة مفهوم الوراثة بين الإمام الحسين (عليه السلام) والأنبياء (عليهم السلام) من خلال زيارة وارث، حيث استعرضت الروابط المبدئية والعقائدية بين الإمام الحسين (عليه السلام) والأنبياء بدءًا من النبي آدم (عليه السلام) وصولاً إلى النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). اعتمدت الدراسة على المنهج التحليلي المقارن لتوضيح أبعاد الوراثة المذكورة في نصوص زيارة وارث وتحليل دلالاتها المعنوية، حيث تم تناول الوراثة بين الإمام الحسين (عليه السلام) والأنبياء الأوائل كآدم، نوح، وإبراهيم (عليهم السلام) والأنبياء من بني إسرائيل كعيسى وموسى (عليهم السلام). كما تم التركيز على الوراثة الشرعية بين الإمام الحسين (عليه السلام) والنبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام). وخلصت الدراسة إلى أن الوراثة بين الإمام الحسين (عليه السلام) والأنبياء ليست وراثة مادية بقدر ما هي وراثة للرسالة الإلهية والإصلاح الذي استمر من الأنبياء إلى الإمام الحسين (عليه السلام)، الذي قدم نفسه وأتباعه في سبيل الله للحفاظ على مبادئ الإسلام.
الكلمات المفتاحية: الوراثة، الحسين، الأنبياء، الزيارة، الرسالة الإلهية.
Abstract: This study addresses the concept of inheritance between Imam Hussein (Peace Be Upon Him) and the prophets (Peace Be Upon Them) through the Ziyarat Warith, highlighting the doctrinal and ideological links between Imam Hussein (Peace Be Upon Him) and the prophets, from Adam (Peace Be Upon Him) to Prophet Muhammad (Peace Be Upon Him). The study adopts a comparative analytical method to clarify the inheritance mentioned in the text of Ziyarat Warith and its doctrinal implications. The research examines the inheritance between Imam Hussein (Peace Be Upon Him) and the early prophets, such as Adam, Noah, and Ibrahim (Peace Be Upon Them), and the inheritance between Imam Hussein (Peace Be Upon Him) and the prophets of Israel, such as Moses and Jesus (Peace Be Upon Them). Additionally, the study explores the legal inheritance of the grandfather and father between Imam Hussein (Peace Be Upon Him), Prophet Muhammad (Peace Be Upon Him), and Imam Ali (Peace Be Upon Him). The study concludes that the inheritance between Imam Hussein (Peace Be Upon Him) and the prophets is not a material inheritance but rather a spiritual and ideological inheritance of the divine message, which Imam Hussein (Peace Be Upon Him) continued in the face of challenges to preserve Islam.
Keywords: Inheritance, Hussein, Prophets, Visitation, Divine Message.
مقدمة :
قال تعالى ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ البقرة 285 .
الحمد لله على عظيم فضله وامتنانه ، وجزيل إكرامه وإحسانه ، حمدا أوله رضا وآخره فلاح ، الحمد لله رب العالمين والصلاة على الأمين محمد وآله الطاهرين .
إن نصوص الزيارات التي تتلى في ضريح الإمام الحسين (ع) سبط النبي محمد (ص) بكل أشكالها وأنواعها فيها الكثير من المعاني العظيمة والجليلة التي توضح تضحيات الإمام الحسين (ع) وأصحابه في كربلاء في سبيل الدين و العقيدة وترسيخا ً لمبادئ الاسلام العظيم الذي أنزله الله تعالى لتنظيم حياة الإنسان ، ومن بين هذه الزيارات المهمة هي زيارة وارث التي سميت بهذا الاسم لما فيها من تكرار ذكر الوراثة بين الإمام الحسين (ع) وبين الأنبياء أولي العزم ، الذين فضلهم الله تعالى على كثير من خلقه ، فحملوا العالمية في رسالاتهم التي جاؤوا بها ، وعلى ضوء ما تقدم عزمت الخوض في عقد مقارنة تاريخية لمعرفة طبيعة هذه الوراثة وماهيتها ، من خلال مناقشة مقاطع الوراثة الواردة في الزيارة ومقارنتها مع طبيعة حياة الامام الحسين (ع) وهل هي وراثة طبيعية باعتبار النسل أم أنها وردت من قبيل التشابه بين حياتهم وحياة الإمام الحسين (ع) أم أن لها معان ٍ أخرى .
وفي ضوء ما تقدم اخترت منهج الاستقراء التحليلي المقارن للوصول إلى أفضل نتائج ممكنة ، وقسمت هذا البحث المتواضع إلى عدة مباحث تناول الأول منها الوراثة بين الإمام الحسين (ع) والأنبياء الأوائل ( آدم (ع) ، نوح (ع) ، ابراهيم (ع) ) ، أما المبحث الثاني فقد تناول الوراثة بين الحسين (ع) والأنبياء ( موسى و عيسى (ع) ) وأما المبحث الثالث فقد تناول الوراثة الشرعية للجد والأب من خلال وراثة الإمام الحسين (ع) ( للنبي محمد و الإمام علي (صلوات الله عليهما وآلهما ) ) .
نرجوا من الله تعالى أن نوفق في تقديم ما ينفع المسيرة العلمية الخاصة بأهل البيت (ع) عموما وقضية الإمام الحسين (عليه السلام) بشكل خاص إنه سميع مجيب .
المبحث الأول
الوراثة بين الإمام الحسين (ع) والأنبياء الأوائل
( آدم (ع) ، نوح (ع) ، ابراهيم (ع) )
المطلب الأول :
ورد في نص الزيارة : ( السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله )
آدم (ع) : هو الجوهر البشري والإنساني الأول ، الذي خلقه الله تعالى ليكون أباً للبشرية جمعاء وعنوانا ً للإنسان الذي أراده الله تعالى أن يكون خليفة له على سطح الأرض قال تعالى : ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾( البقرة :30) ، ومنحه قدرات عجيبة لاستصلاح الأرض والانتفاع بما فيها من خيرات ، ويكون مرشدا وهاديا ً إلى الله تعالى ، لمن بعده من البشرية التي تخلفه قال تعالى : ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ﴾( البقرة : 31) ، وقد وردت نصوص قرآنية كثيرة تتحدث عن خلق أبونا آدم والأحوال التي مر بها والأحداث التي عاشها في بداية الدنيا وكلها تفصح لنا عن طبيعة الإنسان البشري وطموحاته وأفكاره وأهدافه ومقوماته ، وما يحب وما لا يحب ، فكانت هذه الآيات هي النظريات التأسيسية لعلم الاجتماع الانساني .
عاش نبي الله آدم (ع) في الأرض 1000 عام تقريبا ً (جابر ، 1442، ص29) ، حيث أسكنه الله الجنة بادئ الأمر قال تعالى : ﴿ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ﴾ (البقرة : 35) ، ولم تمضي إلا ساعات قليلة(الراجحي ،ج7،ص29) ، حتى أنزله الله تعالى إلى الأرض لينطلق في رحلة الحياة الدنيوية المحدودة ، هو وزوجته حواء بعد أن عصى الله تعالى أمرا كان قد أمره به(الطباطبائي ، ج14،ص222) ، قال تعالى : ﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾(طه،123) ، وبدء حياته باحثا عن الماء والطعام و المنزل وغيرها من متطلبات الحياة الدنيوية ، وبعد مرور الأيام والأشهر والسنين أنجب من زوجته أولادا ، فازدادت حياته بهجة ً وجمالا ً من جهة ، وكبرت مسئوليته من جهة أخرى ، إذ أن عليه أن يجمع قوته وقوت عياله ، ويربي أطفاله و يهتم بهم ، كل تلك الظروف لم تكن لتثنيه عن عبادة ربه وطاعته وتربية أولاده على طاعة الله تعالى علما ً أن أولاده بلغ عددهم أربعين ولدا ً ، عشرون ذكرا ً وعشرون أنثى(البكري،ج1،ص109) ، قال تعالى : ﴿ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ﴾(هود،61) .
وبعد أن كبرت أغصان شجرت آدم و أخذوا دورهم في الحياة بدئت هواجس متعددة تدور بينهم ومنها هاجس الأفضلية ، فأخذوا يتنافسون بينهم فيمن يكون الأفضل ، وطبعا ً هذه ثغرة جيدة جدا ً للشيطان لكي ينفد من خلالها لزرع العداوة والبغضاء بينهم قال تعالى : ﴿ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ﴾( طه : 120) ، وبالفعل أدى هذا التنافس إلى نهاية مؤلمة تمثلت بخروج آدم وزوجته من الجنة ، وبقتل الأخ لأخيه فيما بعد ، فقد قتل قابيل أخاه هابيل ، طمعا ً في الحصول على الأفضلية التي راودته نفسه عليها(الصحاري ، 2006م ، ص13) ، قال تعالى : ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ ﴾( المائدة : 30) ، وهذا أمر جلل إذ يصدر من أولاد النبي آدم (ع) ، لأنه يترتب عليه أمور تربوية مهمة لا تتناسب مع مقامهم فضلا ً عن كونه سيكون سُنة لمن يأتي بعدهم ، لأن المتوقع أن النبي آدم عليه السلام رباهم على طاعة الله تعالى ومعرفته ، فلماذا بلغ بهم الخلاف حد القتل ، والنصوص القرآنية تتحدث عن سبب القتل أنه كان قربانا ً قدموه لله تعالى فقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر(الحويزي ، ج ١ ، ص ٦١٠) ، ويبدو أن شرط القبول كان متعلق بإيمان كل واحد منهم بالله تعالى ، أيهما أقوى إيمانا وحبا لله يتقبل قربانه ، ولكن هذا الشرط لم يستوعبه قابيل ، فبدلا ً من العودة إلى الله تعالى ومضاعفة الجهود في تزكية النفس ، عمد إلى أخيه فقتله حسدا ً وغيرة ً ومعصية لله تعالى ، قال تعالى : ﴿ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ﴾( المائدة : 27 – 31) .
من خلال هذا الموجز المبسط لقصة نبي الله آدم (ع) وأهم ما ورد من أحداث فيها ، والتي وضحها القرآن الكريم من خلال آياته المباركات ، قد يُطرح سؤال مهم وهو : ما هو الربط بين نبي الله آدم (ع) والإمام الحسين (ع) حتى صار وارثا له كما ذكر في زيارة وارث ” السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله ” ، علما ً أن هناك بون كبير بين القصتين واختلافات وتناقضات في الأحداث الاجتماعية ، فالآيات القرآنية تتحدث عن معصية نبي الله آدم (ع) من أجل الخلود و دوام الملك(الطباطبائي ، ج ١ ، ص ١٤٥) ، بينما تنقل الروايات التاريخية عن الامام الحسين (ع) عندما عرضت له الدنيا قوله : ” الموت أولى من ركوب العار ، والعار أولى من دخول النار “( المجلسي ، 1993م، ج ٤٤ ، ص ١٩٢) ، حتى قال الشاعر عن لسان حاله :
إلهي تركت الخلق طرا ً في هواك … وأيتمت العيال لكي أراكا
فلو قطعتني في الحب إربا ً … لما مال الفؤاد إلى سواك(الحسن ، ص١١٦)
وهذا اختلاف كبير بين الغايتين ، ومثال آخر هو قتل الأخ لأخيه في قصة ابني آدم (ع) ، والتي نرى نقيضها تماما ً في قصة أولاد الحسين (ع) الذين كانوا يتسابقون على الموت(الأصفهاني ،1949م ، ص 115 – 116) ، كل منهم يفضل الموت شهيدا من أجل الدين والعقيدة والعائلة ، فكانوا مثالا رائعا ً للأخوة الصادقة وصاروا مضربا ً للأمثال في الأخوة ، وهذا يبين الفرق في مستوى التربية والإيثار .
والآن نعود للسؤال السابق وهو : ما هو الربط بين الاثنين ليصبح أحدهما وارثا ً للآخر ؟ إذ أن وراثة التركة معدومة بسبب البعد الزمني بينهما والتشابه بين الحياتين معدوم أيضا ً ، وهنا يمكن أن نجيب بفرضيتين وهما كما يأتي :
الفرضية الأولى : أن الوراثة هنا تعني الخلافة الشرعية الإلهية :
ونعني بذلك أن الإمام الحسين (ع) صار وارثا ً لآدم (ع) الذي هو خليفة الله تعالى في الأرض بصريح القرآن الكريم إذ يقول تعالى : ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾( البقرة : آية 30) وهذا في زمن آدم عليه السلام أما في زمن الإمام الحسين (ع) فمن هو الخليفة على الأرض ؟ ولعل الوراثة أشارت لهذا المعنى على اعتبار أن الإمام الحسين (ع) هو أجلى مظهر نقي وطاهر يمكن أن يمثل خليفة الله تعالى على الأرض إذ أن ما عداه تشوبهم عوارض كثيرة قد يغلب عليها السلب أكثر من الإيجاب .
الفرضية الثانية : أن الوراثة تعني استمرار الرسالة الإلهية :
وهنا يمكن أن نشير إلى أن الإمام الحسين (ع) ورث من آدم التجسيد الحي المعنوي للرسالة الإلهية ، رسالة السماء ، فكان مظهرا ً جليا ً للتوحيد لله تعالى ، وهذا المعنى قد يتفق عليه جمهور المسلمين أن الحسين بن علي (ع) في زمانه كان أفضل الناس عبادة و ورعا وتقوى و طاعة لله تعالى ، وليس ذلك فحسب بل كان مرجع الناس إليه في الحلال والحرام .
المطلب الثاني :
ورد في نص الزيارة : ” السلام عليك يا وارث نوح نبي الله ” .
من هو نوح ؟ : هو ” عبد الغفار أو عبد الملك أو عبد الأعلى ولقب بـ (نوح) لأنه كان كثير النياحة على نفسه أو على قومه “( الشيرازي ، ص32) ، وقيل هو نوح بن لاَمَكَ بن متوشلخ بن خنوخ بن يرد بن مهلاييل بن قينن بن أنوش بن شيث بن آدم(ابن كثير ، 1988م ، ج1 ، ص74) .
طال الحديث عن قصة نبي الله نوح (ع) في المطويات التاريخية وكان منها ما يقبله العقل ومنها ما لا يقبله(الحجاج ، 2021م ، ص114) ، ولذلك سنقتصر في هذه السطور على ما أذاعه القرآن الكريم فقط ، لكونه حقيقة ثابتة لا يشوبها الباطل ، فالإشارات القرآنية الواردة عن قصة نوح (ع) ارتكزت على مدة مكثه في قومه يدعوهم إلى الله تعالى ، والتي حددها القرآن الكريم بـ (950 ) عام ، قال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾( العنكبوت : آية 14) ، ولم يؤمن معه إلا عدد قليل منهم قيل كانوا ( 7 أنفار أو 70 نفرا )( الشيرازي ، ص33) .
إن مدة تسعمائة وخمسون سنة قضاها نوح (ع) في الدعوة إلى الله تعالى وسط مجتمع ليس ببعيد عن بداية تكوين البشرية والحقائق الإلهية ، ذلك ليس أمرا ً سهلا ً بل يعسر ذلك على الناس العاديين ، فكم تعب (ع) في تلك السنين من أجل إنقاذ البشرية من التيار المادي الذي أخذ يبتعد عن خالقه بسبب المغريات المادية وعدم الخوف من الله تعالى ، إن هذه المدة اختصرها القرآن الكريم بثلاثة إشكالات أثارها الكفار على نوح (ع) لتكون موضوعة الجدل القائم بينهم والدافع لإنكارهم نبوته وعدم الإيمان بما جاءهم به من بينات ، مع دفاع النبي نوح (ع) عن عقيدته ورسالته وحماية من آمن به ، وهذه الإشكالات هي :
- بشرية النبي نوح (ع) ؟ قال تعالى : ﴿ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا ﴾( هود : آية 27) .
- أن أتباع النبي نوح (ع) هم الفقراء والضعفاء من أبناء المجتمع ، قال تعالى : ﴿ وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ ﴾( هود : آية 27) .
- أنه لا فضل لنوحٍ (ع) أن صار رسولا ً لله تعالى ، قال تعالى : ﴿ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ﴾( هود : آية 27) .
إلا أن نوح (ع) كان يبدد إشكالاتهم بقوة المنطق والعقل السليم ، ولكن يا حسرة على العباد ، فكان كلما حذرهم من غضب الله تعالى يقولون له : فأين ما تعدنا به ، فقد عقدوا ناصية إيمانهم برؤية العذاب وهم يعلمون أن العذاب إذا نزل ولات حين مناص ولا ينفع الندم(الطباطبائي ، ج 10، ص 271 – 296) ، قال تعالى : ﴿ قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾( هود : آية 32) .
بعدما أصر قوم نوح (ع) على الكفر والجحود ولم يفكروا ولو قليلا بمصيرهم المجهول قال تعالى : ﴿ قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ﴾( الشعراء : آية 116) ، بدأ نوح (ع) مرحلة جديدة من الدعوة والتحذير لقومه من خلال بناء سفينة كبيرة جدا لتكون نجاة ً له ولمن معه من المؤمنين بأمر الله تعالى ، وبقي يبني فيها مدة طويلة ، يجمع الخشب وينجرها والناس تراقب ذلك ولكن بدل أن يكون ذلك عامل جذب وتفكير لهم ، كانوا يستهزؤون به ويزدادون بعدا عنه وعن ربهم ، وصاروا يتهمونه بالجنون(حطيبة ، ج49 ، ص5) ، حتى جاءهم العذاب وفار التنور بالماء الذي لم يتمكن أحد من النجاة منه سوى من ركب السفينة(العياشي ، ج ٢ ، ص ١٤٧) ، تلك السفينة الكبيرة والغريبة كانت كفيلة بأن تنقذ حياة المؤمنين ، وهي تدل في حقيقتها على مقدار الجهد الذي ينبغي على الإنسان أن يبذله ليصل لمراتب النجاة من العذاب ، وهي مرتبة تحتاج إلى وقت طويل وجهد كبير وتسليم لأمر الله تعالى والتوكل عليه ، لذلك كان النبي نوح (ع) يقابل استهزاءهم به أن يذكرهم بأنه والمؤمنين سوف يستهزؤون منهم في يوم من الأيام ، وذلك عندما يحل الطوفان(آل مبارك ،1996م ، ج4 ، ص368-369) ، قال تعالى : ﴿ وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ، فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾( هود : آية 37 – 38) .
ويبدوا أن فكرة عدم التصديق بنزول العذاب والتشكيك بمراد الله تعالى كانت تتغلغل حتى لبيت النبي نوح (ع) ، حتى تمكنت من زوجته و ابنه كنعان ، اللذين رفضا أن يركبا في السفينة التي صنعها بيديه فهلكا مع الكافرين(الشيرازي ، ج ٦ ، ص ٥٥٣) ، قال تعالى : ﴿ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾( هود : آية 46) ، تلك السفينة التي مثلت مشروع الحياة فيما بعد الطوفان ، فلم تكن تحمل النبي نوح (ع) وأتباعه فقط بل كانت تحمل من الحيوانات الشيء الكثير سواء من الطيور أو الدواب ، فقد أمره الله تعالى أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين ، قال تعالى : ﴿ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ﴾( المؤمنون : آية 27) ، فكم كان العدد هائلا ً ، وكم كانت الحياة عامرة على هذه السفينة ، فهي سفينة في شكلها وصورتها ولكنها حياة كاملة في حقيقتها(الحجاج ،2021م ، ص52 ) .
دارت السفينة لمدة ستة أشهر ” من بداية شهر رجب حتى نهاية شهر ذي الحجة وعلى رواية من عاشر شهر رجب حتى عاشر محرم “( الشيرازي ، ص45) ، في مياه الأمطار التي وصفها القرآن بأن أمواجها كالجبال ثم جاء الإذن من الله تعالى بانتهاء العذاب و انحسار المياه من الأرض والسماء ، ونزلت السفينة على الأرض وعاد ركابها إلى الحياة الطبيعية على الأرض لبناء مجتمع جديد يسوده الإيمان بالله تعالى وأنبياءه المرسلين ، ولكن هل يستمر هذا المجتمع أم أن التحولات في العقيدة والدين مستمرة ؟ هذا ما سنلاحظه في قصص الأنبياء اللاحقين لنوح (ع) ، قال تعالى : ﴿ قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾( هود : آية 48) .
عندما نقارن بين حياة نبي الله نوح (ع) وحياة الإمام الحسين (ع) نلحظ البون شاسع جدا ً فهناك نبي عاش 1000 سنة تقريبا يدعو قومه لله تعالى ولم يؤمنوا والسبب في ذلك هو العناد ، ورغم إنه صَمَدَ كل تلك الفترة ثم بعد ذلك دعا الله ليهلكهم وممن هلك معهم زوجته وابنه ، اللذين كانا يشككان بما يقوله نبيهم ، حتى قال الله تعالى ( إنه عمل غير صالح ) ، وفي الناحية الأخرى نجد أن الإمام الحسين (ع) عاش في مجتمع مسلم موحد لله تعالى ، ولكنه بعيد عن تعاليم الإسلام الأصيلة وقد سيطر عليه الطمع بالمغانم الدنيوية ، ولكن كان الحسين (ع) رغم الانحراف الكبير الذي أصاب المجتمع إلا أنه محافظ تماما ً على دينه ودين أبائه وأبناءه ، وكان القريبين منه في غاية الإيمان ، وقد وقفوا معه موقفا ً جبارا ً يوم الطف ، واستشهدوا معه في سبيل الله تعالى ، وهنا لا نجد أن ميراثا ً ملحوظا ً بينهما لا من الناحية التاريخية ولا من الناحية التربوية ، لذا فإن المتوقع أن الوراثة بينهما هي وراثة رسالة إلهية عالمية ، طابعها الصمود بوجه المنحرفين مهما كانت التحديات كبيرة .
المطلب الثالث :
ورد في نص الزيارة ” السلام عليك يا وارث ابراهيم خليل الله ” .
إبراهيم : هو ثاني أنبياء أولي العزم واسمه ابراهيم بن تارخ بن ناحور بن ساروغ بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن قينان بن أرفخشذ بن سام بن نوح (ع)( الطبري ،1967م ، ج1 ، ص233) ، بين ابراهيم (ع) ونوح (ع) عشرة أباء ، في هذه الفترة الزمنية التي تعاقب عليها الآباء العشرة عاد أبناء نوح وسلالته ومن بقي معه من الطوفان إلى الشرك والكفر بعبادة الله تعالى بتقادم الزمن ، حيث رجعوا إلى عبادة الأصنام دون عبادة الله تعالى ، فأرسله الله تعالى ليهديهم إلى سواء السبيل ، وفي قصة النبي إبراهيم (ع) مراحل متعددة ذكرها القرآن الكريم وهي تشير إلى حالة من التطور في الأحداث التي عاشها ابراهيم (ع) كما تشير الآيات القرآنية إلى فلسفة النبي إبراهيم (ع) العالية في اختيار المعبود الذي يستحق العبادة ، قال تعالى : ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾( الأنعام : الآيات 76 – 79) ، فتبدء أحداث قصته قبل بعثته نبيا ً منذ صباه وطفولته وتستمر إلى شيخوخته وكهولته ، وكيف واجه أعتى طاغية في عصره ، وبينت انواع الابتلاءات التي تعرض لها (ع) .
وهنا يمكن أن نستخلص من قصة إبراهيم ما يناسب البحث لتجنب التفاصيل الزائدة والابتعاد عن التكرار الذي تعج به المصادر ، ويمكن أن نلخص ذلك في نقاط أهمها :
- فلسفة العبادة عند ابراهيم (ع) والمتمثلة بالبحث عن الإله الذي يستحق العبادة وقد بينت الآيات السالفة الذكر ذلك بوضوح(الصدوق ،1377هـ ، ج ٢ ، ص ١٧٦) .
- الوقوف بوجه الطاغية على الرغم من قلة أنصاره ، قال تعالى : ﴿ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ﴾( الأنعام : الآية 80) .
- الصبر على طاعة الله وتحمل التبعات المترتبة على ذلك أيّا ً كانت ، فقد كان المتوقع أن يقتلوه أو يصلبوه أو يحرقوه(الراجحي ، ج95 ، ص2) وكل هذه الخيارات كانت حاضرة في ذهن ابراهيم (ع) ولكنه كان مسلما ً لكل ذلك ، فالأمر الأهم عنده هو تبليغ رسالة ربه إلى الناس ، قال تعالى : ﴿ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69)﴾( الأنبياء : الآيات 65 – 69) .
- الابتلاء بذبح ابنه اسماعيل (ع) ، وذلك على ضوء رؤيا رآها في المنام ، فأخبر ابنه بما رأى ، فقال له إني رأيت في المنام أني أذبحك ، ولأن اسماعيل يدرك أن أباه نبيا ً من أنبياء الله تعالى ، قبل بما رآه أباه وقال له يا أبتِ إني مستعد لما تؤمر به وأنا على طاعتك(الطباطبائي ، ج ١٧ ، ص ١٥٢) ، قال تعالى : ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾( الصافات : آية 102) .
- عالمية الرسالة التي دعا إليها والتي عبر عنها القرآن الكريم بشكل واضح وسماها ملة إبراهيم (ع)( المقدم ، ج60 ، ص10) إذ قال تعالى : ﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) ﴾( الأنعام : الآية 161 – 163) .
ولو أخذنا هذه النقاط بشيء من الدراسة والتحليل سيتضح لنا المراد :
- فلسفة العبادة عند إبراهيم (ع) : أشارت النصوص القرآنية إلى أن ابراهيم (ع) ومنذ نعومة أضفاره حاول اقناع الناس بترك عبادة الأصنام والعودة إلى الله تعالى من خلال توظيف الاستدلال المنطقي والبراهين العقلية التي لا يختلف اثنان على صحتها وصدقها ، إلا أن المجتمع كان يعاني من جمود فكري واتباع أعمى لطاغية زمانه ، فقد أوردت الآيات القرآنية أن النبي إبراهيم (ع) حاول مجارات أبناء مجتمعه لكي ينبههم إلى تفاهة عقيدتهم ، فقال لهم أني سأختار عبادة الكواكب فلما أفل الكوكب قال لا أحب الأفلين ، ثم عدا إلى عبادة القمر ولما غاب عنه تركه أيضا ً ، ثم اختار أن يعبد الشمس لما تتمتع به من جحم كبير وضوء منتشر(الطبري ، 1967م، ج ٧ ، ص ٣٢٣) ، إلا أنها أفلت أيضا ً عند ذلك اختار أن يعبد إلهاً لا يأفل ولا يغيب ، فالإنسان حري به أن يعبد إلها ً لا يغيب عنه بل يكون حاضرا في كل وقت و مكان ، لأنه قد يحتاجه في كل لحظه فيعبده ويستعين به على الدنيا ، وهذا المنطق العقلي السليم ، وكان ذلك أمام مرأى ومسمع من الناس إلا أنهم كانوا صما بكما عن ذلك فلم يفكروا في هذه الرسائل التي وجهها لهم إبراهيم (ع) ، وبعد ذلك عرضهم إبراهيم (ع) إلى هزة ٍ عقلية كبيرة عسى أن يفيقوا من سباتهم والجمود العقلي الذي يسيطر عليهم وذلك عندما كسر أصنامهم وترك كبيرهم قال تعالى : ﴿ وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ﴾( الأنبياء : الآيات 57 – 58) ، الأمر الذي أفزعهم وأخذوا يبحثون عن من فعل ذلك ، فقال لهم أنه كبير الأصنام من فعلها ، فرجعوا إلى أنفسهم فوجدوا أن ذلك مستحيل فالحجارة لا تقوى على شيء(الفيض الكاشاني ،1982م، ج ٣ ، ص ٣٤٣) ، وكان همه (ع) أن يرشدوا إذا ما رجعوا إلى أنفسهم ، إلا أنهم ازدادوا كفرا وعدوانا ً وأخذوا ابراهيم (ع) وألقوا به في نار ٍ أوقدوها له ليحرقوه ويتخلصوا منه(الطباطبائي ، ج ١٦ ، ص ١٢٠) ، وهنا كان التدخل الإلهي لتنبيههم على أن عقيدتهم خاطئة وأن عليهم أن يعودوا لربهم ، فأنجاه الله تعالى من النار وخرج لهم من وسط النار دون أن تحرقه ، وهم ينظرون له يمشي على رجليه لم يصبه أذى ، قال تعالى : ﴿ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69)﴾( الأنبياء : الآيات 68 – 69) ، ومع كل هذه الآيات والبراهين إلا أنهم لم يؤمنوا ، بل عمدوا إلى إخراجه من المدينة لئلا يؤثر بغيره من الناس ويهديه إلى الصراط المستقيم ، والذي يتضح من هذه القصة أن المجتمع الذي عاش فيه ابراهيم كان إما مجتمعا اجتمعت كلمة أبناءه على الكفر والعناد والالحاد وبالتالي لا يتحملوا وجود شخص موحد بينهم ، أو أن بعض المجتمع كان يفكر ويحاول أن يؤمن إلا أنهم كانوا يخشون بطش السلطان ، وفي كلا الأمرين فإنهم خسروا جميعا ً ، وأن دعوة إبراهيم (ع) كتب لها الله تعالى الانتشار والثبات والتوسع والعالمية على مر الزمان وتوسع المكان طولا وعرضا ، لأن الدعوة والثبات الذي أبداه ابراهيم (ع) كانا صادقين ، حتى أن الله تعالى اختاره خليلا له وحبيبا ً ، وفي هذه النقطة المهمة فقد تشابهت نتيجة صمود ابراهيم (ع) أمام الكفار والمعاندين مع نتيجة صمود الحسين (ع) في وقوفه ضد العصاة المعاندين ممن يحسبون على الإسلام ، فقد كتب الله لمبادئ الحسين (ع) الانتشار على مر السنين و لأعدائه الخزي والعار والأفول شيئا ً فشيئا ً .
- الوقوف بوجه الطاغية (النمرود)( الدينوري ،1960م ، ص6) : وقد أوردت الآيات القرآنية عن موقف إبراهيم (ع) مع النمرود مواقف عدة منها أنه حاول محاجّته بالعقل والمنطق لكنه لم يفلح لما يمتلكه ابراهيم (ع) من ثقة عالية بربه و عقيدته القوية ، فقال النمرود لإبراهيم (ع) ماذا يفعل ربك ، فأجابه إبراهيم (ع) أن ربي يحيي ويميت ، فقال النمرود أنا أحيي وأميت ، فجاء بسجينين وأمر بقتل أحدهما و ترك الآخر ، وقال أمت هذا وأحييت هذا ، وهذه محاولة بائسة لخلط الأوراق على عقول الناس السذج ، فالإحياء والاماتة الذي يتحدث عنه ابراهيم (ع) هو للفرد الواحد ، ولكن هذه الحيلة انطلت على الناس ، فعاجله ابراهيم (ع) بمسألة ٍ أخرى لا يستطيع أن ينجو منها ، فقال له إن ربي يأتِ بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب ، فحار النمرود في ذلك ولم يبدِ جوابا(الشيرازي ، 2013م، ج ٢ ، ص ٢٦٧) ، وقال عنه القرآن ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾( البقرة : الآية 258) ، ولكن مع هذا الفشل الذريع أمام قوة عقيدة إبراهيم (ع) ولكن الناس اختارت الوقوف مع الطاغية ، وهذا ديدنهم في أغلب الأزمنة والأمكنة ، ولعل هذا الموقف يذكرنا بموقف آخر من واقعة الطف عندما بلغ العناد ذروته في قلوب أعداء الحسين (ع) حيث وقف شمر بن ذي الجوشن وخاطب الحسين قائلا ً : ” … نعم أنت الحسين بن علي وجدك رسول الله وأمك فاطمة الزهراء وأخوك الحسن ، فقال : ويلك فإذا علمت ذلك فلم تقتلني ؟ ، قال : أريد بذلك الجائزة من يزيد ، فقال له : يا ويلك ايهما أحب اليك الجائزة من يزيد أم شفاعة جدي رسول الله ؟ ، فقال الشمر : جائزة يزيد أحب إلى الشمر من شفاعة جدك “( عبد الوهاب ،1434هـ ، ص35) .
- الصبر على طاعة الله تعالى وتحمل التبعات المترتبة على ذلك : وفي هذا المجال فلم يرَ ابراهيم بُداً من المواجهة مع الحكومة والمجتمع الذين آثروا الكفر على الإيمان مهما كانت النتائج صعبة ، فعندما أمر النمرود بإلقاء ابراهيم (ع) في السجن والتحضير لإشعال نار كبيرة وإلقاءه بها ، قال تعالى : ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾( العنكبوت : آية 24) ، تذكر المصادر أنهم أخذوا يجمعون الحطب مدة أربعين يوما ً حتى صار الحطب كالجبل ، ثم أوقدوه بالنار و رموا إبراهيم به بواسطة المنجنيق لقوة حرارة النار اللاهبة ، عسى أن يكون عبرة لمن اعتبر ، كل ذلك وابراهيم لا زال مصر على موقفه وعبادة ربه ، حتى ورد في الأثر أن الملك جبرائيل نزل عليه وهو في طريقه إلى النار فقال له ألك حاجة ، فأجابه ابراهيم (ع) بعقيدة راسخة وتسليم مطلق لما كتب الله له : علمه بحالي يغني عن سؤالي(الريشهري ، ج4 ، ص3658) ، فكتب الله له النجاة وقال يا نار كوني بردا وسلاما ً ، وهذا الأمر يوضح التفاني في ذات الله تعالى من ابراهيم (ع) ولكن الله تعالى أنجاه ، لماذا ؟ ، بينما كان الحسين (ع) بنفس المرتبة من التفاني والإيمان ولكن الله تعالى اصطفاه شهيدا ً ، لماذا ؟ ويبدوا أن السبب هنا هو اختلاف الغاية والهدف من الرسالة بين الاثنين فكل له ظروفه وأحواله والله أعلم بما يصلح البشر منهم .
- الابتلاء بذبح ابنه اسماعيل (ع) : ولعل هذه القضية من أغرب ما ورد في قصص الأنبياء (ع) فلم يرد في قصص الأنبياء جميعهم أن أحدا منهم ابتلاه الله تعالى بذبح ولده ، لما يمتلكه الولد من الحب والقرب الكبير في قلب والده ، فضلا ً عن كون هذا الولد نبيا ً ومن الصالحين ، وفضلا ً عمَّا قدمه ابراهيم من تضحيات كبيرة في سبيل الله تعالى وعقيدة التوحيد ، إلا أن إبراهيم (ع) كان خالص العقيدة بالله تعالى ومستعد للتضحية بالغالي والنفيس في سبيله ، فلما رأى في المنام أنه يذبح أبنه ، صارح ولده بذلك ليرى ما هو صانع ، فجاءه جواب ابنه الذي تربى على حسن الطاعة لوالديه ، فقال له افعل ما تؤمر فستجدني إن شاء الله من الصابرين ، فسلم ابراهيم أمره إلى الله تعالى وتله للجبين ليذبحه إلا أن الله تعالى أعتقه وفداه بكبش رحمة ورأفة بإبراهيم الذي كان مطيعا بشكل تام لله تعالى : ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105)﴾( الصافات : الآيات 102 – 105) ، وهذا انقاذ آخر لإبراهيم وقلبه المطمئن بالله تعالى ، إلا أن الحسين (ع) لم ينجوا ولده عندما قدمه فداء ً للدين ، بل مزقته السيوف إربا ً ، أمام ناظري أبيه ، وكأن الله تعالى فدى إبراهيم وابنه اسماعيل (ع) بالحسين وابنه علي الأكبر ، وقد نوهنا سابقا ً للسبب الراجح في بيان الحالين .
- عالمية الرسالة التي دعا إليها ابراهيم (ع) : ونتيجة للتضحيات التي بذلها إبراهيم (ع) في سبيل الدعوة إلى الله تعالى بالموعظة الحسنة و العقل والمنطق السليم والهجرة إلى الله تعالى لتثبيت عقيدة التوحيد في قلوب الناس ، فإن الله تعالى كتب لهذه العقيدة الاتساع والانتشار و الامتداد زمانا ومكانا ، حتى صارت عقيدة أغلب أبناء البشر في الأرض باختلاف أديانهم ومشاربهم قال تعالى : ﴿ وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾( البقرة : آية 135) وقال أيضا ً ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾( النساء : آية 125) ، فكل منهم يؤمن بالتوحيد ، تلك العقيدة التي شابها بعض الأخطاء والتدليس ولكنها تحتاج إلى من يديم عالميتها وفق المنهج الصحيح وذلك يحتاج إلى تضحيات كبيرة أيضا ً ، وهذه التضحيات بقيت مُدَّخرة حتى جاء الحسين بن علي (ع) وقدمها في كربلاء الأمر الذي جعلها منارا ً لكل أبناء المعمورة شرقا وغربا ً(الغزي ،2022 ، ص170) ، وبهذا يكون الحسين (ع) إرثا ً وليس وارثا ً ، ذلك الإرث الذي أغنى العالم بالإسلام الحقيقي الحر .
المبحث الثاني
الوراثة بين الإمام الحسين (ع) وأنبياء بني اسرائيل
( النبي موسى ، النبي عيسى ) أنموذجا ً
المطلب الأول :
ورد في نص الزيارة : ” السلام عليك يا وارث موسى كليم الله “
موسى(ابن عساكر ،1995م، ج ٦١ ، ص ١٥) : أو (موشي) هو موسى بن عمران من أبرز أنبياء بني اسرائيل ، فهو صاحب رسالة وكتاب ودعوة عالمية ، فهو من أولي العزم الذين خصهم الله تعالى ببعض الخصائص التي لم تتكرر لغيرهم وذلك لأهمية دعوتهم ، فهو كليم الله تعالى وقد صرح بذلك القرآن الكريم في آياته المباركات ، وقد كانت حياته مليئة بكثير من الأحداث الغريبة التي لم تحصل مع غيره من الأنبياء ، فقد تمثلت حياته بعدة مراحل وهي :
- مرحلة الولادة والنشأة ، قال تعالى : ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾( القصص : آية 7) .
- مرحلة الشباب والحياة في قصر فرعون مصر ، قال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾(إبراهيم ، آية 5) .
- مرحلة الهجرة إلى مدين ، قال تعالى : ﴿ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) ﴾( القصص : آية 22- 23) .
- مرحلة النبوة والدعوة إلى الله تعالى ، قال تعالى : ﴿ فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30)﴾( القصص : آية 29-30) .
- الانتصار على الفراعنة وتربية المجتمع ، قال تعالى : ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40)﴾( القصص : آية 37-39) .
ففي مرحلة الولادة أورد القرآن الكريم قصة موسى (ع) وكيف أن أمه ألقت به في البحر للحفاظ على حياته على أثر أوامر فرعون في قتل المواليد لتلك السنة والعجيب أنه نجى من البحر ومن القتل وتربى في بيت فرعون مصر الذي أمر بقتل المواليد(الطباطبائي ، ج ١٦ ، ص ١٠) ، سبحان الله تعالى ، قال تعالى : ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9) وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (13)﴾( القصص : الآيات 7 – 13) .
وأما مرحلة الشباب فبالرغم من أنه نشأ في بيت فرعون ملك مصر إلا أنه لم يتربى تربيتهم ولم يأخذ عاداتهم ، بل كان شابا ً يافعا يحب الخير للناس(الرازي ،2000م ، ج24 ، ص199) قال تعالى : ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾( القصص : آية 14) وكانت مؤهلات النبوة بادية عليه إلا أنه كان يحتاج إلى تأهيل أكثر على يد نبي أو شخص إلهي ، فأخذ الله تعالى بيديه وساقه إلى مدين ليعيش فترة من الزمن مع النبي شعيب ليأخذ منه مستوى عال ٍ من التربية و المعرفة الإلهية وليكون على أتم الجهوزية لتلقي وحي السماء وتعاليمها قال تعالى : ﴿ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾( القصص : آية 22) ، وبعدها أكرمه الله تعالى بأن ألقى عليه الرسالة والنبوة وكلفه بهداية أهل مصر بالتوجيه المباشر دون واسطة أو ملك ، فقد كلمه الله تعالى تكليما في الواد المقدس وكلفه بدعوة أهل مصر(الطباطبائي ، ج ١٦ ، ص ٢٤ – 26) ، فعُرف موسى من بين الأنبياء بـ (كليم الله ) .
حمل موسى أعباء الرسالة وطلب من الله تعالى أن يرسل معه أخيه هارون ليعينه على أمره فهو أطلق لسانا ً منه ، فكان كلاهما نبيا ً ، وانطلقوا إلى فرعون مصر الذي كان قد تربى في بيته في السابق ليدعوه إلى عبادة الله تعالى ، ولكن فرعون مصر لم يكن ليؤمن لأنه يرى نفسه هو إله مصر الذي يجب أن يعبدوه ، فطلب من موسى البينة ، وكانت دلائل موسى العصا واليد البيضاء ، إلا أن فرعون ظن ذلك سحرا ً(الطباطبائي ، ج16 ، ص36) ، قال تعالى : ﴿ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35) فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (36)﴾( القصص : الآيات 35 – 36) فألزمهما بالتحدي لسحرة مصر لإثبات صدق دعوتهما ، وبعد أن انتصر موسى على السحرة أبى فرعون أن يعلن اسلامه وخضوعه ولعل ذلك كان مكابرة ً منه وعنادا ً ، وليس عن عدم الاعتقاد ، فمحتمل أن يكون قد علم أن هذا فعلا نبيا ً لكن الدنيا والملك والحاشية هو ما منعه عن اعلان إيمانه ، قال تعالى : ﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91)﴾( يونس : آية 90) وبعد مساجلات كثيرة وجدال بين فرعون و ملئه وبين موسى وهارون (ع) ، دخل الكثير من أهل مصر إلى دين نبي الله موسى (ع) ، الأمر الذي أرعب الحكومة آنذاك فعمد فرعون إلى اضطهاد الناس فأمر بقتل الرجال واستحياء النساء والأطفال أملا ً منه أن يعودوا إلى الكفر إلا أن ذلك لم يجدِ نفعا ً(الأندلسي ،2000م ، ج ١ ، ص ٣٥٢) ، فأمر موسى المؤمنين معه بالهجرة من مصر قبل أن يقضي عليهم فرعون جميعهم ، فخرجوا جميعا وعلى رأسهم موسى (ع) ولحقهم فرعون حتى انتهوا إلى البحر ، فطلب موسى المعونة من الله تعالى فأمره أن يضرب البحر بعصاه ، ففعل موسى وانفلق البحر فلقتين فعبر موسى ومن معه البحر بأمان ، وتبعهم بذلك فرعون وجنوده فأمر الله تعالى البحر فعادت المياه إلى طبيعتها بعد أن تمكن المؤمنين من الخلاص ، فغرق فرعون وجنوده وصاروا لعبرة للآخرين(الشيرازي ، ج ٦ ، ص ٤٣١) ، ونجا بنوا اسرائيل من الكفر والشرك ونعموا بالإيمان بالله تعالى ، ولكن ما أسرع أن شاع بينهم العودة لعبادة الأصنام إذ أن عقيدة التوحيد لا زالت حديثة ولم تترسخ بشكل جيد في قلوب الجميع ، فإن الفترة التي عاشها أهل مصر تحت نير الكفر كانت طويلة ولا يمكن تطهير القلوب منها بشكل يسير ، ولذلك عمد بعضهم إلى صناعة عجل من الذهب وعبدوه من دون الله تعالى ، هذا بوجود هارون النبي بينهم ، إذ أن موسى كان قد ذهب للقاء ربه(الشيرازي ، ج 10 ، ص 54) ، فكيف كان حالهم عندما فارقهم الأنبياء والمرسلين ، مؤكد أنهم سرعان ما يدينون بالعقائد الباطلة ، قال تعالى : ﴿ فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (86) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87) ﴾( طه : الآيات 86 – 87) .
وفي ضوء ما تقدم فإن وجه الشبه بين موسى كليم الله تعالى و الإمام الحسين (ع) هو الثبات في الدعوة إلى الله تعالى ، إذ أن لا شبه ولا تقارب بين حياة كليهما ، فموسى ربيب الفراعنة والحسين ربيب رسول الله (ص) ، وموسى النبي (ع) في شبابه اضطر إلى الهجرة على أثر قتله لرجل بالخطأ فعاش عقدا ً من الزمن بعيدا عن دياره ، أما الإمام الحسين (ع) فقد كان يساعد أباه في كل خطوة من خطوات الاصلاح للمجتمع ، وقد قال عنه رسول الله (ص) منذ صغره أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة* ، فكان على الدوام قدوة للمؤمنين ، أما موسى (ع) فإنه على الرغم من نشأته في كنف الملك إلا أنه كان بحاجة إلى معجزة لأهل زمانه لإثبات صدق دعواه ، أما الإمام الحسين (ع) فكان معلوما ً للجميع أنه ابن رسول الله (ص) وهو صادق فيما يقول دون الحاجة إلى دليل ، حتى في ثورته ضد الحكومة الظالمة ، حكومة بني أمية فإنهم لم يشككوا في صدق دعواه بل أرادوا منه الخضوع لسلطان يزيد لعنه الله ، ولم يكن الحسين (ع) لينزل على طاعتهم ، بل قالها بكل صراحة ” مثلي لا يبايع مثله “( المجلسي ،1993م ، ج ٤٤ ، ص ٣٢٥) .
إذن نخلص إلى نتيجة مهمة وهي أن الإمام الحسين (ع) لم يرث من النبي موسى (ع) شيئا ً لا من الناحية الاجتماعية ولا من ناحية الصفات أو الأحداث ولا مالا ً ، بل هو ورث دعوة الإصلاح والرسالة الإلهية التي من شأنها أن ترفع مقام الإنسان إلى الكمال والسمو .
المطلب الثاني :
ورد في نص الزيارة : ” السلام عليك يا وارث عيسى روح الله ” .
هو نبي الله عيسى ابن مريم العذراء ، معجزة من معاجز الله تعالى لخلقه ، فقد ولد من غير أب وبعث منذ ولادته نبيا ً لبني اسرائيل ليهديهم إلى سواء السبيل(المدرسي ،2008م ، ج5 ، ص330) ، وجاء بشريعة النصارى ، ولقب بألقاب عديدة كان أشهرها هو ( المسيح )( الخلف ،1977م ، ص165) وهو ما عرف به أتباعه من بعده .
أمه مريم بنت عمران ، من آل عمران من بني اسرائيل ويعتقد أن نسبها ينتهي إلى نبي الله داود (ع) ، عاشت حياتها في بيت نبي الله زكريا (ع) حيث تربت هناك ، وكان زكريا والدا لنبي الله يحيى (ع) ، وزكريا أول من آمن بنبوة عيسى (ع)( مجموعة من المؤلفين ، ص30) ، ففي بادئ الأمر عندما جاءت مريم بعيسى تحمله بين يديها اتهمها الناس بالبغي والعياذ بالله ، قال تعالى : عن لسان حال اليهود ﴿ يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ﴾( مريم : آية 82) ، إلا زكريا فقد كان يعلم بعلو إيمانها وصدقها مع الله تعالى ، فكان كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقا ً ، كما عبر القرآن الكريم في آياته المباركات ، قال تعالى : ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾( آل عمران : آية 37) .
عاش عيسى في كنف أمه العذراء حتى كبر واشتد عوده وتولى زمام نفسه ، ثم بدأ بدعوة بني اسرائيل إلى الله تعالى على شريعة جديدة هي الشريعة النصرانية ، فمنهم من آمن ومنهم من كفر ، وكان (ع) قد عرف عنه العلم والمعرفة وخصوصا ً في مجال الطب حيث كان يبرئ الأكمه والأبرص وهي أمراض مستعصية العلاج حتى يومنا هذا(غلوش ،2002م ، ص169 – 171) قال تعالى ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾( آل عمران : آية 49) ، فضلا عن معاجزه التي ظهرت للعيان فقد كان يخلق من الطين كهيئة الطير ، فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله تعالى ﴿ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾( آل عمران : آية 49) .
فضلا عن ما تقدم فقد جاء عيسى بكتاب سماوي وهو كتاب الإنجيل الذي ذكره القرآن مرات عديدة في آياته ، وكان يدعو الناس إلى ما في هذا الكتاب ، ولكن بعد أن رفعه الله تعالى تم تحريف هذا الكتاب ونقل بعدة نسخ مختلفة الواحدة عن الأخرى(وداعة ، مقال ألكتروني) ، فلم تعد قيمته ككتاب سماوي فاعلة ، بل أصبح هناك الكثير من علامات الاستفهام والشكوك التي تدور عليه ، قال تعالى : ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾( المائدة : آية 68) .
وعلى كل حال فإن مقارنة النبي عيسى (ع) مع الإمام الحسين (ع) قد تكون متعذرة في أغلب جوانب حياة كل منهما ، وبالتالي تنتفي الوراثة المادية والاجتماعية ، فهو من نسل أنبياء بني إسرائيل والإمام الحسين (ع) من نسل اسماعيل (ع) ، و عيسى ليس له أب ليرثه والإمام الحسين (ع) ابن علي بن أبي طالب (ع) أمير المؤمنين وإمام المتقين بعد رسول الله (ص) ، وعيسى له من المعجزات الكثير لإثبات عقيدته وشريعته ، أما الإمام الحسين (ع) فقد حاجَّ الناس بالمنطق العقلي والفقهي والعقدي فقط ، وعيسى رفعه الله تعالى إليه بحسب الرؤية الإسلامية ولم يموت ، أما الإمام الحسين (ع) فقد استشهد في سبيل الله تعالى وللحفاظ على الدين الإسلامي ، وغير ذلك من نقاط الاختلاف بين الشخصيتين ، ومن ذلك نستدل على أن الوراثة المقصودة في الزيارة هي وراثة الرسالة والعقيدة و الاصلاح ، وهو القاسم المشترك بين الأنبياء جميعا ً (ع) وبين الإمام الحسين (ع) .
المبحث الثالث
الوراثة الشرعية للجد والأب
المطلب الأول :
ورد في نصوص الزيارة : ” السلام عليك يا وارث محمد حبيب الله ” .
محمد حبيب الله : هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب (رسول الله) وينتهي نسبه إلى معد بن عدنان ، أمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب(ابن سعد ،1990م ، ج 1، ص 76) ، صفوة الخلق ورسول الله إلى الناس أجمعين ، وهو شخصية عظيمة قل نظيرها في هذا العالم ، فهو رسول الإسلام وخاتم الأنبياء وتعد شريعته خاتمة الشرائع يقول عنه المستشرق مايكل هارت في كتابه أعظم مائة شخص في التاريخ : ” لقد اخترت محمدا ً (ص) في أول هذه القائمة ، ولا بد أن يندهش كثيرون لهذا الاختيار ، ومعهم حق في ذلك ، ولكن محمدا عليه السلام هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحا ً مطلقا ً على المستوى الديني والدنيوي ، وهو قد دعا إلى الإسلام ونشره كواحد من أعظم الديانات وأصبح قائدا ً سياسيا ً وعسكريا ً ودينيا ً ، وبعد 13 قرنا ً من وفاته ، فإن أثر محمد عليه السلام ما يزال قويا ً متجددا ً “( مايكل هارت ، ص13) .
ولعل هذا الكلام من مايكل هارت موجز جيد عن حياة النبي محمد (ص) ولذلك سوف لن أعرج أكثر من ذلك للايجاز وعدم الاسهاب في المتن ، وهنا حري بنا أن نستعرض العلاقة بين موضوع البحث وهو الحسين (ع) وبين محمد النبي (ص) والذي ورد في الزيارة ” السلام على وارث محمدا حبيب الله ” ، والذي يبحث في هذه القضية يجد أن الحسين (ع) هو سبط محمد (ص) وحفيده من ابنته الوحيدة فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين (ع)( الحسني ، ص157) ، وبالتالي فإن هناك وراثة ً شرعية كاملة لكل ما للنبي محمد (ص) من ماديات ومعنويات ( أموالا ً ومكانة ) ، ولذلك بقي عليه السلام حتى آخر أيام حياته والناس ينادونه يـ ( ابن رسول الله )( الحر العاملي ، ج ٣ ، ص ٢٨٠) لما له من قرب المكان وعظيم المنزلة من رسول الله (ص) ، فضلا ً عن أن أبيه هو علي بن أبي طالب (ع) وهو ابن عم النبي (ص) فالوراثة المادية هنا جاءت من طريقين من الأب والأم للنبي (ص) ، ولكن السؤال هنا : هل أن الوراثة المقصودة في الزيارة هي وراثة التركة أم شيء آخر ؟ .
ولو استقرأنا نص الزيارة تبين بوضوح أن المقصود من الوراثة ليس وراثة التركة والمال بل أن أمرا ً آخر ورثه الحسين عليه السلام من جده أشار إليه النبي (ص) عندما خص الحسين (ع) بقوله : ” حسين مني وأنا من حسين “( الراجحي ، ج9 ، ص 6) ، وقد ترجم الحسين (ع) هذه المقولة عندما قصد كربلاء بقوله : ” ما خرجت بطرا ً ولا أشرا ً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي “( المجلسي ،1993م، ج44 ، ص329) .
المطلب الثاني :
ورد في نص الزيارة : ” السلام عليك يا وارث أمير المؤمنين ولي الله (ع) ” .
أمير المؤمنين : هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ، ابن عم النبي (ص) وزوج ابنته و والد الحسين (ع)( الحسني ، ص50) ، ومن البديهي أن الوراثة بينهما متحققة بكل تفاصيلها المادية والمعنوية ، ولكن ما يظهر من نص الزيارة أن الوراثة المقصودة هي وراثة القيادة والدين والثبات على المبدأ وهذا واضح لمن قرأ سيرة أهل البيت (ع) والأحداث التاريخية التي جرت عليهم ، ولذلك عزفنا عن الخوض في طبيعة هذه الوراثة لأنها على المستوى المادي متحققة بشكل تام ، وعلى المستوى المعنوي فهي متحققة أيضا ً فبعد غياب دور الإمام علي والإمام الحسن (ع) كان الإمام الحسين (ع) هو القائد المصلح والمهتم بشؤون المجتمع الممثل الأول للخط الاسلامي الأصيل على نهج محمد (ص) ومن قبله من الأنبياء والمرسلين على نهج واحد لا اختلاف فيه ، قال تعالى : ﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾( البقرة : آية 285) .
الخاتمة والنتائج :
وبعد أن انتهينا من هذه السياحة الجميلة العطرة في السيرة الموجزة لعدد من الأنبياء الصالحين الذين ورد ذكرهم في نصوص زيارة وارث المباركة للإمام الحسين (ع) والمقارنة بين حياة الأنبياء وحياة الإمام الحسين (ع) وهل الوراثة الموجودة حقيقة مادية أم معنوية ؟ ، ويمكن أن نقول أن الوراثة التي نستنتجها مما تقدم ترتكز في عدة احتمالات وهي كما يلي :
الاحتمال الأول : الوراثة تعني الاشتراك في الرسالة .
الاحتمال الثاني : الوراثة تعني الاشتراك في التجسيد .
وتفصيل ذلك :
أولا – الاشتراك في الرسالة : يعني الامتداد واستكمال ما بدئه السابقون من الأنبياء فهو يشكل حلقة من سلسلة ممتدة لا نعلم نهايتها ، وهو في هذا الحال وارث بمعني أن ما سرى على غيره يسري عليه وهو مكمل له ، فالوراثة هنا وصف كلي ينطبق على أجزاءه المتعددة والمتكثرة بالتساوي ، فلا فرق بين أحدها ، والامام الحسين (ع) هو حلقة في هذه السلسلة الذهبية المباركة .
الثاني – الاشتراك في التجسيد : يعني أنه جسد صور الأنبياء المذكورين في الزيارة بكل كمالاتها دون نقصان لشيء منها ، فعندما يرد في الزيارة مفهوم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويشهد له بأنه أدى كل هذه المفاهيم والفرائض ، فإن هذه المفاهيم كانت قد دأب الأنبياء السابقون على أدائها ، وكذلك كونه نور في الاصلاب الشامخة ، فالأنبياء كلهم نور من الله أرسلهم لهداية البشرية ، وبما أنه سار على ما ساروا عليه فهو نورٌ أيضا ً ، وكونه من القادة الهداة ، فالأنبياء هم الهداة للبشرية ، والامام هنا يشكل امتدادا ً لهم كما أشرنا إلى ذلك في الاشتراك الرسالي .
ومما تقدم نستنتج أن الوراثة هنا بمعنى التجسيد لما كان عليه الأنبياء من الاصطفاء والهداية وأداء الفرائض وقيادة المجتمع ، وليست الوراثة هنا بمعناها المتعارف في الفقه من انتقال الاموال من الآباء إلى الابناء ، مع عدم التنافي بين المعنيين ، فإن إيراد مفهوم الوراثة المتعارف عليها في سطور الزيارة لا داعي له أصلا ، بل أن ذكره يكون عبثا ً ، لأن الوراثة بالمعنى الفقهي ثابتة لكل أبناء آدم بالتساوي وبلا فرق .
وفي الختام يمكنني القول أن هذا المعنى في الزيارة قد يحتاج إلى بحوث أكثر إذا تسنت الفرصة للباحثين ، وأما أنا فقد أدليت بدلوي عسى أن أكون قد وفقت لتقديم شيء ينفع القراء والمسيرة العلمية ونشر علوم أهل البيت (ع) ، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أنبياءه الصالحين وعباده المكرمين وأهل بيت نبيه المعصومين (سلام الله عليهم أجمعين ) .
مصادر والمراجع :
- القرآن الكريم .
- الأخبار الطوال : أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري (ت ٢٨٢ هـ) ، تحقيق . عبد المنعم عام ، مراجعة : الدكتور جمال الدين الشيال ، الناشر وزارة الثقافة والإرشاد القومي ، مصر ، ط1 ، ١٩٦٠م .
- أسرار فاجعة كربلاء : محمد رجب عبد الوهاب ، نشر المؤلف ، 1434هـ .
- الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل : الشيخ ناصر مكارم الشيرازي ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت – لبنان ، ط1 ، 1434هـ – 2013م .
- أنساب العرب (تاريخ العوتبي) : سلمة بن مسلم بن إبراهيم الصحاري ت 511هـ ، ت. د. محمد احسان النص ، ط4 ، 1427هـ – 2006م .
- بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار : العلامة محمد باقر المجلسي ، مؤسسة الوفاء ، ط2 ، 1403هـ – 1993م .
- تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس : حسين بن محمد بن الحسن الدِّيار بَكْري (ت ٩٦٦هـ) ، دار صادر ، بيروت – لبنان ، (د.ت) .
- تاريخ الأمم والملوك : بو جعفر، محمد بن جرير الطبري (٢٢٤ – ٣١٠ هـ) ، ت. محمد أبو الفضل ابراهيم ، دار المعارف ، ط2 ، مصر ، 1387هـ – 1967م .
- تاريخ مدينة دمشق : أبو القاسم علي بن الحسن ابن هبة الله بن عبد الله الشافعي المعروف بابن عساكر (٤٩٩ هـ – ٥٧١ هـ) ، ت. محب الدين أبو سعيد العمروي ، دار الفكر ، بيروت – لبنان ، 1415هـ – 1995م .
- تفسير أحمد حطيبة : أحمد حطيبة ، ( د.م.ط ) .
- البحر المحيط (في التفسير) : محمد بن يوسف، الشهير بأبي حيان الأندلسي ت ٧45 هـ ، ت. صدقي محمد جميل العطار وآخرون ، دار الفكر ، بيروت – لبنان ، 1420هـ – 2000م .
- تفسير الصافي : محمد بن مرتضى بن الفيض الكاشاني ، دار المرتضى ، طهران ، 1982م .
- تفسير العياشي : محمد بن مسعود العياشي ، ت. قسم الدراسات الإسلامية ، مؤسسة البعثة ، قم – ايران ، ط1 ، 1421هـ – 2000م .
- تفسير القرآن الكريم : محمد إسماعيل المقدم ، (د.م.ط) .
- تفسير الكبير : فخر الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن حسين الرازي ت606هـ ، دار إحياء التراث العربي – بيروت ، ط3 ، 1420 – 2000م .
- تفسير الميزان : السيد محمد حسين الطباطبائي ، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية ، قم – إيران .
- تفسير نور الثقلين : عبد علي بن جمعة العروسي الحويزي ت 1112هـ ، ت. هاشم الرسولي المحلاتي ، .مطبعة الحكمة ، قم .
- توفيق الرحمن في دروس القرآن : فيصل بن عبد العزيز بن فيصل آل مبارك ت 1366هـ ، ت. عبد العزيز بن عبد الله بن ابراهيم الزير آل أحمد ، دار العليان ، الرياض – السعودية ، ط1 ، 1416هـ – 1996م .
- جامع البيان عن تأويل آي القرآن : أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ، ت. د. بشار عواد معروف و عصام فارس الحرستاني ، مؤسسة الرسالة ، ط1 ، بيروت – لبنان ، 1415هـ – 1994م .
- الخالدون المئة : مايكل هارت ، المكتب المصري الحديث ، أنيس منصور ، ( د.م.ط ) .
- دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية : د. سعود بن عبد العزيز الخلف ، أضواء السلف ، ط1 ، الرياض – السعودية ، 1418هـ – 1997م .
- دعوة الرسل عليهم السلام : أحمد أحمد غلوش ، مؤسسة الرسالة ، ط1 ، بيروت – لبنان ، 1423هـ – 2002م.
- شبهات المشككين : مجموعة من المؤلفين ، موقع وزارة الأوقاف المصرية ، (د.م.ط) .
- شرح تفسير ابن كثير : عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن الراجحي ، دروس صوتية قام بتفريغها على المكتبة الشاملة موقع الشبكة الاسلامية ،( د.م.ط) .
- شرح سنن ابن ماجة : عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن الراجحي ، دروس صوتية قام بتفريغها على المكتبة الشاملة موقع الشبكة الاسلامية ،( د.م.ط).
- صورة الحيوان في القرآن الكريم : م.م نورة عواد طفطاف الحجاج ، رسالة ماجستير ، جامعة ذي قار – كلية الآداب ، 2021م .
- الطبقات الكبرى : محمد بن سعد بن منيع الزهري ت 230 هـ ، ت. محمد عبد القادر عطا ، دار الكتب العلمية ، ط1 ، بيروت – لبنان ، 1410هـ – 1990م .
- عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب : أحمد بن علي الداوودي الحسني ، ت. د نزار رضا ، دار الحياة ، بيروت – لبنان .
- عيون أخبار الرضا (ع) : محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي الصدوق ت 381هـ ، ت. مهدي الحسيني الأجودي ، دار العلم ، قم – إيران ، 1377هـ .
- فلسفة الإيثار في فكر أئمة أهل البيت (ع) ، أ.م.د مازن خضير عباس الغزي ، دار الأضواء ، ط1 ، بيروت – لبنان ، 2023م ، .
- قصة الحياة : عبد الإله بن عبد الله بن علي جابر ، 1442هـ ، (د.م.ط) .
- قصص الأنبياء : أبي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي ، ت. د. مصطفى عبد الواحد ، مكتبة الطالب الجامعي ، مكة المكرمة ، ط3 ، 1408 هـ – 1988م .
- قصص القرآن : ناصر مكارم الشيرازي ، .
- ليلة عاشوراء في الحديث والأدب : الشيخ عبد الله الحسن ، ( د.م.ط ) .
- مقاتل الطالبيين : أبي الفرج الأصفهاني ، ت. أحمد صقر ، دار احياء الكتب العربية ، القاهرة ، 1368هـ – 1949م .
- من أدلة تحريف الإنجيل : خالد وداعة ، مقال ألكتروني ، شبكة الألوكة ، الرابط (https://www.alukah.net/sharia/0/32339/)
- من هدى القرآن : محمد تقي المدرسي ، ط2 ، الناشر . زكي أحمد حسن ، 1429هـ – 2008م .
- موسوعة كلمات الإمام الحسين (ع) : لجنة الحديث في معهد الإمام باقر العلوم (ع) ، دار المعروف ، ومطبعة دانش ، قم – ايران ، 1415هـ – 1995م .
- ميزان الحكمة : محمد الريشهري ، مكتب الاعلام الاسلامي ، قم ، ( د.ت ) .
- وسائل الشيعة (آل البيت) : محمد بن الحسن الحر العاملي ت 1104هـ ، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث ، قم – إيران .