الإطار القانوني لتجريم الانتهاكات البيئية في القانون الدولي
The Legal Framework for Criminalizing Environmental Violations in International Law
حمزة محمود عبد الله1، أ.د. محمد حبحب1
1 الجامعة الإسلامية في لبنان، كلية الحقوق والعلوم السياسية، قسم القانون العام.
بريد الكتروني: hamzamahmod159@gmail.com
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj63/27
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/63/27
المجلد (6) العدد (3). الصفحات: 470 - 491
تاريخ الاستقبال: 2025-02-07 | تاريخ القبول: 2025-02-15 | تاريخ النشر: 2025-03-01
المستخلص: يتناول البحث الإطار القانوني الدولي لتجريم الانتهاكات البيئية، من خلال تحليل المبادئ القانونية التي تحكم حماية البيئة واستدامتها، والتي تشكل الأساس لحفظ النظام الإيكولوجي وحقوق الأجيال القادمة. كما يدرس البحث القواعد الدولية التي تنظم حماية البيئة في سياق النزاعات المسلحة، مستعرضًا القواعد العرفية والمبادئ الإنسانية التي تهدف إلى منع التعديات البيئية أثناء الحروب، وضمان احترام حقوق الإنسان والالتزام بسيادة الدول. كما يركز البحث على التداخل بين هذه الأطر القانونية المختلفة، ويحلل التحديات العملية والتشريعية التي تعيق تطبيقها بفعالية، بالإضافة إلى الاجتهادات القضائية التي تؤسس لمبدأ مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات البيئية. كما يقدم البحث توصيات لتعزيز التكامل القانوني وتطوير الآليات الدولية، بهدف بناء نظام قانوني دولي متين وفعال يحمي البيئة ويضمن العدالة في مواجهة الجرائم البيئية العابرة للحدود.
الكلمات المفتاحية: الانتهاكات البيئية، القانون الدولي، النزاعات المسلحة، العدالة البيئية، مساءلة المسؤولين.
Abstract: The study addresses the international legal framework for criminalizing environmental violations by analyzing the legal principles that govern environmental protection and sustainability, which form the foundation for preserving the ecosystem and the rights of future generations. It also examines the international rules regulating environmental protection in the context of armed conflicts, reviewing customary rules and humanitarian principles aimed at preventing environmental aggression during wars and ensuring respect for human rights and state sovereignty. The study further focuses on the intersection of these various legal frameworks and analyzes the practical and legislative challenges hindering their effective implementation. It also reviews judicial precedents that establish the principle of accountability for those responsible for environmental violations. The research concludes with recommendations to enhance legal integration and develop international mechanisms, with the aim of building a strong and effective international legal system that protects the environment and ensures justice in the face of transboundary environmental crimes.
Keywords: Environmental violations, international law, Armed conflicts, Environmental justice, Accountability.
المقدمة:
لقد برزت في العقود الأخيرة تحديات بيئية جسيمة أثرت على الأمن والاستقرار الدوليين، حيث تحولت الأفعال الماسة بالبيئة من مجرد أضرار جانبية إلى أدوات تؤثر في العلاقات الدولية وتُهدد حياة الإنسان والنظم البيئية بشكل مباشر. وعلى الرغم من هذه الخطورة المتزايدة، ما زال القانون الدولي يواجه تحديات كبيرة في وضع إطار قانوني شامل وملزم يجرّم الانتهاكات البيئية ويوفر آليات فعالة لمساءلة المسؤولين عنها، خاصة في ظل الطبيعة المعقدة لتلك الجرائم التي غالبًا ما تتخطى الحدود الوطنية وتتداخل مع مسائل السيادة والتوازنات السياسية.
تتمثل الإشكالية الأساسية في عدم وجود اتفاق دولي شامل وموحد يحدد بدقة ماهية الجرائم البيئية، ويضع معايير واضحة لتجريمها، مما يفتح ثغرات قانونية تسمح ببقاء مرتكبي تلك الأفعال دون محاسبة، وهو ما يُعد تهديدًا مباشراً لسلامة النظام البيئي العالمي وحقوق الإنسان في بيئة صحية. كما أن غياب التكامل الفعّال بين مبادئ القانون الدولي للبيئة والقانون الدولي الإنساني، وعدم وضوح دور القضاء الدولي في معالجة هذه الانتهاكات، يزيدان من تعقيد القدرة على التصدي القانوني الفعّال لهذه الجرائم.
تكمن أهمية هذا البحث في كونه يسعى إلى تسليط الضوء على هذا الفراغ القانوني وطرح تحليل معمّق للمنظومة القانونية الدولية القائمة، بهدف إبراز نقاط القوة والضعف في القواعد والتشريعات المعمول بها، وفتح آفاق لتطوير إطار قانوني متكامل يستجيب لطبيعة الانتهاكات البيئية الحديثة. فبالنظر إلى أن حماية البيئة أصبحت قضية مركزية وحيوية لا تقتصر على جانب أخلاقي أو إنساني فقط، بل تتعلق باستمرارية الحياة على كوكب الأرض، يصبح من الضروري استنهاض الجهود القانونية لوضع أُسس راسخة تضمن احترام المعايير البيئية وحماية النظم البيئية من التدمير.
علاوة على ذلك، يكتسب البحث أهمية إضافية من خلال التركيز على دور القضاء الدولي في ترجمة هذه المبادئ إلى واقع عملي، عبر تطبيق القوانين وتفعيل آليات المساءلة، وهو ما يمثل خطوة جوهرية في سد الثغرات التشريعية وتعزيز الردع القانوني للجرائم البيئية. ولهذا، فإن الدراسة تمثل مساهمة قيمة تسعى إلى دعم الجهود الدولية الرامية إلى إقرار العدالة البيئية، وتحقيق توازن بين مصالح الدول وحقوق الإنسان في بيئة سليمة، وهو ما يرسخ مبادئ القانون الدولي ويعزز السلام والأمن العالميين.
يعتمد البحث منهجًا تحليليًا قانونيًا دقيقًا، يجمع بين الدراسة النظرية للقواعد القانونية الدولية والتشريعات ذات الصلة، مع استخدام المنهج المقارن لفهم كيفية تعامل الأنظمة القضائية الدولية المختلفة مع الجرائم البيئية. كما يستعين البحث بالمنهج الاستقرائي لاستنباط القواعد من النصوص القانونية والأحكام القضائية، إلى جانب المنهج النقدي لتقييم الفجوات التشريعية ومقترحات التطوير.
وينقسم البحث إلى مبحثين رئيسيين:
المبحث الأول: مبادئ القانون الدولي للبيئة:
تُعد مبادئ القانون الدولي للبيئة الركيزة التي تستند إليها القواعد القانونية المنظمة لحماية البيئة على الصعيد الدولي، وهي تعكس ما استقر عليه الضمير القانوني العالمي من قيم العدالة، ومبدأ حسن الجوار، والتوازن بين المصلحة الوطنية للدول والمصلحة المشتركة للمجتمع الدولي ككل.
وقد أشار النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، في الفقرة (ج) من المادة (38)، إلى أن “مبادئ القانون العامة التي أقرتها الأمم المتحضرة” تُعد من بين مصادر القانون الدولي التي تطبقها المحكمة في الفصل في المنازعات المعروضة أمامها. ومن هذا المنطلق، تُعتبر هذه المبادئ جزءًا من البناء القانوني الذي يحكم العلاقات الدولية، بما في ذلك المسائل البيئية.
ويتضمن القانون الدولي البيئي مجموعة متنوعة من المبادئ، بعضها يُعد من المبادئ العامة للقانون، مثل مبدأ حسن النية في تنفيذ الالتزامات الدولية، ومبدأ سيادة الدول، ومبدأ واجب التعاون، وهي مبادئ مستمدة من القانون الدولي العام وتُطبّق على جميع أشكال العلاقات بين الدول.
في المقابل، هناك مبادئ ذات طابع خاص ترتبط حصريًا بالقضايا البيئية، مثل مبدأ منع التدهور البيئي، ومبدأ التعاون البيئي الدولي، ومبدأ التحوّط، ومبدأ “الملوِّث يدفع”، والتي تُشكّل الإطار المعياري الخاص بالقانون الدولي للبيئة، وإن كانت تستند بدورها إلى المبادئ الأعم في القانون الدولي العام.
لذلك، وانطلاقًا من هذا التصنيف، سيتم تناول مبادئ القانون الدولي للبيئة من خلال فرعين رئيسيين:
المطلب الأول: المبادئ العامة للقانون الدولي للبيئة:
تُشكّل المبادئ العامة الأساس الذي يقوم عليه هيكل القانون الدولي للبيئة، إذ تعكس القيم والمفاهيم القانونية التي تحكم سلوك الدول في إطار حماية البيئة. وتُعد هذه المبادئ امتدادًا للمبادئ المستقرة في القانون الدولي العام، وتكتسب قوتها من الإجماع الدولي والقبول العام بها. ومن أبرز هذه المبادئ:
أولاً: مبدأ السيادة على الثروات الطبيعية:
يُعد هذا المبدأ من أقدم مبادئ القانون الدولي، وينص على بسط الدولة لاختصاصها التشريعي والقضائي والتنفيذي على جميع الأنشطة الواقعة ضمن إقليمها. ومع ذلك، فإن هذا المفهوم يُعد مرنًا وليس مطلقًا، إذ يقع على عاتق الدولة، في بعض الحالات، واجب تقييد حريتها بما يراعي المصالح المشتركة للمجتمع الدولي أو مصالح الدول الأخرى([1]).
لقد تطوّرت قواعد القانون الدولي البيئي في إطار هدفين أساسيين يسيران في اتجاهين متعارضين نسبيًا: الأول، أن للدول حقوقًا سيادية على مواردها الطبيعية؛ والثاني، أن على الدول ألا تتسبب في أضرار تلحق بالبيئة. وقد تم تكريس هذا التوازن في البند (21) من إعلان استوكهولم لعام 1972.
وقد أعيد التأكيد على مضمون هذا المبدأ بعد عشرين عامًا، حين تبنّى إعلان ريو بشأن البيئة والتنمية لعام 1992 المبدأ نفسه تحت مسمى “المبدأ (2)”، دون تعديل جوهري على مضمونه. ويتكوّن كل من المبدأ (21) والمبدأ (2) من عنصرين لا يمكن فصلهما دون إحداث تغيير جذري في المعنى والأثر: أولهما، الحق السيادي للدول في استغلال مواردها الطبيعية؛ وثانيهما، المسؤولية المترتبة على هذه الدول بعدم التسبب في أضرار بيئية تلحق بدول أخرى أو بأقاليم تقع خارج حدود ولايتها الوطنية.
ثانيًا: مبدأ حسن الجوار:
نظرًا لكون الأضرار البيئية قد تتجاوز الحدود الإقليمية للدولة مصدر الضرر، لتصيب أقاليم دول أخرى، فقد ذهب بعض الفقهاء إلى اعتبار من المبادئ الأساسية التي تنظّم سلوك الدول المتجاورة، بوصفه وسيلة قانونية للحد من الآثار السلبية العابرة للحدود، وتعزيز علاقات التعايش السلمي والتعاون الإقليمي.
وقد أيدّ عدد من الفقهاء تأسيس المسؤولية الدولية على هذا المبدأ، من أبرزهم الفقيه “أندارسي”، الذي شدّد على أن مبدأ حسن الجوار يُعد من المبادئ العامة في القانون الدولي، ويقتضي ألا تتسبب الدولة في أفعال على إقليمها تُلحِق أضرارًا جسيمة بإقليم دولة أخرى([2]). بينما اعتبر البعض أن مبدأ حسن الجوار يُرتّب التزامًا عامًا على الدول يتمثل في منع الأضرار والآثار الضارة المحتملة، لاسيما في ظل التطور العلمي والتكنولوجي الذي أوجد أشكالًا جديدة لاستخدام الإقليم قد تؤدي إلى أضرار عبر الحدود. ويستند هذا الرأي إلى أن قواعد حسن الجوار تحظى باعتراف واسع في التشريعات الوطنية لمعظم الدول.
وقد وردت الإشارة إلى مبدأ حسن الجوار صراحةً في ديباجة ميثاق الأمم المتحدة، حيث تعهّدت شعوب الأمم المتحدة بالعيش في أمن وسلام ضمن إطار من حسن الجوار. وكان موضوع حقوق الدول المشاطئة للأنهار الدولية من أوائل القضايا التي طُرح بشأنها تطبيق قواعد حسن الجوار، ومن أبرز هذه القواعد ما ينصّ على منع الإخلال بالظروف الطبيعية للنهر إذا ما نتج عن ذلك إضرار بحقوق دولة أخرى. وقد أُقرت هذه القاعدة في عدد من الاتفاقيات الدولية والأحكام القضائية، وحظيت بتأييد واسع في الفقه الدولي.([3])
كما نصت الاتفاقية الأوروبية لحماية المياه العذبة من التلوث، الصادرة عن مجلس أوروبا عام 1969، على مبدأ حسن الجوار صراحةً، مؤكدةً أنه “من المبادئ العامة للقانون الدولي أنه لا يجوز لأي دولة استغلال مواردها الطبيعية بطريقة يمكن أن تسبب ضررًا جسيمًا لدولة مجاورة”. وكرّست محكمة العدل الدولية هذا المبدأ في حكمها في قضية مضيق كورفو، حيث قررت أن على كل دولة ألا تستخدم إقليمها، أو تسمح باستخدامه، لأغراض تتنافى مع حقوق الدول الأخرى.
ثالثًا: مبدأ عدم التعسف في استعمال الحق:
كان لظهور المذاهب الاجتماعية في نهاية القرن التاسع عشر أثرٌ بالغ على المفاهيم القانونية والفلسفية، حيث أعيد النظر في فكرة الحق باعتباره ليس امتيازًا مطلقًا، بل أداة لتحقيق أهداف اجتماعية، تُمارَس في إطار المصلحة العامة. ونتيجةً لذلك، برز مبدأ “عدم إساءة استعمال الحق”، الذي يُعلي من شأن المصلحة العامة على حساب المصلحة الفردية، ويلزم صاحب الحق بممارسة حقوقه ضمن حدود لا تلحق ضررًا غير مشروع بالغير أو بالمجتمع.([4])
وقد وجد هذا المبدأ جذوره في الأنظمة القانونية الداخلية، وكان متأصلاً في العديد من النظم القانونية كالشريعة الإسلامية، والقانون الروماني، والأنظمة الأنجلوسكسونية. ثم لقي قبولًا متزايدًا لدى المحافل القانونية الدولية، رغم بعض التحفظات التي أبداها بعض الفقهاء. غير أن الاتجاه الغالب تبنى اعتبار هذا المبدأ أحد مبادئ القانون الدولي، استنادًا إلى انتشاره الواسع في النظم القانونية الوطنية، مما جعله جزءًا من القانون الدولي العرفي، أو على الأقل من المبادئ العامة المعترف بها في القانون الدولي، وفقًا لتقديرات العديد من المحكمين والقضاة والمؤلفين القانونيين([5]).
وقد تم تكريس هذا المبدأ صراحةً في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، والتي تُعد من أبرز الاتفاقيات الدولية الحديثة، حيث نصت بوضوح على منع التعسف في استعمال الحقوق البحرية([6]).
كما تبنّى القضاء الدولي هذا المبدأ في العديد من أحكامه، أبرزها حكم محكمة العدل الدولية في قضية “المصايد النرويجية” عام 1951، بين بريطانيا والنرويج، والتي دارت حول تحديد المياه الإقليمية. فقد ادعت بريطانيا أن النرويج قد تعسفت في استعمال حقها في هذا التحديد.([7]) وقد قررت المحكمة أن تحديد البحر الإقليمي هو عمل انفرادي للدولة، لكنه يجب ألا يتعارض مع مصالح الدول الأخرى، ويجب أن يُنظر إليه وفق معايير القانون الدولي، سواء كانت جغرافية أو اقتصادية أو قانونية. وأكدت المحكمة في حيثياتها أن أحد أهم المعايير القانونية هو مبدأ عدم التعسف في استعمال الحق، غير أنها خلصت في النهاية إلى أن الحكومة النرويجية لم تتعسف في تحديد خطوط الأساس لمياهها الإقليمية، وأن هذا التحديد لم يخالف القانون الدولي.
رابعًا: مبدأ التعاون الدولي:
يُعد مبدأ التعاون الدولي من المبادئ الجوهرية التي انبثقت عنها معظم قواعد القانون الدولي للبيئة، وهو مستمد من المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة، التي نصت على أن من بين مقاصد الأمم المتحدة الأساسية “تحقيق التعاون الدولي في حل المشكلات الدولية ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي أو الإنساني([8])وذلك بوصفه أحد أسس تعزيز السلم والأمن الدوليين.
وقد أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا المبدأ في القرار رقم (2625) بشأن إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقًا لميثاق الأمم المتحدة([9])، حيث ألزمت الدول بالتعاون فيما بينها، بغض النظر عن اختلاف نظمها السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، في سبيل حفظ السلم والأمن الدوليين، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، وتحقيق التنمية.
وفي السياق البيئي، ورد هذا المبدأ في إعلان ستوكهولم لعام 1972، حيث نص المبدأ (24) على أن جميع الدول تتحمل مسؤولية مشتركة ومتساوية في حماية البيئة وتحسينها، مع الإقرار بالطابع الجوهري للتعاون، سواء من خلال الترتيبات الثنائية أو متعددة الأطراف. أما المبدأ (25)، فقد وسّع من نطاق هذا التعاون ليشمل دور المنظمات الدولية، مؤكدًا على ضرورة اضطلاعها بدور “منسق وفعّال وديناميكي” في جهود حماية البيئة. كما نص المبدأ (27) على أن على الدول والشعوب أن تتعاون “بحسن نية وبروح من الشراكة” في سبيل الوفاء بالمبادئ الواردة في الإعلان، وتطوير قواعد القانون الدولي المتصلة بالتنمية المستدامة.
وقد تجسد مبدأ التعاون الدولي في العديد من الاتفاقيات الدولية البيئية، حيث غالبًا ما يُعد من أول الالتزامات المفروضة، بالنظر إلى أهميته في تنسيق الجهود وتحقيق الأهداف المشتركة لحماية البيئة. كما تم تأكيده في اجتهادات قضائية دولية، لعل أبرزها حكم المحكمة الدولية لقانون البحار في قضية مصنع موكس (MOX Plant) عام 2001، والتي قررت فيه أن واجب التعاون يُعد “مبدأً أساسيًا في منع تلوث البيئة البحرية([10]).
المطلب الثاني: المبادئ الخاصة بالقانون الدولي للبيئة:
مع تطور الوعي البيئي العالمي وتنامي التحديات البيئية العابرة للحدود، أصبح من الضروري أن يتكيف القانون الدولي مع متطلبات “عصر البيئة”، من خلال تبني مبادئ جديدة تعكس خصوصية القضايا البيئية وتعزز من فعالية التعاون الدولي في مواجهتها. وقد عبّر عن هذا التوجه الأمين العام لمؤتمر :الأمم المتحدة المعني بالبيئة البشرية المنعقد في ستوكهولم سنة 1972، حين صرّح في الجلسة الافتتاحية قائلاً: “علينا أن نضع قواعد جديدة للقانون الدولي لتطبيق المبادئ الجديدة للمسؤولية والسلوك الدولي، بما يتماشى مع عصر البيئة، فضلاً عن ابتكار أساليب جديدة لتنظيم وتسوية المنازعات البيئية”.
انطلاقًا من هذا التصور، برزت مجموعة من المبادئ الخاصة بالقانون الدولي للبيئة، التي تختلف من حيث طبيعتها ومضمونها عن المبادئ العامة، إذ تمثل استجابة قانونية مباشرة لطبيعة المخاطر البيئية الحديثة وحاجة المجتمع الدولي إلى آليات تنظيمية أكثر تخصصًا وفعالية. ومن أبرز هذه المبادئ نذكر ما يلي:
أولاً: مبدأ الملوّث الدافع:
يُعدّ مبدأ “الملوّث الدافع” أحد المبادئ المحورية في القانون الدولي البيئي المعاصر، ويقضي بأن يتحمل الشخص – سواء كان فرداً، أو مؤسسة، أو دولة – المسؤول عن النشاط المُلحق ضرراً بالبيئة كافة التكاليف المرتبطة بمنع التلوث، أو الحد من آثاره، أو إصلاح الأضرار الناتجة عنه. ويهدف هذا المبدأ إلى تحميل الجهة المسببة للتلوث العبء المالي المترتب على معالجة التدهور البيئي، وبالتالي فإن هذا المبدأ يشكل انتقالاً مهماً من فكرة “الحرية المطلقة في استغلال الموارد” إلى مبدأ تحمل التكاليف البيئية بشكل عادل وفعال.
يُعتبر هذا المبدأ أساساً لتكريس مبدأ العدالة البيئية، إذ يُلزم الجهات المسببة للتلوث – لا غيرها – بتحمل تبعات أعمالها، سواء من خلال إجراءات المنع، أو المعالجة، أو التعويض. ولم تعد هناك شرعية قانونية لـ”حرية التلويث”، بل باتت الدول المصدّرة للنفايات الخطرة مثلاً، مطالبة بتحمل كافة التكاليف اللازمة لتجنّب الإضرار بالدول التي تمرّ عبرها تلك النفايات أو تتأثر بها.
وقد ورد النص على هذا المبدأ في عدد من الوثائق الدولية، باعتباره مبدأً توجيهياً وإلزامياً. فقد نص المبدأ (16) من إعلان ريو بشأن البيئة والتنمية لسنة 1992 على أنه: ينبغي أن تسعى السلطات الوطنية إلى تشجيع الوفاء بالتكاليف البيئية داخلياً، واستخدام الأدوات الاقتصادية، آخِذة في الحسبان المنهج القاضي بأن يكون المسؤول عن التلوث هو الذي يتحمل – من حيث المبدأ – تكلفة التلوث، مع إيلاء المراعاة على النحو الواجب للصالح العام، دون الإخلال بالتجارة والاستثمار الدوليين”.
كما أكّد المبدأ (13) من الإعلان ذاته على ضرورة “إرساء قانون دولي يحدد المسؤوليات والتعويضات عن الأضرار البيئية”، في إشارة صريحة إلى ضرورة تفعيل مبدأ المسؤولية البيئية كأحد أعمدة الحوكمة البيئية العالمية. ([11])
ثانيًا: مبدأ الحيطة:
برز مبدأ الحيطة في المجال البيئي في أوائل الثمانينيات نتيجة لتزايد الوعي بخطورة الأضرار البيئية التي قد تكون غير قابلة للإصلاح أو التوقع([12]). يرى أوليفييه غودار (Olivier Godard) مدير الأبحاث في مركزCNRS، أن مبدأ الحيطة انعكس على تطور مفهوم الحذر، حيث شهدت المجتمعات ثلاثة أنظمة رئيسية للحذر: نظام المسؤولية على أساس الخطأ الذي هيمن حتى القرن التاسع عشر، ونظام التضامن على أساس المخاطر الذي تطور خلال القرن العشرين، ونظام الوقاية والسلامة الذي يشهد اليوم اعترافًا بميلاد مبدأ الحيطة([13])
ارتبط ظهور مبدأ الحيطة وتدويله بمؤتمر قمة الأرض الذي عُقد في ريو دي جانيرو في 13 حزيران/ يونيو 1992، وهو مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية، حيث نص في المبدأ الخامس عشر على أن: “من أجل حماية البيئة، تتخذ الدول على نطاق واسع تدابير احتياطية حسب قدراتها، وفي حالة ظهور أخطار ضرر جسيم أو أخطار ضرر لا سبيل إلى عكس اتجاهه، لا يُستخدم الافتقار إلى اليقين العلمي الكامل سببًا لتأجيل اتخاذ تدابير تتسم بفعالية التكاليف لمنع تدهور البيئة.”
إذ يؤكد هذا الإعلان على إجراء دراسات تقييم مدى التأثير قبل أي عمل قد يؤدي إلى آثار ضارة بالبيئة، ويُبرز أهم عناصر مبدأ الحيطة، من احتمالية حدوث ضرر خطير وغير رجعي، وغياب اليقين العلمي، وضرورة اتخاذ إجراءات فورية.
ويمكن تلخيص المبدأ في أنه: “يجب اتخاذ تدابير عندما يكون هناك سبب كافٍ للاعتقاد بأن نشاطًا ما أو منتجًا معينًا قد يسبب أضرارًا خطيرة لا رجعة فيها على الصحة أو البيئة. وقد تشمل هذه التدابير في حالة النشاط، التقليل منه أو وقفه، أما في حالة وجود المنتج الملوث، فإن التدابير تشمل حظر هذا المنتج، حتى وإن لم يكن هناك دليل صريح يثبت وجود علاقة سببية بين النشاط الملوث أو المنتج، والعواقب التي لا تدع مجالًا للشك.”([14])
ثالثًا: مبدأ المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة:
أعلن مؤتمر البيئة البشرية الذي عُقد في ستوكهولم عام 1972 أن حماية البيئة تعد “مسؤولية مشتركة” لكافة البشرية، وأشار المؤتمر إلى أن مشاكل البيئة في الدول النامية “تعود إلى حد كبير إلى التنمية غير الكافية”، وهو ما يمثل الشكل الأولي لمفهوم “المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة”. في عام 1992 تم تكريس هذا المفهوم (CBDR) كمبدأ سابع ([15])في إعلان ريو في قمة الأرض التي عقدت في ريو دي جانيرو،([16]) كما أوضح البند الرابع من الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة بشأن تغير المناخ هذا المبدأ بشكل رسمي.
ينص المبدأ على أن الدول المتقدمة يجب أن تبادر أولًا بخفض الانبعاثات، وتقديم الدعم المالي والتقني للدول النامية، بينما يتوجب على الدول النامية أن تركز على تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والقضاء على الفقر، معتبرةً ذلك أولويتها الأساسية، مع اتخاذ إجراءات لتخفيف تغير المناخ أو التكيف معه حال حصولها على الدعم الفني والمالي من الدول المتقدمة.
رابعًا: مبدأ الوقاية:
تتسم قواعد القانون البيئي بكونها قواعد وقائية، أي أنها تضبط الشأن البيئي مسبقًا قبل وقوع التلوث أو حدوث الضرر، وتهدف هذه القواعد إلى الحفاظ على البيئة وحمايتها من الأضرار التي قد تلحق بها من قبل الأشخاص والمؤسسات، حيث إن ما يصيب البيئة يصعب تداركه لاحقًا([17]).
يحقق مبدأ الوقاية غايتين رئيسيتين؛ الأولى تتعلق بتفادي الأضرار التي قد يصعب معالجتها بعد وقوعها، والثانية تتعلق بتقليل الكلفة الاقتصادية اللازمة لمعالجة التلوث البيئي. وقد طبع النهج الوقائي معظم القواعد البيئية في السبعينيات والثمانينيات، خاصة فيما يتعلق بالتنبؤ بالمخاطر، والحد من التلوث، والاستخدام الرشيد للموارد الطبيعية.
كما وضع مبدأ المنع في صلب عمل لجنة القانون الدولي المعنية بالمسؤولية الدولية عن النتائج الضارة الناجمة عن أفعال غير محظورة بموجب القانون الدولي، وكرس هذا المبدأ كأساس لهذه المسؤولية ضمن مجموعة المبادئ المقترحة.
ويمكن تصنيف الواجبات المتعلقة بمبدأ الوقاية إلى نوعين: واجب العناية الواجبة من جانب واحد، والواجبات الإجرائية، التي تنقسم بدورها إلى فئتين رئيسيتين: واجب الإعلام والإخطار، وواجب تقييم الأثر البيئي. ([18])
خامسًا: مبدأ المشاركة العامة البيئية:
انطلاقًا من اعتبار أن البيئة حق من حقوق الإنسان الجماعية ذات خصوصية تستلزم العمل الجماعي وتوافر الحس البيئي لدى جميع الفاعلين (دول، منظمات دولية، جمعيات، مواطنون…)، ومن جهة أخرى، نظراً لخصوصية هذا الحق الإجرائية التي تميزه عن باقي منظومة حقوق الإنسان، فإنه يلزم من أجل تحفيز المبادرة وتحرك الشركاء (الأفراد والجمعيات) للدفاع عن حقهم في بيئة صحية وسليمة، أن يمتلكوا القدر الكافي من المعلومات ويكونوا على دراية كاملة بما تحتويه بيئتهم من تهديدات وأخطار. بناءً على ذلك، يجب تمكينهم من المشاركة والمساهمة بخبراتهم ومداركهم في صناعة القرارات والتدابير المتعلقة بالإدارة المستدامة للبيئة والحد من المخاطر، مع توفير إمكانية الوصول إلى الهيئات القضائية لتفعيل هذه الحقوق، وضمان مشاركتهم الجادة والمؤسسة قانونًا. ويتم ذلك من خلال منحهم الصفة القانونية لرفع الدعاوى، ووضع أطر قانونية وإجرائية تسمح لهم بالطعن أمام مختلف جهات القضاء سواء في القرارات الإدارية أو القضائية، درءًا لأي تعسف أو مساس بحقوقهم.
وقد ورد في الفصل الثامن من إعلان قمة الأرض لسنة 1992: “ينبغي على الحكومات والمشرعين وضع إجراءات قضائية وإدارية لغرض الإصلاح القانوني ومعالجة الأنشطة التي تؤثر على البيئة والتنمية، والتي ربما تكون غير قانونية أو هناك تعسف في استعمال الحق بموجب القانون، ويجب أن توفر سبلًا للأفراد والمنظمات والمجموعات ذات المصلحة القانونية المعترف بها.” والمشاركة العامة ببساطة تعني إشراك أولئك الذين يتأثرون بالقرار في عملية صنع القرار، وتعتمد على فكرة أن مشاركة الجمهور تساعد في اتخاذ قرارات أفضل تعكس اهتمامات المتضررين من الأشخاص والكيانات المعنية. ويقوم مفهوم المشاركة العامة على ثلاثة مبادئ أساسية تُعد ركائز لهذا المفهوم: ([19])
أ ـ الحق في المعلومات:
يجب تمكين الجمهور من الوصول بسهولة إلى جميع المعلومات ذات الصلة التي يحتاجونها للمشاركة بشكل هادف، وتقع هذه المسؤولية على عاتق سلطة اتخاذ القرار. وقد تم تكريس هذا الحق دوليًا في إعلان ستوكهولم 1972، وخاصة في المبدأين (19) و(20)، اللذين أكدا ضرورة تمتع كل فرد في المجتمع بإعلام بيئي يضمن له الاطلاع على المعلومات والتدابير المتعلقة بالبيئة، مع التأكيد على دور الهيئات العامة في تكريس هذا الحق وضمان الالتزام الفعلي به عبر توفير الفرصة أمام كل فرد للوصول إلى المعلومات والمعطيات البيئية المتوفرة لديها. ([20])
ب ـ الحق في المشاركة في صنع القرار:
لا يمكن تحقيق المشاركة العامة إلا عبر وضع آليات مناسبة تحقق ذلك، وأهمها توفير المعلومات الكافية، بالإضافة إلى ضرورة إعلام الجمهور في مرحلة مبكرة ليتمكنوا من ممارسة حقهم في المشاركة. وقد نص إعلان ريو عام 1992 على هذا الحق، مؤكدًا أهمية تضمينه في مختلف السياسات والتدابير البيئية على المستويات الوطنية والدولية. حيث أكد البند العاشر من الإعلان أن الطريقة المثلى لمعالجة قضايا البيئة تتم من خلال ضمان إشراك الأفراد المعنيين، وفق المستوى المحدد للمشاركة.
وتعزز هذا التأكيد أيضًا من خلال وثيقة “الأجندة 21” في فصلها السابع والعشرين، الذي أشار إلى الآليات العملية التي تتيح مشاركة منظمات المجتمع المدني المحلية (OSC) والدولية (ONG) ويُدرج مبدأ المشاركة نظرًا لأهميته في العديد من النصوص والاتفاقيات الدولية المتعلقة بالبيئة، مثل اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، وبرتوكول قرطاجنة المتعلق بالسلامة الأحيائية.
ج ـ الحق في العدالة:
ينص هذا المبدأ على أن يكون للجمهور الحق في مباشرة الطعون ضد القرارات الإدارية أو القضائية في المسائل البيئية، ويشمل كذلك الحق في الوصول إلى المحاكم المختصة، حيث يعد ذلك ضمانًا مهمًا لتمكين المتضررين من القرار من الدفاع عن حقوقهم. ويأتي هذا في ظل ما تتمتع به هيئات القضاء من استقلالية ودور أساسي في كفالة الحقوق والحريات، وضمان الالتزام الفعلي والصحيح بالأطر والقواعد التي تنظم الحياة العامة في المجتمع.
المبحث الثاني: مبادئ القانون الدولي الإنساني والقواعد العرفية:
لقد عُني القانون الدولي الإنساني منذ نشأته بتنظيم سلوك أطراف النزاع المسلح، حمايةً للمدنيين والحد من آثار الحرب على الإنسان والممتلكات. غير أن تطور الفكر القانوني الدولي، وتزايد التهديدات الموجهة إلى البيئة خلال النزاعات، أظهر قصورًا في البنية القانونية التقليدية عن مواكبة هذا التحدي المتنامي.
وعلى الرغم من أن حماية البيئة لم تكن ضمن الأهداف الصريحة للقانون الدولي الإنساني في مراحله الأولى، إلا أن المبادئ العامة التي يقوم عليها – كمبدأ التمييز، والتناسب، والضرورة العسكرية – أسهمت في توفير غطاء قانوني غير مباشر ضد بعض الأفعال الماسة بالبيئة.
ومع تنامي الوعي الدولي بمخاطر التدهور البيئي الناتج عن الأعمال العسكرية، بدأ الاجتهاد القانوني والفقهي يقرأ تلك المبادئ قراءةً موسّعة تدرج البيئة ضمن عناصر الحماية الإنسانية. وفي موازاة ذلك، كان للأعراف الدولية – بوصفها مصدرًا مرنًا ومتجددًا للقانون – دورٌ محوري في ملء الفراغات التشريعية، وتكريس قواعد سلوكية تكتسب تدريجيًا طابعًا إلزاميًا، حتى في غياب اتفاقيات صريحة.
وعليه، نتناول في هذا المبحث بالتحليل مبادئ القانون الدولي الإنساني والقواعد العرفية باعتبارهما من أبرز الأسس التي يمكن أن يُبنى عليها تجريم الأفعال الضارة بالبيئة، وذلك من خلال المطلبين الآتيين:
المطلب الأول: مبادئ القانون الدولي الإنساني:
ترتكز الحماية الدولية للبيئة، ولاسيما أثناء النزاعات المسلحة، على جملة من المبادئ القانونية التي ينبغي على الدول احترامها والالتزام بها، بهدف الحد من الأضرار البيئية التي قد تنجم عن العمليات العسكرية. ويُعد مبدآن أساسيان في هذا السياق حجر الزاوية في هذا الإطار:
- مبدأ عدم إلحاق الضرر بالبيئة: وهو مبدأ عرفي مستقر في القانون الدولي، يُلزم الدول باتخاذ كافة التدابير الضرورية ضمن حدود ولايتها الإقليمية لتفادي التسبب في أضرار بيئية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، تجاه البيئة والمصادر الطبيعية الواقعة ضمن إقليمها أو خارجه. ويقتضي هذا المبدأ أن تراعي الدول أثناء النزاعات المسلحة عدم الإضرار بالموارد الطبيعية على نحو يتسبب في أضرار طويلة الأمد أو غير قابلة للإصلاح.
- مبدأ الالتزام باحترام البيئة بشكل عام: والذي يتجاوز نطاق السيادة الوطنية، ويُلزم الدول بضمان حماية البيئة العالمية، حتى في المناطق التي لا تخضع مباشرة لولايتها القضائية. ويعكس هذا المبدأ التزامًا أخلاقيًا وقانونيًا تجاه البشرية جمعاء، باعتبار البيئة إرثًا مشتركًا وحقًا من حقوق الإنسان، يقتضي صونه من التلوث والتدمير، خصوصًا أثناء النزاعات المسلحة.([21])
ورغم أن إلحاق أضرار بالبيئة في أوقات الحروب والنزاعات يُعد أمرًا واقعًا يصعب تجنبه كليًا، إلا أن مثل هذه الأضرار تتعارض مع مبدأ الحق في بيئة صحية وآمنة، والذي يُعد بدوره من الحقوق الأساسية للإنسان. وقد بدأ القانون الدولي في العقود الأخيرة يشهد تطورًا نحو تعزيز حماية البيئة بشكل مباشر في أوقات النزاع، بعد أن كانت هذه الحماية تتخذ طابعًا غير مباشر من خلال قواعد عامة تتعلق بقوانين الحرب والنزاعات المسلحة.
وبناء على ذلك، تنقسم الحماية الدولية للبيئة إلى نوعين رئيسيين:
أولاً: الحماية غير المباشرة للبيئة:
يُقصد بالحماية غير المباشرة للبيئة خلال النزاعات المسلحة تلك القواعد القانونية التي لا تنص صراحةً على حماية البيئة، بل تُعنى بها ضمنًا من خلال حماية أهداف أخرى مثل السكان المدنيين والممتلكات العامة والخاصة. ويعود ذلك إلى أن الوعي البيئي القانوني لم يأخذ حيّزًا واضحًا في الصكوك الدولية إلا اعتبارًا من سبعينيات القرن العشرين، حين بدأت القضايا البيئية تُطرح كإحدى أولويات المجتمع الدولي.
وقد كانت معظم الصكوك الدولية السابقة تركز على حماية الأشخاص والأعيان المدنية من ويلات الحروب، دون أن تُعطي اهتمامًا خاصًا أو مباشرًا للبيئة. إلا أن هذه الصكوك، ورغم ذلك، انطوت على عناصر يمكن تفسيرها على أنها تُسهم في حماية البيئة، ولو بشكل غير مباشر، من خلال تقنين وسائل وأساليب القتال، وتقييد استخدام أنواع معينة من الأسلحة.
ويتجلى هذا الاهتمام غير المباشر بالبيئة في بعض الصكوك القانونية الدولية التي تهدف إلى الحد من الأضرار البيئية المصاحبة للعمليات الحربية،([22]) ومن أبرزها:
- إعلان سان بطرسبورغ عام 1868:
يُعتبر هذا الإعلان أول وثيقة تناولت مسألة حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة، وإنْ كان ذلك بطريقة غير مباشرة. وقد تم اعتماد الإعلان خلال اجتماع لجنة عسكرية دولية عُقد في الفترة ما بين 29 تشرين الأول/نوفمبر و11 كانون الأول/ ديسمبر من عام 1868. ([23])
وقد تضمّن الإعلان مبدأً أساسيًا طُرح للمرة الأولى، يتمثل في “حق أطراف النزاع المسلح في فرض قيود على اختيار وسائل وأساليب القتال”. وقد جرى التأكيد على هذا المبدأ لاحقًا في عدة مواثيق دولية، من بينها المادة (35/1) من البروتوكول الإضافي الأول. كما ارتبط هذا المبدأ بـ”مبدأ التناسب” و”مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية”.
تجدر الإشارة إلى أن الغرض من هذا القيد، كما ورد في الإعلان، هو التأكيد على أن الهدف المشروع والوحيد من الحرب هو إضعاف القوة العسكرية للعدو، ولا يجوز تجاوزه باستخدام أسلحة غير ضرورية، إذ يُعدّ ذلك مخالفًا لقواعد القانون الدولي الإنساني. وقد فُرض هذا القيد تحديدًا لمنع المساس بالبيئة الطبيعية، باعتبار أن الإضرار بها يشكل تجاوزًا للأهداف المشروعة للحرب. وعليه، فقد أسهم الإعلان في تقييد حرية أطراف النزاع في استخدام الأسلحة التي قد تُلحق أضرارًا جسيمة وغير قابلة للإصلاح بالبيئة، مُكرّسًا بذلك حماية غير مباشرة لها ضمن إطار قواعد النزاع المسلح.
- اتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907:
وردت بعض النصوص المتفرقة في اتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907 ضمن اللائحة الخاصة بقوانين وأعراف الحرب البرية، وذلك من خلال المادة (22) التي نصت على ما يلي: “ليس للمتحاربين حق مطلق في اختيار وسائل إلحاق الضرر بالعدو”. ومن خلال هذا النص يمكن ملاحظة الحماية غير المباشرة التي مُنحت للبيئة ضمن قواعد القانون الدولي الإنساني، من خلال وضع قيود على الوسائل المستخدمة في العمليات العسكرية. كذلك ما ورد ضمن المادة (23) منها، في الفقرات:
- استخدام السم أو الأسلحة السامة،
ه- استخدام الأسلحة والقذائف والمواد التي من شأنها إحداث إصابات وآلام غير مبررة،
ز- تدمير ممتلكات العدو أو حجزها، إلا إذا كانت ضرورات الحرب تقتضي حتمًا هذا التدمير أو الحجز.
أما المادة (55) من الاتفاقية ذاتها، فقد أكدت على أن:”لا تُعتبر دولة الاحتلال سوى مسؤول إداري ومنتفع من المؤسسات والمباني العمومية، والغابات، والأراضي الزراعية التي تمتلكها الدولة المعادية، والتي توجد في البلد الواقع تحت الاحتلال، وينبغي عليها صيانة أعيان هذه الممتلكات وإدارتها وفقًا لقواعد الانتفاع”.
إن ما يُلاحظ على هذه النصوص أنها لم تُشر بطريقة مباشرة إلى البيئة، كما لم تُحدَّد مفاهيمها بوضوح، إذ لم يظهر هذا الوعي إلا مع بداية السبعينيات. كما أنها لم تُكرّس حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة ضمن قواعد القانون الدولي الإنساني، حيث كان التركيز منصبًا في الأساس على تنظيم سير العمليات العسكرية وحماية الأشخاص والممتلكات. وتُعد المادة (23) من أقدم القواعد التي يمكن الاستناد إليها في إطار حماية البيئة خلال النزاعات المسلحة، إذ لم تكتف بحماية الإنسان، بل أُدرجت في مضمونها إشارة إلى أهمية الحد من آثار الحرب على العناصر البيئية المختلفة. فضلًا عن هذه الاتفاقية، نُشير أيضًا إلى “اتفاقية لاهاي المتعلقة بزرع ألغام التماس البحرية الأوتوماتيكية”، المؤرخة في 18 تشرين الأول/أكتوبر 1907، والتي هدفت إلى تقييد وتنظيم استعمال هذه الألغام، وذلك من أجل التقليل من شدة الحرب والعمل على ضمان وجود ملاحة آمنة قدر الإمكان.
- البروتوكول المتعلق بحظر استعمال الغازات الخانقة والسامة أو ما شابهها والوسائل الجرثومية (البكتريولوجية) في الحرب:
أُبرم “بروتوكول جنيف” بتاريخ 17 حزيران/يونيو 1925، وقد تضمن حظرًا عالميًا لاستعمال الغازات السامة أو الخانقة، أو المواد السائلة المشابهة لها خلال النزاعات المسلحة، باعتبار أن استخدام هذه الوسائل يشكل خرقًا لقواعد القانون الدولي الإنساني.
وفي تكملة لهذا البروتوكول، تم إبرام “اتفاقية حظر استحداث وإنتاج الأسلحة البكتريولوجية (البيولوجية) والتكسينية وتدميرها” بتاريخ 10 نيسان/أبريل 1972، والتي وسّعت نطاق الحظر، فلم تقتصر على الاستخدام فقط، بل شملت أيضًا منع إنتاج هذه الأسلحة وتطويرها وتخزينها بأي شكل من الأشكال.
وبذلك، يكون البروتوكول قد ركّز على حظر الاستخدام أثناء النزاعات المسلحة، في حين جاءت الاتفاقية لتُكرّس الحظر الشامل لهذه الأسلحة، من حيث الاستحداث والتصنيع والتخزين، مما يشكل خطوة متقدمة في سبيل حماية الإنسان والبيئة من آثار الأسلحة الجرثومية. ([24])
ثانياً: الحماية المباشرة للبيئة (الخاصة):
وُضعت عدة قواعد دولية تُساهم في حماية البيئة في زمن النزاعات المسلحة بطريقة مباشرة، بصفتها تشكّل قواعد خاصة لحمايتها، وقد تضمنتها اتفاقيات مختلفة منها:
- اتفاقية حظر استخدام تقنيات تغيير البيئة لأغراض عسكرية أو لأية أغراض عدائية أخرى:
تم إبرام هذه الاتفاقية في 10 كانون الأول/ ديسمبر 1976 برعاية الأمم المتحدة، وذلك خشية من استخدام وسائل قتالية تُلحق أضرارًا جسيمة بالبيئة، كما حدث أثناء حرب فيتنام.
ويكمن الهدف الأساسي من الاتفاقية في منع الدول أو أطراف النزاع من استخدام أسلحة ذات تقنيات تغيّر البيئة بشكل خطير، لتحقيق مكاسب حربية على حساب أطراف أخرى، وهو ما يتضح جليًا من نص المادة الأولى منها. ([25])وتشمل هذه التقنيات كل ما يدخل ضمن نطاق تعديل ديناميكية الأرض أو تركيبها أو بنيتها، بما في ذلك:
المجموعات الأحيائية المحلية؛
- الغلاف الصخري؛
- الغلاف المائي؛
- الغلاف الجوي.
كما يمتد نطاق التغيير ليشمل ديناميكية الفضاء الخارجي، سواء في تركيبه أو شكله، من خلال التأثير المتعمد في العمليات الطبيعية.
كذلك تنص الاتفاقية على حظر استخدام هذه التقنيات بوصفها وسيلة حرب تهدف إلى التدمير أو إلحاق الضرر بالبيئة، بما في ذلك التسبب عمدًا في ظواهر طبيعية مدمّرة، مثل:
- تدمير طبقة الأوزون؛
- إحداث الأعاصير أو الزلازل باستخدام ما يُعرف بـ”الحرب الجيوفيزيائية”.([26])
والجدير بالملاحظة أن الحظر الوارد في الاتفاقية يشمل “الاستخدام لأغراض عسكرية أو لأية أغراض عدائية أخرى”، وهي صيغة تنطوي على عنصر ذاتي يتمثل في “النية أو القصد”، وهو ما لا ينسجم دائمًا مع التفسير الحرفي والدقيق للمصطلحات الواردة في النص.
فليست كل الأغراض العسكرية بطبيعتها عدائية، مثل المناورات، أو الأبحاث، أو العمليات ذات الطابع الاقتصادي الوطني. وقد طالبت بعض الوفود خلال مؤتمر لجنة نزع السلاح بحذف عبارة “الأغراض العسكرية” من النص، معتبرة أن “الأغراض العدائية” وحدها كافية لتحقيق الغرض المطلوب. ([27]) وفيما يخص الأنشطة التي يقوم بها المدنيون أو العسكريون، والتي لا تُعد ذات طبيعة عدائية، فإنها لا تدخل ضمن نطاق الحظر، وفق ما أكدت عليها المادة (3/1) من الاتفاقية.
كما أن الحظر المفروض في الاتفاقية يقتصر على “الاستعمال” الفعلي لتقنيات تغيير البيئة، دون أن يشمل تطويرها أو تحضيرها أو التهديد باستخدامها أو حتى إجراء البحوث المتعلقة بها. وتتعلق تقنيات تغيير البيئة بالتأثير المتعمد في التوازن الطبيعي للأرض، من خلال التلاعب في:
- الأنظمة الأحيائية؛
- اليابسة؛
- طبقات الهواء؛
- الفضاء الكوني.
ولا يشمل الحظر التغيرات البيئية غير المباشرة أو العرضية التي تنتج عن استخدام الأسلحة التقليدية أو أسلحة الدمار الشامل أو أساليب الحرب، طالما لم تكن تهدف أساسًا إلى تغيير البيئة بشكل متعمد. وعليه، فإن الاتفاقية لا تحظر جميع أنواع تقنيات التغيير البيئي، بل تقتصر فقط على تلك التي تُحدث آثارًا واسعة الانتشار، أو طويلة الأمد، أو شديدة الخطورة. مما يعني أن المنع جزئي، ويُسمح باستخدام بعض تقنيات تغيير البيئة، طالما أنها لا تفي بالمعايير الثلاثة المذكورة أعلاه. من جانب آخر، لا تسري الاتفاقية على جميع أطراف النزاع المسلح، بل تلتزم بها فقط الدول التي وقعت وصادقت عليها. ويتم تفعيل الاتفاقية عبر تقديم شكوى من الدولة المتضررة إلى مجلس الأمن، بوصفه الجهة المختصة بالنظر في الشكاوى والتحقيق في الانتهاكات. حيث يقوم المجلس بتقييم ما إذا كانت الدولة الشاكية قد تعرضت بالفعل لخطر أو ضرر نتيجة خرق الاتفاقية، ويُلزم الدول الأطراف الأخرى بتقديم المساعدة المناسبة في هذا السياق.
ومع أهمية هذه الآلية، إلا أن تفعيل الشكاوى ظل محدودًا في الواقع العملي، بسبب عدم استقلالية الاتفاقية، حيث لا تتضمن آلية رقابة خاصة بها، بل تُعهد مهمة الرقابة إلى مجلس الأمن الدولي، الذي يُعيق عمله وجود “حق الفيتو”، مما يُعقّد تنفيذ أحكام الاتفاقية. كما يُلاحظ أن الاتفاقية تفتقر إلى قوة إلزامية حقيقية، نظرًا لمحدودية نطاق تطبيقها، الذي يقتصر على الدول الأطراف فقط. وكان من المفترض أن تشمل الاتفاقية حظر استخدام مبيدات الأعشاب أو بعض التقنيات البيئية البسيطة، لكنها لم تنظم هذا الأمر بشكل صريح.
- البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 المتعلق باتفاقيات جنيف لعام 1949:
تضمن البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 نصين يشيران كل منهما إلى حماية البيئة خلال النزاع المسلح الدولي، إذ تنص المادة (35/3) منه على: “يُحظر استخدام وسائل وأساليب القتال التي يُقصد بها، أو قد يُتوقع منها، إلحاق أضرار بالغة، واسعة الانتشار وطويلة الأمد بالبيئة الطبيعية”.
يرتبط هذا النص بوسائل وأساليب القتال التي لها تأثير مباشر على البيئة، حيث يؤكد على حق أطراف النزاع في اختيار وسائل وأساليب القتال، وهو حق غير مقيد بالكامل، إذ يُحظر استخدام الوسائل والأساليب التي يُقصد بها، أو يُتوقع منها، إلحاق أضرار جسيمة وواسعة الانتشار وطويلة الأمد بالبيئة الطبيعية. وفي السياق ذاته، أكدت المادة (55) من البروتوكول على البعد الإنساني لحماية البيئة أثناء العمليات القتالية، حيث نصّت الفقرة (1) منها على ضرورة أن تراعي أطراف النزاع حماية البيئة الطبيعية من الأضرار البالغة، واسعة الانتشار، وطويلة الأمد، وحرّمت استخدام أي وسيلة أو أسلوب من أساليب القتال يُحتمل أن يُحدث مثل هذه الأضرار، لا سيما إذا كانت من شأنها الإضرار بصحة السكان المدنيين أو تهديد بقائهم. كما شددت الفقرة (2) من ذات المادة على حظر الهجمات الانتقامية التي تستهدف البيئة الطبيعية.
ويمكن القول إن الحظر الوارد في المادة (35/3) يتميز بصياغته العامة، ويُعدّ التزامًا أحادي الجانب يقع على عاتق كل دولة طرف في البروتوكول، بحيث لا يشترط لانطباقه أن تكون باقي أطراف النزاع من الدول المصادقة عليه. مما يعزز من طابعه الإلزامي كأحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي الإنساني المتعلق بحماية البيئة. أما فيما يتعلق بانتهاك الالتزام بحماية البيئة، فإنه لا يُرتب تبعات إلا إذا كانت الخسائر الواقعة “بالغة، وواسعة الانتشار، وطويلة الأمد”. فهذه العبارات يجب تفسير كل منها على حدة، فالخسائر “واسعة الانتشار” يقصد بها تعرض مساحة معينة لتغير متزايد، ففي المناطق الصحراوية مثلًا، حيث نظامها البيئي ضعيف، يحدث التلوث أثرًا أكثر ضررًا من المناطق الجغرافية الأخرى.
أما عبارة “طويلة الأمد” فلم يحدد البروتوكول معيارًا زمنيًا معينًا تقاس عليه الفترة اللازمة لاستعادة توازن النظام البيئي، في حين أن عبارة “جسامة الخسائر” هي معيار ينتج تلقائيًا بحدوث المعيارين السابقين، إذ إن الخسائر المضرة بمساحة واسعة من الأرض لا يمكن القضاء على أثرها في فترة وجيزة، وهذا بالنظر إلى جسامتها. إذ إن الفترة الطويلة الأمد تمتد لعشر سنوات أو أكثر، يؤثر خلالها الضرر على بقاء السكان المدنيين أو قد يسبب لهم مشاكل صحية خطيرة. ولا يسري هذا البروتوكول إلا بتوافر هذه الشروط الثلاثة في وقت واحد. ([28])
وحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فإن النصين ليس لهما استخدام مزدوج، لأن المادة (35/3) تتعلق بأساليب ووسائل القتال، وتشير إلى مبدأ هام في القانون الدولي الإنساني الذي يمنع التسبب في آلام مفرطة، وهو مبدأ حماية البيئة ومجال تطبيقه أوسع من المادة (55) التي تستهدف حماية السكان المدنيين من أثر الحرب على البيئة، إلا أنهما يجتمعان في حظر الهجوم على البيئة وكذلك استخدامها كوسيلة من وسائل الحرب. ([29])
وعلى الرغم من القيمة القانونية التي تنطوي عليها المادتان (35/3) و(55) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 في مجال حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة، إلا أن بعض جوانب القصور لا تزال تكتنفهما. إذ يُؤخذ عليهما أنهما لا يفرضان حظرًا صريحًا على الأضرار العرضية، حتى وإن كانت ذات آثار بيئية خطيرة على المدى القصير، ما يُبقي بعض الممارسات المؤذية خارج نطاق المنع، بالرغم من جسامة نتائجها.
كما يُعدّ محدود نطاق التصديق الدولي على هذا البروتوكول من أبرز مظاهر التحدي أمام فاعليته، ويُعزى ذلك – في جزء كبير منه – إلى ما تطرحه المادتان المذكورتان من إشكالات قانونية حسّاسة، وعلى رأسها مسألة مشروعية استخدام الأسلحة النووية. وقد أدى هذا الإشكال إلى تردد بعض الدول في الانضمام إلى البروتوكول، خشية الالتزامات التي قد تُستشفّ من أحكامه بشأن حظر الوسائل القتالية ذات الأثر المدمر على البيئة.
تجدر الإشارة إلى أن كلًّا من اتفاقية حظر استعمال تقنيات تغيير البيئة لعام 1976، والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، يعالجان شكلين مختلفين من الاعتداء على البيئة إبان النزاعات المسلحة، وإن كان كل منهما يُكمل الآخر من حيث نطاق الحماية والوسائل المحظورة.
ففي حين تحظر الاتفاقية اللجوء إلى ما يُعرف بـ”الحرب الجيوفيزيائية”، وهي تلك التي تقوم على التدخل المتعمد في العمليات والظواهر الطبيعية بهدف استخدامها لأغراض عدائية أو عسكرية، كإحداث أعاصير صناعية، أمواج بحرية مدمّرة، زلازل مصطنعة، أمطار أو ثلوج مفتعلة، أو إبادة ممنهجة للغطاء النباتي؛ فإن البروتوكول الإضافي الأول يُعنى بما يُعرف بـ”الحرب الإيكولوجية”، والتي تقوم على استخدام وسائل وأساليب قتالية تُفضي إلى دمار واسع النطاق أو إخلال جوهري بتوازنات بيئية أساسية تشكّل ركيزة لبقاء الإنسان والنُظم الحيوية. ([30])
وعليه، فإن التكامل بين الاتفاقيتين يُعبّر عن رؤية شاملة لحماية البيئة الطبيعية، سواء من خلال تقنيات التلاعب المتعمد بها، أو من خلال أساليب القتال التقليدية التي قد تتسبب في أضرار جسيمة يصعب تداركها.
أما فيما يخص حماية البيئة خلال النزاعات المسلحة غير الدولية فقد وردت الإشارة إليها ضمن المادة (91) من البروتوكول الإضافي الثاني، من قبيل حماية الأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة، من خطر الهجوم على المواد الغذائية، المناطق الزراعية، المحاصيل، الماشية، مرافق مياه الشرب وشبكاتها وأشغال الري، حيث يستنتج من خلالها أن هناك مساهمة في حماية البيئة أثناء النزاع المسلح غير الدولي، والتي تؤكد عليها المادة (98) منه بمنع استهداف المنشآت التي تحتوي على قوى خطرية بسبب ما ينجر عنها من نتائج تضر البيئة.
وفي هذا الصدد، عقد مؤتمر دبلوماسي في “أوباتوا – أوتاوا ولندن” الذي عرض آثار النزاعات المسلحة الدولية على البيئة، وركز على وضع معايير خاصة بهذه النزاعات، لاسيما في حال تعرض البيئة التابعة لدولة طرف للخطر، حيث اقترح الخبراء جعل بعض المناطق الطبيعية المحمية مناطق منزوعة السلاح، إلا أنه قوبل بالرفض. ([31])
فضلًا عن الاتفاقية سالفة الذكر والبروتوكولين الإضافيين، يُشار إلى أن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998، الذي دخل حيّز النفاذ في عام 2002، قد تضمّن في المادة (8/2/ب/4) نصًا يُعنى بحماية البيئة في سياق جرائم الحرب. فقد نصّت هذه المادة على حظر الأفعال التي تُلحق، في إطار النزاع المسلح الدولي، أضرارًا جسيمة وعرضية تطال أرواح المدنيين أو إصابتهم، أو تلحق أضرارًا بالممتلكات المدنية أو بالبيئة الطبيعية، إذا كانت هذه الأضرار واسعة النطاق، وطويلة الأمد، وشديدة التأثير، وبشرط أن تكون غير متناسبة بشكل واضح مع مجمل المكاسب العسكرية المتوقعة.
ويُستفاد من هذا النص أن الهجمات التي تستهدف البيئة الطبيعية أو تُلحق بها أضرارًا مفرطة تُعد من قبيل جرائم الحرب متى توافرت شروطها، غير أن ما يُؤخذ على هذا الإطار القانوني هو قصوره عن الانطباق على النزاعات المسلحة غير الدولية، مما يترك ثغرة واضحة في منظومة الحماية الجنائية الدولية للبيئة في هذا السياق. ([32])
المطلب الثاني: القواعد العرفية:
تلعب القواعد العرفية دورًا جوهريًا في حماية البيئة خلال فترات النزاعات المسلحة، إذ أسهمت من خلال المبادئ الأساسية التي تم تقنينها لاحقًا ضمن إطار القانون الدولي الإنساني، مما مكّنها من توفير حماية غير مباشرة للبيئة. من بين هذه المبادئ البارزة نذكر:
أولاً: مبدأ الضرورة العسكرية:
يُعد مبدأ الضرورة العسكرية من المبادئ الأساسية لقانون الحرب، وقد ساهم بشكل كبير في تقييد وسائل وأساليب القتال أثناء النزاعات، لا سيما في غياب القواعد المكتوبة الصريحة. وفي الفقه الوضعي، يُعتبر الفقيه غراسيوس Gracious أول من نادى بمراعاة هذا المبدأ خلال الحروب الدولية، رغم أنه لم يحدد مضمونه بشكل دقيق. أما الفقيهان فاتل Vettel وجون جاك روسو Jean Jacques Rousseau فكان لهما الدور الأكبر في بلورة هذا المبدأ وتطويره في إطار القانون الدولي. وفي دعم لهذا المبدأ ضمن الفقه الدولي الكلاسيكي، كرّس الفقيه الأمريكي ليبرLiber مبدأ الضرورة العسكرية كقاعدة أساسية للمحاربين الأمريكيين في القانون الذي أعده عام 1863، والذي صار يُعرف لاحقًا بـ”قانون ليبر”. وقد عرّفت المادة (41) من هذا القانون مبدأ الضرورة العسكرية، كما حددت المادة (16) منه الحالات المحرمة في الهجمات العسكرية بناءً على هذا المبدأ.
كان لقانون ليبر تأثير بالغ في القانون الدولي، حيث أولت اتفاقية لاهاي لسير العمليات الحربية اهتمامًا كبيرًا لمبدأ الضرورة العسكرية وفقًا للتعريف الذي ورد في قانون ليبر. إضافة إلى ذلك، نص إعلان سان بطرسبرغ لعام 1868 على مبدأ الضرورة العسكرية، كما أقرّت المادة (6) من لائحة محكمة نورمبرغ أن “تدمير المدن والقرى وكل الأشياء التي لا تبررها الضرورة العسكرية يُعد من جرائم الحرب”.([33])
بناءً على ما سبق، يمكن تعريف مبدأ الضرورة العسكرية بأنه: “تقييد الهجمات العسكرية بالأهداف العسكرية فقط وفق خطة محددة، بحيث يُحرم أي هجوم لا يصيب هدفًا عسكريًا إلا إذا كانت تبرره ضرورة عسكرية”. وقد أقرّت اتفاقيات جنيف هذا المبدأ، وجعلته مبررًا لبعض الاستثناءات المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة لأحكامها.
فقد نصت المواد (50) و(51) و(117) من اتفاقيات جنيف لعام 1949 على أن تدمير الممتلكات أو الاستيلاء عليها على نطاق واسع يُعد انتهاكًا جسيمًا، إلا إذا تبررته الضرورات الحربية.([34]) أما أهمية مبدأ الضرورة العسكرية في حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة فتتجلى في منع تدمير المنشآت الحيوية للعدو، والتي ترتبط أحيانًا بعناصر بيئية هامة كالمياه والهواء، ما يسهم في حماية هذه الموارد الحيوية. وقد أكدت المادة (13) من اتفاقية لاهاي لعام 1907 هذا المنع، إذ يُحظر على المحارب معاقبة دولة العدو عبر تدمير تراثها الطبيعي، ما لم تكن الضرورة العسكرية تبرره.([35])
كما نصت المادة (53) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 على منع تدمير المنشآت والأعيان العقارية والمنقولة المملوكة للأفراد أو الجماعات أو الدولة أو الجمعيات العامة أو المنظمات الاجتماعية والتعاونية، إلا في الحالات التي يكون فيها التدمير ضروريًا حتمًا للعمليات العسكرية. وتعد أحكام هذه المادة الأكثر شمولًا، إذ تحمي جميع أنواع الملكيات، مما يضمن حماية البيئة التي يعيش فيها الإنسان باعتبار أن مسكنه جزء لا يتجزأ من بيئته.
وعلى الرغم من أن الحرب لا بد أن تتبع قواعد وضرورات قد تؤدي إلى إضرار محتمل بالبيئة، إلا أن ما تقتضيه الحرب يجب أن لا يُستخدم ذريعة للمساس بها بلا ضوابط. وفي هذا السياق، أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم (47) لسنة 1996 أن التدمير المتعمد للبيئة والذي لا تبرره ضرورة عسكرية يشكل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي المعاصر، وحثت الدول على اتخاذ جميع التدابير اللازمة لضمان الامتثال لقواعد القانون الدولي المتعلقة بحماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة.
ثانياً: مبدأ التناسب:
يُعد مبدأ التناسب أحد المبادئ الجوهرية والملزمة في إطار النزاعات المسلحة بجميع أنواعها، سواء الدولية أو الداخلية، إذ يهدف هذا المبدأ إلى تقليل الخسائر والمعاناة الناجمة عن العمليات العسكرية، سواء من حيث الأرواح أو الممتلكات. وعليه، فإن استخدام وسائل القتال التي لا تتناسب مع الميزة العسكرية المرجوة من العملية أمرٌ ممنوع. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الهجمات العشوائية التي من المتوقع أن تُسبب خسائر فادحة للمدنيين أو تدميرًا واسعًا للمنشآت المدنية يفوق بكثير الفائدة العسكرية المحققة.([36])
بناءً على هذا المبدأ، يُحظر شن هجمات يُتوقع أن تؤدي إلى فقدان أرواح المدنيين أو تدمير الأعيان المدنية، بما في ذلك البيئة الطبيعية، إذا ما تجاوزت هذه الأضرار الميزة العسكرية المباشرة والفعالة المتحققة. وهذا ما نصت عليه المادتان (51) و(57) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977. إذ نصت المادة (57/2) على أنه: “يجب على من يخطط لهجوم أو يتخذ قرارًا بشأنه أن يتخذ جميع الاحتياطات الممكنة عند اختيار وسائل وأساليب الهجوم لتجنب إحداث خسائر في أرواح المدنيين أو إصابتهم، أو الإضرار بالأعيان المدنية، وذلك بصورة عرضية”.
كذلك أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 8 تموز/ يوليو 1996، بخصوص التجارب النووية، على أهمية مبدأ التناسب في حماية المدنيين والبيئة من الأضرار الجسيمة الناجمة عن الأعمال العسكرية.
ثالثاً: مبدأ الانسانية:
تُعتبر المبادئ العرفية العسكرية والإنسانية مكملة لبعضها البعض، حيث تسمح الضرورة العسكرية باستخدام القوة تجاه الأهداف العسكرية، في حين يحظر مبدأ الإنسانية استخدام القوة التي تُلحق أضرارًا أو معاناة غير مبررة، أو تزيد من معاناة البشر والدمار البيئي بشكل مفرط. وبذلك يتحقق التوازن بين الضرورات العسكرية والاعتبارات الإنسانية.
يهدف هذا المبدأ إلى احترام الكائن الحي من خلال حماية حياته من أشكال العنف غير المبررة، وضمان أن يتلقى كل فرد معاملة إنسانية تُكرّمه ككائن بشري، لا كهدف يُستغل لتحقيق غرض آخر. وقد كانت من المهام المميزة لاتفاقيات جنيف حماية الإنسان بمعزل عن هويته، بمعاملته كإنسان بكل معنى الكلمة.
وقد أدان إعلان سان بطرسبرغ عام 1868 استخدام الأسلحة التي تزيد من معاناة المدنيين العزل بلا غاية مشروعة أو تحكم في موتهم، وقد أعيد تأكيد هذا المبدأ في المادة (23) من التعليمات الملحقة باتفاقية لاهاي لعام 1907، والتي أصبحت قاعدة راسخة في القانون الدولي العرفي، حيث يُحظر استخدام الأسلحة والمقذوفات والمواد التي تسبب معاناة غير ضرورية للأشخاص، أو تلحق أضرارًا بالممتلكات أو بالبيئة الطبيعية.
وفي سياق متصل، نصّ البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 في المادة (10) منه على وجوب المعاملة الإنسانية، حيث جاء فيه:
“1. يجب احترام وحماية الجرحى والمرضى والمنكوبين في البحار، بغض النظر عن الطرف الذي ينتمون إليه.
2. يجب في جميع الأحوال أن يُعامل هؤلاء معاملة إنسانية وأن تُبذل أقصى الجهود الممكنة وبأسرع وقت لتقديم الرعاية الطبية التي تتطلبها حالتهم.”
كما حظرت المادة (35) من البروتوكول 1977 بالإضافة إلى اتفاقية الأسلحة غير الإنسانية لعام 1981، استخدام الأسلحة والمقذوفات والمواد والأساليب الحربية التي قد تُسبب أضرارًا أو معاناة مفرطة وغير ضرورية.
رابعاً: مبدأ تقييد الأطراف في اختيار وسائل وأساليب القتال:
ينبثق هذا المبدأ من مبدأ الضرورة العسكرية، ويُقر بأن حرية المتحاربين في اختيار وسائل الإضرار بالعدو ليست مطلقة، بل تخضع لقيود واضحة تفرضها قواعد القانون الدولي الإنساني. فقد أصبحت الأسلحة التي تسبب آلامًا غير مبررة للبشر محرمة، كما تعد أساليب القتال التي تنطوي على الغدر غير مشروعة. ويُذكر أن إعلان سان بطرسبرغ عام 1868 أرسى أحد المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، وهو أن الهدف المشروع الوحيد للحرب هو إضعاف القوات العسكرية للخصم، ولا يجوز اللجوء إلى أسلحة تزيد من المعاناة غير الضرورية بلا جدوى عسكرية.([37])
يمثل مبدأ تحديد الوسائل وتقييدها ركيزة أساسية في قوانين الحرب، إذ يقرر أن ليس كل شيء مباحًا في النزاعات المسلحة، فلا يجوز للأعمال العدائية أن تتجاوز حدود الضرورة العسكرية. وقد أُدرج هذا المبدأ في عدة اتفاقيات دولية، لا سيما اتفاقيتي لاهاي وجنيف.
فقد نصّت المادة (22) من اتفاقية لاهاي لعام 1907 على أن “ليس للمحاربين الحق المطلق في اختيار وسائل الإضرار بالعدو”. كما نصّت المادة (35) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقية جنيف لعام 1949 على ثلاث قواعد أساسية في شأن وسائل وأساليب القتال:
- الفقرة (1) منها تُقيّد حق أطراف النزاع في اختيار وسائل وأساليب القتال.
- الفقرة (2) تمنع استخدام الأسلحة أو القذائف أو الوسائل التي تسبب أضرارًا خطيرة بطبيعتها.
- أما الفقرة الثالثة فتحظر استخدام وسائل أو أساليب القتال التي يُقصد بها أو يُتوقع منها أن تُلحق أضرارًا واسعة الانتشار وطويلة الأمد وشديدة بالبيئة الطبيعية.
وبذلك، يشكل مبدأ تقييد أساليب ووسائل القتال الحصن الأساسي لحماية البيئة خلال النزاعات المسلحة، حيث تُرفض العمليات العسكرية التي تُلحق أضرارًا جسيمة بالبيئة. ويأتي تأكيد هذا الحماية من خلال المادة (35/3) التي تحظر استخدام وسائل القتال التي تلحق أضرارًا جسيمة بالبيئة الطبيعية، مما يبرز الحماية المباشرة التي يوفرها هذا المبدأ للبيئة، بالإضافة إلى الحماية غير المباشرة التي ينطوي عليها ضمن نطاق تقييد وسائل وأساليب القتال.
علاوة على ذلك، نصّت المادة (54) من البروتوكول الإضافي الأول على تحريم استخدام التجويع كوسيلة من وسائل القتال، وهو فعل مجرم بموجب القانون الدولي المعاصر، لا سيما فيما يتعلق بالمدنيين. وتؤكد الفقرة (2) من هذه المادة حماية الأعيان الضرورية لحياة الإنسان، بما في ذلك المصادر الطبيعية الحيوية مثل الماء، مما يرسخ حماية البيئة بصورة غير مباشرة. كما تؤكد المادة (8/2) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية هذه الحماية غير المباشرة من خلال اعتبار التجويع كوسيلة من وسائل القتال جريمة.
ويستمد الاهتمام بحماية البيئة في فترات النزاع المسلح دعمه أيضًا من نصوص عدة معاهدات تحظر استخدام بعض أنواع الأسلحة أو الوسائل القتالية، ومن أبرزها:
- اتفاقية لاهاي بشأن زرع الألغام البحرية التماس الأوتوماتيكية الصادرة في 18 تشرين الأول/ أكتوبر 1907، والتي دعت إلى تنظيم استخدام هذه الألغام بهدف التقليل من آثار الحرب وضمان سلامة الملاحة البحرية.
- بروتوكول جنيف الصادر في 17 حزيران/ يونيو 1925 بشأن حظر استعمال الغازات الخانقة والسامة أو ما شابهها، والوسائل الجرثومية في الحرب.
- اتفاقية جنيف الرابعة لحماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب المؤرخة في 12 آب/ أغسطس 1949، والتي رغم عدم إشارة صريحة إلى البيئة، إلا أن أحكامها المتعلقة بحظر تدمير الممتلكات إلا ما تقتضيه العمليات الحربية توفر حماية للبيئة الطبيعية.
- اتفاقية حظر استحداث وإنتاج الأسلحة البكتريولوجية والبيولوجية والتكسينية وتدميرها، التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 نيسان/ أبريل 1972.
- اتفاقية حظر أو تقييد استعمال أسلحة تقليدية معينة تُعتبر مفرطة الضرر أو عشوائية الأثر، المعتمدة في جنيف في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 1980.
الخاتمة:
إنّ دراسة الإطار القانوني الدولي لتجريم الانتهاكات البيئية تبرز أهمية التوازن الدقيق بين حماية البيئة وضمان احترام سيادة الدول، خاصة في ظل تعقيدات النزاعات المسلحة والتحديات المتجددة التي تواجه المجتمع الدولي. فقد أظهرت الدراسة أن مبادئ القانون الدولي للبيئة ومبادئ القانون الدولي الإنساني والقواعد العرفية تمثل الأساس القانوني المتين الذي يمكن من خلاله بناء نظام فعال لمكافحة الجرائم البيئية الدولية. غير أن غياب نصوص واضحة وشاملة في بعض المجالات يفرض على الفقه والقضاء الدولي مواصلة تطوير هذه المبادئ وتفعيلها بما يضمن حماية البيئة واستدامتها.
وبناءً على ما تقدم، خلص البحث إلى جملة من النتائج والمقترحات التي يمكن تلخيصها كما يلي:
أولاً: النتائج:
- مبادئ القانون الدولي للبيئة تُشكل الركيزة الأساسية لحماية النظام البيئي، وهي تستند إلى قيم العدالة، وحسن الجوار، والتوازن بين المصالح الوطنية والدولية.
- مبادئ القانون الدولي الإنساني والقواعد العرفية تلعب دورًا مهمًا في حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة، رغم غياب نصوص صريحة تعنى بالبيئة، مما يستدعي تطويرها وتفعيلها بشكل أوسع.
- غياب اتفاق دولي شامل يحدد بدقة الجرائم البيئية وأطر تجريمها يؤدي إلى ثغرات قانونية تسمح ببقاء مرتكبي الانتهاكات دون محاسبة، ويضعف من فعالية الحماية القانونية للبيئة.
- القضاء الدولي يمثل آلية مركزية لتحقيق العدالة البيئية، لكنه يحتاج إلى دعم تشريعي دولي متين وتعاون بين الدول لضمان تطبيق المبادئ القانونية بشكل فعّال وشامل.
ثانياً: المقترحات:
- العمل على صياغة اتفاقية دولية شاملة خاصة بتجريم الانتهاكات البيئية تتضمن تعريفات واضحة للجرائم، وآليات فعالة للمساءلة والعقاب.
- تعزيز التكامل بين مبادئ القانون الدولي للبيئة والقانون الدولي الإنساني لضمان حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة، من خلال تطوير نصوص قانونية واضحة وصريحة.
- دعم وتطوير دور القضاء الدولي في مجال الجرائم البيئية عبر توفير آليات تعاون دولي وتبادل معلومات بين الدول والمحاكم المختلفة.
- تشجيع الدول على تبني التشريعات الوطنية المكملة التي تتوافق مع المعايير الدولية، وتعزيز قدرات الأجهزة القضائية والرقابية على التعامل مع الجرائم البيئية.
- العمل على توسيع نطاق الأعراف الدولية التي تضع قواعد سلوكية ملزمة تجاه حماية البيئة، وخاصة في سياق النزاعات المسلحة.
- تعزيز الوعي الدولي بأهمية حماية البيئة باعتبارها حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، وربط ذلك بمسؤوليات الدول والأفراد.
- تطوير آليات للتعاون الدولي في جمع الأدلة والتحقيقات القضائية المتعلقة بالانتهاكات البيئية، بما يضمن تحقيق العدالة وسرعة البت في القضايا.
قائمة المصادر والمراجع:
أولاً: الكتب العربية:
- أبو الوفا، أحمد، النظرية العامة للقانون الدولي الإنساني- في القانون الدولي- في الشريعة العامة، دار النهضة العربية، القاهرة، 2006.
- أفكيرين، محسن، القانون الدولي للبيئة، دار النهضة العربية، القاهرة، 2006.
- الأنور، أحمد، قواعد وسلوك القتال، محاضرات في القانون الدولي الإنساني، تحرير شريف عتلم، صادر عن بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، القاهرة، 2005.
- بسج، نوال أحمد، القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين والأعيان المدنية في زمن النزاعات المسلحة، منشورات الحلبي الحقوقية، لبنان،2010.
- بوفييه، أنطوان، حماية البيئة الطبيعية في فترة النزاع المسلح- دراسات في القانون الدولي الإنساني، مؤلف جماعي، دار المستقبل العربي، القاهرة، 2000.
- شعبان، أحمد خضر، الحماية الدولية والشرعية لضحايا النزاعات المسلحة القانون الدولي الإنساني-دراسة مقارنة، منشورات الحلبي الحقوقية، لبنان، 2015 .
- مرزوقي، وسيلة الطاهر، الحماية المقررة للأعيان المدنية زمن النزاعات المسلحة وآليات تنفيذها- دراسة تحليلية على ضوء قواعد القانون الدولي الإنساني، دار وائل للنشر، الأردن، 2016.
- نصر الله، سناء، الحماية القانونية للبيئة في ضوء القانون الدولي الإنساني، منشورات بغدادي، الجزائر، 2013.
ثانياً: الرسائل العلمية:
- زين العابدين، قنصو ميلود، المسؤولية الدولية عن الأضرار البيئية، مذكرة ماجستير، كلية الحقوق، جامعة سيدي بلعباس، 2013.
ثالثاً: الدوريات العلمية:
- بركات، كريم، حق الحصول على المعلومة البيئية وسيلة أساسية لمساهمة الفرد في حماية البيئة، المجلة الأكاديميـة للبحـث القانوني، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة عبد الرحمان ميـرة، الجزائـر، العدد (1)، 2011.
- عامر، صلاح الدين، مقدمات القانون الدولي للبيئة، مجلة القانون والاقتصاد، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، عدد خاص، 1983.
- العزوزي، يوسف، أي دور لمبدأ الوقاية في تعزيز فرص الاستدامة البيئية؟ مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، العدد (451)، أيلول/ سبتمبر، 2016.
- العلي، ناصر عبد الرحيم، والوحشات، زياد محمد، المسؤولية الدولية عن التلوث البيئي أثناء النزاعات المسلحة، مجلة جامعة تكريت للحقوق، المجلد (2)، العدد(1)، كانون الأول، 2016.
- نعيمة، عمارة، الاتجاه نحو التأسيس للمسؤولية المدنية على أساس مبدأ الحيطة، مجلة دفاتر السياسة والقانون، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة ورقلة، العدد 13، سنة 2013.
رابعاً: المصادر الأجنبية:
- David Guillars, Les armes de guerre et l’environnement naturel, thèse de doctorat soutenue le 8 juillet 2005, à l’Université de Rouen, éditée en ouvrage par l’édition L’Harmattan, 2006.
- Dinah L. Shelton & Alex Kiss, Guide to International Environmental Law, Martinus Nijhoff Publishers. Leiden, Boston, USA, 2007.
- Isabelle Fellrath, A study of selected principles of international environmental law in the light of sustainable development, Submitted for the Degree of Doctor of Philosophy, University of Nottingham, 1998.
- Le rapport de l’Assemblée parlementaire du Conseil de l’Europe sur Les conflits armés et l’environnement, daté du 17 octobre 2001.
- Michael Byers, Abuse of Rights: An Old Principle, a New Age, McGill Law Journal, Vol.47, 2002.
- N. de SADELEER, Les principes de pollueur-payeur, de prévention et de précaution, Essai sur la genèse et la portée juridique de quelques principes du droit de l’environnement, Bruylant, Bruxelles, Universités Francophones, 1999.
- Sumudu A. Atapattu, Emerging Principles of International Environmental Law, Transnational Publishers Inc, New York, US, 2006.
خامساً: القرارات القضائية:
- MOX Plant Case (Ireland vs United Kingdom -Provisional Measures), International Tribunal for the Law of the Sea, Case No. 10, December 2001.
- The Anglo-Norwegian Fisheries Case (United Kingdom v. Norway), Case No. 5 (General List No. 5), was decided by the International Court of Justice on 18 December 1951 and is reported as [1951] ICJ Rep 116.
الهوامش:
-
()Dinah L. Shelton & Alex Kiss, Guide to International Environmental Law, Martinus Nijhoff Publishers, Leiden, Boston, USA, 2007,P.11 . ↑
-
() زين العابدين، قنصو ميلود، المسؤولية الدولية عن الأضرار البيئية، مذكرة ماجستير، كلية الحقوق، جامعة سيدي بلعباس، 2013، ص 57. ↑
-
() أفكيرين، محسن، القانون الدولي للبيئة، دار النهضة العربية، القاهرة، 2006، ص193. ↑
-
() عامر، صلاح الدين، مقدمات القانون الدولي للبيئة، مجلة القانون والاقتصاد، كلية الحقوق، جامعة القاهرة،
عدد خاص، 1983، ص5. ↑
-
()Michael Byers, Abuse of Rights: An Old Principle, a New Age, McGill Law Journal, Vol.47, 2002, P.397. ↑
-
()المادة (300) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982. ↑
-
()The International Court of Justice issued its decision in the Anglo-Norwegian Fisheries Case (United Kingdom v. Norway) under Case Number 5 (General List No. 5) on 18 December 1951. This landmark ruling, cited as [1951] ICJ Rep 116, addressed the delimitation of Norway’s territorial waters according to the Norwegian royal decree of 12 July 1935. ↑
-
()المادة (1) من ميثاق الأمم المتحدة لعام 1945. ↑
-
() إعلان مبادئ القانون الدولي المتصلة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقا لميثاق الأمم المتحدة، بتاريخ 24 تشرين الأول/أكتوبر 1970، التوصية (2625). ↑
-
()MOX Plant Case (Ireland vs United Kingdom -Provisional Measures), International Tribunal for the Law of the Sea, Case No.10, December 2001. ↑
-
()تم النص على هذا المبدأ في نطاق القانون الدولي العام في عدة اتفاقيات دولية مثل الاتفاقية المتعلقة بحماية جبال الألب لعام 1991، اتفاقية صوفيا لعام 1994المتعلقة بحماية والاستخدام الدائم لنهر الراين، اتفاقية لندن لمنع التلوث البحري عن طريق إغراق النفايات والمواد الأخرى لعام 1972 اتفاقية لندن لعام 1990 حول مقاومة التلوث الهيدروكربوني. ↑
-
()Isabelle Fellrath, A study of selected principles of international environmental law in the light of sustainable development, Submitted for the Degree of Doctor of Philosophy, University of Nottingham, 1998, P.118. ↑
-
()N. de SADELEER, Les principes de pollueur-payeur, de prévention et de précaution, Essai sur la genèse et la portée juridique de quelques principes du droit de l’environnement, Bruylant, Bruxelles, Universités Francophones, 1999, P.21. ↑
-
() نعيمة، عمارة، الاتجاه نحو التأسيس للمسؤولية المدنية على أساس مبدأ الحيطة، مجلة دفاتر السياسة والقانون، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة ورقلة، العدد 13، سنة 2013، ص 180. ↑
-
() CBDR: Common But Differentiated Responsibilities . ↑
-
() تتعاون الدول بروح من المشاركة العالمية، في حفظ وحماية واستعادة صحة وسلامة النظام الإيكولوجي للأرض، وبالنظر إلى المساهمات المختلفة في التدهور العالمي للبيئة، يقع على عاتق الدول مسؤوليات مشتركة وإن كانت متباينة. وتسلم البلدان المتقدمة النمو بالمسؤولية التي تتحملها في السعي على الصعيد الدولي إلى التنمية المستدامة بالنظر إلى الضغوط التي تلقيها مجتمعاتها على كاهل البيئة العالمية، وإلى التكنولوجيات والموارد المائية التي تستأثر بها. ↑
-
() العزوزي، يوسف، أي دور لمبدأ الوقاية في تعزيز فرص الاستدامة البيئية؟ مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، العدد (451)، أيلول/ سبتمبر، 2016، ص 104. ↑
-
()Isabelle Fellrath, op cit, P.127. ↑
-
()Sumudu A. Atapattu, Emerging Principles of International Environmental Law, Transnational Publishers Inc, New York, US, 2006, P. 359. ↑
-
()بركات، كريم، حق الحصول على المعلومة البيئية وسيلة أساسية لمساهمة الفرد في حماية البيئة، المجلة الأكاديميـة للبحـث القانوني، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة عبد الرحمان ميـرة، الجزائـر، العدد (1)، 2011، ص38. ↑
-
()شعبان، أحمد خضر، الحماية الدولية والشرعية لضحايا النزاعات المسلحة القانون الدولي الإنساني-دراسة مقارنة، منشورات الحلبي الحقوقية، لبنان، 2015 ، ص443. ↑
-
() بوفييه، أنطوان، حماية البيئة الطبيعية في فترة النزاع المسلح- دراسات في القانون الدولي الإنساني، مؤلف جماعي، دار المستقبل العربي، القاهرة، 2000، ص195. ↑
-
() مرزوقي، وسيلة الطاهر، الحماية المقررة للأعيان المدنية زمن النزاعات المسلحة وآليات تنفيذها- دراسة تحليلية على ضوء قواعد القانون الدولي الإنساني، دار وائل للنشر، الأردن، 2016، ص125. ↑
-
() نصر الله، سناء، الحماية القانونية للبيئة في ضوء القانون الدولي الإنساني، منشورات بغدادي، الجزائر، 2013، ص 83. ↑
-
()المادة (1) من اتفاقية حظر استخدام تقنيات تغيير البيئة لأغراض عسكرية أو لأي أغراض عدائية أخرى، الصادرة بتاريخ 10/12/1976. ↑
-
()العلي، ناصر عبد الرحيم، والوحشات، زياد محمد، المسؤولية الدولية عن التلوث البيئي أثناء النزاعات المسلحة، مجلة جامعة تكريت للحقوق، المجلد (2)، العدد(1)، كانون الأول، 2016، ص994. ↑
-
()بسج، نوال أحمد، القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين والأعيان المدنية في زمن النزاعات المسلحة، منشورات الحلبي الحقوقية، لبنان،2010، ص189. ↑
-
() بسج، نوال أحمد، مرجع سابق، ص189. ↑
-
() نصر الله، سناء، مرجع سابق، ص98. ↑
-
() بوفييه، أنطوان، مرجع سابق، ص201. ↑
-
()شعبان، أحمد خضر، مرجع سابق، ص450. ↑
-
() العلي، ناصر عبد الرحيم، والوحشات، زياد محمد، مرجع سابق، ص998. ↑
-
()David Guillars, Les armes de guerre et l’environnement naturel, thèse de doctorat soutenue le 8 juillet 2005, à l’Université de Rouen, éditée en ouvrage par l’édition L’Harmattan, 2006, P. 60. ↑
-
() الأنور، أحمد، قواعد وسلوك القتال، محاضرات في القانون الدولي الإنساني، تحرير شريف عتلم، صادر عن بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، القاهرة، 2005، ص 112. ↑
-
()Le rapport de l’Assemblée parlementaire du Conseil de l’Europe sur Les conflits armés et l’environnement, daté du 17 octobre 2001, P.5. ↑
-
()أبو الوفا، أحمد، النظرية العامة للقانون الدولي الإنساني- في القانون الدولي- في الشريعة العامة، دار النهضة العربية، القاهرة، 2006، ص82. ↑
-
() كان إعلان سان بطرسبورغ عام 1868 يحظر استخدام القذائف المتفجرة في وقت الحرب التي يقل وزنها عن 400 جم. وحتى القوانين القديمة للحرب في الهند، واليونان، وروما، والشرق الأوسط، كانت تحظر استخدام الأسلحة المسممة بسبب آثارها الزائدة عن الحد… كما نصت اتفاقية عام 1980 بشأن حظر وتقييد استخدام أسلحة تقليدية معينة يمكن اعتبارها مفرطة الضرر أو عشوائية الأثر. ↑