المسؤولية الناشئة عن استخدام مخاطر التقنيات الطبية
Liability Arising from the Use of Medical Technology Risks
أحمد حسن قاسم محمد المرياني1، أ.د، محمد رياض دغمان1
1 الجامعة الإسلامية في لبنان، كلية الحقوق والعلوم السياسية، قسم القانون الخاص.
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj66/34
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/66/34
المجلد (6) العدد (6). الصفحات: 500 - 512
تاريخ الاستقبال: 2025-05-07 | تاريخ القبول: 2025-05-15 | تاريخ النشر: 2025-06-01
المستخلص: تتناول هذه الدراسة المسؤولية المدنية الناشئة عن استخدام التقنيات الطبية، وتركز على المخاطر المرتبطة بالأجهزة التعويضية وزراعة الأعضاء في ظل تطور العلوم الطبية. وتهدف إلى بيان الأساس القانوني لمساءلة المجهز والمُركِّب، سواء أكان طبيبًا أم شركة مصنعة أو موزعة، وذلك في حال وقوع أضرار ناتجة عن الاستخدام غير الآمن للتقنيات الطبية. اعتمدت الدراسة المنهج التحليلي والمقارن، من خلال دراسة التشريعات العراقية ومقارنتها بالتشريعات اللبنانية والمصرية، إلى جانب عرض الفقه والاجتهادات القضائية ذات الصلة. وخلصت إلى أن غياب نصوص قانونية واضحة في التشريع العراقي أدى إلى غموض في تحديد المسؤوليات، وأوصت بتعديل قانون حماية المستهلك والنص صراحة على التزام الطبيب والمُجهز بضمان السلامة. كما أكدت الدراسة على أهمية ترسيخ مبدأ الحماية القانونية للمرضى والمستهلكين من أضرار الأجهزة الطبية المعيبة، وتعزيز ثقافة المسؤولية في القطاع الصحي.
الكلمات المفتاحية: المسؤولية المدنية، التقنيات الطبية، الأجهزة التعويضية، الأخطاء الطبية، التشريعات العراقية.
Abstract: This study addresses the civil liability arising from the use of medical technologies, focusing on the risks associated with prosthetic devices and organ transplantation amid advances in medical science. It aims to clarify the legal basis for holding suppliers and installers—whether physicians, manufacturers, or distributors—liable in cases where harm results from the unsafe use of medical technologies. The study adopts an analytical and comparative approach, examining Iraqi legislation in contrast with Lebanese and Egyptian laws, alongside relevant jurisprudence and scholarly opinions. It concludes that the lack of clear legal provisions in Iraqi law has led to ambiguity in defining responsibilities. The study recommends amending the Consumer Protection Law to explicitly require suppliers and physicians to ensure product safety. It also emphasizes the need to strengthen legal protection for patients and consumers against defective medical devices and to promote a culture of accountability within the healthcare sector.
Keywords: Civil liability, medical technologies, prosthetic devices, medical errors, Iraqi legislation.
المقدمة
أن مجال تطبيق المسؤولية المدنية عن الأجهزة الطبية من حيث الأشخاص بأطراف العلاقة القانونية التي تحدد المسؤول عن الضرر والمتضرر وأطراف الدعوى المدنية التي ترفع من المضرور على المسؤول مدنياً للمطالبة بالتعويض عن الأضرار التي تنشأ عن مخاطر التقنيات الطبية فنطاق المسؤولية من حيث الأشخاص تشمل المسؤول مدنياً والمضرور.
لقيام المسؤولية المدنية لابد من توافر عناصرها الثلاثة من خطأ وضرر وعلاقة سببية بين الخطأ والضرر، فلابد من صدور خطأ عن المسؤول مدنياً، وهنا المسؤول إما أن يكون المجهز بجهاز طبي تعويضي أو الطـبيب المركب للجهاز الطبي.
سبب اختيار الدراسة:
أن التقدم العلمي الكبير في مجال الطب، الذي أتاح للجراحين إجراء عمليات معقدة مثل زراعة الأعضاء واستخدام التقنيات الطبية الحديثة كالأطراف الصناعية والكلى الصناعية والقلب الصناعي. بينما كانت تلك الابتكارات الطبية ضرورية لإنقاذ حياة المرضى أو تحسينها، فقد طرح التطور العلمي العديد من الأسئلة القانونية والأخلاقية بشأن المسؤولية المدنية عن الأضرار الناجمة عن استخدام هذه التقنيات. هذا التقدم في الطب يتطلب دراسة معمقة للآثار القانونية المرتبطة باستخدام الأجهزة الطبية التعويضية، لا سيما من حيث المسؤولية المدنية للطبيب والمنتج.
الهدف من الدراسة:
تسليط الضوء على المسؤولية القانونية التي قد تنشأ جراء استخدام هذه التقنيات الطبية، خصوصًا في حالات زراعة الأعضاء واستخدام الأجهزة التعويضية، حيث تواجه التشريعات العراقية نقصًا في تنظيم هذه الجوانب القانونية.
أهمية البحث:
أن انعدام القانون الخاص في العراق الذي ينظم المسائل المتعلقة بمخاطر التقنيات الطبية. حيث كان الاهتمام بهذا الجانب من الناحية الفنية البحتة، بعيداً عن المعالجة القانونية، مما يستدعي ضرورة دراسة هذه المسائل قانونياً.
الإشكالية: هل تتحمل الجهات الطبية المسؤولية بناءً على الخطأ المهني؟ أم أن هناك معايير خاصة تقيم بها المسؤولية في حالات استخدام التقنيات الحديثة؟
منهج البحث:
المنهج التحليلي والمقارن، حيث نقوم بدراسة مقارنة بين القوانين المنظمة للمسائل الطبية والمسؤولية المدنية بشكل عام، بالإضافة إلى مقارنة بين آراء الفقه والقرارات القضائية العراقية واللبنانية. ومن خلال هذا المنهج، نسعى إلى استظهار جميع جوانب الموضوع وتقديم دراسة متكاملة على مستوى النصوص القانونية، الآراء الفقهية، والخبرة القضائية.
كلمات الفتاحية: (المسؤولية المدنية، التقنيات الطبية التعويضية، زراعة الأعضاء، الأجهزة الطبية ، التشريعات القانونية، المسؤولية الطبية، الأخطاء الطبية)
المبحث الأول
مجهِّز الجهاز الـطبـي
يلتزم كل من المنتج والموزع والبائع ومنتج الجزء المكون في نطاق الأجهزة التي تسببها الأجهزة الطبية بالالتزام بالسلامة الجسدية في مواجهة الأشخاص، لذا لا يشترط في المسؤول أن يكون هو المنتج وإنما يمكن أن يكون غيره، إذ تنص المادة (الأولى/ سادساً) من قانون حماية المستهلك العراقي رقم (1) لسنة 2010 على أنَّ “المجهز كل شخص طبيعي أو معنوي منتج أو مستورد أو مصدر أو موزع أو بائع سلعة أو مقدم خدمة سواء كان أصيلاً أو وسيطاً أو وكيلاً”([1]).
فعلى وفق هذا النص، يكون المسؤول مدنيًا عن الأضرار الناجمة عن المنتجات هو المنتج ذاته، باعتباره الجهة التي تتحمل تبعات العيوب أو المخاطر التي قد تنشأ عن استخدام المنتج بطريقة طبيعية ومتوقعة من قبل المستهلك، وهذه المسؤولية لا تقتصر فقط على المصنعين المباشرين، بل تمتد إلى جميع الجهات التي تسهم في إنتاج المنتج أو توريده أو تسويقه، وذلك وفقًا لمبدأ حماية المستهلك وضمان الجودة والسلامة.
وقد عرّف الفقه المنتج بأنه “ذلك الشخص الطبيعي أو المعنوي الذي يقوم بإنتاج أشياء متماثلة تتطلب توافر خبرات فنية متطابقة ومعطيات العلم التي تكون في متناول يديه حقيقة أو ظاهريًا أو بالواسطة، والذي يُفترض منه أنه قد حاز – ولو بدرجات متفاوتة – ثقة أقرانه في كفاءته”، وهذا التعريف يوضح أن المنتج ليس مجرد جهة تصنيعية، بل هو شخص أو كيان يتمتع بالقدرة الفنية والتقنية اللازمة لإنتاج منتج معين، وذلك وفقًا للمعايير الصناعية والتكنولوجية المتعارف عليها.
كما أن هذا التعريف يشير إلى أن المنتج يجب أن يكون مطلعًا على أحدث المعارف العلمية والتقنية المتعلقة بصناعته، سواء حصل على هذه المعلومات بشكل مباشر من خلال البحث والتطوير، أو بشكل غير مباشر عبر الاعتماد على التقنيات والمعايير المتاحة في المجال الذي يعمل فيه، ومن هنا، فإن المسؤولية المدنية للمنتج تنبع من افتراض أن لديه المهارة والخبرة اللازمة لتجنب العيوب أو المخاطر التي قد تؤثر على سلامة المستهلكين.
المسؤولية المدنية عن المنتجات المعيبة تستند إلى فكرة أن المنتج يتحمل مسؤولية أخلاقية وقانونية تجاه المستهلكين الذين يعتمدون على كفاءته وثقتهم في قدرته على إنتاج منتج آمن ومطابق للمواصفات، أي إهمال أو تقصير من جانب المنتج يؤدي إلى تحميله مسؤولية التعويض عن الأضرار الناتجة عن عيوب في التصميم أو خلل في التصنيع أو عدم توفير التحذيرات الكافية، لذا، فإن مفهوم المنتج لا يقتصر على الجهة التصنيعية فقط، بل يشمل أي طرف يساهم في إنتاج المنتج أو توفيره في السوق، ويكون مسؤولًا عن ضمان جودته وسلامته وفقًا للمعايير الفنية والتقنية”([2]).
وعدَّ بعضهم ([3]) المنتج المهني منتجاً محترفاً معرفاً إياه بأنه “صانع السلعة وتتوافر لديه المعلومات الكافية عن حقيقة السلعة التي يقوم بإنتاجها من حيث مكوناتها وخصائصها وتركيباتها الدقيقة وطريقة استعمالها والأخطار التي تحيط بهذا الاستعمال”.
لقد كان للاتفاقيات الدولية أثرٌ مهمٌ في صياغة النصوص القانونية التي تحدد الأحكام الخاصة بحماية المستهلك ومسؤولية المنتج، حيث ساهمت في توضيح مفهوم المنتج والجهات المسؤولة عن المنتجات، مما أدى إلى توحيد بعض المعايير القانونية على المستوى الدولي، لضمان مستوى عالٍ من الحماية القانونية للمستهلكين في الأسواق المختلفة.
تناولت الاتفاقيات الدولية تعريف المنتج بأساليب مختلفة، حيث لم تعتمد اتفاقية لاهاي تعريفًا موحدًا للمنتج، بل استخدمت أسلوب التعداد للأشخاص الذين تنطبق عليهم صفة المنتج، وأوردتهم بشكل حصري، مما يعني أن أي جهة لم تُذكر في الاتفاقية لا يمكن اعتبارها منتجًا وفقًا لأحكامها، وفقًا لهذه الاتفاقية، يشمل مفهوم المنتج صانع المنتجات الطبيعية، الموزع، والمورد، وهم الجهات المسؤولة قانونيًا عن المنتجات المطروحة في الأسواق، هذا الأسلوب يحدد بدقة المسؤولين عن الأضرار الناجمة عن المنتجات، مما يضيق نطاق المسؤولية ويستثني الأطراف التي لم تُذكر صراحة في النص القانوني.
أما اتفاقية “مستر سبورغ” الخاصة بدول التعاون الأوروبي، فقد تبنّت نهجًا مختلفًا أكثر تفصيلًا ووضوحًا، حيث قدمت تعريفًا دقيقًا للمنتج في المادة الثانية، ونصت على أن:
“يُعتبر المنتج هو صانع المنتجات بشكل نهائي، وصانع الأجزاء التي تتركب منها تلك المنتجات، إضافةً إلى منتجي المنتجات الطبيعية.”
يُظهر هذا التعريف توجهًا أوسع مقارنةً باتفاقية لاهاي، حيث لا يقتصر مفهوم المنتج على المصنع النهائي فقط، بل يشمل أيضًا الجهات التي تساهم في إنتاج الأجزاء المكوِّنة للمنتج النهائي، وهذا يعني أن أي خلل في مكونات المنتج قد يؤدي إلى مساءلة صانع هذه الأجزاء مباشرة، وليس فقط الجهة التي جمعت المنتج النهائي، كما أضافت الاتفاقية منتجي المنتجات الطبيعية إلى التعريف، مما يعكس اعترافًا بمسؤولية الجهات التي تنتج السلع الزراعية أو الطبيعية المتداولة في الأسواق.
يظهر من مقارنة اتفاقيتي لاهاي ومستر سبورغ أن الأولى تبنت نهجًا أكثر حصرًا في تحديد المنتجين المسؤولين قانونيًا، بينما اعتمدت الثانية تعريفًا أشمل يشمل جميع الأطراف التي تساهم في الإنتاج، هذا التفاوت يعكس اختلاف التوجهات القانونية بين الدول في حماية المستهلك وتحديد المسؤولين عن المنتجات، مما يؤثر على كيفية تعامل القضاء مع قضايا المسؤولية المدنية الناجمة عن المنتجات المعيبة.
لم تقتصر اتفاقية مستر سبورغ على تحديد الجهة التي قامت بالتصنيع الفعلي فقط، بل توسعت لتشمل أطرافًا أخرى قد يكون لها دور في وصول المنتج إلى الأسواق، وفقًا للفقرة الثانية من المادة، يُعتبر المستورد أيضًا مسؤولًا مدنيًا إذا كان المنتج مستوردًا لغرض وضعه في دائرة التداول التجاري، ويُعامل بنفس معاملة المنتج الأصلي، هذا التوسع في المسؤولية يستند إلى مبدأ حماية المستهلك، حيث يضمن عدم تهرب أي جهة من تبعات الأخطاء أو العيوب في المنتج.
إضافة إلى ذلك، لم تقتصر الاتفاقية المسؤولية على المستورد فقط، بل شملت كل من وضع اسمه التجاري أو علامته التجارية أو أي ميزة تعريفية أخرى على المنتج، بحيث يظهر وكأنه المنتج الحقيقي، حتى وإن لم يكن هو الجهة التي قامت بتصنيعه، وبالتالي، أي شركة أو فرد يعيد تغليف المنتجات أو يسوقها تحت اسم أو علامة تجارية جديدة يُعتبر مسؤولًا مدنيًا عن جودة المنتج وسلامته بنفس درجة المسؤولية التي يتحملها المنتج الأصلي، تستند هذه القاعدة إلى مبدأ الوضع الظاهر الذي يهدف إلى حماية المستهلك من التضليل، حيث يفترض أن الجهة التي تحمل العلامة التجارية هي المسؤولة عن المنتج، ويحق للمستهلك الرجوع إليها في حال حدوث أي ضرر بسبب المنتج.
يعكس هذا التوسع في نطاق المسؤولية توجه الاتفاقية نحو تعزيز حماية المستهلك وضمان عدم وجود ثغرات قانونية تمكن الشركات أو الأفراد من التنصل من مسؤولياتهم، خاصة في ظل التغيرات التي طرأت على الأسواق العالمية، حيث أصبحت المنتجات تُنتج في دول متعددة وتُسوّق بعلامات تجارية مختلفة، من هنا، أصبح من الضروري وضع إطار قانوني يحدد بدقة الجهات المسؤولة عن أي ضرر ناتج عن المنتج، كما يسهم هذا النهج في تعزيز مبدأ العدالة القانونية، حيث يتم تحميل المسؤولية لكل من يساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تسويق المنتج، مما يقلل من فرص التهرب من الالتزامات القانونية ويوفر ضمانًا أقوى لحقوق المستهلك في الحصول على تعويض عادل في حال تعرضه لأي ضرر،([4]).
أما القانون اللبناني فكان الشائع استعماله لفظ (الصانع) وبعد صدور قانون رقم 19 لسنة 1998 المادة (1386) الخاص بالمسؤولية عن المنتجات المعيبة استعمل هذا القانون مصطلح المنتج بدلاً من مصطلح الصانع ([5]) .
يشترط القانون أن يكون المنتج شخصًا مهنياً محترفًا يتمتع بالكفاءة والخبرة اللازمة في مجال التصنيع والإنتاج، مما يعني أن المسؤولية لا تقع فقط على المنتج الذي يباشر التصنيع النهائي، بل تمتد إلى كل من يساهم في عملية الإنتاج، بدءًا من المواد الأولية حتى اكتمال المنتج، ويعتبر القانون أن الصانع النهائي مسؤول، إلى جانب منتج المواد الأولية وصانع الأجزاء المكوّنة للمنتج النهائي، حيث قد يتسبب العيب في أي مرحلة من مراحل الإنتاج في إلحاق الضرر بالمستهلك.
تبنى القانون اللبناني النهج الأوروبي في توسيع نطاق المسؤولية عن المنتجات المعيبة لتسهيل حصول المتضرر على التعويض دون الحاجة لإثبات الجهة الفعلية المسؤولة عن الخطأ، لذلك، يمتد نطاق المسؤولية ليشمل كل من يتدخل في تصنيع أو تسويق المنتج، بما في ذلك من يضع اسمه التجاري أو علامته التجارية على المنتج، مما يتيح للمستهلك الحق في الرجوع عليه بالتعويض استنادًا إلى مبدأ “الوضع الظاهر” الذي يحمي المستهلك من التضليل حول مصدر المنتج.
وبهذا، فإن هذا التوجه القانوني يهدف إلى تحقيق حماية أوسع للمستهلك، حيث لا يسمح لأي جهة بالتهرب من المسؤولية بحجة عدم كونها المنتج الفعلي، بل يجعل كل من يشارك في العملية الإنتاجية أو التجارية عرضة للمساءلة المدنية في حال تسبب المنتج في ضرر، كما أن توسيع المسؤولية ليشمل الموردين والموزعين الذين يضعون علاماتهم التجارية على المنتجات يجعلهم يتحملون التزاماتهم تجاه المستهلكين، مما يعزز الشفافية والمساءلة في الأسواق، ويضمن عدم تسويق منتجات معيبة دون رقابة صارمة من الجهات المسؤولة عن توزيعها وبيعها ([6]).
في القانون اللبناني، يُعتبر كل شخص يضع اسمه أو علامته التجارية أو أي علامة مميزة على المنتج مسؤولًا عنه، حيث يفترض أن ذلك يشير إلى أنه المنتج الحقيقي، حتى وإن لم يكن هو الجهة التي قامت بالتصنيع الفعلي، يستند هذا التوجه إلى مبدأ “الوضع الظاهر”، الذي يهدف إلى حماية المستهلك من التضليل، حيث يعتمد المستهلك على العلامة التجارية عند اتخاذ قراره بالشراء، وبالتالي، يحق له الرجوع على الشخص الذي يظهر بمظهر المنتج عند حدوث أي ضرر ناتج عن المنتج المعيب، يعكس هذا حرص المشرّع اللبناني على سد الثغرات القانونية التي قد تسمح للمنتجين أو الموردين بالتنصل من مسؤولياتهم تجاه المستهلكين.
علاوةً على ذلك، يشمل مبدأ “الوضع الظاهر” ليس فقط العلامات التجارية المسجلة، بل أي إشارة أو رمز أو دلالة توحي بأن المنتج ينتمي إلى جهة معينة، وهذا يضمن عدم استغلال المستهلكين عبر العلامات التجارية الوهمية أو المقلدة، يهدف القانون من خلال هذا التشديد إلى تحميل المسؤولية لأي طرف يسهم في تداول المنتجات في الأسواق، سواء كان مصنعًا فعليًا أو مجرد وسيط تجاري يقوم بإعادة تغليف المنتج تحت اسمه الخاص.
يعزز القانون اللبناني، انسجامًا مع التشريعات الأوروبية الحديثة، حماية المستهلك من خلال توسيع نطاق المسؤولية ليشمل الموردين والموزعين الذين يضعون أسماءهم على المنتجات أو يسهمون في تقديمها للأسواق، وهذا يعني أن أي خلل في المنتج، سواء كان ناتجًا عن خطأ في التصنيع أو سوء تخزين أو توزيع، يمكن أن يؤدي إلى تحميل المسؤولية للطرف الذي يظهر بمظهر المنتج الحقيقي، مما يضمن العدالة بين المستهلكين والمنتجين ويقلل من فرص التهرب من التعويضات.
يهدف المشرّع اللبناني إلى جعل سوق المنتجات أكثر شفافية وأمانًا، مع ضمان أن كل منتج له جهة مسؤولة يمكن الرجوع إليها عند وقوع أي ضرر، يعزز هذا التوجه ثقة المستهلكين في العلامات التجارية ويضمن لهم حق المطالبة بالتعويض في حالة تعرضهم لأي ضرر بسبب المنتجات المعيبة.
على الرغم من توسيع نطاق المسؤولية ليشمل أطرافًا متعددة في سلسلة الإنتاج والتوزيع، استثنى القانون اللبناني بعض الفئات من تطبيق أحكام المسؤولية عن المنتجات، مثل المشيد المعماري والبائع العقاري، حيث تبقى مسؤوليتهم خاضعة لنظام الضمان العشري المنصوص عليه في القانون المدني.
ويعني ذلك أن هؤلاء الأشخاص لا يتحملون المسؤولية عن العيوب التي قد تظهر في العقارات وفق أحكام مسؤولية المنتجين، بل وفقًا لنظام الضمان العشري، الذي يلزم المشيدين المعماريين والبائعين العقاريين بتحمل مسؤولية العيوب الخفية في المباني لمدة عشر سنوات من تاريخ التسليم، وهو نظام مختلف تمامًا عن المسؤولية المدنية عن المنتجات التي تُطبق على السلع والبضائع المتداولة في الأسواق.
يُعتبر استثناء المشيد المعماري والبائع العقاري منطقيًا نظرًا لاختلاف المخاطر والعيوب المحتملة في المباني عن تلك الموجودة في المنتجات الاستهلاكية، كما أن التزام المشيد المعماري والبائع العقاري يتطلب ضمانًا طويل الأمد، بينما تقتصر مسؤولية المنتجين عادةً على فترة زمنية محدودة وفقًا لعمر المنتج الافتراضي، لذلك، حرص المشرّع اللبناني على فصل هذين النظامين القانونيين لتجنب الخلط بين أحكام المسؤولية عن المنتجات وأحكام ضمان العيوب في العقارات.
لم يشمل القانون اللبناني أيضًا الأشخاص الصانعين للعناصر التي تثار مسؤوليتهم التضامنية بموجب الاتفاقات التعاقدية، كما هو الحال في المادة (1792) من القانون المدني، حيث يخضع هؤلاء الأفراد لمسؤولية تضامنية بناءً على العقود والاتفاقيات المبرمة بينهم، وليس وفقًا لقواعد المسؤولية عن المنتجات المعيبة، هذا يضمن لهم نطاقًا قانونيًا مختلفًا عن المنتجين التقليديين.
ويعكس هذا الفصل بين المسؤولية المدنية العادية والمسؤولية الخاصة بالمنتجات توازنًا دقيقًا بين حماية المستهلك وضمان عدم تحميل أطراف لا علاقة لهم بالإنتاج المباشر مسؤوليات غير ملائمة لطبيعة أعمالهم، كما استثنى القانون اللبناني الصانعين الذين يخضعون للمسؤولية التضامنية المتفق عليها في المادة (1792)، مما يبقيهم خارج دائرة المسؤولية عن المنتجات المعيبة وفقًا لقانون حماية المستهلك.
ويظهر من ذلك أن القانون اللبناني، رغم تبنيه التوجه الأوروبي في توسيع نطاق المسؤولية عن المنتجات المعيبة، إلا أنه حرص على التفريق بين المسؤولية المدنية العادية والمسؤولية الخاصة بالمنتجات، مما يضمن العدالة بين المستهلكين والموردين، ويعزز استقرار البيئة الاقتصادية عبر توزيع المسؤوليات القانونية بوضوح، ([7]).
نستخلص من ذلك أن المسؤولية عن المنتجات تقتصر على منتج المنقول ولا تشمل منتج العقار، إذ تُطبق بشأن الأخير القواعد العامة في القانون المدني، ولا يستفيد المتضرر من الحماية المقررة في قانون حماية المستهلك، مما يعني أن المنتجات المنقولة فقط تخضع لأحكام المسؤولية الخاصة عن المنتجات، بينما تبقى العيوب التي قد تظهر في العقارات خاضعة لأحكام الضمان العشري والمسؤولية التعاقدية المنصوص عليها في القوانين المدنية.
تأثر المشرع المصري بشكل واضح بالتشريع اللبناني في تحديد المسؤولية عن المنتجات، ولكن قانون حماية المستهلك المصري رقم 17 لسنة 1997 يوسع نطاق المسؤولية المدنية للمنتج عن الأضرار الناتجة عن المنتجات المعيبة، يُعرف المنتج في القانون المصري بأنه الصانع النهائي للسلعة، مما يعني أن المسؤولية لا تقتصر على المنتج المباشر فقط، بل تشمل أيضًا المورد والبائع وصانع الأجزاء المكونة للمنتج، سواء كانت الأجزاء مصنعة مباشرة من قبل المنتج نفسه أو تم تجميعها باستخدام مكونات من الغير.
ويظهر هذا التوجه بوضوح في المادة (67/1) من قانون حماية المستهلك المصري، والتي نصت على أن:
“يسأل منتج السلعة وموزعها قبل أن يلحقه ضرر مادي أو معنوي يحدثه المنتوج.”
ويعكس هذا النص توجهًا أوسع في تحديد المسؤولية، حيث لا يُلزم المتضرر بإثبات الخطأ المباشر للمنتج، بل يكفي أن يثبت الضرر الناتج عن استخدام المنتج المعيب، ليتم تحميل المنتج أو المورد المسؤولية المدنية عنه، وهذا التوسع في نطاق المسؤولية يهدف إلى تعزيز حماية المستهلك، بحيث لا يقتصر حقه في التعويض على جهة معينة فقط، بل يمتد ليشمل كل من ساهم في إنتاج أو توزيع المنتج، مما يزيد من فرص حصول المستهلك على حقوقه القانونية في حالة وقوع أي ضرر.
وفقًا للمادة (67/2) من قانون حماية المستهلك المصري، تمتد المسؤولية المدنية عن المنتجات لتشمل الموزع، وليس فقط المنتج، تشمل هذه المسؤولية المستورد الذي أدخل المنتج إلى السوق المحلي، مما يجعله مسؤولًا عن جودته وسلامته، كما تشمل المسؤولية تاجر الجملة الذي يوزع السلع في السوق على تجار التجزئة، سواء كانت السلعة محلية أو مستوردة، وذلك لأن تاجر الجملة يمثل حلقة أساسية في سلسلة التوريد ويتحمل جزءًا من المسؤولية إذا تبين أن المنتج معيب أو غير مطابق للمواصفات.
يشمل نطاق المسؤولية في القانون المصري أيضًا تاجر التجزئة، في حال كان على علم بوجود عيب في السلعة التي باعها للمستهلك، في هذه الحالة، يكون مسؤولًا عن الضرر الناتج عن استخدام المنتج المعيب، إذ يُفترض أن يتحلى بالأمانة والمهنية، وألا يبيع سلعًا معيبة عن علم، إذا ثبت علمه بالعيب، يتحمل المسؤولية، بينما إذا لم يكن لديه علم، قد لا يتحمل المسؤولية المباشرة.
هذا النهج يعكس موقفًا متقدمًا في حماية المستهلك، حيث يسعى القانون المصري إلى تحميل المسؤولية لجميع الأطراف الفاعلة في عملية إنتاج وتوزيع وبيع المنتجات، مما يضمن عدم وجود ثغرات قانونية للتهرب من التعويض، كما يعزز مبدأ العدالة القانونية من خلال توزيع المسؤولية بين مختلف الفاعلين في السوق، ليشمل المنتج، المستورد، الموزع، تاجر الجملة، وتاجر التجزئة([8]).
يشمل نطاق المسؤولية في القانون المصري أيضًا تاجر التجزئة، في حال كان على علم بوجود عيب في السلعة التي باعها للمستهلك، في هذه الحالة، يكون مسؤولًا عن الضرر الناتج عن استخدام المنتج المعيب، إذ يُفترض أن يتحلى بالأمانة والمهنية، وألا يبيع سلعًا معيبة عن علم، إذا ثبت علمه بالعيب، يتحمل المسؤولية، بينما إذا لم يكن لديه علم، قد لا يتحمل المسؤولية المباشرة.
هذا النهج يعكس موقفًا متقدمًا في حماية المستهلك، حيث يسعى القانون المصري إلى تحميل المسؤولية لجميع الأطراف الفاعلة في عملية إنتاج وتوزيع وبيع المنتجات، مما يضمن عدم وجود ثغرات قانونية للتهرب من التعويض، كما يعزز مبدأ العدالة القانونية من خلال توزيع المسؤولية بين مختلف الفاعلين في السوق، ليشمل المنتج، المستورد، الموزع، تاجر الجملة، وتاجر التجزئة.
تمتد المسؤولية المدنية في القانون العراقي إلى بائع الجملة الذي يوزع المنتجات إلى تجار التجزئة، وبائع المفرد الذي يبيع مباشرة للمستهلك النهائي، والموزع الذي يساهم في إيصال المنتجات إلى نقاط البيع، ويشمل النص القانوني “البائع” بصيغة مطلقة، مما يعني أن المسؤولية تشمل أيضًا البائع العرضي الذي قد يبيع بشكل غير منتظم أو خارج شبكة التوزيع التجارية الرسمية.
يعكس هذا النهج حرص المشرع العراقي على حماية المستهلك، حيث لم يقتصر تحديد المسؤولية المدنية على المنتج الفعلي فقط، بل شمل جميع الأطراف الفاعلة في الإنتاج والتوزيع والتسويق، كما يمنح المتضرر الحق في الرجوع مباشرة على الوكيل والوسيط، مما يعد خروجًا عن القواعد العامة في القانون المدني، حيث كانت آثار الوكالة تنصرف للأصيل فقط، هذا التوجه يعزز حماية المستهلك، حيث يُعتبر الوكيل والوسيط مسؤولين بشكل مباشر عن جودة المنتجات التي يسهمان في توزيعها أو بيعها، مما يزيد من الشفافية والعدالة في الأسواق ويعزز ثقة المستهلك.
يترتب على ذلك أن المتضرر لم يعد بحاجة إلى إجراءات قانونية معقدة أو البحث عن المنتج الأصلي للحصول على تعويض، بل يمكنه اللجوء مباشرة إلى أقرب جهة مسؤولة ضمن سلسلة التوزيع، سواء كان الوكيل أو الوسيط، هذا يعزز مبدأ المسؤولية المشتركة في سلسلة التوريد ويقلل من فرص تهرب الأطراف من التزاماتها تجاه المستهلكين.
يعد هذا التوجه تطورًا هامًا في المسؤولية المدنية، حيث لم يعد المستهلك يتحمل عبء إثبات العلاقة بين العيب والمنتج الأصلي، بدلاً من ذلك، أصبح بإمكانه اختصار المسار القانوني بالرجوع إلى أي طرف مسؤول ضمن سلسلة الإنتاج والتوزيع، مما يوفر له حماية أقوى ووسائل قانونية أكثر فعالية للمطالبة بحقوقه عند تعرضه لأي ضرر ناتج عن منتج معيب، ([9]).
تُعد مسؤولية “المجهز” في القانون العراقي أكثر دقة من مصطلح “المنتج” في القانون اللبناني، حيث يقتصر مفهوم المنتج في التشريعات اللبنانية على الصانع الفعلي فقط، دون أن يشمل البائع أو الموزع، بينما في القانون العراقي، تمتد المسؤولية لتشمل جميع الأطراف التي تساهم في وصول المنتج إلى المستهلك، سواء من خلال التصنيع أو التوزيع أو البيع أو التوريد.
على الرغم من هذا التوسع في المسؤولية في القانون العراقي، إلا أنه لا يتضمن نصًا صريحًا يُحمّل صاحب العلامة التجارية المسؤولية عن الأضرار الناتجة عن المنتجات التي تحمل علامته التجارية، على عكس القانون اللبناني الذي يتضمن نصًا صريحًا في هذا الشأن، ومع ذلك، لا يعني غياب هذا النص في القانون العراقي استبعاد مسؤولية صاحب العلامة التجارية تمامًا، إذ يمكن تحميله المسؤولية وفقًا لنظرية “الوضع الظاهر” التي يعتمدها جزء من الفقه القانوني.
وبموجب هذه النظرية، يُعتبر صاحب العلامة التجارية مسؤولًا عن أي ضرر ناتج عن المنتج الذي يحمل علامته التجارية، حتى وإن لم يكن هو المنتج الفعلي، يعتمد المستهلك على العلامة التجارية كضمان للجودة والسلامة، وبالتالي، إذا تبين أن المنتج معيب أو غير مطابق للمواصفات، يجب أن يتحمل صاحب العلامة التجارية المسؤولية،
على الرغم من غياب نص صريح في القانون العراقي حول مسؤولية صاحب العلامة التجارية، فإن اعتماد مبدأ “الوضع الظاهر” قد يسد هذه الفجوة التشريعية ويضمن حماية المستهلك، خاصة في الحالات التي يتم فيها تسويق المنتجات تحت أسماء تجارية معروفة دون التزام واضح من المنتجين بمعايير الجودة والسلامة، ([10]).
المبحث الثاني
مركِّب مخاطر التقنيات الطبية
وقد تتطلب عملية تركيب جهاز طبي تعويضي تدخل جراحي وعلاجي ومن ثم تتحقق مسؤولية الطـبيب عن الأضرار بسبب التدخل الجراحي أو المسؤولية عن التركيب المعيب للجهاز الطبي، كما لو قام الطـبيب بإجراء عملية جراحية لزراعة قلب صناعي، ويتحقق الخطأ الـطبـي في تركيب مخاطر التقنيات الطبية على الرغم من حاجة المريض إليه، كما لو قام الطـبيب برفع أجهزة التنفس الصناعي عن المريض ، وكذلك يتحقق الخطأ الـطبـي في حالة الموت الرحيم بمساهمة الطـبيب في موت المريض رحمة له لتخليصه مما يعانيه من الآلام ([11]).
وعمل الطـبيب عمل مهني طبي أو قد يكون عملاً مادياً فقد يقوم الطـبيب بإجراء الفحص والتحاليل المختبرية وإجراء العملية الجراحية فعليه مراعاة الأصول العلمية الثابتة في علم الطب باختيار العلاج المناسب ومراعاة حالة المريض الصحية واختيار الوقت المناسب للعلاج والدقة في فحص المريض ووصف العلاج ومتابعة حالة المريض حتى استكمال العلاج، والتزام الطـبيب هنا التزام ببذل عناية([12]).
أما قيام الطـبيب بتركيب جهاز طبي تعويضي فإن التزامه فيما يتعلق بتناسب الجهاز المركب مع حالة المريض التزام بتحقيق نتيجة ([13]).
ويقسم الخطأ الـطبـيعلى نوعين خطأ اعتيادي وخطأ فني، ويقرر في الخطأ الفني أن يكون جسيماً، حيث قضت محكمة السين الاستئنافية أن هذا الخطأ اعتيادي لا فني، وليس من الصواب تقسيم الخطأ إلى خطأ جسيم وغير جسيم لأن تحديد خطورة العملية الجراحية مسألة فنية بحتة وإن خطأ الطـبيب في تحديد مقدار هذه الخطورة خطأ فني؟ ثم لماذا لا يسأل الطـبيب إلا عن خطه الفني، يقول أنصار هذه النظرية نظرية الخطأ الفني الجسيم أن مسؤولية الطـبيب عن كل خطأ مهما كانت درجة جسامته تتعارض مع حرية مزاولة مهنة الطـبيب وتقف حائلاً دون تنفيذ العمل الـطبـيعلى الوجه المطلوب ، ومهما يكن رأي أنصار الخطأ الفني الجسيم فإن المستقر عليه أن المسؤولية الطبية مسؤولية عقدية ومن العبث البحث عن جسامة الخطأ الفني في هذه المسؤولية لأن معيار الخطأ الذي يستوجب قيام هذه المسؤولية هو الخطأ الذي يصدر عن الرجل المعتاد ، فإن أردنا أن نعرف أن الطـبيب أرتكب خطأ أو لم يرتكب الخطأ فلابد أن نأخذ بمعيار الطـبيب الاعتيادي الذي يجد نفسه في الظروف الخارجية نفسها التي أحاطت بالطـبيب المدعي عليه سلوك هذا الطـبيب ([14]).
تتحقق مسؤولية الطبيب حتى في حالة عدم وجود خطأ في تصنيع الجهاز الطبي نفسه، بل بسبب خطأ في اختيار الجهاز المناسب للمريض، على سبيل المثال، إذا اختار الطبيب نظارة طبية أو سماعة أذن غير ملائمة لحالة المريض، فإن ذلك يعد إهمالًا في التشخيص، مما يؤدي إلى تحميل الطبيب المسؤولية المدنية، يظهر هذا الخطأ عندما يتم اختيار النظارة أو السماعة بناءً على تقدير غير دقيق لدرجة البصر أو السمع، مما يؤثر سلبًا على صحة المريض بدلاً من تحسينها.
إذا كان التشخيص خاطئًا فيما يتعلق بدرجة ضعف البصر أو السمع، واُختير جهاز غير مناسب نتيجة لذلك، فقد ينتج عن ذلك ضرر مباشر للمريض، مثل زيادة ضعف الرؤية أو السمع، أو الإصابة بالصداع المزمن أو إجهاد العينين أو الأذنين، في هذه الحالة، يكون الطبيب مسؤولًا مدنيًا عن الضرر الذي لحق بالمريض، حتى إذا لم يكن هناك عيب في الجهاز نفسه، لأن الخطأ يكمن في عملية التشخيص واختيار الجهاز المناسب.
وتُعد هذه المسؤولية جزءًا من التزامات الطبيب القانونية والمهنية، حيث يتوجب عليه إجراء تشخيص دقيق وشامل قبل وصف أي جهاز طبي، والتأكد من أن الاختيار يتناسب مع احتياجات المريض الفعلية، وفي حال حدوث أي ضرر ناتج عن تقدير خاطئ، يمكن للمريض المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت به وفقًا لأحكام المسؤولية المدنية عن الأخطاء الطبية([15]).
تتجاوز مسؤولية الطبيب أخطائه الشخصية لتشمل الأخطاء التي يرتكبها مساعدوه والطاقم الطبي التابع له، مثل الأطباء المساعدين وأطباء التخدير والممرضين، خاصة في العمليات الطبية المعقدة التي تتطلب تعاون فريق طبي متكامل، في حالات مثل عمليات زراعة الكلى أو تركيب أجهزة التنفس الصناعي والقلب الصناعي، إذا وقع خطأ من أي عضو في الفريق الطبي وأدى إلى ضرر للمريض، فإن المسؤولية المدنية تقع على المستشفى والطبيب المشرف وفقًا لمبدأ مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعيه، وبذلك، تكون المستشفى مسؤولة عن أخطاء إهمال أو تقصير العاملين لديها، ويمكن للمريض مقاضاة المستشفى أو الطبيب أو كليهما للمطالبة بالتعويض.
تمتد مسؤولية الطبيب إلى الأخطاء الناتجة عن اختيار فريق طبي غير مؤهل أو الإشراف غير الكافي، حيث يُعتبر الإهمال في الإشراف والتوجيه من العوامل التي تؤدي إلى أخطاء طبية جسيمة، يفرض القانون على الطبيب مسؤولية مباشرة وغير مباشرة عن أداء الفريق الطبي العامل معه، خاصة إذا ثبت أن الخطأ الطبي كان يمكن تجنبه من خلال إشراف أفضل أو اختيار دقيق لأعضاء الفريق.
هذا التوجه يعكس حماية قانونية أقوى للمريض، حيث يتيح له الرجوع قضائيًا إلى الطبيب أو المستشفى في حالة وقوع خطأ طبي، مما يعزز مبدأ العدالة وضمان جودة الخدمات الصحية، ويشجع المستشفيات والطواقم الطبية على اتخاذ أعلى درجات الحيطة والحذر أثناء تقديم الرعاية الطبية ([16]).
وقد يتعاقد هذا الطـبيب على إجراء العملية في المستشفى فإلزام المستشفى بتقديم الخدمات السريرية والعناية بالمريض بعد إجراء العملية فإن المستشفى لا تسأل عن الخطأ الفني للطبيب، ولكن تسأل من الناحية الإدارية عن القصور في الخدمات المقدمة للمريض وإلحاق الضرر به من إجرائها ([17]).
وقد اشترط قانون الصحة العراقي رقم 89 لسنة 1981 في مادته (83) بفتح مستشفى أهلي للحصول على إجازة من وزارة الصحة وأنْ يكون طالب الاجازة طبيباً وأن يكون مدير المستشفى أدارياً متفرغاً لإدارة المستشفى وأن يتم تعيين عدد من الأطباء المقيمين ([18])، وفقًا لقانون نقابة أطباء الأسنان العراقي رقم 46 لسنة 1987، يُشترط أن يكون عضو نقابة أطباء الأسنان حائزًا على شهادة كلية طب الأسنان، ولا يجوز له فتح أكثر من عيادة طبية واحدة في العراق، ويحظر عليه أيضًا مخالفة القوانين والتعليمات وقواعد السلوك المهني، بما في ذلك استخدام وسائل دعاية غير مشروعة أو الإساءة إلى سمعة المهنة، وفقًا للمادة 23، يعرض الطبيب المخالف نفسه لعقوبات تشمل غرامة مالية أو سحب الإجازة ومنعه من ممارسة المهنة لفترة مؤقتة، في حالة تكرار المخالفات، قد تصل العقوبات إلى تعليق العضوية أو إلغاء الترخيص بشكل دائم، تهدف هذه الإجراءات لضمان التزام الأطباء بالقواعد الأخلاقية والتشريعية وحماية سمعة المهنة، لضمان تقديم خدمات طبية عالية الجودة وآمنة للمجتمع ([19]).
في العديد من الحالات، يكون المريض غير مدرك تمامًا لنوع مرضه أو طبيعته، مما قد يسبب له القلق أو الارتباك، في هذه الظروف، يصبح من الضروري أن يتعامل الطبيب مع المريض بحذر عند إبلاغه بتفاصيل مرضه، خصوصًا في حالات الأمراض الخطيرة أو المستعصية، يجب على الطبيب أن يأخذ في اعتباره الحالة النفسية والجسدية للمريض، وأن يُبلغه بتشخيصه بطريقة حساسة تراعي مشاعره وقدرته على التعامل مع المعلومة.
عندما يُحدد المرض على أنه خطير أو لا يمكن علاجه، يجب نقل هذا التشخيص بحذر وبطريقة تدريجية، مع شرح كامل للخيارات العلاجية المتاحة، بما في ذلك المضاعفات المحتملة للإجراءات الجراحية، يساعد تقديم هذه المعلومات بوضوح المريض على اتخاذ قرارات مستنيرة، ويجب التأكد من أن رضاه عن العلاج الجراحي هو رضى طوعي وواعٍ، مستند إلى معرفة كافية بالمرض والخيارات المتاحة([20]).
الخاتمة
وختاماً توصلنا إلى أهمّ النتائج والمقترحات على الشكل التالي:
أولاً: النتائج:
- نجد أن التعويض في المسؤولية العقدية الضرر المباشر المتوقّع فقط ولا يشمل الضرر الغير متوقّع إلا إذا ارتكب المدين غشّاً أو خطأً جسيماً بينما يشمل التعويض في المسؤولية التقصيرية الضرر المباشر المتوقّع والغير متوقّع.
- قد يترتّب على الجهاز الطبي التعويضي المعيب أو ما يكمن فيه من خطورة بسبب إستعماله الى موت المريض فهنا ينشأ التعويض عن الضرر المرتد فيطالب الورثة بالتعويض عمّا أصابهم من ضرر سواء كان مادي أو أدبي.
- إنّ العبرة في تقدير التعويض هو وقت حصول الضرر أي وقت العمل الغير مشروع لكن يتغيّر الضرر في المستقبل عن الضرر الذي قدّره القاضي, كما أصبح المريض بعد فترة من صدور الحكم القضائي عجزاً كلّياً أو شللاً أو تفاقم الضرر في المستقبل أن يطالب بالتعويض عن الضرر المتغيّر.
ثانياً : المقترحات :
- ضرورة إجراء تعديل على قانون حماية المستهلك العراقي الجديد الذي جاءت نصوصه ومسؤولية المجهز منها مسؤولية المنتج والبائع والموزع غامضة وغير محددة ولا يمكن أن نتصور المسؤولية تكون طبقاً للقواعد العامة في المسؤولية المدنية وبالتالي تكون نصوص هذا القانون ليس إلا تأكيداً للمسؤولية في القواعد العامة فلا بد من التجديد على مسؤولية المجهز لتحقيق الحماية اللازمة للمستهلك من الأضرار المترتبة على المنتجات المعيبة التي قد يفلت المجهز كمنتج للمسؤولية المدنية ومنها المسؤولية على الأشياء طبقاً للقواعد العامة لعدم توافر شروطها ونرى ضرورة الأخذ بحراسة التكوين وتجزئة الحراسة التي أصبحت هي الراجحة بسبب تنوع المنتجات وخطورتها عند الاستعمال،
- ضرورة النص على الالتزام بضمان السلامة في القانون المدني في بيع المنتجات بصورة عامة والمنتجات الطبية بصورة خاصة والتزام الطـبيب بضمان السلامة لكون هذا الالتزام أصبح ضرورة يفرضها الواقع.
المصادر و المراجع
قانون حماية المستهلك العراقي رقم (1) لسنة 2010 المنشور في الوقائع العراقية في العدد 4143، في 8/2/2010.
د. علي سيد حسن، الالتزام بالسلامة في عقد البيع، دار النهضة العربية، القاهرة، 1980، ص42.
جابر محجوب علي، ضمان سلامة المستهلك عن الأضرار الناشئة عن عيب المنتجات الصناعية المعيبة، دار النهضة العربية ، القاهرة، 1995، ص223.
د. سالم محمد رديعان العزاوي، مسؤولية المنتج في القوانين المدنية والاتفاقيات الدولية، أطروحة دكتوراه ، كلية القانون جامعة بغداد، 1991، ص42, 45.
د. بودالي محمد، مسؤولية المنتج عن منتجاته المعيبة، دار الفجر ، الجزائر ، 2005، ص16 وما بعدها.
د. محمود عبد الرحيم الديب، الحماية المدنية للمستهلك ، دار الجامعة الجديدة، الاسكندرية، 2011، ص18،
د. قادة شهيدة، المصدر السابق ، ص55.
المادة (942) من القانون المدني العراقي على أن “حقوق العقد تعود إلى العاقد فإذا تعاقد الوكيل مع غيره باسم الموكل وفي حدود الوكالة فإن العقد يقع بالموكل وتعود كل حقوقه إليه”.
د. باسم محمد صالح، القانون التجاري، النظرية العامة، التاجر، مكتبة السهنوري، بغداد، 2008، ص90.
بدر حامد يوسف، المسؤولية المدنية عن مخاطر الأجهزة الطبية التعويضية، أطروحة دكتوراه في كلية الحقوق جامعة بني سويف ، 2010، ص50.
المستشار منير رياض حنا، المسؤولية المدنية للأطباء والجراحين، دار الفكر الإسكندرية، 2008، ص190,
د. حسن علي الذنون ، المبسوط في المسؤولية المدنية ، الجزء الثاني، الخطأ، مطبعة العزة، بغداد، 2001، ص121.
د. حسن علي ذنون، المصدر السابق ، ص122.
بدر حامد، مصدر سابق، ص51.
المستشار منير رياض حنا، الخطأ الـطبـيالجراحي ، دار الفكر الجامعي ، الاسكندرية ، 2008، ص105.
د. طلال العجاج، المسؤولية المدنية للطبيب، دار الكتب الحديثة الأردن، 2011، ص261.
نشر في الوقائع العراقية العدد 2845 في 17/8/1981
نشر في الوقائع العراقية بعددها 3153 في 8/6/1987
د. حسن علي ذنون، مصدر سابق، ص531، د. أمل كاظم سعود، الالتزام بالتعاون في العقود، أطروحة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة النهرين، 2007، ص94.
الهوامش:
-
() قانون حماية المستهلك العراقي رقم (1) لسنة 2010 المنشور في الوقائع العراقية في العدد 4143، في 8/2/2010. ↑
-
() د. علي سيد حسن، الالتزام بالسلامة في عقد البيع، دار النهضة العربية، القاهرة، 1980، ص42. ↑
-
() د. جابر محجوب علي، ضمان سلامة المستهلك عن الأضرار الناشئة عن عيب المنتجات الصناعية المعيبة، دار النهضة العربية ، القاهرة، 1995، ص223. ↑
-
() د. سالم محمد رديعان العزاوي، مسؤولية المنتج في القوانين المدنية والاتفاقيات الدولية، أطروحة دكتوراه ، كلية القانون جامعة بغداد، 1991، ص42, 45. ↑
-
() د. بودالي محمد، مسؤولية المنتج عن منتجاته المعيبة، دار الفجر ، الجزائر ، 2005، ص16 وما بعدها. ↑
-
() د. محمود عبد الرحيم الديب، الحماية المدنية للمستهلك ، دار الجامعة الجديدة، الاسكندرية، 2011، ص18، ↑
-
() د. قادة شهيدة، المسؤولية المدنية للمنتج ، دار الجامعة الجديدة، الاسكندرية، 2007، ص48, 49. ↑
-
() د. قادة شهيدة، المصدر السابق ، ص55. ↑
-
() المادة (942) من القانون المدني العراقي على أن “حقوق العقد تعود إلى العاقد فإذا تعاقد الوكيل مع غيره باسم الموكل وفي حدود الوكالة فإن العقد يقع بالموكل وتعود كل حقوقه إليه”. ↑
-
() د. باسم محمد صالح، القانون التجاري، النظرية العامة، التاجر، مكتبة السهنوري، بغداد، 2008، ص90. ↑
-
() بدر حامد يوسف، المسؤولية المدنية عن مخاطر الأجهزة الطبية التعويضية، أطروحة دكتوراه في كلية الحقوق جامعة بني سويف ، 2010، ص50. ↑
-
() المستشار منير رياض حنا، المسؤولية المدنية للأطباء والجراحين، دار الفكر الإسكندرية، 2008، ص190, ↑
-
() د. حسن علي الذنون ، المبسوط في المسؤولية المدنية ، الجزء الثاني، الخطأ، مطبعة العزة، بغداد، 2001، ص121. ↑
-
() د. حسن علي ذنون، المصدر السابق ، ص122. ↑
-
() بدر حامد، مصدر سابق، ص51. ↑
-
() المستشار منير رياض حنا، الخطأ الـطبـيالجراحي ، دار الفكر الجامعي ، الاسكندرية ، 2008، ص105. ↑
-
() د. طلال العجاج، المسؤولية المدنية للطبيب، دار الكتب الحديثة الأردن، 2011، ص261. ↑
-
() نشر في الوقائع العراقية العدد 2845 في 17/8/1981. ↑
-
() نشر في الوقائع العراقية بعددها 3153 في 8/6/1987. ↑
-
() د. حسن علي ذنون، مصدر سابق، ص531، د. أمل كاظم سعود، الالتزام بالتعاون في العقود، أطروحة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة النهرين، 2007، ص94. ↑