Article 56

الجنجويد والنزاع المسلح في دارفور (2003-2013)

حاتم زيد جلعو حمود1، أ.د هاشم عبدالرزاق صالح1

1 جامعة الحمدانية - كلية التربية للعلوم الإنسانية - قسم التاريخ، العراق.

Janjaweed and the Armed Conflict in Darfur (2003–2013)

Hatem Zaid Jalao Hammoud¹, Prof. Dr. Hashim Abdulrazzaq Saleh¹

¹ University of Al-Hamdaniya, College of Education for Humanities, Department of History, Iraq.

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj75/56

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/75/56

المجلد (7) العدد (5). الصفحات: 999 - 1011

تاريخ الاستقبال: 2026-04-15 | تاريخ القبول: 2026-04-22 | تاريخ النشر: 2026-05-01

Download PDF

Cite / الاستشهاد

المستخلص: يتناول هذا البحث ظاهرة ميليشيات الجنجويد ودورها في النزاع المسلح في إقليم دارفور خلال الفترة (2003–2013)، من خلال تحليل جذورها التاريخية والاجتماعية، وتتبع تطورها بوصفها فاعلًا رئيسًا في ديناميات الصراع، ويهدف البحث إلى تفسير نشأة هذه الميليشيات في سياق التراكمات التي شهدها الإقليم منذ ثمانينيات القرن العشرين، ولا سيما ما يتعلق بالتهميش السياسي، والتدهور البيئي، وتصاعد التنافس على الموارد، فضلًا عن انتشار السلاح. وتُظهر الدراسة أن الجنجويد لم يكونوا مجرد مجموعات مسلحة عشوائية، بل تطوروا إلى قوة شبه عسكرية منظمة لعبت دورًا محوريًا في العمليات الميدانية، من خلال أنماط هجومية منسقة أسهمت في تصعيد العنف واتساع نطاقه، وما ترتب على ذلك من آثار إنسانية واسعة، كما يبيّن البحث أن محاولات دمج هذه الميليشيات ضمن تشكيلات شبه رسمية لم تُنهِ وجودها، بل أسهمت في إعادة إنتاجها ضمن أطر أكثر تنظيماً.

الكلمات المفتاحية: الجنجويد، دارفور، النزاع المسلح، التهميش السياسي، الصراع على الموارد، السودان.

Abstract: This study examines the phenomenon of the Janjaweed militias and their role in the armed conflict in the Darfur region during the period (2003–2013), through an analysis of their historical and social roots and a tracing of their evolution as a principal actor in the dynamics of the conflict. The study aims to explain the emergence of these militias within the context of cumulative developments that have shaped the region since the 1980s, particularly political marginalization, environmental degradation, the intensification of competition over resources, and the proliferation of arms. The study demonstrates that the Janjaweed were not merely irregular armed groups, but evolved into an organized paramilitary force that played a central role in field operations through coordinated offensive patterns, which contributed to the escalation and expansion of violence and resulted in widespread humanitarian consequences. Furthermore, the research shows that attempts to integrate these militias into semi-official formations did not eliminate their presence; rather, they contributed to their reproduction within more structured organizational frameworks.

Keywords: Janjaweed, Darfur, armed conflict, political marginalization, resource competition, Sudan.

المقدمة:

يُعدّ النزاع المسلح في إقليم دارفور أحد أبرز الأزمات المركّبة في السودان المعاصر، لما ينطوي عليه من تداخل بين العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية، وقد شكّلت ميليشيات الجنجويد أحد أهم الفاعلين في هذا النزاع، سواء من حيث نشأتها المرتبطة بالبنية القبلية المحلية، أو من حيث دورها المحوري في العمليات العسكرية التي شهدها الإقليم منذ اندلاع التمرد المسلح عام 2003.

ولا يمكن فهم ظاهرة الجنجويد بمعزل عن السياق التاريخي الذي سبق ظهورها، إذ تشير المعطيات إلى أنها لم تنشأ بوصفها تنظيمًا مفاجئًا، بل جاءت نتيجة تراكمات ممتدة منذ ثمانينيات القرن العشرين، حيث ارتبطت في بداياتها بأنماط من العنف المحلي والنهب المسلح، قبل أن تتطور تدريجيًا إلى تشكيلات شبه عسكرية أكثر تنظيماً وتأثيرًا، وقد تسارعت هذه التحولات مع تغير طبيعة الصراع في دارفور، وانتقاله من نزاعات قبلية محدودة إلى تمرد مسلح واسع النطاق، الأمر الذي دفع السلطة المركزية إلى تبني استراتيجيات أمنية اعتمدت بشكل متزايد على توظيف الميليشيات المحلية وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى تحليل ظاهرة الجنجويد من حيث نشأتها وتطورها ودورها في النزاع المسلح في دارفور خلال الفترة (2003–2013)، مع التركيز على طبيعة العلاقة بينها وبين الدولة، والآليات التي أسهمت في توظيفها ضمن الاستراتيجية العسكرية الرسمية.

ولتحقيق هذا الهدف جرى تقسيم البحث إلى عدد من المحاور الرئيسة، حيث يتناول المحور الأول أصل تسمية الجنجويد ودلالاتها في الخطاب الشعبي، من خلال استعراض التفسيرات المختلفة للمصطلح وأبعاده الاجتماعية والتاريخية، أما المحور الثاني فيبحث في سياق اندلاع التمرد المسلح في دارفور، من خلال تحليل العوامل السياسية والاقتصادية والبيئية التي مهّدت له، ويُخصص المحور الثالث لدراسة دور الجنجويد في العمليات العسكرية الحكومية، مع التركيز على آليات التجنيد والتسليح والدعم اللوجستي، في حين يتناول المحور الرابع التكتيكات العسكرية والعمليات الميدانية التي شاركت فيها هذه الميليشيات، وآثارها على السكان المدنيين، وأما المحور الخامس فيبحث في التحولات اللاحقة التي شهدتها هذه التشكيلات، ولا سيما محاولات دمجها في أطر شبه رسمية، وصولًا إلى تطورها المؤسسي.

يعتمد البحث على المنهج التاريخي التحليلي، مستندًا إلى دراسة السياق الذي نشأت فيه هذه المجموعات، وتحليل دورها في العمليات العسكرية، وطبيعة العلاقة التي ربطتها بالسلطة المركزية، خاصة في إطار تبني الدولة لاستراتيجيات قائمة على توظيف الفاعلين المحليين في إدارة الصراع.

أولاً: أصل تسمية الجنجويد ودلالاتها

لا يوجد تفسير متفق عليه لأصل تسمية «الجنجويد»، إذ تتعدد الآراء حول اشتقاقها، فبينما يرى بعض الباحثين أنها لفظ منحوت من عبارة «جنّ على جواد»، يذهب آخرون إلى أنها تتكون من ثلاث كلمات تشير إلى «الجن» و«الجواد» و«السلاح»، وكما تربط تفسيرات أخرى التسمية بشخص يُدعى حامد جنجويت، الذي ارتبط اسمه بأعمال النهب المسلح في دارفور خلال ثمانينيات القرن العشرين، وعلى الرغم من اختلاف هذه التفسيرات، فإنها تتفق في دلالتها على جماعات مسلحة ارتبطت بالعنف والسيطرة على الموارد، وهو ما يعكس البعد الاجتماعي والرمزي للمصطلح في البيئة المحلية، وتحديدًا عام 1987، عقب تشكيل تحالف واسع ضم القبائل ذات الأصول العربية في الإقليم تحت مسمى «التجمع العربي»، والذي ضم نحو 27 قبيلة، ومع اتساع نطاق هذا التحالف، شمل لاحقًا بعض القبائل العربية في إقليم كردفان، ليأخذ التنظيم الجديد اسم «قريش» (مجموعة الأزمات الدولية، 2004، ص 11–13)، وبذلك، يجمع المصطلح بين البُعد اللغوي الشعبي، والبعد التاريخي والاجتماعي، ليصبح تعبيرًا عن جماعات مسلحة محددة في دارفور ذات دلالات العنف والهيمنة على الموارد المحلية(موسى، 2009، ص 106–107).

قدم عدة باحثين تعريفات مختلفة لمصطلح «الجنجويد»، مما يعكس طبيعته الهلامية وغير المحددة، فقد أورد الطيب زين العابدين في موقع مجلة البيان أن الجنجويد هم شباب متفلّت من قبائلهم، لا يتورعون عن ارتكاب السرقة والنهب والاعتداء على الآخرين، ويُشتق الاسم من عبارة «الجن يركب الجواد»، في إشارة إلى الفارس الصعلوك، وعرّف موقع دارفور نيوز الجنجويد على أنهم بعض الشباب من القبائل العربية الذين انفصلوا عن أسرهم وقبائلهم، وتأثروا بثقافة الهمبتة أو الصعلكة، وهي ثقافة معروفة لدى العرب قبل الإسلام, وايضا عرفت هذه القوات في السودان بعدة مسميات، فظهرت أحيانًا باسم «المراحيل»، وأحيانًا باسم «الدفاع الشعبي»، وأخرى باسم «الفرسان»، وفي عهد حكومة الإنقاذ أُطلق عليها «ميليشيات الدفاع الذاتي»، بينما اشتهرت إعلاميًا باسم «الجنجويد» , (عبدالله، 2007، ص 2–3).

قد حظيت هذه التشكيلات بشهرة واسعة داخل السودان وخارجه منذ اندلاع التمرد في فبراير 2003، على الرغم من تعدد الآراء حول أصل هذه التسمية، فالأرجح أنها لفظة سودانية محلية من دارفور، مكونة من ثلاثة مقاطع تشير إلى «الجن» الذي يحمل سلاحًا ويركب فرسًا، في حين نسب بعض الباحثين الاسم إلى حامد جنجويت، قائد عصابة مسلحة قام بحملات نهب ضد القرى التي تقطنها قبائل ذات أصول أفريقية في ثمانينيات القرن الماضي، ما أدى إلى ترسيخ حالة من الرعب بين سكان الإقليم, ومهما اختلفت التسميات، فإن هذه القوات تأسست منذ عام 1985 خلال الحكم المدني الثالث (1985-1989)، وكانت وما تزال أداة فاعلة في يد الحكومات المتعاقبة في السودان، وكان عمادها من أبناء القبائل العربية وبعض القبائل الأفريقية، وانضم إليهم مرتزقة من دول مجاورة مثل مالي والنيجر وتشاد، وهؤلاء جميعًا يُعرفون ضمنيًا بمسمى «الجنجويد»(عبدالله، 2007، ص 2–3).

يرى عدد من الباحثين أن مليشيات الجنجويد يمكن تقسيمها إلى مجموعتين رئيسيتين تتمثل المجموعة الأولى في الجنجويد المتمركزين في شمال دارفور، وهم الفئة الأقل عددًا، ويتكونون من عدة مليشيات تنتمي في الغالب إلى القبائل العربية المعروفة بالأبالة، وهم الذين تعتمد أنماط معيشتهم أساسًا على تربية الإبل، وتشير بعض المصادر إلى تورط هذه المليشيات في استباحة مدينة كتم في أغسطس/آب 2003, أما المجموعة الثانية، وهي الأكبر عددًا، فتتركز في جنوب دارفور، وتتكون من أبناء القبائل العربية المعروفة بالبقارة، التي يغلب عليها نمط تربية الأبقار، ويُقدَّر عدد أفراد هذه المجموعة بأكثر من خمسة آلاف مسلح، ويتحصنون في منطقة جبل كرقوا الواقعة في أقصى جنوب غرب إقليم دارفور(أل يوسف، 2009، ص 256).

وتتهم مليشيات الجنجويد بالمشاركة إلى جانب القوات المسلحة السودانية في الحملة العسكرية التي شُنّت ضد المهندس داؤود يحيى بولاد، المنتمي إلى قبيلة الفور، والذي قاد تمردًا مسلحًا عام 1991 بالتعاون مع جون قرنق، زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان، وذلك عقب انشقاقه عن الجبهة القومية الإسلامية بزعامة حسن الترابي، حيث انتهت تلك الحملة بقمع التمرد وأسر بولاد وقتله, تنتشر مليشيات الجنجويد في عدد كبير من المعسكرات التي تجاوز عددها ستة عشر معسكرًا رئيسيًا في مناطق متفرقة من إقليم دارفور، ويُعد معسكر المستيرية القاعدة الرئيسة لهذه المليشيات في وسط الإقليم، وتتميز هذه المعسكرات بوجود مهابط للطائرات العمودية، فضلًا عن احتوائها على مخازن كبيرة للأسلحة والذخائر، إضافة إلى وجود وحدات عسكرية نظامية في بعض هذه المعسكرات(عبدالله، 2007، ص 4).

ثانياً: اندلاع التمرد المسلح في دارفور

بدأت الأزمة المسلحة في إقليم دارفور عام 2003 نتيجة تفاعل عوامل تاريخية من التهميش والهامشية التي رسّختها سياسات حكومة الإنقاذ في الثمانينيات والتسعينيات، حيث زادت سياسات المركز من الاحتقان المحلي مما أتاح بروز تمرد مسلح ضد السلطة المركزية، بحسب تقرير هيومن رايتس ووتش، لجأت الحكومة السودانية إلى تسليح ميليشيات الجنجويد ودعمها بالسلاح والتدريب لمواجهة المتمردين في دارفور، وقد شنت هذه القوات مدعومة من الدولة هجمات واسعة ضد المجتمعات غير العربية، ما أسفر عن جرائم قتل وتهجير جماعي بحق سكان الإقليم(Human Rights Watch, 2004) .

وقد وصفت بعض الوثائق والتحقيقات الدولية هذه العمليات بأنها تناط بـهياكل الدولة ودعمها للميليشيات، مما جعل دور الجنجويد جزءاً مركزياً من العمليات العسكرية الحكومية لإحباط التمرد , وعكست هذه التكتيكات العسكرية المنهجية الأثر الكارثي على الأمن الإنساني في دارفور حيث أدّت الهجمات التي شارك فيها الجنجويد، استناداً إلى تقديرات بحثية، إلى نزوح ملايين المدنيين وسقوط مئات الآلاف من الضحايا، مما حول النزاع إلى واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية دموية في القرن الواحد والعشرين(International Commission of Inquiry on Darfur, 2005).

لم تكن أزمة دارفور التي انفجرت عسكرياً عام 2003 وليدة لحظتها، بل كانت تتويجاً لاضطرابات عميقة امتدت لثلاثة عقود فقد ظلّ إقليم دارفور يعيش أوضاعاً مضطربة، ولم يعرف الاستقرار الأمني، والسياسي، والاقتصادي، والاجتماعي ,وقد تركزت جذور هذا الاضطراب في عاملين رئيسيين: الأول هو العامل البيئي القاسي، حيث عانت المنطقة من فترات جفاف وتصحر متتالية، قادت إلى ثلاث مجاعات كبيرة في أعوام ١٩٧٣م، و١٩٨٥م، و١٩٩٢م، وقد أدى شح الأمطار في شمالي الإقليم ووسطه إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان جنوباً بحثاً عن الموارد، مما خلق حالات فقر واسعة وسط القبائل الرعوية, هذا التدهور البيئي لم يكن مجرد أزمة إنسانية، بل تحول إلى محرك أساسي للصراع، فجذور أزمة دارفور ترجع إلى عدة عقود مضت، حيث ارتبطت في بدايتها بصراع تاريخي بين القبائل على النفوذ والموارد، ومع تناقص الموارد باستمرار، أصبح الصراع هو السمة الغالبة على الإقليم، حتى وصل لمرحلة أصبح فيها أكثر من (٨٥%) من الصراعات القبلية في السودان يدور في دارفور(الشلبي، 2009، ص 24–29).

وبذلك، يمكن القول إن الصراع في دارفور، في جزء كبير منه، هو صراع على الموارد الشحيحة التي تتناقص باستمرار في ظل الزيادة الكبيرة في عدد السكان وحيوانات الرعي ,لم تكن الأزمة البيئية والاجتماعية بمعزل عن السياسات الحكومية، بل تفاقمت بسببها، فقد عانى إقليم غرب السودان (دارفور) من التأثيرات السلبية للإهمال الاقتصادي والسياسي والاجتماعي لسنوات طويلة، وتجلت مظاهر هذا الإهمال في غياب البنية التحتية والمشروعات التنموية، والنقص الكبير في الخدمات الصحية والتعليمية، ولم يكن هذا الإهمال مجرد تقصير إداري، بل كان جزءاً من سياسة ممنهجة، حيث يعاني سكان دارفور من تعرضهم الواضح للتمييز السلبي من سكان وسط السودان وشماله، الذين كانوا ينظرون بالدونية لسكان الغرب(الشلبي، 2009، ص 35–39)،وبدلاً من معالجة هذه المظالم، تجاهلت الحكومات المركزية المختلفة التدهور المتصاعد في الإقليم، وعمدت إلى التركيز على مظاهر الأزمة، وهي قضايا النهب المسلح والاحتراب القبلي، متناسية أنها مجرد نتائج للأزمة الحقيقية، هذا التجاهل فتح الباب أمام انتشار السلاح بشكل غير مسبوق، مما حوّل النزاعات من قبلية محدودة إلى صراعات مسلحة واسعة النطاق ,إن تصاعد هذه الحروب والصراعات المسلحة ارتبط بشكل مباشر بانتشار السلاح الذي دخل الإقليم عبر موجات متعددة، فليس سراً أن إدخال السلاح بكميات كبيرة لهذه المنطقة الملتهبة أدى لانتشار تجارة السلاح، جاءت الدفعة الأولى عندما خزّنت الجبهة الوطنية المعارضة لنظام نميري كميات كبيرة من السلاح في دارفور وتسرب جزء منه لأيدي المواطنين، أما الدفعة الثانية فجاءت مترتبة على النزاعات التشادية، حيث كانت دارفور مسرحاً ومعبراً للسلاح(الأهرام، 2004).

لكن العامل الأكثر خطورة كان قرار الدولة نفسها باستخدام السلاح كأداة سياسية، فقد ساهم تسليح المليشيات العربية من المسيرية والرزيقات منذ عام ١٩٨٦م من قبل حكومة الصادق المهدي، واستمرار التسليح في عهد الرئيس البشير، بصورة كبيرة في انفلات الأمن في دارفور، هذه السياسة لم تضعف التمرد في الجنوب فحسب، بل خلقت واقعاً جديداً في دارفور، حيث أصبح امتلاك السلاح ضرورة للبقاء، ومهدت الطريق أمام المجموعات المهمشة لتنظيم نفسها في حركات مسلحة لمواجهة الدولة وحلفائها المحليين(عبد القوى، 2007، ص 124–128).

لم تكن المواجهة المسلحة التي اندلعت في دارفور وليدة الصدفة، بل سبقتها مرحلة من التنظيم والتحضير، ففي الفترة الممتدة ما بين عامي 2001 و 2002، بدأت مجموعتا التمرد الرئيسيتان، حركة جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة، في تنظيم صفوفهما بهدف مناوأة الحكومة السودانية، هذه المرحلة التأسيسية توّجت ببدء الأنشطة العسكرية الفعلية في أواخر عام 2002 وأوائل عام 2003، وذلك بعد أن اكتمل تسليح هذه الحركات بالأسلحة الحديثة(أحمد، 2025، ص 342).

كانت الشرارة التي أعلنت عن بدء مرحلة جديدة من الصراع هي سلسلة من الهجمات المنظمة، حيث شنت الحركتان هجمات ضد مراكز عسكرية في جبل مرة داخل إقليم دارفور ومراكز للجيش السوداني، إلا أن الهجوم الذي شكل نقطة تحول حاسمة كان مهاجمة مطار الفاشر، عاصمة الإقليم، لقد كانت محصلة هذا الهجوم كبيرة، حيث أدت إلى مقتل عدد كبير من أفراد القوات الحكومية وتدمير الطائرات الموجودة في المطار، وبهذا الهجوم، اختلف الصراع هذه المرة عن النزاعات السابقة من جهة اتساعه واستفحاله، واتخاذه طابعاً شبه منظم لم يعد مجرد تمرد خارج عن السيطرة، بل أصبح قوة تتحدى سلطة الدولة بشكل مباشر ,في مواجهة هذا التصعيد النوعي، تغير موقف الحكومة المركزية بشكل جذري، في البداية، كانت الحكومة تصف ما يحدث بأنه لا يتعدى حوادث عنف وقتل وأنها أعمال سلب ونهب تقوم بها قطاع الطرق، لكن بعد أن بدأت الجماعات المسلحة بالاعتداء على رئاسات محافظات دارفور الثلاث، وجدت الحكومة نفسها مضطرة للتعامل مع الواقع الجديد، هذا الضغط العسكري دفع الحكومة للتفاوض مع هذه الجماعات، وانتهى الأمر بتوقيع اتفاقية سلام في سبتمبر 2003، وبموجب هذا الاتفاق، اعترفت حكومة الخرطوم بوجود قضية سياسية في الإقليم، متراجعة بذلك عن وصفها السابق للأحداث(أحمد، 2025، ص 342–343).

ورغم هذه المحاولة للتهدئة، سرعان ما عاد المسلحون للاعتداء على السكان وقوات الأمن، وفشلت محاولات التفاوض اللاحقة(عثمان، 2008، ص 43)، عند هذه النقطة، أخذت الأزمة منحنى آخر، حيث بدأ اندلاع نزاع مسلح مفتوح بين القوات الحكومية وقوات الحركات المتمردة، وأمام استمرار الهجمات التي أدت إلى تهجير السكان، لم تجد الحكومة خياراً سوى التدخل العسكري، وهو ما اعتبرته حقاً لها في مواجهة التمرد(عثمان، 2008، ص 43).

كانت القوتان الرئيسيتان اللتان قادتا هذا التمرد هما: حركة تحرير السودان، التي نشأت كحركة مسلحة في شباط 2003 من قبائل الزغاوة والفور والمساليت، بقيادة عبد الواحد نور، وقد أكد إعلانها التأسيسي أن سياسات الحكومة من إقصاء وتهميش وتمييز عنصري هي التي دفعت لإنشائها بهدف خلق سودان ديمقراطي موحد, والتنميــة والتعدديــة السياســية، الرفاهيــة لــكل أبنــاء الســودان، ودعــت الحركــة أبنــاء دارفــور مــن العــرب للانضمام اليهـا ضـد حكومـة الخرطـوم لتحقيـق تلـك الأهــداف(عبدالله، 2002، ص 75).

أما الحركة الثانية،فهي حركة العدل والمساواة تأسست عام 2003 في أعقاب تطورات ما بعد حركة تحرير السودان، وتولّى خليل إبراهيم، المنتمي إلى قبائل الزغاوة، قيادة جناحها السياسي، في حين قاد جناحها العسكري التيجاني سالم، وتمثّل الهدف الرئيس للحركة في الإطاحة بالنظام الحاكم في الخرطوم، الذي اعتبرته المسؤول الأساسي عن اختلالات توزيع الثروة والسلطة في السودان، ولا سيما تهميش إقليم دارفور وإقصائه عن المشاركة في المناصب والوظائف المؤثرة في الدولة ,وقد ورد في البيان التأسيسي للحركة جملة من الأهداف، من أبرزها: بسط الأمن وضمان وحدة البلاد، وتسخير إمكانات الدولة لتحقيق التنمية الاقتصادية والبشرية والاجتماعية، ومكافحة الفقر، وترسيخ سيادة القانون والعدل والمساواة، والقضاء على التمييز العنصري في منهج الحكم، فضلًا عن تعزيز دور المؤسسات العسكرية والأمنية ودعم المجتمع المدني(الأفندي، 2009، ص 56).

أمام هذا التحدي العسكري غير المسبوق الذي فرضته حركتا تحرير السودان والعدل والمساواة، وجدت الحكومة المركزية أن قواتها النظامية وحدها غير قادرة على احتواء التمرد والسيطرة على إقليم شاسع ومعقد مثل دارفور، هذا العجز دفعها إلى تبني استراتيجية مضادة، اعتمدت فيها على حلفاء محليين يعرفون الأرض جيداً (Wall & Flint, 2006, p. 69).

مما فتح الباب على مصراعيه أمام تفعيل وتسليح الميليشيات القبلية المعروفة باسم الجنجويد، لتكون رأس الحربة في العمليات العسكرية الحكومية(Wall & Flint, 2006, p. 33).

ثالثاً: دور الجنجويد في العمليات العسكري الحكومية

مع اندلاع التمرد المسلح في دارفور عام 2003، وجدت الحكومة السودانية نفسها في مواجهة تحدٍ أمني جديد يتطلب استجابة سريعة وحاسمة، وبدلاً من الاعتماد الكلي على القوات المسلحة النظامية، لجأت الخرطوم إلى استراتيجية قديمة ومعروفة في المنطقة، وهي الحرب بالوكالة، تمثلت هذه الاستراتيجية في تسليح وتعبئة ميليشيات قبلية محلية، عُرفت لاحقاً باسم الجنجويد، لتكون رأس الحربة في حملة مكافحة التمرد، لم تكن هذه الميليشيات مجرد جماعات خارجة عن القانون، بل كانت أداة منظمة تم تجنيدها وتسليحها وتوجيهها من قبل الدولة لتحقيق أهداف استراتيجية محددة(هيومن رايتس ووتش، 2004، ص 39)، أهمها سحق التمرد وتدمير قاعدته الاجتماعية ,إن حجر الزاوية في استراتيجية التجنيد الحكومية كان الاعتماد على القادة التقليديين، فالعديد من أبرز قادة الجنجويد لم يكونوا مجرد مقاتلين، بل كانوا أمراء وعُمد عشائر عربية، مما منحهم سلطة طبيعية على رجالهم، ومما زاد من نفوذهم أن الحكومة نفسها كانت قد عينت الكثير منهم في مناصب إدارية رسمية خلال إعادة التنظيم الإداري لدارفور في منتصف التسعينيات، هذه العلاقة المزدوجة (القبلية والإدارية) سهّلت على الدولة عملية التجنيد، حيث تحول القادة المحليون إلى حلقة وصل فعالة، يستدعون أبناء قبائلهم ويوجهونهم نحو حرب شاملة ضد المجموعات العرقية التي يُنظر إليها على أنها تدعم التمرد(هيومن رايتس ووتش، 2004، ص 39).

لم تكن عملية التجنيد تتم بشكل غير رسمي فقط، بل كانت في كثير من الأحيان تصدر عبر أوامر إدارية مباشرة من أعلى المستويات في الدولة، وخير دليل على ذلك، الوثيقة التي حصلت عليها منظمة هيومن رايتس ووتش، وهي عبارة عن رسالة رسمية مؤرخة في 22 نوفمبر 2003، صادرة مباشرة من مكتب والي ولاية جنوب دارفور، في هذه الرسالة، يأمر الوالي بشكل صريح مندوبي المحليات بـ تجنيد 300 فارس للخرطوم، تمثل هذه الوثيقة دليلاً مادياً قاطعاً على أن عملية حشد المقاتلين كانت سياسة حكومية منظمة وموجهة من قبل السلطات الإدارية العليا في الولاية ,لضمان تدفق المقاتلين، قدمت الحكومة حوافز مادية مباشرة وواضحة، ففي أغسطس 2003، انتشر إعلان مفاده أن كل رجل من القبائل العربية ينضم إلى القتال ومعه حصانه أو جمله سيحصل على بندقية وراتب شهري مجزٍ(هيومن رايتس ووتش، 2004، ص 39–40)، ولتنظيم هذه العملية، تم إنشاء مكاتب تجنيد خاصة في مناطق مثل حبيلة، وكانت هذه المكاتب ترفع العلم السوداني الرسمي، في إشارة لا لبس فيها إلى أن هذه العملية تتم تحت رعاية الدولة وإشرافها المباشر، وليست مجرد مبادرة أهلية(هيومن رايتس ووتش، 2004، ص 40).

إن الدليل الأبرز على أن الجنجويد كانوا أداة حكومية يكمن في طبيعة ونوعية الدعم العسكري واللوجستي الذي تلقوه، والذي تجاوز بكثير قدرات أي ميليشيا قبلية تقليدية ,يؤكد تقرير صادر عن هيئة خبراء الأمم المتحدة عام 2006 أن الحكومة السودانية كانت تنتهك حظر السلاح المفروض على دارفور بشكل مستمر، وذلك عبر نقل معدات وأسلحة ذات صلة إلى دارفور، مزوداً الجنجويد بالسلاح والذخيرة، هذا التأكيد من جهة دولية محايدة يقطع الشك باليقين، ويثبت أن تزويد الجنجويد بالسلاح لم يكن حادثاً عرضياً، بل كان سياسة حكومية مستمرة وموثقة(مسح الأسلحة الصغيرة، 2007، ص 1).

لم يقتصر الدعم على الأسلحة الفردية، بل امتد ليشمل الغطاء الجوي، وهو قدرة عسكرية تحتكرها الدولة، ففي ظل حقيقة أن حركات التمرد في دارفور لم تكن تمتلك أي طائرات، فإن القصف الجوي الذي كان يسبق هجمات الجنجويد البرية كان دليلاً دامغاً على التنسيق المباشر مع القوات المسلحة السودانية، وقد أفاد شهود عيان مراراً برؤية طائرات الأنتونوف والميغ والمروحيات الهجومية الحكومية في مطارات دارفور، مما يؤكد أن هذه الطائرات كانت تنطلق من قواعد عسكرية رسمية لتنفيذ مهام مشتركة مع الجنجويد(هيومن رايتس ووتش، 2004، ص 7).

تسليح الجنجويد لم يكن مجرد تزويدهم ببنادق، بل كان عملية تجهيز متكاملة، فبعد إخضاعهم للتدريب، كان كل مجند يحصل على بندقية هجومية من نوع AK ومخزن ذخيرة وزي القوات المسلحة السودانية (SAF) وهوية قوات الدفاع الشعبي (PDF)، هذا التجهيز الموحد، الذي يشمل الزي الرسمي والهوية الصادرة من الخرطوم، يمحو الخط الفاصل بين الجندي النظامي وعضو الميليشيا، ويؤكد أن الدولة كانت تتعامل معهم كجزء من قواتها غير النظامية(غراميزي & توبيانا، 2012، ص 26).

تجاوز الدعم الحكومي الأسلحة الخفيفة ليصل إلى الأسلحة الثقيلة والمركبات العسكرية، وهو ما يفسر القدرة التدميرية الهائلة للجنجويد, ففي منطقة الطويصة على سبيل المثال(غراميزي & توبيانا، 2012، ص 26).

تم تجهيز قوات الدفاع الشعبي (التي دُمج فيها الجنجويد) بـ عشرون مركبة لاند كروزر مثبت عليها رصاصات ثقيلة آلية «دوشكا» ومدافع مضادة للدروع غير ارتدادية من طراز ب-10، إن امتلاك الميليشيات لمثل هذه الأسلحة النوعية والمركبات العسكرية لا يمكن تفسيره إلا من خلال مصدر واحد: مخازن القوات المسلحة السودانية(غراميزي & توبيانا، 2012، ص 27).

كان الهدف الاستراتيجي الأساسي من استخدام الجنجويد هو تدمير القاعدة الاجتماعية والشعبية لحركات التمرد، فمنذ بداية الحملة العسكرية في أبريل 2003، اتبعت الحكومة استراتيجية واضحة تقوم على استهداف المدنيين من المجموعات العرقية عينها [التي ينتمي إليها المتمردون] على أنهم متمردون، وبهذا، لم تكن الحرب موجهة ضد المقاتلين فقط، بل كانت حرباً شاملة ضد مجتمعات بأكملها بهدف تجفيف منابع الدعم البشري واللوجستي للتمرد(هيومن رايتس ووتش، 2004، ص 7).

يندرج توظيف الجنجويد ضمن سياسة الحرب بالوكالة، وهي استراتيجية عريقة في المنطقة، تقوم هذه الاستراتيجية على قيام الدولة بتسليح وتوجيه ميليشيات محلية لتنفيذ المهام القتالية القذرة نيابة عن الجيش النظامي، هذا الأسلوب يمنح الدولة عدة مزايا، منها المرونة في العمليات، والقدرة على الوصول إلى مناطق وعرة، والأهم من ذلك، القدرة على التنصل من المسؤولية عن الانتهاكات وجرائم الحرب التي ترتكبها هذه القوات الوكيلة، عبر الادعاء بأنها مجرد صراعات قبلية خارجة عن سيطرة الدولة(مسح الأسلحة الصغيرة، 2007، ص 2).

مع تزايد الضغط الدولي وتوالي التقارير عن الفظائع المرتكبة، لم يعد بإمكان الحكومة الإنكار المطلق، ففي تصريح لافت في أبريل 2004، أقر وزير الخارجية السوداني آنذاك بأن الحكومة ربما تكون قد تغاضت بعض الشيء عن الميليشيات، لكنه سارع لتبرير ذلك بالقول إن هذه الميليشيات تستهدف المتمردين، هذا الاعتراف الرسمي، على الرغم من محاولته التقليل من حجم الدعم، إلا أنه يؤكد بشكل قاطع أن الحكومة كانت ترى في الجنجويد حليفاً وشريكاً في حربها ضد التمرد، وكانت على علم تام بأنشطتهم وتعتبرها جزءاً من مجهودها الحربي(هيومن رايتس ووتش، 2004، ص 38).

رابعاً: التكتيكات العسكرية والعمليات الميدانية

لم تكن هجمات الجنجويد مجرد غارات عشوائية، بل كانت في معظمها عمليات منسقة بشكل دقيق مع الجيش السوداني، يكشف تحليل الحوادث الموثقة عن نمط متكرر: تبدأ العملية بقصف جوي تمهيدي من طائرات القوات المسلحة السودانية، يليه مباشرة هجوم بري كاسح من قبل قوات الجنجويد، هذا التنسيق بين الجو والأرض يثبت أن الجنجويد لم يكونوا مجرد قطاع طرق (هيومن رايتس ووتش، 2004، ص 7–8، 15).

بل كانوا جزءاً لا يتجزأ من آلة الحرب الحكومية ,يمكن تفصيل هذا النمط الهجومي إلى ثلاث مراحل متتالية: المرحلة الأولى هي القصف التمهيدي الذي تنفذه القوات الجوية الحكومية باستخدام أسلحة ثقيلة لا يملكها الجنجويد، بهدف بث الرعب وتدمير البنية التحتية للقرية، المرحلة الثانية هي الاجتياح البري من قبل قوات الجنجويد الذين يصلون على ظهور الخيل والجمال وسيارات الدفع الرباعي، أما المرحلة الثالثة، فتتمثل في قيام القوات الحكومية بتوفير غطاء الانسحاب للجنجويد بعد إتمام مهمتهم التدميرية، مما يؤكد على التكامل العملياتي بين الطرفين, يقدم الهجوم على قرية سيلدي في 7 فبراير 2004 مثالاً نموذجياً على هذا التكتيك، حيث أفاد شهود عيان أن طائرتي أنتونوف حكوميتين قصفتا القرية أولاً، مما دفع النساء والأطفال إلى الفرار, وبعد القصف الجوي مباشرة، جاء الجنجويد والحكومة في هجوم بري مشترك لإكمال تدمير القرية وقتل من تبقى من سكانها، هذا التسلسل الدقيق للأحداث يوضح بجلاء أن الهجوم كان مخططاً له ومبنياً على تعاون وثيق بين القوات الجوية والبرية(هيومن رايتس ووتش، 2004، ص 7–8، 15).

على الرغم من أن القوات الحكومية كانت تشارك في الهجمات، إلا أن الجنجويد كانوا يشكلون القوة الضاربة الرئيسية على الأرض، كان عددهم يفوق عدد الجنود النظاميين في معظم الغارات، وكانوا يتمتعون بحرية حركة مطلقة، حيث لم تكن القوات الحكومية التي ترافقهم تكبح جماحهم أو تتدخل في انتهاكاتهم، كانوا، كما وصفهم أحد القادة المحليين، يأتون معاً، يقاتلون معاً، ويغادرون معاً، مما يدل على أنهم كانوا كياناً عملياتياً واحداً, كانت إحدى أهم المزايا التكتيكية للجنجويد هي معرفتهم العميقة بالأرض وقدرتهم على التحرك السريع في مجموعات صغيرة، مما مكنهم من شن هجمات خاطفة والانسحاب بسرعة، وهو أسلوب يتناسب تماماً مع تضاريس دارفور الواسعة، هذا الأسلوب، المقترن بالدافع القبلي للسيطرة على الموارد، جعل هجماتهم أكثر وحشية وفعالية من هجمات الجيش النظامي، الذي كان يجد صعوبة في التعامل مع تكتيكات حرب العصابات التي يتبعها المتمردون ,لم تكن الهجمات تستهدف مواقع المتمردين، بل أصبحت القرى المدنية هي الهدف الأساسي، ففي منطقة دار مساليت وحدها، وثقت هيومن رايتس ووتش مقتل أكثر من 770 مدنياً في 14 حادثة فقط بين سبتمبر 2003 وفبراير 2004، هذه الأرقام، ورغم كونها جزئية، تشير إلى نمط من القتل الجماعي الذي استهدف المدنيين بشكل مباشر، حيث كان المهاجمون يطلقون النار على كل من يجدونه في طريقهم، بما في ذلك النساء والأطفال وكبار السن ,إلى جانب القتل، كانت الهجمات تهدف إلى تدمير كافة مقومات الحياة لجعل عودة السكان مستحيلة، فقد تم حرق القرى بشكل منهجي، وتدمير مخازن الطعام ومصادر المياه،(هيومن رايتس ووتش، 2004، ص 7–8، 24، 37).

تمثل نهب المواشي الثروة الأساسية للمجتمعات الريفية ، إن سرقة المواشي لم تكن مجرد غنيمة حرب، بل كانت جزءاً لا يتجزأ من سياسة التهجير القسري، حيث كان يُنظر إليها على أنها مكافأة للجنجويد على خدماتهم في تعريب المنطقة(غراميزي & توبيانا، 2012، ص 33، 38)

لم يكن الدعم الحكومي للجنجويد والميليشيات المتحالفة معها مجرد دعم سياسي، بل كان دعماً مادياً ملموساً تمثل في تزويدهم بترسانة أسلحة متطورة ومتنوعة، حولتهم من مجرد مجموعات قبلية مسلحة بأسلحة خفيفة إلى قوة شبه عسكرية قادرة على خوض معارك واسعة النطاق, على الرغم من أن بنادق الكلاشنكوف (AKM) كانت السلاح الأساسي للمقاتلين على الأرض، إلا أن القوة التدميرية الحقيقية للهجمات كانت تأتي من الأسلحة الثقيلة التي لا يمكن الحصول عليها إلا من مخازن الجيش، فقد تم تجهيز الميليشيات بمجموعة متنوعة من الأسلحة شملت الرشاشات المتوسطة (PKM)، والرشاشات الثقيلة (دوشكا) عيار 12.7 ملم، والمدافع المضادة للطائرات عيار 14.5 ملم و 23 ملم التي كانت تُثبت عادة على مركبات لاند كروزر، بالإضافة إلى قاذفات الصواريخ (RPG-7) والبنادق عديمة الارتداد (B-10)، هذا التنوع في الأسلحة يوضح أن الدعم الحكومي كان يهدف إلى بناء قوة نارية هائلة قادرة على سحق أي مقاومة(غراميزي & توبيانا، 2012، ص 33، 38).

كان الدعم الجوي عنصراً حاسماً في استراتيجية الحكومة، حيث تم استخدام أسطول متنوع من الطائرات لتنفيذ الهجمات، شملت هذه الترسانة الجوية طائرات النقل أنتونوف (An-24 و An-26) التي تم تعديلها لإلقاء قنابل برميلية بدائية وشديدة التدمير، بالإضافة إلى طائرات هجوم أرضي متطورة من طراز سوخوي-25 (Su-25)، والمروحيات الهجومية مي-24 (Mi-24)، إن استخدام هذا المزيج من الطائرات، الذي يجمع بين تقنيات القصف البسيطة والهجمات الصاروخية الموجهة، يظهر أن القوات المسلحة السودانية كانت تستخدم كل ما في جعبتها لدعم العمليات البرية ,لم يقتصر الدعم على الأسلحة والطائرات، بل شمل أيضاً المركبات المدرعة التي أعطت القوات الحكومية والميليشيات المتحالفة معها تفوقاً حاسماً في المعارك البرية، ففي الهجمات التي شُنت في شرق دارفور مطلع عام 2011، تم رصد استخدام دبابات من طراز BTR-80A، وهي ناقلات جند مدرعة مزودة بمدفع قوي عيار 30 ملم, إن إدخال هذه المركبات المدرعة في القتال يمثل تصعيداً خطيراً، ويؤكد أن الحكومة كانت تنقل أحدث معداتها العسكرية إلى دارفور لدعم حلفائها المحليين, إن الملاحظة الأكثر دلالة هي سرعة وصول الأسلحة والذخائر الحديثة إلى ميدان المعركة(غراميزي & توبيانا، 2012، ص 39–40).

فقد وثقت التقارير الدولية وجود ذخيرة في دارفور لا يزيد تاريخ تصنيعها عن 12 شهراً، معظمها صيني الصنع ,هذا التسليم في الوقت المناسب يثبت وجود سلسلة إمداد لوجستي فعالة وسريعة بين الحكومة السودانية ومورديها الدوليين من جهة، وبين مخازن الجيش في الخرطوم وجبهات القتال في دارفور من جهة أخرى، مما يضمن استمرار تدفق القوة النارية اللازمة للعمليات العسكرية(غراميزي، 2012، ص 39–40).

خامساً: محاولات دمج الجنجويد في تشكيلات شبه رسمية:

في مواجهة الإدانة الدولية، سعت الحكومة إلى احتواء الجنجويد وإضفاء الشرعية على عملياتهم عبر دمجهم في كيانات شبه رسمية، حيث تم استيعاب أعداد كبيرة من الميليشيات القبلية، التي كانت تشكل نواة الجنجويد، ضمن قوات الدفاع الشعبي (PDF) ودوريات حرس الحدود، هذا الدمج وفر غطاءً قانونياً لعملياتهم، وسمح للحكومة بالادعاء بأنها تسيطر على هذه القوات، بينما استمرت في الواقع بتنفيذ نفس المهام التدميرية(هيومن رايتس ووتش، 2004، ص 18).

على الرغم من هذا الدمج الاسمي، ظلت هذه القوات تعمل بشكل مستقل إلى حد كبير، محتفظة بولاءاتها القبلية وقياداتها الخاصة، لقد كانت هذه الوحدات بمثابة كيانات موازية داخل المؤسسة العسكرية، تتلقى السلاح والرواتب من الدولة، لكنها لا تخضع بشكل كامل لسلسلة القيادة والسيطرة العسكرية التقليدية، مما سمح لها بالاستمرار في ارتكاب الانتهاكات بحصانة شبه كاملة ,مع تردد بعض الجماعات العربية في مواصلة القتال نيابة عن الحكومة، ومع تغير ديناميكيات الصراع، اتجهت الحكومة إلى استراتيجية جديدة تمثلت في الاعتماد على قادة جدد وتشكيل ميليشيات أكثر تنظيماً، هذا التوجه بلغ ذروته في عام 2013 مع التأسيس الرسمي لـ قوات الدعم السريع (RSF)، التي تم تشكيلها من فصائل الجنجويد الأكثر ولاءً وفعالية تحت القيادة الصاعدة لمحمد حمدان دقلو حميدتي(غراميزي & توبيانا، 2012، ص 11).

كانت المهام الموكلة لهذه القوة الجديدة تتجاوز حدود دارفور، حيث تم إرسالها للقتال في مناطق نزاع أخرى مثل جنوب كردفان والنيل الأزرق، والأهم من ذلك، أن تبعيتها لم تكن للقيادة العامة للجيش، بل كانت تتبع مباشرة لجهاز الأمن والمخابرات الوطني، ثم للرئاسة، مما منحها استقلالية هائلة وميزانية خاصة، وحولها من مجرد ميليشيا محلية إلى قوة أمنية موازية ذات طموحات وطنية, لم تكن المكافآت التي تحصل عليها الميليشيات تقتصر على الرواتب والأسلحة، بل شملت السيطرة على الموارد الاقتصادية في المناطق التي تهجر سكانها، فقد تحولت عمليات نهب المواشي إلى تجارة منظمة على نطاق واسع، حيث كانت الماشية المسروقة تُجمع في نقاط محددة ثم تُنقل إلى مذابح الحكومة لتُصدر إلى الخارج(هيومن رايتس ووتش، 2004، ص 26).

مما كان يدر أموالاً طائلة على قادة الميليشيات والدولة على حد سواء, هذه السيطرة على الموارد الاقتصادية، التي توسعت لاحقاً لتشمل مناجم الذهب وغيرها من الأنشطة التجارية، كانت العامل الحاسم الذي حول هذه الميليشيات من مجرد أداة عسكرية مؤقتة إلى إمبراطورية اقتصادية قوية، هذا النفوذ المالي سمح لها بتعزيز قدراتها العسكرية وتوسيع شبكاتها وتجنيد المزيد من المقاتلين، مما جعلها قوة لا يمكن للدولة نفسها السيطرة عليها بسهولة في السنوات اللاحقة(هيومن رايتس ووتش، 2004، ص 26).

الخاتمة:

يتضح من خلال هذا البحث أن ميليشيات الجنجويد لم تكن مجرد ظاهرة أمنية طارئة، بل جاءت نتيجة تراكمات تاريخية واجتماعية وسياسية معقدة في إقليم دارفور، فقد أسهمت عوامل التهميش، والتدهور البيئي، والتنافس على الموارد، إلى جانب سياسات التسلح، في خلق بيئة مناسبة لظهور هذه المجموعات.

كما أظهر البحث أن توظيف الجنجويد ضمن الاستراتيجية العسكرية للحكومة مثّل تحولًا نوعيًا في طبيعة الصراع، حيث أدى إلى تصعيد مستوى العنف واتساع نطاقه، وتحويله إلى أزمة إنسانية واسعة.

ولم تقتصر آثار هذه الظاهرة على فترة النزاع، بل امتدت من خلال محاولات دمج هذه الميليشيات في مؤسسات رسمية، مما ساهم في إعادة إنتاجها بأشكال جديدة، وهو ما يعكس تعقيد العلاقة بين الدولة والفاعلين المسلحين غير النظاميين.

وعليه، فإن فهم ظاهرة الجنجويد يقتضي النظر إليها في إطارها البنيوي الشامل، باعتبارها نتاجًا لتفاعل عوامل متعددة، وليس مجرد أداة عسكرية مؤقتة، وهو ما يبرز أهمية معالجة جذور الأزمة لضمان استقرار الإقليم مستقبلًا.

المصادر

أولاً: المصادر العربية

الأفندي، عبد الوهاب. (2009). أزمة دارفور: نظرة في الجذور والحلول الممكنة (ط. 1). أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.

Al-Afendi, A. W. (2009). The Darfur crisis: An examination of its roots and possible solutions (1st ed.). Abu Dhabi: Emirates Center for Strategic Studies and Research.

الأهرام. (2004، 4 أغسطس). أزمة دارفور. تم الاسترجاع من

http://www.ahram.org.eg/Archive/2004/8/4/FILE2.HTM

Al-Ahram. (2004, August 4). The Darfur crisis. Retrieved from http://www.ahram.org.eg/Archive/2004/8/4/FILE2.HTM

أحمد، بيداء شهاب. (2025). أزمة دارفور وموقف الولايات المتحدة الأمريكية منها (2001–2005). مجلة الدراسات التربوية والعلمية، 9(25).

Ahmed, B. S. (2025). The Darfur crisis and the position of the United States of America toward it (2001–2005). Journal of Educational and Scientific Studies, 9(25).

إبراهيم آل يوسف، نوال موسى. (2009). الطبيعة السياسية والاجتماعية للمليشيات في العالم العربي: الجنجويد والبيشمركة كحالتين للدراسة [رسالة ماجستير]. كوبنهاغن، الدنمارك.

Ibrahim Al-Yousef, N. M. (2009). The political and social nature of militias in the Arab world: The Janjaweed and the Peshmerga as case studies [Master’s thesis]. Copenhagen, Denmark.

الشلبي، عيسى أحمد. (2009). التداعيات الدولية لأزمة دارفور السودانية 2003–2008م [رسالة ماجستير]. جامعة مؤتة، الأردن.

Al-Shalabi, I. A. (2009). The international repercussions of the Sudanese Darfur crisis, 2003–2008 [Master’s thesis]. Mutah University, Jordan.

عبد الله، عبد الرحمن. (2002). السودان: الوحدة أم التمزق (الفاتح التجاني، مترجم). بيروت: شركة رياض الريس للكتب والنشر.

Abdullah, A. R. (2002). Sudan: Unity or fragmentation (Al-Fatih Al-Tijani, Trans.). Beirut: Riad El-Rayyes Books and Publishing.

عبد الله، ذاكر محي الدين. (2007، 1 أبريل). الجماعات المسلحة والسياسية في دارفور: دراسة في الخلفية التاريخية ومنطلقاتها الفكرية. مجلة آداب الرافدين، (60).

Abdullah, D. M. A. (2007, April 1). Armed and political groups in Darfur: A study of their historical background and ideological foundations. Adab Al-Rafidain Journal, (60).

عبد القوي، سامي صبري. (2007). مصر وأزمة دارفور بين الوساطة والحياد. مجلة السياسة الدولية، (168).

Abdel-Qawi, S. S. (2007). Egypt and the Darfur crisis between mediation and neutrality. International Politics Journal, (168).

عثمان، عبد النعيم ضيفي. (2008). دارفور: التاريخ والصراع والمستقبل (ط. 1). القاهرة: دار الرشاد.

Othman, A. A. D. (2008). Darfur: History, conflict, and the future (1st ed.). Cairo: Dar Al-Rashad.

مجموعة الأزمات الدولية. (2004، 25 مارس). ثورة دارفور: أزمة السودان الجديدة (تقرير أفريقيا رقم 76). نيروبي/بروكسل: مجموعة الأزمات الدولية.

International Crisis Group. (2004, March 25). Darfur rising: Sudan’s new crisis (Africa Report No. 76). Nairobi/Brussels: International Crisis Group.

مسح الأسلحة الصغيرة. (2007، أبريل). تقرير السودان: التقييم الأساسي للأمن الإنساني – عسكرة السودان (العدد 6). جنيف: مسح الأسلحة الصغيرة.

Small Arms Survey. (2007, April). Sudan Issue Brief: Human Security Baseline Assessment – The militarization of Sudan (No. 6). Geneva: Small Arms Survey.

موسى، عبده مختار. (2009). دارفور: من أزمة دولة إلى صراع القوى العظمى (ط. 1). الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات؛ بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون.

Musa, A. M. (2009). Darfur: From a state crisis to a great-power conflict (1st ed.). Doha: Al Jazeera Centre for Studies; Beirut: Arab Scientific Publishers.

هيومن رايتس ووتش. (2004، مايو). دارفور المدمَّرة: تطهير عرقي ترتكبه الحكومة وقوات الميليشيا في غرب السودان، 16(6A).

Human Rights Watch. (2004, May). Darfur destroyed: Ethnic cleansing by government and militia forces in Western Sudan, 16(6A).

 

ثانيا: المصادر الأجنبية

Gramizzi, C., & Tubiana, J. (2012). Darfur enigma: Old players and new. Geneva: Small Arms Survey.

Human Rights Watch. (2004, May). Darfur destroyed: Ethnic cleansing by government and militia forces in Western Sudan, 16(6A).

International Commission of Inquiry on Darfur. (2005, January 25). Report to the United Nations Secretary-General on Darfur.

Wall, A., & Flint, J. (2006). Darfur: A new history of a long war. London: Zed Books.