الاسباب الداخلية لاندلاع الازمة في دارفور 2003
حسن عبدالرحمن إسماعيل1، أ.د محمد داخل كريم السعدي1
1 جامعة الحمدانية - كلية التربية للعلوم الإنسانية - قسم التاريخ، العراق.
The Internal Causes of the Outbreak of the Darfur Crisis in 2003
Hassan Abdelrahman Ismail¹, Prof. Dr. Mohammed Dakhil Karim Al-Saadi¹
¹ University of Al-Hamdaniya, College of Education for Humanities, Department of History, Iraq.
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj75/52
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/75/52
المجلد (7) العدد (5). الصفحات: 913 - 934
تاريخ الاستقبال: 2026-04-15 | تاريخ القبول: 2026-04-22 | تاريخ النشر: 2026-05-01
المستخلص: تهدف هذه الدراسة الى تحليل العوامل الرئيسة التي ادت الى اندلاع أزمة دارفور في عام 2003، من خلال الاطلاع على الأبعاد الطبيعية والمناخية، والاجتماعية، والإدارية والسياسية، والاقتصادية، كونها عوامل متداخلة شكّلت قاعدة اساسية لاندلاع الصراع، فمن خلال العوامل الطبيعية والمناخية، شهد اقليم دارفور تدهورا بيئيا ملحوظا بسبب موجات التصحر ثم الجفاف وتذبذب معدلات الأمطار، الذي أدى إلى انحسار الموارد الطبيعية، خصوصا المياه والمراعي والأراضي الزراعية، وعمل على تصاعد التنافس بين السكان المحليين ، أما من الناحية الاجتماعية، فأدت النعرات القبلية للشعب الدارفوري وزيادة الاحتكاك بين القبائل المستقرة والرحل، إضافة الى ضعف آليات التسوية التقليدية، إلى تعميق فجوة الانقسامات وزيادة حدة الصراعات القبيلة، وفيما يتعلق بالعوامل الإدارية والسياسية، ساهم ضعف المؤسسات الحكومية وغياب الادارة الفاعلة، فضلا عن تهميش حكومة المركز للإقليم، في تأجيج الشعور بعدم المساواة والإقصاء الثقافي والعرقي، وعلى المستوى الاقتصادي، عانى الإقليم من غياب معايير التنمية واهمال البنى التحتية والاستثمارات، الذي أدى بدوره إلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وزيادة الضغط على موارد الاقليم المحدودة، وبذلك، يتضح أن أزمة دارفور جاءت نتيجة تفاعل معقد بين هذه الاسباب مجتمعة، وليس بفعل سبب منفرد، وانتهت هذه الاسباب الى اندلاع الازمة بإقليم دارفور السوادني في عام 2003 والذي دفع الاوضاع في الاقليم بالدخول بأزمة وحرب اهلية ما زالت اثارها مستمرة حتى يومنا هذا.
الكلمات المفتاحية: الامطار، الحواكير، التهميش، الاقصاء الثقافي، الصراعات القبلية، النهب المسلح.
Abstract: This study aims to analyze the main factors that led to the outbreak of the Darfur Crisis in 2003 by examining the natural and climatic, social, administrative and political, as well as economic dimensions, as these interconnected factors constituted the fundamental basis for the eruption of the conflict. With regard to the natural and climatic factors, the Darfur region witnessed significant environmental deterioration as a result of waves of desertification, drought, and fluctuating rainfall patterns, which led to the depletion of natural resources, particularly water, pastures, and agricultural land, thereby intensifying competition among the local population. From a social perspective, tribal tensions among the people of Darfur, increased friction between settled tribes and nomadic groups, in addition to the weakness of traditional conflict-resolution mechanisms, contributed to widening divisions and escalating tribal conflicts. Concerning the administrative and political factors, weak governmental institutions, the absence of effective administration, and the marginalization of the region by the central government all fueled feelings of inequality and cultural and ethnic exclusion. At the economic level, the region suffered from the absence of development standards and the neglect of infrastructure and investments, which in turn resulted in rising rates of poverty and unemployment, while increasing pressure on the region’s limited resources. Accordingly, it becomes evident that the Darfur Crisis was the outcome of a complex interaction among these combined causes rather than the result of a single factor. These conditions ultimately led to the outbreak of the crisis in the Sudanese region of Darfur in 2003, pushing the region into a crisis and civil war whose consequences continue to this day.
Keywords: Rainfall, Hawakir, Marginalization, Cultural Exclusion, Tribal Conflicts, Armed Robbery.
المقدمة
تُعدّ أزمة دارفور التي اندلعت عام (2003م) من أبرز الأزمات الداخلية التي شهدها السودان في تاريخه المعاصر، لما ترتب عليها من تداعيات سياسية وأمنية وإنسانية واجتماعية امتدت آثارها إلى داخل السودان وخارجه، ولم تكن هذه الأزمة وليدة حدث مفاجئ أو سبب منفرد، بل جاءت نتيجة تراكمات تاريخية وبنيوية تعمقت عبر عقود طويلة، وتداخلت فيها عوامل طبيعية ومناخية، وأخرى اجتماعية وقبلية، فضلا عن أسباب إدارية وسياسية واقتصادية أسهمت مجتمعة في تفجير الصراع، فقد عانى إقليم دارفور من موجات متكررة من الجفاف والتصحر وتذبذب الأمطار، الأمر الذي أدى إلى تناقص الموارد الطبيعية وتصاعد التنافس عليها بين المزارعين والرعاة، كما ساعدت النزاعات القبلية والانقسامات الاجتماعية والتمييز الثقافي على زيادة حدة التوترات الداخلية، في وقتٍ اتسمت فيه سياسات الدولة المركزية بالتهميش وضعف التنمية وغياب الإدارة الفاعلة، مما ولّد شعورا واسعا بالحرمان والإقصاء لدى سكان الإقليم.
وانطلاقا من ذلك، فإن دراسة الأسباب الداخلية لاندلاع أزمة دارفور تمثل مدخلا مهما لفهم طبيعة الصراعات المركبة في السودان، والكشف عن جذور الأزمة الحقيقية بعيدا عن التفسيرات الاختزالية التي تحصرها في بعدٍ واحد، إذ إن فهم هذه العوامل يساعد في تفسير كيفية تحول التوترات المحلية إلى نزاع مسلح واسع النطاق عام (2003م).
مشكلة الدراسة
تتمثل مشكلة الدراسة في محاولة تفسير الكيفية التي أسهمت بها العوامل الداخلية المتراكمة في إقليم دارفور في الوصول إلى مرحلة الانفجار المسلح عام (2003م)، ولا سيما أن الإقليم كان يعاني منذ عقود من اختلالات بيئية، ونزاعات اجتماعية، وتهميش سياسي، وتدهور اقتصادي، إلا أن هذه العوامل لم تُدرس دائما بوصفها منظومة مترابطة قادت إلى الأزمة، ومن هذه الإشكالية تنطلق المشكلة الرئيسة للدراسة وتتمثل بالتالي:
ما الأسباب الداخلية التي أدت إلى اندلاع أزمة دارفور عام (2003م)؟
وتنتج عن هذه المشكلة التساؤلات الاتية:
- ما أثر العوامل الطبيعية والمناخية، ولا سيما الجفاف والتصحر، في تفاقم التنافس على الموارد داخل الإقليم؟
- كيف أسهمت النزاعات القبلية والانقسامات الاجتماعية في تأجيج الصراع الداخلي؟
- ما دور سياسات التهميش الإداري والسياسي للحكومات المركزية في اندلاع الأزمة؟
- كيف أثّر التدهور الاقتصادي وضعف التنمية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة في تصاعد التوترات؟
- إلى أي مدى أدى تفاعل هذه الأسباب مجتمعة إلى تحول الأزمة إلى نزاع مسلح واسع عام (2003م)؟
أهمية الدراسة
تنبع أهمية الدراسة من كونها تتناول أزمة تُعدّ من أكثر الأزمات تعقيدا في القارة الأفريقية، كما تسهم في إبراز الجذور الداخلية للصراع في دارفور بعيدا عن التفسيرات الخارجية وحدها، وتكتسب الدراسة أهميتها كذلك من خلال توضيح أثر التهميش السياسي وسوء توزيع الموارد وضعف التنمية في إنتاج النزاعات الداخلية، كما تساعد نتائجها في تقديم فهم أعمق لطبيعة الأزمات المشابهة في المجتمعات متعددة الأعراق والقبائل، وتفيد الباحثين وصنّاع القرار في بناء معالجات أكثر واقعية واستدامة.
فرضية الدراسة
تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن أزمة دارفور عام (2003م) لم تكن نتيجة سبب منفرد، وإنما جاءت حصيلة تفاعل مجموعة من الأسباب الداخلية المتراكمة، تمثلت في التدهور البيئي والمناخي، وتصاعد النزاعات القبلية، واستمرار التهميش السياسي والإداري، وضعف التنمية الاقتصادية، الأمر الذي أدى إلى خلق بيئة قابلة للانفجار وتحول التوترات المحلية إلى صراع مسلح واسع النطاق.
اولا: العوامل الطبيعية والمناخية
ترتبط العوامل الطبيعية وخاصة المتجددة منها كالماء والارض الخصبة ارتباطا وثيقا بالقضايا البنيوية ذات العلاقة المباشرة بنظم العيش ، وتنشأ الصراعات من اجلها على نحو مباشر خاصة في البيئات الجافة ، وتوثر بالترتيب الاقتصادي والاجتماعي للسكان لكونها تحد من نوعية العمل وامكانية العيش(البالاتي، 2015، ص 64–65)،وكانت الاسباب البيئية والمناخية من اول واهم الاسباب التي ادت الى تنقلات وتحولات قبيلة انتهت بولادة صراعات واصطدامات ولدت في نفوس الدارفوريين الرغبة الدائمة في تغيير انماط حياتهم التي اعتادوا على معيشتها واشتملت على :
1. الجفاف والتصحر
تعرض اقليم دارفور لموجات قوية من الجفاف ويُعرَّف الجفاف بأنه فترة من الطقس الجاف غير الاعتيادي تمتد لزمن طويل نسبيا، ويؤدي إلى حدوث اختلال في التوازن الهيدرولوجي، الأمر الذي ينعكس سلبا على الموارد المائية والإنتاج الزراعي، مسببا تلف المحاصيل أو نقصا حادا في كميات المياه المتاحة، وتتحدد شدة الجفاف تبعا لدرجة انخفاض الرطوبة، وطول مدته، واتساع رقعة المناطق المتأثرة به(تاريوك وآخرون، د.ت، ص 470)، بالاضافة الى التصحر ويُقصد به تدهور القدرة الإنتاجية للأراضي نتيجة اختلال التوازن الطبيعي بين عناصر المناخ والتربة والغطاء النباتي، وما يصاحب ذلك من فقدان التربة لخصوبتها وتراجع مكوناتها الحيوية، بفعل التغيرات التي تطرأ على خصائصها الطبيعية والظروف البيئية المحيطة بها(أحمد، 2009، ص 278)، المتعاقبة ما نتج عنه اثار كبيرة على البيئة، وبما ان معظم اهالي دارفور يمتهنون الرعي ، فقد دفعتهم هذه الاوضاع البيئية المتردية الى الترحال بعيدا عن مناطق استقرارهم، نحو مناطق جديدة بحثا عن الماء والكلاء، مما نتج عنه تجاوزات على بعض حدود القبائل الاخرى، فعملت العديد من القبائل الافريقية بالدفاع عن ارضها الخضراء من الوافدين اليها(الحسيني، 2004، ص 10).
وقد رصدت الدراسات العلمية وقوع ثلاث موجات جفاف طويلة الأمد، بدأت أولها في ستينيات القرن الماضي، تلتها موجة ثانية في سبعينياته، ثم ثالثة خلال ثمانينياته، اذ اتسمت الموجتان الأخيرتان بحدة أشد مقارنة بالموجة الأولى، وتشير هذه الدراسات إلى أن حالة الجفاف المطوّل استمرت منذ عام 1967م، مع استثناء فترات قصيرة ومتقطعة، في حين كانت موجة الجفاف التي شهدها منتصف الستينيات أقل تأثيرا وحدّة مقارنة بالمراحل اللاحقة التي عرفتها المنطقة(بو عزيز، 2012، ص 40).
اذ كانت تلك الموجات من الجفاف والتصحر خطيرة جدا في هذه الفترات خصوصا في السبعينيات والثمانينيات ، وادت الى معارك وصراعات كثيرة وطويلة دارت رحاها حول المواد النادرة والشحيحة بين المزارعين ورعاة الماشية الرحل(Sievers et al., 2010, p. 176).
وقد شكّلت هذه الموجات تحديا كبيرا خلال الأعوام اللاحقة، ولا سيما في سنوات 1972م و1974م و1982م و1984م، إذ اتسمت بحدّة جفاف شديدة، وكان أشدّها وأقساها تأثيرا تلك التي وقعت في منتصف ثمانينيات القرن الماضي(بو عزيز، 2012، ص 40).
2. الامطار
شهد إقليم دارفور انخفاضا ملحوظا في معدلات هطول الأمطار، ولا سيما خلال الأعوام 1981م و1983م و1989م، وهو ما انعكس سلبا على مستويات الإنتاج الزراعي، في المقابل، تُظهر السنوات ذات المعدلات المطرية المرتفعة تحسنا واضحا في حجم الإنتاج، كما هو الحال في أعوام 1987م و1992م و1998م و1999م و2000م، ويبرز من ذلك الدور المحوري لتذبذب كميات الأمطار في التأثير المباشر على الإنتاج الزراعي واستقراره في الإقليم(إبراهيم ويعقوب، 2013، ص 300).
وقد اسهمت التغيرات البيئية المذكورة في بروز مشاحنات متزايدة بين الرعاة والمزارعين التقليديين الذين يعتمدون اعتمادا شبه كلي على الهطول السنوي للأمطار، إذ تُظهر المعطيات وجود علاقة تبادلية وثيقة بين معدلات سقوط الأمطار وتصاعد حدة النزاعات، ولا سيما في شمال دارفور، حيث يؤدي تراجع الأمطار إلى تفاقم التنافس على الموارد الطبيعية وازدياد احتمالات الصدام بين المجموعات المحلية(بو عزيز، 2012، ص 40).
ونتيجة لتراجع معدلات الأمطار، اضطر الرعاة إلى التوجه جنوبا نحو المناطق الزراعية، في الوقت الذي لجأ فيه المزارعون إلى تقليص المساحات المزروعة بسبب شحّ الأمطار، وقد أدى هذا التداخل المكاني بين مسارات الرعي والأراضي الزراعية المحدودة إلى وقوع تجاوزات على الحيازات الزراعية الضيقة، الأمر الذي أسهم في نشوء خلافات حادة وصدامات متكررة بين الطرفين(حقار، 2003، ص 300).
يضاف الى ذلك اعتماد سكان الإقليم في المقام الأول على المياه المخزنة في الحفائر والخزانات الصغيرة لتغطية احتياجاتهم خلال فترات ندرة الأمطار والجفاف، خاصة في شمال الإقليم، واعتماد البعض الاخر على الآبار رغم قلتها ومحدودية مياهها، نتيجة لغياب الاهتمام من قبل الحكومات المتعاقبة بحفر الآبار أو إنشاء خزانات مائية كافية، وأدى هذا الإهمال إلى استمرار حالة التهميش في مناطق واسعة من دارفور، مما زاد من هشاشة المجتمعات المحلية وأثر سلبا على استقرارها البيئي والاجتماعي(بابكر، 2011، ص 25–26).
وعند ربط أثر الجفاف والتصحر بطبيعة الصراع القبلي في إقليم دارفور يتبين لنا أن الاقليم شهد اكثر من 62 صراعا خلال الفترة الممتدة من عام 1932م إلى عام 2021م قاد اغلبها القبائل الرعوية الرحل من زغاوة وزريقات، مما يؤكد على الدور المحوري لنمط البداوة والترحال والبحث عن المياه والمراعي في تعميق الاحتكاك القبلي وتفاقم النزاعات المرتبطة بالموارد الطبيعية(دوزي، 2023، ص 356).
و من المرجح أن يكون النزاع في دارفور قد تأثر بالآثار التي خلّفها تغيّر المناخ على المنطقة، وعلى الرغم من الجدل القائم حول ما إذا كان الجفاف ناتجا بالكامل عن تغيّر المناخ او من الاهمال وقلة الخدمات الحكومية ، فإن المؤكد أن هذا الجفاف قد تفاقم بفعل تغيّر المناخ، وقد أدّى تغيّر أنماط الطقس في السنوات التي سبقت موجات الجفاف إلى تزايد حالة انعدام الأمن في الإقليم، نتيجة نقص الموارد المائية وتراجع الإنتاج الزراعي والحيواني، وهي أوضاع زاد الجفاف من حدّتها(إبراهيم، 2024، ص 263).
3. البعد الجغرافي عن المركز
أسهم الموقع الجغرافي لإقليم دارفور في أقصى غرب السودان في تعميق عزلته المكانية، وأصبح عاملا من العوامل المفسِّرة لتفاقم الأزمة، ولا سيما في ظل صعوبة الوصول إليه وضعف ارتباطه بالمركز، ويعود ذلك إلى افتقار الإقليم لشبكة طرق حديثة فاعلة تشكّل حلقة وصل بينه وبين وسط البلاد، فضلا عن محدودية وسائل المواصلات السهلة والسريعة ، كما عانى الإقليم من ضعف شديد في البنية التحتية للاتصالات، سواء من حيث قلة خطوط الهاتف والتلغراف، أو محدودية الربط مع العاصمة وبقية الأقاليم، ناهيك عن العالم الخارجي، وقد أسهم هذا الواقع في حصر الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية داخل نطاق الإقليم لفترات طويلة، إلى أن بلغت حالة الانسداد والتأزم المستوى الذي وصلت إليه في المراحل اللاحقة(حمد، 2017، ص 70).
ثانيا: الاسباب الاجتماعية (النزاعات القبلية): هي حرب تنشب بين قبيلتين او اكثر ، وتستمر للعدين من السنوات ، غالبا ما تحل بالصلح والتراضي ودائما ما تكون الاراضي هي سببا في نشوبها(البديري، 2009، ص 203)
1. ظاهرة الصراعات القبلية
تضرر اقليم دارفور بسبب الصراعات المتعددة التي بدأت منذ عهد المماليك، وتزايدت حدّتها بعد دخول القبائل العربية التي اتخذت الزراعة حرفة رئيسية لها، مما أدى إلى ظهور نوعين رئيسيين من الأنشطة الاقتصادية هما الرعي والزراعة، وقد أسهم ذلك في نشوء أشكال مختلفة من الصراع في دارفور ومن اهم الاسباب الصراع في دارفور
- الصراع حول الموارد
- الصراع حول السلطة
- الصراع السياسي
- الصراع المسلح (البدوي، 2012، ص 35).
ويعد الصراع القبلي ظاهرة قديمة تعود جذوره الى بداية تشكيل الممالك المستقلة في الاقليم ، وجميع الصراعات التي كانت تجري في الاقليم كانت تحل بواسطة الشيوخ والمتنفذين من الادارة الاهلية ، ولكن بعد تولي حكومة جعفر نميري عمد الى حل الادارة الاهلية واستبدلها بلجان الاتحاد الاشتراكي التي لم تتناسب مع التعددية القبلية للمجتمع الدارفوري(مؤنس، 2015، ص 242).
الا ان الصراع الحقيقي قد بدأ عام 1983م بين الرعاة والمزارعين نتيجة لموجات الجفاف والزحف الصحراوي، التي ظهرت آثارها المباشرة على بيئة الإقليم وعلى النشاطين الزراعي والرعوي، وقد أسهم تفاقم هذه الموجات في اختلال التوازن الطبيعي للجغرافية المناخية للمنطقة، مع قلة الأمطار وارتفاع درجات الحرارة وتسارع الزحف الصحراوي، الأمر الذي أدى إلى استنزاف الموارد الطبيعية وفقدان المزارعين لأراضيهم، والرعاة لمواشيهم، مما جعل التنافس حول الموارد الشحيحة والأراضي الصالحة للزراعة يتخذ طابعا متزايدا(محمد، 2015، ص 59–60).
ومن اهم سمات الصراعات التي كانت تحدث قبل تلك الفترة خصوصا فترة الجفاف الاعنف، بين 1983 _1988 انها صراعات محلية كانت اسباب نشوبها مقتصرة على، المراعي ،والمياه والقبيلة ،كونها مرتبطة بمصالح القبيلة بصورة مباشرة ، الا ان الصراعات القبلية التي شهدها الإقليم خلال الفترة من 1989 إلى 2001 اتسمت بأهميتها، وذلك نتيجة قيام تحالف عربي في مواجهة قبيلة الفور، حيث اتخذت هذه المرحلة منذ عام 1987 طابع الاستقطاب العرقي، وأثبتت أنها أكثر عنفا وضراوة من النزاعات السابقة، وقد شاركت في هذه الصراعات نحو 27 قبيلة عربية ضمن تحالف عُرف باسم (التحالف العربي) يُعرَّف التحالف العربي او التجمع العربي بأنه كيان سياسي سري أُنشئ في مطلع ثمانينيات القرن العشرين، في الفترة التي كان يتولى فيها أحمد إبراهيم دريج – المنتمي إلى قبيلة الفور – منصب حاكم إقليم دارفور، وقد هدف هذا الكيان إلى بسط السيطرة على أراضي دارفور كافة، والعمل على إقصاء القبائل غير العربية من الإقليم، وأسفر عن قيام التجمع العربي ظهور تنظيم سري آخر عُرف بـ تنظيم قريش، الذي سعى إلى تجميع القبائل العربية في دارفور وكردفان ضمن برنامج منظم يهدف إلى حكم السودان، ومنافسة قبائل الشمال التي انفردت بالسلطة منذ الاستقلال، وذلك في ظل مواجهة مع التجمع العربي الذي حظي بدعم من السلطات الرسمية في الخرطوم خلال فترة حكومة الصادق المهدي(فرحات، 2015، ص 403)، واستمر النزاع بين هذا التحالف وقبيلة الفور خلال المدة من 1987 إلى 1989، قبل أن يتوقف مؤقتا، على الرغم من تعدد مؤتمرات الصلح والمصالحة التي عُقدت آنذاك بهدف احتواء الصراع وإخماده، اهمها مؤتمر الصلح الذي عقد بين القبائل في 9 تموز 1989 في مدينة الفاشر(إبراهيم، 2013، ص 67–68).
وتتطور الصراع بين الفترة 1987_1989 على شكل حرب اهلية بسبب تدخل الحكومة فيه الا ان الصراعات القبيلة في الاقليم بعد عام 1989 اخذت مسارات جديدة لارتباطها بتحالفات وعمل سياسي منظم وهو ما ادى الى تطور خطير في طبيعة هذا الصراع لاحقا ،وفي عام 1990م قام الرعاة العرب بمنح سكان قرى الفور مهلة يوم واحد لإخلاء قراهم وتركها للعرب(إبراهيم، 2013، ص 67–68).
ولم يقتصر الأمر على التهجير فقط، بل أقدموا في عام 1991م على إحراق قرى بأكملها بدعوى الاشتباه في تقديمها المساعدة لأطراف الصراع في تشاد(مالك، د.ت، ص 81)، وفي عام 1992م ظهر مصطلح الأراضي المحررة ، وهو وصف أطلقه العرب على الأراضي التي أُزيحت عنها قبيلة الفور، كما ساد الخطاب الذي يُحمِّل الأفارقة مسؤولية التمرد، بزعم سعيهم إلى إثبات تهميش دارفور والعمل على جعل الإقليم دولة مستقلة، ولم يقف الصراع عند هذا الحد، بل تطور النزاع بين العرب والأفارقة، ليصبح بحلول عام 1995م واسع الانتشار، وبلغ مستوى متقدما من المواجهة بين الطرفين(إبراهيم، 2013، ص 67–68).
أما في عام 1996م، فقد اندلع صراع بين قبيلتي الرزيقات والزغاوة في محافظة الضعين، حيث قام الرزيقات باستبدال لافتة مجلس مدينة الضعين بلافتة مجلس دار الرزيقات، والى جانب ذلك الصراع فقد دار صراعا اخرا بين كلا من عشائر المعاليا والزريقات، بسبب الاكتشافات النفطية في مناطق نفوذ المعاليا، اذ ادعت قبيلة الزريقات ملكيتها لهذه الاراضي، وبالمقابل توسعت سلبية الملكيات وادت في النهاية الى خلافات بين بطون القبيلة الواحدة، نتج عنه اضعاف القبائل داخليا خلال تلك الفترة التي كان يسودها جو الاضطراب(حمد، 2017، ص 72–73)، وخلال عامي 1998-1999 نشبت الصراعات المسلحة في غرب دارفور وبعض المناطق الاخرى عندما تحرك العرب الرحل مع قطعانهم نحو الجنوب قبل اوقاتهم المعتادة(إبراهيم، 2013، ص 67–68)، وادى ذلك الى حرق ما يزيد عن 60 قرية للمساليت ، اضافة لقتل 69 فردا منهم ونزوح ما يقارب 500000 منهم الى بلدة الجنينة في غربي دارفور ، والى تشاد (حسين، 2019، ص 101)، وكانت القبائل العربية المختلفة طرفا في 11 نزاع من جملة 22 نزاع حصل خلال الفترة 1986_2001
ومن ابرز هذه النزاعات:
- النزاع بين هلبة والزريقات علم ۱۹۸۲ ، في ولاية جنوب دارفور.
- النزاع بين البرتي والزيادية ضد الكبابيش عام ۱۹۸۳ في ولاية شمال دارفور.
- النزاع بين الفلاتة والقمر عام ۱۹۸٤ في ولاية جنوب دارفور .
- 4.النزاع بين الفلاتة والمساليت عام ١٩٨٦ في ولاية جنوب دارفور .
- 5 . النزاع بين الزريقات والدينكا عام ١٩٨٦ في ولاية جنوب دارفور
- النزاع بين الفور وبعض القبائل العربية ۱۹۸۷ في جميع ولايات دارفور
- النزاع بين الزغاوة والقمر عام ۱۹۸۸ في ولاية شمال وغرب دارفور
- النزاع بين الزغاوة والمعاليا عام ۱۹۹۰ في ولاية جنوب دارفور .
- النزاع بين التعايشة والقمر عام ۱۹۹۰ في ولاية جنوب دارفور .
- النزاع بين الزغاوة والمساليت عام ۱۹۹۱ في ولاية جنوب دارفور .
- النزاع بين الزغاوة والزريقات الشمالية عام ۱۹۹۹ في ولاية جنوب دارفور
ان هذه الصراعات القبلية المتراكمة زادت وتيرتها في السنوات العشرة الأخيرة، وعملت على اشغال الوضع في إقليم دارفور ووصوله الى حالة من الغليان(البديري، 2009، ص 203).
كما شهد شمال دارفور اواخر تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية الجديدة اشتباكات متكررة بين قبائل الزغاوة والعرب رعاة الإبل، وقد اتسمت هذه المواجهات بالعنف والطابع السياسي، ما جعلها بمثابة إنذار مبكر للصراع القائم في دارفور، رغم أنها كانت أقل حدة مقارنة بما تلاها من صراعات(تانر وتوبيانا، 2007، ص 15).
وفي الوقت الذي قامت فيه ليبيا بتسليح عرب دارفور، أقامت الجماعات غير العربية، بما في ذلك قبيلة الفور، اتصالات مع تشاد، غير أن حكومة رئيس الوزراء الصادق المهدي، التي كانت في حاجة إلى الدعم المالي الليبي، غضّت الطرف عن التوترات المتصاعدة في الإقليم، وخلال حرب 1987–1989 التي دارت بين الفور والعرب في جبل مرة ومناطق لكامه، باعتبارها معقلا لقبيلة الفور، وأُطلق لأول مرة على غير العرب جميعا لقب الزرقة (السود)، ومع إعلان المجموعات غير العربية، بقيادة الفور والزغاوة والمساليت، تمردها على الحكومة عام 2003، كانت الهوية الإثنية المعقدة في دارفور قد تحولت إلى ثنائية أفريقي مقابل عربي، لتصبح هذه الثنائية في حد ذاتها أحد الدوافع الرئيسة للصراع(فلينت، 2010، ص 11).
اضافة للصراعات والنزاعات القبلية الت ميزت تاريخ الاقليم السياسي ، هنالك اسباب اجتماعية اخرى كان لها نصيب في بث روح التفرقة والتميز بين ابناء الاقليم الواحد منها:
2. الاقصاء الثقافي :
ان ظاهرة الاقصاء والتعالي الثقافي هي أحد الآثار الاجتماعية البارزة التي عانت منها قبائل دارفور، وكانت سببا في تفعيل صراعاته فعلى الرغم من الاختلاط والتمازج والتزاوج بين القبائل العربية والأفريقية، ولا سيما كونها جميعا مسلمة، فقد اتسمت بعض القبائل ذات الأصول العربية بمستوى من التعالي الثقافي تجاه القبائل الأفريقية ذات البشرة الداكنة، وبناء على ذلك، قام بعض الباحثين بتحليل الصراع في دارفور على أنه صراع عرقي بين العرب والأفارقة، ما يعكس الأبعاد الثقافية والاجتماعية التي ساهمت في تأجيج النزاعات داخل الإقليم (حمدي، 2013، ص 1).
3. التنافس على السلطة والنفوذ :
يعد التنافس حول السلطة والثروة وآليات توزيعها من أبرز الإشكاليات التي واجهت السودان في تاريخه الحديث والمعاصر، وأسهمت بصورة مباشرة في إعاقة تحقيق الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي، وقد تداخلت عدة عوامل حالت دون حسم هذه المسألة، يأتي في مقدمتها الإرث التاريخي لطبيعة ممارسة السلطة في السودان وانعكاساته على العمل السياسي، فضلا عن تصاعد حالة انعدام الثقة بين مكوّنات المجتمع الوطني، وهيمنة المخاوف من استئثار جماعات أثنية أو دينية بعينها بالسلطة والثروة(آدم، 2022، ص 14).
وقد عمدت بعض الأحزاب السياسية إلى استغلال تدهور الأوضاع الأمنية في الإقليم، فسارعت إلى احتضان القبائل المعارضة، مستفيدة من عمق الخلافات القائمة بينها وبين الحكومة المركزية، وأسفر ذلك عن إدخال المنطقة في حالة من الاضطراب المستمر، اتسمت بانعدام الاستقرارين السياسي والأمني، كما لجأت تلك الأحزاب إلى توظيف الخطاب الديني بوصفه أداة لاستمالة المعارضين، ولاسيما في ظل الارتباط التاريخي والاجتماعي لسكان دارفور بالمهدية والدعوة الإسلامية، ونجحت هذه الأحزاب، من خلال ذلك، في تحقيق أهدافها السياسية، حيث أسهمت في توجيه الولاءات الاجتماعية بما يخدم مصالحها، وتأمين تمثيل برلماني عبر ترتيبات قائمة على الترضيات والمساومات السياسية، خاصة مع القبائل الكبرى مثل الفور والزغاوة والبرتي والمساليت وغيرها، مقابل وعود بتعيين بعض أبنائها في مناصب دستورية حال الفوز في الانتخابات(عبد الله، 2015، ص 64).
4. انتشار النهب المسلح:
يُعد النهب المسلح أحد الأسباب الرئيسة لاشتعال الحرب في دارفور، من الناحية القانونية، يُعرف النهب على أنه السرقة أو أخذ الممتلكات بالإكراه، أي استخدام الضغط والخوف والترهيب للحصول على المال، أما من الناحية الاجتماعية، فقد أصبح مصطلح الغزو متداولا في المجتمعات القبلية لوصف النهب، حيث كانت ممارسة الغزو تُعد صفة من صفات الفروسية وهي ظاهرة قديمة في المجتمعات العربية القبلية، إذ يُستخدم المال المنهوب في مجالات الكرم والضيافة ومساعدة الفقراء والضعفاء من أبناء القبيلة، كما ارتبطت هذه العادة بالتحفظ على حياة النساء والشيوخ والأطفال، وهو ما انعكس في التمجيد لها في الشعر الشعبي، ويُلاحظ أن ظاهرة النهب المسلح تعد من الظواهر الحديثة نسبيا في الإقليم (الصادق، 2004، ص 28).
ولا يمكن تحديد تاريخ محدد لبداية ظاهرة النهب المسلح في دارفور بدقة، إلا أن ثمة اتفاقا على ظهورها عقب استيلاء الرئيس التشادي السابق حسين هبري على السلطة في تشاد عام 1982، وقرار قوات الحكومة السابقة والمعارضة له باللجوء إلى السودان، حيث اعتمدوا على أسلحتهم لتأمين احتياجاتهم، وتسربت بعض هذه الأسلحة إلى المواطنين عبر البيع أو الهبة أو الرهن، من جانب آخر، يرجح بعض الباحثين أن ظهور النهب المسلح في دارفور يعود إلى فشل حركة المرتزقة عام 1976، التي قادها أتباع الجبهة الوطنية المعارضة ضد الحكومة، اذ لجأت مجموعة تقدر بحوالي ثلاثمائة فرد إلى دارفور، متبنين سياسة النهب المسلح، كما أن الحكومة المركزية ساهمت بدورها في تفاقم هذه الظاهرة من خلال تسليح بعض قبائل الإقليم لمواجهة الحركة الشعبية المعارضة آنذاك وحماية السكان من النهب والسرقات، إلا أن بعض المستفيدين استغلوا هذه الأسلحة في غير موضعها، مما عزز انتشار العنف المسلح في المنطقة(رافت وآخرون، 2006، ص 139).
ثالثا :الاسباب الادارية والسياسية
1. سياسة تهميش الحكومات السودانية للإقليم : يتفق معظم الكتاب على أن إقليم دارفور عانى من مشكلة التهميش المستمرة طوال مرحلة الاستعمار البريطاني للسودان، فقد تعامل الاستعمار مع الإقليم بحذر شديد، وأهمله بصورة كبيرة، كما طبق في أجزاء واسعة منه سياسة المناطق المقفلة، خوفا من انتشار الروح الثورية والنزعات الاستقلالية الكامنة في دارفور(عبد الجواد، 2010، ص 174).
واستمرت سياسة التهميش في دارفور خلال الحكومات المركزية المتعاقبة في الخرطوم خلال المدة التي تلت الاستقلال، وعلى الرغم من الإسهام الكبير للإقليم في الدخل القومي السوداني من خلال ثروته الحيوانية، إذ لم يحصل الإقليم على نصيبه العادل من هذه الثروة، وكانت الميزانية المخصصة له لا تتناسب مع إسهامه فيها، كما كان مستوى التعليم والخدمات الصحية والاجتماعية في الإقليم متدنيا، وتجدر الإشارة إلى أن غالبية النخب السياسية الحاكمة، سواء المدنية أو العسكرية، في السودان جاءت من منطقة الوسط، أي شمال السودان كما تشير بعض المصادر، وهيمنت على الحكومات المركزية وأجهزتها المختلفة، ومثال على ذلك، لم يتم تمثيل سكان دارفور في المناصب الدستورية في العديد من الحكومات السودانية خلال مرحلة ما بعد الاستقلال(العبودي والعباس، 2008، ص 1041).
وتسبب موقع الإقليم البعيد عن الوسط السوداني في تعرضه للإهمال من قبل الحكومات المتعاقبة، مما أدى إلى انعدام الخدمات التعليمية والصحية في بعض مناطقه، وكانت دارفور الأقل تجهيزا من حيث البنية التحتية للتعليم والصحة، وفي عقد التسعينات من القرن العشرين، عملت الحكومة على تطوير الجانب التعليمي في السودان بشكل عام، وركزت جهودها على المناطق الشمالية ببناء المدارس الحكومية والأهلية، بينما لم يكن في دارفور آنذاك أي مدرسة أهلية (عثمان، 2006، ص 67).
وكان لغياب البنية التحتية والمشاريع التنموية والاستثمارية، وعجز الخدمات التعليمية في الإقليم، أثر بالغ وانعكاس مباشر على انتشار البطالة، مما دفع بعض السكان إلى الانخراط في المليشيات والتنظيمات المسلحة التي ظهرت لاحقا، ويعزى ذلك إلى اهتمام الحكومة بالشمال السوداني واعتمادها عليه، ما أظهر فشلها في إدارة الحكم نتيجة إهمالها للجزء الغربي وتحيزها للجزء الشمالي، الأمر الذي أدى إلى ظهور حركات إقليمية معارضة لهذه السياسة الخاطئة(حمد، 2017، ص 68).
ومع وصول (عمر البشير) (الخولي، 2011، د.ص)إلى السلطة عبر انقلاب عام 1989م، وفي أعقاب أول تشكيل وزاري ثم أول تعديل وزاري بعد نحو ستة أشهر من الانقلاب، تبيّن أن إقليم دارفور قد جرى تجاوزه بصورة لافتة، إذ فوجئ الإقليم بعدم تعيين أيٍّ من أبنائه في مواقع السلطة التنفيذية، حتى على مستوى المحافظين، وقد فسّر كثيرون ذلك بوصفه إقصاء متعمّدا من قبل حكومة الإنقاذ لسكان الإقليم، وإحياء لتجربة سودنة المناصب على نحو يعيد إنتاج التهميش القديم، وذلك على الرغم من تأييد قطاعات واسعة من أبناء دارفور للنظام الجديد، بل ومشاركتهم الفعلية في الجبهة الإسلامية القومية، وقد عُدّ هذا التوجه تنصّلا واضحا عن مضامين بيان الإنقاذ الأول الصادر في 30 حزيران 1989م، الذي أكد مبادئ المساواة، وإنهاء التهميش، وإحداث تغيير جذري في واقع الحكم(عباس ومحي الدين، 2020، ص 382).
والحقيقة أن دارفور لم تشهد أي جهد تنموي قائم على رؤية وطنية مستقلة من قبل الحكومات المتعاقبة على حكم السودان منذ مطلع الاستقلال، ويمكن القول إن إقليم دارفور، منذ انضمامه إلى الدولة السودانية الحديثة، لم يحظَ باهتمامٍ تنمويٍّ يُضاهي ما حظيت به الأقاليم الأخرى، إذ ظل يعاني تهميشا مفرطا، سواء كان ذلك نتيجة سياسات مركزية متعمدة أو ناتجا عن اختلالات بنيوية في إدارة الدولة ويتجلى هذا التهميش بوضوح في ضعف إسهام الإقليم في الدخل القومي مقارنة بإمكاناته، وفي ضآلة نصيبه من البنية التحتية، حيث لم تتجاوز نسبة الطرق المعبدة فيه نحو (6%) من إجمالي شبكة الطرق القومية البالغة قرابة (3600) كيلومتر، كما لم ينل سوى نحو (2%) من إجمالي القروض والمنح التي حصل عليها السودان ،ويُضاف إلى ذلك غياب الطرق القومية والمطارات المركزية، وتعثر أو توقف عدد من المشروعات التنموية بسبب انقطاع التمويل، وفي مقدمتها( مشروع تنمية جبل مرة) يقع مشروع تنمية جبل مرة في منطقة جبل مرة بإقليم دارفور، وقد أُنشئ في منتصف ثمانينيات القرن العشرين ضمن توجه الدولة نحو تطبيق نموذج التنمية الريفية المتكاملة في الأقاليم الطرفية، استمر المشروع حتى منتصف التسعينات بدعم حكومي وشراكات دولية، وكان من أبرز مشروعات التنمية في غرب السودان آنذاك، استهدف المشروع تطوير الاقتصاد الريفي عبر تحسين الإنتاج الزراعي وإدارة الموارد الطبيعية، من خلال إدخال تقنيات زراعية حديثة، وتوسيع خدمات الإرشاد، وإنشاء محطات تدريب للمزارعين، إلى جانب تعزيز المشاركة المجتمعية في التخطيط والتنفيذ، كما أولى اهتماما خاصا بقطاع الغابات عبر إنشاء مشاتل وتشجيع الغابات المجتمعية للحد من تدهور البيئة وزيادة دخل الأسر، وحقق المشروع خلال فترة تنفيذه تحسنا نسبيا في الإنتاج والوعي الزراعي، لكنه واجه تحديات كبيرة بعد توقف التمويل وضعف الاستدامة المؤسسية، إضافة إلى تأثير النزاعات اللاحقة في دارفور، مما حدّ من استمرارية نتائجه على المدى الطويل(جمعة، 2010، ص 22–26)،الأمر الذي عمّق مظاهر التخلف الاقتصادي والاجتماعي في الإقليم(عبد الله، 2015، ص 47).
الأمر الذي ولّد شعورا متزايدا بالغبن عبّرت عنه نخب أبناء الإقليم بوسائل وأساليب متعددة، قبل الوصول إلى المرحلة التي تم فيها حمل السلاح في مواجهة الدولة تحت شعارات إزالة التهميش، وتحقيق العدالة والمساواة، وغيرها من المطالب ذات الصلة(عبدالرحيم وآخرون، 2020، ص 180).
بالمجمل فان التهميش السياسي الذي تعرّضت له المجتمعات الإفريقية في إقليم دارفور أسهم بصورة مباشرة في ظهور وتشكّل حركات تمرّد بارزة، دفعتها إلى حمل السلاح في مواجهة ما اعتبرته قمعا تمارسه حكومة شمال السودان، سعيا إلى انتزاع مزيد من الحقوق في مجال المشاركة السياسية، وقد تمحورت مطالب هذه الحركات حول تحقيق تنمية عادلة، وضمان حقوق الأراضي (الحواكير)، وتحسين الخدمات الاجتماعية والعامة، وترسيخ الممارسة الديمقراطية، والمطالبة بدرجة من الاستقلال أو الحكم الإقليمي، وتختلف هذه الأهداف في جوهرها عن تلك التي ميّزت صراعات الجنوب السوداني، والتي اتسمت بطابع انفصالي وديني وثقافي أكثر وضوحا(Fufa & Taa, 2014, p. 5)
2. نظام الحواكير : الحواكير نظاما تقليديا لملكية الأراضي في إقليم دارفور، التي تعود ملكيتها إلى القبائل بموجب وثائق رسمية صدرت تاريخيا عن سلاطين الفور، ولاحقا عن سلطات الحكم الثنائي التي انتهجت سياسة الحكم غير المباشر، وقد أسهمت هذه السياسة في ترسيخ الكيان القبلي عبر إنشاء إدارات أهلية تمتعت بشرعية قانونية وعرفية، مكّنتها من تنظيم حيازة الأرض وتحديد حدودها، بحيث أصبح لكل قبيلة حاكورة معروفة ومحددة جغرافيا(عبدالرحمن، 2011، ص 53)، أدّى نظام الحواكير إلى حرمان القبائل العربية من حق تملّك الأرض واستغلالها بوصفها ملكية خاصة، إذ إن هذه القبائل كانت في الغالب مجموعات رعوية رحّل لا تميل إلى الاستقرار أو تملّك قطع أرض محدودة، بل تفضّل المجال المفتوح والحركة في مساحات شاسعة دون ارتباط بحدود ملكية ثابتة ،ومع ذلك نجح النظام القبلي التقليدي في تنظيم العلاقات بين الرعاة والمزارعين وفق أعراف وقواعد عرفية راسخة، أسهمت في الحد من الاحتكاكات وضبط استخدام الموارد الطبيعية، ورغم فعالية هذا النظام في أغلب الأحيان، إلا أنّه لم يمنع وقوع صدامات متقطعة، تمحورت أساسا حول قضايا ملكية الأرض، ومصادر المياه، والمراعي، وقد ظلت ملكية الأرض محصورة في أيدي القبائل غير العربية، في حين سُمِح للقبائل العربية بحقوق الانتفاع، لا سيما في الوصول إلى موارد المياه والكلأ، ضمن ترتيبات عرفية حدّدتها الإدارة الأهلية(أبكر، 2024، ص 160).
واصبح نظام الحواكير فيما بعد احد ابرز اسباب الازمة ، اذ عجزت حكومة المركز عن فرض سلطتها وهيبتها بسبب وجود هذا النظام الذي اعطى القبائل قوة اقتصادية دائمة وجرى ، بسببه العديد من النزاعات حول ملكية الارض بين المجموعات العربية المستقرة في الوسط والجنوب وبين المجموعات المتنقلة من الفور والابالة الوافدين من الشمال ، وتسبب هذا النظام في صراعات عديدة عرفت بتحرير الارض خصوصا بعد موجة الجفاف الاخير في نهاية ثمانينيات القرن العشرين(عثمان وآخرون، 2005، ص 170).
وكان للتشريعات التي أصدرتها أجهزة الدولة الوطنية الحديثة، والمتصلة بملكية الأرض وإدارتها، أثر بالغ في تفاقم النزاعات، ولا سيما قانون الأراضي غير المسجلة لسنة 1970، وقانون المعاملات المدنية لسنة 1984 وتعديلاته لعام 1990، إلى جانب قانون التخطيط العمراني والتصرّف في الأراضي لسنة 1994، إذ جاءت هذه القوانين في تعارض واضح مع الأعراف والنظم التقليدية التي حكمت علاقات حيازة الأرض واستخدامها في المجتمعات الريفية، الأمر الذي جعل تطبيقها العملي يلحق أضرارا واسعة بقطاعات كبيرة من سكان الريف، ويسهم في توليد نزاعات متزايدة حول الأرض والموارد، وبدلا من أن تؤدي هذه القوانين دورها المفترض بوصفها أدوات للضبط الاجتماعي وتنظيم المجتمع وتعزيز الاستقرار، تحوّلت في الواقع إلى عوامل مغذّية للنزاع، ومصادر إضافية لعدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي(حمد، 2017، ص 72).
3. انهاء الوجود الاداري للإدارة الاهلية :
كان الغاء الادارة الاهلية من اهم اسباب الصراع في دارفور(محمد، 2025، ص 246)، اذ بدأت الدعوة إلى إلغاء نظام الإدارة الأهلية عام 1964،الذي ضل سائدا منذ السيطرة البريطانية في 1916، وتبنّاها بعض المثقفين الذين لم تكن لديهم معرفة كافية بالبنية الاجتماعية والخصوصيات المحلية في عدد من مناطق السودان، ومن بينها إقليم دارفور، وقد استندت هذه الدعوة إلى ما شاب ذلك النظام من مظالم طالت بعض الكيانات القبلية، وألحقت بها أضرارا واضحة، ولا سيما المجموعات التي لم تحظَ بالاعتراف بحق الدار أو الحاكورة، ومع مرور الوقت، تحولت هذه الفئات المهمشة إلى أحد أبرز مصادر القلق وعدم الاستقرار، وأسهمت بصورة مباشرة في تفاقم الصراعات القبلية خلال العقود الأربعة اللاحقة(تكنة، 2015، ص 72).
وقد ادت هذه المطالبات الى قلق رؤساء الادارة الاهلية في دارفور ،مما دفعهم لتأسيس اتحاد زعماء عشائر دارفور الذي بني على اساس قومي بالخرطوم في كانون الثاني 1969 ،واصدروا من خلاله بيانا يوضح ارباك ادارة اعمالهم بسبب تصريحات الحكومة حول الغاء الادارة الاهلية ،الا ان هذه القرارات لم تجدي نفعا وصدر قرار الغائها في عام 1971(حمد، 2017، ص 74).
وأدى حلّ الإدارة الأهلية من دون إيجاد بديل مؤسسي فاعل إلى نشوء فراغ إداري وأمني واسع، أسهم بصورة مباشرة في تفاقم النزاعات وإحياء النعرات القبلية، فقد تميزت الإدارات الأهلية السابقة بقدر معتبر من القوة والحزم في تطبيق الأعراف والقوانين المحلية، وممارسة سلطة فعّالة حدّت من تفجّر الخلافات بين القبائل المتنافسة، بينما عجزت الهياكل الإدارية التي أُنشئت لاحقا عن القيام بالدور ذاته، سواء في فرض الأمن أو في الحيلولة دون اندلاع المواجهات والصدامات المسلحة بين المجموعات القبلية(عبد الله، 2015، ص 49).
وفي المقابل، انتهجت حكومة السودان سياسة مركزية صارمة في تنظيم بنيتها الدستورية والإدارية، وهو ما أسفر عن إضعاف مؤسسات الإدارة المحلية، وعدم تجسيد مبدأ اللامركزية الإدارية على أرض الواقع، وقد تمثّل ذلك في تعيين إدارات محلية تابعة للسلطة المركزية لتولي شؤون الإقليم وإدارته، وكانت غالبا من عناصر لا تنتمي إلى دارفور، بما يعكس سعي الدولة إلى فرض سيطرتها الأمنية والإدارية على الإقليم، وعلى الرغم من صدور قانون الحكم الشعبي المحلي لعام 1981، الذي نصّ على ترسيخ اللامركزية الإدارية في إدارة الأقاليم، فإن أحكامه لم تُفعَّل عمليا، وظل تطبيقه محدودا دون تحقيق أهدافه المعلنة(البحتري، 2006، ص 99).
وفي عام 1991 طُبِّق النظام الفيدرالي في السودان بموجب المرسوم الدستوري الرابع، غير أن هذا المرسوم أُلغي عام 1994، ليصدر بدلا عنه المرسوم الدستوري العاشر الذي أعاد تقسيم الولايات التسع إلى ستٍ وعشرين ولاية، كان نصيب إقليم دارفور منها ثلاث ولايات، وقد عُلِّقت آمال واسعة على الفيدرالية بوصفها آلية لتعزيز المشاركة السياسية وتوسيع قاعدة الحكم، إلا أن تطبيقها بهذه الصيغة لم يفضِ إلى نقل فعلي للسلطة إلى أطراف البلاد، بل أسهم في إعادة إنتاج المركزية على مستوى إقليمي، وأوجد بؤر توتر جديدة تمثلت في الصراع حول اختيار العواصم الإدارية، واستحداث ولايات على أسس ذات طابع عرقي(حسين، 2019، ص 99).
وصدر تعديل دستوري اخر في عام 1998 حل بموجبه المجلس الشعبي النيابي وجردت الولايات من سلطاتها، ما ادى الى ضعف الادارة المركزية في مواجهة المشاكل والازمات في البلاد وكان سببا مباشرا في تفاقم نتائجها(حمد، 2017، ص 77).
4. تنامي الوعي السياسي والعسكري في دارفور
بداء العمل والتنظيم السياسي في دارفور منذ وقت مبكر عقب استقلال السودان ومع تطور الاحداث السياسية في الاقليم في ضل الحكومات المتعاقبة وما عاناه الاقليم من اهمال وتهميش كانت الجمعيات والاحزاب السياسية التي تشكلت في تلك الفترة هي الاساس الذي ارتكزت عليه الازمة عقب اندلاعها في 2003 وواحد من اسبابها ومنذ الاستقلال تأسس في الاقليم عددا من الاحزاب والجمعيات التي طالبت بحقوقه في المركز وعملت على تنميته وتطويره واهمها
- جبهة نهضة دارفور: تعد اول تنظيم سياسي ولد في 1964 وتظم عددا من ابناء ،دارفور من خريجي الجامعات والمعاهد والمدارس ، سجلت في بادئ الامر منظمة تطوعية عند وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في تشرين الاول 1964 ،ومن اهداف هذه الجبهة ترقية الوعي السياسي للمجتمع الدارفوري وتنمية الاقليم وتقدمه(مجموعة مؤلفين، 2022، ص 168).
- حركة سنوني: وهو تنظيم سري انشئ عام 1968 في مدينة نيالا ، شكل من قبل المتقاعدين من القوات النظامية، وصار له صدى واسعا وملحوظا ودعما مباشرا من قبل الحزب الشيوعي السوداني، واقتصر افراده الى حد كبير في بعض قبائل الفور والمساليت والتنجر ،ونظرا لطبيعته شبه العسكرية واعتماده العمل السري في مقارباته للشأن العام السوداني، وخضع قياداته للملاحقة من قبل السلطات، لأنه كان يدعو الي حمل السلاح بصورة مباشرة ومتأثر بأدبيات مقاومة الاستعمار وحركات التحرر الوطني وهو ما انعكس على خطابه السياسي واسلوبه التنظيمي(حسين، 2019، ص 92–93).
- انتفاضة الفاشر: وهي الانتفاضة التي خرجت ابان فترة الحكم الاقليمي في 1981 عقب قرار حكومة المركز بدمج اقليمي دارفور وكردفان ووضعت على حكمه السيد الطيب المرضى المنتمي لكردفان، مما قوبل برفض من اهالي دارفور على هذه القرارات بانتفاضة عرفت بانتفاضة الفاشر او انتفاضة دارفور ،طالبو خلالها بتعيين احمد ابراهيم دريج حاكما لدارفور، وانتهت هذه الانتفاضة باستجابة حكومة المركز وتم تعيين احمد ابراهيم دريج (من مواليد عام ١٩٣٥م، وُلد في قرية كارقولو مركر زالنجي ولاية غرب دارفور، درس الأولية بالفاشر، والوسطى في الدويم (بخت الرضا)، والثانوي في حنتوب، ثم جامعة الخرطوم كلية الاقتصاد تخصص إحصاء عام ١٩٥٧م، ثم نال الماجستير بجامعة ليستر بالمملكة المتحدة، عمل الأستاذ أحمد إبراهيم دريج في بداية حياته العملية مديرا عاما للإحصاء في عام ١٩٥٧م، اُنتخب عضوا في الجمعية التأسيسية عن دائرة قارسلا عام ١٩٦٥م، وصار وزيرا للعمل عن حزب الأمة، وأصبح زعيما للمعارضة في عام ١٩٦٨م، ثم حاكما لإقليم دارفور عام ١٩٨١م، وكان رئيسا لجبهة نهضة دارفور عام ١٩٦٤م، ثم هاجر إلى الخليج، وصار مستشارا لحكومة الإمارات المتحدة، وكوّن ثروة ضخمة، وهو متزوج من الأستاذة حنا ألمانية الجنسية، وكذلك ابنة عمه وله عدد من البنات والبنين)(مسار، د.ت)، ويعتبر السيد ابراهيم اول، حاكم دارفوري حكم الاقليم منذ عام 1916 عقب مقتل السلطان علي دينار على يد القوات البريطانية (عبدالرحمن، 2011، ص 82).
- المجلس الوطني لإنقاذ دارفور: وهو هيئة غير رسمية تشكلت في الخرطوم في مارس 1988م، بمبادرة من عدد من مثقفي إقليم دارفور المقيمين بالعاصمة، بهدف تجاوز الانتماءات الأثنية الضيقة، والمطالبة بحقوق الإقليم والدفاع عنها، وضم المجلس في عضويته ممثلين لمختلف دوائر دارفور، إلى جانب أساتذة الجامعات، ورجال الأعمال، والموظفين، والعمال، كما اضطلع بدور احتجاجي تمثل في تنظيم مسيرة صامتة شارك فيها نحو أربعين ألف متظاهر إلى مجلس الوزراء في 12 مارس 1988م، قدموا خلالها مذكرة انتقدت وجود القوات التشادية والليبية في غرب السودان، والمواقف السالبة للحكومة القائمة آنذاك بقيادة حزب الأمة(عبدالرحمن، 2011، ص 83).
5. حركة داؤود يحيى بولاد: يعد قياديا بارزا من ابناء الفور وكان في صفوف الحركة الإسلامية، وعندما انتقلت الحركة الإسلامية إلى سدة الحكم عزا عدم اسناد دور بارز له إلى التفرقة العنصرية وتزامن ذلك مع استقالة عدد من أبناء دارفور من عضوية الجبهة الإسلامية، وانضم بولاد عام ۱۹۹۰، إلى الحركة الشعبية والتي وفرت له ولغيره من ابناء الفور التدريب العسكري الجيد (الطيب، 2015، ص 236)، فتبنوا طروحات الحركة وهي مطالبة مركز الخرطوم بمنح الاطراف المهمشة نصيبها من السلطة والثروة والتنمية، وظهرت هذه الحركة بين ابناء الفور في بداية التسعينات، بسبب الغارات التي كانت تتعرض لها الفاشر من قبل القبائل العربية الفارة من الصراعات التشادية وصار لها دور سياسي كبير وفعال فيما بعد (عبدالسلام، 2010).
6. التجمع العربي : يرى اغلب اهالي دارفور ان احد اهم اسباب اندلاع الصراع المسلح في عام 2003 هو تشكيل ما عرف بالتجمع العربي، سنة 1986، عندما تجمعت القبائل العربية تحت هذا المسمى بدعم من حزب الامة (تأسس حزب الأمة عام 1943م بقيادة عبد الله خليل وبرعاية عبد الرحمن المهدي، ثم تولى زعامته الصادق المهدي عام 1964م، ويُعد الحزب امتدادا سياسيا لطائفة الأنصار، ولا يختلف في مواقفه العامة عن بقية الأحزاب والقوى السياسية في إدانته للأوضاع المتردية في البلاد، ورفضه لأسلوب العنف والتصعيد العسكري، مع تأييده لنهج الإصلاح الجذري لمعالجة الأزمات، ومنها أزمة دارفور، ويرى الحزب أن معالجة الوضع في دارفور تتطلب جملة من الإجراءات، أبرزها الاعتراف بالأخطاء السياسية المتمثلة في اختلال التوازن التنموي، وتسيس الإدارة الأهلية وتحويلها إلى أداة حزبية وأمنية، إضافة إلى الإفراط في التسليح والتدريب بوصفه سببا رئيسا للانفلات الأمني، وعدم تصدي الحكومة لظاهرة الفساد، كما يؤكد الحزب ضرورة الإقرار بالحقوق المشروعة للمزارعين والرعاة، وضمان حياد وكفاءة الإدارة المدنية والأهلية، والدعوة إلى إعفاء حكام الولايات الحاليين وتعيين ولاة جدد من ذوي الكفاءة) (عبدالله، 2017، ص 63–64)في ضل حكم الصادق المهدي (هو زعيم سياسي وديني سوداني، ولد في ٢٥ كانون الأول ١٩٣٦، وكان مولده بشيرا بمرحلة جديدة في تاريخ السودان، إذ تزايد الوعي الوطني عند طلائع الخريجين وشرعوا في اتصالات تبلورت في ۱۹۳۸، في أنشاء مؤتمر الخريجين واسس جده عبد الرحمن المهدي حزب الأمة في (١٩٤٥)، حينما كان الصادق في التاسعة من عمره، وكان عبد الرحمن رجلا بعيد النظر واسع الحيلة إذ أدرك أن لا قبل له بمناطحة الاستعمار، وكان أول بروز للصادق المهدي في ساحات العمل السياسي السوداني في معارضة نظام عبود، في أكتوبر ١٩٦١، وأصبح رئيس حكومة السودان فترتي (۱۹۹۷) – ١٩٦٩ و ۱۹۸٦) – (۱۹۸۹)) (أبو عيشة، 2002، ص 173)، وكان الغرض من دعم حزب الامة الحاكم لهذا التجمع هو الوقوف بوجه قبائل الفور التي كانت مدعومة من قبل الحزب الاتحادي الديمقراطي المشترك في الائتلاف الحكومي، وبزرت اهمية هذا التجمع بعد الضغوط السياسية على حكومة المهدي عام 1987، من خلال بيانه الذي طالب خلاله قيادة دارفور بأنفسهم، اذ استجابت حكومة الصادق المهدي لهذه المطالب، مما عكس قوة هذا التجمع السياسي(موسى، 2009، ص 94–95).
7. جبهة الخلاص الوطني : تأسست الحركة في كانون الثاني 1993م بزعامة أحمد إبراهيم دريج، الذي سبق أن شغل منصب والي دارفور، بوصفه أحد أبناء الإقليم غير أن خلافات نشبت بينه وبين الرئيس الأسبق جعفر نميري، على خلفية اتصالات أجراها دريج مع جهات خارجية في مقاطعة سكسونيا الألمانية من دون الرجوع إلى الحكومة المركزية، وهو ما عكس إحدى حلقات الصراع العنيف بين المركز وإقليم دارفور، وعلى إثر ذلك، ترك دريج منصبه الرسمي كحاكم للإقليم، وغادر البلاد إلى الخارج، حيث شرع في تكوين تيار سياسي معارض للخرطوم(عباس، د.ت، ص 67).
8. جماعة طلاب الحق والعدالة : ظهرت في إقليم دارفور عام 1998م جماعة سرية أطلقت على نفسها اسم جماعة طلاب الحق والعدالة، وقد تباينت الآراء حول خلفياتها السياسية وطبيعة سريتها، ويُعد أبرز ما قامت به هذه الجماعة، التي ضمت لجانا من أربعٍ وعشرين ولاية سودانية تمثل مختلف أقاليم السودان والتيارات السياسية والفكرية، هو جمع المعلومات والبيانات منذ عام 1996م، ثم إصدارها عام 1998م في صورة وثيقة سياسية بالغة الأهمية في تاريخ الصراع السياسي السوداني عموما، والدارفوري على وجه الخصوص، عُرفت باسم الكتاب الأسود (هو كتيب حمل غلافه صورة ميزان العدالة يظهر عليه اختلال واضح، إذ ترجح الكفة التي كُتب عليها «7.5 مليون» على الكفة التي كُتب عليها «28 مليون»، في إشارة صريحة إلى غلبة الأقلية على الأغلبية، وجاء في مقدمته أن هذا السفر يُعد وثيقة ترصد أداء الأنظمة السياسية في تاريخ السودان الحديث، وقد قُسّم الكتاب إلى ستة فصول، عرض واضعوه من خلالها صورا مجملة للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، مدعّمة بجداول وإحصاءات تهدف إلى تعزيز وجهة نظرهم بشأن اختلال ميزان العدالة في توزيع السلطة والثروة، وطُبع الكتاب في الخرطوم، وتولت الجماعة، بالتنسيق مع اللجان المتعاونة معها، توزيعه بصورة سرية عام 1998م على جموع المصلين عقب صلاة الجمعة في الخرطوم وعدد من المدن الرئيسة، وفي المقابل، جاء رد فعل الحكومة بإصدار وثيقة مضادة انتقدت ما ورد في طرح جماعة طلاب الحق والعدالة في الكتاب الأسود ، وأطلقت عليها اسم الكتاب الأبيض) (محي الدين، 2011، ص 13)، والمعنون بـ اختلال تقسيم السلطة والثروة في السودان(حمد، 2017، ص 132).
9. حركة تحرير السودان : تُعد حركة تحرير السودان من أقوى وأبرز تنظيمات التمرد في إقليم دارفور، تليها حركة العدل والمساواة في الأهمية والحجم، وقد أدى هذا الدور البارز إلى إعلان الحركة التمرد ضد السلطة الحاكمة في أواخر شباط وبداية آذار 2003م، ومنذ بدايات نشاطها السياسي والعسكري، أطلقت على الحركة عدة تسميات، فقد عُرفت في مرحلتها الأولى باسم جيش الخلاص الوطني، ثم باسم جبهة تحرير دارفور وجيش تحرير دارفور، وهما في الواقع جناحان ينتميان إلى تنظيم واحد موحد، وقد قاد عملية توحيد هذه الأجنحة عبد الله أبكر(قائد ميداني سوداني وأحد رموز المقاومة المسلحة في إقليم دارفور، وُلد عام 1974 بقرية بجورباء شمال مدينة كرنوي، ونشأ في بيئة ريفية تعتمد على الرعي والزراعة، يُعد من المؤسسين الأوائل لحركة/جيش تحرير السودان، وتولى منصب القائد العام لها منذ انطلاقتها حتى استشهاده في 1 مايو 2004، آمن مبكرا بالكفاح المسلح باعتباره وسيلة لمواجهة التهميش والظلم، وتخصص عسكريا في مجال المدفعية، قاد وشارك في عدد من المعارك البارزة، من أبرزها الهجوم على مدينة الفاشر، ومعارك أبو قمرة، عين سيرو، وكتم، حيث استشهد في ميدان القتال، بعد مسيرة نضالية ارتبطت بالدفاع عن قضايا أهل دارفور في الثروة والسلطة والتنمية، وضل مناضلا حتى استشهد في ساحات القتال عام 2004) (أبكر، د.ت)، الذي يُعتبر المؤسس الفعلي للحركة، واستندت الحركة أساسا إلى قبائل الفور الأفريقية، والتي شكلت القاعدة الاجتماعية الرئيسية لدعمها ونشاطها(محي الدين، 2011، ص 19)، وانتمى اليها لاحقا عددا من ابناء قبيلة الزريقات العربية من جنوب دارفور(حسين، 2019، ص 102)،وتجدر الاشارة الى ان هذه الحركة تأسست في عام اب 2002 تحت مسمى جبهة تحرير السودان الا ان اسمها تغير في اواخر شباط الى اسم حركة تحرير السودان(عبدالرحمن، 2011، ص 93)، وتعتبر حركة تحرير السودان إحدى حركتي التمرد الرئيسيتين في إقليم دارفور، وقد تزعمها عبد الواحد محمد نور(وُلِد عبد الواحد محمد نور عام 1969م في مدينة زالنجي بجنوب دارفور، وينحدر من أسرة تنتمي إلى قبيلة الفور، وهو سياسي سوداني ومؤسس حركة تحرير السودان عام 2002م، عُرف بموقفه الرافض لمسارات التسوية السلمية مع الحكومة السودانية، تلقّى تعليمه الابتدائي والمتوسط بمدينة زالنجي، ثم واصل دراسته الثانوية في زالنجي ومدن أخرى بإقليم دارفور، قبل أن يلتحق بكلية الحقوق بجامعة الخرطوم عام 1990م، حيث نال درجة البكالوريوس في القانون، وبعد تخرجه، عمل محاميا في مسقط رأسه زالنجي لعدة سنوات، قبل أن يتجه إلى العمل المسلح ضد الحكومة السودانية، ويتولى رئاسة حركة تحرير السودان عند تأسيسها، غير أن الحركة شهدت، بعد سنوات قليلة من قيامها، انشقاقات داخلية متكررة أثّرت في تماسكها التنظيمي وأضعفت موقعه القيادي، ومنذ توقيع اتفاقية أبوجا للسلام عام 2006م، اختار عبد الواحد محمد نور الإقامة خارج السودان، متنقلا بين فرنسا وعدد من الدول الأوروبية الأخرى، وقد ركّز في خطابه السياسي على قضايا النازحين من سكان دارفور المتضررين من الأزمة، وظل متمسكا برفضه لمسارات التسوية السلمية مع الحكومة السودانية، معتبرا أن الحل الوحيد يتمثل في إسقاط النظام القائم، وهو موقف حافظ عليه باستمرار) (الجزيرة، د.ت).
بينما تولّى مني أركو مناوي (وُلِد مني أركو مناوي عام 1968م في منطقة الفوراوية بشمال دارفور، وينتمي إلى قبيلة الزغاوة، تلقّى تعليمه الابتدائي بمدرسة الفوراوية، ثم واصل دراسته المتوسطة بمدرسة كرنوي، وأكمل المرحلة الثانوية بمدرسة الفاشر الثانوية، التحق لاحقا بجامعة لاغوس، حيث تخرّج متخصصا في اللغة الإنجليزية، كما درس اللغة الفرنسية في تشاد خلال عامي 1994–1995م، وعمل في بداية مسيرته المهنية معلما بمدارس الأساس في منطقة بويا، قبل أن يتجه إلى العمل التجاري، متنقلا بين ليبيا والكاميرون ونيجيريا ،وفي عام 2001م، التحق مني أركو مناوي بالعمل العسكري تحت راية حركة تحرير السودان إلى جانب المحامي عبد الواحد محمد نور، حيث شغل منصب سكرتير قائد جيش تحرير السودان، وبعد انشقاق الحركة عام 2004م، تولّى منصب الأمين العام لحركة تحرير السودان تحت قيادة عبد الواحد محمد نور، كما برز بوصفه قائدا ميدانيا للقوات المسلحة التابعة للحركة في منطقة جبل مرة، ولاحقا، انتقل إلى العمل السياسي ضمن مؤسسات الدولة، حيث شغل منصب كبير مساعدي رئيس الجمهورية آنذاك عمر حسن البشير ،وفي 24 يونيو 2008م، أُعلن عن اختفائه لفترة في إقليم دارفور، قبل أن يعود مجددا إلى المشهد السياسي عبر الحكومة المركزية، ليتولى منصب كبير المسؤولين عن إقليم دارفور، ثم رئاسة السلطة الإقليمية الانتقالية لدارفور، إلى جانب توليه منصب نائب رئيس جمهورية السودان)(المعرفة، د.ت)منصب أمينها العام، وبمختلف المقاييس، تُصنَّف هذه الحركة بوصفها الأكبر من حيث حجم العضوية واتساع نطاق النشاط الجغرافي، ويُلاحظ أن قبيلة الفور، ببطونها المختلفة ونخبها المثقفة، تضم عددا كبيرا من الأعضاء الناشطين داخل الحركة، غير أنّه لا يمكن الجزم في هذه المرحلة بهوية جميع المنتمين إليها أو تحديد انتماءاتهم القبلية والعرقية بدقة، كما يسود قدرٌ ملحوظ من السرية فيما يتعلق بالبنية التنظيمية للحركة، وتسليح قواتها، ومصادر تمويلها، وهي مسائل ظلت ضمن نطاق الأسرار الداخلية التي لا تتوافر بشأنها معلومات مؤكدة، وتتمثل أبرز أهداف الحركة في وقف الاعتداءات ذات الطابع القبلي، والدفع باتجاه تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية، فضلا عن المطالبة بالمشاركة العادلة في السلطة(موسى، 2009، ص 100).
وقد حدث نزاع داخل جبهة تحرير السودان بين الزعماء بسبب اختلافاتهم القبلية، ومن أبرز الأحداث التي تعكس هذا الانقسام قيام مني أركو مناوي بتحويل شحنة من الأسلحة كان قد قدمها جون قرنق إلى مقاتلين من قبيلة الفور، إلى عناصر من قبيلة الزغاوة، وذلك على الرغم من الاتفاق القائم بين الطرفين على توحيد العمل، كما قامت مجموعات من قبيلة الزغاوة بشن هجوم على منطقة جبل مرة بهدف انتزاع السيطرة من عبد الواحد محمد نور، إلا أن هذا الهجوم توقف نتيجة ضغوط مارستها إريتريا(عثمان، 2008، ص 36).
10.حركة العدل والمساواة : تُعد حركة العدل والمساواة من أبرز الفصائل التي قادت التمرد في إقليم دارفور في أواخر شباط 2003م، اذ نشأت هذه الحركة في ضل انشقاق داخل حركة تحرير السودان بعد الاختلاف الذي حصل في الافكار والايديولوجيات لهذه المجموعات (المعرفة، د.ت).
وقد تأسست الحركة رسميا عام 2001م، عقب اجتماع سري عُقد في الخرطوم، شارك فيه مندوبون عن ثماني عشرة ولاية سودانية، تقرر خلاله اختيار الدكتور خليل إبراهيم حمد (طبيب وسياسي سوداني، تخرّج في كلية الطب بجامعة الجزيرة عام 1984، وعمل لفترة في المملكة العربية السعودية قبل عودته إلى السودان عقب انقلاب عام 1989، انخرط في صفوف الحركة الإسلامية، وتقلّد مناصب حكومية عدّة، منها وزير الصحة ووزير التعليم في إقليم دارفور قبل تقسيمه، كما عمل في ولايات أخرى، كان من القيادات البارزة في قوات الدفاع الشعبي خلال الحرب الأهلية في جنوب السودان بين 1989 و1999، حيث عُرف بلقب “أمير المجاهدين”، منذ عام 2001 أصبح يُوصَف في الإعلام الرسمي السوداني بالمتمرد، بعد تأسيسه حركة مسلحة خاضت القتال في إقليم دارفور)(اليوم السابع، د.ت)المنتمي إلى قبائل الزغاوة، رئيسا للحركة وناطقا رسميا باسمها، على أن يكون خارج السودان تجنبا للاعتقال، أسوة بقيادات حركة تحرير السودان، وتولى قيادة جناحها العسكري العميد التجاني سالم برو، فيما شغل المهندس أبو بكر حامد منصب المنسق العام الميداني، وان غالبية قيادات الحركة وأنصارها من ابناء قبائل الزغاوة، التي شكلت القاعدة الاجتماعية الأساسية لها، إلى جانب مشاركة محدودة من أبناء قبائل أخرى في الإقليم(محي الدين، 2011، ص 11).
وتذكر العديد من المصادر ان جذور تأسيس هذ الحركة يعود لعام 1993(حمد، 2017، ص 132) وهي أبرز حركات التمرد المسلحة في إقليم دارفور بغرب السودان، التي اتسم خطابها السياسي بمضامين ثورية ذات مرجعية إسلامية، كما حملت في بنيتها التنظيمية ملامح انقلابية ذات طابع جهادي، إلى جانب توظيفها للبعد العِرقي في إطار خطاب وطني جامع، وينتمي غالبية مقاتلي الحركة إلى قبيلة الزغاوة، وقد رفعت منذ نشأتها شعارات مقاومة الانتهاكات التي تمارسها الحكومة المركزية في إقليم دارفور، كما استندت الحركة في جانب من قواعدها الاجتماعية والسياسية إلى أنصار الدكتور حسن الترابي (هو حسن عبد الله الترابي، وُلد بمدينة كسلا عام 1922م، ويُعدّ من أبرز قادة الحركة الإسلامية في السودان، حيث جمع بين النشاطين السياسي والديني، واتسم مشروعه الفكري بسمات الاعتدال من جهة، والنزعة الانقلابية من جهة أخرى، ارتبط اسمه بالانقلاب العسكري الذي وقع عام 1989م ضد حكومة الصادق المهدي المنتخبة ديمقراطيا، والذي أفضى إلى قيام نظام “الإنقاذ” وتولية عمر حسن أحمد البشير رئاسة الدولة، وفي عام 1991م أسس الترابي المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي، الذي ضم ممثلين من نحو 45 دولة عربية وإسلامية، وانتُخب أمينا عاما له، ويُعد الترابي من أبرز دعاة التجديد الفكري في الفكر الإسلامي المعاصر، لا سيما في مجال الدعوة إلى تجديد علم أصول الفقه، انطلاقا من رؤيته القائلة بأن هذا العلم يتأثر بتطور الحياة وتبدل أنماطها، وقد ألّف في هذا المجال عددا من المؤلفات، من أبرزها كتاب «تجديد أصول الفقه»، وتوفي في 5 آذار/مارس 2016) (خليل، 2005، ص 112؛ إمامة، 2003، ص 432)، وتشكلت بوصفها جماعة معارضة سودانية ذات تنظيم شبه عسكري، ضم عناصر من قوات الدفاع الشعبي سابقا، ورغم حضورها العسكري والسياسي، عانت الحركة من كثرة الانشقاقات والصراعات الداخلية التي أثّرت في تماسكها التنظيمي(علي، د.ت).
ويبدو أن هذه الحركة أكثر قوة من الناحية السياسية مقارنة بحركة تحرير السودان، وذلك من خلال طبيعة الأجندة التي تتبناها، والتي تتسم بقدر أكبر من الشمول والوضوح في الأهداف؛ إذ لا تقتصر مطالبها على إقليم دارفور فحسب، وإنما تمتد لتشمل السودان بأسره، في إطار رؤية سياسية وطنية تتجاوز البعد الإقليمي الضيق(مؤنس، 2015، ص 243).
رابعا: الاسباب الاقتصادية
اذا كان الإنسان في دارفور، بكل تنوعه الإثني والقبلي والاجتماعي، وبكل لغاته وثقافاته وتراثه هو مبتدأ ومنتهى خيوط الأزمة، فإن الموارد الطبيعية التي تزخر بها دارفور والتي تمثلت في الأراضي الخصبة الشاسعة وباكورتها جبل مرة والمناخات المتدرجة من أقصى شمال الإقليم بمناخه الصحراوي إلى جنوبه ذي الكثافة الاستوائية، إضافة إلى الأجواء المناخية المتنوعة ومتوسط هطول الأمطار ووفرة المياه الجوفية، وما تختزنه باطن الأرض وما يظهر على سطحها من ثروات حيوانية مستأنسة وبرية، وصخور وأحجار، ومعادن متعددة مثل الذهب والماس والنحاس والحديد ورمال السليكا، فضلا عن الثروة البترولية، هي احد اهم محاور الصراع لأنها جعلت من دارفور صورة مصغرة للوطن السوداني الكبير(دوسة، 2013، ص 38).
وأدّت هذه الوفرة إلى تصاعد رغبة القبائل في السيطرة على تلك الموارد، الأمر الذي أفضى إلى نشوء صراعات مستمرة، انعكست سلبا على العلاقات البينية بين القبائل نتيجة تضارب المصالح ، ومع تفاقم الأوضاع، تطور النزاع من كونه صراعا اقتصاديا إلى صراع ذي أبعاد سياسية، طغى عليه الطابع المسلح، وصولا إلى بروز مطالب انفصالية واتهامات موجهة إلى الدولة بالانحياز لطرف دون آخر، فضلا عن إهمالها للإقليم
وكل تلك المزايا والموارد الاستثمارية جعلت السودان، بصورة عامة، دولة مستهدفة من قبل الدول الكبرى، التي سعت بمختلف الوسائل إلى تفكيكه عبر إثارة الصراعات بين أبنائه، بهدف الاستفراد بثرواته ونهبها، وتحويلها إلى مخزون استراتيجي يخدم مصالحها وأجيالها القادمة(حمد، 2017، ص 69–70).
ويمكن القول إن الصراع في إقليم دارفور استنزف قدرا كبيرا من الجهود والموارد المالية التي كان من المفترض توجيهها نحو تطوير البنية التحتية في أقاليم السودان المختلفة، ولا سيما الجنوب والغرب، وبخاصة إقليم دارفور الذي ظل يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وقد أسهم هذا الوضع في تفشي الفقر، وارتفاع معدلات البطالة، واتساع موجات الهجرة نحو العاصمة الخرطوم ودول الجوار، بل وحتى إلى أوروبا والولايات المتحدة، وذلك نتيجة الإهمال المزمن الذي مارسته الحكومات السودانية المتعاقبة تجاه الإقليم(حمد، 2017، ص 69–70).
الخاتمة:
خلصت هذه الدراسة إلى أن أزمة دارفور التي اندلعت عام (2003م) لم تكن حدثًا طارئًا أو نتيجة سبب منفرد، وإنما جاءت حصيلة تراكم طويل من الاختلالات البنيوية الداخلية التي تفاعلت فيما بينها حتى بلغت مرحلة الانفجار المسلح، فقد أسهمت العوامل الطبيعية والمناخية، ولا سيما الجفاف والتصحر وتذبذب الأمطار، في تقليص الموارد الأساسية وخلق بيئة تنافسية حادة بين المزارعين والرعاة. وفي الوقت ذاته، أدت النزاعات القبلية والانقسامات الاجتماعية وضعف آليات الصلح التقليدية إلى زيادة حدة الاحتقان الداخلي، بينما عمّقت سياسات التهميش الإداري والسياسي من شعور سكان الإقليم بالإقصاء وعدم المساواة، كما كان للإهمال الاقتصادي وغياب التنمية والاستثمارات أثر مباشر في تفشي الفقر والبطالة واتساع دائرة السخط الاجتماعي، الأمر الذي مهّد لظهور الحركات المسلحة وتصاعد المواجهة مع الدولة.
النتائج
- أثبتت الدراسة أن أزمة دارفور نتجت عن تفاعل معقد بين عوامل بيئية واجتماعية وسياسية واقتصادية، وليس بسبب عامل واحد.
- أدى الجفاف والتصحر وتراجع الأمطار إلى اشتداد الصراع على المياه والمراعي والأراضي الزراعية.
- شكّلت النزاعات القبلية المتراكمة وضعف الإدارة الأهلية أحد أهم العوامل التي زادت من هشاشة الاستقرار المحلي.
- أسهمت سياسات التهميش التي مارستها الحكومات المركزية في تعميق الشعور بالغبن السياسي والاجتماعي لدى سكان الإقليم.
- كان لضعف التنمية وغياب البنية التحتية والخدمات الأساسية دور واضح في ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتغذية التوترات.
- أدى تراكم هذه العوامل إلى بروز حركات مسلحة تبنت خيار المواجهة بوصفه وسيلة لانتزاع الحقوق والمطالب السياسية.
- استمرت آثار الأزمة بعد عام (2003م) بسبب غياب المعالجات الجذرية لجذور النزاع الداخلية.
التوصيات
- ضرورة تبني مشروع وطني شامل لمعالجة جذور التهميش السياسي والاقتصادي في دارفور وبقية الأقاليم الطرفية.
- إعادة تأهيل البنية التحتية وتوسيع الاستثمارات في مجالات التعليم والصحة والطرق والمياه.
- وضع سياسات فعالة لإدارة الموارد الطبيعية والحد من آثار الجفاف والتصحر عبر مشاريع تنموية مستدامة.
- تفعيل آليات المصالحة المجتمعية وإحياء مؤسسات الصلح الأهلي بما ينسجم مع القانون والدولة الحديثة.
- ضمان تمثيل عادل لسكان دارفور في مؤسسات الحكم والإدارة وصنع القرار الوطني.
- دعم برامج مكافحة الفقر والبطالة وتوفير فرص العمل للشباب للحد من الانخراط في النزاعات المسلحة.
- إجراء المزيد من الدراسات العلمية المتخصصة حول الأزمات الداخلية في السودان، بما يسهم في بناء سياسات وقائية مستقبلية أكثر فاعلية.
المصادر
أولا: المصادر العربية
البالاني، إبراهيم قاسم درويش. (2015). الأبعاد الجغرافية السياسية للصراع البيئي في دارفور. مجلة ديالى للبحوث الإنسانية، العدد 65. جامعة ديالى، كلية التربية للعلوم الإنسانية.
Al-Palani, Ibraheem Qasim Darwish. (2015). The geopolitical dimensions of the environmental conflict in Darfur. Diyala Journal for Human Research, Issue 65. University of Diyala, College of Education for Human Sciences.
عباس، أحمد رحيل، ومحيي الدين، ذاكر. (2020). أسباب وعوامل اندلاع التمرد في دارفور عام 2003. مجلة أبحاث كلية التربية الأساسية، 16(4).
Abbas, Ahmed Raheel, & Mohiuddin, Zakir. (2020). Causes and factors behind the outbreak of the rebellion in Darfur in 2003. Journal of Research of the College of Basic Education, 16(4).
أبكر، أحمد سليمان. (2024). غرائب وعجائب السياسة في السودان. دار الخليج للنشر والتوزيع.
Abkar, Ahmed Suleiman. (2024). The wonders and peculiarities of politics in Sudan. Dar Al-Khaleej for Publishing and Distribution.
آدم، أحمد عبد الله. (2022). النزاعات الداخلية والحروب الأهلية في السودان 1989–1995. مجلة الدراسات العليا، 17(5).
Adam, Ahmed Abdullah. (2022). Internal conflicts and civil wars in Sudan, 1989–1995. Journal of Graduate Studies, 17(5).
تاربوك، إدوارد جي.، لوتجينز، فريدريك كي.، وتازاء، دينيس. (2008). الأرض: مقدمة في الجيولوجيا الفيزيائية. العبيكان للنشر.
Tarbuck, Edward J., Lutgens, Frederick K., & Tasa, Dennis. (2008). Earth: An introduction to physical geology. Obeikan Publishing.
إبراهيم، أمل فاروق. (2013). الاتحاد الأفريقي ودوره في حل المشكلات السودانية: دارفور أنموذجًا (رسالة ماجستير غير منشورة). جامعة المستنصرية.
Ibrahim, Amal Farouk. (2013). The African Union and its role in resolving Sudanese problems: Darfur as a model (Unpublished master’s thesis). Al-Mustansiriya University.
الصادق، أميرة مصطفى. (2004). الآثار النفسية والاجتماعية للحرب في دارفور بالجامعات الحكومية بولاية الخرطوم (رسالة ماجستير غير منشورة). جامعة الخرطوم.
Al-Sadiq, Amira Mustafa. (2004). The psychological and social effects of the war in Darfur in public universities in Khartoum State (Unpublished master’s thesis). University of Khartoum.
مالك، أنور. (د.ت.). ثورة أمة: أسرار الجامعة العربية إلى سوريا. العبيكان للنشر والتوزيع.
Malik, Anwar. (n.d.). The revolution of a nation: The secrets of the Arab League to Syria. Obeikan Publishing and Distribution.
يعقوب، إسحق إبراهيم هدى. (2013). التغيرات المناخية وأثرها على الإنتاج الزراعي في ولاية شمال دارفور – السودان. مجلة آداب البصرة، العدد 67، 275-308.
Yaqoub, Ishaq Ibrahim Huda. (2013). Climate change and its impact on agricultural production in North Darfur State, Sudan. Basra Journal of Arts, Issue 67, 275–308.
عثمان، إسماعيل مصطفى. (2006). دارفور: ماضٍ، حاضر، مستقبل. دار الأصالة للنشر والتوزيع.
Othman, Ismail Mustafa. (2006). Darfur: Past, present, and future. Dar Al-Asala for Publishing and Distribution.
البديري، إياد عايد والي. (2009). مشكلة دارفور: أسبابها ونتائجها. مجلة القادسية للعلوم الإنسانية، 12(1).
Al-Budairi, Iyad Ayed Wali. (2009). The Darfur problem: Its causes and consequences. Al-Qadisiyah Journal for Human Sciences, 12(1).
حمد، هديل عباس. (2017). إقليم دارفور: دراسة في أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية حتى عام 2001 (رسالة ماجستير غير منشورة). جامعة بابل.
Hamad, Hadeel Abbas. (2017). The Darfur region: A study of its social, economic, and political conditions up to 2001 (Unpublished master’s thesis). University of Babylon.
الحسيني، سمير. (2004). الآثار الإنسانية لصراع دارفور. مجلة الإنساني الشهرية، العدد 29.
Al-Husseini, Samir. (2004). The humanitarian effects of the Darfur conflict. Al-Insani Monthly Magazine, Issue 29.
البحتري، زكي. (2006). مشكلة دارفور: الجذور التاريخية والأبعاد الاجتماعية. مكتبة مدبولي.
Al-Buhturi, Zaki. (2006). The Darfur problem: Historical roots and social dimensions. Madbouly Library.
حسين، سرحان غلام. (2019). الجذور التاريخية لمشكلة دارفور: تطورها والواقع الراهن والآفاق المستقبلية. دار أمجد للنشر والتوزيع.
Hussein, Sarhan Ghulam. (2019). The historical roots of the Darfur problem: Its development, current reality, and future prospects. Dar Amjad for Publishing and Distribution.
بابكر، رائد محمد عباس حاج. (2011). أثر البعد الخارجي لمشكلة دارفور على الأمن القومي السوداني (رسالة ماجستير غير منشورة). جامعة أم درمان الإسلامية.
Babiker, Raed Mohammed Abbas Haj. (2011). The impact of the external dimension of the Darfur problem on Sudanese national security (Unpublished master’s thesis). Omdurman Islamic University.
فرحات، رضا محمد محيي الدين. (2015). إدارة أزمة دارفور ونشأة الصراع: دراسة تحليلية. المجلة العلمية للدراسات التجارية والبحوث البيئية، 6(1).
Farahat, Reda Mohammed Mohiuddin. (2015). Managing the Darfur crisis and the emergence of the conflict: An analytical study. Scientific Journal of Commercial Studies and Environmental Research, 6(1).
دوسة، عبد الجبار محمود. (2013). دارفور وأزمة الدولة في السودان. مكتبة جزيرة الورد.
Dousa, Abdel Jabbar Mahmoud. (2013). Darfur and the crisis of the state in Sudan. Jazirat Al-Ward Library.
إبراهيم، عبد الأمير عبد الحسن. (2024). تغير المناخ والنزاعات المسلحة: دراسة في القانون الدولي الإنساني، النزاع في دارفور أنموذجًا. مجلة كلية القانون والعلوم السياسية في الجامعة العراقية، العدد 26.
Ibrahim, Abdul Amir Abdul Hassan. (2024). Climate change and armed conflicts: A study in international humanitarian law, the Darfur conflict as a model. Journal of the College of Law and Political Science at the Iraqi University, Issue 26.
جمعة، عبد الله عبد السلام. (2010). تطوير الاستدامة وتحدياتها: مشروع جبل مرة (رسالة ماجستير غير منشورة). جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا.
Jumaa, Abdullah Abdel Salam. (2010). Developing sustainability and its challenges: The Jebel Marra project (Unpublished master’s thesis). Sudan University of Science and Technology.
عثمان، عبد المنعم ضيفي. (2008). دارفور: التاريخ والصراع والمستقبل. دار الرشاد.
Othman, Abdel Moneim Dhaifi. (2008). Darfur: History, conflict, and future. Dar Al-Rashad.
رأفت، جلال، وآخرون. (2006). السودان على مفترق الطرق: بعد الحرب… قبل السلام. مركز دراسات الوحدة العربية.
Raafat, Galal, et al. (2006). Sudan at a crossroads: After war… before peace. Center for Arab Unity Studies.
حقار، علي أحمد. (2003). البعد السياسي للصراع القبلي في دارفور. شركة المطابع.
Haqqar, Ali Ahmed. (2003). The political dimension of tribal conflict in Darfur. Printing Company.
دوزي، وليد. (2023). النزاع الإثنو-قبلي في دارفور: ديناميكيته ومآلاته. مجلة السياسة العالمية، 7(2).
Douzi, Walid. (2023). The ethno-tribal conflict in Darfur: Its dynamics and outcomes. Journal of Global Politics, 7(2).
تكنة، يوسف. (2015). دارفور: التقسيمات الإدارية والنزاع القبلي في ولاية جنوب دارفور. في أعمال ورشة: نتحد في سلام أم نتقابل؟. البعثة المختلطة للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في دارفور (UNAMID).
Tekna, Youssef. (2015). Darfur: Administrative divisions and tribal conflict in South Darfur State. In Proceedings of the workshop: Shall we unite in peace or confront each other? African Union–United Nations Hybrid Operation in Darfur (UNAMID).
مسار، عبد الله. (د.ت.). عظماء من بلادي: أحمد إبراهيم دريج. موقع النيلين. مسترجع من:
https://www.alnilin.com/13286728.htm
Massar, Abdullah. (n.d.). Great figures from my country: Ahmed Ibrahim Diraige. Alnilin website. Retrieved from: https://www.alnilin.com/13286728.htm
السودان الآن. (د.ت.). عبدالله أبكر مفجر الثورة السودانية. مسترجع من: https://sudannow.net
udan Now. (n.d.). Abdullah Abkar, the igniter of the Sudanese revolution. Retrieved from: https://sudannow.net
عبد الرحيم علي. (د.ت.). حركة العدل والمساواة. مسترجع من: https://www.islamist-movements.com/3285
Abdel Rahim Ali. (n.d.). The Justice and Equality Movement. Retrieved from: https://www.islamist-movements.com/3285
محمود، نهى. (د.ت.). خليل إبراهيم من أمير للمجاهدين إلى قتيل متمرد. اليوم السابع. مسترجع من:
Mahmoud, Noha. (n.d.). Khalil Ibrahim: From commander of the Mujahideen to a slain rebel. Youm7. Retrieved from: https://www.youm7.com/563086
حركة العدل والمساواة. (د.ت.). المعرفة. مسترجع من: https://www.marefa.org
Justice and Equality Movement. (n.d.). Marefa. Retrieved from: https://www.marefa.org
الجزيرة نت. (د.ت.). دارفور. الجزيرة نت. مسترجع من: https://www.aljazeera.net
Al Jazeera Net. (n.d.). Darfur. Al Jazeera Net. Retrieved from: https://www.aljazeera.net
المعرفة. (د.ت.). دارفور. المعرفة. مسترجع من: https://www.marefa.org
Marefa. (n.d.). Darfur. Marefa. Retrieved from: https://www.marefa.org
ثانيا: المصادر الأجنبية
Sievers, A. H., Marks, S., & Naidu, S. (2010). Chinese and African perspectives on China in Africa. Fahamu/Pambazuka.
Fufa, F. S., & Taa, T. (2014). The crisis in Darfur: A short history. American Research Journal of History and Culture, 4, 1–7.