الضغوط النفسيَّة التي تعانيها أمهات لأطفال ذوي احتياجات خاصَّة في منطقة المثلث داخل الخط الأخضر
سيرين محمود عازم1، أريج حلمي رابي2
1 معلمة في مدرسة السلام الإعدادية الطيبة، فلسطين، باحثة دكتوراة -جامعة النجاح الوطنية -نابلس ,فلسطين.
بريد الكتروني:sireen253@gmail.com
2 معلمة في مدرسة الرازي الإعدادية – جلجولية ، فلسطين. باحثة دكتوراة -جامعة النجاح الوطنية -نابلس ,فلسطين.
بريد الكتروني:majdrabi269@gmail.com
Psychological stress experienced by mothers of children with special needs in the Triangle area within the Green Line
Sireen Mahmoud Azem¹, Areej Helmi Rabi²
1 Teacher at Al-Salam Preparatory School, Al-Taybeh, Palestine; PhD researcher, An-Najah National University, Nablus, Palestine.
Email: sireen253@gmail.com
2 Teacher at Al-Razi Preparatory School, Jaljulia, Palestine; PhD researcher, An-Najah National University, Nablus, Palestine.
Email: majdrabi269@gmail.com
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj75/33
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/75/33
المجلد (7) العدد (5). الصفحات: 605 - 623
تاريخ الاستقبال: 2026-04-15 | تاريخ القبول: 2026-04-22 | تاريخ النشر: 2026-05-01
المستخلص: تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف الضغوط النفسية التي تواجه أمهات الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في منطقة المثلث داخل الخط الأخضر، وفهم انعكاس هذه الضغوط على حياتهن اليومية، إلى جانب التعرف على استراتيجيات المواجهة التي يعتمدنها للتكيف مع واقعهن المعقد. كما تسعى الدراسة إلى إبراز دور المجتمع في تشكيل هذه الضغوط، من خلال ما يحمله من معتقدات وتوقعات وأعراف وآراء تسهم في زيادة العبء النفسي الواقع على الأمهات. اعتمدت الدراسة على المنهج النوعي الذي يركز على الفهم العميق لظاهرة اجتماعية محددة. تم اختيار عينة عشوائية مكوّنة من ست أمهات لأطفال ذوي احتياجات خاصة من بلدات عربية مختلفة في منطقة المثلث، وجُمعت البيانات من خلال إجراء مقابلات شبه منظمة كأداة رئيسية للبحث. أظهرت نتائج الدراسة أن ولادة طفل ذي احتياجات خاصة تمثل صدمة نفسية كبيرة للأم، تترافق مع مشاعر القلق والخوف من المستقبل، إضافة إلى أعباء أسرية واجتماعية ومادية متراكمة. كما بيّنت النتائج أن الأمهات يطوّرن استراتيجيات تكيف متعددة لمواجهة هذه التحديات. وانطلاقًا من تجاربهن، قدّمن مجموعة من التوصيات العملية التي تؤكد على أهمية دعم الأسرة، وتقبّل الطفل، ودمجه بشكل طبيعي في المجتمع، وعدم الالتفات إلى الأحكام السلبية من الآخرين.
الكلمات المفتاحية: الضغوط النفسية، أمهات الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، الأطفال ذوو الاحتياجات الخاصة، الخط الأخضر.
Abstract: This study aims to explore the psychological pressures faced by mothers of children with special needs in the Triangle region inside the Green Line, and to understand the impact of these pressures on their daily lives. It also seeks to identify the coping strategies these mothers adopt to adapt to their complex reality. In addition, the study highlights the role of society in shaping these pressures through its beliefs, expectations, norms, and attitudes, which contribute to increasing the psychological burden placed on mothers. The study adopted a qualitative approach, which focuses on achieving an in-depth understanding of a specific social phenomenon. A random sample consisting of six mothers of children with special needs from different Arab towns in the Triangle region was selected. Data were collected through semi-structured interviews as the main research tool. The findings revealed that the birth of a child with special needs represents a major psychological shock for the mother, accompanied by feelings of anxiety and fear about the future, in addition to accumulated family, social, and financial burdens. The results also showed that mothers develop various coping strategies to confront these challenges. Based on their experiences, the mothers offered a set of practical recommendations emphasizing the importance of family support, acceptance of the child, natural integration into society, and disregarding negative judgments from others.
Keywords: Stress among mothers of children with special needs, children with special needs, the Green Line.
المقدمة
تُعدّ الضغوط النفسيّة أحد الموضوعات الحيوية التي نالت اهتمام العلماء والباحثين في مجالات الصحة النفسية والعلوم الإنسانية المُختلفة، لما يترتب عليه من آثار ونتائج خطيرة قد تؤثر بشكل مُدمّر على حياة الفرد والمُجتمعات. الضغوط النفسية تُعدّ ظاهرة شائعة يعاني منها الجميع بمُختلف الفئات العمريّة وفي مختلف مراحل حياتهم اليومية وتنتج هذه الضغوط عن احداث قد لا تتماشى مع تطلعاتنا ورغباتنا كما انها تظهر في سياقات مُتعددة مثل الاسرة والمدرسة والعمل وحتى الوظيفة (باتشو وبغول، 2020).
تتسم الضغوط النفسيّة بتفاوت مدّتها وحدّتها فقد تكون مؤقتة وقصيرة الأمد في بعض الأحيان بينما تمتد لفترات طويلة في أحيان أخرى وقد تظهر بوضوح وجلاء في مواقف معينة أو تظل خفيّة وغير محسوسة في مواقف أخرى وتختلف تأثيرها على الافراد تبعًا للزمان والظروف المُحيطة، كما تتباين من شخص لآخر إذ إنَّ ما يُعتبر مصدرًا للتوتر والضغوط النفسية لدى أحدهم قد لا يمثل أي تأثير نفسي على غيره (باتشو وبغول، 2020).
ميلاد طفل ذي الإعاقة يمثل تحديًّا نفسيًّا واجتماعيًّا كبيرًا للأسرة وخاصةً للأم التي طالما حلمت أحلامًا وآمالًا لطفلها المُنتظر متمنيةً أن يولد سليمًا ومعافى، منذ لحظة الحمل تبدأ الام برسم ملامح مستقبله وتخطط لنشأته وتربيته لذا فإنَّ اكتشاف أنّ طفلها يعاني من إعاقة يكون صدمة كبيرة ومفاجأة غير متوقعة قد يصعب تقبلها بسهولة هذا الامر يجعل نظرتها لطفلها مختلفة إذ ترى فيه اختلافًا عن إخوته وأقرانه في جوانب معينة وبالرغم من أي معلومات قد تكون متوفرة لديها مسبقًا حول الإعاقة إلا أنَّ وقع الخبر يكون شديدًا يرافقه شعور بالدهشة والخوف والحزن وربما الإحساس بالذنب. تختلف استجابات الأمهات تجاه هذا الواقع لكنه بلا شك يمثل نقطة تحول عميقة في حياتهن (باتشو وبغول، 2020).
من خلال مراجعة أدبيات موضوع البحث، يتبين وجود العديد من الدراسات التي تناولت الضغوط النفسية التي تواجهها الأمهات في مجالات متنوعة؛ فعلى سبيل المثال، هناك دراسات تناولت الضغوط النفسية لدى أمهات الأطفال المصابين بالتوحد، وأخرى لدى أمهات الأطفال ذوي الإعاقة العقلية أو الحركية وغيرهم. ومع ذلك، فإنَّ هذه الدراسات لا تتعمق بشكل كافٍ في موضوع الضغوط النفسية الناتجة عن وجود طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة داخل الأسرة، ولا تركز بشكل محوري على تجربة الأمهات في هذا السياق. وعليه، يسعى البحث الحالي الى سد هذه الفجوة البحثية وتقديم مساهمة نظرية في هذا الموضوع المهم (باتشو وبغول، 2020).
من هذا المُنطلق تُعد الضغوط النفسية التي تواجه الأمهات لأطفال ذوي احتياجات خاصة من أبرز التحديات التي تواجههن في حياتهن، وبناءً على ذلك جاء البحث هذا ليُسلط الضوء على دراسة هذه الضغوطات التي تعانيها الأمهات لأطفال ذوي احتياجات خاصة بالإضافة الى استكشاف مدى تأثير هذه الضغوطات على حياتهن اليوميّة، والابحار في الطرق والاستراتيجيات التي يتّبعنها في ادائهن اليومي.
سيتم استخدام أسلوب البحث النوعي الذي يتماشى مع موضوع الدراسة، كما ستحتوي الدراسة على إطار نظري شامل يتم من خلاله تعريف المفاهيم الأساسية والمصطلحات المرتبطة بموضوع الدراسة. بعد ذلك سيتم الانتقال إلى منهجية البحث التي ستوضح أسئلة البحث وأهدافه، الأسلوب المُستخدم، وأدوات البحث التي ستُستخدم لجمع المعلومات بالإضافة الى تفاصيل عن المشاركين في الدراسة. في نهاية البحث ستُعرض النتائج المُستخلصة من تحليل المُقابلات يليها فصل يتناول النقاش والاستنتاجات متبوعًا بالتوصيات.
مشكلة البحث
تُعدّ الضغوط النفسية التي تواجهها أمهات الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة من القضايا الإنسانية والاجتماعية المعقدة، إذ تتداخل في تشكيلها مجموعة من العوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. وتبرز هذه المشكلة بشكل أكثر وضوحًا في منطقة المثلث داخل الخط الأخضر، حيث تتفاقم معاناة الأمهات في ظل محدودية الوعي المجتمعي، ونقص الدعم المؤسسي، وقلة توفر الخدمات المتخصصة.
تتحمل الأمهات في هذا السياق أعباء يومية مضاعفة تتجاوز متطلبات الرعاية التقليدية، لتشمل تحديات نفسية واجتماعية مرتبطة بنظرة المجتمع، وضعف شبكات الدعم، مما ينعكس سلبًا على صحتهن النفسية وجودة حياتهن. ومن خلال خبرتي الميدانية كمعلمة في هذه المنطقة، يتضح أن أمهات الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة يواجهن صعوبات متعددة في التكيف مع متطلبات الرعاية، خاصة في ظل غياب الدعم الكافي في بعض الحالات، الأمر الذي يستدعي تسليط الضوء على هذه الظاهرة ودراستها بعمق أكبر.
وعلى الرغم من أهمية هذا الموضوع، إلا أن الدراسات المحلية التي تناولته ما تزال محدودة، ولا تعكس بصورة كافية التجارب الواقعية للأمهات، ولا أساليب التكيف التي يعتمدنها في مواجهة هذه الضغوط. ومن هنا تنبع مشكلة الدراسة من الحاجة إلى فهم أعمق لطبيعة الضغوط النفسية التي تعاني منها هذه الفئة، والعوامل المؤثرة فيها، بما يسهم في تطوير برامج تدخل ودعم أكثر ملائم لاحتياجاتهن .
أسئلة البحث
سؤال الدراسة الرئيسي
ما هي الضغوط النفسيَّة التي تعانيها أمهات لأطفال ذوي احتياجات خاصَّة في المثلث داخل الخط الأخضر؟
من سؤال الدراسة الرئيسي ينبثق منه أسئلة الدراسة الثانوية التالية:
– كيف تواجه الأمهات لأطفال ذوي احتياجات خاصَّة هذه الضغوط النفسيَّة في اداءها اليومي؟
-ما أشكال الضغوط النفسية التي تعبر عنها الأمهات (مثل القلق، التوتر، الشعور بالعبء، الخوف من المستقبل)؟
- ما العوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي تسهم في زيادة هذه الضغوط أو التخفيف منها؟
– ما الاستراتيجيات التي تستخدمها الأمهات للتكيف مع الضغوط النفسية؟
– ما أشكال الدعم التي تتلقاها الأمهات (الأسري، المجتمعي، المؤسساتي)، وكيف تقيّمن هذا
الدعم؟
أهداف البحث
تهدف هذه الدراسة إلى:
–التعرف على طبيعة الضغوط النفسية التي تعاني منها أمهات الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في منطقة المثلث داخل الخط الأخضر.
– الكشف عن أبرز العوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي تسهم في زيادة هذه الضغوط.
– فهم التجارب اليومية للأمهات في التعامل مع أطفالهن في ظل هذه التحديات.
– التعرف على استراتيجيات التكيف التي تعتمدها الأمهات لمواجهة الضغوط النفسية.
– استكشاف دور المجتمع المحيط (الأسرة، المؤسسات، والبيئة الاجتماعية) في دعم الأمهات أو في زيادة الضغوط عليهن.
– تقديم توصيات عملية تسهم في تحسين جودة حياة الأمهات وأطفالهن.
أهمية البحث
الأهمية النظرية
تسهم هذه الدراسة في إثراء المعرفة العلمية المتعلقة بالضغوط النفسية لدى أمهات الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، خاصة في سياق المجتمع العربي في منطقة المثلث داخل الخط الأخضر. كما تساعد في سدّ النقص في الدراسات المحلية، وتوفر فهمًا أعمق لتأثير العوامل الاجتماعية والثقافية في هذه الظاهرة.
الأهمية التطبيقية
تُسهم نتائج هذه الدراسة في تطوير برامج دعم نفسي واجتماعي تتلاءم مع احتياجات الأمهات، كما تزوّد المختصين وصُنّاع القرار برؤية أوضح حول واقعهن وتحدياتهن. ومن شأن ذلك أن يسهم في تحسين جودة حياتهن، وتعزيز تقبّل المجتمع للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.
فرضيات البحث
- تعاني أمهات الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة من مستويات مرتفعة من الضغوط النفسية.
- يرتبط مستوى الدعم الاجتماعي الذي تتلقاه الأم بمستوى الضغوط النفسية لديها.
- تسهم العوامل الثقافية والاجتماعية في المجتمع المحلي في زيادة الضغوط النفسية لدى الأمهات.
- تختلف استراتيجيات التكيف لدى الأمهات حسب ظروفهن الاجتماعية والاقتصادية.
- يؤدي نقص الخدمات والدعم المؤسسي إلى تفاقم الضغوط النفسية لدى الأمهات
مصطلحات البحث
الضغوط النفسية (Psychological Stress)
تعرف الضغوط النفسية بأنها حالة من التوتر والانفعال تنتج عن تعرض الفرد لمواقف أو متطلبات تفوق قدرته على التكيف، مما قد يؤدي إلى اضطرابات نفسية مثل القلق والتعب النفسي (إبراهيم، 2000).
أمهات الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة
هن الأمهات اللواتي يتحملن الدور الأساسي في رعاية طفل يعاني من إعاقة أو اضطراب، مما يضع عليهن أعباء نفسية واجتماعية إضافية مقارنة بالأمهات الأخريات (الروسان، 2010).
الأطفال ذوو الاحتياجات الخاصة
هم الأطفال الذين يعانون من إعاقات عقلية أو جسدية أو حسية أو نمائية، ويحتاجون إلى خدمات تربوية وتأهيلية خاصة تساعدهم على التكيف والنمو (الخطيب والحديدي، 2009)
منطقة المثلث داخل الخط الأخضر
تُعرّف منطقة المثلث داخل الخط الأخضر بأنها تجمع جغرافي من بلدات عربية في وسط البلاد، يتميّز بأغلبية سكانية عربية فلسطينية، ويعيش سكانها ضمن سياق اجتماعي-سياسي واقتصادي معقّد يتسم بتفاوتات بنيوية في الموارد والخدمات والبنى التحتية (Ghanem & Mustafa, 2021).
حدود البحث
الحدود المكانية: تقتصر الدراسة على منطقة المثلث داخل الخط الأخضر، بما تشمله من بلدات عربية.
الحدود الزمانية: أجريت الدراسة خلال الفصل الدراسي الأول من العام الدراسي 2025/2026
الحدود البشرية: تشمل الدراسة أمهات الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة اللواتي يقمن بدور الرعاية الأساسية لأطفالهن ويقمن في منطقة الدراسة.
الحدود الموضوعية: تتناول الدراسة الضغوط النفسية التي تتعرض لها الأمهات، من حيث طبيعتها ومصادرها، بالإضافة إلى استراتيجيات التكيف وأشكال الدعم المرتبطة بها.
الإطار النظري
يتسم المجتمع البشري بتنوع غني يعكس اختلافات الافراد في الجوانب الثقافية والجسدية والنفسية والاجتماعية، حيث يتجسد هذا التنوع في وجود قوميات واجناس وطوائف متعددة التي تتبنى قيمًا ومعتقدات مُختلفة تشكل ثقافات مُتنوعة. ومع التغييرات المُتسارعة في المُجتمعات بسبب العولمة، زيادة معدلات الهجرة، التطور التكنولوجي ووسائل الاتصال، الى جانب تعزيز دور الثقافات الفرعية داخل الإطار الثقافي السائد، تزايدت مظاهر الاختلاف في المجتمعات، ونتيجة لذلك ساعدت المجتمعات التي تحتضن التنوع البشري في ترسيخ مفهوم المجتمع مُتعدد الثقافات (عبد المحسن والقيناوي، 2023).
التعددية الثقافية تعني وجود تنوع في الثقافات داخل المجتمع الواحد، حيث تُسهم في تشكيل الهوية والانتماء والعلاقات الاجتماعية. تسعى هذه الظاهرة الى تحقيق الاستفادة من هذا التنوع من خلال تعزيز التفاعل الإيجابي بين الثقافات المُختلفة، احترام حقوق الفرد، وتشجيع الحوار البنَّاء، مع التأكيد على احترام الخصوصيات الثقافية لكل فئة او مجتمع (إبراهيم، د.ت).
تُعبّر التعددية الثقافية عن التقدير والاحترام المتبادل بين مختلف الثقافات وتعزز الفهم والقبول المشترك، مما يتيح للأفراد من خلفيات متنوعة العمل معًا داخل المجتمع فهي تمثل نظامًا أكثر عدالة حيث تتيح للناس حرية التعبير عن هويتهم الحقيقية ضمن المجتمع. حيث تُسهم التعددية الثقافية في بناء نظام اجتماعي أكثر تسامحًا وقدرةً على التعامل بفعالية مع القضايا الاجتماعية المختلفة (أبو سكين، 2014).
علاوة على ذلك، تُمثّل التعددية الثقافية مفهومًا يجمع بين التنوع والوحدة حيث تسعى الى تحقيق التوازن بين الحفاظ على الهويات الثقافية المتنوعة وتعزيز الانسجام الاجتماعي، فهي تقوم على مبدأ الاعتراف بحق الجماعات الثقافية المختلفة في التعبير عن هويتها مما يؤدي الى خلق بيئة قائمة على الاحترام المتبادل والتقدير المشترك (أبو سكين، 2014).
تماشيًا مع ما تم ذكره، يمتد تأثير التعددية الثقافية الى الجوانب الأساسية لحياة الفرد والمجتمعات إذ تُبرز دور المعتقدات والقيم وأساليب الحياة في تشكيل الهوية الفردية والجماعية. هذا التنوع يسهم في تعزيز الشعور بالانتماء ويتيح لكل جماعة ثقافية أن تعبر عن ذاتها ضمن نسيج المجتمع دون أن تفقد خصائصها المميزة. في هذا الإطار تُعد التعددية الثقافية وسيلة لدعم وحماية الثقافات المختلفة، مما يمنحها الفرصة للنمو والاستمرار بعيدًا عن أي شكل من أشكال التهميش أو الذوبان، كما أنها تساهم في إضفاء الشرعية على الهويات الثقافية المتعددة، وتعزز الاعتراف بالخصائص الفريدة لكل ثقافة، الامر الذي يؤدي الى بناء مجتمع أكثر انفتاحًا وتسامحًا (أبو سكين، 2014).
ذوو الاحتياجات الخاصة، الاختلاف والتعددية
يُعتبر مفهوم ذوو الاحتياجات الخاصة من المفاهيم الحديثة التي دخلت مجالات العلوم التربوية والنفسية، ويشير هذا المفهوم الى الافراد الذين يعانون من اختلافات واضحة عن المعدلات العادية في جوانب نموهم العقلي، الجسمي والانفعالي مقارنةً ببقية الافراد العاديين الاخرين (الكبيسي والحياني، 2014).
يتمتع ذوو الاحتياجات الخاصة بقدرات وخصائص قد تكون محدودة أو استثنائية في الجوانب الجسدية، العقلية، الاجتماعية أو العاطفية مما يؤثر على نموهم وتطورهم مقارنةً بأقرانهم في نفس الفئة العمرية، حيث لا يُستخدم هذا المصطلح كبديل لمفاهيم مثل الإعاقة أو الاختلاف بل يهدف الى تقديم منظور أوسع وأكثر إيجابية حول احتياجاتهم المتنوعة (Stephanie, 2018).
تفسيرًا لذلك، تنشأ هذه الاحتياجات نتيجة لعوامل مختلفة مثل العيوب الخلقية أو الظروف المكتسبة لاحقًا بسبب الأوضاع الاقتصادية، الاجتماعية، العاطفية أو نتيجة للتغيرات السياسية والكوارث الطبيعية. في جميع الحالات يتطلب ذوو الاحتياجات الخاصة دعمًا وتوجيهًا مناسبين لضمان نموهم وتطورهم بالشكل الأمثل (Stephanie, 2018).
تماشيًا مع ما تم ذكره، يندرج ذوو الاحتياجات الخاصة ضمن إطار التربية الخاصة حيث يشير هذا المصطلح الى مجموعة من البرامج والخدمات التعليمية التي تهدف الى تلبية احتياجات الأطفال الذين لا يستطيعون التكيف مع المناهج التعليمية العادية بسبب اعاقات أو صعوبات خاصة. يتضمن هذا المجال تعديل المناهج الدراسية وطرق التعليم لتتناسب مع هذه الاحتياجات، مثل استخدام وسائل تعليمية مبتكرة أو تقنيات مخصصة، كما يهدف الى تحسين قدرات الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة وتعزيز تكيفهم مع المجتمع من خلال توفير بيئة تعليمية ملائمة. يختلف تطبيق التربية الخاصة عن التعليم التقليدي في أنه يعتمد على أدوات قياس وتشخيص دقيقة لتحديد احتياجات الأطفال، كما ويصمم برامج تعليمية تتناسب مع هذه الاحتياجات، مع توفير الوسائل التي تساهم في التأهيل والنمو، الهدف هو مساعدة الأطفال على تحقيق أقصى قدر من التكيف الاجتماعي والتوافق الذاتي، مما يعزز قدراتهم في مواجهة التحديات الحياتية (النوايسة، 2013).
يحتوي إطار التربية الخاصة على فئات متنوعة من الأطفال الذين يحتاجون الى هذه البرامج والخدمات ومن هذه الفئات الأطفال المتفوقين والموهوبين، الأطفال ذوو الإعاقة السمعية أو العقلية أو البصرية، الأطفال ذوو الاعاقات الجسمية والصحية، الأطفال ذوو الاضطرابات الانفعالية والسلوكية، الأطفال المصابون بالتوحد، الأطفال ذوو صعوبات التَّعلم والأطفال ذوو اضطرابات التواصل، هذه البرامج والخدمات تهدف الى الكشف المبكر عن الإعاقة وتقديم الدعم الوقائي والعلاجي لتقليل آثارها السلبية على هذه الفئات (قراقيش وآخرون، 2021).
تُشير التعددية الى التنوع والتباين بين المجموعات، حيث تتجلى في اشكال متنوعة مثل التعددية العرقية، الدينية، الثقافية، والاقتصادية. كل مجموعة قد تفسر التعددية من زاويتها الخاصة بناءً على خصائصها الفريدة، التعددية تدل ايضًا على وجود هيئات ومجموعات غير متجانسة في المجتمعات المعاصرة لكل منها اهتمامات وأهداف تميزها عن الاخرين، هذا المفهوم يعبر عن تنظيم الفئات وفق هوية محددة حيث تتمتع كل مجموعة بصفات وخصائص تميزها عن باقي المجموعات مع احترام قواعد عامة تشجع على قبول الاختلاف والتنوع في المجتمعات الواسعة (لطفي، 2018).
اما فيما يتعلق بذوي الاحتياجات الخاصة فإنهم يعتبرون فئة متميزة في المجتمع بسبب ما يميزهم من احتياجات خاصة تتطلب تبني أساليب تعليمية واستراتيجيات تدريسية فريدة، بالإضافة الى توفير موارد وأدوات وأجهزة وخدمات ملائمة لظروفهم الخاصة، وتُعرف فئة هؤلاء الاطفال بغير العاديين نظرًا لاختلاف خصائصهم وسماتهم بشكل جوهري عن باقي الأطفال العاديين خاصة من النواحي التربوية والتعليمية (حسانين، 2019).
العلاقة بين التعددية وذوي الاحتياجات الخاصة تتمثل في أنَّ التعددية تشجع قبول التنوع والاختلاف بين الافراد، وهو ما يشمل جميع الفئات في المجتمع بما في ذلك ذوو الاحتياجات الخاصة، فالتعددية تتطلب الاعتراف بتنوع الهويات والقدرات، مما يقتضي تخصيص أساليب وموارد خاصة للأفراد الذين لديهم احتياجات مغايرة عن الاخرين.
بالنسبة لذوي الاحتياجات الخاصة فَهُم جزء من هذا التنوع المجتمعي الذي يعكس اختلافًا في القدرات والاحتياجات، ولذلك، تتطلب التعددية في هذا السياق تبني استراتيجيات تعليمية واجتماعية مخصصة تضمن لهم الفرص المتساوية في التَّعلم والمشاركة في المجتمع، بتعبيرٍ آخر، التعددية لا تقتصر فقط على قبول الفروق التقليدية بين المجموعات بل تشمل ايضًا ضمان تكافؤ الفرص والموارد لفئة ذوو الاحتياجات الخاصة مما يعزز مشاركتهم الفعالة والمساواة في المجتمع.
الضغوط النفسية أصبحت واقعًا يوميًّا في حياتنا، حيث يتعرض لها كل فرد بدرجات متفاوتة بسبب التغيرات السريعة في العصر الحالي وتعدد الأدوار والمسؤوليات وعلى الرغم من أنَّ الضغوطات النفسية ليست ظاهرة جديدة بل هي جزء طبيعي من حياة الانسان، الا أنها أصبحت أكثر وضوحًا اليوم بسبب التسارع التكنولوجي، وتغير أنماط الحياة الى جانب الازمات والصراعات التي يشهدها العالم (شريف وآخرون، 2024).
الضغوط النفسية هي حالة يشعر فيها الفرد بالعجز أو التوتر نتيجة تعرضه لمشكلات أو مواقف تفوق قدرته على التعامل معها أو إيجاد حلول مناسبة لها. ومع تزايد هذه الضغوط دون وجود استراتيجيات فعّالة للتكيف معها قد تؤدي الى مشاعر الإحباط وعدم الارتياح مما ينعكس سلبًا على الحالة النفسية والجسدية للفرد، وقد يؤثر ذلك على جودة حياته وادائه في مختلف المجالات (محمد، 2018).
ومن زاوية أخرى، عرّف القريطي (2014) الضغوط بأنها ظروف أو أحداث حياتية صعبة ومهددة تتطلب من الفرد التكيف معها وتزداد آثار هذه الضغوط كلما كانت الاحداث أكثر شدة واستمرت لفترة طويلة، ومع ذلك لا يُنظر الى الضغط بحد ذاته كجزء من التحديات أو التهديدات بل يُعتبر نتيجة لاستجابة الفرد لها، مما قد يؤدي الى اضطرابات في التفكير والانفعالات والسلوك وتجدر الإشارة الى أنَّ استجابة الفرد للمواقف الضاغطة ليست ثابتة أو تلقائية بل تعتمد على كيفية إدراكه لهذه الضغوط.
تفسيرًا لذلك، يختلف الافراد في استجاباتهم للضغوط النفسية وطريقة تعاملهم معها، وذلك بناءً على عدة عوامل مثل نوع الموقف الضاغط، الطريق التي ينظرون بها الى المواقف الضاغطة، وقوة الترابط الاجتماعي. بشكل عام، الأشخاص الذين يتمتعون بمرونة ورضا واستعداد للاسترخاء في اساليبهم يكونون أكثر قدرة على التَّعامل مع المواقف الضاغطة بفعالية. بالإضافة الى ذلك فإنَّ الشعور بالكفاءة الذاتية وتقدير الذات يساعدان بشكل كبير في التفاعل الإيجابي مع الاحداث الضاغطة (شريف وآخرون، 2024).
الضغوط النفسية هي جزأ لا يتجزأ من الحياة اليومية حيث يواجه الافراد مواقف متعددة تتطلب مجهودًا نفسيًّا وعقليًّا للتعامل معها، وتُعد الأمهات من أكثر الفئات عرضة لهذه الضغوط نظرًا لتعدد المسؤوليات التي يتحملنها سواء داخل الاسرة أو في بيئة العمل أو على الصعيد الاجتماعي. فإلى جانب متطلبات العمل التي تستنزف الوقت والطاقة تواجه الأمهات ايضًا التزامات اجتماعية واقتصادية مثل تأمين احتياجات الأطفال والمصاريف المرتبطة بتربيتهم مما يضيف عبئًا اضافيًّا على عاتقهن (محمد، 2018).
تماشيًا مع ما تم ذكره، هذه المسؤوليات والضغوط اليومية تؤدي الى تراكم التحديات التي تعيشها الأمهات مما يساهم في زيادة تأثير الضغوط النفسية على حياتهن اليومية، ومن هنا تبرز التحديات التي تواجه الأمهات بشكل خاص حيث تزيد هذه الضغوط النفسية من تأثيراتها السلبية مما يؤثر بشكل مباشر على سلوكهن وطريقة تفاعلهن مع الاخرين في المواقف الاجتماعية المختلفة. فالضغوط النفسية تشكل تهديدًا كبيرًا على صحة الأمهات واستقرارهن النفسي كما تؤثر على حياتهن بشكل عام، ومن الاثار السلبية الناتجة عن هذه الضغوط ضعف القدرة على التكيف مع متغيرات الحياة، تراجع مستوى الأداء، صعوبة في أداء المهام اليومية، انخفاض الدافعية والشعور بالإرهاق النفسي (شريف وآخرون، 2024).
تنقسم الضغوط النفسية حسب شدتها، الى حادة تحدث فجأة وتستمر لفترة قصيرة، مثل التعرض لموقف طارئ ومزمنة تمتد لأسابيع أو سنوات كالمشكلات المستمرة في العمل أو الحياة الاسرية مما قد يؤثر سلبًا على الصحة. كما تُصنف الى إيجابية تعزز الدافعية وتحفز على الإنجاز، وسلبية تُسبب الإرهاق النفسي وفقدان القدرة على التكيف. علاوة على ذلك، تختلف الضغوط النفسية من حيث مدتها فمنها المؤقتة التي لا تترك أثرًا طويلًا، والدائمة التي تستمر لفترات طويلة كالأمراض المزمنة أو الازمات المالية (المصدر السابق).
الى جانب ذلك، تتنوع مصادر الضغوط النفسية بين أسرية وانفعالية واقتصادية، ولكل منها تأثيرها الخاص على التوازن النفسي للفرد فالضغوط الاسرية قد تنشأ نتيجة الخلافات بين الزوجين، أو ضغوط تربية الأبناء أو تراكم المسؤوليات العائلية، مما يؤدي الى توتر داخل الاسرة ينعكس على جميع أفرادها. اما الضغوط الانفعالية فهي تتعلق بمشاعر القلق والتوتر الناتجة عن التوقعات العالية، أو الصدمات العاطفية مثل فقدان شخص عزيز، أو حتى التعرض المستمر للانتقادات السلبية مما يؤثر على ثقة الفرد بنفسه ويزيد من احساسه بالإحباط. وعلى الجانب الاخر تشكل الضغوط الاقتصادية عبئًا كبيرًا على الافراد حيث يؤثر عدم الاستقرار المالي وكثرة الديون والقلق من تلبية الاحتياجات الأساسية على التركيز والقدرة على اتخاذ القرارات السليمة. إنَّ إدارة هذه الضغوط بشكل فعال تتطلب وعيًا بالمسببات والسعي لإيجاد حلول مناسبة لتحقيق التوازن النفسي والاستقرار (المصدر السابق).
اضافةً الى ذلك، تتعدد النظريات المفسرة للضغوط النفسية حيث تقدم كل منها منظورًا مختلفًا لفهم طبيعة هذه الضغوط وآليات التعامل معها. يُركز التفسير البيولوجي على التغيرات البيوكيميائية التي تحدث في الجسم عند التعرض للضغوط، بينما يرى التفسير الفكري أنَّ الانسان يسعى الى التكيف والتوازن النفسي عبر عمليات ديناميكية داخلية، من ناحية أخرى يُركز التفسير المعرفي على التقدير الشخصي للمواقف الضاغطة إذ يحدد الفرد مدى تهديدها وكيفية التعامل معها بناءً على خبراته ومرجعيته، أما التفسير السلوكي فيعتمد على مفهوم التَّعلم حيث تتشكل استجابات الفرد للضغوط وفقًا لخبراته السابقة واستراتيجياته المعرفية والتنظيمية، وأخيرًا يشير التفسير التوافقي الى محاولات الانسان للتوفيق بين المتطلبات التي يواجهها وقدراته مما يؤدي الى تحقيق التوازن النفسي أو الى الشعور بالضغط إذا فشل في ذلك (محمد، 2018).
وفي موضوع الضغوط النفسية تُبيّن الدراسات الأخيرة أنَّ هناك عدّة عوامل تساهم في معاناة الافراد من هذه الضغوط، فالدراسات تُظهر أنَّ العمل، الزواج، والأمومة تُعد من أبرز العوامل التي تسبب الضغوط النفسية لدى المرأة. هذه العوامل قد تؤدي الى زيادة العبء النفسي حيث أنَّ المرأة قد تجد نفسها مطالبة بالجمع بين مسؤوليات العمل والمنزل ورعاية الأبناء مما يسبب شعورًا بالإرهاق والضغط، نفهم من ذلك أنَّ الضغوط النفسية لدى النساء هي نتيجة تداخل عدة عوامل حياتية وعمليّة (المصدر السابق).
كما ويؤكد كل من سنجر وكاثلين (1989) وشين (2006) أنَّ أمهات الأطفال المعاقين يعانين من ضغوط نفسية شديدة نتيجة لمجموعة من العوامل التي تؤثر على حياتهن بشكل كبير، فمن جهة تتحمل الأمهات أعباء مادية ضخمة نتيجة لتكاليف رعاية الطفل وتلبية احتياجاته الخاصة، بالإضافة الى الإرهاق الناتج عن الرعاية المستمرة للطفل، ومن جهة أخرى تجد الأمهات أنفسهن مجبرات على التفرغ التام لرعاية اطفالهن ما يؤثر سلبًا على استقرار حياتهن ويسهم في زيادة مشاعر القلق والخوف بشأن مستقبل الطفل. ويزداد هذا الضغط بسبب شعور الأمهات بأنهن المسؤولات عن الطفل في معظم الأوقات مما يجعلهن يواجهن ضغوطًا متزايدة تشمل التوترات الاسرية، صعوبة التفاعل في المواقف الاجتماعية والحرج الناتج عن عدم معرفة كيفية التعامل مع احتياجات الطفل المعاق، كما تتأثر الأمهات بشكل خاص في أحلامهن المستقبلية بشأن الطفل وهو وما يخلق تناقضًا في مشاعرهن حول حياة الطفل ومستقبله (عند: خير ومحده، 2021: 16).
سياق البحث: التربية الخاصة في المجتمع العربي
شهدت التربية الخاصة تطورًا ملحوظًا في المجتمعات العربية، وأصبحت تحظى باهتمام متزايد على المستويين المحلي والدولي، من خلال المؤتمرات والجهود البحثية التي تهدف إلى دعم ذوي الاحتياجات الخاصة وتحسين جودة حياتهم (الحموز، 2018). ورغم ذلك، لا تزال هذه المجتمعات تعاني من نقص في الإحصائيات الدقيقة، حيث تشير التقديرات إلى أن نسبة ذوي الاحتياجات الخاصة تتراوح بين 10–15% من السكان، نتيجة عوامل متعددة منها الفقر، وضعف الخدمات الصحية، وارتفاع نسبة الأمية، إضافة إلى عوامل اجتماعية وصحية أخرى (كوافحة وعبد العزيز، 2010).
كما تواجه الأسر تحديات اجتماعية وثقافية ناتجة عن انتشار مفاهيم سلبية ونظرات دونية تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة، مما يؤدي إلى ضغوط نفسية واجتماعية تعيق اندماجهم في المجتمع (رضيم، 2022). وتزداد هذه الضغوط لدى الأمهات بشكل خاص، نتيجة الوصمة الاجتماعية وضعف الوعي المجتمعي، مما يؤثر على فرص الأطفال في الحصول على الدعم والتعليم المناسب.
وفي سياق المجتمع العربي في إسرائيل، يلاحظ نقص في الدراسات المتخصصة، الأمر الذي يبرز أهمية هذا البحث بوصفه محاولة أولية لاستكشاف هذه الظاهرة.
تم إتباع في هذا البحث أسلوب البحث النوعي (البحث الكيفي). البحث النوعي هو منهجية تهدف الى جمع وتحليل وتفسير البيانات بطريقة سردية ومنطقية لفهم ظاهرة اجتماعية معينة. يُركز البحث النوعي على دراسة تفصيلية لظاهرة معينة في سياق اجتماعي، مثل المعتقدات أو التفاعلات الاجتماعية بين الافراد. للوصول الى نتائج دقيقة، يعتمد الباحث على التفاعل المُباشر والمشاركة في الأنشطة التي يقوم بها الافراد المعنيون بالظاهرة المدروسة، مما يساعده في الحصول على رؤى أعمق وأكثر واقعية للأحداث والظروف المُحيطة بالموضوع قيد الدراسة (الصايغ، 2024).
اعتمد هذا البحث على المقابلة شبه منظمة كأداة رئيسية لجمع البيانات، لما توفره من إمكانية فهم عميق لأفكار ومشاعر المشاركات، وإعادة بناء تجاربهن الحياتية (غباري وآخرون، 2015). وتقوم هذه المقابلة على حوار منظم يتم الإعداد له مسبقًا من حيث الأهداف والأسئلة، مع إتاحة مرونة للباحث في تعديل مسار الحوار بما يتناسب مع تفاعل المشاركات، مما يساهم في الحصول على بيانات أكثر عمقًا ودقة.
وقبل بدء المقابلة، يتم توضيح أهداف البحث وأهميته للمبحوثات، لضمان فهمهن الكامل لطبيعة المشاركة.
أما عينة البحث: فقد شملت (6) أمهات لأطفال ذوي احتياجات خاصة من بلدان عربية مختلفة في منطقة المثلث ، بهدف تنويع التجارب والأفكار وإثراء نتائج الدراسة
جدول 1: تفاصيل ديموغرافية لمشاركي البحث
|
الاسم |
الجنس |
العمر |
البلد |
العمل |
إعاقة الطفل |
|
|
1 |
ام كريم |
أنثى |
45 سنة |
الطيبة |
مُساعِدة |
توحد |
|
2 |
ام أحمد |
أنثى |
47 سنة |
الطيبة |
مُنظِّمة في دُكان |
متلازمة داون |
|
3 |
ام صالح |
أنثى |
29 سنة |
كفر قاسم |
مُساعِدة |
صعوبات تعلميَّة وتأخر لغوي |
|
4 |
ام محمد |
أنثى |
34 سنة |
قلنسوة |
مُساعِدة |
شلل دماغي |
|
5 |
ام فرح |
أنثى |
49 سنة |
الطيرة |
مُدققة حسابات |
متلازمة داون |
|
6 |
ام سارة |
أنثى |
32 سنة |
الطيرة |
عاملة نظافة في مدرسة |
توحد |
بعد إجراء المقابلات مع الأمهات المُشاركات في البحث، بهدف الإجابة عن أسئلة البحث المُتعلقة بالضغوط النفسية التي تعانيها أمهات لأطفال ذوي احتياجات خاصة في المجتمع العربي، ومن ثم تحليل مضمون هذه المقابلات تم إعداد مخطط جريان البحث الذي يعرض بصورة منطقية ومتسلسلة الفئات الرئيسية والفرعية التي نتجت عن تحليل المعطيات.

استنادًا لما سبق، تم استخلاص 4 فئات رئيسية تعرض نتائج البحث:
- ولادة طفل ذي احتياجات خاصَّة.
- الضغوط النَّفسية لدى الأمهات.
- استراتيجيات المواجهة.
- توصيات لأمهات أطفال ذوي احتياجات خاصَّة.
- ولادة طفل ذي احتياجات خاصًّة
تُعد ولادة طفل ذي احتياجات خاصة نقطة تحوّل في حياة الأسرة، خاصة الأم، إذ ترافقها مشاعر كالصدمة والقلق وعدم اليقين بشأن المستقبل. وتمثل هذه المرحلة انتقالًا إلى واقع مليء بالتحديات العاطفية والاجتماعية، مما يفرض على الأم التكيف مع متطلبات جديدة، وهو ما عبّرت عنه المشاركات في الدراسة.
تُعد لحظة تشخيص الطفل بإعاقة من أكثر اللحظات صدمة في حياة الأم، لما تحمله من تغيير مفاجئ في توقعاتها لمستقبل طفلها. وغالبًا ما تزيد المصطلحات الطبية غير المألوفة من حالة القلق وصعوبة الفهم، لتترافق هذه اللحظة مع مشاعر معقدة مثل الصدمة، الإنكار، وصعوبة التقبل، إضافة إلى الشعور بانهيار الصورة المثالية للأمومة. وتجد الأم نفسها أمام واقع جديد يتطلب التكيف وتحمل مسؤوليات إضافية.
وقد عبّرت الأمهات المشاركات عن ذلك بوضوح، حيث أكدت جميعهن أن لحظة تلقي الخبر كانت صادمة ومليئة بالمشاعر المعقدة. ومن ذلك ما قالته أم كريم:في البداية، لم أكن أفهم معنى كلمة توحد… كنت أظن أنه حالة يمكن علاجها وينتهي الأمر، لكن اتضح لي أنه ليس كذلك. كانت هذه أصعب لحظة في حياتي، شعرت وكأن غيمة سوداء أحاطت بي، ولم أستطع تقبّل الأمر، وكأن الدنيا أصبحت سوداء..”
عبّرت الأمهات عن مشاعر عميقة من الصدمة والانهيار عند تلقي خبر التشخيص، حيث وصفت أم محمد تجربتها قائلة:
“قال لي الطبيب ابنكِ يعاني من CP… طلبت منه أن يشرح لي بلغة بسيطة، فقال شلل دماغي. في تلك اللحظة شعرت أن الدنيا اسودّت وكأن العالم توقف، ولم أتمالك نفسي وأغمي علي من شدة الصدمة… وكان السؤال الذي يؤلمني: كيف سأرعى طفلي وأنا لدي طفل آخر يحتاجني؟ كنت أشعر أنني ممزقة وعاجزة.”
كما عبّرت أم أحمد عن مشاعر مشابهة بقولها:
“عندما تلقيت خبر تشخيص طفلي صُدمت، شعرت وكأن العالم توقف من حولي… لم أتوقع هذا الخبر، وكانت أحلامي قد انهارت في لحظة واحدة.”
عبّرت الأمهات عن صدمة عميقة عند تلقي خبر التشخيص، حيث قالت أم سارة:
“عندما أخبرني الطبيب أن ابنتي مصابة بالتوحد لم أصدق… شعرت وكأن العالم توقف، وكل ما كنت أتخيله عن مستقبلها انهار فجأة. كنت أبحث عن أي إجابة تطمئنني، لكن قلبي رفض التصديق وعقلي لم يستوعب الأمر.”
كما عبّرت أم صالح عن تجربتها قائلة:
“في البداية لم أكن أفهم ما يحدث… لاحظت أن ابني لا يتكلم مثل باقي الأطفال، وعندما تم تشخيصه شعرت وكأن شيئًا انكسر بداخلي. كان الأمر صعبًا وغير متوقع، ولم أكن أظن أن هذه العلامات تعني وجود صعوبات لديه.”
يتضح مما ذُكر أعلاه، أنَّ لحظة تلقي خبر وجود طفل ذي احتياجات خاصَّة كانت صادمة وصعبة للأمهات مصحوبة بمشاعر معقدة وعميقة، وهذا يدل على أنَّ ولادة طفل ذي احتياجات خاصَّة ليست أمرًا عاديًّا بل تجربة تحمل مشاعر نفسية وعاطفية كبيرة.
إلى جانب مشاعر الصدمة، عبّرت الأمهات عن مخاوف عميقة تتعلق بمستقبل أطفالهن، خاصة في ظل نظرة المجتمع التي قد تزيد من شعور القلق والخوف من التنمر أو التهميش. كما برزت تساؤلات مستمرة حول من سيتولى رعاية الطفل في حال غياب الأم، مما يعكس عبئًا نفسيًا مستمرًا.
وقد عبّرت أم أحمد عن هذه المخاوف بقولها:
“كنت أخاف عليه من التنمر… ودائمًا أفكر ماذا لو حصل لي شيء؟ من سيهتم به؟… كما أن مستقبله يشغل بالي باستمرار، هل سيتزوج؟ هل سيحصل على التعليم المناسب؟”
كما أشارت أم فرح إلى القلق ذاته بقولها:
“أفكر كثيرًا ما الذي سيحدث لها عندما أكبر أو إذا حصل لي شيء؟ من سيهتم بها نيابةً عني؟… هذا التفكير لا يفارقني وكأن حياتي أصبحت مرتبطة ببقائي لأجلها فقط.”
عبّرت الأمهات عن مخاوف متعددة ومستمرة تتجاوز لحظة التشخيص، حيث تمحورت حول نظرة المجتمع القاسية، والخوف على سلامة الطفل، ومستقبله، إضافة إلى القلق من عدم القدرة على توفير الرعاية المناسبة في حال غياب الأم. وقد أشارت الأمهات إلى أن نقص المعرفة في بداية التشخيص زاد من حدة القلق وصعوبة التعامل مع الطفل.
فقد عبّرت إحدى الأمهات عن قلقها من المجتمع بقولها:
“أخاف من نظرة المجتمع لها لأنها فتاة، مجتمعنا لا يرحم… ولا يعلمون كم تبقى الأم تفكر بكل كلمة لسنين.”
كما عبّرت أم كريم عن مخاوفها قائلة:
“أخاف أن يؤذي نفسه… وأفكر دائمًا في المستقبل، هل سيكون وحده؟ وهل سيُحسن الناس معاملته؟ أنا لا أخاف من التوحد بحد ذاته بل من هذا العالم القاسي.”
وأشارت أم محمد إلى قلقها المستمر بقولها:
“أشعر بالخوف عليه طوال الوقت… أكثر ما يقلقني سلامته ومستقبله، وهل سيتمكن من التعلم وتكوين علاقات، وأكثر ما يخيفني أن أغيب عنه ولا يجد من يهتم به كما أفعل أنا.”
وعليه، يتضح أن تجربة الأم مع طفل ذي احتياجات خاصة تتسم بتعقيد نفسي عميق، حيث تتداخل مشاعر الخوف والقلق مع التفكير المستمر بالمستقبل ونظرة المجتمع، مما يزيد من حجم الأعباء النفسية التي تتحملها الأم.
اتفقت الأمهات على أنهن يواجهن ضغوط نفسية متعددة تشمل الأعباء اليومية، والتحديات العاطفية، والقلق المستمر، إضافة إلى الأعباء المالية. ومع مرور الوقت، تتراكم هذه الضغوط لتشكّل عبئًا نفسيًا مركّبًا يتطلب قدرًا كبيرًا من الصبر والتحمّل، خاصة في ظل ضعف الدعم من البيئة المحيطة.
أشارت المبحوثات إلى تداخل المسؤوليات بين العمل خارج المنزل والمهام المنزلية، مما يزيد من الضغط النفسي والشعور بالإرهاق، خاصة في ظل ضعف الدعم من المحيط. وقد عبّرت أم محمد عن ذلك بقولها:
“أعمل وأعود مرهقة لكن عليّ إتمام كل المهام… أشعر أن لا أحد يرى تعبي، وأعيش في دوامة من الضغوط حتى أصل لمرحلة الاختناق.”
كما أكدت أم كريم المعنى ذاته بقولها:
“أعمل خارج المنزل، وعند العودة تبدأ مسؤوليات البيت ورعاية أطفالي، خاصة ابني ذو الاحتياجات الخاصة… أشعر أنني الوحيدة التي تتحمل كل شيء، والمسؤوليات تتراكم حتى أصل إلى الشعور بالاختناق.
أشارت الأمهات إلى تضاعف المسؤوليات في ظل غياب الدعم، كما في حالة أم صالح التي تتحمل بمفردها رعاية الأطفال والعمل، مما أدى إلى شعور دائم بالإرهاق والعجز. كما برزت ضغوط إضافية ناتجة عن التعامل مع سلوكيات الأطفال غير المتوقعة، خاصة في الأماكن العامة، في ظل ضعف تقبّل المجتمع، الأمر الذي يضع الأمهات في حالة توتر وقلق مستمرين، كما عبّرت عنه أم أحمد وأم فرح.
أكدت الأمهات أن الأعباء المادية المرتبطة بالعلاجات المتعددة تزيد من الضغوط النفسية، ويرافقها شعور مستمر بالتقصير رغم الجهود المبذولة. وقد عبّرت الأمهات عن معاناتهن من عدم القدرة على توفير جميع احتياجات أطفالهن بسبب الظروف الاقتصادية، مما يعمّق الإحساس بالذنب والضغط، خاصة في ظل تعدد المسؤوليات ووجود أبناء آخرين.
كما يتضح أن تراكم الأعباء اليومية، إلى جانب التحديات السلوكية للأطفال والشعور الدائم بالتقصير، يشكّل أساسًا رئيسيًا للضغوط النفسية التي تعانيها أمهات الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.
تُظهر نتائج الدراسة أن المواقف اليومية المرتبطة برعاية الطفل ذي الاحتياجات الخاصة تشكّل مصدرًا مستمرًا للضغوط النفسية لدى الأمهات، نتيجة صعوبة التوفيق بين متطلبات الطفل والحياة الأسرية والعملية. كما تبرز تحديات تنظيم الروتين اليومي، خاصة في ظل سلوكيات الطفل أو ظروف الأم الصحية.
إضافة إلى ذلك، تعاني الأمهات من قلق دائم عند ترك الطفل أو الابتعاد عنه، مما يحدّ من مشاركتهن في الحياة الاجتماعية. كما يؤدي ضعف الدعم من المحيط إلى شعور متزايد بالوحدة، حيث تتحمل الأم مسؤولية الرعاية والتواصل مع الطفل بشكل شبه كامل، مما يعمّق الإحساس بالتعب والضغط النفسي .
أشارت النتائج إلى أن صعوبات التواصل اللفظي مع الأطفال تُعد من أبرز التحديات اليومية، مما يزيد من شعور الأمهات بالعجز والقلق في فهم احتياجاتهم.
كما يتضح أن الضغوط النفسية لدى الأمهات تنبع من تراكم المسؤوليات اليومية، والأعباء المالية، والشعور بالتقصير، إلى جانب المواقف غير المتوقعة وضعف الدعم المحيط. وتؤكد هذه العوامل مجتمعة أن الضغوط التي تعيشها الأمهات مركبة ومتعددة الأبعاد، وتتطلب دعمًا أسريًا ومجتمعيًا فعّالًا.
تُعد استراتيجيات المواجهة عنصرًا أساسيًا في التعامل مع الضغوط الحياتية، وتزداد أهميتها لدى الأمهات اللاتي يواجهن ضغوطًا نفسية مستمرة نتيجة تعدد المسؤوليات ورعاية أطفالهن. لذا، فإن امتلاك أساليب فعّالة للتكيف يُسهم في الحفاظ على توازنهن النفسي والعاطفي.
تُظهر نتائج الدراسة أن الأمهات يلجأن إلى استراتيجيات تكيف متعددة لمواجهة الضغوط النفسية المستمرة، تشمل ممارسة أنشطة بسيطة تمنحهن الراحة كالموسيقى، الجلوس في الطبيعة، أو العناية بالمظهر، إلى جانب التعبير عن المشاعر من خلال البكاء أو الانفعال. كما برزت أهمية الدعم العاطفي، حيث تجد الأمهات راحة في الفضفضة مع أفراد الأسرة أو الصديقات.
وتُعد هذه الأساليب، رغم بساطتها، وسائل أساسية تساعد الأمهات على الحفاظ على توازنهن النفسي والاستمرار في مواجهة التحديات اليومية.
3.2 نصائح لأمهات بظروف متشابهة
أشارت الأمهات إلى أهمية توزيع الأدوار داخل الأسرة ومشاركة الأب والأخوة في رعاية الطفل، لما لذلك من دور في تخفيف العبء النفسي عن الأم. كما أكدن أهمية طلب المساعدة والانخراط في مجموعات دعم، والاستفادة من تجارب الأمهات الأخريات.
ومن جهة أخرى، شددن على ضرورة فهم خصوصية كل طفل والابتعاد عن المقارنات أو الاعتماد المفرط على المعلومات العامة، إضافة إلى تجاهل بعض آراء المجتمع التي قد تزيد من التوتر.
وعليه، يتضح أن التكيف الفعّال يتطلب دعمًا أسريًا حقيقيًا، ومساحات للتفريغ النفسي، وفهمًا فرديًا لاحتياجات الطفل.
4. توصيات لأمهات أطفال ذوي احتياجات الخاصة
قدّمت الأمهات مجموعة من التوصيات للتخفيف من الضغوط النفسية، أبرزها تقبّل الطفل واحتضانه دون خجل، وعدم التأثر بآراء المجتمع السلبية. كما أكدن أهمية الدعم الأسري وتوزيع المسؤوليات بين أفراد العائلة لتخفيف العبء عن الأم.
إضافة إلى ذلك، شددن على دور الفضفضة والتعبير عن المشاعر في التخفيف من التوتر والضغط النفسي، من خلال اللجوء إلى أشخاص موثوقين يوفرون دعمًا عاطفيًا.
وعليه، يتضح أن القبول، والدعم الأسري، والتفريغ النفسي تمثل ركائز أساسية في تعزيز قدرة الأمهات على التكيف.
يتضح أن تقبّل الأم لطفلها واحتضانه دون خجل يُعد أساسًا في دعمه وتعزيز تقبّل المجتمع له. كما يُسهم الدعم الأسري وتوزيع المسؤوليات في تخفيف العبء النفسي عن الأم، إضافة إلى دور الفضفضة مع أشخاص موثوقين في التخفيف من المشاعر السلبية وتعزيز القدرة على مواجهة الضغوط اليومية.
النقاش
تظهر نتائج الدراسة أن الضغوط النفسية التي تواجهها أمهات الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة هي ضغوط مركّبة ومتعددة الأبعاد، تنبع من تداخل المسؤوليات اليومية المرتبطة بالأمومة والعمل والحياة الأسرية، إضافة إلى الأعباء المالية والشعور المستمر بالقلق والخوف على مستقبل الطفل .
كما تتوافق هذه النتائج مع ما أشار إليه شريف وآخرون (2024) وسنجر وكاثلين وشين ( خير ومحده، 2021)، حيث تتنوع مصادر الضغوط بين أسرية، انفعالية، واقتصادية، وتؤثر بشكل مباشر على استقرار الأمهات النفسي والاجتماعي. كذلك تؤكد دراسة محمد (2018) أن تعدد الأدوار لدى المرأة يسهم في زيادة العبء النفسي.
ومن جانب آخر، برزت نظرة المجتمع كعامل ضاغط إضافي، إذ تخشى الأمهات من عدم تقبّل أبنائهن أو تعرضهم للإساءة، وهو ما يتماشى مع ما أشار إليه رضيم (2022) حول تأثير المفاهيم الاجتماعية السلبية، ويعكس فجوة بين الواقع المجتمعي ومبادئ التقبل والتعددية (أبو سكين، 2014).
ورغم ذلك، تلجأ الأمهات إلى استراتيجيات تكيف مختلفة مثل العناية بالذات، وممارسة أنشطة مفضلة، والتعبير عن المشاعر، مما يعزز قدرتهن على الاستمرار، وهو ما يرتبط بأهمية الكفاءة الذاتية في مواجهة الضغوط (شريف وآخرون، 2024).
وعليه، يتضح أن الضغوط النفسية لا ترتبط فقط بالأعباء اليومية، بل تتأثر أيضًا بالعوامل المجتمعية، مما يستدعي تعزيز الدعم الأسري ورفع مستوى الوعي المجتمعي للتخفيف من هذه الضغوط .
استنادًا الى المقابلات التي تم اجراؤها والنتائج التي تم التوصل اليها يمكن الاستنتاج أنَّ جميع أمهات الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة يواجهن ضغوطًا نفسية متنوعة ومعقّدة تنبع من أكثر من جانب في حياتهن اليومية هذه الضغوط لا تُختزل في الأعباء والمسؤوليات الاسرية فحسب بل تتجاوزها لتشمل مشاعر القلق والخوف المستمر على مستقبل الأطفال وسلامتهم وهو ما يجعل التجربة الأمومية لهذه الفئة محمّلة بتحديات استثنائية مقارنة بغيرها، إضافة الى ذلك يتضح أنَّ للمجتمع تأثيرًا واضحًا وكبيرًا في تعميق هذه الضغوط حيث يشكّل في كثير من الأحيان مصدرًا إضافيًّا للعبء النفسي الذي تتحمله الأمهات فالتجارب التي نقلتها المشاركات في البحث تؤكد أنَّ نظرات المجتمع وتعليقاته وسلوكياته لا تقل ثقلًا عن المسؤوليات الداخلية للأم بل انها تزيد من شعور الأمهات بالضغط، ومن هنا يمكن الاستنتاج أن تحسين واقع الأمهات لا يرتبط فقط بقدراتهن الفردية على المواجهة بل يجب على المجتمع أن يزداد وعيه تجاه هذه الفئة بما يعزز من قدرتهن على التكيف النفسي والاجتماعي مع التحديات اليومية بشكل أفضل.
في ظل ما تم ذكره من نتائج البحث التي حصلنا عليها، واستنادًا الى توصيات الأمهات المبحوثات فإنَّ التوصيات توجهت نحو أهمية تقبّل الأم لطفلها واحتضانه دون خجل أو محاولة إخفائه عن المجتمع، إذ إنَّ هذا التقبّل يعزز تقبّل المحيط للطفل، كما أوصت الأمهات على ضرورة عدم الانشغال والاهتمام بآراء الآخرين وتعزيز التعاون بين جميع أفراد الأسرة لتخفيف الأعباء عن الأم وتقليل شعورها بالإرهاق النفسي، وأهمية اللجوء الى الأشخاص المقرّبين للفضفضة والتعبير عن المشاعر مما يخفف الضغوط النفسية. أما فيما يتعلق بالبحث نفسه فقد ركّز على معرفة الضغوط النفسية التي تمر بها أمهات لأطفال ذوي احتياجات خاصة وكيف يواجهن هذه الضغوط في حياتهن اليومية، تبرز أهميته في كونه لا يسلط الضوء على هذه الضغوط فقط بل يوضح ايضًا استراتيجيات مواجهة هذه الضغوط، إضافة الى التشديد على دور المجتمع الكبير في تراكم الضغوط أثر أقواله ونظراته وأفعاله، كما يسعى البحث الى توعية المجتمع بأثر تصرفاته وكلماته ونظراته على الأمهات.
يوصي البحث بتوسيع الدراسات لتشمل عينات أكثر تنوعًا من الأمهات، والاستفادة من تجاربهن لفهم أعمق لواقعهن ودعم من يمررن بظروف مشابهة. كما يؤكد على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي وتبني قيم التقبل والتعددية الثقافية.
إضافة إلى ذلك، يُنصح بتنظيم برامج توعوية وإرشادية تقدّم دعمًا عمليًا ونفسيًا للأمهات، بما يساعدهن على مواجهة التحديات اليومية والتخفيف من الضغوط المرتبطة برعاية أطفالهن.
إبراهيم، إقبال شوقي. (2020). التعددية الثقافية في القرن الحادي والعشرين. مجلة كلية التربية بالمنصورة، 109(5)، 989=1024. https://doi.org/10.21608/maed.2020.153056
Ibrahim, Iqbal Shawqi. (2020). Multiculturalism in the Twenty-First Century. Journal of the Faculty of Education, Mansoura University, 109(5), 989–1024. https://doi.org/10.21608/maed.2020.153056
أبو سكين، حنان. (2014). مفهوم التعددية الثقافية. المجلة الاجتماعية القومية، 51(1)، 129=145.
https://doi.org/10.21608/jns.2014.206362
Abu Skeen, Hanan. (2014). The Concept of Multiculturalism. National Social Journal, 51(1), 129–145. https://doi.org/10.21608/jns.2014.206362
إبراهيم، عبد الستار. (2000). الضغوط النفسية: أسبابها وعلاجها. القاهرة: دار الفكر العربي.
Ibrahim, Abdel Sattar. (2000). Psychological Stress: Its Causes and Treatment. Cairo: Dar Al-Fikr Al-Arabi.
باتشو، عبد الهادي، وبغول، زهير. (2021). الضغوط النفسية لدى أمهات الأطفال المكفوفين. مجلة تنمية الموارد البشرية، 16(2)، 263-285.
Batchou, Abdelhadi, & Baghoul, Zouhair. (2021). Psychological Stress among Mothers of Blind Children. Journal of Human Resources Development, 16(2), 263–285.
حسانين، عواطف محمد محمد. (2019). دمج الأطفال ذوي الحاجات الخاصة بمدارس العاديين: الإيجابيات والسلبيات. المجلة التربوية لكلية التربية بسوهاج، 68(68)، 2422–2442.
https://doi.org/10.21608/edusohag.2019.58464
Hassanein, Awatif Mohammed Mohammed. (2019). Integrating Children with Special Needs into Regular Schools: Advantages and Disadvantages. Educational Journal of the Faculty of Education, Sohag University, 68(68), 2422–2442. https://doi.org/10.21608/edusohag.2019.58464
الحموز، عايد محمد عثمان. (2018). واقع التربية الخاصة في فلسطين والدور المأمول لها من وجهة نظر العاملين في مؤسسات التربية الخاصة بمحافظة الخليل. دراسات: العلوم التربوية، 45(3)، 239-258.
Al-Hmouz, Ayed Mohammed Othman. (2018). The Reality of Special Education in Palestine and Its Expected Role from the Perspective of Workers in Special Education Institutions in Hebron Governorate. Dirasat: Educational Sciences, 45(3), 239–258.
خير، ع.، ومحدة، س. (2021). استراتيجيات مواجهة الضغط النفسي لدى أمهات أطفال ذوي احتياجات خاصة. كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية.
Khair, A., & Mahda, S. (2021). Strategies for Coping with Psychological Stress among Mothers of Children with Special Needs. Faculty of Social Sciences and Humanities.
الخطيب، جمال، والحديدي، منى. (2017). المدخل إلى التربية الخاصة (ط. 6). عمّان: دار الفكر.
Al-Khatib, Jamal, & Al-Hadidi, Mona. (2017). Introduction to Special Education (6th ed.). Amman: Dar Al-Fikr.
رضيم، صلاح عباس. (2023). الأبعاد الاجتماعية والنفسية لمعاناة أسر ذوي الاحتياجات الخاصة: دراسة للمعاقين فيزيائياً في محافظة الديوانية. رسالة ماجستير، جامعة القادسية، كلية الآداب، قسم علم الاجتماع.
Radheem, Salah Abbas. (2023). The Social and Psychological Dimensions of the Suffering of Families of Persons with Special Needs: A Study of Physically Disabled Individuals in Al-Diwaniyah Governorate. Master’s thesis, University of Al-Qadisiyah, College of Arts, Department of Sociology.
الروسان، فاروق. (2010). سيكولوجية الأطفال غير العاديين. عمّان: دار الفكر.
Al-Rousan, Farouq. (2010). The Psychology of Exceptional Children. Amman: Dar Al-Fikr.
شريف، ل.، حسون، هـ.، وشغري، ف. (2024). الضغوط النفسية لدى أمهات طلبة مرحلة التعليم الثانوي العام في ضوء بعض المتغيرات. مجلة جامعة تشرين للآداب والعلوم الإنسانية، 46(2)، 324-342.
Sharif, L., Hassoun, H., & Shaghri, F. (2024). Psychological Stress among Mothers of General Secondary Education Students in Light of Some Variables. Tishreen University Journal for Arts and Humanities, 46(2), 324–342.
الصايغ، سيف علي. (2024). البحوث النوعية والكمية. كلية التربية البدنية وعلوم الرياضة، الجامعة المستنصرية.
Al-Sayigh, Saif Ali. (2024). Qualitative and Quantitative Research. College of Physical Education and Sports Sciences, Al-Mustansiriyah University.
عبد المحسن، مي القناوي محمد. (2023). متطلبات إعداد معلم متعدد الثقافات في مصر. مجلة كلية التربية بالمنصورة، 121(4)، 1847-1874. https://doi.org/10.21608/maed.2023.303097
Abdel Mohsen, Mai Al-Qenawy Mohammed. (2023). Requirements for Preparing a Multicultural Teacher in Egypt. Journal of the Faculty of Education, Mansoura University, 121(4), 1847–1874. https://doi.org/10.21608/maed.2023.303097
غباري، ثائر، أبو شندي، يوسف، وأبو شعيرة، خالد. (2015). البحث النوعي في التربية وعلم النفس. عمّان: دار الإعصار العلمي للنشر والتوزيع.
Ghabari, Thaer, Abu Shindi, Youssef, & Abu Shaeira, Khaled. (2015). Qualitative Research in Education and Psychology. Amman: Dar Al-Easar Al-Ilmi for Publishing and Distribution.
قراقيش، نسرين يوسف، الصلاحات، آمنة، وأبو جابر، ماجد عبد الكريم. (2021). درجة وعي معلمي التربية الخاصة باستخدام تكنولوجيا التعليم في تدريس طلبة ذوي الاحتياجات الخاصة في محافظة العاصمة عمان بالأردن. المجلة الدولية للدراسات التربوية والنفسية، 10(3)، 526=541.
Qaraqish, Nisreen Yousef, Al-Salahat, Amna, & Abu Jaber, Majed Abdul Karim. (2021). The Degree of Awareness among Special Education Teachers of Using Educational Technology in Teaching Students with Special Needs in Amman Governorate, Jordan. International Journal of Educational and Psychological Studies, 10(3), 526–541.
القريطي، عبد المطلب. (2014). إرشاد ذوي الاحتياجات الخاصة وأسرهم (ط. 1). القاهرة: عالم الكتب.
Al-Quraiti, Abdel Muttalib. (2014). Counseling Persons with Special Needs and Their Families (1st ed.). Cairo: Alam Al-Kotob.
الكبيسي، عبد الواحد حميد، والحياني، صبري بردان. (2014). مدخل إلى التربية الخاصة. عمّان: مركز ديبونو لتعليم التفكير.
Al-Kubaisi, Abdul Wahid Hamid, & Al-Hayani, Sabri Bardan. (2014). Introduction to Special Education. Amman: Debono Center for Teaching Thinking.
الكوافحة، تيسير، وعبد العزيز، عمر فواز. (2010). مقدمة في التربية الخاصة. عمّان: دار المسيرة للنشر والتوزيع.
Al-Kawafha, Tayseer, & Abdul Aziz, Omar Fawaz. (2010). Introduction to Special Education. Amman: Dar Al-Masirah for Publishing and Distribution.
لطفي، وفاء. (2018). التعددية المجتمعية: Pluralistic Community. المجلة الدولية للآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية، 9(1)، 156–187.
Lotfy, Wafaa. (2018). Pluralistic Community. International Journal of Arts, Humanities and Social Sciences, 9(1), 156–187.
محمد، هدى. (2018). الضغوط النفسية لدى أمهات أطفال ذوي احتياجات خاصة. مركز البحوث التربوية والنفسية، جامعة بغداد.
Mohammed, Huda. (2018). Psychological Stress among Mothers of Children with Special Needs. Center for Educational and Psychological Research, University of Baghdad.
النوايسة، فاطمة عبد الرحيم. (2013). ذوو الاحتياجات الخاصة: التعريف بهم وإرشادهم (ط. 1). عمّان: دار المناهج للنشر والتوزيع.
Al-Nawaiseh, Fatima Abdul Rahim. (2013). Persons with Special Needs: Definition and Counseling (1st ed.). Amman: Dar Al-Manahij for Publishing and Distribution.
المراجع الأجنبية
Stephanie, J. (2018, January). Children with Special Needs and Their Need forInclusive Education. Faculty Of Mathematics And Natural Sciences.
Ghanem, A., & Mustafa, M. (2021). The Palestinian-Arab Minority in Israel: Political, Social and Economic Challenges. Cham: Palgrave Macmillan.