أثر البيان التشريعي للقرآن الكريم في الصياغة القانونية
د. محمود محمد أحمد علي عثمان1
1 أستاذ أصول الفقه المشارك، كلية التربية (دنقلا)، جامعة دنقلا، جمهورية السودان.
بريد الكتروني: wdabyad@uofd.edu.sd
The Impact of the Qur’anic Legislative Exposition on Legal Drafting
Dr. Mahmoud Mohammed Ahmed Ali Osman1
1 Associate Professor of Principles of Islamic Jurisprudence, Faculty of Education (Dongola), University of Dongola, Republic of Sudan.
Email: wdabyad@uofd.edu.sd
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj75/21
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/75/21
المجلد (7) العدد (5). الصفحات: 391 - 407
تاريخ الاستقبال: 2026-04-15 | تاريخ القبول: 2026-04-22 | تاريخ النشر: 2026-05-01
المستخلص: تحرير التشريعات هي ما يُصطلح عليه حديثاً بـ"الصياغة القانونية"، وقد اهتم علماء المسلمين بهذا الشأن باكراً قبل ظهور الصور الحديثة في انتهاج "التقنين" لتلك العلاقات، مثل الدساتير والقوانين وغيرها. يهدف هذا البحث للكشف عن منهج علماء المسلمين الأوائل الذين اهتموا بالتشريع ومناهجه في "بيان" وتحرير الأحكام اعتماداً على منهج القرآن في هذا الشأن، لأن القرآن جاء تشريعاً في المقام الأول، وتفرَّد في ذلك بمنهجه في التشريع الصالح لكل زمانٍ ومكانٍ. وثانياً لأنه هو مصدر التشريع الأول عند المسلمين، وهو يحظى عندهم بالقداسة باعتباره كلام الله . وقد نهجت منهج الاستقراء في جمع الآيات التي توضح منهج القرآن في التشريع، ثم حللت معاني الآيات بغية التوصل لما هو مشتركٌ بينها في السمات التشريعية. كما رجعت إلى أقوال العلماء الأوائل في بيان منهج القرآن في التشريع، وحاولت من خلال كل ذلك الإفادة من منهج القرآن في التشريع لبيان قواعد يُهتدى بها في "الصياغة القانونية". وتوصلت إلى نتائج أُجمِلُها في ضرورة دراسة منهج القرآن في التشريع، لما حواه من أسس قابلة للاهتداء في التعبير عن العلائق الإنسانية المختلفة وبيان أحكام تلك العلائق. ومن النتائج كذلك ضرورة الاطلاع على مباحث علم "أصول الفقه" المتعلقة باللغة، مثل "مباحث الألفاظ" و"طرق دلالة النصوص" و"التعارض والترجيح"، فإنها تزوِّد بملكة تصريف الكلام في التشريع بالضبط اللازم والدلالة المفيدة.
الكلمات المفتاحية: مقاصد الشريعة، دلالة الألفاظ، فقه، تناسُب.
Abstract: The drafting of legislation is what is now commonly termed “legal drafting.” Muslim scholars paid early attention to this field long before the emergence of modern forms of codification used to regulate such relationships, including constitutions, statutes, and similar legal instruments. This study aims to uncover the approach of early Muslim scholars who were concerned with legislation and its methods in the articulation and formulation of legal rulings, relying on the Qur’anic method in this regard. The Qur’an was revealed, first and foremost, as a source of legislation, and it is distinguished by a legislative methodology suited to every time and place. Moreover, it is the primary source of legislation for Muslims and is held by them in the highest sanctity as the word of God, Glorified and Exalted be He. The study adopts an inductive approach in collecting the Qur’anic verses that illustrate the Qur’anic method of legislation, then analyzes the meanings of these verses in order to identify the legislative features they share in common. It also refers to the views of early scholars in explaining the Qur’anic method of legislation. Through all of this, the study seeks to benefit from the Qur’anic legislative method in order to derive guiding principles for legal drafting. The study reaches several conclusions, most notably the necessity of examining the Qur’anic method of legislation because it contains foundational principles that can guide the expression of various human relationships and the clarification of the rulings governing them. Another conclusion is the importance of studying those areas of uṣūl al-fiqh related to language, such as discussions of legal expressions, methods of textual indication, and conflict and preference among proofs, as they provide the necessary precision and meaningful clarity in the formulation of legislative language.
Keywords: Objectives of Islamic Law, Signification of Legal Expressions, Jurisprudence, Coherence.
مقدمة:
تهدف هذه الورقة لتَجَلي منهج القرآن الكريم في التعبير أو البيان في معرض الأحكام التشريعية، ومن خلال ذلك لاستنباط منهج وطريقة علمية لكتابة أحكام العلاقات القانونية المختلفة، وهو ما اصطلح عليه مؤخراً في التقنين بـ “الصياغة القانونية”.
ومعلومٌ أن القرآن الكريم هو كتاب مُتحدىً به أن يُؤتَى بمثله نظماً، فسلَّم له الأولون العارفون الحاذقون في العربية من المسلمين وغيرهم ممن عاصرهم وسايرهم، آمنوا به أو لم يؤمنوا. ولما كان التشريع جزءاً عظيماً فيه كان لابد من النظر في أسلوب القرآن وطريقته في بيان التشريع، سيما وقد نوّه بأسلوبه في ذلك المشتغلون بالتشريع والناقدون، فكان من الواجب النظر في ذلك بغية استخلاص ما يُعين في البيان التشريعي القانوني، من طريقة تؤسس لقواعد تهدي في عرض دلالات العبارات على الأحكام التشريعية.
وقد سيطر على اهتمام المشتغلين بالتشريع في العصر الحديث ما اصطُلح على تسميته بـ”الصياغة القانونية” للتشريعات. غير أن علماء المسلمين كانوا الأسبق في الاهتمام بهذا الشأن، فمعلومٌ جداً اهتمام أئمة علماء المسلمين ببيان منهجية القرآن الكريم في التشريع، ولعل من بواكير التصنيفات في ذلك رسالة الإمام الشافعي لتلميذه عبد الرحمن بن مهدي والتي اشتهرت باسم “الرسالة”، بيَّن فيها لتلميذه منهجية التشريع الإسلامي في القرآن الكريم، واللافت أنه استخدم تعبير “البيان” ولم يستعمل تعبير “التشريع” أو “الفقه”، مما يدل على كَلَفِه بلغة التشريع أكثر من اهتمامه بطريقة إنتاج الأحكام، فقال في مقدمتها:( قال الشافعي: والبيان اسم جامع لمعاني مجتمعة الأصول متشعبة الفروع، فأقل ما في تلك المعاني المجتمعة المتشعبة: أنها بيان لمن خوطب بها ممن نزل القرآن بلسانه، متقاربة الاستواء عنده، وإن كان بعضها أشدَّ تأكيدَ بيانٍ من بعض. ومختلفةٌ عند من يجهل لسان العرب) (الشافعي، ص21). وجعل أول أبواب الرسالة (كيف البيان؟) وفصَّل فيه منهج القرآن في عرض الأحكام وأن العمدة في ذلك معرفة لسان العرب، فقال:( والقرآن يدل على أن ليس من كتاب الله شيءٌ إلا بلسان العرب. وَوَجد قائلُ هذا القول مَنْ قَبِل ذلك منه، تقليداً له، وتركاً للمسألة له عن حُجَّته، ومسألةِ غيره ممن خالفه. وبالتقليد أغفل من أغفل منهم، والله يغفر لنا ولهم. ولعل من قال: إن في القرآن غير لسان العرب وقُبِل ذلك منه: ذهب إلى أن مِنَ القرآن خاصاً يجهل بعضَه بعضُ العرب. ولسان العرب أوسع الألسنة مذهباً، وأكثرها ألفاظاً، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسانٌ غيرُ نبي، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها حتى لا يكون موجوداً فيها من يعرفه. والعلم به عند العرب كالعلم بالسُنَّة عند أهل الفقه: لا نعلم رجلاً جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيء) (الشافعي، ص42).
وفي معنى “البيان” يقول الجاحظ:( والِدَّلالة الظاهرةُ على المعنى الخفيِّ هو البيانُ الذي سمِعْتَ الله يمدحُه، ويدعو إليه ويحثُّ عليه. بذلك نَطَقَ القُرآنُ، وبذلك تفاخَرَت العَرب، وتفاضَلَتْ أصنافُ العَجَم. والبيان اسمٌ جامعٌ لكلِّ شيءٍ كشَفَ لك قِناعَ المعنى، وهتكَ الحِجَاب دونَ الضمير، حتّى يُفْضِيَ السّامعُ إلى حقيقته، ويَهجُم على محصولِهِ كائناً ما كان ذلك البيانُ، ومن أيِّ جنسٍ كان الدّليل، لأنّ مَدَارَ الأمرِ والغايةَ التي إليها يجرِي القائلُ والسّامعُ إنَّما هو الفَهْمُ والإفهام، فبأيِّ شيءٍ بلغْتَ الإفهامَ وأوضَحْتَ عن المعنى فذلك هو البيانُ) (الجاحظ1/60). أما “الصياغة” فدلالاتها مرتبطةٌ بحِرفة الحدادة والحُلي، قال ابن منظور:( وَرَجُلٌ صائِغٌ وصَوَّاغٌ وصَيَّاغٌ مُعاقِبةٌ؛ هو صَوَّاغُ الحَلْي، والصَّوَّاغُون هم صَبَّاغُو الثيابِ وصاغةُ الحُلِيّ)(ابن منظور8/442). بذلك تتجلى أفضلية مصطلح “البيان” على “الصياغة” في معرض بيان الأحكام المتولدة من الألفاظ والنصوص، وهو ما نحن بصدد وضع أسسٍ له في هذه المحاولة البحثية.
ثم حَذا أئمة علم “أصول الفقه” بعد الإمام الشافعي يهتمون بالدلالات “الوضعية” للـ”الألفاظ”، وذلك في أولى مباحث هذا العلم الذي يتوجَّه بالأساس لاستنتاج الأحكام من النصوص وغيرها، فكانت أبواب “مباحث الألفاظ” في علم أصول الفقه، خاض فيها الأصوليون في تحديد معنى “اللفظ” في اللغة العربية، وفي دلالاته الوضعية والاصطناعية المتولَّدة بالأعراف المستحدثة، وفي طرق دلالة النصوص. وأبحروا في ذلك لتوقف بيان التشريع عليه. فلا بد للمطلع بكتابة التشريع أن يُلِمَّ بطُرق دلالة اللفظ الوضعية، مثل “المطابقة” و “التضمن” و “الالتزام”. قال الإمام الصنعاني:( الدلالة المطابقية هي دلالة اللفظ على كل معنى وذلك كدلالة لفظ إنسان على الحيوان الناطق فهذه مطابقية طابق اللفظ فيها المعنى أي ساواه، فلم ينقص اللفظ عن معناه ولا المعنى عنه وهذه دلالة اللفظ على حقيقة معناه، وهي المتبادرة عند إطلاق الدلالة وعند إطلاق اللفظ. وقد يراد به الدلالة على جزء معناه كأن يطلق لفظ إنسان على حيوان فقط أو على ناطق فقط فهذه هي الدلالة التضمنية دلالة اللفظ على جزء ما وضع له وهي من أقسام المجاز؛ لأنه أطلق الكل وهو لفظ إنسان وأريد به جزؤه وهو أحد الجزئين. وأهل الأصول يجعلون دلالة التضمن وضعية، وأهل المعاني والبيان يسمونها عقلية. وعلى كل تقدير فهو من المجاز، ولا بد له من العلاقة والقرينة فالعلاقة قد ذكرناها آنفا، وأما القرينة فأنواعها معروفة. وقد يراد باللفظ الدلالة على لازم معناه كما إذا أطلق إنسان وأريد به ضاحك مثلا فإنه لازم له ودلالته عليه عقلية عند الفريقين، وهو مجاز أيضاً من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم وتفاصيل هذه الأبحاث في علم المنطق)(الصنعاني، ص231).
وقريبٌ من ذلك معرفة “الحدود” للمصطلح فإن من شأن ذلك أن يحقق القاعدة المشهورة “لا مشاحة في الاصطلاح” أي لا ينبغي أن يُختلف في الاسم أو اللقب وإنما ينبغي الخلاف في معناه أو ما اشتمل عليه الاسم أو اللقب، فيقود ذلك إلى خوضهم في جدلٍ شكلي بسببه وهم في حقيقة الأمر مفقون على معناه وهم لا يدركون. وعبَّر عنه الإمام الشاطبي بقوله:( الخلاف في مجرد التعبير عن المعنى المقصود وهو متحد) (الشاطبي، 5/443)، أي إنهم متحدون في المعنى لكنهم مختلفون في التعبير عنه أو في اسمه.
أما “الصياغة القانونية” فللعرب لها أصولٌ من اهتمامٍ قديمٍ فهي امتدادٌ لفنون “الإنشاء” الذي برع فيه العرب بعد الإسلام وبعد أن أرسوا للخطابة قواعد وللنثر أصولاً، فعرف الأدب العربي فن “المقامات” كمقامات الحريري وبديع الزمان وغيرهما، و”الرسائل” كرسائل عبد الحميد وابن العميد وما بينهما (ضيف، 1/115). فأعانتهم تلك الملكة اللغوية في كتابة التشريعات على نحوٍ غدا فناناً ومهارةً للقضاة والحُكام لا تتأتى لهم إلا بعد طول خبرةٍ ودِربةٍ، فهي إذن (فنٌ متخصصٌ له أصوله وقواعده وأسلوبه، ولا يستطيع مزاولته سوى شخصٌ متخصص) (صبره، ص56).
والصياغة القانونية ركنٌ أصيلٌ في التشريع، سيما في العصر الحديث إذ تنعقد جلسات المحاكمات وتنفض لتفسير نصوصٍ في تشريعٍ، أو لبيان معنىً محدَّدٍ مقصودٍ من جملةٍ ترد في قانونٍ، أو يدعي البعضُ حقوقاً استناداً لكلمةٍ في لائحةٍ. فغدا اللفظ والكلام المترجم للحقوق أساسٌ في التشريعِ لا أمرٌ ثانٍ فيه (الصفي2015، ص28).
ولمَّا كان أمر بيان التشريع كذلك فقد اهتم علماء الفقه الإسلامي بلغة الشرع في القرآن والحديث فقد جاء عن عَطَاءِ بْنِ دِينَارٍ أنه قال:( وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَالَ:الذينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (الماعون،5) وَلَمْ يَقِلْ: فِي صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) (ابن كثير، 8/493). ولمَّا أدرك العلماء دقة ألفاظ القرآن والحديث في ترجمة المعاني أخذوا يقتبسون منهما المصطلحات الفقهية والألفاظ التي أُثرت عنهما في لغة الأحكام والفتوى طلباً لأسنى الكلام في التشريع.
وتتلخص مشكلة البحث في تحديد موجهات منتجة للتعبير التشريعي للأحكام القانونية استهداءً بمنهجية القرآن الكريم في التشريع.
حدود البحث لهذه الورقة هي التشريعات القانونية بكل فروع القوانين والتشريعات.
هُدى القرآن في البيان التشريعي:
ولا يوجد للبيان التشريعي؛ الذي يُفصِّل مشروعية الفعل المسموح والجائز، أو الفعل المكروه ـ على أقل تقدير من البشر ـ أو الممنوع منه في لغة العرب مرجعاً أصيلاً ومُختصَّاً بهذا الشأن أكثر جدوىً وفائدةً من القرآن الكريم والبحث في أسلوبه الذي يقرر ذلك، وذلك لأمور:
أولاً: لاهتمامه الباكر بالبيان التشريعي على طريقة لم يعدها المتحدثون بالعربية من المعاصرين لنزوله ولا مَن خلَفهم، من أئمة اللغة وأهلها، وما دهشة الوليد بن المغيرة -وهو أحد سادات المشركين المكيين، وذلك حينما سمع القرآن من النبي – إلا استغراباً مما سمع، واستحساناً لما وعى (الحاكم،ح3872)، ودلالةً على أن طريقة القرآن الكريم غير مسبوقة، كما أثبت التحدي به والإعجازُ أنها غير ملحوقة. وفي ذلك ردٌّ كذلك على من ادعى من المستشرقين وأتباعهم المستغربين أن الصورة التي عليها القرآن هي مستحدثةٌ في القرن الثامن الميلادي الذي هو الثاني الهجري، بـ”ابتكار” النحويين (جبل، ص13)- فلو كان كما ادعوا لاستطاع اللاحقون مجارات هذا الحَبْك وتلك الطريقة ـ إن لم يَبُزُّوها- لكنَّ شيئاً من ذلك لم يحدث ولا يستطيعون لأنها طريقة غير بشرية، وما من صنيعة للبشر في عصرٍ من العصور إلا وأنتج الإنسان مثيلها أو خيرٌ منها، فكيف تتعطل تلك السنة في صناعة القرآن إن كان بشري المصدر.
وثانياً: لأن البيان التشريعي في القرآن الكريم مقصودٌ لذاته ولم يرد منه عَرَضاً، ففي غير ما موضعٍ في القرآن الكريم يرد الاستدراك على البيان الخاطئ ويُشار إلى الصحيح، فمن ذلك قوله تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(الحجرات،14) فالقرآن هنا يُشير إلى دلالات مختلفة لهذه الألفاظ المتداخلة، وهي “الإسلام” و”الإيمان” في معرض الادعاء، لأنها قد لا يتعارضان في معرض الوصف، والأمران ـ الوصف والادعاء ـ لا يخلفان في ذات الفعل؛ فمن يدَّعي يَصِفُ، ومن يصفُ يدَّعي، ولكنهما يتحدَّدان بالمتكلم، فإن أطلقَ المتكلمُ الفعل في حقِّ نفسه كان ادعاءً، وإن أطلقه في حق غيره كان وصفاً. ففي “الإيمان” والإسلام” لا يضير الوصف بأيهما، لأن كليهما جزءٌ من الآخر أو أثرٌ له، ولذلك جاء قوله تعالى:فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَفَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (الذاريات،35-36). أما في الادعاء فإن التكذيب قد يرد في حق المتكلم إنْ لم يتجاوز حدَّ الأدنى وهو “الإسلام” إلى المرتبة الأعلى وهي “الإيمان”، لأن المحْمَل الأظهر على ذلك هو التدليس، ولذلك استدرك القرآن على الأعراب قولهم:آمَنَّا وبيَّن أن الصدق يقتضي أن يقولوا:أَسْلَمْنَا.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى:الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (البقرة،257)، وفيه ردٌّ لادعائهم أن الربا هو صيغةٌ من صيغ البيع، وحكمهم لذلك بالمثلية بين البيع والربا. فردَّ القرآن ذلك الادعاء بالتفرقة بينهما لجوهر التعامل وليس لصورته، فالربا في جوهره مداينةٌ وليس تبادُلاً، والزيادة ـ الربا ـ من خلف المداينة استغلالٌ لحاجة الطرف المدين، لأنها زادت من إضعاف قدرة الطرف المدين على امتلاك حاجته. أما البيعُ فهو تبادلٌ بِعِوَضٍ، والزيادة ـ وإن وردت فيها ـ فهي غير مقصودةٍ بالتعامل وإنما المقصود هو التبادل لحاجة كل طرف لما عند الآخر، وقد مكَّن التبادل للممتلكات من تلبية كل طرف لحاجته.
وقد اهتم غير واحدٍ من الصحابة ومَن خَلَفهم بالبيان التشريعي في القرآن وأشار إلى دلالات الألفاظ بقرينة اختلاف المترادفات أو اختلاف الكلمات نفسها. فعن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ قَالَ:( سَأَلْتُ عَائِشَةَ -رضي الله عنهما- فَقُلْتُ لَهَا: ” أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ :إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا (البقرة،158)؟ فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ-رضي الله عنهما-: وَاللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ لا يَطَّوَّفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَتْ عَائِشَةُ-رضي الله عنهما-: بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي، إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَوْ كَانَتْ كَمَا أَوَّلْتَهَا، كَانَتْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، وَلَكِنَّهَا إِنَّمَا أُنْزِلَتْ فِي أَنَّ الأَنْصَارَ كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ عِنْدَ الْمُشَلَّلِ، وَكَانَ مَنْ أَهَلَّ لَهَا يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطَّوَّفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، أَنْزَلَ اللَّهُ: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ -رضي الله عنهما-: ثُمَّ قَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا، فَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بِهِمَا) (البخاري،ح1643). والتعويل من هذا الحوار بين الصحابي الصغير “عروة” وخالته “أم المؤمنين” عائشة-رضي الله عنهما- في قولها:( إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَوْ كَانَتْ كَمَا أَوَّلْتَهَا، كَانَتْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لا يَطَّوَّفَ بِهِمَا)، فدلَّ ذلك على وقوفهم على التعبير واللفظ والسياق وفهمهم للدلالات بحسب ما جاءت عليه من الصِيغ.
وقد أورد الإمام القرطبي عن ابن عباس-رضي الله عنهما- وغيره من الأئمة وقوفهم في سورة “الماعون” عند قول الله :الذينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (الماعون،5) ، فقال ابن عباس-رضي الله عنهما-:( وَلَوْ قَالَ: “فِي صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ” لَكَانَتْ فِي الْمُؤْمِنِينَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَالَ: “عَنْ صَلاتِهِمْ” وَلَمْ يَقُلْ: “فِي صَلَاتِهِمْ”. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتُ: أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ قَوْلِهِ:عَنْ صَلَاتِهِمْ ، وَبَيْنَ قَوْلِكَ: “فِي صَلَاتِهِمْ”؟ قُلْتُ: مَعْنَى “عَنْ”؛ أَنَّهُمْ سَاهُونَ عَنْهَا سَهْوَ تَرْكٍ لَهَا، وَقِلَّةِ الْتِفَاتٍ إِلَيْهَا، وَذَلِكَ فِعْلُ الْمُنَافِقِينَ، أَوِ الْفَسَقَةِ الشُّطَّارِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَمَعْنَى “فِي”؛ أَنَّ السَّهْوَ يَعْتَرِيهِمْ فِيهَا، بِوَسْوَسَةِ شَيْطَانٍ، أَوْ حَدِيثِ نَفْسٍ، وَذَلِكَ لَا يَكَادُ يَخْلُو مِنْهُ مُسْلِمٌ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقَعُ لَهُ السَّهْوُ فِي صَلَاتِهِ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، وَمِنْ ثَمَّ أَثْبَتَ الْفُقَهَاءُ بَابَ سُجُودِ السَّهْوِ فِي كُتُبِهِمْ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لِأَنَّ السَّلَامَةَ مِنَ السَّهْوِ مُحَالٌ، وَقَدْ سَهَا رسول الله في صَلَاتِهِ وَالصَّحَابَةُ: وَكُلُّ مَنْ لَا يَسْهُو فِي صَلَاتِهِ، فَذَلِكَ رَجُلٌ لَا يَتَدَبَّرُهَا، وَلَا يَعْقِلُ قِرَاءَتَهَا، وَإِنَّمَا هَمُّهُ فِي أَعْدَادِهَا، وَهَذَا رَجُلٌ يَأْكُلُ الْقُشُورَ، وَيَرْمِي اللُّبَّ. وَمَا كَانَ النَّبِيُّ يَسْهُو فِي صَلَاتِهِ إِلَّا لِفِكْرَتِهِ فِي أَعْظَمِ مِنْهَا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يَسْهُو فِي صَلَاتِهِ مَنْ يُقْبِلُ عَلَى وَسْوَاسِ الشَّيْطَانِ إِذَا قَالَ لَهُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، لَمَّا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَضِلَّ الرَّجُلُ أَنْ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى) (القرطبي،20/212).
ثالثاً: أننا نستطيع أن نتبيَّن بجلاء منهجاً خاصاً بالقرآن في التشريع، وذلك باستقراء الآيات التشريعية من أقسامه – التي اشتُهرت قديماً باسم “أحكام القرآن”، وحديثاً باسم “آيات الأحكام” – فنجد ظواهر لتلك “الصياغة” أو ذلك “التعبير” أو “البيان” على اختيار الإمام الشافعي، ومن ذلك”:
- استعمل القرآن الكريم، صيغة الإخبار عن الأحكام بمعنى الأمر بها، وذلك في كثيرٍ من المواضع، مثال قوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(الأعراف،33)، ومثل قوله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا(البقرة،257)، وقوله تعالى:وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ (البقرة،233)، وفي الموازنة بين الخبر – الذي يصلُح أن يُوصف قائلُه بأنه صادقٌ أو كاذب – وبين الإنشاء ـ الذي لا يصلُح أن يُوصف قائلُه بأنه صادقٌ أو كاذب – يبدو أن الخبر في الدلالة على الأحكام أقوى من الإنشاء، لأنه إخبارٌ عن الحكم بصورةٍ يضيقُ معها التأويل للمراد من الحُكم، على غير الإنشاء الذي إن كان أمراً جاز أن يكون دعاءً أو تهديداً أو تمنياً، أو تهكماً، أو ندباً، أو كراهةً، أو عادةً أو غيره مما قد يذهب الفكر إليه من تأويلات يُجيزها الفهم السليم (الآمدي،2/207).
وقد ترد في القرآن الآية الواحدة بالأمر بصيغة الإنشاء في قراءةٍ وبصيغة الخبر الدال على الإنشاء في قراءة أخرى، مثال قوله تعالى:وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى(البقرة،125)، فقد جاء الأمر بالاتخاذ في صيغة الإنشاء كما في نص هذه الآية، وجاء بصيغة الخبر عند آخرين، قال أبو زرعة(ص113):( قرأ ابن عامر ونافع:وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، بفتح الخاء، وحجتهما أنَّ هذا إخبار عن ولد إبراهيم صلى الله عليهم، أنَّهم اتخَذوا مقام إبراهيم مصلىً، وهو مردود إلى قوله:وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، وقرأ الباقون واتخذوا بكسر الخاء وحجتهم في ذلك ما روي في التفسير أن النبي أخذ بيد عمر فلما أتى على المقام قال له عمر: هذا مقام أبينا إبراهيم . قال: نعم. قال: أفلا نتخذه مصلىً؟ فأنزل الله جل وعزَّوَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى(البقرة،125)، يقول: وافعلوا).
والجدير بالذكر في مقام الاستشهاد هنا أن نذكر اتفاق الفقهاء على دلالة جملة الماضي الخبرية بصيغة الفعل الماضي على الإيجاب في العقود، واختلفوا في دلالة الفعل المضارع والأمر، فمن قال: بعتك كذا بكذا، عُدَّ إيجاباً منه. واختلفوا فيما إذا قال: بِعْنِي. أو قال: أبيعُكَ (الزحيلي9/35).
واستعمل القرآن الألفاظ ذات الأثر النفسي في الإيجاب والأمر، مثل لفظ “الكتاب”. فكان الناسُ ومازالوا يتهيبون الأمر المكتوب، وإن عظَّموا أمراً أو شأناً كتبوه تعظيماً أو توثيقاً. فأورد القرآن لفظ “كُتِب” كما في قوله تعالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ(البقرة،178)، وقوله تعالى:كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ(البقرة،180)، وقوله تعالى:وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ(النساء،127)، وقوله تعالى:وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ(النساء،24).
ومن الألفاظ ذات الأثر النفسي كذلك؛ “الحلال” و”الحرام”، استعملها القرآن في التشريع، تهويلاً وتعظيماً في النفوس لما ينهى خاصرً. وإن كانا معروفين؛ أي ألفاظ “الحلال” و “الحرام” لغةً قبلُ، كما جاء في قول الشاعر لبيد بن ربيعة في معلقته:
دمِنٌ تَجَرَّمَ بعدَ عَهْدِ أنِيسِهَا حِجَجٌ خَلَوْنَ حَلالُهَا وحَرَامُهَا
يقول:(هي آثارُ ديارٍ قد تمَّت وكمُلت وانقطعت بعد عهدِ سكانِها بها سنونٌ مضت أشهرُ الحَرَمِ وأشهُرُ الحِلِّ منها؛ وتحرير المعنى: قد مضت بعد ارتحالهم عنها سنونٌ بكمالها. خَلَوْنَ: المضْمَرُ فيه راجعٌ إلى الحِجَجِ، وحلالُها بدلٌ من الحِجج، وحرامُها معطوفٌ عليها، والسنة لا تعدو أشهرَ الحرمِ وأشهرَ الحلِّ، فعبَّر عن مُضِيِّ السنة بمُضِيِّهما)(الزوزني،1/172).
غير أن القرآن استعملهما اصطلاحاً على المسموح به والممنوع من التصرفات البشرية دون غيرها، فالحلال والحرام في القرآن الكريم ينصرف إلى التصرفات وليس للأعيان من الأشياء، فإن ورد اقترانها بالأعيان كان مجازاً ينصرف إلى العمل تجاه تلك الأعيان، كما في قول الله تعالى:حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ(المائدة،3)، وقوله: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ(الأعراف،157).
غير أننا نلاحظ عدم استخدام القرآن للفظ “الحَجْرِ” للتصرفات بمعنى المنع، على الرغم من أدائها لذات المعنى، قال تعالى:وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ(الأنعام،138). غير أنَّ “الحرام” يحمل في معناه المنع للتعظيم، لذلك استُخدمت قبل الإسلام للعظماء، كما جاء في الحديث:( إِنَّ الْحَلالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ)(البخاري،ح52). أما “الحِجر” فاستعماله لعامة الناس، ومنها لفظ “الحُجْرة” بمعنى البيت للإنسان أو ما يمتلكه فيُسوِّره مثلاً دلالةً على اختصاصه به دون غيره.
ومن الألفاظ ذات الأثر النفسي كذلك، استعمال القرآن كثيراً لمفردات “حسنة” و”سيئة” بالإفراد والجمع، والاسم والفعل، وبالتنكير والتعريف، ربطاً بين الفعل وآثاره النفسية أو مآلاته وعاقبته في الدنيا قبل الآخرة، للفاعل أو غيره أو مجتمعه. كما في قوله تعالى:وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ(النحل،30)، وقوله تعالى: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ(الروم،36).
- لمح الباحثون في القرآن تخصيصه بعض المعاني لبعض المفردات، فمثلاً إذا جاءت كلمة “الحكمة” فيه دلت على “السنة النبوية”، كما في قوله تعالى: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(البقرة،129)، وقال الإمام الشافعي في تفسيرها:( فذكر الله الكتابَ، وهو القُرَآن، وذكر الحِكْمَة، فسمعتُ مَنْ أرْضى من أهل العلم بالقُرَآن يقول: الحكمة سنةُ رسول الله؛ لأن القُرَآن ذُكر وأُتْبِعَتْه الحكمة، وذكرَ الله مَنَّه على خَلْقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يَجُزْ – والله أعلم – أن يقال الحكمة هاهنا إلا سنةُ رسول الله. وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله، وأن الله افترض طاعة رسوله، وحتَّم على الناس اتباع أمره، فلا يجوز أن يقال لقولٍ: فرضٌ، إلا لكتاب الله، ثم سنة رسوله) (الشافعي،78).
كما يمكننا أن نلاحظ أن القرآن استخدم كلمات “الصدق” و”الكذب” لوصف التصرفات أكثر من الأقوال، فمن ذلك قوله تعالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ(التوبة،119-120)، وقوله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ(العنكبوت،3). كما وصف الله به القرآن نفسه، وهو “النور” الذي يكشف صحة التصرفات من سقمها، فقال: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَوَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ(الزمر،32-33).
- كما نرى القرآن يُجمل الأحكام؛ حلالها وحرامها، وقد يُفصِّل. ومن باب إجماله الأحكام قوله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَقُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(الأعراف،32-33). وتبدو فيما أجمل من أحكام حِكَمُه وعِللُه، فالزينة والطيبات من الرزق أباحها الله تعالى لعباده لحاجتهم لها في الدنيا تقوِّياً على مطلوبات الحياة، أو استمتاعاً وتلبيةً لشهواتٍ مطلوبةٍ مثل شهوة الفرج بالنكاح عِفَّةً ورغبةً عن السفاح.
وقد يُفصِّل القرآن في الشأن الواحد على نحو ما جاء في آية الدين يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ(البقرة،282). وآيات الربا الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَيَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَفَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَوَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ(البقرة،275-279). أو آيات المحرمات من النساء، من قوله تعالى:حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًاوَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ(النساء،23-24).
وقد بيَّن القرآن منهجه في التفصيل بقوله: وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (الفرقان،33)، فجعل سبب التفصيل والتفسير للمجمل اتقاء التشبيه والشبهات والنزاع، لذلك نجد القرآن أجمل أحكام التشريعات التعبدية مثل الصلاة والزكاة والحج والصوم، وفصَّل أحكام المعاملات مثل المداينة. ومن هذا الباب فإن القرآن جاء أكثره في الإيمان والكفر، تفصيلاً وتفسيراً لا يدعُ مجالاً لذلك إلا فصّل فيه وبيَّن، وذلك لأن السلم البشري متوقفٌ عليه، فالأمن والسلام من الإيمان والكفر نقيضهما، من أجل ذلك ردَّ إبراهيم على قومه التهديد فقال الله تعالى: وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَوَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(الأنعام،30-32).
فيبدو من منهج القرآن في التفصيل والإجمال أنه يرعي في ذلك السلوك البشري وما قد يجره نحو التنازع والخلاف. وأن التفصيل جاء في عظائم الأحكام التي تُصنَّف في “مقاصد التشريع الكلية” حفظاً للدين أو حفظاً للمال أو حفظاً للنسل.
أثر القرآن في البيان التشريعي والصياغة القانونية:
من خلال استعراض ملامح البيان التشريعي في القرآن الكريم يمكننا أن نستخلص بعض القواعد والموجهات التي تعين في التعبير السليم عن المسموح به والممنوع في التصرفات البشرية بغرض كتابة الضوابط والقواعد القانونية أو الأوامر التشريعية، فمن ذلك:
- قبل الشروع في التعبير عن التصرفات المباحة والمحرمة ينبغي تحري أوجه الصحة والسلامة في التصرفات، فليس كل التصرفات ينبغي أن تكون مباحة، بل هي تُباح بقياسها إلى أوجه البر والنفع العام والخاص. وأن يُشار إلى تلك الوجوه التي عليها مدار التشريع إباحةً أو منعاً، وفي ذلك يقول الله: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ(النحل،115-116). ولأنّ في تحري الصحة والسلامة مدعاة للاتباع، كما قال تعالى:أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(يونس،35).
وقد شرع القرآن الوجدان السليم معياراً لمعرفة الحق، فقال تعالى:قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا(سبأ،46)، ولذلك نجد كثيراً من آيات التشريع تُختَتم بالإشارة إلى محكات الوجدان السليم مثل التعقُّل والتعلم واتِّقاء الهلاك ومسبباته، وغير ذلك من علامات الهداية والرشد، كما في قوله تعالى:قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(الأنعام،51)، وقوله تعالى:وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ(البقرة،184)، وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(البقرة،179)، وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى(البقرة،189)، وغير ذلك كثير.
ومن الوجدان السليم كذلك التسليم لأمر الله تعالى في أحكامه التي شرعها لعباده والوقوف على حدودها بغير تجاوزٍ، لأسباب تشريعيةٍ وقانونيةٍ مفهومه وهي:
أولاً: استمداد شرعية “الحق”، فالمعلوم أن الإنسان في العصر الحديث حاول هدم فكرة “الحق” باعتبارها فكرةٌ خيالية، (لا تعدو أن تكون ضرباً من الوهم والخيال)(حسن،ص10)، ولكن أصحاب هذا المذهب الاجتماعي أتوا بفكرةٍ أوغرَ في الوهم، وهي فكرة “التضامن الاجتماعي”، وحينما برروا اتجاههم هذا أعربوا عن رفضهم لسلطة الخالق التي هي مصدر الحق، يريدون استبدالها بالتضامن الاجتماعي مَنْشَاً للالتزامات والحقوق، مقرين في ذات الوقت بأن هذا (يدحضه واقع الحال، ولا يمكن تحقيقه إلا بتدخل قوةٍ سماوية خارقة للطبيعة وفوق مستوى البشر)(حسن،ص11)، ونسوا أن “الإيمان” هو داعي تلك القوة الإلهية. وقد ألمح القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا(الفتح،24)، فقد تواترت أقوال المفسرين ورواة الأقوال على أن كفَّ أيدي المؤمنين كان بإخلاصهم في شهادة ألا إله إلا الله فهم بذلك يتقون عذاب الله إن خالفوا أمره.(ابن كثير،7/346).
ثانياً: آلية نفوذ التشريعات جزءٌ أصيلٌ من الحق عند فقهاء القانون(حسن،ص34)، فمن المعلوم قانوناً أن التشريعات والقوانين تكتسب ضمانات تنفيذها من الخوف من العواقب، أو الخوف من “الجزاء”، وآلية هذا الجزاء تتمثل في السلطة القائمة التي تقرِّر الحقوق وتُلزم تنفيذَها جبراً على المدين بها(السنهوري،654). ولمَّا كان الفكر الإنساني أسبق في الإجرام ـ منه في التفكير في ضبط الإجرام ووسائله، بدءاً بالرقابة ومروراً بالتحري وانتهاءً بإيقاع العقوبة على الجناة ـ حتى قال الشاعر المتنبئ يصف ثبات الظلم في النفس البشرية:
والظُلْمُ مِنْ شِيَمِ النُّفُوسِ فإنِ تَجدْ ذَاْ عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لا يَظْلِمُ
صار أولى وأجدى للسلطة التعويلُ على ما هو أجدى من التسلط، ولما كان الوازع خيرٌ من الرادع في الالتزام بالحقوق وأدائها فإن الإيمان خيرُ وازعٍ إن شاع في الناس ودانوا به، فسيكون خير معينٍ في أداء الحقوق بلا كُلفٍ كبيرة وبحفظٍ للحقوق بحريةٍ شخصية، سيما في الحقوق غير التعاقدية، كالآداب العامة ونحوها.
- تحري التعبير السليم عن التصرفات، وفي سلامة التعبير عنها أمورٌ ينبغي أن تُراعى، منها:
- استخدام الألفاظ للدلالة بدقة عن التصرفات، فلا يصح أن نستخدم ألفاظاً تشجيعية في منع المحرمات، مثل تسمية السيئات بأوصافٍ تُزيلُ عنها الفُحش والتأفف والكُره. وقد استعمل الكفر هذا الأسلوب في تغيير الأحكام كما أورد عنهم القرآن الكريم في تغيير حرمة الشهر الحرام باسم “النسيئ”، رفعاً للحرج عنها، فقال:إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ(التوبة،37). ومن هذا الباب أن نجد حديثاً في التشريعات تسمية التصرفات المنحرفة بأسماء وأوصاف تشجيعية أو مخفَّفةٍ تزيل عنها الاستقباح بقدْرٍ ما، وذلك مثل تسمية “السرقة” بـ”الاعتداء على المال العام”، وتسمية “الزنى” أو “اللواط” بـ”الأفعال المُخلة بالآداب” و”التحرُّش”، ويقول الجواهري(3/1000) في مادة “حرش”:(والتَحْريشُ: الإغْرَاءُ بَيْنَ القومِ، وكذَلكَ بَيْنَ الكِلابِ. والحَرْشُ: الأثَرُ، والجمْعُ حِراش. وحَرَشَه بالحاء والخاء جميعاً حَرْشاً، أي خَدَشَه). وكذلك تسمية “الضرب” بـ”العنف”، وتسمية “الضرر” و”الظلم” بـ”التجاوز”، و”الفُحش” و”الفسوق” بأنها “أفعال غير لائقة”. وكذلك تسمية “الكفر” بـ”الحرية الدينية” و”حرية المعتقد” و”اللادينية”. وغير ذلك من الاستبدال والتحريف.
- استعمال ألفاظ تشجيعية للمباحات وألفاظ تنفيرية للمحرمات، مثال أن يُقال في الواجبات: “يُندب” أو “من البر فعلُ كذا”، أو “يُستحسن”. أما في التنفير فيُقال: “من الظلم فعلُ كذا” أو “من السوء فعلُ كذا”، أو نحو ذلك. وقد نبَّه القرآن إلى معنى الإيمان حينما أمر بالمعروف، فبدأ في كثير من المواضع بقول:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، وأشار عند المعاصي إلى المعاني الكريهة للنفوس البشرية، مثل “الظلم” وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ، جاءت في القرآن في تسع مواضع مقترنةً بالكذب ومنع الدعوة بالحسنى والإعراض عن دين الله. ومثل “العدوان” وهو من الصفات التي تأنفها النفوس، فقال:ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (البقرة،61).
ومن هذا الباب وصف القرآن السلوك البشري الحسن بـالْمَعْرُوفِ، وهو الذي تعرفه النفوس وتُقرُّه وتطمئن إليه. ووصف السلوك الخاطئ بـ الْمُنْكَرِ، وهو الذي تنفر منه النفوس والفطرة السليمة إنكاراً وإعراضاً.
- الإشارة إلى الآثار النفسية والمجتمعية للتصرفات في التعبير عنها، فالقرآن الكريم يُشير إليها في مواضع الأمر والنهي، ومن ذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(الحجرات،11)، فأشار إلى متضمَّن السلوك من العواقب والآثار النفسية المترتبة. وقوله تعالى:وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(الأنعام،108)أشار إلى متضمَّن السلوك من العواقب والآثار الواقعية والمجتمعية من استباحة المقدسات، ومن ثَم دوامة النزاعات.
- ومن ملامح البيان التشريعي في القرآن الكريم استمالة القلوب عند الدعوة والأمر بالمعروف وتنفيرها بالعواقب المسيئة عند النهي عن المنكرات، فإن ذلك أدعى للامتثال والقبول والتسليم للتشريعات. وقد استمال القرآن للهدى الكافرين والمسلمين على السواء، ومن هذا الباب أمر الله تعالى لنبيه موسى عند دعوة فرعون بالاستمالة، فقال: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىفَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى(طه،43-44)، ومنها قوله تعالى في استمالة المسلمين:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌوَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(النور،21-22).
ومن باب التنفير من العواقب التخويفُ بالقرآن، كما قال تعالى:وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا(الإسراء،60)، غير أن التخويف هنا له داعٍ مُعلنٌ وهو الحمل على السلوك الحسن وردعاً عن الكفر وإفرازاته السلوكية، فقال تعالى في ذلك:مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(النساء،147).
- “المناسبة” بين التشريعات، وبين الأفعال المكونة للسلوك ونتائجها. فتشريع الصيام جاء بين تشريع القصاص والوصية وبين النهي عن الرشى وأكل أموال الناس بالباطل، والمناسبة بينهم فيحَيَواةٌ، صرَّح بذلك بقوله:وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(البقرة،179)، ومعنى الحياة في القصاص ظاهرٌ مفهوم لأنه يمنع التقاتل، وهو ظاهرٌ كذلك في الصيام إن قرأنا حديث النبي 🙁الصيامُ جُنَّةٌ، فلا يرفُثْ ولا يجهلْ، وإن امرؤٌ قاتله أو شاتمه فليقلْ: “إني صائمٌ” مرتين)(البخاري،ح1894)، ثم شرحها في حديث آخر بقوله:( كجُنَّةِ أحدِكم من القتال)(ابن ماجة،ح1639). كما إن معنى “الحياة” ظاهر في إدارة شؤون حكم العباد سيما في إدارة أموالهم وأحوال معاشهم واقتصادهم.
كما نجد الترتيب بالتناسب بين أجزاء التشريع الواحد، فتشريع الصيام بدأ بنداء الإيمانيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الذي هو مَحمَلُ الصيام، ومحمل كل تشريعٍ تتلقاه الأنفس نافرةً. ثم التذكير بأن هذا التشريع سنة أقوام تحب الأنفس التأسي بهم الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لأنهم مثلهم آمنوا بربهم، ثم بيان أحكام الصيام.
كما نجد ذات الأمر من التناسب في تشريع الحج الذي هو شعار الأمن في الجاهلية والإسلام، جاء في ثنايا تشريع القتال. فبدأ القرآن تشريعه بقوله:يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(البقرة،189)، ومن أهم هذه المواقيت للبشرية جمعاء هي الأشهر الحُرُم، أي أوقات السلام العالمي، وهو ما جاء به قوله تعالى:إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(التوبة،36)، أما للعرب ومن عرف فرض الأمن لبيت الله الحرام من أهل الكتاب فإنهم يفرضون الأمن لمن حج البيت الحرام، وهو من مِنَّة الله عليهم فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِالَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ(قريش،3-4).
- “المقابلة” بين التشريعات، فينبغي في التشريع أن يجمع بين الترهيب والترغيب، وبالضرورة فإن الترغيب لفعل الخيرات، والترهيب من فعل المنكرات. وفي ذلك نجد القرآن يُكثر من أسلوب “المقابلة، وهو أسلوبٌ بلاغي ذو فائدةٍ في الكلام عموماً وفي التشريع خصوصاً، لأن يُمثل “الحياد اللفظي” في التشريع والقضاء، والتشريع يقتضي التوازن في الأحكام والتعبير، فلا ينبغي الحَيف نحو اتجاه يُجسد الإدانة المُسبقة في التشريعات. كما لا يجوز التلطُّف مع بعض الخصوم دون بعض فإن من شأن ذلك أن يوعز للمفضول بتحيُّز القاضي.
وفي التعريف بالتقابل في اللغة يقول الإمام الجرجاني:( المتقابلان هما اللذان لا يجتمعان في شيء واحد من جهة واحدة)(الجرجاني،ص166).
ومن أمثلة ما ورد في القرآن في التقابل الذي يمثِّل فائدةً عظيمةً في التشريع قوله تعالى:قَالَ يَا آدَمُ، وقد وردت في القرآن الكريم في موضعين، قابلها قوله تعالى:قَالَ يَا إِبْلِيسُ، وردت في القرآن في موضعين، و”آدم” و”إبليس” هما رمزا الخصومة في هذه الدنيا في دعوى الإيمان وهو صراعٌ دائمٌ مستمرٌ. ومن ذلك قوله تعالى:وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ(الكهف،29)، وهي تمثل العدالة في منح الفرص لكل مختارٍ لما يسلك من سلوكٍ بمسؤولية.
- التسلسل في الأحكام، فذلك من بلاغة الكلام أولاً، لأن السامع يُدرك غرض المتكلم إن تسلسل كلامه؛ من معنى السلاسة، أما إن اضطرب فقد لا يدرك مقصود المتكلم من كلامه وإن أدركه ببينات وقرائن أخرى. وثانياً التسلسل من الموضوعية، بل هي من فطرة الكلام، ألا ترى المتكلم يُنبه السامع قبل ابتداء كلامه، وقد يؤكد بعد تمام الكلام، وكلُّ متكلمٍ يلتزم هذا التدرج فلا تجد متكلماً يؤكد قبل أن يقدم فحوى كلامه ولا يُنبِّه بعد تمام كلامه، فلن يكون حينئذ لتنبيهه فائدة.
ونجد القرآن يلتزم في آيات الأحكام وتشريعها ذلك التسلسل، ففي أحكام الطلاق من سورة الطلاق نجد القرآن يبدأ بتحديد وقت الطلاق، ثم التشديد على معرفة توقيتات الطلاق “العدة”، ثم التخيير إن أوشك انقضاء العدة بين الإمساك والطلاق، ثم توثيق الطلاق إن وقع، ثم حكم الحالات الخاصة؛ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ، ثم حقوق المرأة فيما بعد الطلاق. ومثل هذا التسلسل التشريعي نجده في مواضع كثيرة من تشريعات القرآن الكريم.
هداية القرآن في الصياغة التشريعية:
لقد أورد القرآن هداياتٍ عامةٍ في أمر صياغة التشريعات حينما أورد خصائص التشريع في سوره وآياته، وهي خصائص عُدت في أوجه إعجازه التشريعي، فمن تلك الخصائص:
- تحديد مقاصد التشريع فيه حتى يُستهدى بها في غياب النصوص أو عند فهمها وتنزيلها، فمن ذلك قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ(البقرة،185) فهذا التشريع مسلكه التيسير في الأمور كلها لأنه جاء لرفع القيود التي كبَّل بها البعض حياة البشر، فهو يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ(الأعراف،157). وكذلك قوله:يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌوَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًايُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا(النساء،26-28). كما أن هذا التشريع متصلاً بأهداف ومقاصد التشريات للأمم السابقة، فقال:شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ (الشورى،13). فينبغي في التشريع أن يتصدر بمقاصده وغاياته وقواعده المبيِّنة لفهمه حتى يسهل تطبيقه.
- الشمول، فقد غطى التشريع القرآني كل مجالات الحياة التي تنشأ فيها علاقاتٌ بين الناس ويحتاجون فيها لبيانٍ، فقال: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء(الأنعام، ٣٨). وليس ذلك للحياة التي عاصرت نزوله فحسب بل أورد قواعد تشريعيةٍ تهدي المشرعين أن يستنبطوا منه أحكاماً لِما يستجد من شؤون الحياة، فمن ذلك قوله تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ(النساء،83)، بل أمرهم أن يتدبروا القرآن حتى لا يضلوا في التشريع فيشرعوا الضلال للناس، فقال: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْأُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْأَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(محمد،22-24).
- تفصيل الأحكام: بمعنى بيان كلياتها وأجزائها بعلمٍ ومراعاةٍ لطاقات الناس، فمن ذلك قوله: وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (الأعراف،٥٢). وقوله: وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ(يونس،٣٧).
- بيان الأحكام: فالغموض في النصوص مما يُثير النزاعات ويوسع دائرتها ويزيد الخصومات ولا يفضها، ولذلك بشَّر الله تعالى بالقرآن بقوله: قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ(يونس،57)، وقال: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً(النحل،٨٩(.
- وضوح النصوص الآمرة بقوة: فلا ينبغي أن يُعبر التشريع في الواجبات بألفاظٍ لا توجب الالتزام بأحكامه، كما قال تعالى:إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌوَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ(الطارق: ١٣-14). وقال:وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا(طه،113)، فالوعيد هو الذي ذهب إليه علماء التشريع من أن الباعث على الالتزام بالتشريعات ابتداءً هو الخوف من العقاب، فيتقي الناس هذا المأزق حينما يتذكروا المصير إليه. وقال تعالى:وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَقُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ(الزمر،27-28)، وقال الطبري:( غَيْرَ ذِي عِوَجٍ يعني: ذِي لَبْسٍ)(الطبري،21/283).
- عدم التضارب في الأحكام: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (النساء،٨٢)
- التناسب: القاضي أبو بكر بن العربي: ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة، متسقة المعاني، منتظمة المباني -علم عظيم،ص4
الزركشي: والذي ينبغي في كل آية أن يبحث عن كونها مكملة لما قبلها، أو مستقلة، ثم المستقلة ما وجه مناسباتها لما قبلها؟ ففي ذلك علم جَمٌّ، وهكذا في السور يُطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له.ص7
فمما يعيب التقنين في هذا الشأ، (عيوب التبويب العام وعيوب التبويب التفصيلي السنهوري)(1/7)، أو ألا يتسم بـ(تسلسل منطقي أو اعتبار عملي)(ص8).
- سهولة العبارة: ولقد يسرنا القرآن للذكر…
نتائج البحث:
من خلال استقصاء الآيات القرآنية في “التشريع” والأحكام العملية للبشر مؤمنين وكافرين نجد للقرآن الكريم منهجاً صالحاً للاقتباس في أمر “الصياغة القانونية” وهو ما أسميته في هذا البحث بـ”البيان التشريعي”، فهو تعبيرٌ أظنه أشملُ من مجرد الرسم واللفظ اللذان توحي بهما كلمة “الصياغة”. ومما استنتجته من هذا البحث هو ما يلي:
- تعبير “البيان التشريعي” هو أشمل في التعبير عن اتجاهات المشرعين وإفصاحهم عن أحكام العلاقات المختلفة في التشريعات من تعبير “الصياغة القانونية”. وآمل أن يشيع في الاستخدام لموضوعيته وعلميته. وقد استخدم القرآن هذا اللفظ في توجيه النبي لإيضاح أحكام القرآن فقال:وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(النحل،64).
- المناهج العلمية الموضوعية هي الأولى بالانتهاج في بيان الأحكام في التشريعات، ومن أهمها تحري “الصدق” في التعبير عن السلوكيات البشرية وأوصافها ومقابلتها بآثارها وأضدادها لبيان مقاصد المشرعين من وراء أحكامها، وذلك أدعى لأن تسود روح التشريع بدلاً من أن يختصم الناس إلى أحكامه. وفي ذلك فإن تسمية الأمور بغير أسمائها ووصف التصرفات بتحريف أوصافها يقدح في موضوعية التشريعات، ويوعِز بجنوحها نحو التجريم بغير داعٍ ونحل المحرمات باشتِبَاهِ الحلال. فتبدو بذلك التشريعات أشبه بالخطب البلاغية بغير مضمون مُنتجٍ.
- كل معاني العدالة من الموضوعية والواقعية والحياد وإحقاق الحقوق وتحقيق المقاصد وروح التشريع وإعمال النصوص وإهمال الأغراض ينبغي أن يُشير إليها البيان التشريعي بأوضح ما يكون.
- سلامة التعبير هو لبُّ وعمود البيان التشريعي كما عبَّر القرآن عن نفسه: قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ(الزمر،28)، لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ(النحل،103)، وسلامة التعبير تتمثل في إطلاق الألفاظ على ما وُضعت له، وإيضاحِ الحقوق بغير مَيْنٍ، ووصف الجزاء للراشدين والضالين على السواء.
- لا بد للتشريع من أن يكون جامعاً للسلوك البشري، مانعاً له من التنازع والاختلاف، وذلك بإجمال الأحكام أو تفصيلها حسبما تقتضي الأحوال.
- قواعد البيان التشريعي أو “الصياغة القانونية” غيرُ محصورة في علمٍ من العلوم، فلعلوم اللغة فيها أثرٌ، ولا بد أن تراعى فيها، سيما إن كانت “الصياغة” باللغة العربية، لِما في تغيُّر أواخر الكلمات مثلاً أثرٌ كبيرٌ على تغيُّر التصورات ومن ثم الأحكام، ذلك فضلاً عن الاختلاف في دلالات المترادفات والألفاظ المشتركة. كما إن لباقي العلوم أثرٌ في “الصياغة” والبيان التشريعي لتوقفها على صحيح الأمور التي لا تُعرف صحتها إلا من خلال العلوم المختلفة، سيما علوم التربية والسلوك، التي تقوم على القواعد المصححة لمناهج ومذاهب البشر في الحياة. وكذلك للعلوم التجريبية كافةً أثرٌ في التشريع، لتوقف معرفة المخاطر والأضرار التي عليها مدار التشريع في غالب الأحيان على تلك العلوم التجريبية. وبالجملة فإن كل العلوم النافعة يجب أن تُراعى في البيان التشريعي.
- التناسب والمناسبات، أو التبويب المنهجي لأحكام التشريع في تاليف التشريعات مهمٌ جداً وذو دلالة في الأحكام، فينبغي الأخذ به وترتيب الإجراءات والأحكام بحسب تناسبها.
المراجع:
القرآن الكريم.
The Holy Qur’an.
ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي (ت 774هـ). تفسير القرآن العظيم. تحقيق: سامي بن محمد سلامة. ط2. الرياض: دار طيبة للنشر والتوزيع، 1420هـ/1999م.
Ibn Kathīr, Abū al-Fidāʾ Ismāʿīl ibn ʿUmar al-Qurashī al-Dimashqī (d. 774 AH). Tafsīr al-Qurʾān al-ʿAẓīm. Edited by: Sāmī ibn Muḥammad Salāmah. 2nd ed. Riyadh: Dār Ṭaybah for Publishing and Distribution, 1420 AH/1999 CE.
ابن ماجه، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني (ت 273هـ). سنن ابن ماجه. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي. القاهرة: دار إحياء الكتب العربية – فيصل عيسى البابي الحلبي، د.ت.
Ibn Mājah, Abū ʿAbd Allāh Muḥammad ibn Yazīd al-Qazwīnī (d. 273 AH). Sunan Ibn Mājah. Edited by: Muḥammad Fuʾād ʿAbd al-Bāqī. Cairo: Dār Iḥyāʾ al-Kutub al-ʿArabiyyah – Fayṣal ʿĪsā al-Bābī al-Ḥalabī, n.d.
ابن منظور، جمال الدين محمد بن مكرم (ت 711هـ). لسان العرب. بيروت: دار صادر، د.ت.
Ibn Manẓūr, Jamāl al-Dīn Muḥammad ibn Mukarram (d. 711 AH). Lisān al-ʿArab. Beirut: Dār Ṣādir, n.d.
ابن زنجلة، أبو زرعة عبد الرحمن بن محمد. حجة القراءات. تحقيق: سعيد الأفغاني. ط2. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1402هـ/1982م.
Ibn Zanjalah, Abū Zurʿah ʿAbd al-Raḥmān ibn Muḥammad. Ḥujjat al-Qirāʾāt. Edited by: Saʿīd al-Afghānī. 2nd ed. Beirut: Muʾassasat al-Risālah, 1402 AH/1982 CE.
الآمدي، سيف الدين أبو الحسن علي بن أبي علي. الإحكام في أصول الأحكام. مصر: مطبعة المعارف، 1332هـ/1914م.
Al-Āmidī, Sayf al-Dīn Abū al-Ḥasan ʿAlī ibn Abī ʿAlī. Al-Iḥkām fī Uṣūl al-Aḥkām. Egypt: Maṭbaʿat al-Maʿārif, 1332 AH/1914 CE.
البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبد الله الجعفي. الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري). تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر. ط1. بيروت: دار طوق النجاة، 1422هـ.
Al-Bukhārī, Muḥammad ibn Ismāʿīl Abū ʿAbd Allāh al-Juʿfī. Al-Jāmiʿ al-Musnad al-Ṣaḥīḥ al-Mukhtaṣar min Umūr Rasūl Allāh ﷺ wa-Sunanihi wa-Ayyāmihi (Ṣaḥīḥ al-Bukhārī). Edited by: Muḥammad Zuhayr ibn Nāṣir al-Nāṣir. 1st ed. Beirut: Dār Ṭawq al-Najāh, 1422 AH.
الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر. البيان والتبيين. وضع حواشيه: موفق شهاب الدين. بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت.
Al-Jāḥiẓ, Abū ʿUthmān ʿAmr ibn Baḥr. Al-Bayān wa al-Tabyīn. Annotated by: Muwaffaq Shihāb al-Dīn. Beirut: Dār al-Kutub al-ʿIlmiyyah, n.d.
جبل، محمد حسن حسن. دفاع عن القرآن الكريم: أصالة الإعراب ودلالته على المعاني في القرآن الكريم واللغة العربية. القاهرة: البربري للطباعة الحديثة، د.ت. وقد ثبتت نسبة الكتاب إلى محمد حسن حسن جبل من الفهارس المتاحة، لكن سنة النشر لم تظهر بوضوح في النتائج المفتوحة.
Jabal, Muḥammad Ḥasan Ḥasan. A Defense of the Noble Qur’an: The Authenticity of Iʿrāb and Its Indication of Meanings in the Noble Qur’an and the Arabic Language. Cairo: Al-Barbarī Modern Printing Press, n.d.
الجرجاني، علي بن محمد السيد الشريف. معجم التعريفات. تحقيق ودراسة: محمد صديق المنشاوي. القاهرة: دار الفضيلة للنشر والتوزيع والتصدير، د.ت. وقد أمكن التحقق من اسم المحقق والناشر، بينما لم تظهر سنة النشر بوضوح في المصادر المفتوحة.
Al-Jurjānī, ʿAlī ibn Muḥammad al-Sayyid al-Sharīf. Muʿjam al-Taʿrīfāt (Dictionary of Definitions). Edited and studied by: Muḥammad Ṣiddīq al-Minshāwī. Cairo: Dār al-Faḍīlah for Publishing, Distribution, and Export, n.d.
الجوهري، أبو نصر إسماعيل بن حماد الفارابي (ت 393هـ). الصحاح: تاج اللغة وصحاح العربية. تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار. ط4. بيروت: دار العلم للملايين، 1407هـ/1987م.
Al-Jawharī, Abū Naṣr Ismāʿīl ibn Ḥammād al-Fārābī (d. 393 AH). Al-Ṣiḥāḥ: Tāj al-Lughah wa Ṣiḥāḥ al-ʿArabiyyah. Edited by: Aḥmad ʿAbd al-Ghafūr ʿAṭṭār. 4th ed. Beirut: Dār al-ʿIlm lil-Malāyīn, 1407 AH/1987 CE.
الحاكم، أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري المعروف بابن البيع (ت 405هـ). المستدرك على الصحيحين. تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا. ط1. بيروت: دار الكتب العلمية، 1411هـ/1990م.
Al-Ḥākim, Abū ʿAbd Allāh Muḥammad ibn ʿAbd Allāh al-Naysābūrī, known as Ibn al-Bayyiʿ (d. 405 AH). Al-Mustadrak ʿalā al-Ṣaḥīḥayn. Edited by: Muṣṭafā ʿAbd al-Qādir ʿAṭā. 1st ed. Beirut: Dār al-Kutub al-ʿIlmiyyah, 1411 AH/1990 CE.
الزحيلي، وهبة. الفقه الإسلامي وأدلته. ط4. دمشق: دار الفكر، د.ت.
Al-Zuḥaylī, Wahbah. Al-Fiqh al-Islāmī wa Adillatuhu (Islamic Jurisprudence and Its Evidences). 4th ed. Damascus: Dār al-Fikr, n.d.
السنهوري، عبد الرزاق أحمد. الوسيط في شرح القانون المدني الجديد: نظرية الالتزام بوجه عام. بيروت: دار إحياء التراث العربي، د.ت. وتظهر بعض الفهارس أن أجزاء من هذا العمل صدرت أصلاً عن دار النشر للجامعات المصرية في طبعات مبكرة، بينما تذكر طبعات أخرى دار إحياء التراث العربي؛ لذلك أبقيت سنة النشر غير مثبتة هنا تجنباً للجزم ببيان غير موحد بين الطبعات.
Al-Sanhūrī, ʿAbd al-Razzāq Aḥmad. Al-Wasīṭ fī Sharḥ al-Qānūn al-Madanī al-Jadīd: Naẓariyyat al-Iltizām bi-Wajh ʿĀmm (The Intermediate Treatise on the Explanation of the New Civil Code: General Theory of Obligations). Beirut: Dār Iḥyāʾ al-Turāth al-ʿArabī, n.d.
السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر (ت 911هـ). أسرار ترتيب القرآن. القاهرة: دار الفضيلة للنشر والتوزيع، د.ت.
Al-Suyūṭī, ʿAbd al-Raḥmān ibn Abī Bakr (d. 911 AH). Asrār Tartīb al-Qurʾān (The Secrets of the Arrangement of the Qur’an). Cairo: Dār al-Faḍīlah for Publishing and Distribution, n.d.
الشاطبي، إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي. الموافقات. دراسة وتحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان. ط1. الخبر: دار ابن عفان، 1417هـ/1997م.
Al-Shāṭibī, Ibrāhīm ibn Mūsā ibn Muḥammad al-Lakhmī. Al-Muwāfaqāt. Edited and studied by: Abū ʿUbaydah Mashhūr ibn Ḥasan Āl Salmān. 1st ed. Al-Khobar: Dār Ibn ʿAffān, 1417 AH/1997 CE.
الشافعي، محمد بن إدريس. الرسالة. ط1. القاهرة: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1358هـ/1940م.
Al-Shāfiʿī, Muḥammad ibn Idrīs. Al-Risālah. 1st ed. Cairo: Sharikat Maktabat wa Maṭbaʿat Muṣṭafā al-Bābī al-Ḥalabī wa Awlādih, 1358 AH/1940 CE.
صبره، محمود محمد علي. الاتجاهات الحديثة في إعداد وصياغة مشروعات القوانين. القاهرة: مكتب صبره للتأليف والترجمة، 2009م.
Sabrah, Maḥmūd Muḥammad ʿAlī. Modern Trends in the Preparation and Drafting of Legislative Bills. Cairo: Maktab Sabrah for Authorship and Translation, 2009.
الصفي، خالد بن عبد الرزاق بن صالح. دليل صياغة الأنظمة واللوائح في المملكة العربية السعودية. ط1. الرياض: مكتبة الملك فهد الوطنية، 1436هـ/2015م. وقد أمكن التحقق من اسم المؤلف، والطبعة، وسنة النشر من الفهارس المتاحة.
Al-Ṣafī, Khālid ibn ʿAbd al-Razzāq ibn Ṣāliḥ. Guide to Drafting Laws and Regulations in the Kingdom of Saudi Arabia. 1st ed. Riyadh: King Fahd National Library, 1436 AH/2015 CE.
الصنعاني، محمد بن إسماعيل الأمير. أصول الفقه المسمى إجابة السائل شرح بغية الآمل. تحقيق: حسين بن أحمد السياغي، وحسن محمد مقبولي الأهدل. ط2. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1408هـ/1988م.
Al-Ṣanʿānī, Muḥammad ibn Ismāʿīl al-Amīr. Uṣūl al-Fiqh, Entitled Ijābat al-Sāʾil Sharḥ Bughyat al-Āmil. Edited by: Ḥusayn ibn Aḥmad al-Sayyāghī and Ḥasan Muḥammad Maqbūlī al-Ahdal. 2nd ed. Beirut: Muʾassasat al-Risālah, 1408 AH/1988 CE.
ضيف، أحمد شوقي عبد السلام (شوقي ضيف). الفن ومذاهبه في النثر العربي. ط13. القاهرة: دار المعارف، د.ت.
Ḍayf, Aḥmad Shawqī ʿAbd al-Salām (Shawqī Ḍayf). Art and Its Schools in Arabic Prose. 13th ed. Cairo: Dār al-Maʿārif, n.d.
الطبري، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي (ت 310هـ). جامع البيان في تأويل القرآن. تحقيق: أحمد محمد شاكر. ط1. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1420هـ/2000م.
Al-Ṭabarī, Muḥammad ibn Jarīr ibn Yazīd ibn Kathīr ibn Ghālib al-Āmulī (d. 310 AH). Jāmiʿ al-Bayān fī Taʾwīl al-Qurʾān. Edited by: Aḥmad Muḥammad Shākir. 1st ed. Beirut: Muʾassasat al-Risālah, 1420 AH/2000 CE.
القرطبي، أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد الأنصاري (ت 671هـ). الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي). تحقيق: أحمد البردوني، وإبراهيم أطفيش. ط2. القاهرة: دار الكتب المصرية، 1384هـ/1964م.
Al-Qurṭubī, Abū ʿAbd Allāh Shams al-Dīn Muḥammad ibn Aḥmad al-Anṣārī (d. 671 AH). Al-Jāmiʿ li-Aḥkām al-Qurʾān (Tafsīr al-Qurṭubī). Edited by: Aḥmad al-Bardūnī and Ibrāhīm Aṭfaysh. 2nd ed. Cairo: Dār al-Kutub al-Miṣriyyah, 1384 AH/1964 CE.