الاستعارة المُفردة في القرآن الكريم - دراسة بلاغية جمالية تحليلية

Single Metaphor in the Holy Quran – An Aesthetic and Analytical Study

د. عبدالحفيظ خضر محمد بادي1

1 أستاذ البلاغة والنقد المساعد، كلية اللغات والعلوم الإنسانية – بريدة، جامعة القصيم، المملكة العربية السعودية

بريد الكتروني: hafizbadi3@gmail.com

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj68/13

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/68/13

المجلد (6) العدد (8). الصفحات: 196 - 215

تاريخ الاستقبال: 2025-07-07 | تاريخ القبول: 2025-07-15 | تاريخ النشر: 2025-08-01

Download PDF

المستخلص: تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الاستعارة المُفردة في القرآن الكريم تحليلاً بلاغياً وجمالياً، للكشف عن أبعادها الفنية ودورها في تشكيل المعنى وإبراز إعجاز النص القرآني. اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، وتناولت في مبحثها الأول التأصيل النظري للاستعارة المُفردة من حيث المفهوم والأركان والأنواع، مركزة على التصريحية والمكنية. أما المبحث الثاني فقد استعرض الأبعاد الجمالية للاستعارة، مثل تجسيد المعاني المجردة، وتشخيص الجماد، والتخييل، وإيحاء الحالات النفسية، وإثارة الخيال والتأثير الوجداني. وتوصلت الدراسة إلى أن الاستعارة المُفردة في القرآن ليست مجرد أداة بلاغية للتجميل، بل وسيلة بنيوية لصياغة الدلالة، وتعميق التأثير الفني والوجداني. وأوصت بإجراء دراسات بينية ومقارنة بين الاستعارة المفردة والمركبة، واستكشاف أثرها النفسي والمعرفي على المتلقي.

الكلمات المفتاحية: الاستعارة المُفردة، التصريحية، المكنية، الجمالية، التخييل.

Abstract: This study aims to analyze the single metaphor in the Holy Quran from rhetorical and aesthetic perspectives, highlighting its artistic dimensions and its role in shaping meaning and enhancing the miraculous nature of the Quranic text. The research adopts a descriptive analytical methodology. The first section provides a theoretical foundation for single metaphor, defining its concept, components, and types, with a focus on explicit and implicit metaphors. The second section explores the aesthetic dimensions of single metaphor, including the embodiment of abstract meanings, personification of inanimate objects, imaginative visualization, psychological suggestion, and emotional resonance. The study concludes that single metaphor in the Quran is not merely a rhetorical ornament, but a fundamental structural device for constructing meaning and deepening the artistic and emotional impact of the Quranic message. It recommends interdisciplinary and comparative studies on the cognitive and psychological effects of Quranic metaphor on recipients.

Keywords: Single Metaphor, Explicit, Implicit, Aesthetic, Imagery.

مقدمة البحث:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد

لقد استأثر القرآن العظيم بعناية العلماء واهتمام الباحثين والدارسين على مر العصور للكشف عن أسرار نظمه وبديع أساليبه واستجلاء كنوز بلاغته ودلالته. وفي هذا السّياق يبرز علم البلاغة كعلم من العلوم الإسلامية، التي تعمل على إبراز وجوه الإعجاز البياني في القرآن الكريم، وكأداة أساسية لفهم هذه الجماليات القرآنية الكامنة والكشف عن تأثيره العميق في النفس الإنسانية. يحتل أسلوب الاستعارة مكانة سامية في علم البلاغة، فهو أسلوب جمالي وتعبيري، ظفر باهتمام الأدباء والنقاد والبلاغيين الأوائل، وعلماء اللسانيات في العصر الحديث، وبخاصة في مجال الدلالة والأسلوبية، ولا يخلو خطاب في فن من فنون اللسان العربي من أسلوب الاستعارة، فهو من أبلغ الأساليب البيانية وأوسعها أفقاً وأكثرها قدرة على تجسيد المعاني المُجرّدة، وتقريب الصور الذهنية. ومن بين أنواع الاستعارة المختلفة، تتبوأ الاستعارة المُفردة (التصريحية والمكنية) منزلة عالية في التّعبير؛ لما تتميز به من دقة في التّصوير، وعمق في الإيحاء، وإثارة للخيال، حيث يتم فيها إخفاء المشبه به والإشارة إليه بذكر شيء من لوازمه تاركةً للمتلقي متعة الاستكشاف والتأويل. ويزخر القرآن الكريم بأسلوب الاستعارة المُفردة (التصريحية والمكنية) التي تضفي عليه جمالاً وروعةً وبهاءً، فمن خلال تلك الصور الاستعارية البديعية يتم تجسيد المفاهيم الغيبية، وتقريب الدلالات المُجرّدة إلى الحس، وتشخيص المعاني والجمادات مما يجعل الخطاب القرآني حيويا ومؤثراً في القلوب والعقول. بسبب كل ذلك يأتي هذا البحث العلمي ليسلط الضوء على الجانب الجمالي في الاستعارة المُفردة في سياقاتها المختلفة، كما يهتم بتحليل آيات الاستعارة المُفردة. فإنّ فهم تحليل آلية الاستعارة المُفردة في القرآن الكريم يساعدنا في معرفة طرف من أسرار نظم القرآن وإعجازه البياني.

وتنطلق هذه الدراسة من التساؤل المركزي التالي: ما الأبعاد الفنيّة للاستعارة المُفردة في القرآن الكريم؟ وما الآليات التي تحقق بها تأثيرها في المتلقي؟ ولتحقيق هذه الغاية سيتناول البحث بالتحليل نماذج مختارة من الاستعارات المُفردة في القرآن الكريم، مع التركيز على الأغراض البلاغيّة التي تخدمها، والآثار الفنيّة التي تحدثها في سياق النص. كما يسعى البحث إلى استكشاف الأنماط المميزة لاستخدام هذا النوع من الاستعارة في الموضوعات القرآنية المختلفة، والكشف عن السمات البلاغيّة الفريدة، التي تضفيها على النظم القرآني. نأمل أن تكون هذه الدراسة إضافة نوعية إلى الدراسات البلاغيّة في القرآن الكريم، وتُسهم في تعزيز التدبر في آياته الكريمة.

مشكلة البحث:

تمثل الاستعارة المُفردة (التصريحية والمكنية) أحد تجليات البلاغة القرآنية، حيث تُضفي على آيات القرآن الكريم جمالاً فنياً بديعاً، وتتجاوز آليات الاستعارة المُفردة المعاني المعجمية المباشرة لتؤسس لعلاقات ضمنية بين المفاهيم، وتثير في نفس المتلقي آفاقا فسيحة من التأمل والتأويل والفهم، وبالرغم من الاهتمام المتزايد بالدراسات البلاغيّة في القرآن الكريم، فلا يزال البحث في آليات اشتغال الاستعارة المُفردة يستدعي مزيداً من التحليل والتفصيل. من هنا، تنبع أهمية هذه الدراسة التي تسعي للكشف عن الأبعاد الجماليّة في الاستعارة المُفردة في سياقاتها القرآنية المختلفة، وتقديم تحليل لآليات توليدها للمعاني وتأثيرها في نفس المتلقي.

منهج البحث:

يسير هذا البحث على المنهج الفني الوصفي التحليلي، ذلك المنهج الذي يهتم بتحليل القيم التّعبيرية والقيم الشعورية كما يستضئ بالمنهج التاريخي في تتبع آراء السابقين، والمنهج النفسي في رصد الأبعاد الجماليّة النفسيّة وقيمتها الفنيّة.

أهمية البحث:

تَستمد هذه الدراسة أهميتها من كونها تتناول موضوعاً حيوياً في الدراسات البلاغيّة القرآنية، ألا وهو الاستعارة المُفردة (التصريحية والمكنية)، التي تمثل تجلياً للإعجاز البياني في القرآن الكريم. فالكشف عن آليات عمل هذه الاستعارة، وتحليل أبعادها الجماليّة في سياقاتها القرآنية المختلفة يُسهم في تعميق فهمنا لأساليب التّعبير القرآني البليغ وقدرته الفائقة على التأثير والإيحاء. إضافة إلى ذلك، فإن الدراسة التحليلية المعمّقة للاستعارة المُفردة في القرآن الكريم تفتح آفاقاً جديدةً لفهم العلاقة بين اللغة والتفكير والتأمّل، وكيف يمكن للصور البلاغيّة أن تُشكّل تصوراتِنا للمعاني الدينيّة والقيم الإسلامية؟ ومن هذا المنطلق أرجو أن يُشكّل هذا البحث إضافة نوعية للمكتبة القرآنية والبلاغيّة، ويسعى إلى تقديم نموذج تطبيقي لتحليل الاستعارة المُفردة (التصريحية والمكنية) حتى يُستفاد منه في دراسات قرآنية بلاغية لاحقة.

أسئلة البحث:

يسعى هذا البحث إلى الإجابة عن التساؤلاتِ التالية المتعلقة بالاستعارة المُفردة في القرآن الكريم:

1- ما المقصود بالاستعارة المُفردة؟ ولماذا سُمّيت بهذه الاسم؟

2- كيف تتجلى الأبعاد الجماليّة للاستعارة المُفردة في القرآن الكريم على مستوى التّعبير، والتّصوير الفني؟

3- ما الآليات اللغويّة والبلاغيّة التي يتم من خلالها بناء الاستعارة المُفردة في القرآن الكريم، وما العناصر التي تسهم في فاعليتها الإيحائية والتأثيرية.

4- هل توجد خصائص أسلوبية مُميِّزة للاستعارة المُفردة في القرآن الكريم تُميّزها عن غيرها من الفنون البلاغيّة؟

أهداف البحث:

1- توضيح مفهوم الاستعارة، وتحليل أبرز أنواع الاستعارة المُفردة في القرآن الكريم.

2- الكشف عن الأغراض الجماليّة المتنوعة التي تخدمها الاستعارة المُفردة في الخطاب القرآني.

3- توضيح الآليات الفنيّة التي من خلالها تثري الاستعارة المُفردة الصورة في القرآن الكريم.

4- تقديم دراسة مُعمقة تُسهم في فهم الأبعاد الجماليّة للاستعارة المُفردة في القرآن الكريم.

الدراسات السّابقة:

1- بحث بعنوان (الاستعارة وروائعها في القرآن الكريم) كتبته الباحثة الدكتورة السيدة مسرت جمال، جامعة بيشاور باكستان، نُشر في مجلة الداعي الشهرية، الصادرة عن دار العلوم ديوبند، الهند شعبان 1428هـ – أغسطس – سبتمبر 2007م، العدد 8 السنة 31. تناولت الباحثة في بحثها تعريف الاستعارة، وأقسامها المختلفة، وكان بحثها في القرآن الكريم عن جماليات الاستعارة بكل أنواعها وأسرارها البلاغيّة، من خلال مجموعة من الآيات القرآنية.

2- بحث بعنوان (سر جمال الاستعارة في القرآن الكريم- دراسة تفسيرية بيانية) كتبه الدكتور نبيل مسالتي، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية قسنطينة الجزائر، نُشر في مجلة الشهاب كلية العلوم الإسلامية، جامعة الوادي- الجزائر، المجلد 9، العدد 2، ص: 419 – 434، بتاريخ 15 /7/ 2023م. بدأ الباحث بحثه بمِهاد معرفيّ عن: القرآن الكريم، والتفسير، والبيان، والاستعارة وأنواعها. ثم عقد مِهاداً تأصيلياً للتجسيم، والتّشخيص، والتوضيح، ثم تناول آيات مختارة من القرآن الكريم من خلال تلك المفاهيم السابقة ليبين سر جمال الاستعارة في القرآن الكريم، ثم خلص في نهاية البحث إلى أهمية تحديد أركان الاستعارة ومعرفة السّياق وقرائن الأحوال؛ لأنها تساعدنا في فهم معاني الآيات القرآنية، وإدراك الخيال.

المبحث الأول

التأصيل النظري للاستعارة المُفردة

يهدف هذا المبحث إلى وضع الإطار النظري لموضوع (الاستعارة المُفردة في القرآن الكريم – دراسة جمالية تحليلية)، وسنتناول فيه مفهوم الاستعارة لغةً واصطلاحاً، وذكر أنواعها وأقسامها مع التركيز على الاستعارة المُفردة (التصريحية والمكنية) وأركانها الأساسية، ثم جوانب بلاغتها وجمالها وأسرار تأثيرها في المتلقي.

تعدّ الاستعارة من أهم الظواهر اللغويّة والبلاغيّة التي حظيت باهتمام بالغ عبر العصور، وقد أدرك الفلاسفة والبلغاء قيمتها منذ القدم، وعرّفها أرسطو بقوله: (والاستعارة هي نقل اسم شيء إلى شيء آخر، فإما أن يُنقل من الجنس إلى النوع، أو من النوع إلى الجنس، أو من نوع إلى نوع، أو يُنقل بطريقة المناسبة). (أرسطو، 1993، ص: 116) فجوهر الاستعارة عند أرسطو أنها (نقل) بمعنى إطلاق اسم على شيء عن طرق العلاقة الضمنية التي تجمع بينهما، ثم حدّد أرسطو أربعة أنواع للنقل، ولعلّ النوع الرابع هو الأكثر غموضاً وإبداعاً، حيث يتم الربط بين شيئين لا يتشابهان ظاهرياً ولكن توجد بينها علاقة تناسبية، وهنا يتحدث أرسطو عن العلاقة العقلية. ويتضح لنا إعجاب أرسطو بالاستعارة حين وصفها بقوله: (وأعظم هذه الأساليب حقاً هو أسلوب الاستعارة، وهو آية الموهبة). (أرسطو، 1993، ص: 116) فتعد هذه العبارة الوجيزة شهادة تقديرية رفيعة للاستعارة، حيث يضعها أرسطو في قمة الأساليب البلاغيّة، ويربطها ربطاً وثيقاً بالملكة الإبداعيّة والموهبة الفنيّة، واستخدام عبارة (أعظم هذه الأساليب حقاً) تدل على التفضيل، كما أن لفظة (حقا) تؤكد التفوق والأهمية والأصالة لفن الاستعارة في الإبداع، أما لفظة (أسلوب) فتدل على أن الاستعارة وسيلة إبداعية لتحقيق غاية بلاغية فنية، وعبارة (هي آية) تحمل معنى الدليل والبرهان، وأن القدرة على صياغتها يعتبر مظهراً من مظاهر البراعة الفنيّة والذوق الرفيع. وعلى الرغم من ظهور تعريفات بلاغية كثيرة للاستعارة بعد هذا التعريف، لكن تعريف أرسطو للاستعارة لا يزال يحتفظ بقيمته الإيحائية، كما لا يزال مصدر إلهام للمهتمين بدراسة الأدب والبلاغة والنقد. ولعلّ أبا عمرو بن العلاء من أقدم العلماء الذين أشاروا إلى الاستعارة وذكروها في حديثهم، فقد روى أبو علي الحاتمي: (عن أبي عمرو بن العلاء، قال: كانت يدي في يد الفرزدق، وأنشدته قول ذي الرمة:

أقامتْ به حتى ذَوى العُودُ في الثَّرَى وسَاقَ الثريَا في مُلاءتِه الفَجرُ

قال: فقال لي: أأرشدك، أم أدعك؟ قلتُ: بل أرشدني. فقال: إن العود لا يذوي أو يجف الثرى، وإنما الشعر، حتى ذوي العود والثرى، قال أبو عمرو: ولا أعلم قولاً أحسن من قوله :وساق الثريا في مُلاءته الفجر، فصيّر للفجر مُلاءة، ولا مُلاءة له، وإنما استعار هذه اللفظة، وهو من عجيب الاستعارات) (الحاتمي، 1979م، ص: 1/ 126) وأثنى أبو العباس على جمال استعارة ذي الرّمة، بقوله: (هذا لعمري نهاية الخِيَرة، وذو الرمة أبدع الناس استعارة). (الحاتمي، 1979م، ص: 1/137).

مفهوم الاستعارة لغة:

الاستعارة لغة: تَعني الحركة والتّردد والتّحويل، ونجد هذه المعاني في قول أحمد بن فارس (ت395هـ) عن أصل لفظة الاستعارة في اللغة: (عَيَرَ) الْعَيْنُ وَالْيَاءُ وَالرَّاءُ، يدل عَلَى مَجِيءٍ وَذَهَابٍ. وَالْعَيْرُ: الْحِمَارُ الْوَحْشِيُّ وَالْأَهْلِيُّ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ عَيْرًا لِتَرَدُّدِهِ وَمَجِيئِهِ وَذَهَابِهِ. وَإِنْسَانُ الْعَيْنِ عَيْرٌ، يُسَمَّى لِمَا قُلْنَاهُ مِنْ مَجِيئِهِ وَذَهَابِهِ وَاضْطِرَابِهِ). (ابن فارس، 1979م، عَيَرَ)، كما تعني تحويل الشيء من مكان إلى مكان، وفي هذا يقول ابن منظور (ت711هـ): (وَمِنْهُ إِعارةُ الثِّيَابِ والأَدوات، وَاسْتَعَارَ فلانٌ سَهْماً مِنْ كِنانته: رَفَعَهُ وحوَّله مِنْهَا إِلى يَدِهِ). (ابن منظور، 1414هـ، عَيَرَ). والاستعارة مأخوذة من العارية، قال ابن منظور في موضع آخر: (والعارِيّة والعارةُ: مَا تداوَلُوه بَيْنَهُمْ؛ وَقَدْ أَعارَه الشيءَ وأَعارَه مِنْهُ وعاوَرَه إِيَّاه. والمُعاوَرة والتَّعاوُر: شِبْهُ المُدَاوَلة والتّداوُل فِي الشَّيْءِ يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وتَعَوّرَ واسْتَعار: طَلَبَ العارِيّة. واسْتَعارَ الشيءَ واسْتَعارَه مِنْهُ: طَلَبَ مِنْهُ أَن يُعِيرَه إِيّاه). (ابن منظور، 1414هـ)، عَيَرَ).

الاستعارة اصطلاحا:

هناك صلة وثيقة بين المعنى اللغوي للاستعارة والمعنى الاصطلاحي البلاغي، لذلك نجد التعريفات البلاغيّة للاستعارة تدور حول نقل اللفظ من معناه الحقيقي إلى معنى مجازي، ولعل أول من عرّف الاستعارة في التراث العربي تعريفاً بلاغياً هو الجاحظ (ت255هـ)، وقد ورد تعريفه البلاغي للاستعارة في تعليقه على قول الشاعر:

وطفقت سحابة تغشاها تبكي على عراصها عيناها

حيث قال: (وطفقت، يعني ظلت. تبكي على عراصها عيناها، عيناها ها هنا للسحاب، وجعل المطر بكاءً من السحاب على طريق الاستعارة، تسمية الشيء باسم غيره إذا قام مقامه). (الجاحظ، 1958م، ص: 1/142) يتسم تعريف الجاحظ بالإيجاز والتركيز على جوهر الاستعارة، ويشير قوله (إذا قام مقامه) إلى وجود علاقة مشابهة وظيفية أو تأثّرية بين هذين الشيئين، وتتضح علاقة المشابهة في المثال السابق (تبكي على عراصها عيناها) حيث يقوم المطر (أثر البكاء) مقام الدموع (علامة البكاء). فالجاحظ يؤكد في تعريفه على فكرتين، الأولى: التجاوز الاسمي، والثانية: العلاقة التي تربط بين المستعار منه والمستعار له.

واهتم ابن المعتز (ت296هـ) بالاستعارة، ووضعها أول باب في كتابه (البديع)، وذلك لمكانتها في تحسين الكلام وتزيينه، وأورد لها مجموعة كبيرة من الأمثلة، ثم عرّفها بقوله: (وإنما هو استعارة الكلمة لشيء لم يُعرف بها، من شيء قد عُرف بها؛ مثل: أم الكتاب، وجناح الذل). (ابن المعتز، 1990م، ص:75) لقد أضاف ابن المعتز في تعريفه بُعداً جديداً، وهو البعد المعرفي للكلمة، فالاستعارة عند ابن المعتز استخدام كلمة ذات دلالة أصلية معروفة في سياق جديد لم تُعرف به من قبل، ففي قوله (أم الكتاب) يستعير لفظ (الأم) للدلالة على الأصل والمرجع، كما في دلالتها الأصلية على الوالدة. ولما كان الجاحظ أول من وضع أساس البلاغة، وابن المعتز أول من صنف في علم البديع، يقول الدكتور بدوي طبانة معلقاً على تعرفيهما للاستعارة: (ولعل هذين التعريفين القديمين اللذين أُثرا عن الجاحظ وابن المعتز هما الأصل الذي رُوعي في محاولات العلماء للتعريف والتحديد، وكل تعريف قديم أو مستحدث لا يخرج في جوهره عن جوهر هاتين الكلمتين المأثورتين) (طبانة، 1958م، ص:299)

وعقد قدامة بن جعفر (ت337هـ) باباً للاستعارة في كتابه (نقد النثر)، تحدث فيه عن الحاجة إليها في كلام العرب، فقال: (وأما الاستعارة فإنما احتيج إليها في كلام العرب لأن ألفاظهم أكثر من معانيهم، وليس هذا في لسان غير لسانهم، فهم يعبرون عن المعنى الواحد بعبارات كثيرة ربما كانت مفردة له، وربما كانت مشتركة بينه وبين غيره، وربما استعاروا بعض ذلك في موضع بعض على التوسع والمجاز). (قدامة، 1941م، ص:71) ذكر قدامة بن جعفر في تعريفه علة وجود الاستعارة في اللغة العربية، وذلك أن العرب يلجأون إليها للتوسع اللغوي في التّعبير، ولسد الفجوة بين الألفاظ والمعاني، فقدّم قدامة في تضاعيف حديثه تبريراً وظيفياً للاستعارة موضحاً ضرورتها في إثراء اللغة، وتلبية حاجات التّعبير المتنوعة.

وعرّف الرماني (ت 386هـ) الاستعارة بقوله: (الاستعارة تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على جهة النقل). (الرماني، 1976م، ص:85) أضاف الرّماني في تعريفه قضيتين، الأولى تتمثل في قوله (تعليق العبارة) فالاستعارة قد تكون عبارة أو تركيباً وليست كلمة مفرد، والثانية في قوله (على جهة النقل) مما يدل على وجود عملية تحويل وتوجيه للمعنى الأصلي نحو معنى جديد.

ووصف ابن رشق القيرواني (ت463هـ) الاستعارة بالحسن والجمال، حين يقول: (الاستعارة أفضل المجاز، وأول أبواب البديع، وليس في حلي الشعر أعجب منها، وهي من محاسن الكلام إذا وقعت موقعها، ونزلت موضعها). (ابن رشيق، 1975م، ص:1/268) عزز ابن رشيق من مكانة الاستعارة السامية، وأكد على أهميتها الجماليّة وضرورة ملاءمتها للسياق، ووضعها في الموضع المناسب لتحقيق الروعة والحسن. فقد لفت ابن رشيق الانتباه إلى الجانب السّياقي والوظيفي ليكتمل جمال الاستعارة.

وعرّفها عبد القاهر الجرجاني (ت471هـ) بقوله: (اعلم أن الاستعارة في الجملة أن يكون للَّفظ أصلٌ في الوضع اللغوي معروفٌ تدلُّ الشواهد على أنه اخْتُصَّ به حين وُضع، ثم يستعمله الشاعر أو غير الشاعر في غير ذلك الأصل، وينقله إليه نقلاً غيرَ لازمٍ، فيكون هناك كالعارِيَّة). (الجرجاني، أسرار البلاغة، ص:30) يعتبر تعريف عبد القاهر الجرجاني هو التعريف الأكثر دقة وشمولية، حيث يركز على أربع قضايا أساسية، هي: أولاً: الأصل اللغوي المعروف للفظ. ثانيا: الاستعمال في غير هذا الأصل. ثالثاً: النقل غير اللازم، ويعني به أن الاستعمال المجازي ليس هو المعنى الأصلي والدائم للفظ. رابعاً: التشبيه بالعارية، مما يشير إلى علاقة مشابهة ضمنية بين المعنيين.

أما ضياء الدين بن الأثير (ت637هـ) قد مزج بين الدلالة اللغويّة والاصطلاحية، وذلك لتوضيح المعنى البلاغي والمعنوي للاستعارة وترسيخه في الذهن، فلجأ إلى القياس المنطقي بين مفهوم العارية الحقيقية المادية والاستعارة البلاغيّة المعنوية من خلال سرد الأسباب والشروط والدوافع القوية في كل منهما، مع تركيزه على العلاقات الفنيّة التي يجب أن تتوفر في الاستعارة البلاغيّة بين المعنى الأصلي واللفظ المستعار، حيث قال: (إنما سُمي هذا القسم من الكلام “استعارة”؛ لأن الأصل في الاستعارة المجازية مأخوذة من العارية الحقيقية التي هي ضرب من المعاملة، وهي أن يستعير بعض الناس من بعض شيئًا من الأشياء، ولا يقع ذلك إلا من شخصين بينهما سبب معرفة، ما يقتضي استعارة أحدهما من الآخر شيئًا، وإذا لم يكن بينهما سبب معرفة بوجه من الوجوه، فلا يستعير أحدهما من الآخر شيئًا؛ إذ لا يعرفه حتى يستعير منه، وهذا الحكم جار في استعارة الألفاظ بعضها من بعض، فالمشاركة بين اللفظين في نقل المعنى من أحدهما إلى الآخر كالمعرفة بين الشخصين في نقل الشيء المستعار من أحدهما إلى الآخر) (ابن الأثير، ص:2/62- 63) إن تتبع هذه التعريفات الاصطلاحية بالنقل والتحليل يوضح التطور المنهجي في الدرس البلاغي، وكيف سعى العلماء عبر الأجيال إلى فهم هذه الظاهرة اللغويّة البديعة وتحليلها بدقة وعمق، لتصل إلينا في صورة أكثر اكتمالاً ونُضجاً بفضل جهودهم المتراكمة.

أركان الاستعارة المُفردة:

الاستعارة المُفردة (التصريحية والمكنية) هي أحد أنواع الاستعارة في البلاغة العربية، وسُمّيت (مفردة) لأنها تتكون من كلمة واحدة فقط تُستخدم للدلالة على معنى آخر، أي أن اللفظ المستعار أو المستعمل في غير موضعه الأصلي يكون مفردًا (كلمة واحدة). وبمعنى آخر، هي استعارة تقع في لفظ واحد، سواء كان هذا اللفظ اسمًا، أو فعلًا، أو حرفًا. وهذا ما يميزها عن الاستعارة المركبة التي تتكون من جملة أو أكثر. والاستعارة المُفردة لها ثلاثة أركان أساسية لا تتم الاستعارة إلا بها، وهي:

– المستعار: وهو اللفظ المنقول أو الصفة التي أُخذت من شيء وأُعطِيت لشيء آخر، أي ما وقعت فيه الاستعارة.

– المستعار منه: وهو المشبه به الحقيقي، الذي أُخذت منه الصفة أو اللفظ.

– المستعار له: وهو المشبه الذي نُسبت إليه الصفة أو اللفظ المنقول.

ثم تأتي القرينة، والتي قد تكون لفظية (منطوقة)، أو معنوية (مفهومة). وفي تقديري أن القرينة ركناً أساسياً في عبارة الاستعارة، وليس في لفظة الاستعارة؛ لأن حقيقة الاستعارة تقوم على ادعاء أن المشبه من جنس المشبه به، وهذا الادعاء لا يصح إلا بوجود قرينة تمنع إرادة المعنى الأصلي للفظ المستعار، فالقرينة هي المانع الوحيد الذي يمنع الذهن من إرادة المعنى الحقيقي للفظ، وهي التي توجهه نحو المعنى المجازي المقصود.

ونستطيع توضيح تلك الأركان وتفصيلها من خلال قوله تعالى: (الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ). (سورة إبراهيم، الآية:1) تشتمل هذه الآية الكريمة على ثلاث استعارات تصريحية، هي: (الظلمات)، و(النور)، و(صراط). ولكل استعارة ثلاثة أركان. فالاستعارة الأولى في كلمة (الظلمات): فالمستعار كلمة (الظلمات)، والمستعار له (الكفر)، والمستعار منه نعني به المعنى اللغوي المعجمي الذي وضعه اللغويون لكلمة (الظلمات). والاستعارة الثانية في كلمة (النور) فالمستعار كلمة (النور)، والمستعار له (الإيمان)، والمستعار منه هو المعني الذي وضعه اللغويون لكلمة (النور). والاستعارة الثالثة في كلمة (صراط)، فالمستعار كلمة (الصراط)، والمستعار له (الإسلام)، والمستعار منه المعنى الذي وضعه اللغويون لكلمة (الصراط في معجمهم اللغويّة. يقول الدكتور فضل حسن عباس: (ويمكنك أن تُدرك أن المستعار له دائما هو المشبه، وأن المستعار منه هو المشبه به، وأن المستعار – وهو الكلمة – لفظ المشبه به. ويمكنك أن تستنتج قاعدة أخرى، وهي أهمية المشبه به في الاستعارة، إذ إنه الأساس لركنين من أركانها المستعار والمستعار منه، أما المشبه فليس إلا ركناً واحداً فقط، وهو المستعار له). (فضل، 2009م، ص:189)

أنواع الاستعارة:

يمكننا أن نُقسم الاستعارة بشكل عام إلى خمسة أقسام رئيسة، يعتمد كل قسم منها على وجهة نظر خاصة في تركيب الاستعارة أو معناها:

1- من حيث طرفي الاستعارة (التصريحية والمكنية): يعتمد هذا التقسيم على حذف أحد طرفي الاستعارة (المشبه والمشبه به). فالاستعارة التصريحية ما حُذف فيها المشبه وصُرّح بلفظ المشبه به. والاستعارة المكنية ما حُذف فيها المشبه به، ورُمز إليه بشيء من لوازمه.

2- من حيث جمود اللفظ واشتقاقه (الأصلية والتبعية): يرتبط هذا التقسيم بطبيعة اللفظ المستعار، من حيث كونه جَامداً أو مُشتقاً. فالاستعارة الأصلية تكون في الأسماء الجامدة، والاستعارة التبعية تكون في الأسماء المشتقة والأفعال والحروف، (وسُميت (تبعية) لتبعيتها لاستعارة أخرى، لأنها في المشتقات تابعة للمصادر، وفي معاني الحروف تابعة لمتعلق معانيها). (الهاشمي، ص:266) يقول الدكتور شفيع السيد: (والواقع أن هذا التقسيم للاستعارة التصريحية ليس إلا لوناً من تأثر النظرة البلاغيّة عند القدماء بمنهج الدراسة النحوية، ونحن لا نعيب التأثر بين البلاغة والنحو بصورة مطلقة، بل إنه لم يكن من الممكن تجنبه بينهما، وإنما الذي نعيبه أن يؤدي هذا التأثر إلى إكثار البلاغيين من التقسيمات والتفريعات جرياً وراء تقسيمات النحاة). (السيد، 1977م، ص:138)

3- من حيث ذكر المُلائم: (المُجرّدة، المُرشّحة، المُطلقة). يتعلّق هذا التصنيف بِذكر ما يُلائم المشبه أو المشبه به، أو عدم ذكر شيء منهما. فالاستعارة المُجرّدة: هي ما ذُكر معها ما يُلائم المشبه، (الطرف المحذوف). والاستعارة المُرشّحة: هي ما ذُكر فيها ما يُلائم المشبه به (الطرف المذكور). يقول ابن أبي الأصبع: (وأجل الاستعارات الاستعارة المرشحة). (ابن أبي الإصبع، ص:99) (ثم الاستعارة المُطلقة: وهي ما لم يُذكر معها شيء يُلائم المشبه أو المشبه به، او ذُكر معها ما يُلائمهما معاً.

4- من حيث الإفراد والتركيب: المُفردة والمُركبة. يتناول هذا التقسيم عدد الألفاظ التي تُكوّن الاستعارة. فالاستعارة المُفردة: ما كان اللفظ المُستعار فيها لفظاً واحداً، وهي الأنواع المذكورة سابقاً. والاستعارة المُركبة: ما كان المُستعار فيها مركباً من عدة ألفاظ، كالاستعارة التمثيلية.

5- من حيث أن تكون أطراف الاستعارة حسية أو عقلية، أو أحدهما يكون حسيا والآخر عقلياً.

أنواع أخرى من الاستعارة:

إلى جانب هذه التّصنيفات الأساسية، ذكر البلاغيّون أنواعاً أخرى من الاستعارات، وتعكس هذه التقسيمات الكثيرة دقّة مُلاحظات البلاغيين، وتقديرهم لأوجه الاستعمال المختلفة، حيث تتناول جوانب معنوية وسياقيّة متعددة، مثل: الاستعارة التحقيقيّة، والتّخييليّة، والاحتماليّة، والتمليحيّة، والتّهكميّة، والخاصّيّة، والحقيقيّة، والعِناديّة، واللطيفة، والكثيفة، والعامّيّة، والقطعيّة، والوفاقيّة. وهذه التقسيمات للاستعارة تُشير إلى درجات من الوضوح، أو الغًموض، أو شيوع الاستعمال، أو قوة العلاقة بين الطرفين. ولعل هذه التقسيمات الكثيرة ما حملت دكتور شفيع السيد أن يقول: (هذا فضلا عن سائر التقسيمات الأخرى التي قسمت لها الاستعارة بعامة، وخضعت فيها تارةً لمنطق العقل، وتارةً أخرى لمناقشات لفظية جوفاء لا معنى لها، ولا تُقدّم شيئاً ذا بال، ومُحصلة ذلك كله هو تجمّد الدراسات البلاغيّة، وعدم نفاذها إلى الجوهر واللباب وهو إدراك لمسة الجمال في التّعبير والكشف عن مواطن الحسن فيه). (السيد، 1977م، ص: 129) ولعل هذا الرأي يتفق مع العديد من الآراء النقدية الحديثة التي تدعو إلى تجديد الدراسات البلاغيّة والخروج بها من دائرة التصنيفات الجافة إلى رحاب تذوق الجمال اللغوي. فالبلاغة في جوهرها هي فن الكشف عن مواطن الحسن في الكلام وإبراز تأثيره في المتلقي. إن التركيز المفرط على التقسيمات، سواء كانت عقلية بحتة أو لفظية جوفاء، قد يُبعد الباحث عن الغاية الحقيقية من البلاغة، ألا وهي فهم كيفية توظيف اللغة لخلق التأثير الفني والجمالي. وهذا الرأي لا يعني التخلي عن التصنيفات تمامًا، فالتصنيفات الدقيقة قد تكون مفيدة في التنظيم والتوضيح، ولكن يجب أن تكون وسيلة لا غاية. وعرضت الدكتورة عزة جدوع تصنيفاً جديدا نسبيًا في إطار الدراسات الأسلوبية الحديثة يعتمد على الخصائص الدلاليّة للاستعارة (التجسيمية، والاستحيائية، والتّشخيصية) حيث تقول: (وتًصنّف الاستعارة لدى الأسلوبيين بحسب خصائصها الدلاليّة، ثلاثة أنواع: التجسيمية: وتكون باقتران كلمة تشير دلالتها إلى جماد بأخرى تُشير دلالتها على مُجرّد. والاستحيائية: وتحصل باقتران كلمة يرتبط مجال استخدامها بالكائن الحي، بشرط الا تكون من خصائص البشر، بأخرى ترتبط دلالتها بمعنى مجرّد او جماد. والتّشخيصية: وتكون باقتران كلمتين، إحداهما تُشير إلى خاصية بشرية، والأخرى على جماد، او حي، أو مُجرّد). (جدوع، 2017م، ص:145) وعندما نثني على هذا التقسيم ونصفه بالجديد، فإننا نثني على كل النقاد الذي أثروا هذه الاتجاه الأسلوبي وخاصة سيد قطب في مصنفاته النفيسة (التّصوير الفني في القرآن) و(في ظلال القرآن) و(مشاهد القيامة في القرآن) و(النقد الأدبي أصوله ومناهجه)؛ ذلك لأن التصنيفات التقليدية غالبًا ما تهتم بالشكل والعلاقة الظاهرية، أما هذا التصنيف فيغوص في نظم الاستعارة والدلالات العميقة المقترنة بها. كما أن هذا التصنيف يأتي من رحم الدراسات الأسلوبية، التي تُعنى بتحليل الأساليب اللغويّة وكيفية بناء المعنى وتأثيره، بخلاف البلاغة القديمة التي تركز على جماليات القول وقواعده. وهذه الأنواع (التجسيم، الاستحياء، التّشخيص) تُشير إلى طرق مختلفة في إدراكنا وتصويرنا للعالم من خلال اللغة. ولا يفوتني أن أشير إلى أن هذه المفاهيم موجودة ضمنيًا في التحليلات البلاغيّة القديمة، إلا أن صياغتها بهذا الشكل المنهجي وتقسيمها إلى هذه الأنواع الثلاثة بناءً على الخصائص الدلاليّة هو نهج حديث يعكس تطور النقد الأسلوبي الذي يسعى إلى فهم أعمق لكيفية عمل اللغة في إنتاج المعنى والتأثير.

إن هذا التقسيم الدقيق للاستعارة يُثبت أن البلاغة العربية علم وفن يتناول أعماق اللغة ودقائق النظم وروائع التّعبير، ويكشف عن آفاق الجمال الفني في النصوص، ويدعو إلى تدبّر أسرارها. ولعلنا عندما اخترنا أن تكون دراستنا للاستعارة مقصورة على الاستعارة المُفردة (التصريحية والمكنية) فقد أخذنا برأي الدكتور أحمد مطلوب حين قال بعد أن سرد أقسامها: (وتقسيم الاستعارة إلى تصريحية ومكنية خير وأجدى في دراسة هذا الفن، لأن ذلك عمدته ما دامت الاستعارة تقوم على التشبيه عند معظم البلاغيين). (مطلوب، 2007م، ص:87)

خلاصة المبحث:

تُعدّ الاستعارة في إطارها النظري تحولًا دلاليًا عميقًا؛ إذ تتباين تعريفاتها الاصطلاحية بين البلاغيين والنقاد السابقين، لتُظهر طبيعتها المنقولة من الأصل الوضعي. وتتجلى علاقتها الوثيقة بالتشبيه في كونها تشبيهًا حُذف أحد طرفيه، كما تُمثل ركنًا أساسيًا من أركان المجاز اللغوي. ومع تعدد أركانها وأقسامها التي تناولت جوانبها المختلفة، يبقى جوهرها البلاغي وخصائصها الكامنة في قدرتها على رسم المعنى وتجديد الصورة، وهو ما أكده عبد القاهر الجرجاني في بلاغة الاستعارة وخصائصها من خلال عباراته الرصينة العميقة، والتي أضفت على الاستعارة نفسها زينةً وجمالًا وبهاءً يفوق حدود الوصف والتّصنيف.

المبحث الثاني

الاستعارة المُفردة وأبعادها الجماليّة

تتربع الاستعارة على عرش البيان لغة وفكراً وقلباً وروحاً، وهي نبض المعنى المتجدد وروح الفكرة المتسامية، وهي اللفظة التي لا تكتفي بظاهرها، وفي رحاب الاستعارة المُفردة بشقيها التصريحية والمكنية، تتجلى أروع صور الإبداع اللغوي، حيث ينتقل المعنى من ضيق الحقيقة إلى سعة المجاز، ليرسم في الأذهان صوراً حيةً، ويُوقِظ في النفوس مشاعر عميقةً. وتُضفي الاستعارة المُفردة على المألوف بهاءً، وتُلبس المُجرد ثوب الحس، فبها يتجاوز اللفظ حدوده المعهودة ليُحلّق في فضاءات الدلالة المطلقة، مُحرّكا للوجدان، ومثيراً للتأمّل، ومعلياً من شان الفنّ في أعلى تجلياته. فالاستعارة المُفردة روحٌ تسري في جسد النّص، تُحيي مواطن الجمال، وتُضفي بهاءً يأسر القلوب، ويُنعش الأذهان. وهي الفن الذي يُحول الأفكار المُجرّدة إلى لوحات فنية مُبهرة تُرسم بالكلمات، ويُضفي على الجماد والمُجرد صفات الكائنات الحيّة. وهذه القدرة الفائقة على التّصوير الحي، وتجسيد المعاني، وإثارة المشاعر، وتكثيف الدلالات، هي ما يُشكّلُ جوهرَ الأبعاد الجماليّة للاستعارة المُفردة. وفي هذا المبحث سنغوص في أعماق فن الاستعارة المُفردة، مُستكشفين أسرارها الجماليّة، ومُبيّنين إسهامها في إثراء معاني الآيات القرآنية، وتعميق الأثر الفني في نفس المتلقي.

ما المقصود بالأبعاد الجماليّة؟

تُشير الأبعاد الجماليّة في سياق البلاغة عموماً، والاستعارة خصوصاً، إلى تلك الجوانب التي تُكسب النص حُسناً ورونقاً فنياً، وتُثير في نفس المتلقي المُتعة والدهشة والتّقدير، إنها الوظيفة التي تُحوّل اللغة من أداة للتواصل إلى فن يُحرّك الوجدان، ويُنشّط الخيال، ويمنح الكلام بهاءً وتأثيراً. وتُركّز الأبعاد الجماليّة على كيفية صياغة الفكرة لتُصبح جاذبة ومدهشة ومؤثرة عاطفياً، سواء أكان ذلك عبر أساليب التّصوير الفني المختلفة التّجسيد والتّشخيص والتّخييل، أو عبر التّناسق الفني لإحداث المفاجأة والغرابة، أو إثارة المشاعر النفسيّة المختلفة. يقول سيد قطب عن أسلوب التّعبير بالصورة في القرآن الكريم: (إن التّصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن.) (قطب، 2004م، ص: 36) ويقول في موضع آخر: (إنّ التّصوير هو قاعدة التّعبير في هذا الكتاب الجميل، القاعدة الأساسية المتبعة في جميع الأغراض، فيما عدا غرض التشريع بطبيعة الحال.) (قطب، 2004م، ص:9) وبعد تعريف الأبعاد الجماليّة، ننتقل إلى تفصيل تلك الأبعاد، ومن الأبعاد الجماليّة:

1- تجسيد المعاني المُجرّدة:

المقصود بمصطلح التّجسيم (التّجسيد) في علم البلاغة، إضفاء الصفات الحسية المادية على المفاهيم المُجرّدة، وهي المعاني غير المحسوسة بحيث تبدو وكأنها أجسامٌ ملموسة. ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ). (سورة البقرة، الآية: 16) ففي هذه الآية تجسيد الضلالة والهدى بالسلع المتبادلة، حيث لا يُذكر الهدى والضلالة كمعاني مجردة فقط، بل يُصوّران وكأنهما سلعتان يتم تبادلهما في عملية تجارية. فـ (الهدى) هو السلعة الرابحة التي يمتلكها هؤلاء القوم، و(الضلالة) هي السلعة الخاسرة التي اختاروا شراءها. وهذا التّجسيد يجعل الموقف أكثر وضوحًا وقابلية للاستيعاب، فالاستعارة التصريحية التبعية المرشحة نجدها في الفعل (اشتروا) الذي يوحي بوجود عملية مبايعة أو مبادلة. ولتحليل الاستعارة وإجرائها نقول: الاستعارة التصريحية هي ما صُرِّحَ فيها بلفظ المشبه به وحُذف المشبه. والمشبه به المصرح به: هو (الشراء) (اشتروا). و(الشراء) في المعنى الحقيقي يعني مقايضة شيء بشيء، أو مبادلة مال بسلعة. والمشبه المحذوف: هو (استبدال) أو (اختيار) الضلالة على الهدى. ولقد صُرّح بلفظ (الشراء) الذي هو المشبه به، وحُذف الفعل الدال على الاستبدال أو الاختيار. وبما أن لفظ المشبه به (الشراء) هو الذي ظهر في الكلام، فهي استعارة تصريحية. ولماذا هي تبعية؟ لأن الاستعارة التبعية هي ما كان فيها المستعار صفة أو فعلاً أو حرفاً. بمعنى أن الاستعارة تقع في معنى الفعل أو الاسم المشتق أو الحرف، وتكون تابعة للمصدر، لذلك سُمّيت بالتبعية، يقول السكاكي: (لأن إجراءها في الفعل أو المشتق تابع لإجرائها في المصدر). (السكاكي، 1987م، ص:380) ولماذا هي مرشّحة؟ لأنّ الترشيح في الاستعارة هو ذكر شيء من لوازم المشبه به أو من صفاته بعد تمام الاستعارة، لزيادة تقويتها وإبرازها. والترشيح يُقوي الاستعارة ويزيدها جمالاً وتأثيراً. فبعد أن تمت الاستعارة التصريحية التبعية في (اشتروا الضلالة بالهدى)، جاء قوله تعالى: (فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ). لأن (الربح) و(التجارة) من لوازم ونتائج (الشراء) الحقيقي. فالتاجر الذي يشتري ويبيع يرجو الربح، وعملية الشراء نفسها جزء من التجارة. فبذكر (الربح) و(التجارة) بعد الاستعارة، كأن القرآن يُبقي على جو المشبه به (الشراء الحقيقي والتجارة المادية) ويُعززه، مما يُقوي الاستعارة ويُبرز فداحة الخسارة المعنوية في صورة حسية مألوفة. قال يحيى بن حمرة العلوي: (الاستعارة المرشحة من أعجب الاستعارات وأغربها، واستظرفها كل محصل من علماء البيان). (العلوي، 1423هـ، ص:1/111) ولعل الزمخشري كان له السبق في الإشارة للمجاز المرشح، حين قال: (هب أنّ شراء الضلالة بالهدى وقع مجازاً في معنى الاستبدال، فما معنى ذكر الربح والتجارة؟ كأنّ ثمّة مبايعة على الحقيقة؟ قلت: هذا من الصّنعة البديعة، التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا، وهو أن تُساق كلمة مساق المجاز، ثم تُقفى بأشكال لها وأخوات، إذا تلاحقن لم تر كلاما أحسن منه ديباجة وأكثر ماء ورونقا، وهو المجاز المرشح). (الزمخشري، 1987م، ص:1/70) وتتضح لنا الأبعاد الجماليّة في هذه الاستعارة البديعة حيث يُجسّد القرآن الكريم خسارة هؤلاء القوم في سعيهم الروحي والأخلاقي بعبارة فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ). والربح والخسارة مفاهيم مرتبطة بالمال والأعمال التجارية، وباستخدامها هنا، يُصوّر القرآن خسارتهم المعنوية كخسارة مادية واضحة وملموسة، وهذا التّجسيد يُبرز سوء اختيارهم وفداحة عاقبتهم بصورة أكثر إيلامًا في أذهان السامعين، واستخدام لفظة (اشتروا) توحي بأن هذا الاختيار لم يكن قسريًا، بل كان نابعًا عن إرادتهم الحرة وقرارهم الواعي. لقد دفعوا ثمنًا (الهدى) مقابل سلعة (الضلالة)، وهذا يؤكد أنهم المسؤولون عن مصيرهم. وعبارة (فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ) تُشير ضمنيًا إلى أنهم قد خسروا كل شيء. وعبارة (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) تؤكد حرمانهم من التوفيق الإلهي للهداية. كما أن الطباق بين (الهدى) و(الضلالة) يُبرز التناقض بين الحالين، ويُسلّط الضوء على سوء اختيارهم، واستخدام الأفعال الماضية (اشتروا)، (ربحت)، (كانوا) يُعطي للحدث صفة اليقين والتحقق، وكأن الأمر قد وقع وانتهى، مما يزيد من قوة الرسالة وتأثيرها في النفس. ويرى العلامة عبد القاهر الجرجاني أن الاستعارة طاقة بيانية هائلة، تستطيع أن تُحدث تحولات كبيرة في إدراكنا للأفكار والمعارف والمعاني من خلال عوالمها الساحرة المتخيلة، وإيحاءاتها الرمزية الخفية عندما تُصبح المعاني روحانية لا تنالها إلا الظنون، حيث يقول: (فإنك لترى بها الجمادَ حيّاً ناطقاً، والأعجمَ فصيحاً، والأجسامَ الخُرسَ مُبينةً، والمعاني الخفيّةَ باديةً جليّةً، وإن شئت أرتك المعانيَ اللطيفةَ التي هي من خبايا العقل، كأنها قد جُسِّمت حتى رأتها العيون، وإن شئتَ لطَّفتِ الأوصاف الجسمانية حتى تعود رُوحانية لا تنالها إلاّ الظنون، وهذه إشارات وتلويحات في بدائعها). (الجرجاني، أسرار البلاغة، ص:43)

2- تشخيص الجماد والظواهر الطبيعية:

نعني به إضفاء الصفات البشرية (كالحركة والكلام والتنفس والمشاعر والإدراك والإرادة) على غير الإنسان سواء كان جماداً، أو نباتاً، أو حيواناً، أو مفهوماً مجرّداً. ويهدف التّشخيص إلى إضفاء الحركة والحياة على المشهد، وجعله أقرب إلى إدراك المتلقي ووجدانه. ويتمثل فن التّشخيص في قوله تعالى: “وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ.” (التكوير: 18) تشتمل هذه الآية الكريمة على استعارة مكنية، صورت (الصّبح) وهو المُشبه في شكل كائن حي (إنسان) يتنفس، وحُذف المشبه به (الإنسان، أو الكائن الحي) ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو (التنفس)، فالمستعار منه هو الكائن الحي، والمستعار له (الصُّبْح)، والجامع بينهما هو التنفس والحياة. ويُبرز فن التّشخيص في هذه الآية القرآنية أبعاداً جمالية دقيقة، إذ تُغيّر الآية (الصّبْح) من وقت محدد أو ظاهرة ضوئية في وقت محدد إلى كائن حي يتنفّس، وهذا التّشخيص يشعر المتلقي بأن الكون ليس صامتاً أو ساكناً، بل ينبض بالحياة، ويتفاعل ويشارك في عملية الوجود. فالآية الكريمة تُصوّر (الصّبح) كأنه كان نائما في سكون الليل، ثم يستيقظ ويتنفس نفساً عميقاً يملأ به الوجود. وتنفُّس الصّبح هذا يوحي بالولادة وبداية دورة حياة جديدة، فكما يتنفس المولود ليعلن بدء حياته، كذلك يتنفس الصبح ليعلن بدء يوم جديد، وهذا المشهد الحي يَمنح لحظة الفجر بعداً عميقاً من الأمل الجديد، ويُحرّك في الوجدان شعوراً بالحياة المتجددة، يُذكر بالقدرة الإلهية على إحياء ما كان ميتاً أو ساكناً. وهي دلالة تُشير ضمناً إلى البعث بعد الموت. والتنفس عادة ما يكون حركة هادئة منتظمة ومستمرة، بخلاف الزّفير. لذلك فعبارة (والصّبح إذا تنفّس) توحي بانتشار النور بشكل هادئ لطيف منساب، وهنا يتجلى جمال العناية الإلهية في بسط النور. وهذا التنفس الهادئ للصبح يُعطي البشرية إحساسا بالسكينة والطمأنينة في لحظة الانتقال من الليل إلى النهار. والقسم بـ (الصّبح إذا تنفّس) يسبغ على (الصبح) مهابة وعظمة وجلالة، ويجعله آية عظمى تدل على قدرة الله سبحانه وتعالى وحكمته وإتقان صنعته، التي تستحق أن يُقسم بها الحق سبحانه وتعالى. يقول سيد قطب: (والصبح حي يتنفس. أنفاسه النور والحياة والحركة التي تدبّ في كل حي. وأكاد أجزم أن اللغة العربية بكل مأثوراتها التّعبيرية، لا تحتوي نظيراً لهذا التّعبير عن الصبح. ورؤية الفجر تكاد تشعر القلب المتفتح أنه بالفعل يتنفس، ثم يجيء هذا التّعبير فيصور هذه الحقيقة التي يشعر بها القلب المتفتح. وكل متذوق لجمال التّعبير والتّصوير يدرك أن قوله تعالى: “فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس، والليل إذا عسعس، والصبح إذا تنفس” ثروة شعورية وتعبيرية. فوق ما يشير إليه من حقائق كونية. ثروة جميلة بديعة رشيقة؛ تُضاف إلى رصيد البشرية من المشاعر، وهي تستقبل هذه الظواهر الكونية بالحس الشاعر) (قطب، 2003م، ص:6/384)  

3- التّخييل:

نعني بالتخييل تصوير المعاني الغيبية والمُجرّدة والحقائق الكبرى، بما في ذلك أهوال الآخرة ونعيم الجنة وغيرها، في صورة حيّة محسوسة، تُستحضر في الذهن كما لو كانت صورة مرئية وملموسة. وهذا النوع من التّصوير البلاغي يهدف إلى ترسيخ المفاهيم الدينية، وإثارة الوجدان، وتحفيز حواس التدبّر والتفكّر، وتقريب الحقائق العظيمة إلى الإدراك البشرى. ومن مشاهد التّخييل في القرآن الكريم قوله تعالى: “وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا” (الإسراء:24) الصورة البلاغيّة في هذا التّعبير القرآني هي الاستعارة المكنية، حيث يصور التّعبير الذل (بمعنى التواضع والخضوع) كطائر له جناحان، والمشبه به المحذوف: الطائر (الذي خفض جناحه)، والقرينة الدالة اللازمة و(اخفض) و(جناح) فهذه الألفاظ من لوازم الطائر الذي يخفض جناحه. ويتضح لنا البعد الجمالي المتمثل في التّخييل في هذه الآية من خلال تصوير التّعبير القرآني لـ (الذل)، حيث يتخيل الذلّ – الذي هو معنى مجرّد – كطائر له جناحان، وهذا الطائر لا يرتفع عالياً في تحليقه، بل يُطلب منه أن يخفض جناحيه، فهذه الصورة تحرّك الخيال ليرى التواضع والخضوع للوالدين حركة، كحركة كائن حي ليعبّر عن ضعفه وخضوعه. يقول أبو الفضل محمود الألوسي: “واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ” أيْ: تَواضَعْ لَهُما وتَذَلَّلْ، عَلى مَعْنى جَناحِكَ الذَّلِيلِ ويَكُونُ “جَناحَ الذُّلِّ” بَلْ خَفْضُ الجَناحِ تَمْثِيلًا في التَّواضُعِ، وجازَ أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً في المُفْرَدِ وهو الجَناحُ، فَيَكُونُ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ بِأنْ يُشَبِّهَ الذُّلَّ بِطائِرٍ مُنْحَطٍّ مِن عُلُوٍّ تَشْبِيهًا مُضْمَرًا ويُثْبِتَ لَهُ الجَناحَ تَخْيِيلًا والخَفْضَ تَرْشِيحًا؛ فَإنَّ الطّائِرَ إذا أرادَ الطَّيَرانَ والعُلُوَّ نَشَرَ جَناحَيْهِ ورَفَعَهُما لِيَرْتَفِعَ فَإذا تَرَكَ ذَلِكَ خَفَضَهُما، وأيْضًا هو إذا رَأى جارِحًا يَخافُهُ لَصِقَ بِالأرْضِ وألْصَقَ جَناحَيْهِ وهي غايَةُ خَوْفِهِ وتذلله، وقِيلَ: المُرادُ بِخَفْضِهِما ما يَفْعَلُهُ إذا ضَمَّ فِراخَهُ لِلتَّرْبِيَةِ، وأنَّهُ أنْسَبُ بِالمَقامِ، وفي الكَشْفِ: أنَّ في الكَلامِ اسْتِعارَةً بِالكِنايَةِ ناشِئَةً مِن جَعْلِ الجَناحِ الذُّلَّ ثُمَّ المَجْمُوعَ كَما هو مَثَلٌ في غايَةِ التَّواضُعِ، ولَمّا أثْبَتَ لِذُلِّهِ جَناحًا أمَرَهُ بِخَفْضِهِ تَكْمِيلًا؛ لأنَّ الغَرَضَ تَصْوِيرُ الذُّلِّ كَأنَّهُ مُشاهَدٌ مَحْسُوسٌ، وأمّا عَلى التَّرْشِيحِ لِأنَّ جَعْلَ الجَناحِ المَخْفُوضِ لِلذُّلِّ يَدُلُّ عَلى التَّواضُعِ.) (الألوسي، 1994م، 8/55-56) ويؤكد الشيخ إسماعيل حقي الإستانبولي في تفسيره نوع هذه الاستعارة ودلالتها، فيقول: (استعارة بالكناية، جعل الذل والتواضع بمنزلة طائر، فاثبت له الجناح تخييلاً، أي تواضع لهما وليّن جانبك، وذلك أن الطائر إذا قصد أن ينحط خفض جناحه وكسره، وإذا قصد أن يطير رفعه، فجعل خفض جناحه عند الانحطاط مثلا في التواضع ولين الجانب، وأمره بخفضه مبالغة في إيجاب الذل وترشيحاً للاستعارة.) (حقي، روح البيان، ص:5/147) وعندما نسأل: لماذا تشتمل هذه الآية على التّخييل؟ لأنها تُبدّل (الذل) (المعنوي) إلى كائن مُجسّد يمتلك (أجنحة) ويقوم بفعل حركي (خفض الجناح). فنحن لا نرى الذلّ أو التواضع بأعيننا، لكن الآية تُقدم لنا صورة بصرية له من خلال استعارة فعل الطائر. وهذا التّخييل يزيد المعنى عمقاً وجمالاً وحيوية، ويجعله أكثر رسوخاً في الذهن. فإنّ خفض الطائر لجناحيه يُوحي بالضعف، والاستسلام، والوداعة، والخضوع. وعندما تُنسب هذه الصورة إلى لفظ (الرحمة)، فإنها تُصوّر التواضع للوالدين في أبهى وأرقِّ صوره. ليس تواضعاً مذلاً مهيناً، بل تواضعاً نابعاً من الرحمة واللين والمحبة. فالتّخييل يُبرز أن هذا التواضع هو من جنس التواضع الذي يبديه الطائر الصغير لِأُمه سكينةً ومودةً. فصورة التّخييل في هذه الآية الكريمة يُراد به أن التواضع للوالدين يجب أن يكون كاملاً وشاملاً، ينبع من القلب (الرحمة) ويظهر على الجوارح (خفض الجناح). يقول أبو العباس السمين الحلبي موضحا دلالة الاستعارة: (استعارة بديعة، وذلك أنه لما كان الذل ضربين؛ ضرب يرفع الإنسان وضرب يضعه، وكان المقصود في هذا المكان جهة الرفع قيل جناح الذل، كأنه قيل: استعمل الذل الذي يرفعك عند الله من أجل الرحمة أو من أجل رحمتك لهما.) (السمين الحلبي، 1996، جنح) وهذا المعنى العميق لا يُمكن التّعبير عنه بالألفاظ المُجرّدة بنفس هذه القوة. كما أن إضافة قيد (مِنَ الرَّحْمَة) بعد (جناح الذل) تُضيف بعداً عاطفياً على الصورة. فهي تُزيل أي إيحاء سلبي بكلمة (الذل) وتجعله معنى إيجابياً كريماً نبيلاً. فالتّخييل هنا يربط بين الذل (التواضع) والرحمة بطريقة بديعة. والرحمة (وهي شعور) تُصبح هي الدافع لهذا الخفض، فهي قوة داخلية تُوجّه الجناح. وهذا يُرسّخ في الذهن أن تواضع الأبناء للوالدين يجب أن يكون نابعًا من عاطفة قوية وحب عميق، لا من مجرد الالتزام أو العَادة. وتُعزّزُ الآية هذا المعنى بالدعاء الذي يليها: (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا). وهذا الربط يُرسخ في الوجدان أن التواضع والرحمة للوالدين جزء من رد الجميل والامتنان لما قدّماه من تربية وعناية في الصغر. يقول سيد قطب: (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) هنا يشف التّعبير ويلطف، ويبلغ شغاف القلب وحنايا الوجدان. فهي الرحمة ترق وتلطف حتى لكأنها الذل الذي لا يرفع عينا، ولا يرفض أمراً. وكأنما للذل جناح يخفضه إيذانا بالسلام والاسستسلام. و(قل: رب ارحمهما كما ربياني صغيرا) فهي الذكرى الحانية. ذكرى الطفولة الضعيفة يرعاها الوالدان، وهما اليوم في مثلها من الضعف والحاجة إلى الرعاية والحنان. وهو التوجه إلى الله أن يرحمهما فرحمة الله أوسع، ورعاية الله أشمل، وجناب الله أرحب. وهو أقدر على جزائهما بما بذلا من دمهما وقلبهما مما لا يقدر على جزائه الأبناء). (قطب، 2003، ص:4/2221)

4- إيحاء الحالات النفسيّة:

يُعرف العلامة علي بن محمد الجرجاني الإيحاء تعريفاً وجيزاً ودقيقاً، حيث يقول: (الإيحاء إلقاء المعنى في النفس بخفاء وسرعة.) (الشريف الجرجاني، ص: 37) ونستطيع أن نستخلص من كلماته بعض المعاني عندما نحللها بدقة ليكتمل في أذهانها معنى الإيحاء، فقوله (إلقاء المعنى) يُشير هذا إلى جوهر الإيحاء، وهو نقل فكرة أو شعور أو رسالة. فالإيحاء ليس مجرد نقل معلومات جافة، بل هو نقل لمعنى يحمل دلالة أو تأثيرًا معينًا على المتلقي. هذا المعنى يمكن أن يكون معلومة، أو فكرة، أو شعورًا، أو رغبة، أو حتى أمرًا غير مباشر. وقوله: (في النفس): يُحدد الجزء المستهدف في الإنسان من عملية الإيحاء فالمقصود نفس المتلقي. وهذا يعني أن الإيحاء يتجاوز الإدراك السطحي إلى مستويات أعمق من الوعي لدى الشخص، حيث يمكن أن يؤثر على مشاعره، أو أفكاره، أو سلوكه. هو ليس مجرد سماع أو رؤية، بل هو استقبال داخلي للمعنى. وقوله: (بخفاء) هنا يحدد طبيعة الإيحاء. فعملية الإيحاء تعني نقل المعنى بطريقة غير مباشرة، وغير ملحوظة بشكل واعٍ. قد يتم ذلك من خلال التلميحات، أو الإشارات غير لفظية، أو سياق معين، أو حتى كلمات تحمل دلالات خفية. وهذا الخفاء هو ما يمنح الإيحاء قوته وتأثيره في كثير من الأحيان، لأنه يتجاوز عملية الرفض والمقاومة الواعية. وقوله: (وسرعة): تُشير هذه الكلمة إلى أن عملية الإيحاء غالبًا ما تكون لحظية وفورية في تأثيرها. قد لا يستغرق الأمر وقتًا طويلاً حتى يستقبل الشخص المعنى ويستوعبه، حتى لو لم يكن مدركًا تمامًا لعملية الإيحاء نفسها. هذه السرعة تجعل الإيحاء أداة فعالة في التأثير الفوري على الأفكار والمشاعر. يصف صاحب معجم التعريفات (الإيحاء) بأنه عملية إلقاء سريعة للمعاني والأفكار في نفس المتلقي بأسلوب غير مباشر، بطريقة تجعله يتأثر بها دون إدراك كامل لعملية التأثير نفسها، ويُبرز هذا التعريف الجوانب النفسيّة الدقيقة للإيحاء كشكل من أشكال التواصل والتأثير. وعندما تحدث العلامة عبد القاهر الجرجاني عن خصائص الاستعارة، وصفها بقوله: (ومن خصائصها التي تُذكرَ بها، وهي عنوان مناقبها، أنَّها تُعطيك الكثير من المعاني باليسير من اللفظ، حتى تُخرجَ من الصدَفة الواحدة عِدّةً من الدُّرَر، وتَجْنِيَ من الغُصْن الواحد أنواعاً من الثَّمر). (الجرجاني، أسرار البلاغة، ص:43) يقدّم الإمام عبد القاهر الجرجاني في هذا النص وصفاً بليغاً لوظيفة الاستعارة، مركزاً على الإيجاز والتكثيف، والإثراء والإيحاء. ونجده يستخدم الاستعارة التمثيلية في عبارته لتوضيح فكرته، حيث يجسد اللفظ المستعار بـ (الصّدفة الواحدة) ويجسد المعاني المتولدة بـ (الدّرر) وهذا التّصوير يؤكد على فكرة إثراء المعنى وتعدد الدلالات التي تقدّمها الاستعارة، فالصّدفةُ قد تبدو بسيطة من الخارج لكن في داخلها كنوز من اللآلئ الثمينة. كما رمز بـ (الغصن الواحد) إلى اللفظ المستعار، و(أنواع الثمر) إلى الدلالات المختلفة والمتنوعة التي يُمكن استخلاصها منه. وقد تثير الاستعارة الواحدة صوراً مُتنوّعةً، وتُشير إلى جوانب متعددة من الفهم، وتُثير عواطف متباينة، كل ذلك من خلال جذر لغوي واحد. ويُعدّ القرآن الكريم خير شاهد على بلاغة الاستعارة المُفردة في تحقيق الإيجاز والتكثيف والإثراء والإيحاء، وذلك لما يُجسده من إعجازٍ بيانيٍّ في صياغاته المعجزة، ففي سياق الآية الكريمة: (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (البقرة:10) نجد الاستعارة التصريحية في لفظة (مرض) قد تجاوزت حدود المعنى المباشر وأضافت ظلالاً واسعة لمعنى هذه اللفظة. فالمشبه المحذوف هو (النفاق، والشك، وضعف الإيمان، والتهاون) (الطبري، ص:20/259)، وهذه كلها معانٍ مجردة. والمشبه به (المذكور في الآية): هو (المرض) الحسي الذي يُصيب الأجساد، ويُسبب ضعفها ووهنها وفسادها. والعلاقة بين المشبه والمشبه به، هي الفساد والإفساد والضعف والخطر الذي يؤدي إلى الهلاك. فكما أن المرض يفسد البدن ويُتلفه ويُعجزه، كذلك النفاق والكفر يُفسدان القلب والنفس والعقل، ويُضعفان الإيمان، ويُعجزان الفرد عن إدراك الحق، ويُؤديان به إلى الهلاك في الدنيا والآخرة. والقرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي كلمة (قلوبهم) فالمرض الحسي الذي يُصيب الجسد، قد يُصيب القلب كعضو، لكن الآية تتحدث عن مرض آخر غير الجسدي المتعارف عليه، مرض يُعاقب الله عليه ويزيده، مما يدل على أنه مرض معنوي، والسّياق يتحدث عن المنافقين وصفاتهم، والنفاق مرض في النفس والمشاعر لا في الجسد. فالاستعارة في الآية القرآنية تصريحية؛ لأن الحقّ سبحانه وتعالى صرّح بلفظ المشبه به، وهو المستعار، وحذف المشبه الأصلي (النفاق، والشك، والكفر الباطني) الذي هو المقصود. والاستعارة التصريحية في الآية السابقة تحقق مجموعة من الأبعاد الجماليّة، منها: البعد التّجسيدي والتّصويري، إذ تجسد أمام أعيننا المعنى المُجرّد (النفاق، والشك) في صورة حسيّة ملموسة، هي (المرض)، وهذا التّجسيد والتّصوير يجعل الفكرة أكثر وضوحاُ وقوة وتأثيراً في الذهن. فكما أننا نحس بالمرض وتأثيره السلبي على الجسد، كذلك تُصبح فكرة مرض القلب بـ (النفاق) محسوسة ومدركة مما يزيد من وقعها. وهناك البعد الجمالي النفسي الذي تثيره هذه الاستعارة في نفس المتلقي من الشعور بالخوف والنفور من صفة (النفاق). فلفظ (المرض) يرتبط في أذهاننا بالألم والمعاناة، فكيف به إذا ارتبط بصفة يمقتها الله ورسوله ويمقتها المجتمع المسلم، إضافة إلى مآل صاحبها الوبيل في الآخرة. وكذلك هناك البعد الجمالي التكثيفي، فلفظة المرض تُوجز وتُكثّف دلالات كثيرة ومتشابكة للنفاق، فبدلاً من تعداد كل تلك الدلالات والصفات، جاءت لفظة (المرض) لتعبر عن كل تلك المعاني. يقول ابن فارس (تـ395هـ): (مَرِضَ (الْمِيمُ وَالرَّاءُ وَالضَّادُ) أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى مَا يَخْرُجُ بِهِ الْإِنْسَانُ عَنْ حَدِّ الصِّحَّةِ فِي أَيِّ شَيْءٍ كَانَ. مِنْهُ الْعِلَّةُ، وَشَمْسٌ مَرِيضَةٌ إِذَا لَمْ تَكُنْ مُشْرِقَةً. وَالنِّفَاقُ مَرَضٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: “فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ”). (ابن فارس، 1979م، مرض) وقد وردت كلمة مرض بمعنى النفاق في قوله تعالى: (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ). (الأحزاب:32) يقول الشيخ العلامة محمد بن عاشور: (وَالْمَرَضُ: حَقِيقَتُهُ اخْتِلَالُ نِظَامِ الْمَزَاجِ الْبَدَنِيِّ مَنْ ضَعْفِ الْقُوَّةِ، وَهُوَ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِاخْتِلَالِ الْوَازِعِ الدِّينِيِّ مِثْلَ الْمُنَافِقِينَ وَمَنْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِيمَانِ مِنَ الْأَعْرَابِ مِمَّنْ لَمْ تَرْسَخْ فِيهِ أَخْلَاقُ الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ مَنْ تَخَلَّقُوا بِسُوءِ الظَّنِّ). (ابن عاشور، 1984م، ص:22/9).

وكذلك وتُقدّم لنا الآية الكريمة: “أُولَٰئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ” (آل عمران:22) نموذجاً فريداً للاستعارة المكنية، يوضّح قدرتها على تجسيد المعنويات وإلباس المُجرّدات ثوب الحس، فالمشبه في الاستعارة المكنية (أعمالهم) وهي أعمال المنافقين التي يظنونها نافعة ومقبولة، لكنها في حقيقتها ليست مقبولة بل مجردة من الثواب. والمشبه به المحذوف الطعام أو العلف الذي يفسد في بطن الدابة فيتسبب في موتها. يقول ابن منظور: (والحَبَطُ وَجَعٌ يأْخذ الْبَعِيرَ فِي بطْنه مِنْ كَلأٍ يَسْتَوْبِلُه، والحَبَطُ أَن تأْكل الْمَاشِيَةُ فتُكْثِرَ حتى تَنْتَفِخَ لذلك بطونُها ولا يخرج عنها مَا فِيهَا. حَبِطَت الدابةُ حبَطاً، بِالتَّحْرِيكِ، إِذا أَصابت مَرْعًى طيِّباً فأَفرطت فِي الأَكل حَتَّى تَنْتَفِخَ فَتَمُوتَ) (ابن منظور، 1414هـ، حبط) والقرينة اللازمة: هي الفعل (حبطت) الذي يشير إلى المعنى الأصلي للمشبه به المحذوف (الفساد، والانتفاخ، والهلاك)، وتجسد هذه الآية مجموعة من الأبعاد الجماليّة نركز على بعدين جماليين من تلك الأبعاد، البعد الجمالي التّصويري التّجسيدي، إذ تصوّر لنا الآية فساد الأعمال وبطلانها في صورة حسية واقعية، فالمتلقي لا يقرأ عن فساد فحسب، بل يري بعينيه أعمالاً لا فائدة منها. أما البعد الجمالي الثاني فهو الإيجاز والتكثيف، فلفظة (حبطت) تغني عن سرد طويل لأعمال المنافقين بأنها فاسدة لا نفع فيها ولا ثواب، وقد جاءت هذه اللفظة الواحدة لتعبّر عن صفات الفساد كلها المتعلقة بأعمال المنافقين.

5- إثارة الخيال والتأثير الوجداني:

الاستعارة المُفردة لا تعني أننا نضع لفظة مكان أخرى، بل هي ومضة سحرية تُلقي بظلالها على المعنى فتُحيله من معنى مجرّد إلى صورة حيّة نابضة بالخيال، فهي بمثابة دعوة خفية للعقل ليرى ما لا تراه العين، وللقلب ليشعر بما لا تسمعه الأذن، فكل استعارة مفردة (تصريحية أو مكنية) تحمل في طيّاتها عالما من الخيال والجمال والتأثير، فهي مرآة سحرية تعكس جوهر الفكرة بلغة الإحساس والتّصوير، فتُحدث فينا إحساساً لطيفاً يلامس وجداننا ويوقظ بصيرتنا. فقوله تعالى: “وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ”. (فصّلت:17) تضم هذه الآية القرآنية استعارتين الأولى في لفظة (العَمَى) وهي استعارة تصريحية، والثانية مكنية في لفظة (صاعقة العذاب)، وسنكتفي بتحليل الاستعارة الاولى وإجرائها وتوضيح أبعادها الجماليّة. فالمشبه به في الاستعارة التصريحية هو المصرح به (العمى)، والمشبه محذوف (الضلالة)، والعلاقة بين (الضلالة) و(العمى) هو عدم القدرة على رؤية الطريق الصحيح. فالعمى الحسي يمنع الإنسان من رؤية الأشياء المادية، والضلالة تمنعه من رؤية طريق الهداية والإيمان والرشاد. وسُمّيت هذه الاستعارة (تصريحية) لأنه صُرّح فيها بلفظ المشبه به، وهو (العَمَى). يقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: (وَاسْتَحَبُّوا الْعَمى مَعْنَاه: أَحَبُّوا، فَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ كَانَ الْعَمَى مَحْبُوبًا لَهُمْ. وَالْعَمَى هُنَا مُسْتَعَارٌ لِلضَّلَالِ فِي الرَّأْيِ، أَيِ اخْتَارُوا الضَّلَالَ بِكَسْبِهِمْ. وَضُمِّنَ (اسْتَحَبُّوا) مَعْنَى: فَضَلُّوا، وَهَيَّأَ لِهَذَا التَّضْمِينِ اقْتِرَانُهُ بِالسِّينِ وَالتَّاءِ لِلْمُبَالَغَةِ لِأَنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي الْمَحَبَّةِ تَسْتَلْزِمُ التَّفْضِيلَ عَلَى بَقِيَّةِ الْمَحْبُوبَاتِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ (اسْتَحَبُّوا) بِحَرْفِ عَلَى، أَيْ رَجَّحُوا بِاخْتِيَارِهِمْ. وَتَعْلِيقُ عَلَى الْهُدى بِفِعْلِ (اسْتَحَبُّوا) لِتَضْمِينِهِ مَعْنَى: فَضَّلُوا وَآثَرُوا. وَفُرِّعَ عَلَيْهِ فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ، وَكَانَ الْعِقَابُ مُنَاسِبًا لِلْجُرْمِ لِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الضَّلَالَ الَّذِي هُوَ مِثْلُ الْعَمَى، فَمَنْ يَسْتَحِبُّهُ فَشَأْنُهُ أَنْ يُحِبَّ الْعَمَى، فَكَانَ جَزَاؤُهُمْ بِالصَّاعِقَةِ لِأَنَّهَا تُعْمِي أَبْصَارَهُمْ فِي حِينِ تُهْلِكُهُمْ.) (ابن عاشور، 1984م، ص:24/262) فالأبعاد الجماليّة لهذه الاستعارة تتمثل في أن هذه الاستعارة البديعة تصور حالة (ثمود) تصويرًا حيّاً يُوقظ الخيال ويُفزع الوجدان، فلفظة (العَمَى) في هذا السّياق تُشير إلى عمى البصيرة وعمى القلب وعمى الروح. وعندما نقرأ (فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ) نتخيّلهم وكأنهم يختارون الظلام الدّامس بكامل إرادتهم، يُفضّلون التيه والضلال على النور الهادي، ويتشبثون بالغفلة والجهل ويُعرضون عن الحق والمعرفة، فهذه الصورة تثير في نفس المتلقي شعوراً بالأسى والدهشة، كيف لإنسان له حق الاختيار أن يختار الظلام ويُفضّله على النور، والجهل على العلم، والضلال على الهدى؟!، هذا الاختيار الغريب يُعمّق إحساسنا بحجم ضلالهم وتماديهم في الباطل والغي، ويُحذرنا من عواقب الإعراض عن الحق، إنها صرخة بلاغية تُبصّرنا بخطر تزيين الباطل في النفوس. واستخدام لفظة (العَمَى) بدلا من (الضلالة) أو (الكفر) تُشير إلى أن الضلالة التي اختاروها متأصلة في نفوسهم. كما أن استخدام الفعل (استحبوا) يُبرز إرادتهم الحرة في هذا الاختيار، فهم لم يضلوا قسراً، بل اختاروا العمى حباً ورغبةً، وتوضح الاستعارة أن الهداية كانت متاحة لهؤلاء القوم لكنهم أعرضوا عنها باختيارهم، مما يجعل عاقبتهم نتيجة حتمية لأفعالهم، ودرساً بليغاً للأمم اللاحقة. وبعد استعراضنا استعارة (فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ) وكيف جسّدت اختيار ثمود للضلال بكامل إرادتهم، يحسن بنا أن نُبحر قليلاً في كتاب الله لندرك كيف تتجلى دلالات (العَمَى) في القرآن الكريم. (وهنا.. أوصي بدراسة دلالة العمى في القرآن الكريم) فنجد أنها تتجلى في مظاهر جمالية ودلالية متنوعة تختلف باختلاف السّياق، ولكنها غالباً ما تدور حول مفهوم (عمى البصيرة) و(الضّلال). قال تعالى: “فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)”. (الحج:46) تُقدم لنا الآية صورة بلاغية رائعة تُفَرّق بين العمى الحسي، والعمى المعنوي، وتوضّح أن المشكلة الحقيقية ليست في فقدان البصر الخارجي، بل في فقدان البصيرة الداخلية، فالجمال هنا يكمن في دقة التحديد والتخصيص، فالأبصار قد تكون سليمة ترى الحقائق، لكن القلوب هي التي تُصاب بالعَمَى والعَمَه، فتعجز عن إدراكها. وهذه الآية تجعلنا نتساءل هل نحن نرى الحقائق على حقائقها أم أن هناك حجاباً يحجب عنا النور؟ وتؤكد هذه الآية أن عمى البصيرة هو الأخطر لأنه يؤدي إلى الضلال والكفر، بينما عمى البصر لا يحول دون الهداية والإيمان، فعمى البصر يُثاب عليه الإنسان، إما عمى البصيرة فيُحاسب عليه ويُجازى. وقال تعالى: “وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا”. (الإسراء:12) ولعلّ كثرة ورود لفظة (العَمَى) في القرآن الكريم يرجع إلى بعض الأسباب الفنيّة والجماليّة، منها: أن القرآن الكريم يلجأ إلى تجسيد المعاني المُجرّدة في صورة حسية ملموسة لتقريبها إلى الأفهام وتثبيتها في الأذهان، فالضلال مفهوم معنوي قد يصعب على الذهن إدراكه بكل أبعاده، لكن ربطه بـ (العمى) عمى البصيرة يُحوّله إلى مشهد بصري حيّ. كما أن لفظة (العمى) تُثير إيحاءات أوسع وأعمق، لأنها تعني بجانب الضلال عن معرفة الطريق؛ فقدان القدرة على الإبصار، والعزلة والضياع، والخطر والهلاك، والتحذير والترهيب، فعاقبة العمى الحسي معروفة ومخيفة، فما بالنا بعمى البصيرة الذي يقود إلى جهنم والعياذ بالله؟ وفي كثير من السّياقات القرآنية التي ورد فيها (العمى) بمعنى الضلال يُوضح القرآن أن العمى ليس قدراً محتوماً بل هو اختيار ذاتي للإنسان، ويعزز القرآن الكريم الربط بين عمى البصيرة في الدنيا وعمى الحشر في الآخرة، وهذا الربط يُشكل إنذاراً شديد اللهجة يجعل من العمى في الدنيا مقدمة لعمى أشد في الآخرة، فلا يجد الضّال سبيلاً إلى النّجاة.

6- تجسيد الحالات النفسيّة:

يعني مصطلح (تجسيد الحالات النفسيّة) تحويل المشاعر، والأفكار، والانفعالات، والمواقف الداخلية غير الملموسة إلى صور حسية، أو أفعال مادية، أو تعابير لغوية تجعلها محسوسة ومرئية للمتلقي. وبعبارة أخرى يعني: أن نُلبس ما هو نفسي ومجرد ثوبًا ماديًا حسيًا، حتى يصبح من السهل تخيله وفهمه والتأثر به. ويحدث هذا التّجسيد من خلال الاستعارات والتشبيهات والكنايات وغيرها من فنون البلاغة واللغة. ويهدف هذا التّجسيد إلى جعل المعاني أكثر تأثيرًا ووضوحًا، وإضفاء حيوية على القيم والسلوكيات، ليسهل على المتلقي التعاطف والفهم العميق. ومن الأمثلة البليغة لتجسيد الحالات النفسيّة في القرآن الكريم قوله تعالى: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ۗ سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ). (الأنعام:157).

فتُعد هذه الآية مثالًا حيًا لتجسيد حالة (الظلم) من خلال أفعال وسلوكيات تكشف عن موقف نفسي جاحد ومعاند وكاره للحق. والآية القرآنية لا تكتفي بذكر الظلم كصفة مجردة، بل تُصوره من خلال انفعالين نفسيين عميقين، هما (التّكذيب) و(الصُّدود) وكيف تضافر هذان الانفعالان ليصورا أشد أنواع الظلم. ففي قوله تعالى: (كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ): نجد هنا تجسيدًا لحالة نفسية من الإنكار والجحود والرفض القلبي للحقائق الواضحة. وهذا التكذيب لا يعتمد عل منطق معرفي، بل هو عناد ورفض، دافعه الكبر والهوى والخوف من تبعات الإيمان. وقوله تعالى: (وَصَدَفَ عَنْهَا) هذا الجزء يجسد الحالة النفسيّة المترتبة على التكذيب، وهي الصّدوف والإعراض والتّولي والابتعاد المتعمد عن الحق. والصّدوف هنا لا يعني عدم رؤية الحق أو عدم السماع إليه، بل هو فعل إرادي يعكس نفورًا نفسيًا داخلياً من مواجهة الحقيقة أو الانصياع لها. إنه تجسيد لسلوك الهروب والتجاهل الذي ينتج عن الموقف النفسي الرافض. يقول الشيخ محمد جمال الدين القاسمي: (يصدفون يُعْرِضُونَ عن آيات الله، فَلا يَتَأمَّلُونَ فِيها، عِنادًا وحَسَدًا وكِبْرًا.) (القاسمي، 1418هـ، ص:4/362) والاستعارة المكنية في هذه الآية في الفعل “صَدَفَ عنها” و(صَدَفَ) في اللغة بمعنى مالَ بوجهه أو بظهره عن الشيء، وأعرض. والمشبه: الإعراض عن آيات الله. والمشبه به المحذوف شخصٌ مُعرضٌ يدير وجهه عن شيء. والقرينة الدالة (اللازمة) الفعل (صدف) الذي يدل على هذا الانحراف الجسدي، بالتفاتته بوجهه للجهة الأخرى. ونوع الاستعارة مكنية، حيث حذف المشبه به (الإنسان المعرض الذي يدير وجهه) ورمز له بلازمة من لوازمه. وتتجلي الأبعاد الجماليّة والدلالة هذه الاستعارة في عدة أبعاد، منها: الفعل (صَدَفَ) في أصله اللغوي يشير إلى حركة جسدية (إدارة الوجه للجهة الأخرى) وهي الإعراض عن آيات الله التي تمثل الحجج والبراهين، والتي تُرى بالبصيرة وتُدرك بالعقل، فإنها تُجسّد الإعراض المعنوي في صورة حسية ملموسة، فالمتلقي لهذه الآية القرآنية يتخيل شخصاً تُعرض عليه أدلة واضحة وبراهين قاطعة لكنه يتعمّد أن يُدير وجهه عنها، كأنه يرفض رؤيتها عمداً، فهذا التّصوير يجعل المعنى المجرّد (الإعراض عن الحق) مرئيا وملموسا وواضحاً في الذهن. ويأتي الاستفهام الإنكاري في بداية الآية (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا)؟ هذا الاستفهام يصور حجم الظلم الذي ارتكبه من يجمع فعل التكذيب بالقلب واللسان، والصّدُود بالجوارح. فلفظة (صَدَف) تُصور كل ذلك بل تكشف ما في النفس من عناد ومكابرة. ويحمل الفعل (صَدَفَ) إيحاءً بالهروب من المواجهة وعدم الرغبة في رؤية الحقيقة التي تزعجه، فكأن الآيات القرآنية نور ينعكس على عينيه فيختار أن يُدير وجهه ليتحاشاه، وهذا يصور حالة الكبر والتّعامي المُتعمّد. ويعلق سيد قطب على تكذيب المشركين وإعراضهم عن الحق بقوله: (إن الذين يعرضون عن هذا الحق في طبعهم آفة تميلهم عنه؛ كالآفة التي تكون في خف البعير فتجعله يصدف – أي يميل – بجسمه ولا يستقيم! إن التّعبير القرآني يستخدم مثل هذا اللفظ، المنقول في اللغة من حالة حسية إلى حالة معنوية ليستصحب في الحس أصل المعنى. فيستخدم هنا لفظ (يصدف) وقد عرفنا أنه من صدف البعير إذا مال بخفه ولم يعتدل لمرض فيه. كذلك يستخدم لفظ (يصعر خده) وهو مأخوذ من داء الصَّعَر الذي يصيب الإبل كما يصيب الناس فتعرض صفحة خدها، اضطراراً، ولا تملك أن تحرك عنقها بيسر، ومثله استخدام لفظ (حبطت أعمالهم) من حبطت الناقة إذا رعت نباتا مسموماً فانتفخ بطنها ثم ماتت ومثلها كثير). (قطب، 2003، ص:3/12389) وتعزز الاستعارة الوعيد والتهديد في قوله تعالى: (سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ) فكما أعرضوا بوجوههم عن الحق في الدنيا، فإن العذاب سيأتيهم يوم القيامة من حيث لا يحتسبون. ونختم هذا المبحث بتعليق سيد قطب على قوله تعالى: “ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ هُمۡ يَصۡدِفُونَ.” (الأنعام:46) (وهو تعجيب مصحوب بمشهد الصدوف! المعروف عند العرب، والذي يذكرهم بمشهد البعير المؤوف! فيثير في النفس السخرية والاستخفاف والعزوف.) (قطب، 2003م، ص:5/1092)

خلاصة المبحث:

يتناول هذا المبحث بلاغة الاستعارة المُفردة مركزًا على أبعادها الجماليّة المتعددة. يبدأ المبحث بتعريف شامل لمفهوم الأبعاد الجماليّة بشكل عام، ثم يغوص في تفصيل هذه الأبعاد في سياق الاستعارة المُفردة. ومن أبرز هذه الأبعاد قدرة الاستعارة على تجسيد المعاني المُجرّدة، مما يجعلها أقرب للفهم والإدراك. كما تُبرز الاستعارة جمالها في تشخيص الجمادات والظواهر الطبيعية، مانحة إياها صفات إنسانية تضفي حيوية على النص. وتلعب الاستعارة أيضًا دورًا مهمًا في التّخييل، إذ تفتح آفاقًا واسعة للإبداع وتثير ملكة الخيال لدى المتلقي. ولا يقتصر دورها على ذلك، بل يمتد لتشمل إيحاء الحالات النفسيّة المختلفة وتجسيدها بشكل فاعل، مما يعمق التجربة الشعوريّة للقارئ أو السامع ويثير خياله.

خاتمة البحث:

لقد سعت هذه الدراسة (الاستعارة المُفردة في القرآن الكريم – دراسة بلاغية جمالية تحليلية)، إلى الكشف عن الأبعاد المتعددة للاستعارة المُفردة في النص القرآني الكريم، مؤكدةً على أنها بنية عميقة تضطلع بوظائف بلاغية وجمالية بالغة الأهمية. فمن خلال المباحث السابقة التي تناولت التأصيل النظري، والأبعاد الجماليّة، تبين أن الاستعارة القرآنية المُفردة تُشكل ركيزة أساسية من ركائز الإعجاز البياني للقرآن الكريم.

لقد أظهر البحث بوضوح كيف تُمكّن الاستعارة من تجسيد المعاني المُجرّدة، وتحويلها إلى صور حسية ملموسة تُقربها إلى أفهام المتلقين على اختلاف مستوياتهم. كما برز دورها الفاعل في تشخيص الجمادات والظواهر الطبيعية، وبث الروح فيها، مما يُضفي حيوية وواقعية على المشهد القرآني. ولم يغفل البحث عن إبراز قدرتها الفريدة على إثارة الخيال، وإيجاد صور ذهنية مبتكرة تُثري التجربة القرائية، فضلاً عن إيحاء وتجسيد الحالات النفسيّة العميقة، مما يُعزز من التأثير الوجداني للخطاب القرآني..

إن نتائج هذه الدراسة تُؤكد أن الاستعارة المُفردة في القرآن الكريم هي ظاهرة لغوية فائقة الحسن والسحر والجمال، تُسهم بشكل مباشر في إبراز بلاغة القرآن الكريم المتشعبة. كما إنها وسيلة بيانية وأداة معرفية تُعمق الفهم، وتُثير التدبر، وترسخ المعاني القرآنية في النفوس.

التوصيات:

بناء على ما توصلت إليه هذه الدراسة من نتائج، تُقدم التوصيات التالية لتعميق فهم الاستعارة القرآنية والمساهمة في الدراسات المستقبلية:

– يُوصى بإجراء دراسات بينية تجمع بين علم البلاغة وعلوم أخرى كعلم النفس، وعلم اللسانيات، لدراسة الأثر الإدراكي والنفسي للاستعارة القرآنية المُفردة على المتلقي، وكيفية معالجتها للمعلومات وتشكيلها للمعنى في الذهن البشري.

– يُنصح بتطبيق المنهج التحليلي لهذه الدراسة على عينات أوسع وأكثر تنوعًا من الاستعارة المُفردة في القرآن الكريم، مع التركيز على سياقاتها المختلفة في السور المكية والمدنية، للكشف عن الفوارق المحتملة في وظائفها وأبعادها.

– يُقترح إجراء دراسات مقارنة معمقة بين الاستعارة المُفردة والاستعارة المركبة (التمثيلية) في القرآن الكريم، لتحديد أوجه التشابه والاختلاف في تأثيرهما البلاغي والجمالي والدلالي، ومدى تكاملهما في خدمة المعنى القرآني.

ثبت المصادر والمراجع:

– القرآن الكريم

1- ابن أبي الإصبع، عبد العظيم بن الواحد بن ظافر ابن أبي الإصبع العدواني، البغدادي، اسم الكتاب: تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن، تقديم وتحقيق: الدكتور حفني محمد شرف، الناشر: الجمهورية العربية المتحدة – المجلس الأعلى للشئون الإسلامية – لجنة إحياء التراث الإسلامي.

2- ابن الأثير، ضياء الدين بن الأثير، نصر الله بن محمد، اسم الكتاب: المثل السائر في أدب الكاتب، والشاعر تحقيق: أحمد الحوفي – بدوي طبانة، الناشر: دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، الفجالة ـ القاهرة.

المؤلف: محمد الطاهر ابن عاشور، اسم الكتاب: التحرير والتنوير، تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد، الناشر: الدار التونسية للنشر – تونس، سنة النشر: ١٩٨٤م.

3- ابن فارس، أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، اسم الكتاب: مقاييس اللغة، المحقق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: دار الفكر، عام النشر: ١٣٩٩هـ – ١٩٧٩م.

4- ابن المعتز، أبو العباس، عبد الله بن محمد المعتز بالله ابن المتوكل ابن المعتصم ابن الرشيد العباسي، اسم الكتاب: البديع في البديع، الناشر: دار الجيل، الطبعة: الطبعة الأولى ١٤١٠هـ – ١٩٩٠م.

5- ابن منظور، محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الإفريقي، اسم الكتاب: لسان العرب، الحواشي: لليازجي وجماعة من اللغويين، الناشر: دار صادر – بيروت، الطبعة: الثالثة – ١٤١٤هـ.

6- أرسطو طاليس، اسم الكتاب: فن الشعر، نقل أبي بشر متى بن يونس القُنَّائي من السُّرياني إلى العربي، حققه مع ترجمه حديثة ودراسة لتأثيره في البلاغة العربية: الدكتور شكري محمد عياد، الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة: سنة 1993م.

7- الألوسي، أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادي، اسم الكتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، ضبطه وصححه: علي عبد الباري عطية، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٥هـ – ١٩٩٤م.

8- الجاحظ، عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ، اسم الكتاب: البيان والتبيين، الناشر: دار ومكتبة الهلال، بيروت، عام النشر: ١٤٢٣هـ.

9- جدوع، د. عزة محمد جدوع جامعة الملك فيصل، اسم الكتاب: البلاغة العربية – البيان والبديع، الناشر: مكتبة المتنبي السعودية – الرياض، الطبعة: الثالثة: 1438هـ – 2017م.

10- الجرجاني، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني، اسم الكتاب: أسرار البلاغة قرأه وعلق عليه: محمود محمد شاكر، الناشر: مطبعة المدني بالقاهرة، دار المدني بجدة.

11- الحاتمي، محمد بن الحسن بن المظفر الحاتمي، أبو علي، اسم الكتاب: حلية المحاضرة، تحقيق الدكتور جعفر الكتاني، دار الرشيد للنشر، وزارة الثقافة والإعلام، العراق، سلسلة كتب التراث (82) 1979م.

12- حقي، المؤلف: إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي أبو الفداء، اسم الكتاب: روح البيان، الناشر: دار الفكر – بيروت.

13- الرماني، علي بن عيسى بن علي بن عبد الله، أبو الحسن الرماني المعتزلي، اسم الكتاب: النكت في إعجاز القرآن، مطبوع ضمن: ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، سلسلة: ذخائر العرب، المحقق: محمد خلف الله، د. محمد زغلول سلام، الناشر: دار المعارف بمصر، الطبعة: الثالثة، ١٩٧٦م.

14- الزمخشري، محمود بن عمر بن أحمد الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، وبهامشه أربعة كتب: الانتصاف من الكشاف، والكافي الشافِ في تخريج أحاديث الكشاف، وحاشية الشيخ محمد عليان المرزوقي، ومشاهد الإنصاف على شواهد الكشاف، ضبطه وصححه ورتّبه: مصطفى حسين أحمد، الناشر: دار الريان للتراث بالقاهرة – دار الكتاب العربي ببيروت، الطبعة: الثالثة ١٤٠٧هـ – ١٩٨٧م.

15- السكاكي، يوسف بن أبي بكر بن محمد بن علي السكاكي الخوارزمي الحنفي أبو يعقوب، اسم الكتاب، مفتاح العلوم، ضبطه وكتب هوامشه وعلق عليه: نعيم زرزور، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة: الثانية، ١٤٠٧ هـ – ١٩٨٧ م

16- السمين الحلبي، أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي، اسم الكتاب: عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ، المحقق: محمد باسل عيون السود، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، ١٤١٧هـ – ١٩٩٦م.

17- السيد، دكتور شفيع السيد، كلية دار العلوم جامعة القاهرة، اسم الكتاب: التّعبير البياني رؤية بلاغية نقدية، الناشر: مكتبة الشباب القاهرة – المنيرة، الطبعة الأولى: سنة 1977م.

18- الشريف الجرجاني، علي بن محمد السيد الشريف الجرجاني، اسم الكتاب: معجم التعريفات، تحقيق محمد صديق المنشاوي، دار الفضيلة للنشر والتوزيع والتصدير، مصر – القاهرة.

19- طبانة، دكتور بدوي طبانة، اسم الكتاب: البيان العربي دراسة فنية تاريخية في أصول البلاغة العربية مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة الثانية مطبعة الرسالة 1377هـ – 1958م مصر- القاهرة.

20- الطبري، أبو جعفر، محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، توزيع: دار التربية والتراث – مكة المكرمة.

21- العلوي، يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم، الحسيني العلويّ الطالبي الملقب بالمؤيد باللَّه، اسم الكتاب: الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، الناشر: المكتبة العنصرية – بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢٣هـ.

22- فضل، الأستاذ الدكتور فضل حسن عباس، اسم الكتاب: البلاغة فنونها وأفناها علم البيان والبديع، الناشر: دار النفائس للطباعة والتوزيع الأردن، الطبعة الثانية عشر 1429هـ – 2009م.

23- القاسمي، محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي، اسم الكتاب: محاسن التأويل، المحقق: محمد باسل عيون السود، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى – ١٤١٨هـ.

24- قدامة، قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، اسم الكتاب: نقد النثر، حققه وعلّق حواشيه: طه حسين بك، وعبد الحميد العبادي، الأستاذان بكلية الآداب، بجامعة فؤاد الأول، الناشر: وزارة المعارف الحكومية، المطبعة الأميرية ببولاق – القاهرة 1941م.

25- قطب، سيد قطب، اسم الكتاب: التصوير الفني في القرآن، دار الشروق، الطبعة الشرعية السابعة عشرة، 1425هـ – 2004م.

26- قطب، سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروف، طبعة جديدة مشروعة، لبنان – بيروت، الطبعة الشرعية الثانية والثلاثون، 1423ه، – 2003م.

27- مطلوب، أحمد مطلوب، اسم الكتاب: معجم المصطلحات البلاغيّة وتطورها عربي – عربي، مكتبة لبنان ناشرون. بيروت – لبنان 2007م.

28- الهاشمي، أحمد بن إبراهيم بن مصطفى الهاشمي، اسم الكتاب: جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، ضبط وتدقيق وتوثيق: د. يوسف الصميلي، الناشر: المكتبة العصرية، بيروت