سلطة الادارة في تعديل وتوقيع الجزاءات اثناء تنفيذ العقد الإداري
أحمد خليفة علاوي العيساوي1، أ.د. جان العلية2
1 الجامعة الإسلامية في لبنان.
2 تدريسي بالجامعة الإسلامية في لبنان.
The Administration’s Authority to Amend and Impose Sanctions During the Execution of the Administrative Contract
Ahmed Khalifa Alawi Al-Issawi¹, Prof. Dr. Jean Al-Alia²
1 . Islamic University of Lebanon.
2 . Lecturer at the Islamic University of Lebanon.
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj73/27
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/73/27
المجلد (7) العدد (3). الصفحات: 425 - 442
تاريخ الاستقبال: 2026-02-20 | تاريخ القبول: 2026-02-27 | تاريخ النشر: 2026-03-01
المستخلص: تناولت هذه الدراسة سلطة الإدارة في تعديل العقد الإداري وفرض الجزاءات أثناء مرحلة التنفيذ، بوصفها من أبرز مظاهر امتيازات السلطة العامة في العقود الإدارية. وهدفت إلى بيان الأساس القانوني لسلطة الإدارة في الرقابة والتوجيه والتعديل والفسخ، مع توضيح حدود هذه السلطة وضمانات المتعاقد معها في مواجهة ما قد ينشأ عنها من إخلال بالتوازن المالي للعقد. واعتمدت الدراسة المنهج التحليلي القانوني المقارن من خلال تحليل النصوص القانونية والأحكام القضائية ذات الصلة. وتوصلت إلى أن الإدارة تتمتع بسلطات استثنائية تُمكّنها من ضمان حسن سير المرفق العام بانتظام واطراد، إلا أن ممارستها يجب أن تظل مقيدة بمبدأ المشروعية ومتطلبات المصلحة العامة، مع الحفاظ على حقوق المتعاقد في المقابل المالي والتعويض والتوازن المالي للعقد. كما أكدت الدراسة أن تحقيق التوازن بين امتيازات الإدارة وضمانات المتعاقد يمثل جوهر العدالة العقدية في نطاق العقود الإدارية.
الكلمات المفتاحية: العقد الإداري، سلطة الإدارة، الجزاءات الإدارية، تعديل العقد، التوازن المالي للعقد.
Abstract: This study examined the administration’s authority to amend administrative contracts and impose sanctions during the execution phase, as one of the most prominent manifestations of public authority privileges in administrative contracts. It aimed to clarify the legal basis of the administration’s power of supervision, direction, amendment, and termination, while also identifying the safeguards granted to the contracting party in the face of any disruption to the financial equilibrium of the contract. The study adopted a comparative legal analytical approach through the examination of relevant legal texts and judicial rulings. It concluded that the administration enjoys exceptional powers enabling it to ensure the proper and continuous functioning of public utilities; however, the exercise of such powers must remain subject to the principle of legality and the requirements of public interest, while preserving the contractor’s rights to financial consideration, compensation, and contractual financial equilibrium. The study further confirmed that achieving a balance between the administration’s prerogatives and the contractor’s guarantees constitutes the essence of contractual justice in the field of administrative contracts.
Keywords: Administrative contract, administrative authority, administrative sanctions, contract amendment, contractual financial equilibrium.
المقدمة
العقد الإداري يُعرَّف كاتفاقٍ يتم بين الإدارة والمتعاقد، ويحمل تأثيرات قانونية تتجلى في التزامات متبادلة بين الطرفين بمجرد أن يتلقى المتعاقد قرار الإحالة من الجهة المختصة ويبرم العقد، يُفترض أن يقوم الطرفان بتنفيذ التزاماتهم المحددة فيه والمتعاقد ملزم شخصياً بتنفيذ التزاماته ولا يجوز له تحويلها لطرف ثالث إلا بعد الحصول على موافقة صريحة من الإدارة، مع الاحتفاظ بالمسؤولية الشخصية والمباشرة أمام الإدارة، تبرز خصوصية العقد الإداري والفرق عن عقود القانون الخاص بشكل واضح في مرحلة تنفيذ العقد، نظراً للسلطات والامتيازات الفريدة التي تتمتع بها الإدارة والتي لا تجدها في القانون الخاص.
ويكمن موضوع العقد في تنظيم وتسيير مرفق عام، في المقابل يحق للمتعاقد الحصول على المقابل المالي، وله حقوق والتزامات يجب أداؤها، تتطلب العقود الحكومية أوقات معينة للانتهاء، حيث يجب على كل طرف أداء التزاماته المقررة قانوناً ويتحرر كل منهم من التزاماته، سواء كانت نهاية طبيعية أم مستترة.
إن إلزامية العقد مستمدة من إرادة أطرافه فليس لأي من المتعاقدين التحلل من التزامه بإرادته المنفردة ولا يجوز له نقض العقد أو تعديله إلاّ برضا الطرف الآخر أو وفقاً لما يقرره القانون وقد نصت غالبية القوانين المدنية على هذه القاعدة، بيد أننا نجد هذه القاعدة غير مستقرة على هذا المنوال في نطاق العقود الإدارية، فالعقد الإداري لا يتمتع بمواجهة الإدارة بقوة الإلزام التي تكون للعقود المدنية بين الأفراد فهو لا يكون دائماً قانون المتعاقدين كالعقد المدني لأن من مقتضى العقود التي تبرمها الإدارة والتي تتعلق بنشاط مرفق عام إخضاع المصلحة الخاصة للمتعاقد مع الإدارة للمصلحة العامة.
وإن عملية تطويع أو إخضاع الإرادة أو المصلحة الخاصة للمصلحة العامة لا تتم بشكل تلقائي وإنما تتم من خلال تمتع الإدارة بامتيازات تخولها فرض شروط استثنائية غير مألوفة لتلبية حاجات ومتطلبات المرفق العام ولطبع العقد الإداري بعنصر المرونة أو قابلية التغيير ليتسنى للإدارة تلبية حاجات المرفق العام لذلك كان للإدارة التدخل في العملية التعاقدية، بدءً بدعوتها للتعاقد من خلال الإعلان عن المناقصات والمزايدات، ومروراً بإعداد الشروط التعاقدية واختيار المتعاقد، وصولًا إلى سلطة الإدارة في حق الحرمان واستبعاد المتقدمين للمشاركة في المناقصة حيث تعتبر سلطة الإدارة في الحرمان والاستبعاد من أهم مظاهر السلطة العامة في مرحلة تكوين العقد حيث تتمتع الإدارة بسلطات استثنائية تتعارض مع المبادئ الأساسية في القانون الخاص، إضافةً لسلطة الإدارة التقديرية في الإحالة على مناقص معين ترى توفر فيه الشروط والمواصفات الفنية والقانونية، والكفاءة المالية والقدرة على إنجاز العمل وفقاً لشروط المناقصة، أو سلطة الإدارة في عدم إتمام إجراءات التعاقد وإلغاء المناقصة دون أن يترتب عليها أي التزام بالتعويض عن عدم إكمال إجراءات التعاقد.
أولاً: أهمية البحث:
تحظى العقود الإدارية بأهمية خاصة في سياق العمل الإداري، حيث تُعَدُّ أحد العناصر الرئيسية في الإدارة القانونية، إذ تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة وتقوم نظرية العقد الإداري على أساس تمكين الإدارة من تحقيق سير المرفق العام على نحو يضمن دوام سيره بانتظام واطراد، الأمر الذي استتبع معه منح الإدارة العديد من الامتيازات والسلطات الاستثنائية غير المألوفة في عقود القانون الخاص: منها حقها في الرقابة أثناء تنفيذ العقد، بالإضافة إلى ذلك تمتلك الإدارة سلطة تعديل العقد، فضلاً عن صلاحيتها في فرض الجزاءات على المتعاقد في حالة انتهاكه لالتزاماته التعاقدية.
هذا وتتميز العقود الإدارية بنظام خاص لجزاءاتها، يمنح الإدارة الوسائل الفعالة لضمان تنفيذ العقد، ويرخص لها -كقاعدة عامة- بأن تستخدم امتيازها في التنفيذ المباشر لتطبيق هذه الجزاءات بنفسها دون الحاجة إلى اللجوء للقضاء ابتداءً، مستهدفاً بذلك دوام المرفق وانتظامه، وتتنوع الجزاءات تبعاً لنوع الخطأ، فقد تكون جزاءات مالية تتناول الذمة المالية للمتعاقد أو وسائل ضغط تجبره على تنفيذ التزاماته، أو جزاءات فاسخة تنهي بها العقد الإداري.
ثانياً: إشكالية البحث:
تتمتع الإدارة بامتياز مهم في عقودها الإدارية “هو قدرتها على ممارسة التوجيه والرقابة المباشرة وغير المباشرة على العقد وهي سلطات أصيلة في مواجهة المتعاقد معها حيث تملكها الإدارة بحكم إشرافها وتنظيمها وتسيير المرافق العامة سواء ورد ذلك في نص العقد أو لم يرد،” وسواء وردت هذه السلطات في قانون أو لائحة أو لم ترد، وتعتبر هذه السلطة أو الميزة من أهم ما يميز العقد الإداري عن العقد المدني الذي أساسه العقد شريعة المتعاقدين،” ويثار لدينا التساؤل الرئيسي: إلى أي مدى يمكن القول بأن القوانين قد تبنت نظاماً قانونياً لسلطة الادارة في الرقابة على العقود الإدارية تحقق من خلاله الموازنة بين تحقيق الهدف من امتياز سلطة الإدارة في الرقابة والتوجيه والإشراف من جهة والمحافظة على حقوق ومصالح المتعاقد معها من جهة أخرى؟
ويتفرع عن السؤال الرئيسي الأسلة الفرعية التالية:
- كيف يمارس القضاء الإداري دوره في الرقابة على تعديل وإنهاء العقد الإداري؟
- ما مدى ضمان الإدارة للمتعاقد في الحصول على المقابل المالي وحقه بالتعويض؟
ثالثاً_ أهداف البحث:
إن الهدف من هذه الدراسة:
1_ لمعرفة سلطة الإدارة في الرقابة وفرض الجزاءات.
2_ لمعرفة حقوق المتعاقد مع الإدارة في مرحلة التنفيذ.
3_ لمعرفة حق المتعاقد في ضمان التوازن المالي واقتضاء التعويض.
رابعاً: منهجية البحث:
بهدف تحقيق الغاية من دراستنا والإجابة الكافية عن التساؤلات التي طرحناها تمت الاعتماد في هذه الدراسة على المنهج التحليلي القانوني المقارن، حيث تقوم الدراسة التحليلية بفحص القوانين والأحكام القضائية المتعلقة بالمسؤولية التعاقدية للإدارة خلال تنفيذ العقد الإداري. ينطلق هذا التحليل من التفاصيل القانونية ويتجه نحو العناصر الكبرى، مما يتيح فهمًا أعمق للتأثيرات المترتبة عن مخالفة الإدارة لالتزاماتها التعاقدية نتيجة لأخطاء من جانبها.
رابعاً: هيكلية البحث:
سيتم دراسة هذا البحث من خلال تقسيمه على مبحثين وكل مبحث إلى مطلبين،” حيث سنخصص المبحث الأول لدراسة سلطة الإدارة في في تنفيذ العقود الادارية،” من خلال تقسيمه إلى مطلبين،” سنخصص المطلب الأول لدراسة سلطة الإدارة في الرقابة وفرض الجزاءات،” بينما سنخصص المطلب الثاني لدراسة سلطة الإدارة في تعديل شروط العقد الاداري،” وسنفرد المبحث الثاني لدراسة حقوق المتعاقد مع الإدارة في مرحلة التنفيذ، من خلال تقسيمه إلى مطلبين، سنحصص المطلب الأول لدراسة حق المتعاقد في الحصول على المقابل النقدي،” بينما سنخصص المطلب الثاني لدراسة التعاقد في ضمان التوازن المالي واقتضاء التعويض.”
المبحث الأول
سلطة الإدارة في تنفيذ العقود الادارية
سلطة الإدارة في مراقبة وتوجيه تنفيذ العقد الإداري تُعتبر حقًا أصيلاً يستند إلى المبادئ العامة للعقود الإدارية، يُعتبر العقد الإداري جزءًا من نشاط المرفق العام، ونظرًا لأن المرفق العام يهدف إلى إشباع الحاجات العامة وتحقيق المنفعة العامة، يتطلب ذلك من الإدارة متابعة دقيقة لتنفيذ العقد الإداري لضمان تحقيق هذه النتيجة، تتطلب هذه السلطة أيضًا تدخل الإدارة لتوجيه العقد الإداري وفقاً لرؤيتها الخاصة، والتي يجب أن تتناغم مع تحقيق غايات العقد المتعلقة بالمصلحة العامة. بناءً على ما تقدم سنتناول دراسة هذا المبحث من خلال تقسيمه إلى مطلبين، سنخصص المطلب الأول لدراسة سلطة الإدارة في الرقابة وفرض الجزاءات، بينما سنخصص المطلب الثاني لدراسة سلطة الإدارة في تعديل شروط العقد الإداري.
المطلب الأول
سلطة الإدارة في الرقابة وفرض الجزاءات
تتميز العقود الإدارية عن العقود المدنية بطابع خاص قوامه تلبية حاجة المرفق العام بما يكفل أداء الوظائف المنوطة به وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، كان من الطبيعي أن تقوم الإدارة، كصاحبة العمل بممارسة سلطة الرقابة على أعمال المتعاقد معها، وتعتبر الرقابة من بين أهم الواجبات التي يتحملها الجهاز الإداري، وذلك بهدف ضمان أن يتم إنجاز العمل وفقاً للشروط والمواصفات المنصوص عليها في العقد ([1]) ، تحتفظ الإدارة بحق فرض الجزاء على المتعاقد معها في حالة عدم الامتثال لالتزاماته، وسواء كان ذلك نتيجة للامتناع عن تنفيذ العقد، أو للتأخير في التنفيذ، أو لتنفيذ غير مرضٍ، أو لاحتجاز شخص آخر لتنفيذ الالتزام دون موافقة الإدارة في هذه السياقات، تحق للإدارة أن تفرض جزاءات على المتعاقد بموجب الصلاحيات الممنوحة لها.
أولاً: سلطة الإدارة في الرقابة والتوجيه:
أقر القضاء الإداري للإدارة سلطة في الرقابة والتوجيه على عملية تنفيذ العقد، وذلك من خلال سلطتها في توجيه المتعاقد وإصدار الأوامر والتعليمات اللازمة لعملية التنفيذ، وفي هذا المجال ينبغي التنبيه إلى أن للإدارة الحق في الرقابة على المتعاقد من خلال تنفيذ العقد طبقاً للشروط وهذه الرقابة هي رقابة عادية موجودة في كل العقود دونما تمييز، كأن تطلب استعمال طريقة محددة في التنفيذ غير تلك التي يلجأ إليها المتعاقد، وهنا تصبح الرقابة بمثابة توجيه تفوق في المعنى والمضمون الرقابة العادية المتعارف عليها في القانون الخاص([2]).
هذا الامتياز وإن كان يختلف نطاقه من عقد لآخر، فإنه يثبت للإدارة سواء نص عليه في العقد أم لا وليس هناك من قيد على ممارسة هذا الحق سوى ما يقتضيه الصالح العام، وعدم تعديل موضوع العقد ذاته، ومواصفات تنفيذه الأصلية تحت ستار التوجيه والإشراف، وعلى الرغم من أن للسلطة العامة الحق في تعديل العقود الإدارية بمفردها، إلا إن هذا لا يعني أنه يمكنها القيام بذلك بشكل تعسفي أو بدون مراعاة، فهي وفقاً لأحكام القضاء الإداري سلطة مقيدة وليست مطلقة، فالقضاء استقر على أن الإدارة في هذا الشأن يجب عليها أن تحترم القيود الآتية([3]):
1- ينبغي أن تكون هناك ظروف جديدة تبرر تعديل العقد بعد إبرامه، ولا يمكن للسلطة العامة أن تجري تعديلًا بدون وجود تغير في الظروف يبرر هذا التعديل.
2-احترام مبدأ المشروعية عند إجراء التعديل بحيث يصدر من السلطة المختصة بإصداره وفقاً للإجراءات المقررة لذلك، وفي غير هذه الأحوال فللمتعاقد أن يتمسك بالبطلان.
3-أن يتعلق التعديل بالشروط المتعلقة بسير المرافق العامة المرتبط به موضوع العقد.
4- يجب أن لا تتعدى التعديلات التي تُجرى نسبةً معينة، حيث يمنع أن يؤدي التعديل إلى تغيير جوهري في اقتصاديات العقد.
واستناداً على ما سبق فإن حق الإدارة في تعديل شروط العقد بالإرادة المنفردة وإن كان يعد من النظام العام بحيث لا يجوز للإدارة استبعاده والتنازل عنه، إلا أنه في المقابل ليس حقا ولا سلطة مطلقة تمارسه متى شاءت وكيفما أرادت، وفهمًا صحيحًا من أحكام القضاء الإداري، يظهر أن سلطة التعديل ليست مطلقة، بل تخضع لقيود محددة. يفرض هذا الإطار القانوني ضرورة التوازن بين المصلحة العامة والمصالح الفردية للمتعاقدين مع الإدارة.
ثانياً: سلطة الإدارة في توقيع الجزاءات:
سلطة فرض الجزاءات تُعتبر من بين السلطات الأكثر خطورة التي يمنحها القانون للإدارة في مواجهة المتعاقد معها، يتمثل مضمون هذه السلطة في القدرة على فرض جزاء قانوني على المتعاقد من دون اللجوء إلى القضاء، ويتخذ هذا القرار من جهة الإدارة المتعاقدة، ويتأتى هذا الحق نتيجة للضرورة الحيوية لضمان سير المرافق العامة بانتظام واستمرارية، مما يستدعي التشدد في التعامل مع المتعاقد لفرض الالتزام بتنفيذ العقد بدقة، ونظراً لعجز الأحكام العادية في بعض الأحيان عن منع انتهاكات المتعاقد لالتزاماته، يتعين إقرار هذه السلطة للإدارة.
وإنما هدفه هو الوصول إلى تنفيذ الالتزام المتثمل بسير المرفق العام أو استبعاد الاختلال الذي يكون قد لحق به، ويمكن إجمال هذه السلطات وفقاً للقضاء الإداري في الجزاءات الآتية:(الجزاءات المالية_ وسائل الضغط والاكراه_ الفسخ_ العقوبات الجنائية)، وإن التعويض يحسب من الجزاءات المالية متى نص عليه صراحة في صلب العقد، وحددت آلية استيفائه ضمن الفقرات الجزائية للعقد الإداري بحيث تستطيع الإدارة استيفاء مبلغ التعويض من المبالغ المستحقة للمتعاقد معها، أو ما قد تستحق مستقبلاً ([4])، أما إذا لم يتضمن العقد، الإشارة بأسلوب صريح إلى حق الإدارة في التعويض، فإن مطالبة الإدارة بالتعويض ستكون على أساس المسؤولية العقدية، وطبقاً للقواعد العامة في القانون الخاص.
الأصل أن الإدارة لا تملك إيقاع الجزاءات الجنائية على المتعاقدين معها مهما كانت جسامة المخالفات التي يرتكبونها، وإن الشروط الاستثنائية التي تعمد الإدارة إلى تضمينها في عقودها الإدارية لا تصل إلى درجة تخويل الإدارة صلاحية فرض العقوبات الجنائية ذلك أن الجرائم والعقوبات المقررة لها تخضع لمبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، وإن القاضي لا يملك ابتداع الجرائم وعقوبات جديدة لم ينص عليها المشرع إلا إن الإدارة تستطيع فرض الجزاءات الجنائية من خلال تطبيق القوانين واللوائح التي يصدرها المشرع والتي تتضمن جزاءات ذات طبيعة جنائية، والأصل أن القاضي هو المسؤول عن فرض العقوبات الجنائية، إلا أن المشرع في بعض الأحيان يعطي للإدارة سلطات قضائية تخولها فرض العقوبات الجنائية، وقد ألزم المشرع العراقي المتعاقد مع الإدارة أن يكون ملماً بجميع الأساليب والمتطلبات القانونية للعمل في العراق وأن يمتثل للقوانين والانظمة والمراسيم والأوامر.
كما إنه للإدارة أن تلجأ إلى أسلوب إدراج المتعاقدين المخلين بالتزاماتهم في القائمة السوداء (Black List) سواء أكانوا مقاولين أم مجهزين أو استشاريين عراقيين أو غير عراقيين ووفقاً للتعليمات التي تصدر عن وزارة التخطيط، حيث يعتبر الإدراج في القائمة السوداء جزاء ذا طبيعة مزدوجة إدارية وجنائية، إذ يجوز لوزير التخطيط وبناءً على طلب مسبب من الوزير المختص أو رئيس الجهة غير المرتبطة بوزارة وضع شركة المقاولات أو المقاول في القائمة السوداء لمدة لا تزيد عن سنتين عند تحقق حالات معينة([5]).
تُفرض عقوبة إدراج المقاول في القائمة السوداء تخفيض تصنيفه بدرجة واحدة لمدة سنة، بالإضافة إلى عدم التعامل معه نتيجة لتورطه في القائمة السوداء، يتبع هذا التدابير التعسفيّة إحالة المقاول المخل على المحكمة المختصة في سياق قانون العقوبات، يُلاحظ أن القانون قد أشار إلى بعض الأفعال المتعلقة بالعقود الحكومية، مثل الغش والإخلال بحرية وسلامة المزايدات أو المناقصات الحكومية، كما يُعاقب القانون المتورطين في إفشاء معلومات حول مقاولة تخضع للسرية ويُعتبر هذا فعلاً جرمياً قابلًا للعقوبات المنصوص عليها في القوانين المعمول بها، إذ إن الإدارة في مثل هذه الأحوال لا تملك إيقاع العقاب بنفسها على المتعاقد المخل الذي ينطبق عليه وصف هذه الجرائم وإنما يقوم بإحالته إلى القضاء، وبالتالي لا يمكن اعتبارها من الجزاءات التي يجوز للإدارة فرضها على المتعاقد معها لأنها تخضع للقواعد العامة في قانون العقوبات.
باختصار، يُمكن القول إن الإدارة غير مخولة بإصدار لوائح ضبط إداري تتضمن جزاءات جنائية بهدف ضمان حسن تنفيذ العقد إذا قامت الإدارة بفعل ذلك فإنها تنحرف عن استخدام سلطتها، ومع ذلك، يُمكن للإدارة توقيع جزاءات جنائية على المتعاقد في حالة خرقه لنص العقد، شريطة أن تكون هذه المخالفة مصنفة كجريمة جنائية، يتوقف توقيع هذه الجزاءات على القواعد العامة للتجريم والعقوبة، مع التقيد بإجراءات الدعوى الجنائية وفقًا لقانون الإجراءات الجنائية، في هذا السياق، يُعتبر عمل الإدارة تنفيذًا للقوانين التي تعاقب المخالفين لهذا النوع من الجرائم، وليس استخدامًا غير مشروعًا للسلطة.
المطلب الثاني
سلطة الإدارة في تعديل شروط العقد الاداري
إن قاعدة العقد شريعة المتعاقدين المنصوص عليها في القانون المدني([6]) لا تطبق كاملة في مجال العقود الإدارية، لذا تستطيع جهة الإدارة وحدها أن تعدل أحكام عقودها، ويجب على المتعاقد تقبل تلك التعديلات، وأن ينفذها على الرغم من علمه أنها تمثل خروجاً عن شروط العقد، لأن العقد الإداري هو إحدى وسائل الإدارة التي تستعين بها لمباشرة وظيفتها في إدارة وتسيير المرافق العامة، وقد ترى الإدارة أن مبدأ ثبات العقد والالتزام بنصوصه المتفق عليها وقت إبرامه لا يتفق مع المصلحة العامة، لذا يكون من الواجب على الإدارة أن تتدخل لتعديل نصوص العقد([7]) ، بما يضمن حسن سير وانتظام المرفق العام موضوع العقد ([8]).
وفقاً لقرار إحدى قرارات محكمة التمييز في العراق، تم التأكيد على سلطة الإدارة في تعديل عقودها الإدارية بإرادتها الفردية، وينص القرار على أنّ رب العمل يتحمل المسؤولية الكاملة عن أي تغيير يطرأ على المخطط الذي نظمه المقاول أثناء التعاقد، كما ينص القرار على عدم مسؤولية المقاول عن التأخير الذي قد يحدث بسبب الأعمال الإضافية التي تم تحديدها في المخطط الجديد، شريطة أن تكون هذه الأعمال ضرورية وملزمة وفقًا لرأي الخبراء.
أولاً: سلطة الإدارة في تعديل العقد:
في العراق تنص على سلطة الإدارة في تعديل عقودها الإدارية بموجب أحكام القانون، يُسمح بتغيير الأعمال المتعاقد عليها أو إضافة أعمال أو كميات جديدة في حالة الضرورة القصوى التي تلبي احتياجات المرفق العام، مثل منع تأخير العمل أو الحفاظ على سلامته اقتصادياً أو فنياً أو لتحقيق التوفير في تكلفة المشروع أو العمل، أو تقليص مدة تنفيذ العقد، يُشترط ألا يؤثر هذا التعديل على القدرة الإنتاجية للمشروع وألا يُخالف المواصفات الفنية للعمل أو المشروع، كما يجب على التعديل ألا يتجاوز الصلاحيات المخولة لجهة التعاقد، ويجب أن يتم وفقاً لتعليمات تنفيذ الموازنة الاتحادية التي تصدر سنوياً عن وزارة المالية بموجب قانون الموازنة، ويُشترط أيضاً أن لا تتجاوز التعديلات على كميات عقود التجهيز وفقرات الخدمات الاستشارية نسبة (20%) من قيمة العقد، شريطة توفر التخصيص المالي([9]).
أكدت محكمة تمييز العراق سلطة الإدارة في تعديل عقودها الإدارية بإرادتها الفردية، حسبما جاء في إحدى قراراتها (.. إن الميعاد الذي أيدته جهة الإدارة لاعتباره تاريخاً لاستلام العمل يعتبر تعديلاً لشروط المقاولة وارتفعت مسؤولية المقاولة مما يكون ظاهراً من عيب بحكم المادة (875) من القانون المدني).
يمكن أن تنتهي العقود الإدارية بشكل طبيعي عند اكتمال تنفيذ الموضوع الذي يتناوله العقد، أو عند انتهاء المدة الزمنية المحددة إذا كانت العقود مؤرخة زمنياً، يمكن أيضاً أن ينتهي العقد الإداري قبل الموعد المحدد فيه لأسباب متنوعة، مثل تلف مكان العقد أو تحقق شروط معينة منصوص عليها في العقد تستوجب إنهاءه بموجب القانون من تاريخ حدوثها، يمكن أيضاً أن يتم الفسخ بسبب قوة قاهرة، أو بناءً على طلب من المتعاقد نتيجة لتغيرات اقتصادية تأثر على العقد، أو بسبب خطأ من قبل المتعاقد مع الإدارة يتم الفسخ في هذه الحالات كإجراء تأديبي.
ومع ذلك يُلفت الانتباه إلى توقف سلطة الإدارة عند إنهاء العقد الإداري دون وجود أي من الأسباب المذكورة، حتى إذا كان المتعاقد مع الإدارة لم يرتكب أي خطأ، ودون اللجوء إلى القضاء، يتسنى للإدارة قرار إنهاء العقد بناءً على سلطتها التقديرية إذا اعتبرت بناءً على تقديرها أن الصالح العام يتطلب مثل هذا الإنهاء، وإن تبرير سلطة الإدارة في إنهاء العقود الإدارية يعود إلى اعتبارات تتعلق بضمان استمرار سير المرفق العام وتحقيق الصالح العام، حيث يتم التعاقد مع الإدارة لضمان مصلحة الجمهور وليس لمصلحة فردية أو خاصة ([10])، وبهدف تلبية حاجاتها وتوفير متطلبات المرفق العام الذي يعد موضوع العقد، تمتلك الإدارة السلطة لإنهاء العقد الإداري بقرار فردي في أي وقت ترونه مناسبًا قبل نهاية المدة الزمنية الأصلية للعقد، يتم هذا الإنهاء في حالات تقتضيها المصلحة العامة، دون أن يكون للمتعاقد مع الإدارة حق الاعتراض على هذا الإنهاء([11]).
ثانياً: سلطة الإدارة في إنهاء العقد:
ينص القانون في العراق على حق الإدارة في إنهاء المقاولة في حالة نشوب حرب أثناء فترة إكمال الأعمال أو في حالة استحالة التنفيذ بسبب أسباب خارجة عن إرادة الطرفين، وقد نصت المادة (67) من الشروط العامة لمقاولات أعمال الهندسة المدنية في العام 1988 على هذا الحق، ومع ذلك لم تشر المادة بصراحة إلى حق الإدارة في إنهاء المقاولة بناءً على اعتبارات المصلحة وضرورات سير المرافق العامة بانتظام واستقرار في أي وقت دون الحاجة لوجود خطأ من جانب المقاول، تعليمات تنفيذ العقود الحكومية رقم (1) لسنة (2008) المعدلة لا تحتوي على أي نص يجيز للإدارة إنهاء العقد بشكل فردي من جانبها.
ومع ذلك، ينص القانون المدني العراقي على أن لجهة الإدارة الحق في إلغاء المناقصة دون تعويض مقدمي العطاءات، حيث يتم إعادة ثمن المناقصة فقط، أما فيما يتعلق بفسخ عقد المقاولة، يتيح القانون المدني العراقي لرب العمل إلغاء العقد في حالة انتهاك المقاول التزاماته، يعد هذا الحكم جزءً من سلطة الإدارة في فسخ العقد نتيجة لخطأ المقاول، وليس ضمن سلطتها في إنهاء العقد بسبب استنادها إلى مصلحة عامة.
ومع ذلك يظهر من الفقرة (11) في أمر سلطة الائتلاف المؤقتة (المنحلة) رقم (87) لعام 2004 الخاص بالعقود الحكومية، أن الحكومة لديها الحق في إنهاء العقود الحكومية التي تندرج تحت سلطة هذا الأمر، سواء كان الإنهاء كلياً أو جزئياً، عندما يكون ذلك لصالح الحكومة وتتم تسوية جميع التزامات العقد لكل من الأطراف، بما في ذلك تعويض المقاول، وفقاً للإجراءات المحددة في الفقرة (12) من نفس الأمر، وتُفرض على دائرة إدارة العقود العامة وضع أنظمة لتنفيذ هذا الأمر توضح الظروف التي يمكن فيها للحكومة إنهاء العقود الحكومية بناءً على هذا الأمر([12]).
إلا أن الملحوظ أن تعليمات تنفيذ العقود الحكومية رقم (1) لسنة (2008) المعدلة الصادرة بالاستناد إلى أحكام الفقرة (1) من القسم (14) من هذا الأمر لم تتضمن نصًا صريحًا يُعطي لجهة التعاقد سلطة إنهاء العقد الإداري بإرادتها المنفردة لدواعي المصلحة العامة، بل ورد نص يجيز للإدارة إلغاء المناقصة دون تعويض مقدمي العطاءات، كما إن التعليمات المذكورة لم تحدد الحالات التي يمكن للحكومة فيها إنهاء العقود العامة إنهاء انفرادياً لدواعي المصلحة العامة، وهذا قصور كبير كان على المشرع أن يأخذه بعين الاعتبار عند إعداد هذه التعليمات، وينبغي أن تكون التعليمات مرآة تعكس المبادئ الأساسية للتشريع مع وضع الضوابط لتسهيل تنفيذه.
فيما يتعلق بسلطة الإدارة في التعديل الفردي للعقد الإداري، يُظهر موقف القضاء العراقي، ورغم ندرة واقتضاب الأحكام في هذا السياق، إلا إن الإدارة لديها السلطة لإصدار قرار بإلغاء عقد التزام المرافق العامة إذا كانت المصلحة العامة تقتضي ذلك في حكم صدر عن محكمة التمييز في عام 2004، أشارت المحكمة إلى أن العقد المبرم بين الطرفين يُعتبر مقاولة تفرض التزامات على الطرفين، وعندما قام المميز بفسخ العقد من جانبه بناءً على مرسوم المحكمة، كان يجب تطبيق المادة (885/1) من القانون المدني وتعويض المدعي عن المصروفات التي أنفقها وعن الأعمال التي أنجزها.
إن في هذا الحكم، يظهر بشكل ضمني سلطة الإدارة في إنهاء العقد الإداري دون علم وموافقة المتعاقد معها، وإن المحكمة في إصدار قرارها، لم تعترض على الفسخ الصادر من الإدارة، بل قررت تعويض المتعاقد عن المصروفات التي أنفقها والأعمال التي أنجزها، ويبرز هذا الحكم مبدأين رئيسيين: الأول هو حق الإدارة في إنهاء العقد بشكل فردي من جانبها، والثاني هو حق المتعاقد في التعويض عند استخدام الإدارة لهذه السلطة دون وجود خطأ من جانبه، وفقاً لهذا الحكم، يُعتبر حق الإدارة في إنهاء العقد الإداري متسقاً ومُقبولاً، ويُفترض تعويض المتعاقد إذا كان لديه مطالب قانونية ناتجة عن استخدام الإدارة لهذه السلطة([13]).
المبحث الثاني
حقوق المتعاقد مع الإدارة في مرحلة التنفيذ
يتمتع المتعاقد مع الإدارة بالعديد من الحقوق ولعلَّ أهمها حقه في الحصول على المقابل النقدي، إذ إنه ليس من المنطقي أن يقوم المتعاقد بالقيام بالواجبات العقدية المنوطة به دون مقابل، ولا بدَّ من التنويه إلى أن قد تطرأ على العقود الإدارية بعض الظروف التي من شأنها أن تؤدي إلى الإخلال بالتوازن المالي للعقد الإداري ولعلَّ أهم النظريات التي ظهرت بهذا الصدد كلاً من نظرية الظروف الطارئة ونظرية فعل الأمير.وبناءً على ما تقدم سأتناول الحديث عن هذا المبحث في مطلبين، سأتحدث في المطلب الأول عن حق المتعاقد في الحصول على المقابل النقدي، في حين سأتحدث في المطلب الثاني عن حق التعاقد في ضمان التوازن المالي واقتضاء التعويض
المطلب الأول
حق المتعاقد في الحصول على المقابل النقدي
لا شك أن المتعاقد مع الإدارة سواء أكان شخصاً طبيعياً أم معنوياً يهدف إلى تحقيق الربح المادي من جراء دخول المناقصات أو المزايدات وتحمل المخاطر المترتبة على عملية التعاقد مع الإدارة وما قد يترتب عليها من معضلات أثناء العمل أو التجهيز والتقلبات الاقتصادية والسياسية التي تؤثر على عمله، لذا فهو شخص يستهدف تحقيق منفعة شخصية ذات طابع مالي وهذا المقابل المادي يأخذ صوراً متعددة تبعاً لطبيعة العقد الإداري فهو يأخذ صورة الثمن في عقود التوريد وعقود الاشغال العامة وعقود النقل والخدمات والاستشارات وقد يكون مرتباً دورياً يتقاضاه المتعاقد مع الإدارة شهرياً كعقود التوظيف والعقود الدراسية.
وقد يأخذ صورة رسم يتقاضاه ملتزم المرافق العامة من المنتفعين، ويعتبر الثمن أو المقابل المادي للعمل الذي سيقوم به المتعاقد من الشروط التعاقدية الأصيلة التي يجب أن تثبت في صلب العقد باتفاق الطرفين ولا تملك الإدارة تعديل شرط الثمن زيادةً أو نقصاناً إلا بموافقة الطرف الآخر، ويجب أن يحدد الثمن بشكل دقيق في صلب العقد، رقماً وكتابةً بما يشير إلى القيمة الإجمالية لمبلغ العقد وقد تحدد قيمة العقد (الثمن) بنسبة مئوية من قيمة عقد آخر يرتبط به كما هو الحال في عقود الاستشارات الهندسية حيث تحدد أجور الإشراف الهندسي بنسبة مئوية من قيمة العقد الأصلي الذي يتولى المتعاقد الاستشاري الإشراف عليه ولأهمية تحديد الثمن لطرفي العقد اشترط القانون أن يكون تدوين العطاء بالمداد أو بشكل مطبوع رقماً وكتابةً([14])، والزام لجنة فتح العطاءات بتأشير من خلال وضع علامة واضحة حول كل حك أو محو أو إضافة أو تصحيح ورد في جدول الكميات المسعر مع توقيع رئيس وأعضاء اللجنة مع وضع خط أفقي بجانب كل فقرة غير مسعرة في جدول الكميات المسعرة مع توقيع رئيس وأعضاء اللجنة([15]).
وفي حالة اختلاف السعر المثبت كتابةً مع السعر المثبت رقماً فيعول على السعر المدون كتابةً كما يعول على سعر الوحدة في حالة عدم صحة مبلغ الفقرة، أما في حالة عدم تسعير فقرة أو عدة فقرات فإنها تعتبر في حدود الكميات المدونة أمامها من ضمن السعر الإجمالي لمقدم العطاء([16])، وإذا ما تم التعاقد بين الطرفين فإن فقرة الأسعار أو الثمن تكون فقرة ملزمة للطرفين لا يجوز تعديلها إلا بموافقة المتعاقد وبصلاحية الجهة المختصة بإبرام العقد الأصلي وعند ذلك يرد التعديل على فقرة الثمن، فإذا ترتب على التعديل زيادة كميات التجهيز أو فقرات الخدمات الاستشارية فيجب أن لا يتجاوز التعديل (20%) عشرين من المئة من قيمة العقد([17]).
فإذا كانت الفقرات الإضافية من جنس ونوع الفقرات المتفق عليها في العقد فإنها تأخذ سعر الفقرات المماثلة لها في العقد وإلا يصار إلى اتفاق جديد لهذه الأسعار، وينظم العقد عادة شروط الدفع وهي شروط ملزمة للطرفين فلا تملك الإدارة تعديل شروط الدفع أو نسبها إلا بموافقة المتعاقد معها، والدفع إما يتم بصورة لاحقة لإنجاز المتعاقد التزاماته كتوريد البضائع أو إتمام الأعمال الخاصة بالبناء أو تقديم الخدمة، أو يصار إلى الاتفاق على دفع مبالغ مالية حسب مقدار العمل المنجز أو المواد الموردة أو المجهزة وهو ما يعرف في القانون العراقي بـ (التسليف على الحساب شهرياً بالقيمة الكاملة للأعمال المنجزة وفقاً للأسعار المدرجة في جدول الكميات المسعرة وحسب الخرائط المصدقة للأعمال المنجزة بصورة مرضية في ضوء قوائم المقايسة (الذرعة)([18]).
يجب التفريق في هذا السياق بين التسليف على الحساب شهرياً بناءً على مقدار الأعمال المنجزة للمقاول وبين السلفة التشغيلية الأولية، ففي حالة التسليف الشهري، يتم دفع المقاول بناءً على المقدار الفعلي للأعمال التي أنجزها خلال كل شهر، بينما في حالة السلفة التشغيلية الأولية، تحدد تعليمات الموازنة الاتحادية نسبة مئوية من قيمة العقد الإجمالي لتكون مبلغ السلفة يتم تحديد هذه النسبة سنوياً بناءً على قوانين الموازنة الاتحادية وتعليمات الوزارة المالية([19]).
والسلفة التشغيلية الأولية هي عبارة عن دفعة مالية أولية تقدم من قبل الإدارة إلى المتعاقد معها مقابل خطاب ضمان مصرفي يغطي مقدار هذه السلفة الغرض منها تسهيل عمل المقاول للنهوض بالمشروع على أن تسترد هذه السلفة من مستحقات المقاول عن أعماله المنجزة شهرياً وبنسبة مئوية تحددها التعليمات ولغاية استيفاء كامل السلفة من المقاول مع تقدم مراحل العمل لذا يشترط أن يكون خطاب الضمان نافذاً طيلة فترة التسليف ولغاية استرداد كامل السلفة التشغيلية من المقاول وعند ذلك تنتفي الحاجة له.
وهذه السلفة وإن كانت تعتبر من قبيل المزايا المادية للمتعاقد مع الإدارة ولا نجد مثيلاً لها في عقود المقاولات في القانون الخاص إلا نادراً إلا أنه لا يمكن اعتبارها من قبيل الحقوق والضمانات المالية المقررة للمتعاقد مع الإدارة لكون صلاحية الإدارة في منح السلفة التشغيلية هي صلاحية جوازية وليست وجوبية ولا يملك المتعاقد إلزام الإدارة بصرفها له، كما إن الإدارة تتحكم بالحد الأعلى والأدنى لمقدار السلفة التشغيلية حسب تقديراتها لحجم وطبيعة المشروع كما إنها تعتبر ديناً في ذمة المقاول تسترده الإدارة على شكل أقساط شهرية لحين إتمام تسديد كامل مبلغ السلفة وإلا تقوم الإدارة في حالة إخلال المقاول بالتزاماته التعاقدية بسحب السلفة من خلال المصرف الضامن لمقدار السلفة بموجب خطاب الضمان المصرفي.
فإذا كان المقابل النقدي للمتعاقد مع الإدارة من الشروط التعاقدية الأصلية التي تتسم بطابع الاستقرار ومعيار لتحقيق التوازن المالي للعقد وتلتزم الإدارة بأدائه إلى المتعاقد معها بغض النظر عن تقلبات السوق والعملة فإن مثل هذا الوصف ينسحب على المتعاقد مع الإدارة فلا يستطيع أن يطالب الإدارة يصرف مبالغ إضافية على مبلغ العقد، وهذا ما ذهبت إليه محكمة تمييز إقليم كوردستان في حكم لها صدر عام (2006) في قضية تتلخص وقائعها بأن أحد المكاتب المتخصصة بإعداد برامج الكومبيوتر قد تعاقد مع مدير عام توزيع كهرباء أربيل (إضافة لوظيفته) لغرض توريد أجهزة كومبيوتر وإعداد برامج خاصة لاستلام أجور الكهرباء، ومن ضمن فقرات جدول الكميات (التندر) فقرة تخص برنامج خاص ببيع الطاقة الكهربائية للمديرية المذكورة وقد طالب المكتب المتعاقد صرف قيمة البرنامج المذكور البالغة (120,000,000) مئة وعشرين مليون دينار إضافة لمبلغ العقد باعتبار أن الفقرة المذكورة لم يحدد ثمنها في جدول الكميات التندر.
ومع ذلك، قامت مديرية توزيع كهرباء أربيل برفض دفع المبلغ المذكور، مشيرة إلى أنه يُعتبر جزءً من العقد وأن مبلغ العقد يشمل تنفيذ هذه الفقرة بالفعل. وجاء في حيثيات الحكم (…حيث جاء في الفقرة الثانية من العقد الموقع بتاريخ (21/6/2004) بين الطرفين المتداعين أن المدعى عليه ملزم بتقديم برنامج خاص لقبض أجور الكهرباء وفقًا للشروط المنصوص عليها في العقد، وأن الفقرة السابقة في العقد نصت على أن وزارة الصناعة والمعادن والطاقة ملزمة بدفع مبلغ (72,128,000) دينار إلى المقاول، وقد قامت الوزارة بتنفيذ كافة التزاماتها بالنسبة لادعاء المدعي بشأن قيمة (application software)، التي قدرت بـ (120,000,000) دينار، لم تُنفذها الوزارة.
بالإضافة إلى ذلك، يظهر أن الادعاء المُقدم لا يمتلك أي أساس قانوني واضح، حيث أنه يشمل مطالب بمبلغ يتجاوز القيمة الإجمالية للأعمال المحددة في العقد، وفي ظل وجود عقد موقع بين الطرفين، وتحديد المبلغ المتفق عليه في العقد، يظهر أن المدعي ليس لديه أساس قانوني للمطالبة بأي مبلغ إضافي، ما لم يكن هناك خطأ أو تقصير من جانب المدعى عليه يستدعي تعديلًا أو إضافةً وفقًا للمادة (877) من قانون العقوبات المدني، ويُشير الحكم إلى أن الوزارة المدعى عليها نفذت التزاماتها وفقًا للعقد، ولم يكن هناك أي خطأ يبرر المطالبة بزيادة المبلغ، وبموجب ما جاء في الحكم، يُظهر أن العقد يعد الشريعة بين الطرفين، وبالتالي يكون الحكم المميز برفض الدعوى هو قرار متسق مع أحكام العقد والقانون. ([20]).
ومع ذلك يمكن أن يكون المقابل النقدي معرضاً للتخفيض من جانب الإدارة في حالات معينة نص عليها القانون، ومن ذلك حالة قبول الإدارة للأصناف الموردة غير المطابقة للمواصفات المتفق عليها إذ كانت نسبة النقص أو المخالفة لا تزيد عن (20%) عشرين من المئة عما هو مطلوب بالمواصفات المتعاقد على أساسها بشرط أن تكون الحاجة ماسة لقبول الصنف أو الأصناف رغم ما بها من نقص أو مخالفة، وأن يكون السعر بعد الخفض مناسباً لمثيله في السوق حيث يجوز للإدارة تخفيض أسعار الأصناف الموردة بما يوازي نسبة النقص أو المخالفة في المواصفات وحسب النسب المئوية المحددة في القانون والتي لا تتجاوز (20%) مع خفض ثمن هذه الأصناف تبعاً لنسب النقص والمخالفة للمواصفات الفنية، في حالة وجود حاجة ماسة لقبول هذه الأصناف، وكذلك أجاز المشرع إجراء تعديلات على الكميات والأعمال المتعاقد عليها إذا كان من شأنها أن تؤدي إلى توفير في كلفة المشروع أو العمل أي خفض الأسعار وهذا يؤدي بطبيعة الحال إلى تخفيض المردود المالي للمتعاقد مع الإدارة في مثل هذه الحالة بسبب خفض الأعمال والكميات([21]). أما بالنسبة للرسم فهو يعتبر مقابلاً مادياً يحصل عليه المتعاقد في عقد التزام المرافق العامة من المنتفعين بخدمات المرفق محل عقد الالتزام ويجري تحديده عادة بموجب العقد أو دفاتر الشرط من قبل الإدارة ذاتها بعد استشارة الملتزم أو تحدده بصورة قطعية دون استشارة الملتزم أو قد تلجأ إلى تحديد حد أقصى لمقدار الرسم الذي يمكن تقاضيه من المنتفعين وتترك مجالاً للملتزم لتقدير مقدار الرسم ضمن هذا الحد تبعاً لطبيعة المرفق وحاجة المنتفعين والرسم باعتباره كمقابل مادي يحصل عليه ملتزم المرفق العام أيضاً يمكن أن يرد عليه التعديل من جانب الإدارة بسبب طبيعة العقد المذكور الذي يشهد تدخلاً كبيراً من جانب الإدارة في النواحي الإدارية والفنية والمالية وغيرها، والإدارة تتدخل من تلقاء نفسها لتعديل قوائم الأسعار الخاصة بالمرفق العام إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك.
المطلب الثاني
حق التعاقد في ضمان التوازن المالي واقتضاء التعويض
تعتمد هذه النظرية على فكرة أن هناك قوة قاهرة، مثل الحروب أو الكوارث الطبيعية، تؤثر على العقد وتجعل تنفيذه مستحيلاً أو صعبًا للغاية. وبموجب هذه النظرية، يحق للمتعاقد المتضرر الحصول على تعويض لتعويض الخسائر التي تكبدها بسبب تلك القوة القاهرة.
أولاً: الآثار التي تترتب على نظريتي القوة القاهرة وفعل الأمير:
- آثار نظرية القوة القاهرة:
من آثار نظرية القوة القاهرة ينبع حق المتعاقد في الحصول على تعويض، خاصة إذا تم الاتفاق بين المتعاقد والإدارة على ذلك، وفي حالة الاتفاق على فسخ العقد، يتم تنفيذ الاتفاق وفقًا للنصوص التعاقدية المتعلقة بتعويض القوة القاهرة ([22])، وتعوض الإدارة للمتعاقد معها يكون عن التكاليف التي تكبدها دون الربح الفائت، لذا يُمكن للمتعاقد مع الإدارة الحصول على التعويض المناسب بسبب القوة القاهرة، إذا تم تضمين ذلك صراحة في العقد أو في دفتر الشروط في حالة ارتكاب الإدارة لخطأ في تقدير عناصر القوة القاهرة ونتج عن ذلك فسخ العقد، يكون على الإدارة تحمل المسؤولية عن الضرر والربح الفائت، وفي حالة تفاقم أضرار القوة القاهرة بسبب تلكؤ أو امتناع أو تقصير من الإدارة، تتحمل الإدارة المسؤولية ويجب عليها تقديم تعويض مناسب ([23]).
يمكن للمتعاقدين الاتفاق على أنه يمكن لكل منهما التحلي بالاستفادة من تأثير القوة القاهرة، يتم ذلك من خلال اتفاقهم على أن المتعاقد لن يُعفى من التزاماته، وعلى أنه سيتحمل تأثير السبب الأجنبي، ونتيجة لذلك لا ينقضي الالتزام حتى في حالة استحالة تنفيذه، بل يتحول إلى حالة تعويض، حيث يُعد المدين في هذه الحالة مسؤولاً عن توفير حماية للدائن من أي حادث يعود إلى تأثير القوة القاهرة([24]).
ب- آثار نظرية فعل الأمير:
في حال توفر شروط تطبيق نظرية فعل الأمير، يكون للمتعاقد المتضرر الحق في الحصول على تعويض يُعيد التوازن المالي إلى العقد، بمعنى أن يتم استعادة العقد إلى الحالة التي كان عليها قبل صدور قرار الإدارة المتعاقدة الذي أثر عليه، ويُمنح هذا التعويض بصورة مستقلة عن درجة الضرر الذي تكبده المتعاقد المتضرر، وتُعد هذه النتيجة الرئيسية لنظرية فعل الأمير، وتترتب عليها عدة نتائج وآثار فرعية.
ثانياً: حق المتعاقد في اقتضاء التعويض:
مما لا شك فيه أن العقد الإداري يولد التزامات عقدية على كل من طرفيه، سواء لجهة الادارة أو المتعاقد معها، وإذا كانت الادارة تستمد حقوقها وامتيازاتها من فكرة النفع العام والمحافظة على سير المرافق العامة بانتظام واضطراد تحقيقاً للمصلحة العامة، فإن المتعاقد يستمد حقوقه أساساً من العقد ذاته، وبالتالي يتعين على الادارة الوفاء بالتزاماتها التعاقدية تحت طائلة التزامها بالتعويض في حال اخلالها بهذه الالتزامات ([25]).
فمن حق المتعاقد أن يتقاضى من الجهة الإدارية المتعاقدة بعض المبالغ المالية كتعويضات عن الاضرار التي لحقت به من جراء عدم تنفيذ التزاماتها التعاقدية، وقد يكون أساس هذه التعويضات المسؤولية العقدية لجهة الادارة المتعاقدة وذلك عندما تخل بالتزاماتها التعاقدية وترتكب أخطاء ينجم عنهـا أضــراراً للمتعاقد، كما هو الحال عندما تقوم الادارة بفسخ العقد بصورة غير مشروعة، او عندما تقوم باتخاذ إجراء جزائي دون اعذاره في الحالات التي يشترط فيها ذلك ([26]).
كذلك يستطيع المتعاقد مطالبة الادارة بتعويضه عن الأعمال الإضافية التي ينجزهـا ولـم تكن واردة بالعقد إذا كانت هذه الأعمال ضرورية لتنفيذ العقد وبشرط أن تكون جهة الإدارة قد استفادت منها فعلاً، وتكون مطالبته في هذه الحالة استناداً إلى قاعدة الإثراء بلا سبب، وأخيراً يستحق المتعاقد التعويض إذا ما واجهته أثناء تنفيذ العقد صعوبات مادية استثنائية غير مألوفة وتجعل التنفيذ أكثر من الكلفة التي تم تقديرها من قبل طرفي العقد، وإن جميع هذه التعويضات يستحقها المتعاقد إما بالاتفاق مع الجهة الإدارية بشأنها، وإما بموجب حكم قضائي نتيجة دعوى يتقدم بها المتعاقد إلى المحكمة المختصة.
يشترط للتعويض عن الضرر اللاحق بالمتعاقد أن يكون نتيجة للخطأ الصادر عن الإدارة، كما أنه لا يجوز مبدئياً للمتعاقد مطالبة الادارة بالتعويض عن الأضرار اللاحقة به نتيجة خطئها بعد أن يكون قد تنازل عن المطالبة فإن من شروط استحقاق التعويض للمتعاقد عند خطأ الإدارة وجود الضرر نتيجة خطأ الإدارة وعدم التنازل عن المطالبة بالتعويض، حيث يشترط لإثارة مسؤولية الإدارة عن أعمالها التعاقدية بطريق الخطأ وجود ضرر معين يرتبط بعلاقة سببية بالخطأ الذي ترتكبه الادارة، ويفترض بهذا الضرر الذي يبرر التعويض أن يكون شخصياً ومباشراً وأكيداً بالنسبة للمتعاقدين معها، ويساهم في الحاق الغبن أو الخسارة المادية بالمتضرر لذلك لا بد من توفر الخطأ والضرر مع توفر الرابطة السببية بينهما.
أ-الخطأ: عرفت محكمة التمييز الفرنسي الخطأ التعاقدي بأنه إهمال ينتج عنه عدم قدرة المدين على تأدية مهمته التعاقدية، وهذا الإهمال يسبب أضراراً تقاس بحسب خطورتها على تنفيذ العقد، كما إن غرفة التجارة في محكمة التمييز الفرنسية حصرت الخطأ بالنقص في الالتزامات الأساسية في العقود مما جعله غير صالح للغاية التي أعد لها، أما بالنسبة للعقود الادارية فإن المسؤولية التعاقدية تتحقق عندما يكون هناك نقص في الالتزامات المتوجبة على الإدارة، فلا تستطيع الإدارة أن تشترط في العقد بعدم تحمل المسؤولية في حال الخطأ، والخطأ الاداري التعاقدي الجسيم لا يرتب فقط بحث المسؤولية التعاقدية بل يضعها مباشرة موضوع التنفيذ ([27]).
ب-الضرر: التعويض الجزائي الأصيل يعتبر نتيجة لاختراق الإدارة لالتزاماتها التعاقدية، ولا يمكن الحكم بمنح التعويض إلا في حالة وجود ضرر فعلي للمتعاقد يجب أن يكون الضرر محققاً، ومؤكدًا، ويرتبط مباشرة بالتصرف الخاطئ التعاقدي، والمتعاقد مع الإدارة الذي يتعرض للخسارة بسبب خرق التزامات الإدارة يحق له الحصول على تعويض يشمل الضرر المالي والربح المفترض الذي فاته، بالإضافة إلى تعويض عن الأضرار النفسية.
إن فلسفة التعويض في هذا الصدد ترتكز على أساس جبر الضرر اللاحق بالمتعاقد، لا على أساس إنزال العقوبة بالإدارة، وبالتالي فإن القاضي الاداري لا يقضي للمتعاقد بالتعويض إلا إذا أثبت هذا الاخير إصابته بأضرار نتيجة خطأ الإدارة، ويشترط في الضرر الموجب للتعويض شرطين، أولهما أن يكون مباشر ناتج عن إخلال الإدارة بالتزام تعاقدي، وثانيهما أن يكون الضرر المؤكد يستوي في ذلك أن يكون حالي أو مستقبلي.
ج-الرابطة السببية بين الخطأ والضرر: يجب أن تتوفر الرابطة السببية بين الخطأ التعاقدي والضرر للحكم بالتعويض في القانون المدني كما في القانون الاداري، والرابطة السببية تعني أن يكون الضرر الحاصل هو نتيجة مباشرة للخطأ الذي ارتكبه أحد المتعاقدين، ويقتضي لقيام المسؤولية الادارية توافر أركانها الثلاث، وهي الخطأ متمثلاً في امتناع الادارة عن الوفاء بالتزام تعاقدي أو تأخيرها في ذلك، الضرر الذي يلحق بالمتعاقد يجب أن يكون ناتجًا عن الخطأ الذي ارتكبته الإدارة، ويجب أن يكون هناك علاقة سببية تربط بين هذا الخطأ والضرر الناتج، حيث يظهر أن لولا وقوع هذا الخطأ لما تعرض المتعاقد للضرر .
الخاتمة
إن الإدارة سلطة استثنائية في إطار الهيكل التنظيمي للعقد الإداري، حيث تحتفظ بحق تعديل العقد أثناء تنفيذه وتعديل التزامات المتعاقد معها بطريقة غير معروفة عند إبرام العقد تستطيع الإدارة زيادة أو تقليل أعباء الطرف الآخر، ولكن هذه السلطات مقيدة بعدة ضوابط لضمان أن الإدارة لا تتجاوزها، على الرغم من أن العقد يعتبر شريعة للمتعاقدين وملزماً لأطرافه بناءً على الاتفاق على الشروط والأحكام، يجب أن تلتزم الإدارة بالقوانين والضوابط التي تحددها، وإلا ستتحمل المسؤولية التعاقدية تجاه الطرف الآخر، إلا أن الــقـانـون قد خص الإدارة بالعديد من الســلـطـات الاستثنائية الــتـي تضمن تنفــيذ الــعــقـود الــإداريـة وفقاً للمصلحة الــعـامـة، لكن مع عدم الانتقاص من حــقوق الــمــتعـاقــد مع الــإدارة، فجهة الــإدارة تتمتع بمركز قانوني يختلف عــن مركز الــمــتـعـاقـدـيـن فــي الــعـقـد المدني، فهي تتمتع بســلـطـات وامتيازات لا نظير لهـا فــي عــقـود الــقـانـون الخاص، وبالمقابل فإن الــعـقـد الــإداري يعطى حــقوقاً للمتعاقد مع جهة الــإدارة لا وجود لها فــي الــعــقـود الــمـدنـيـة، منها الحــق فــي الــتـوازن الــمـالـي لــلـعـقـد.
أولاً: الاستنتاجات:
- يحــق للمتعاقد مع الــإدارة طلب الــتـعـويـض عــن أخطاء الــإدارة، سواء أكانت فادحة أم يسيرة، إلّا أنّ عبء إثبات الضرر الذي لحــقه من خطأ الــإدارة يقع على عاتقه، فالــتـعـويـض عــن الضرر الذي لحــق بالــمــتعـاقــد لا يستحــق تلقائياً لمجرد إلغاء الــعـقـد بسبب إخلال الــإدارة، وإنما يتعين على الــمــتعـاقــد اللجوء إلى قاضي الــعـقـد، للمطالبة بالــتـعـويـض عــن الأضرار الــتـي لحــقت به.
- سلطة الإدارة في تعديل العقد الإداري بإرادتها المنفردة تعتبر من أهم السلطات التي تمتلكها جهة الإدارة، وتعتبر أيضاً من أخطرها تجاه المتعاقد، يعزى ذلك إلى أنها تمنح العقد الإداري مرونة تعتمد على طبيعته، حيث لا تقتصر دور الإدارة على الإشراف والتوجيه وتوقيع الجزاء في حال انتهاك المتعاقد للعقد، بل تتجاوز دورها لتشمل التغيير في الالتزامات المنصوص عليها في العقد، سواء بزيادتها أو تقليلها، وهذا يتعارض مع مبدأ العقد المطبق في عقود القانون الخاص.
- نستنتج أن للرقابة” التي تتمثل في الإشراف والتوجيه،” لها تأثيراً واضحاً على تنفيذ العقد الإداري، “وقد يؤدي ذلك في بعض الأحيان إلى انحراف في التوازن المالي للعقد،” ويتجلى هذا التأثير بوضوح في عقود الأشغال العامة،” حيث تُخول الإدارة بسلطات واسعة في الرقابة،” بما في ذلك اختيار المواد ووسائل التنفيذ والتوجيه بما يتعلق بطرق التنفيذ،” تُمنح الإدارة حقوق توجيهية في اختيار الطرق والوسائل التي تعتبرها مناسبة لتنفيذ المشروع،” وهذا يتم بشكل غير منصوص عليه في العقد الذي يحدد الإجراءات والوسائل التنفيذية التي يتعين على المتعاقد اتباعها” ينشأ من هنا إرهاق للمتعاقد،” مما يؤدي إلى انحراف في التوازن المالي للعقد الإداري،” وفي بعض الحالات قد يتطلب ذلك تعويض المتعاقد عن الإرهاق الناتج عن تلك الرقابة والتوجيه.”
ثانياً: المقترحات:
- نقترح على الإدارة المتعاقدة أن تراعي ألا تشكل الرقابة عبئاً على المتعاقد معها مع مراعاة الظروف المحيطة بالمتعاقد،” وأن تقتصر الإدارة المتعاقدة على سلطة الإدارة الرقابية على العقد في الاشراف والتوجيه دون المساس والتعديل في شروط العقد،” ويتوجب على الإدارة المتعاقدة الموازنة بين تحقيق الهدف من امتياز سلطة الرقابة والتوجيه والاشراف من جهة والمحافظة على حقوق ومصالح المتعاقد معها من جهة أخرى.”
- نوصي بإعطاء الــمــتعـاقــد مع الــإدارة قدراً من الحرية فــي قبول التـــعديــلات الــتـي تدخلها الــإدارة على الــعـقـد وتجنب ممارسة أي ضغوط من شأنها أن تؤثر على إرادته فتجعلها مشوبة بعيب من عيوب الإرادة مما يؤثر على صحة التعاقد.
قائمة المصادر والمراجع
أولاً: الكتب
- أحمد سلامة بدر. (2010). العقود الإدارية وعقد البوت. القاهرة، مصر: دار النهضة العربية.
Ahmed Salama Badr. (2010). Administrative Contracts and the BOT Contract. Cairo, Egypt: Dar Al-Nahda Al-Arabiya.
- بشار رشيد حسن المزوري. (2017). المسؤولية التعاقدية للإدارة في تنفيذ العقود الإدارية: دراسة مقارنة. القاهرة: المركز العربي للنشر والتوزيع.
Bashar Rashid Hassan Al-Mazouri. (2017). The Contractual Liability of the Administration in the Execution of Administrative Contracts: A Comparative Study. Cairo: Arab Center for Publishing and Distribution.
- حبش محمد حبش. (2011). الخصخصة وأثرها على حقوق العاملين بالقطاع العام (ط1). بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية.
Habash Mohammed Habash. (2011). Privatization and Its Impact on the Rights of Public Sector Employees (1st ed.). Beirut: Al-Halabi Legal Publications.
- رشا عبد الرزاق جاسم الشمري. (2016). المبادئ الحديثة للوظيفة العامة بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي. القاهرة: المركز القومي للإصدارات القانونية.
Rasha Abdul Razzaq Jasim Al-Shammari. (2016). Modern Principles of Public Office between Islamic Sharia and Positive Law. Cairo: National Center for Legal Publications.
- رياض عبد عيسى الزهيري. (2016). أسس القانون الإداري (ط1). بغداد: مكتبة السنهوري.
Riyadh Abdul Issa Al-Zuhairi. (2016). Foundations of Administrative Law (1st ed.). Baghdad: Al-Sanhouri Library.
- سامر حميد سفر. (2020). القانون الإداري: دراسة تحليلية في تنظيم الإدارة العامة ونشاطها (ط1). بيروت: منشورات زين الحقوقية.\
Samer Hamid Safar. (2020). Administrative Law: An Analytical Study of the Organization of Public Administration and Its Activity (1st ed.). Beirut: Zain Legal Publications.
- عبد الرحمن الشرقاوي. (2008). دور القضاء في تحقيق التوازن العقدي. دمشق: دار القلم.
Abdul Rahman Al-Sharqawi. (2008). The Role of the Judiciary in Achieving Contractual Balance. Damascus: Dar Al-Qalam.
- عثمان سلمان غيلان العبودي. (2015). الأحكام التفصيلية في شرح التعاقدات الحكومية: دراسة مقارنة. بغداد: مكتبة القانون والقضاء.
Othman Salman Ghailan Al-Aboudi. (2015). Detailed Provisions in the Explanation of Government Contracts: A Comparative Study. Baghdad: Law and Judiciary Library.
- عثمان سلمان غيلان العبودي. (2019). النظرية العامة للعقود الحكومية: دراسة مقارنة. القاهرة: المركز العربي للنشر والتوزيع.
Othman Salman Ghailan Al-Aboudi. (2019). The General Theory of Government Contracts: A Comparative Study. Cairo: Arab Center for Publishing and Distribution.
- عصام عبد الوهاب البنزرجي، وآخرون. (2015). مبادئ وأحكام القانون الإداري (ط1). بغداد: مكتبة السنهوري.
Issam Abdul Wahab Al-Banzarji, et al. (2015). Principles and Provisions of Administrative Law (1st ed.). Baghdad: Al-Sanhouri Library.
- فتوح محمد هنداوي. (2016). القاضي الإداري والتوازن المالي في العقود الإدارية: دراسة مقارنة. القاهرة، مصر: المركز القومي للإصدارات القانونية.
Fotouh Mohammed Hindawi. (2016). The Administrative Judge and Financial Equilibrium in Administrative Contracts: A Comparative Study. Cairo, Egypt: National Center for Legal Publications.
- محمد رفعت عبد الوهاب، وحسين محمد عثمان. (2001). مبادئ القانون الإداري. الإسكندرية: دار المطبوعات الجامعية.
Mohamed Rifaat Abdel Wahab, & Hussein Mohamed Othman. (2001). Principles of Administrative Law. Alexandria: University Publications House.
- محمد رفعت عبد الوهاب. (2002). القضاء الإداري، الكتاب الثاني. لبنان: منشورات الحلبي الحقوقية.
Mohamed Rifaat Abdel Wahab. (2002). Administrative Judiciary, Book Two. Lebanon: Al-Halabi Legal Publications.
- محمد فؤاد عبد الباسط. (2011). العقد الإداري. مصر: منشأة المعارف.
Mohamed Fouad Abdel Baset. (2011). The Administrative Contract. Egypt: Mansha’at Al-Ma‘arif.
- ميساء محمد شور، وآخرون. (2019). مبادئ القانون الإداري العام. بيروت، لبنان: منشورات زين الحقوقية.
Maysaa Mohammed Shour, et al. (2019). Principles of General Administrative Law. Beirut, Lebanon: Zain Legal Publications.
- نجيب خلف أحمد الجبوري. (2018). القانون الإداري. أربيل، العراق: مكتبة يادكار.
Najeeb Khalaf Ahmed Al-Jubouri. (2018). Administrative Law. Erbil, Iraq: Yadkar Library.
- نصري منصور نابلسي. (2012). العقود الإدارية: دراسة مقارنة. بيروت، لبنان: منشورات زين الحقوقية.
Nasri Mansour Nabulsi. (2012). Administrative Contracts: A Comparative Study. Beirut, Lebanon: Zain Legal Publications.
ثانياً: الدساتير والقوانين
أ- الدساتير
- الدستور العراقي النافذ لسنة 2005.
The Iraqi Constitution in Force of 2005.
ب- القوانين والتعليمات
- تعليمات تنفيذ العقود الحكومية رقم (1) لسنة 2008 المعدلة.
Instructions for the Implementation of Government Contracts No. (1) of 2008, as amended.
- تعليمات تنفيذ قانون الموازنة الاتحادية لجمهورية العراق لعام 2012.
Instructions for the Implementation of the Federal Budget Law of the Republic of Iraq for the year 2012.
- الشروط العامة لمقاولات أعمال الهندسة المدنية بقسميها الأول والثاني لسنة 1988.
General Conditions of Civil Engineering Works Contracts, Parts I and II, 1988.
- القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951.
Iraqi Civil Code No. (40) of 1951.
- قانون مجلس الدولة العراقي رقم (65) لسنة 1979 المعدل.
Iraqi State Council Law No. (65) of 1979, as amended.
ثالثاً: الأحكام القضائية
- حكم محكمة التمييز في قضية مكتب (Waves)، بالعدد (197/هيئة مدنية/2006)، بتاريخ 28/11/2006، منشور في مجلة التشريع والقضاء، العدد الثاني، نيسان–أيار–حزيران، 2009.
Judgment of the Court of Cassation in the case of Waves Office, No. (197/Civil هيئة/2006), dated 28/11/2006, published in Legislation and Judiciary Journal, Issue No. 2, April–May–June, 2009.
الهوامش:
-
() عثمان سلمان غيلان العبودي، الاحكام التفصيلية في شرح التعاقدات الحكومية دراسة مقارنة، مكتبة القانون والقضاء، بغداد، 2015، ص715. ↑
-
() محمد فؤاد عبد الباسط، العقد الإداري، منشأة المعارف، مصر، 2011، ص251. ↑
-
() رشا عبد الرزاق جاسم الشمري، المبادئ الحديثة للوظيفة العامة بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، المركز القومي للإصدارات القانونية، 2016، ص122. ↑
-
() ماهر أبو العينين، دعوى الإلغاء أمام القضاء الإداري، بدون رقم طبعة، دار الكتب القانونية، مصر،2000، ص152. ↑
-
() محمد رفعت عبد الوهاب وحسين محمد عثمان، مبادئ القانون الإداري، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية,2001، ص111. ↑
-
() تنص المادة (146 / 1) من القانون المدني العراقي، رقم 40 لسنة 1951 بأنه: ” إذا نفذ العقد كان لازماً ولا يجوز لأحد العاقدين الرجوع عنه ولا تعديله إلا بمقتضى نص في القانون أو بالتراضي”. ↑
-
() بشار رشيد حسن المزوري، المسؤولية التعاقدية للإدارة في تنفيذ العقود الإدارية دراسة مقارنة، المركز العربي للنشر والتوزيع، القاهرة، 2017، ص155. ↑
-
() عصام عبد الوهاب البنزرجي وآخرون، مبادئ وأحكام القانون الاداري، ط1، مكتبة السنهوري، بغداد، 2015، ص90. ↑
-
() محمد رفعت عبد الوهاب، القضاء الإداري، الكتاب الثاني، منشورات الحلبي الحقوقية، لبنان، 2002، ص30 ↑
-
() حبش محمد حبش، الخصخصة وأثرها على حقوق العاملين بالقطاع العام، ط1، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2011، ص23. ↑
-
() سامر حميد سفر، القانون الاداري دراسة تحليلية في تنظيم الادارة العامة ونشاطها، ط1، منشورات زين الحقوقية، بيروت، 2020، ص43. ↑
-
() رياض عبد عيسى الزهيري، أسس القانون الاداري، ط1، مكتبة السنهوري، بغداد، 2016، ص104. ↑
-
() وليد حيدر جابر، التفويض في إدارة واستثمار المرافق العامة دراسة مقارنة، ط1، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2009، ص76. ↑
-
() البند ثانياً من المادة الخامسة تعليمات تنفيذ العقود الحكومية رقم (1) لسنة (2008) المعدلة. ↑
-
() البند سادساً من المادة السادسة من تعليمات تنفيذ العقود الحكومية رقم (1) لسنة (2008) المعدلة. ↑
-
() البندين ثامناً وتاسعاً من المادة السابعة من تعليمات تنفيذ العقود الحكومية رقم (1) لسنة (2008) المعدلة. ↑
-
() البند أولاً من المادة الثالثة من تعليمات تنفيذ العقود الحكومية رقم (1) لسنة (2008) المعدلة. ↑
-
() المادة (62) من الشروط العامة لمقاولات أعمال الهندسة المدنية بقسميها الأول والثاني لعام (1988) والمادة (38) من الشروط العامة لمقاولات أعمال الهندسة الكهربائية والميكانيكية والكيماوية بقسميها الأول والثاني لعام (1988). ↑
-
() الفقرة الأولى من المادة (14) من صلاحيات الوزير المختص أو رئيس الجهة غير المرتبطة بوزارة أو المحافظ أو أمين بغداد الواردة في تعليمات تنفيذ قانون الموازنة الاتحادية لجمهورية العراق لعام 2012 على جواز منح المقاول السلفة النقدية الأولية التي تدفع عند توقيع العقد (عدا عقود التجهيز) على أن لا يزيد مبلغ السلفة النقدية عن (10%) عشرة من المائة من مبلغ الإحالة للمشاريع والأعمال التي تحال إلى القطاع الخاص. ↑
-
() حكمها في قضية مكتب (Waves) بالعدد (197 / هيئة مدنية / 2006) في (28 / 11 / 2006) منشور في مجلة التشريع والقضاء، العدد الثاني، نيسان، ايار، حزيران، 2009، ص165 وص166. ↑
-
() الفقرة الثالثة من المادة (15) من تعليمات تنفيذ العقود الحكومية رقم (1) لسنة (2008) المعدلة. ↑
-
() فتوح محمد هنداوي، القاضي الإداري والتوازن المالي في العقود الإدارية “دراسة مقارنة”، المركز القومي للإصدارات القانونية، القاهرة، مصر، 2016، ص525. ↑
-
() ميساء محمد شور وآخرون، مبادئ القانون الإداري العام، منشورات زين الحقوقية، بيروت، لبنان، 2019، ص170. ↑
-
() عزيزة الشريف، نظرية العقد الإداري، دار النهضة العربية، القاهرة، 2005، ص214. ↑
-
() نصري منصور نابلسي، العقود الإدارية “دراسة مقارنة”، منشورات زين الحقوقية، بيروت، لبنان، 2012، ص513. ↑
-
() نجيب خلف أحمد الجبوري، القانون الاداري، مكتبة يادكار، اربيل، العراق، 2018، ص 358. ↑
-
() أحمد طلال عبد الحميد، قاعد العقد شريعة المتعاقدين في مجال العقود الإدارية، دراسة قانونية مقارنة، مرجع سابق، ص54. ↑