القبض في البيوع الدولية بين الفقه الإسلامي والأعراف التجارية الدولية (دراسة تأصيلية تطبيقية)
Receipt (Delivery) in International Sales between Islamic Jurisprudence and International Commercial Customs (A Foundational and Applied Study)
د. يسري عوض عبد الله عبد القادر1
1 مدير الإدارة القانونية لمجموعة شركات الفوزان بالمملكة العربية السعودية
بريد الكتروني: yussri.awad@alfozan.com
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj71/41
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/71/41
المجلد (7) العدد (1). الصفحات: 638 - 661
تاريخ الاستقبال: 2025-12-10 | تاريخ القبول: 2025-12-17 | تاريخ النشر: 2026-01-01
المستخلص: يتناول هذا البحث دراسة تأصيلية تطبيقية لمفهوم القبض في البيوع الدولية في ضوء الفقه الإسلامي والأعراف التجارية الحديثة، ويبدأ بتحرير مفهوم القبض لفةً واصطلاحاً، واستنباط تعريف جامع يستوعب صوره الحقيقية والحكمية في المعاملات المعاصرة، مع بيان أركانه وشروطه، ولا سيما الأهلية والولاية في القبض والمقبوض، وأثر ذلك في نفاذ آثار القبض وانقال الضمان. ثم يعالج البحث مسألة القبض الحقيقي والحكمي كما تقرر في الفقه، وعلاقتها بالضمان وجواز التصرف، ، ويبرز دور العرف في تحديد وسائل القبض، ومن ذلك القبض بالمستندات والقيد المصرفي كما نصت عليه قرارات المجامع الفقهية ومعايير أيوفي، كما يتناول أثر البيئة المؤسسية في العقود الدولية، ويمتد إلى الشخصيات الاعتبارية وطرق تحقق الولاية فيها عبر التفويضات النظامية والوظيفية. وفي الجانب التطبيقي يقدم البحث تحليلاً فقهياً لصيغ التسليم في الإنكوترمز2020 ويبين أثر كل صيغة في تحديد زمان ومكان القبض وانتقال الخطر، مع تصنيفها بحسب قوة القبض المتحقق فيها، إضافة إلى دراسة القبض المستندي ودور سندات الشحن والاعتمادات المستندية في تحقيق القبض الحكمي للمبيع والثمن. ويخلص البحث إلى إمكانية التوفيق بين أحكام الفقه الإسلامي ومتطلبات التجارة الدولية متى حددت نقطة القبض بدقة، وروعي فيها الضوابط الشرعية، خاصة في السلع الربوية والمطعومات، مع ضرورة ضبط التفويض والولاية في الشركات والمؤسسات. كما يقدم البحث توصيات عملية للمستشارين والجهات التجارية والمصرفية لرفع كفاءة العقود الدولية وضمان توافقها مع الأحكام الشرعية.
الكلمات المفتاحية: القبض، البيوع الدولية، الإنكوترمز، الولاية، الضمان.
Abstract: This research presents a theoretical and applied study of the concept of Qabd (possession) in international sales considering Islamic jurisprudence and contemporary commercial customs. It begins by examining Qabd linguistically and technically and deriving a comprehensive definition that encompasses its actual and constructive forms in modern transactions, while outlining its pillars and conditions, particularly legal capacity and authority (wilayah/الولاية) in the act of giving and receiving possessions and clarifying their impact on the validity of Qabd and the transfer of risk. The study then explores actual and constructive Qabd as established in classical Fiqh, its connection to liability and permissibility of disposal, and the central role of custom in determining methods of possession, including documentary possession and bank entries, as recognized by Fiqh councils and AAOIFI standards. It further examines the institutional context of international contracts and extends the analysis to legal entities, explaining how wilayah is established through statutory and functional authorization. On the applied side, the research provides a Fiqh based analysis of Incoterms 2020 delivery terms, demonstrating how each term determines the time and place of Qabd and risk transfer, and classifying them according to the strength of possession achieved. It also analyzes documentary possession and the role of bills of lading, letters of credit, and bank transfers in achieving constructive possession of both goods and price. The research concludes that harmonizing Islamic rules of Qabd with international trade requirements is feasible when the point of possession is precisely defined and regulated in accordance with Sharah especially for Ribawi (ربوي)goods and food commodities and when authority and delegation within institutions are properly controlled. Practical recommendations are offered for Shariah advisers, commercial entities, and financial institutions to enhance the efficiency of international contracts and ensure their compliance with Islamic law.
Keywords: Qabd, international sales, Incoterms, authority, risk transfer.
المقدمة
الحمد لله العليم الحكيم، الذي شرع لعباده مناهج العدل، وجعل المعاملات المالية قائمة على تحقق المصالح ورفع الحرج، والصلاة والسلام على نبي الهدى محمد المبلغ عن ربه شرعه، والمبين لأحكام معاملاته، وعلى آله وصحبه أجمعين:
يعد فقه البيوع من أهم أبواب المعاملات التي يحتاجها المكلف، سيما التاجر، اتقاءً للربا والغرر وأكل أموال الناس بالباطل، ولذا كان السلف يشددون في شأن التاجر الجاهل لفقه المعاملات، فقد روي عن عمر بن الخطاب قوله: :(لا يبيع في سوقنا إلا من تفقه، وإلا أكل الربا شاء أم أبى [1](1) ، وعن علي قوله: ( من اتجر قبل أن يتفقه في الدين أرتطم في الربا ثم أرتطم ثم أرتطم[2](2) كما قرر أبن عابدين أن تعلم أحكام البيوع فرض على التاجر صوناً لأمواله من المحظور وكذلك أهل الحرف وكل من أشتغل بشيء يفترض عليه علمه وحكمة ليمتنع عن الحرام فيه [3](1) وجاء في حديث ابن عباس أن قال: ( أن الله تعالى إذا حرم على قوم أكل شيء ، حرم عليهم ثمنه)[4](2) فكل مثمن مقبوض ثمنها أو مقبوض عينها يجب على التاجر والمشتري، والمتعاقدون عليها معرفة حلها من حرمتها ليأمنوا على أنفسهم الحرام ، ويتقون فيها أكل الربا والوقوع بالمحظور.
ولما للقبض من أثر حاسم في بيان حل أو حرمة المعاملات بين البائع والمشتري، جاء هذا البحث بعنوان: القبض في البيوع الدولية بين الفقه الإسلامي والأعراف التجارية الدولية “دراسة تأصيلية تطبيقية” ليجمع بين تأصيل مفهوم القبض وصوره وضوابطه، وبين تحليل تطبيقاته في البيوع الدولية المعاصرة، وبيان مدى اعتبار تلك التطبيقات قبضاً حقيقياً أو حكمياً في ضوء مقاصد الشريعة وما استقر من أعراف تجارية دولية .
اولاً: مشكلة البحث
ومع تطور التجارة وانتقالها إلى نطاق دولي يتجاوز حدود الدولة الواحدة ، أصبح التعامل في السلع والخدمات يجري عبر وسائل نقل متعددة، وتحت مظلة أنظمة واتفاقيات دولية أبرزها اتفاقية فيينا للبيع الدولي للبضائع (CISG) [5](3)، ومصطلحات التجارة الدولية (Incoterms) [6](4)، التي تنظم تحديد مكان التسليم وانتقال الخطر بين المتعاقدين.
وفي هذا السياق، غدت مسألة القبض الشرعي أكثر تعقيداً، إذ يقابلها في القانون الدولي والعرف التجاري مفهومان محوريان أولهما التسليم (Delivery) وثانيهما انتقال الخطر(Passing of Risk)، وهما يرتبطان في الفقه الإسلامي بأحكام انتقال الضمان ، وجواز التصرف قبل القبض، وحكم بيع السلع الربوية ، والمطعومات قبل قبضها، كما ارتبطت المعاملات الدولية الحديثة بصورة القبض المستجد، كالتسليم للناقل، وتسليم المستندات، والقيد المصرفي، والاعتماد المستندي، مما يثير السؤال الفقهي: هل يعد هذا قبضاً شرعياً تترتب عليه آثاره؟ ومع اتساع الاعتماد على صور القبض المستجدة، كالقبض بالمستندات، والقيد المصرفي والتسليم للناقل تتولد أشكالي رئيسية:
- كيف يمكن ضبط مفهوم القبض الشرعي، وتحديد حقيقة القبض الحقيقي والحكمي، وتنزيله على صيغ التسليم الدولية والقبض المستندي والمصرفي في البيوع الدولية، بحيث تتحقق آثار القبض الشرعي في الضمان وجواز التصرف، دون الاخلال بما استقر عليه العرف التجاري الدولي؟
وتزداد المشكلة تعقيداً مع وجود أطراف مؤسسية وشخصيات اعتبارية متعددة، وتنوع صور التفويض والولاية في تنفيذ العقود الدولية وتسويتها
ثانياً: أسئلة للبحث:
يتفرع عن المشكلة الرئيسية الأسئلة الآتية:
- ما أثر الأهلية والولاية خاصة بالنسبة للشخصيات الاعتبارية في صحة القبض والإقباض، وكيف تحدد الولاية في الشركات والمؤسسات التجارية؟
- كيف يمكن تصنيف صيغ التسليم في الإنكوترمز 2020 بحسب قوة القبض المتحقق فيها، وما أثر ذلك في انتقال الضمان وجواز التصرف؟
- إلى أي مدى يمكن التوفيق بين مقتضيات القبض الشرعي ومتطلبات التجارة الدولية دون إخلال بمقاصد الشريعة أو الأعراف التجارية؟
ثالثاً: أسباب اختيار البحث:
تأتي أهمية اختيار هذا الموضوع استناداً إلى جملة من الدوافع العلمية والعملية، من ابرزها:
- الحاجة العملية الملحة لضبط مفهوم القبض في البيوع الدولية ، مع انتشار صيغ التسليم المعاصرة (Incoterms) ولجوء الشركات والمؤسسات المالية إلى الاعتمادات المستندية والتحويلات البنكية، وما يرافق ذلك من تساؤلات شرعية حول تحقق القبض.
- قصور الدراسات السابقة عن تناول القبض في السياق الدولي بصورة متكاملة تجمع بين التأصيل الفقهي والتحليل التطبيقي لصيغ الإنكوترمز والقبض المستندي
رابعاً: أهمية البحث:
- الأهمية العملية:
- بيان أحكام الشرعية للقبض في البيوع المحلية والدولية، وتمكين الممارسين من صياغة العقود بما يراعي القبض الشرعي، خاصة في صيغ التسليم الدولية ( EXW-FCA-CPT-CIP-DAP-DPU-DDP-FAS-FOB-CFR-CIF) [7](1)
- توعية التجار بخطورة مسائل القبض والتقابض، اتقاءً لبيع السلع قبل قبضها أو إبرام عقود صرف دون تقابض معتبر.
- الحد من المنازعات التجارية الناشئة عن الخلاف في تحديد زمن التسليم و القبض وانتقال الضمان.
- إبراز أهمية القبض في العقود التي لا تصح شرعاً إلا باكتمال القبض في المجلس، كعقود الصرف والتحويلات البنكية، وربطها بقرارات المجامع الفقهية.
- الأهمية العملية:
- تناول أحد أهم مسائل فقه المعاملات التي تتكرر في أبواب البيع والصرف و السلم والرهن و الضمان.
- الربط بين الفقه الإسلامي والأعراف الدولية بما يحقق تصوراً متكاملاً لدى الباحثين والمستشارين.
- تنزيل قرارات المجامع الفقهية، مثل قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم (55/4/6)، على التطبيقات العملية في البيوع الدولية.
- ضبط مفهوم القبض الحقيقي والحكمي بما يعين على تطوير نماذج عقود دولية متوافقة مع الشريعة.
خامساً: فرضيات البحث:
- أن غالبية التجار في البيوع الدولية يباشرون معاملاتهم دون إدراك كافٍ لأثر القبض الشرعي.
- أن الكثير من منازعات البيوع الدولية تعود إلى اختلاف فهم مسألة القبض والتسليم ونقل الخطر.
- وجود قصور في استيعاب الفروق بين مفهوم التسليم القانوني والقبض الشرعي.
سادساً: الدراسات السابقة:
لم أقف فيما أطلعت على دراسات تناولت القبض في السياق الدولي ، باستثناء بحث د. طلال سليمان الدوسري الموسوم بـ ” القبض في السلع الدولية – دراسة فقهية مقارنة (2021)، وقد اقتصر على دراسة أحاديث القبض، دون تناول تفصيلي لصيغ التسليم الدولية أو التطبيقات المستجدة التي يركز عليها هذا البحث.
سابعاً: منهج البحث:
اعتمد الباحث على:
- المنهج الاستقرائي: باستقراء نصوص الفقهاء، وقرارات المجامع، وممارسات التجارة الدولية (CICG-Incoterms-UCP600)
- المنهج التحليلي المقارن: بمقارنة مفهوم القبض الشرعي بمفهوم التسليم ونقل الخطر في الأعراف الدولية، وتحديد مواضع الاتفاق والافتراق.
ثامناً: حدود البحث:
تنحصر هذه الدراسة في حدود معينة، يمكن إجمالها فيما يأتي:
- حدود موضوعية: يقتصر البحث على القبض في عقد البيع الدولي للسلع (البضائع) في ضوء الفقه الإسلامي والأعراف التجارية الدولية، ولا يتناول البحث سائر عقود المعاوضات ، ولا تفاصيل أحكام الضمان والتعويض والفسخ الا بقدر ما يخدم موضوع القبض.
- حدود فقهية: يركز البحث على المذاهب الفقهية الأربعة ، وما صدر عن المجامع الفقهية والمعايير الشرعية ذات الصلة، مع الاقتصار على مناقشة الخلاف الفقهي في الحدود المؤثرة في التنزيل على البيوع الدولية، دون استقصاء لجميع الأقوال أو التفريعات الجزئية.
- حدود زمانية ومعيارية: يعتمد البحث على الأنظمة والأعراف المعمول بها حالياً في التجارة الدولية وقواعد الاعتمادات المستندية دون التوسع في تتبع التطور التاريخي لهذه الصيغ أو الإصدارات السابقة.
- حدود مكانية وتطبيقية: يركز البحث على البيوع التي تتم بين أطراف يقيمون في دول مختلفة وتخضع لأحكام التجارة الدولية، ولا يتناول بالتفصيل تطبيقات البيوع الداخلية.
- حدود منهجية: لا يستهدف البحث معالجة جميع إشكالات البيع الدولي، ولا بحث الجوانب الإجرائية والقضائية في العقود الدولية، وإنما يقتصر على تحرير مفهوم القبض وأحكامه وضوابطه، وتحليل صيغ التسليم الدولية من زاوية فقهية تطبيقية تتعلق بالقبض والضمان وجواز التصرف.
خطة البحث: لأجل الاحاطة بموضوع الدراسة سيتم تناوله وفق الهيكلة التالية:
- المطلب الأول: المفهوم العام للقبض في البيوع
- المطلب الثاني: أركان القبض في البيوع وفقًا للفقه الإسلامي والعرف التجاري الدولي
- المطلب الثالث: الشروط المعتبرة في القبض في الفقه الإسلامي وعرف التجارة الدولية
- المطلب الرابع : التحليل المقارن للقبض في صيغ التسليم الدولية في ضوء الفقه الإسلامي
- المطلب الخامس: الآثار الفقهية للمقارنة وضوابط تنزيل أحكام القبض على البيوع الدولية
المطلب الأول
المفهوم العام للقبض في البيوع
الفرع الأول: التعريف اللغوي للقبض:
يدور معنى القبض في اللغة على: الأخذ، والضم، والإمساك، والحبس، والحيازة بإدخال الشيء في ملك صاحبه قال ابن منظر: ” القبض خلاف البسط، وقبضه يقبضه قبضاً وقبضه، وانقبض الشيء صار مقبوضاً” ومن معانيه: الأخذ باليد، وإدخال الشيء في حيازة الإنسان وملكه. ومن أسماء الله تعالى القابض الذي يقبض الأرزاق والأنفس بحكمته[8](1)
وجاء في مختار الصحاح: قبض الشيء ” أخذه، والقبض ضد البسط ويقال صار الشيء في قبضك أي في حيازتك وملك”[9](2) ومن الاستعمال القرآني قوله تعالى: تعالى أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ۚ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ صورة الملك الآية(19).
فالقبض لغة يدل على: الأخذ، والحيازة، والضم، وحبس الشيء عن غير القبض.
الفرع الثاني: التعريف الاصطلاحي للقبض:
لم يفرد كثير من المتقدمين للقبض تعريفاً اصطلاحياً مستقلاً، أذ تناولوه في سياق تطبيقات البيوع والرهن والصرف وغيرها، غير أن استقراء كلام الفقهاء يظهر أن القبض يدور على ” التمكين، والتخلية ورفع الموانع بما يترتب عليه أثر في الضمان والتصرف. ولقد عرفت أيوفي القبض في المعيار الثامن عشر بأنه” حيازة الشيء وما في حكمها بمقتضى العرف.
اولاً: تعريفات المذاهب الفقهية:
- المذهب الحنفي: يعرفون القبض بأنه ” التمكين والتخلي وارتفاع الموانع عرفاً وعادة حقيقة”[10](3) أي أن يرفع البائع يده عن المبيع، ويخلي بينه وبين المشتري، مع تمكينه من الانتفاع والتصرف بلا حائل.
- المذهب المالكي: القبض لديهم هو:” حيازة الشيء حقيقةً أو حكماً” وعرفه ابن عرفة بأنه ” حيازة الشيء والتمكن منه، سواء أكان مما يتناول باليد أم لم يكن تناوله باليد”[11](4)
- المذهب الشافعي: رجحوا أن القبض “يرجع فيه إلى العرف” فما كان منقولاً فقبضه بنقله إلى حيازة المشتري، وما كان عقاراً فقبضه بالتخلية، وما يتناول باليد فقبضه بالتناول، ويقول النووي” الرجوع في القبض إلى العرف، فما لا ينقل فقبضه بالتخلية، وما ينقل فقبضه بنقله إلى مكان لا اختصاص للبائع به”[12](5)
- المذهب الحنبلي: جاء في المغني لابن قدامة أن ” قبض كل شيء بحبسه، فالمكيل والموزون بما جرت به عادته من كيل أو وزن، والعقار بالتخلية ، والمنقول بنقله”[13](1)
ويلاحظ أن هذه التعاريف، مع اختلافها اليسير تلتقي في عناصر ثلاثة هي:(التخلية والتمكين، رفع الموانع، قدرة المشتري على التصرف كمالك”
تعريف الباحث للقبض ( تعريف جامع):
يمكن صياغة تعريف يستوعب التطبيقات المعاصرة فيقال: القبض في البيوع هو ” تخلية المبيع وتمكين المشتري منه بما يقتضيه العرف، حقيقيةً أو حكماً ، بحيث يصير تحت حيازته أو تصرفه من غير حائل.
تعريفنا هذا يشمل:
أولاً: القبض الحقيقي: هو القبض الحسي المباشر، كتناول المبيع باليد، أو نقله إلى حيازة المشتري فعلياً، أو كيله أو وزنه وتسليمه أو فتح المخزن وتسليم مفاتيحه وتمكين المشتري من الدخول والتصرف، وهو الغالب في المنقولات المعاصرة مثل البضائع التجارية، المواد الغذائية، المركبات وغير ذلك، سواء في البيوع المحلية أو عند وصول البضاعة إلى مخازن المشتري أو الميناء الذي تحت يده.
ثانياً: القبض الحكمي: وهو قبض تقديري تنزل فيه بعض الأسباب منزلة القبض الحسي، لقيام العرف والحاجة، مع تحقق التمكين وارتقاع المانع ومن صوره:
- التخلية في العقار والمنقول: بأن يرفع البائع يده عن المبيع ويخلي بينه وبين المشتري ، بحيث يقدر على وضع يده عليه متى شاء، دون حائل[14](2). وهو الأصل في قبض العقار، وأعتبره بعض الفقهاء كافياً في المنقولات أيضاً.
- أتحاد اليد(القبض السابق): وهو ما كان المبيع في يد المشتري قبل العقد على جهة لا تملك بها العين(العارية أو الوديعة)، فيشتريه وهو في يده، فأعتبر كثير من الفقهاء هذا القبض السابق كافياً في الجملة، مع الاحتياط في بعض الصور عند الحنفية
- القبض بالمستندات والقيد المصرفي: وهو من أهم صور القبض المعاصرة، وخاصة في البيوع الدولية، وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي في قراره رقم (53/4/6)[15](3) أن من صور القبض الحكمي المعتبر شرعاً وعرفاً:
- القيد المصرفي لمبلغ من المال في حساب العميل في حالات منها:
- الإيداع المباشر في حساب العميل.
- الحوالة المصرفية
- تنفيذ عقد صرف ناجز
- التحويل بين حسابين للعميل بالعملة نفسها، أو بعملة أخرى مع مراعاة ضوابطها الشرعية.
- استلام الشيك المصدق المستوفي لشروطه إذا كان له رصيد قائم.
وهذه الصور تعد أساساً لتكييف مدفوعات التجارة الدولية (الاعتمادات المستندية، التحويلات البنكية، والشيكات المصدقة) بوصفها قبضاً حكمياً للتمن[16](1)، كما تُبنى عليها أحكام القبض المستندي للبضائع في البيوع الدولية. وجاء في المعيار رقم (18) لأيوفي الفقرة (3/5) ” يعتبر قبضة المستندات الصادرة باسم القابض أو المظهرة لصالحه قبضاً حكمياً لما تمثله إذا كان يحصل بها التعيين للسلع والبضائع والمعدات وتمكين القابض من التصرف بها، مثل بوليصة الشحن وشهادات المخازن العمومية.
الفرع الثالث: العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي:
العلاقة بين القبض في اللغة والقبض في الاصطلاح علاقة عموم وخصوص مطلق، فكل قبض شرعي قبض لغوي، وليس كل قبض لغوي قبضاً شرعياً معتبراً في العقود. فالقبض اللغوي قد يكون مجرد أخذ أو حبس، أما القبض الاصطلاحي فمشروط بأن:
- يكون واقعاً على مال متقوم.
- وفي سياق تصرف معتبر شرعاً(كالبيع والصرف والرهن و نحوها).
- ويترتب عليه أثر في الضمان أو الحكم الشرعي للعقد.
الفرع الرابع: الاتفاق والاختلاف في مفهوم القبض:
يمكن تلخيص محل الاتفاق والخلاف بين الفقهاء فيما يلي:
اولاً: الاتفاق: اتفق الفقهاء على أن قبض العقار يكون بالتخلية والتمكين، مع خلاف يسير في بعض التفاصيل كاشتراط تفريغه من متاع البائع إذا كان يعطل الانتفاع
ثانياً: الخلاف في قبض المنقولات: بعض الفقهاء، وخاصة المالكية والحنفية، لا يفرقون في الجملة بين العقار والمنقول، فيعدون التخلية مع التمكين قبضاً كافياً. بينما فرق الشافعية والحنابلة بين ما ينقل وما لا ينقل، فالمنقول لديهم يقبض بنقله، والمكيل والموزون يقبضان بما جرت به العادة كيل أو وزن، والعقار بالتخلية[17](2).
ثالثاً: مرجعية العرف: قرر كثير من الفقهاء أن القبض من الأمور التي رد فيها الحكم إلى العرف، لقوله في النهي عن بيع الطعام قبل قبضه، دون بيان صورة معينة للقبض، فيحمل على ما تعارفه الناس في كل زمان، ما لم يخالف نصاً شرعياً.
والخلاصة أن القبض يكون بتسليم المبيع إلى المشتري حقيقة أو حكماً، بحيث يتمكن من التصرف فيه تصرف المالك، من غير حائل، مع مراعاة العرف وطبيعة المبيع، والمعيار الأصيل في ذلك هو التمكين الكامل وارتفاع المانع أما كيفية القبض وما يحصل به القبض فتختلف باختلاف نوع المبيع والعرف، فالعقار قبضه بالتخلية والتمكين، والمكيل قبضه بالكيل، والموزون قبضه بالوزن، والمنقول قبضه بالنقل أو التخلية بحسب العرف، أما المستندات والقيد المصرفي تنزل منزلة القبض الحقيقي حيث تحقق التمكين، وهو ما أقرته المجامع الفقهية في صور القبض الحكمي، خصوصاً في المعاملات المصرفية والبيوع الدولية.
المطلب الثاني
أركان القبض في البيوع وفقاً للفقه الإسلامي والعرف التجاري الدولي
نظراً لما يترتب على القبض من آثار شرعية جوهرية، من أبرزها انتقال الضمان، وجواز التصرف في المعقود عليه، وتمام بعض العقود التي يتوقف انعقادها أو لزومها على القبض، كعقد الصرف والسلم، فقد أولى الفقه الإسلامي عناية خاصة ببيان حقيقة وضبط مفهومه وآثاره، وبالمقابل اهتمت المنظمات الدولية المعنية بالتجارة الدولية بتحديد ما استقر عليه العرف التجاري الدولي بشأن لحظة التسليم وانتقال مخاطر الهلاك أو التلف بين البائع والمشتري[18](1)، فنظمت ذلك من خلال قواعد ونشرات دولية معتمدة ومنشورة. وباستقراء ما عليه الفقه الإسلامي والقواعد والأعراف الدولية يمكن حصر أركان القبض في ثلاث أركان رئيسية هي: ( القابض، المقبض، المقبوض):
اولاً: القابض:
هو الطرف الذي تنتقل إليه حيازة المبيع حقيقة أو حكماً، ويلحق به من ينوب عنه نيابة معتبرة، كالوكيل والممثل القانوني، وهو الذي يستلم الشيء المقبوض من المقبض[19](2).
- القابض في الفقه الإسلامي: يكون غالباً هو المشتري في عقد البيع، أو من يقوم مقامه كالوكيل والولي والناظر.
- القابض في البيوع الدولية والعرف التجاري: البيع الدولي هو عقد يتسع مدلول القابض ليشمل:
- المشتري نفسه عند حضوره لاستلام البضاعة في الميناء أو المستودع أو المكان المتفق عليها تعاقدياً.
- وكيل المشتري أو ممثله القانوني، كوكيل التخليص الجمركي وشركات الخدمات اللوجستية التي تستلم البضاعة لحسابه.
- الناقل الدولي الذي تُسلم إليه البضاعة لحساب المشتري بحسب صيغة التسليم معروفة عرفا مثل صيغة التسليم FOB, CIP وغيرها من الصيغ والتي تعبر يده في حكم يد المشتري عرفاً ونظاماً.
- المصرف أو الجهة المالية في بعض الصيغ، عند تسلمها الثمن أو المستندات نيابة عن أحد الطرفين في الاعتمادات المستندية أو التحويلات، وفي بيئة الاعتمادات يكون القبض في الغالب حكمياً متحققاً عبر تسليم المستندات الممثلة للبضاعة أو عبر القيد المصرفي، بشرط صدورهما لمن له ولاية الاستلام والتسليم عن الشخص الاعتباري. ويتحقق ذلك في صورتين:
- قبض الثمن (بالقيد المصرفي): يتحقق إذا قيد مبلغ الاعتماد في حساب الشركة المستفيدة قيداً نهائياً قابلاً للتصرف، وكان القيد نتيجة تقديم مستندات مطابقة بواسطة ممثل ذي ولاية أو من خلال ترتيبات الشركة المصرفية.
- قبض المستندات / التمكين : قد يلزم المستفيد تسليم مستندات أصلية (كالشحن) للبنك/المشتري فهنا يتعين أن يصدر تسليمها وهو اقباض للمستندات من مفوض بالاستلام /التسليم بالشركة المستفيدة
ثانياً: المُقبض:
هو الطرف الذي يسلم المبيع تمكيناً للقابض، أي هو الذي يسلم المقبوض إلى القابض[20](1)، بحيث تترتب على فعله آثار انتقال الحيازة والضمان، ويشترط فيه أن تكون له ولاية صحيحة على المال، ملكاً أو وكالة أو ولاية شرعية.
- المُقبض في الفقه الإسلامي غالباً هو البائع أو من ينوب عنه كالوكيل والولي والوصي ونحوهم.
- المُقبض في البيوع الدولية والعرف التجاري قد يكون:
- البائع أو الشركة المصدرة التي تلتزم بتجهيز البضاعة وتسليمها وفق صيغ التسليم المتفق عليها.
- وكيل البائع أو شركته اللوجستية التي تتولى نقل البضاعة إلى الناقل أو إلى مكان التسليم، أو المخازن والمستودعات الخاصة بالمصدر او المتعاقد معها.
- الجهات المالية التي تقم بدفع الثمن أو قيده في حساب البائع نيابة عن المشتري ، فيعد قبضها أو إقباضها قبضاً معتبراً متى كانت مفوضة بذلك إذ أنه في كثير من التطبيقات في التجارة الدولية يكون ما يهم الآمر “المشتري” هو قبض مستندات الشحن التي تمكنه من تسلم البضاعة، وعليه فإن قبض المستندات يعتبر قبض حكمي للبضاع، ويجب أن يتم إما بواسطة الممثل النظامي للآمر أو بواسطة المخلص الجمركي المفوض تفويضاً معتبرا.
ثالثا: المقبوض ( محل القبض):
المقبوض هو محل العقد الذي يقع عليه القبض، وهو الشيء الذي يسلمه المقبض للقابض[21](2)، ويختلف بحسب نوع المعاملة، وقد يكون:
- أعياناً: كالبضائع والسلع المنقولة، والعقارات، والمعدات، والمواد الخام، وهي الغالب في العقود الدولية للبضائع.
- حقوقاً مالياً وديوناً: كالديون الثابتة في الذمة التي يقبض بدلها بالقيد المصرفي أو الحوالة أو المقاصة، وهي من صور القبض الحكمي المعاصر التي أقرتها المجامع الفقهية.
- منافع وحقوقاً معنوية: كما في عقود الاجارة الدولية أو عقود النقل والتخزين، حيث يكون القبض فيها بتمكين المستأجر أو المنتفع من استيفاء المنفعة.
وبناء على ذلك، لا يتحقق القبض الشرعي المعتبر إلا باجتماع الأركان الثلاثة:
- قابض أهل للحيازة أو من ينوب عنه.
- مُقبض ذي ولاية.
- مقبوض معين قابل للتسليم والتصرف، ويشترط في الفقه الإسلامي أن يكون المقبوض غير محرم امتلاكه.
وإذا اختل أحد هذه الأركان اختل أثر القبض في انتقال الضمان وجواز التصرف وإن صح العقد من حيث الصيغة والرضا.
المطلب الثالث
الشروط المعتبرة في القبض في الفقه الإسلامي وعرف التجارة الدولية
كما أن للعقود شروط صحة ونفاذ، فكذلك القبض له شروط تتعلق بالأطراف (القابض والمُقبض) وبمحل القبض، يترتب على تخلفها عدم ترتب آثاره من انتقال الضمان وجواز التصرف وتمام بعض العقود. ويمكن جمع هذه الشروط في فرعين:
الفرع الأول: شروط الصحة في القابض والمُقبض في الفقه الإسلامي:
الشرط الأول: الأهلية:
اولاً: شرط الأهلية في الفقه الإسلامي:
اتفق الفقهاء على اشتراط أصل الأهلية في كل من القابض والمُقبض، واختلفوا في اشتراط كمالها:
- المذهب الحنفي: يشترطون العقل، فلا يصح القبض من مجنون أو غير مميز، ويصح قبض الصبي المميز في بعض التصرفات موقوفاً على إجازة ولية إذا دار بين النفع والضرر[22](1).
- المذهب المالكي: أجاز بعضهم اعتبار القبض الحسي من الصغير أو المجنون مع الحاق الأثر بأهلية الوالي إذا كان في ذلك مصلحة للمحجور، ولم يتضمن ضرراً عليه[23](2).
- المذهب الشافعي والمذهب الحنبلي: يشترطون أن يكون القابض والمُقبض أهلاً للتصرف المالي، أي بالغاً عاقلاً رشيداً غير محجور عليه لسفه أو أقلاس.[24](3)
ثانياً: شرط الأهلية في القابض والمُقبض في الأعراف الدولية:
يتأكد اشتراط الأهلية في القابض والمُقبض في عقود البيع الدولية التي يكون أطرافها في الغالب شخصيات اعتبارية، كشركات والمؤسسات التجارية والبنوك، ونرى أن هذا الشرط يتحقق على مستويين:
المستوى الأول: أهلية الشخص الاعتباري نفسه: وذلك بقيامه قياماً نظامياً صحيحاً، وثبوت ذمته المالية المستقلة، وأن يكون غرضه ونشاطه يسمحان بإبرام عقد البيع محل القبض، والا يكون خاضعاً للتصفية أو منع نظامي يمنعه من التصرف في أصول، وهذا في حقيقته تنزيل فقهي لمفهوم الأهلية والذمة على الشخصيات الاعتبارية المعاصرة.
المستوى الثاني: أهلية من يمثله في القبض والإقباض: إذ لا تباشر الشخصيات الاعتبارية التصرفات بنفسها، وإنما من خلال ممثلين ووكلاء، كأعضاء مجلس الإدارة والمديرين والموقعين المفوضين، وشركات الخدمات اللوجستية ، والبنوك، فيشترط في هؤلاء أن يكونوا من أهل التصرف المالي، وأن تثبت لهم ولاية صحيحة على المال أما بحسب النظام الأساسي للشخصية الاعتبارية أو عقد تأسيسها أو بوكالة أو تفويض نظامي أو بقرار إداري ممن له الصلاحية، بحيث يعد قبضهم وإقباضهم قبضاً وإقباضاً للجهة التي يمثلونها.
وبناء على ذلك، فإن القبض الواقع من شركة الشحن أو وكيل التخليص الجمركي أو المصرف في الاعتماد المستندي يعتبر قبضاً للشركة البائعة أو المشترية متى ثبت التفويض، وتوفرت الأهلية في الشخص الاعتباري وممثله، أما إذا تخلف شرط الأهلية أو صفة التمثيل، فإن أثر القبض الشرعي يظل غير كامل، فلا ينتقل الضمان، ولا يترتب جواز التصرف الكامل في المبيع أو الثمن، ولا سيما في السلع الربوية والمطعومات التي يحتاط فيها لمسألة القبض قبل البيع، ونظراً إلى حساسية البيوع الدولية وضخامة قيمتها، فإن الأولى اشتراط الأهلية التامة فيمن يباشر القبض أو الإقباض ابتداءً، مع جواز إسناد ذلك إلى وكلاء وممثلين قانونيين مفوضين تفويضاً سليماً، كالشركات الناقلة ووكلاء التخليص والمصارف، بحيث تصدر تصرفات القبض عن جهة معتبرة شرعاً ونظاماً.
الشرط الثاني: صدور القبض والإقباض ممن له ولاية:
اولاً: أثر الولاية في نفاذ القبض الشرعي:
القبض في المعاملات المالية أثر مقصود لذاته، إذ تترتب عليه أحكام انتقال الضمان، وجواز التصرف، وصحة بعض العقود التي يتشدد فيها الشرع في تحقق القبض، كالصرف والسلم. ولما كان القبض تصرفاً مالياً، فلا يعتد به شرعاً إلا إذا صدر ممن له ولاية معتبرة على المال أصالة أو نيابة لأن التصرفات لا تنفذ إلا من مالك أو من يقوم مقامه بإذن صحيح[25](1)
وعليه، فقبض الأجنبي الذي لا يملك ولاية ولا إذناً، إنما يعد مجرد حيازة مادية مجردة، لا تنقل بها آثار القبض الشرعية إلى ذمة العاقد أو من يقوم مقامه، ولا تترتب عليها لوازم العقد من ضمان أو جواز تصرف[26](2).
ثانياً: نطاق الولاية المعتبرة في القبض:
من خلال الأمثلة والشروحات الواردة في المصادر الفقهية المعتمدة، يتبين أن الولاية المعتبرة في تحقيق القبض الشرعي تتجلى في ثلاث مسارات رئيسية هي:
- الولاية بالأصالة: كتصرف المالك في ماله قبضاً وإقباضاً، ولا خلاف بين الفقهاء أن ولاية هذا القبض تكون لمن ثبت له أهليه القبض[27](3)
- الولاية بالنيابة الخاصة (الوكالة) فيصح قبض الوكيل لموكله، وتضاف آثار القبض إلى ذمة الموكل، لأن يد الموكل يعد يد الوكيل حكماً[28](4).
- الولاية الشرعية (القهرية/القضائية): كولاية الأب، الوصي، والقيم، والناظر، يتولون القبض بما يحقق مصلحة من تحت ولايتهم وفي حدودها[29](5).
ويمكننا أن نلحق بذلك في المعاملات المعاصرة الولاية الإدارية والتنظيمية الناشئة عن الهياكل المؤسسية للشركات والجهات الاعتبارية ، متى استندت إلى تفويض صحيح وعرف مستقر في بيئة العمل.
ثالثاً: تطبيق شرط الولاية على الشخصيات الاعتبارية:
- الاعتبار الفقهي للشخصية الاعتبارية: استقر الفقه المعاصر على إقرار الشخصيات الاعتبارية في باب المعاملات، تبعاً لاعتراف الأنظمة الحديثة بالشخصية الاعتبارية باكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات، واعتبار ذمتها ذمة مالية مستقلة تملك وتطالب، وينسب أليها التصرفات عن طريق ممثليها. وتعد أفعال الممثلين عنها افعالاً للشخص الاعتباري ما دامت ضمن حدود صلاحياتهم النظامية أو التعاقدية، وبذلك تتحقق ولاية القبض والإقباض للشركة أو المؤسسة بواسطة من يمثلها تمثيلاً صحيحاً.
- تحديد صاحب الولاية في الشخص الاعتباري: تثبت ولاية القبض والإقباض للشخص الاعتباري عبر ممثليه النظاميين أو المفوضين ومن ابرزهم:
- مجلس الإدارة أو رئيسه، في حدود ما يقرره النظام الأساسي او عقد التأسيس وقرارات المجلس بالتفويض
- المدير العام التنفيذي أو العضو المنتدب بحسب الصلاحيات الممنوحة لهم
- المفوضون بالتوقيع أو الاستلام بموجب قرارات أو وكالات أو تفويضات مكتوبة.
- الموظفون المختصون بالاستلام (قسم المشتريات، إدارة سلسلة الإمداد، المستودعات)، متى جرى العرف المؤسسي والتجاري على اعتبار استلامهم قبضاً للشركة، لا لأنفسهم. فالقبض الصادر عن هؤلاء يعد قبضاً صحيحاً مضافاً إلى الشخص الاعتباري، متى ثبتت صفتهم ووقع القبض لحساب الجهة لا لحسابهم الشخصي.
- معيار تحقق الولاية في العقود الدولية والاعتماد المستندي: في العقود الدولية سيما الاعتمادات المستندية يضبط شرط الولاية عبر ركيزتين هما:
- ولاية نظامية ظاهرة: كالنص على الصفة في السجل الجاري ، أو قرارات التفويض بالتوقيع والاستلام أو الوكالات الرسمية.
- ولاية وظيفية مؤسسية: وهي الصلاحيات المفهومة من التنظيم الداخلي والعرف التجاري داخل الشركة ( مثل مدير الاستيراد، أو مسؤول الاعتمادات، أو مسؤول اللوجستيات المخول بتسلم المستندات أو أوامر التسليم).
ومع تعدد الأطراف (بنك مصدر، بنك مبلغ/مؤكد ، وكيل شحن، مخلص جمركي….) تتأكد العناية بتحرير التفويضات مكتوبة، دفعاً لمنازعات القبض غير المأذون أو تسليم المستندات لغير المفوض.
- أثر تجاوز الولاية أو انعدامها:
إذا باشر موظف أو ممثل القبض دون ولاية، أو خارج نطاق التفويض، فالأصل أن قبضه لا يعتد بها شرعاً في ترتيب آثار القبض، ما لم يجزها صاحب الولاية لاحقاً، والاجازة في باب التصرفات المالية تقوم مقام الإذن السابق في الجملة، فتلحق آثار القبض بوقت الاجازة.
وفي البيئات المؤسسية قد تقوم قرائن العرف التجاري والاعتماد الظاهر على ثبوت الإذن أو التفويض، فيعامل المتصرف معاملة ذي الولاية في حدود ما يتسامح فيه العرف، مع بقاء الأصل أن الأحكام الشرعية المترتبة على القبض لا تثبت إلا بثبوت ولاية معتبرة أو إجازة لاحقة من صاحبها.
- صور القبض للشخص الاعتباري في التجارة الدولية:
يتسع نطاق القبض للحساب المؤسسي في المعاملات الدولية ومن أبرز صوره:
- القبض الفعلي للبضائع: بتسلم الشحنات في الموانئ والمطارات والمستودعات بواسطة موظفي الاستلام، أو عبر شركات الخدمات اللوجستية التي تعمل وكيلاً بالاستلام لحساب الشركة.
- القيد المصرفي في حساب الشركة: وهو من أوضح صور القبض الحكمي للثمن، متى كان القيد نهائياً، غير قابل للإلغاء من طرف واحد، وقابلاً للتصرف، ويتم بناءً على أوامر أو ترتيبات مصرفية صادرة من ذي ولاية.
- تسلم المستندات الممثلة للبضاعة (مثل سندات الشحن البحرية أو الجوية): إذا كانت هذه المستندات عرفاً وقانوناً أداة للسيطرة على البضاعة، فإن قبضها بواسطة البنك أو وكيل الشركة يُعد قبضاً حكمياً للمبيع، خاصة في إطار الاعتمادات المستندية وقواعد UCP.
- إيداع البضائع في مخازن الشركة أو مخازن تُدار لحسابها: وهو قبض حقيقي تام، ما دام الإيداع باسم الشخص الاعتباري وبإذن من ذي ولاية فيه.
رابعاً: آثار القبض في البيوع:
يعد القبض من المقاصد الجوهرية في غالب العقود، لا سيما في عقود البيع إذ إن القبض يمثل الغاية الأساسية والمقصود وتترتب عليه آثار فقهية معتبرة يمكن إجمالها أثرين رئيسيين هما:
- انتقال الضمان بعد القبض: وهو تحمل القابض مسئولية ما يلحق بالعين المقبوضة من تلف أو عيب، بصرف النظر عن سبب حصول الضرر متى ما قبض المقبض (محل القبض) قبضاً صحيحاً وفي حال عدم قبضه لسبب يرجع للمقبض (البائع) يظل المقبض ضامناً لمحل القبض وبقي في ذمته دون انتقاله للمشتري[30](1)
- صحة التصرف في المبيع: من آثار القبض الأساسية أنه يُمكن القابض من حرية التصرف في العين المباعة بجميع أنواع التصرفات المشروعة، اذ ان اغلب البيوع يمنع فيها التصرف قبل القبض[31](2)، ومنعاً للحرج والوقوع في الحرام ذهب المحققون من العلماء كابن تيمية وابن القيم المنع من التصرف في جميع المبيعات قبل القبض وهذا ما اقرته المجامع الفقهية المعاصرة.
وهكذا ومن خلال ما تم تناوله يتبين أن اشتراط صدور القبض والإقباض ممن له ولاية معتبرة شرط جوهري في ترتيب آثارهما الشرعية، لأن القبض ليس مجرد حيازة مادية، بل هو نقطة انتقال الضمات وجواز التصرف، وخاصة في العقود الدولية ذات القيم الكبيرة والتعقيد المؤسسي، ويطبق هذا الشرط في الشخصيات الاعتبارية عبر ممثليها المفوضين تنظيمياً أو عرفاً، كما يتسع مجال القبض فيها للصور الحكمية المعاصرة، كالقيد المصرفي وتسلم المستندات الممثلة للبضاعة، شريطة تحقق الولاية أو الإجازة، وكون القبض واقعاً لحساب الشخص الاعتباري لا لحساب الأفراد.
الشرط الثالث: الإذن في القبض:
اختلف الفقهاء في اشتراط الإذن في القبض على قولين:
- الجمهور (الحنفية والمالكية والشافعية): يشترطون الإذن في القبض في عقود المعاوضات إذا كان للبائع حق حبس المبيع لضمان الثمن، فإن استقل المشتري بالقبض دون إذن، كان متعدياً فلا ينفذ قبضه [32](2).
- الحنابلة:[33](3) لا يشترطون الإذن لصحة القبض في الجملة، ويرون أن التسليم من مقتضيات العقد، فإذا انعقد صحيحاً لزم البائع إقباض المبيع، ولا يثبت له حق الحبس إلا بشرط أو سبب مستقل.
الترجيح وتطبيقه المعاصر: في العقود المكتوبة المعاصرة يظهر أن الأذن مفترض ضمناً، أو دلالة بقدر ما نص عليه في العقد والعرف، فالتعاقد بصيغة تسليم معينة مثل CIF أو FCA أو غيرها يتضمن إذناً ضمنياً في تسليم البضاعة إلى الناقل أو تسليم المستندات إلى المصرف, لذا لا يحتاج كل فعل من أفعال القبض إلى إذن مستقل مادام جاريا على مقتضى العقد والعرف ولم يشترط خلافه صراحة.
الفرع الثاني: شروط صحة المقبوض:
الشرط الأول: خلو المقبوض من الموانع التي تمنع التمكين:
بحث الفقهاء اشتراط خلو المبيع من حقوق الغير أو ما يمنع الانتفاع والتمكين الكامل على النحو التالي:
- الحنفية والشافعية:[34](1) اشترطوا الا يكون بالمبيع ما يعطل الانتفاع، وضربوا لذلك أمثلاً فجاء من ضمن أمثالهم، انه لو باع داراً وسلمها وهي مشغولة بأمتعة البائع على وجه يضر بالمشتري، لم يعد ذلك قبضاً تاماً حتى تخلى.
- المالكية:[35](2) يشترطون تفريغ دار السكنى من متاع البائع، أما غيرها فيكفي فيها التخلية ولو بقى فيها شيء لا يضر بالانتفاع المقصود.
- الحنابلة[36](3): يعتبرون التخلية قبضاً ولو بقي للبائع شيء من المتاع ما لم يمنع من التصرف أو الانتفاع بالمبيع.
الترجيح وتطبيقه على البيوع الدولية: في البيوع الدولية يكون المبيع غالباً معيناً ومفرزاً (حاوية) ، شحنة، عدد معين من الطرود)، ولا يتصور فيه اشتغال المبيع بأمتعة البائع، لكن تبرز المسألة في صور حديثة، مثل:
- خضوع البضاعة لرهون أو حقوق امتياز لصالح ممولين
- توقيع حجوزات قضائية تمنع نقل الملكية أو التصرف.
والاقرب أن العبرة بوجود مانع حقيقي يمنع المشتري من الانتفاع أو التصرف:
- فإن قيد حق الغير يد المشتري ومنعه من التصرف، لم يكتمل القبض إلا بزواله أو ببيانه ورضا المشتري.
- أما إذا لم يمنع الحق العيني أو الرهن من التصرف، أمكن اعتبار القبض صحيحاً مع ضرورة التنصيص على هذه الحقوق في العقد، دفع للضرر وبياناً لحقيقة المبيع.
الشرط الثاني: تمييز المقبوض وقابليته للتسليم:
ذهب الحنفية ومن وافقهم إلى اشتراط أن يكون محل القبض مفرزاً متميزاً، فلا يصح القبض عندهم في الجزء من الكل، ولا في المقدار المستخرج من مخلوط لا يمكن إفرازه، لأن القبض الصحيح لا يتحقق في نظرهم إلا بعد الإفراز والتعيين[37](4)، وفي المقابل يرى جمهور المالكية والشافعية والحنابلة[38](5)، أن الشيوع لا ينافي صحة القبض، متى ما أمكن تحديد الحصة المشاعة والانتفاع بها. فلا يشترط الافراز السابق لقبول القبض عندهم[39](6)
ويمكننا القول أن البيوع الدولية قد تبنت من حيث التطبيق الاتجاه المماثل لرأي الحنفية، إذ تشترط الاتفاقيات والقواعد والأعراف التجارية الدولية أن تكون البضاعة محددة الهوية (Identified Goods) قبل انتقال الخطر إلى المشتري، ويتم هذا التحديد بوسائل عملية متعددة منها: النص الصريح في العقد على عين البضاعة، وضع علامات تعريفية مميزة عليها، تخصيص حاويات معينة لها، إصدار مستندات شحن خاصة بها ترفع الجهالة والاختلاط.
عليه فإن من شروط صحة القبض في البيوع الدولية أن يكون المبيع معيناناً تعييناً يرفع الجهالة، وأن يكون مفرزاً عن غيره، وقابلاً للتسليم وفقاً لطبيعة السلعة والعرف التجاري الدولي، حتى يترتب على القبض انتقال الضمان وجواز التصرف شرعاً ونظاماً.
التحليل المقارن للقبض في صيغ التسليم الدولية (Incoterms) وفي ضوء الفقه الإسلامي
بعد استكمال تحرير مفهوم القبض في الفقه الإسلامي، وبيان أركانه وصوره المختلفة، برزت الحاجة إلى بيان التطبيقات العملية للقبض والتسليم في البيوع الدولية[40](*) في إطار صيغ التسليم المعاصرة وقواعد الإنكوترمز، وذلك في سياق تحليلي مقارن يعيد قراءة ما سبق بناء تركيبي يجمع بين النظرية الفقهية والتنظيم التجاري الدولي، بهدف الوصول إلى تصور دقيق لمدى انسجام صيغ التسليم الدولية مع متطلبات القبض الشرعي، وما يترتب على ذلك من آثار في انتقال الضمان، وجواز التصرف، وسلامة العقود، ولا سيما في المطعومات وعقود التمويل الإسلامي.
الفرع الأول: الإطار النظري للمقارنة بين التسليم والقبض:
عند تأمل مفهوم القبض في الفقه الإسلامي ومفهوم التسليم في قواعد التجارة الدولية، يتبين أنه لا يصح اجراء مقارنة منهجية بينهما إلا بعد تحرير الإطار المفهومي لكل منهما على حده، وبيان منطلقاتهما وافاق تطبيقهما والآثار المترتبة عليهما، ثم الكشف عن موضع الالتقاء والافتراق بينهما، وذلك من خلال أربعة محاور رئيسية:
المحور الأول: مفهوم التسليم في مصطلحات التجارة الدولية:
تعرف قواعد الإنكوترمز التسليم بأنه النقطة التي ينتقل فيها الخطر(Risk) من البائع إلى المشتري بصرف النظر عن جهة تحمل التكاليف، وعليه فإن جوهر التسليم في هذه الصيغ يدور حول عنصرين أساسيين:
أولهما: تحديد المكان الذي يتحمل فيه المشتري تبعة الهلاك أو التلف سواء كان في دولة البائع كما في صيغة (EXW) وبعض صيغ التسليم للناقل، أو في ميناء الشحن، أو عند الناقل الأول، أو في ميناء الوصول، أو في مكان معين في دولة المشتري كما في الصيغ (DAP, DPU, DDP).
ثانيهما: تحديد التزامات البائع في النقل والتأمين والتخليص الجمركي، وهل يلتزم بمجرد جعل البضاعة تحت تصرف المشتري في مقره، أم بإيصالها إلى الناقل ، أم بشحنها على السفينة، أم بتحمل أجرة النقل والتأمين، أم بإتمام إجراءات الاستيراد وسداد الرسوم والضرائب.
ومن ثم فإن معيار التسليم في الإنكوترمز معيار تجاري وظيفي، غايته توزيع المخاطر والتكاليف بين الطرفين، ولا يستهدف في ذاته التقرير على صحة العقد من الناحية الفقهية أو القانونية العامة، وإنما يحدد فقط الإطار العملي لكيفية تنفيذ الالتزامات الناشئة عن عقد البيع الدولي.
ويوضح الجدول التالي توزيع الالتزامات والتكاليف بين البائع والمشتري بحسب كل شرط من شروط الإنكوترمز، بما يشمل مخاطر النقل، والتأمين، والتخليص الجمركي، وتكاليف الشحن[41](1).
|
الشرط (Incoterms) |
مسؤوليات البائع |
مسؤوليات المشتري |
|
التسليم في مقر البائع (EXS) Ex Works |
تجهيز البضاعة وجعلها متاحة في موقعه فقط |
جميع تكاليف النقل من موقع البائع ، التحميل، الشحن، التأمين، التخليص الجمركي |
|
FOB – Free On Board (التسليم على ظهر السفينة) |
تحميل البضائع على السفينة في ميناء الشحن. |
تكاليف الشحن والتأمين وما بعده، اضافة الى الرسوم الجمركية عند الوصول. |
|
FAS – Free Alongside Ship (التسليم بجانب السفينة) |
تسليم البضائع على الرصيف قرب السفينة |
التحميل على السفينة، الشجن، التأمين، والرسوم الجمركية. |
|
CFR – Cost and Freight (التكلفة والشحن) |
تحميل الضائع على السفينة ودفع تكاليف الشحن حتى ميناء الوصول. |
تحمل المخاطر بعد التحميل + التأمين (اختياري)، ورسوم الاستيراد. |
|
CIF – Cost, Insurance & Freight (التكلفة، التأمين والشحن) |
تحميل البضائع على السفينة ودفع الشحن والتأمين الالزامي حتى ميناء الوصول. |
تحمل المخاطر بعد التحميل + الرسوم الجمركية والتخليص. |
|
FCA – Free Carrier (التسليم الى الناقل) |
تسليم البضاعة للناقل المحدد في الموقع المتفق عليه. |
تكاليف النقل والتأمين والرسوم الجمركية بعد نقطة التسليم. |
|
CPT – Carriage Paid To… (النقل المدفوع الى…) |
دفع تكاليف النقل حتى الوجهة المحددة. |
يتحمل المخاطر بعد التسليم للناقل + تكاليف التأمين والرسوم. |
|
CIP – Carriage and Insurance Paid To… (النقل والتأمين المدفوع الى…) |
دفع تكاليف النقل والتأمين حتى الوحهة بمستوى تأمين موسع وفق Incoterms 2020. |
السروم الجمركية وكافة التكاليف بعد نقطة الوصول. |
|
DAP – Delivered at Place (التسليم في المكان المتفق عليه) |
تسليم البضاعة الى الموقع المحدد دون تخليص جمركي. |
الرسوم الجمركية والضرائب والتخليص عند الوصول. |
|
DPU Delivered at Place Unloaded (التسليم في مكان التفريغ) |
تسليم البضاعة في مكان الوصول بعد نفريغها – وهو ما كان يسمى سابقاً DAT. |
التخليص الجمركي والسروم بعد التفريغ. |
|
DDP – Delivered Duty Paid (التسليم مدفوع الرسوم) |
تحمل جميع التكاليف: النقل، التأمين، التخليص، والضرائب حتى موقع المشتري. |
استلام البضاعة دون أي تكاليف إضافية. |
الفرع الثاني: ربط مفهومي القبض الحقيقي والحكمي بالضمان
أما القبض في الفقه الإسلامي، فهو كما تقرر في المدونات الفقهية وكما جاء في هذا البحث، تمكين المشتري من المبيع تمكينا تاما، مع ارتفاع يد البائع والحائل، سواء كان هذا التمكين حقيقياً أو حكمياً، والعبرة في ذلك بمقاصد القبض وآثاره، لا بمجرد الصور والاشكال، ويمكن إجمال أبرز معالم هذا المفهوم في الآتي:
- القبض الحقيقي (الحسي): وهو النقل الفعلي للمبيع الى حيازة المشتري، أو تمكينه من حيازته مباشرة، كتناول السلع باليد، أو نقلها الى مخازنه، او تسليم مفاتيح العقار وتمكينه من دخوله والتصرف فيه وما الى ذلك من صور يقرها العرف.
- القبض الحكمي: وهو ما يقوم مقام القبض الحسي في التمكين، وإن لم تحصل الحيازة المادية المباشرة، كالتخلية بين المشتري والمبيع في مكانه مع رفع يد البائع عنه أو تسليم المستندات الممثلة للبضاعة تمثيلاً حقيقياً، أو القيد المصرفي النهائي في المعاملات المالية، أو تسليم الشيك المصرفي المصدق،[42](1) وغير ذلك مما اعتبرته المجامع الفقهية المعاصرة قبضاً حكمياً متى تحقق به المقصود من القبض.
- ارتباط القبض بالضمان والتصرف: الأصل أن الهلاك قبل القبض من ضمان البائع، وبعده من ضمان المشتري، وأن التصرف في المبيع بيعاً أو رهناً أو هبةً لا يكون صحيحاً، أو لا يخلو من كراهة ومنع قبل القبض في أنواع معينة من السلع والعقود، وعلى رأسها: الطعام، والمسلم فيه في عقد السلم[43](2).
الفرع الثالث: نقاط الالتقاء والافتراق بين التسليم والقبض
من خلال النظر في مفهوم التسليم في الإنكوترمز، ومفهوم القبض في الفقه، يمكن رصد عدد من نقاط الالتقاء والافتراق:
1.نقاط الالتقاء:
- كل منهما يبحث عن تحديد لحظة انتقال المسؤولية عن المبيع، وإن اختلفت زاوية النظر (مخاطر تجارية في الإنكوترمز، وضمان وتبعات شرعية في الفقه).
- كثير من صيغ التسليم تتضمن في واقعها درجة من التمكين للمشتري من المبيع (كما في التسليم للناقل، او عند الوصول الى بلد المشتري)، وهي فكرة قريبة من القبض الحكمي.
- كلُ منهما يعوّل على العرف في تفسير بعض الاجراءات الإنكوترمز تتكئ على الاعراف التجارية الدولية، والفقه يعتمد العرف في تعيين حقيقة القبض وحدوده.
2. نقاط الافتراق:
- الإنكوترمز لا تشتغل اصلاً بصحة العقد أو فساده، بل ترك ذلك الى القانون الواجب التطبيق، بينما القبض في الفقه له أثر مباشر في صحة بعض العقود أو لزومها أو جواز التصرف فيها.
- التسليم فقهياً لا يختزل في انتقال الخطر فقط، بل يرتبط بـ التمكين الفعلي أو الحكمي من الانتفاع والتصرف، وقد يتأخر الحكم بتمام القبض شرعاً عن النقطة التي تنتقل عندها المخاطر تجارياً.
- القبض الشرعي يأخذ في الاعتبار نوع المبيع وطبيعة العقد، إذ تتشدد الأحكام في الربويات والمطعومات وعقود السََلم والصرف، أكثر من غيرها.
الفرع الرابع: منهج المقارنة والتكييف في هذا البحث
في ضوء ما سبق، يقوم منهج هذا البحث في المقارنة بين التسليم والقبض على جملة من الأسس:
- عدم التسوية التلقائية بين لحظة التسليم في الإنكوترمز ولحظة القبض الشرعي، بل يُنظر في كل صيغة على حدة، مع مراعاة درجة التمكين وارتفاع يد البائع، ونوع المستندات، ومكان البضاعة.
- الاستئناس بقرارات المجامع الفقهية المتعلقة بالقبض الحكمي والقيد المصرفي، والقبض بالمستندات، مع تنزيلها على السياق الخاص بصيغ التسليم الدولية.
- اعتبار العرف التجاري الدولي في تفسير كيفية التسليم والسيطرة المستندية على البضاعة، ما لم يخالف نصًّا شرعياً او قاعدة قطعية.
- التفريق بين الحكم على أصل الصيغة من حيث صلاحها للتكييف الشرعي، وبين الحكم على التطبيقات الواقعية التي قد يشوبها غرر او تدليس او نقص في التمكين، مما يستدعي التحقق في كل عقد بعينه.
وبناءً على هذا الاطار النظري، يمكننا بيان تصنيف صيغ التسليم بحسب موضع القبض وقوّته، كما سيأتي في الفروع التالية:
الفرع الثاني: تصنيف صيغ التسليم بحسب مكان وزمان القبض وقوته[44](1(
بعد بيان الاطار النظري للمقارنة، يتوجب قراءة تصنيفية لصيغ التسليم في الإنكوترمز، لا من حيث تقسيمها الرسمي ( بحري / جميع وسائل النقل) فحسب، بل من حيث موضع تحقق القبض الشرعي وقوته، وذلك بغرض الوصول الى تصور واضح لمدى قوة القبض في كل مجموعة من الصيغ، وأثر ذلك في الضمان والتصرفات اللاحقة. وينتظم هذا الفرع في ثلاثة محاور:
المحور الاول: الصيغ التي يتحقق القبض فيها في دولة البائع أو عند الناقل:
يدخل في هذا القسم معظم الصيغ التي ينتقل فيها الخطر الى المشتري قبل وصول البضاعة الى بلده، ويمكن تقسيمها من زاوية فقهية إلى ثلاث فئات فرعية:
-
- الفئة الأولى: صيغ القبض بالتخلية في مقر البائع (EXW): في هذه الصيغة يجعل المبيع تحت تصرف المشتري في مقر البائع، ويتحمل المشتري جميع تكاليف النقل والمخاطر اللاحقة. ومن حيث القبض الشرعي:
- يعتبر ما يتحقق هنا قبضاً بالتخلية؛ إذ يرفع البائع يده عن المبيع، ويمكن المشتري من نقله بلا حائل.
- يتحقق القبض الحكمي بمجرد التمكين، ثم يتأكد بالقبض الحسي عند مباشرة المشتري او من ينوب عنه للنقل والاستلام.
- تعد هذه الصورة قريبة مما ذكره الفقهاء في قبض العقار والمنقول بالتخلية ونحوها.
- الفئة الثانية: صيغ القبض عن الناقل الأول (CIP) (CPT) (FCA): في هذه الصيغ يسلم البائع البضاعة للناقل الذي يعمل لمصلحة المشتري او بموافقته، وينتقل الخطر الى المشتري من تلك اللحظة، مع اختلاف في التزامات البائع بالنقل والتأمين.
أما من جهة التكييف الفقهي:
- يتحقق زوال يد البائع بتسليم البضاعة للناقل.
- تُعد يد النقال يداً نائبة عن المشتري في الحفظ والنقل، ما دام متعاقداً مع أو معيناً من قبله.
- تُعد مستندات النقل ، وما يلحق بها من وثائق التأمين ، بمثابة قرائن قوية على تحقق القبض الحكمي؛ لأنها تمكن المشتري من الطالبية بالبضاعة والتصرف فيها.
- الفئة الثالثة: صيغ القبض البحري عند شحن البضاعة (FOB) (CFR) (CIF) (FAS) : في هذه الصيغ ينتقل الخطر الى المشتري عند شحن البضائع على السفينة او وضعها بمحاذاتها (FAS)، مع اختلاق في تحمل أجرة النقل والتكليف.
أما من حيث القبض:
- يتحقق القبض الحكمي عند شحن البضاعة وتسليم سند الشحن (Bill of Lading، إذ يصبح حامل السند هو صاحب السيطرة القانونية على البضاعة.
- في FAS يتحقق القبض بالتخلية عند وضع البضاعة بمحاذاة السفينة في الميناء، مع تمكين المشتري من التحميل.
- تعد هذه الصورة من أعلى درجات القبض الحكمي المستندي في البيوع البحرية.
المحور الثاني: الصيغ التي يتحقق القبض فيها في دولة المشتري
وهي الصيغ التي يظل فيها الخطر على البائع حتى بلوغ البضاعة الى بلد المشتري والمكان المتفق عليه، وهي على ثلاث فئات:
-
- الفئة الأولى: التسليم في المكان المسمّى(DAP – Delivered at Place): يكون التسليم بوضع البضاعة على وسيلة النقل في المكان المتفق عليه في بلد المشتري، جاهزة للتفريغ، ويتحقق القبض الشرعي هنا قبضاً حقيقياً او حكمياً قوياً؛ إذ البضاعة في بلد المشتري وتحت يده العرفية، ولو لم تٌفرغ بعد.
- الفئة الثانية: التسليم في المكان المسمّى بعد التفريغ((DPU – Delivered at Place Unloaded:
وفي هذه الفئة يلزم البائع بنقل البضاعة الى المكان المتفق عليه وتفريغها. ويتحقق القبض بعد التفريغ مباشرة، وهو قبض حسي واضح، لان المشتري يتمكن من استلام البضاعة ماديةً.
-
- الفئة الثالثة: التسليم مع سداد الرسوم : (DDP – Delivered Duty Paid) يلتزم البائع بالنقل والتصدير والاستيراد وسداد الرسوم والضرائب حتى تسليم البضاعة في المكان المتفق عليه تحت تصرف المشتري، والقبض هنا في أعلى درجاته إذ ترفع جميع الحواجز النظامية، وتصبح البضاعة في بلد المشتري تحت يده، جاهزة للاستلام والتصرف فوراً.
الفرع الثالث: ترتيب صيغ التسليم بحسب قوة القبض الشرعي
بناءً على ما سبق، يمكن ترتيب صيغ التسليم ، على سبيل التقريب في ثلاث درجات من حيث قوة القبض، كما يلي:
-
- الدرجة الأولى: القبض الحقيقي أو الحكمي في أعلى صوره: وتتمثل هذه الدرجة في شروط التسليم في الصيغة ( DAP ،DPU ، DDP )، حيث يكون التسليم في بلد المشتري، وغالبا في المكان انهائي المتفق عليه، مع رفع الكثير من الموانع النظامية والعملية.
- الدرجة الثانية : القبض الحكمي القوي عند الناقل أو في ميناء الشحن: وتتمثل هذه الدرجة في شروط التسليم في الصيغة (FAS ،CIP ،CPT ،FCA ،CIF،CFR ،FOB )، حيث يتحقق القبض الحكمي بالجمع بين التسليم للناقل أو الشحن على السفينة، وتسليم المستندات الممثلة للبضاعة.
- الدرجة الثالثة: القبض بالتخلية في مقر البائع: وهذه الدرجة تتمثل في صيغة التسليم في مقر البائع (EXS) Ex Works، يكون القبض فيه بالتخلية، وهو أصل معتبر شرعاً، لكنه يعتمد في قوته على جدية تمكين المشتري وعلى سرعة مباشرته للاستلام، وهذا التصنيف لا يهدف الى الحكم القاطع على كل صيغة بالصحة أو البطلان، وانما إلى بيان مدى قوة القبض المتحقق فيها، تمهيداً لبناء الأحكام والتوصيات .
المطلب الخامس
الآثار الفقهية للمقارنة وضوابط تنزيل أحكام القبض على البيوع الدولية
بعد استكمال التصنيف السابق لصيغ التسليم من حيث موضع القبض وقوته، يمكننا تحديد جملة من الآثار الفقهية العملية المترتبة على هذه المقارنة، مع وضع ضوابط تساعد على تنزيل قرارات المجامع الفقهية والقواعد الشرعية على واقع البيوع الدولية، وخاصة في مجال التمويل الاسلامي. وينتظم هذا المطلب اربعة فروع:
الفرع الأول: أثر درجات القبض في انتقال الضمان:
يرتبط القبض في الفقه الاسلامي ارتباطاً وثيقاً بمسألة الضمان، اذ تقرر القاعدة ان الهلاك قبل القبض من ضمان البائع، وبعده من ضمان المشتري، ويترتب على ذلك:
- صيغ الدرجة الأولى (DAB، DPU، DDP): يسهل تنزيل نقطة التسليم فيها على أنها لحظة انتقال الضمان شرعاً، لتحقق القبض الحقيقي أو الحكمي القوي، فتكون تبعة الهلاك بعد التسليم على المشتري، سواء وقع الهلاك في المخازن أو بعد استلام البضاعة.
- صيغ الدرجة الثانية: (FOB، CFR، CIF، FCA، CPT، CIP، FAS): يعد القبض الحكمي بالناقل أو بالمستندات كافياً في الجملة لترتيب انتقال الضمان الى المشتري، ما دام قد تحققت التخلية، وزالت يد البائع، وتمكن المشتري عرفاً من المطالبة بالمبيع أو التصرف فيه.
- صيغة: EXW: يقتضي تنزيل الضمان مزيد تحقق من واقع التخلية، فإذا كانت التخلية حقيقية، وتم تمكين المشتري من استلام البضاعة بلا حائل، أمكن اعتبار الضمان منتقلاً إليه من تلك اللحظة ن والا بقي الضمان على البائع الى حين تحقق التمكين.
الفرع الثاني: أثر المقارنة في جواز التصرف في المبيع:
من اثار القبض ايضا جواز تصرف المشتري في المبيع بيعاً أو رهناً أو غير ذلك، ويفرق في ذلك بين نوع السلعة وطبيعة العقد:
- السلع غير الربوية وما لا يتشدد فيه القبض: بعد تحقق القبض، حسياً او حكمياً في أي من الصيغ المذكورة، يجوز للمشتري التصرف في المبيع، ولو كان في الطريق، كما هو الشأن في كثير من البيوع البحرية المعاصرة حيث تباع البضاعة وهي (في البحر).
- السلع الربوية والمطعومات: تتشدد الأحكام، نظراً للنصوص الواردة في النهي عن بيع السلع الربوية أو الطعام قبل قبضه، وفي اشتراط التقابض في الربويات، لذا يستحسن من جهة الاحتياط، تأخير إعادة بيع المطعومات إلى ما بعد تحقق قبض قوي، خصوصاً في صيغ الدرجة الثانية (CIF، CFR، CPT، CIP) والاكتفاء بقبض المستندات في بعض الأحوال التي تدعو الحاجة فيها إلى ذلك، وفق ما ترجح لدى طائفة من المعاصرين.
- عقود التمويل الاسلامي (المرابحة للآمر بالشراء ونحوها) تتأكد أهمية التحقق من القبض الشرعي في صيغ التسليم المستخدمة، اذ لا يجوز للمؤسسة المالية أن تبيع للعميل سلعة لم تقبضها قبضاً معتبراً، وإلا وقع التعامل في بيع ما لا تملك أو ما لم تقبضه على وجه معتبر.
الفرع الثالث: ضوابط تنزيل قرارات المجامع الفقهية على البيوع الدولية: يمكن اجمال هذه الضوابط فيما يأتي:
- اعتبار القبض الحقيقي أصلاً، والحكمي استثناء عند الحاجة: الأصل ان يكون القبض حسياً حيث يمكن، ويصار الى القبض الحكمي حيث تدعو الحاجة، وكان العرف والنظام يعتدان به، ولم يرد نص خاص يوجب القبض الحسي (كالربويات والصرف).
- التأكد من تحقق التمكين وارتفاع المانع: في التسليم للناقل لابد أن يكون الناقل متعاقداً مع المشتري أو معيناً من قبله، وان تكون البضاعة معينة متميزة، وأن يمكن المشتري من المطالبة بها.
- في القبض بالمستندات: ان تكون المستندات أداة حقيقية للسيطرة على البضاعة، لا مجرد اوراق لا قيمة لها.
- في القيد المصرفي: أن يكون القيد نهائياً غير قابل للإلغاء من طرف واحد، لا قيد صورياً أو معلقاً على شرط أو اجراء لاحق.
- مراعاة نوع العقد وطبيعة المبيع: في عقود السلم والصرف: يشترط التقابض في المجلس أو ما يقوم مقامه حكماً عبر القيود المصرفية المتزامنة.
- في السلع الربوية والطعام: يشتد الاحتياط، ويقدم القبض الحقيقي متى أمكن، أو الحكمي القوي على غيره.
- تضمين العقود نصوصاً صريحة في تحديد موضع القبض: كأن ينص على أن تسليم البضاعة للناقل الفلاني في ميناء الشحن يعد قبضاً حكمياً للمشتري، أو أن القيد النهائي للثمن، مع مراعاة إلا يخالف ذلك نصاً شرعياً.
يظهر من خلال هذا المطلب أن الجمع بين فقه القبض وقواعد الإنكوترمز يفتح مجالاً واسعاً لبناء نماذج تعاقدية معاصرة منضبطة شرعاً، ومتفقة في الوقت ذاته مع المتطلبات الفنية للتجارة الدولية. كما يظهر أن الفقه الإسلامي، بما يملكه من مرونة في الاعتداد بالعرف والقبض الحكمي، قادر على استيعاب التعقيد المتزايد في أنماط التبادل التجاري، دون التفريط في الثوابت الشرعية المتعلقة بالضمان والعدالة ورفع الغرر.
وبذلك يكون هذا المطلب قد استكمل جانب المقارنة والتحليل، مكملاً لما سبقه من مبحث نظري عن القبض وأحكامه، ومبحث تطبيقي عن صيغ التسليم والقبض المستندي والمصرفي في البيوع الدولية في إطار تكاملي يربط بين الأصول الفقهية والواقع التجاري الدولي.
الخاتمة:
أولاً: أهم نتائج البحث:
- القبض في الفقه الإسلامي يدور على التمكين وارتفاع يد البائع، حقيقة أو حكماً، وأن اختلاف صوره لا يغير من حقيقته الشرعية ما دام التمكين قد تحقق. .
- الأهلية والولاية شرط جوهري لنفاذ القبض، وأحداث أثره، ولا يعتد بالقبض الصادر من غير ذي ولاية، خاصة في البيئة المؤسسية ما دام التمكين قد تحقق.
- الشريعة تعتد بالقبض الحكمي عند الحاجة، وقد أقرت المجامع الفقهية القبض بالمستندات والقيد المصرفي بوصفه قبضاً معتبراً
- ان المرجع في الفقه الإسلامي في كيفية القبض إلى العرف ما لم يخالف نصاً شرعياً، مما يفتح الباب أمام تنزيل أحكام القبض على صور التجارة الدولية الحديثة، متى تحقق معنى التمكين ورفع المانع.
- صيغ الإنكوترمز تختلف في قوة القبض المتحقق فيها، ويمكن تصنيفها إلى: قبض حقيقي (DAP,DPU,DDP) قبض حكمي قوي (FOB,CFR,CIF,FAC,CPT,CIP,FAS) وقبض بالتخلية (EXW).
- التسليم التجاري (Delivery) ليس مطابقاً دائماً للقبض الشرعي، بل قد يتقدم أو يتأخر عنه بحسب التمكين الحقيقي أو الحكمي.
- القبض المستندي يشكل ركيزة أساسية في التجار الدولية، ويعد قبضاً معتبراً متى كانت المستندات تمثل السيطرة الفعلية على المبيع.
- السلع الربوية والمطعومات تحتاج إلى مزيد احتياط في تنزيل أحكام القبض، ولا يصح بيعها قبل قبض معتبر.
- يمكن مواءمة فقه القبض مع صيغ التسليم الدولية دون إخلال بمقاصد الشريعة، شريطة تحديد الولاية، والتمكين، ونقل انتقال الضمان بدقة.
ثانياً: التوصيات:
- تضمين عقود البيع الدولية بنداً يحدد لحظة القبض الشرعي ومكانه، وربطه بنقطة انتقال الخطر في الإنكوترمز.
- التحقق من الولاية والتفويض في الشركات والمؤسسات قبل اعتماد أي قبض أو إقباض، خصوصاً في الاعتمادات المستندية.
- اشتراط القبض الحقيقي، أو القبض الحكمي القوي في السلع والمطعومات قبل إعادة بيعها.
- اعتماد المستندات التجارية والقيد المصرفي بوصفها أدوات قبض معتبرة، بشرط استكمال الضوابط الشرعية.
- تطوير عقود بيع دولية متوافقة مع الشريعة، تدمج قواعد الفقه مع صيغ الإنكوترمز، لضبط التعامل في التجارة الدولية.
قائمة المراجع:
القرآن الكريم وتفاسيره
القرآن الكريم
كتب الحديث وشروحه
محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي ـ صحيح البخاري ـ تحقيق مصطفي ديب البغا ـ دار ابن كثير اليمامة بيروت الطبعة الثالثة 1987
- أبي عيسى محمد عيسى بن سورة بن موسى ابن الضحاك الترمزي – سنن الترمزي – دار الحضارة للنشر والتوزيع الرياض – الطبعة الثانية 2015م
- الأمام الحافظ أبي داؤود سليمان بن الأشعث بن إسحاق الأزدي السجستاني – سنن أبي داؤود – دار السلام للنشر والتوزيع الرياض
كتب معاجم اللغة العربية:
- الإمام العلامة أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم أبن منظور الأفريقي المصري – لسان العرب – دار صادر بيروت
- الشيخ الإمام محمد بن أبي بكر بن عبدالقادر الرازي – مختار الصحاح – دار الفكر بيروت 1981م
كتب الفقه الحنفي :
- علاء الدين ابي بكر بن سعود الكساني – بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع – دار الحديث القاهرة 2005م
- الإمام أبي زكريا محيي الدين بن شرف النووي – كتاب المجموع شرح المهذب للشيرازي – المحقق محمد نجيب المطيعي – مكتب الارشاد جدة
- العلامة محمد أمين الشهير بأبن عابدين – رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار – دار عالم الكتب – الرياض
- أبي محمد بن غانم بن محمد البغدادي – مجمع الضمانات في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان – دار السلام القاهرة
كتب الفقه المالكي :
- أبي عبدالله محمد الانصاري الرصاع – شرح حدود ابن عرفة الموسوم الهداية الكافية الشافية لبيان حقائق الإمام ابن عرفة الوافية – دار العر الإسلامي بيروت 1993
- العالم شمس الدين الشيخ محمد عرفة الدسوقي – حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، دار احياء الكتب العربية
كتب الفقه الشافعي
- الشيخ شمس الدين محمد بن الخطيب الشربيني -مغنى المحتاج إلى معرفة معاني الفاظ المنهاج – دار المعرفة بيروت – الطبعة الأولى 1997م
كتب الفقه الحنبلي
- موفق الدين أبو محمد عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي – المغني – تحقيق د.عبدالله بن عبدالمحسن التركي، ود. عبدالفتاح محمد الحلو – دار عالم الكتب الرياض طبع الثالثة 1997م
- الشيخ منصور بن يونس بن ادريس البهوتي شرح منتهي الارادات دقائق أولي النهي لشرح المنتهى – مؤسسة الرسالة 2000م
الكتب والمؤلفات القانونية الحديثة
- د. إسماعيل كاظم العيساوي – صور التسليم والتسلم في العقود المالية
- بنك البلاد – أمانة الهيئة الشرعية ، الضوابط المستخلصة من قرارات الهيئة الشرعية – دار الميمان 2013م – الضابط (431 و 432 و 436)
- د.علاء الدين عبدالرزاق الجنكو – التقابض في الفقه الإسلامي واثره على البيوع المعاصرة – دار النفائس للنشر والتوزيع – الأردن 2004م ط 1
- القسم العلمي بمؤسسة الدرر السنية – فقه المعاملات المالية – كتاب البيع – الدرر السنية الرياض 2022م
المواقع في الشبكة العالمية (النت):
- موقع الجمهرة معلمة مفردات المحتوى الاسلامي على الرابط التالي: https://islamic-content.com
- https://uncitral.un.org/ar/texts/salegoods/conventions/sale_of_goods/cisg
https://iccwbo.org/business-solutions/incoterms-rules/incoterms-2020/
- https://2go.iccwbo.org/incoterms-2020-eng-config+book_version-Book/
- موقع منظمة التعاون الإسلامي ، قرارات الدورة السادسة: https://iifa-aifi.org/ar/1792.html#_ftn1
- لقمان عبد السلام – حقيقة القبض في فقه المعاملات – https://islamonline.net/
- https://www.brp.com/content/dam/connectedassets/brp-corporate/images/website/Incoterms%202020.pdf?utm_source=chatgpt.com
- Johan Erauw – CISG Articles 66-70: The risk of loss and passing IT – erauw.pdf
الهوامش:
-
(1) ابي عيسى محمد عيسى بن سورة بن موسى إبن الضحاك الترمزي – سنن الترمزي – دار الحضارة للنشر والتوزيع الرياض – الطبعة الثانية 2015م الحديث: (487) ↑
-
(2) الشيخ شمس الدين محمد بن الخطيب الشربيني -مغنى المحتاج إلى معرفة معاني الفاظ المنهاج – دار المعرفة بيروت – الطبعة الأولى 1997م – ج 2 ص 22 ↑
-
(1) العلامة محمد أمين الشهير بأبن عابدين – رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار – دار عالم الكتب – الرياض ج 1 ص – 125 ، 126 ↑
-
(2) الامام الحافظ أبي داؤود سليمان بن الاشعث بن إسحاق الأزدي السجستاني – سنن أبي داؤود – دار السلام للنشر والتوزيع الرياض – الجديث: 3488 ص 503 وينظر: الأمام أبي عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي – صحيح البخاري – دار ابن كثير دمشق م بيروت الحديث : 2121 ص 779 ↑
-
(3) https://uncitral.un.org/ar/texts/salegoods/conventions/sale_of_goods/cisg ↑
-
(4) https://iccwbo.org/business-solutions/incoterms-rules/incoterms-2020/ ↑
-
(1) https://2go.iccwbo.org/incoterms-2020-eng-config+book_version-Book/ ↑
-
(1) الإمام العلامة أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم أبن منظور الأفريقي المصري – لسان العرب – دار صادر بيروت – المجلد 7 ص 213 ↑
-
(2) الشيخ الإمام محمد بن أبي بكر بن عبدالقادر الرازي – مختار الصحاح – دار الفكر بيروت 1981م – ص 519 ↑
-
(3) علاء الدين ابي بكر بن سعود الكساني – بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع – دار الحديث القاهرة 2005م- ج 6 ص 507 ↑
-
(4) أبي عبدالله محمد الانصاري الرصاع – شرح حدود ابن عرفة الموسوم الهداية الكافية الشافية لبيان حقائق الإمام ابن عرفة الوافية – دار العر الإسلامي بيروت 1993 ص344 ↑
-
(5) الإمام أبي زكريا محيي الدين بن شرف النووي – كتاب المجموع شرح المهذب للشيرازي – دار الكتب العلمية بيروت 2002م – ج 11 ص 101 ↑
-
(1) موفق الدين أبو محمد عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي – المغني – تحقيق د.عبدالله بن عبدالمحسن التركي، ود. عبدالفتاح محمد الحلو – دار عالم الكتب الرياض طبع الثالثة 1997م ج6 ص 186، 187 ↑
-
(2) ابن عابدين – حاشية ابن عابدين – مرجع سابق – ج 14 ص 233 ↑
-
(3) موقع منظمة التعاون الإسلامي ، قرارات الدورة السادسة: https://iifa-aifi.org/ar/1792.html#_ftn1 ↑
-
(1) بنك البلاد – أمانة الهيئة الشرعية ، الضوابط المستخلصة من قرارات الهيئة الشرعية – دار الميمان 2013م – الضابط (431 و 432 و 436) ↑
-
(2) أنظر: د. إسماعيل كاظم العيساوي – صور التسليم والتسلم في العقود المالية ص 227 ↑
-
(1) Johan Erauw – CISG Articles 66-70: The risk of loss and passing IT – erauw.pdf ↑
-
(2) د.علاء الدين عبدالرزاق الجنكو – التقابض في الفقه الإسلامي واثره على البيوع المعاصرة – دار النفائس للنشر والتوزيع – الأردن 2004م ط 1 ص 85 ↑
-
(1) د.علاء الدين عبدالرزاق الجنكو- المرجع السابق – ص 85 ↑
-
(2) المرجع السابق – ص 85 ↑
-
(1) علاء الدين الكساني – مرجع سابق – ج6ص 413 ↑
-
(2) حاشية الدسوقي – مرجع سابق – ج3 ص 6 ↑
-
(3) المغني – مرجع سابق ص 329، الشيخ شمس الدين محمد بن الخطيب الشربيني -مغنى المحتاج إلى معرفة معاني الفاظ المنهاج – دار المعرفة بيروت – الطبعة الأولى 1997م – ج2 ص128 ↑
-
(1) ابن قدامة، موفق الدين ابي محمد عبدالله بن احمد بن محمد بن قدامة – المغني– دار عالم الكتب الرياض 1986 ج6 ص 1 ↑
-
(2) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع – مرجع سابق – ج6ص 126 ↑
-
(3) بدائع لصنائع في ترتيب الشرائع – المرجع السابق – ج ص 126 ↑
-
(4) الشيخ منصور بن يونس بن ادريس البهوتي شرح منتهي الارادات دقائق أولي النهي لشرح المنتهى – مؤسسة الرسالة 2000م- ج 3 ص 239 ↑
-
(5) بدائع الصنائع – مرجع سابق – ج 5 ص 152، حاشية الدسوقي – مرجع سابق- ج 4 ص 107 ، المغني – مرجع سابق – ج 5 ص 107 ، ↑
-
(1) لقمان عبد السلام – حقيقة القبض في فقه المعاملات – https://islamonline.net/ ↑
-
(2) شرح منتهى الإرادات – مرجع سابق – ص 231 ↑
-
(2) الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد 42 ص 132 ↑
-
(3) المغني – مرجع سابق – ج 4 ص 249 ↑
-
(1) أبي محمد بن غانم بن محمد البغدادي – مجمع الضمانات في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان – دار السلام القاهرة 1999م – ج1 ص 485 ، مغني المحتاج ، مرجع سابق – ص 72 ↑
-
(2) حدود بن عرفة – مرجع سابق ↑
-
(3) الروض المربع – كشاف القناع ↑
-
(4) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، مرجع سابق ج6/138 ↑
-
(5) حدود بن عرفة – مرجع سابق، بدائع الصنائع – مرجع سابق ↑
-
(6) د.علاء الدين الجنكو – مرجع سابق – ص 104 ↑
-
(*) البيع الدولي: هو عقد تجاري يقع بين طرفين متواجدين ، أو تتواجد منشآتهما في دولتين مختلفتين ، ويتضمن عادة نقل البضائع أو الخدمات عبر الحدود باستخدام وسائل النقل الدولية، ويخضع لأعراف وقواعد خاصة أهمها: اتفاقية الأمم المتحدة لعقود البيع الدولي للبضائع (CISG) لعام 1980 ، والتي تنم التزامات البائع والمشتري، ومصطلحات التجارة الدولية (INVOTERMS 2020) الصادرة عن غرفة التجارة الدولية (ICC) ، القوانين الوطنية للتجارة والنقل البحري والجوي، وأنظمة الجمارك وقواعد الاعتمادات المستندية (UCP) ↑
-
(1) https://www.brp.com/content/dam/connectedassets/brp-corporate/images/website/Incoterms%202020.pdf?utm_source=chatgpt.com ↑
-
(1) القسم العلمي بمؤسسة الدرر السنية – فقه المعاملات المالية – كتاب البيع – الدرر السنية الرياض 2022م – ج 1 ص 418 ↑
-
(2) مجمع الضمانات – مرجع سابق – ص 508 ↑
-
(1( المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية – التجارة الدولية – بدون دار نشر 2018م – ص 30 ↑